← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37002

سلسلة علو الهمة - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (305 стр.). Показаны 281–305 · переход к 286.

стр. 281

منهجية العلماء في طلب العلم من النتوءات التي أشرنا إليها: محاولة القفز فوق السلم في طلب العلم، ونجد كثيراً من الإخوة يشتغلون بعلم الحديث، وبأشياء هي من فروض الكفايات في علم الحديث، مثل العلل والرجال والأسانيد وكذا وكذا، وينفقون أوقاتاً طويلة جداً في ذلك، وهم قد يلحنون في كلام الله، أو قد يهملون حفظ كتاب الله ﵎، ولذلك كانت سنة العلماء إذا أتاهم طالب العلم يطلب الحديث أن يسألوه: هل حفظت القرآن؟ فإن قال: لا، رفضوا أن يحدثوه، ويطرد من المجلس، إلى أن يتم حفظ القرآن ويختبر، ثم بعد ذلك يشرع في تلقي ما عداه من العلوم الشرعية. فمن المؤلم أن يصير هذا شعار بعض الناس في بعض البلاد ممن ينتسبون للسلفية، فهل هذه هي السلفية؟! فإهمال كلام الله ، وإشغال الشباب بما عدا كلام الله ليس من السلفية في شيء، ونحن لا نقول: إنك تهجر العلوم الأخرى، لكن ممكن أن الإنسان يترفق إذا أراد أن ينجز هذا الهدف، فينبغي أن يفرغ ذهنه وقلبه لهذه المهمة، وإذا تشتت فلن ينجز الهدف بالصورة المطلوبة، لكن عليه أن يركز في هذا الهدف ليل نهار إلى أن يوفقه الله ، فإذا فتح له حفظ القرآن فسوف يفتح له كل باب من أبواب الخير بإذن الله ﵎. فالاشتغال بعلوم الحديث والأسانيد من فروض الكفايات، ويوجد الآن من العلماء -ولله الحمد- من هم أعظم باعاً من إخواننا طلبة العلم وقد أنجزوا كثيراً من الإنجازات في هذا المجال، فلا مانع من الاهتمام بهذه العلوم، لكن بشرط ألا تشغل عن القرآن، فإذا كان ما زال هناك نقص في القرآن فاشتغل أولاً بالقرآن الكريم، ثم إذا فرغت بعد ذلك فلك أن تتحول إلى غيره.

стр. 282

التحذير من هجر القرآن الكريم ولقد حذر الله من هجر القرآن، فقال : ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، فقد هجر الكثير كلام الله ، حتى إن المصحف لتتراكم عليه أكوام الأتربة، أو ربما ينفضها لكن لمجرد الزينة في البيت أو السيارة، وكل حياتنا أصبحت مضادة لكتاب الله . فهذا هو هجر القرآن، وهؤلاء هم الذين يشكوهم رسول الله إلى ربه : ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، يعني: متروكاً معرضاً عنه. وهذه الآية وإن كانت أصالة في المشركين -وإعراض المشركين هو عدم إيمانهم بكلام الله- إلا أن نظمها الكريم مما يرهب عموم المعرضين عن العمل بالقرآن والأخذ بآدابه، الذي هو حقيقة الهجر؛ لأن الناس إنما تعبدوا منه بذلك، ولا تؤثر تلاوته إلا لمن تدبرها، ولا يتدبرها إلا من يقوم بها ويتمسك بأحكامها.

стр. 283

أنواع هجر القرآن الكريم وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه المبارك (الفوائد) حينما كان يتكلم عن هذه الآية في سورة الفرقان أنواع الهجر فقال: هجر القرآن أنواع: أحدها: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه. الثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به. الثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه، واعتقاد أنه لا يفيد اليقين، وأن أدلته ظنية لا يحصل بها العلم. الرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه. الخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره، ويهجر التداوي به. وهذه بلا شك من أعم المصائب الآن، فنحن لا ننتبه إلى أن كل ما فينا من أمراض -خاصة الأمراض القلبية- إنما دواؤها في القرآن الكريم، كما قال : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢]، فكأننا لا نوقن بهذا الكلام، فنحن نتلوه لكن لا نتدبره، ونطلب الشفاء في غير كلام الله . ونجد كثيراً من الناس يدعون الشباب -مثلاً- إلى قراءة (إحياء علوم الدين) أو كتب الصوفية أو كذا وكذا، ويشغلونهم بهذا، مع أن الدواء الناجع لقلوب المؤمنين هو الاشتغال بكلام الله ، وأصبح حالنا كحال الشاعر الذي قال: كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول بل حالنا أسوأ من حال العيس؛ لأن العيس -وهي: الجمال أو النوق- التي تحمل الماء فوق ظهورها ويكاد يقتلها الظمأ قد لا تعرف أن الذي فوق ظهرها ماء، وإذا عرفت فقد لا تستطيع أن تصل إليه، لكننا نحن نعرف أن دواءنا في القرآن الكريم، وأن شفاء قلوبنا في كلام الله ، فبالتالي نكون أسوأ حالاً من العيس التي يقتلها الظمأ في البيداء والماء فوق ظهورها محمول. فكل من أراد أن يداوي قلبه فعليه أن يقبل على القرآن؛ فإن القرآن الكريم هو الذي يعالج ما في قلبه من الأمراض والشهوات والأدواء. فيقول ابن القيم: النوع الخامس من هجر القرآن الكريم: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره، ويهجر التداوي به. قال ابن القيم: وكل هذا داخل في الآية، وإن كان بعض الهجر أهون من بعض. وفي الإكليل يقول السيوطي: إن في الآية إشارة إلى التحذير من هجر المصحف وعدم تعاهده بالقراءة فيه. وقال أبو السعود في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]: فيه تلويح بأن من حق المؤمن أن يكون كثير التعاهد للقرآن؛ كي لا يندرج تحت ظاهر النظم الكريم. ثم قال: وفيه من التحذير ما لا يخفى، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا شكوا إلى الله تعالى قومهم عجل لهم العذاب ولم ينظروا.

стр. 284

وجوب إعطاء القرآن الكريم الأولوية المطلقة في طلب العلم نعيد التنبيه على وجوب إعطاء القرآن الأولوية المطلقة في طلب العلم، حتى لو كان الإنسان قد كبر في السن؛ لأن كل حرف من القرآن تقرؤه فأنت تتعبد بتلاوته، فحفظ القرآن ليس كحفظ غيره من العلوم، فهل الثواب الذي تناله من حفظ القرآن مثل الثواب الذي تناله من حفظ متن في الفقه أو الأصول أو منظومة في النحو أو غيرها من العلوم؟ فلا شك أن حفظ القرآن له المزايا العظيمة؛ لأنه كلام الله ، وكل هذه الفضائل لا يمكن تحصيلها من غير كلام الله ، فلا ينبغي أبداً أن ينشغل الإنسان بالمفضول عن هذا الفاضل. وقد روى ابن المديني عن عبد الوهاب بن همام عن ابن جريج قال: أتيت عطاء وأنا أريد هذا الشأن - أي: الحديث والعلم- وعنده عبد الله بن عبيد بن عمير، فقال لي ابن عمير: قرأت القرآن -يعني: حفظت القرآن-؟ قلت: لا، قال: اذهب فاقرأه، ثم اطلب العلم، فذهبت زماناً حتى قرأت القرآن، ثم جئت عطاء وعنده عبد الله، فقال: قرأت الفريضة؟ قلت: لا، قال: فتعلم الفريضة ثم اطلب العلم. والفريضة هي المواريث؛ لأن هذه من العلوم الأساسية التي تكاد تنقرض الآن. قال: فطلبت الفريضة، ثم جئت، فقال: الآن تطلب العلم. وقال أبو العيناء: أتيت عبد الله بن داود فقال: ما جاء بك؟ قلت: الحديث -أي: أريد طلب الحديث- قال: اذهب فتحفظ القرآن؟ قلت: قد حفظت القرآن، قال: اقرأ ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ [يونس:٧١]، فقرأت العشر حتى أنفذته، فقال لي: اذهب الآن فتعلم الفرائض -المواريث- قلت: قد تعلمت الصلب والجدة والكبر -أي: مسائل الفرائض الكبرى- قال: فأيما أقرب إليك ابن أخيك أو عمك؟ قال هذا ليمتحنه. قال: قلت: ابن أخي، قال: ولمَ؟ قلت: لأن أخي من أبي وعمي من جدي، قال: اذهب الآن فتعلم العربية، قال: قد علمتها قبل هذين، قال: فلمَ قال: عمر حين طعن (يا لَله ولِلمسلمين)؟ يعني: فتح اللام الأولى (لله) وكسر اللام الثانية (للمسلمين) قال: لمَ فتح تلك وكسر هذه؟ قلت: فتح تلك اللام -يا لله- على الدعاء، وكسر هذه -للمسلمين- على الاستغاثة؛ لأن المكسورة للاستغاثة والانتصار، فبعد كل ذلك قال: لو حدثت لحدثتك. يعني: أنه حتى الآن يراه غير أهل للتحديث، لكن يقول: لو كان لي أن أحدث أحداً لاخترتك أنت كي أحدثك، وأبى أن يحدثه أيضاً. قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى: طلب العلم درجات ورتب لا ينبغي تعديها، ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف ﵏، ومن تعدى سبيلهم عامداً ضل، ومن تعداه مجتهداً زل. إذاً: أول العلم حفظ كتاب الله وتفهمه، وكل ما يعين على فهمه فواجب طلبه. ولا نقول إن حفظه كله فرض على كل الناس، ولكن نقول: إن ذلك واجب لازم على من أحب أن يكون عالماً. فمن حفظه قبل بلوغه ثم فرغ إلى ما يستعين به على فهمه من لسان العرب، كان ذلك له عوناً كبيراً على مراده منه ومن سنن رسول الله ﵌.

стр. 285

حكم نسيان القرآن الكريم تكلم العلماء في حكم نسيان القرآن الكريم: فعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة؛ إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت)، متفق عليه. فهذه إشارة إلى أهمية تعاهد القرآن بالمراجعة باستمرار، وقوله: (الإبل المعقلة)، أي: المربوطة بالعقال. قال ابن عبد البر في التمهيد: وقد جاء عنه ﷺ وعيد شديد فيمن حفظ القرآن ثم نسيه، كل ذلك حض منه على حفظه والقيام به. وعن سعد بن عبادة عن النبي ﷺ أنه قال: (من تعلم القرآن ثم نسيه لقي الله يوم القيامة وهو أجذم)، قال في التمهيد: معناه عندي: منقطع الحجة، والله تعالى أعلم. وهذا الحديث أحسبه ضعيفاً. وقال ابن عيينة في معنى حديث سعد بن عبادة هذا وما كان مثله: إن ذلك في ترك القرآن وترك العمل بما فيه، وإن النسيان أريد به ههنا الترك، نحو قوله: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية:٣٤]، قال: وليس من اشتهى حفظه وتفلت منه بناسٍ له، إذا كان يحل حلاله ويحرم حرامه، قال: ولو كان كذلك ما نسي النبي ﷺ منه شيئاً، وقد نسي، قال الله : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى:٦ - ٧]. والصحابة رضي الله تعالى عنهم -وهم الذين خوطبوا بهذا الخطاب- لم يكن منهم من يحفظ القرآن كله ويكمله على عهد رسول الله ﵌ إلا قليل منهم، منهم: أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد الأنصاري، وعبد الله بن مسعود، وكلهم كان يقف على معانيه ومعاني ما حفظ منه، ويعرف تأويله، ويحفظ أحكامه، وربما عرف العارف منهم أحكاماً من القرآن كثيرة وهو لم يحفظ سورها. قال حذيفة بن اليمان: (تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، وسيأتي قوم في آخر الزمان يتعلمون القرآن قبل الإيمان). فهنا إشارة إلى أن النسيان ليس المقصود به النسيان من حيث الذاكرة، ولكن المقصود به أساساً هجر تطبيق القرآن والعمل به. ولا خلاف بين العلماء أن تأويل قول الله : ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة:١٢١]، أي: يعملون به حق عمله، ويتبعونه حق اتباعه، قال عكرمة: ألم تسمع إلى قول الله : ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ [الشمس:٢]، يعني: تبعها، فتلا بمعنى تبع. فنفهم قوله : ((يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ)) بقوله في هذه الآية: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ [الشمس:٢]، يعني: اتبعها أو تبعها، فكذلك قوله: ((يَتْلُونَهُ))، يعني: يتبعونه ويطبقونه.

стр. 286

حكم تجويد القرآن الكريم أما تجويد القرآن فحكم العمل بالتجويد أنه واجب وجوباً عينياً على كل مكلف يحفظ أو يقرأ القرآن أو بعضه. فكل من يقرأ كلام الله أو بعضاً منه يجب عليه أن يجود القرآن؛ لأن كلمة القرآن مصدر معناه: القراءة. فالقرآن الذي يطلق على كلام الله المعهود هو ما يقرأ بالكيفية التي تلاها جبريل على النبي ﷺ ، فيدخل في حد القرآن الطريقة التي يتلى بها القرآن الكريم، وبناء على هذا يأثم تارك التجويد؛ لقوله : ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٤]، وما روي عن النبي ﷺ : (اقرءوا القرآن بلحون العرب). يقول ابن الجزري: والأخذ بالتجويد حتم لازم من لم يجود القرآن آثم لأنه به الإله أنزلا وهكذا منه إلينا وصلا وهو أيضاً حلية التلاوة وزينة الأداء والقراءة

стр. 287

حكم تعليم القرآن الكريم وأما حكم تعليمه: فهو فرض كفاية بالنسبة إلى عامة المسلمين، وفرض عين بالنسبة للعلماء والقراء، ومهما يكن من شيء فإنه يأثم تاركه، ويتعرض لعقاب الله . لذلك كان إقراء القرآن الكريم هو أول ما اهتم به النبي ﵌ في إبلاغ دعوته الكبرى، حيث كان أول ما عمد إليه هو الاهتمام بإقراء القرآن الكريم، وقد كان مبعوثوه ورسله ﷺ إلى مختلف الجهات يقومون أول ما يقومون بإقراء الناس القرآن. فقد كتب النبي ﷺ لـ عمرو بن حزم حين وجهه إلى اليمن كتاباً أمره فيه بأشياء، منها: أن يعلم الناس القرآن، ويفقههم فيه. وروى البخاري عن أبي إسحاق عن البراء قال: (أول من قدم علينا من أصحاب النبي ﷺ مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يقرآننا القرآن حتى كان مصعب يسمى المقرئ). فـ مصعب وابن أم مكتوم كان كل شغلهم واهتمامهم هو أن يقرئوا أهل المدينة كتاب الله . وكان الرجل من المسلمين إذا هاجر إلى المدينة دفعه النبي ﷺ إلى رجل من الحفظة ليعلمه القرآن، ولما فتح النبي ﷺ مكة خلف عليها معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه يقرئهم القرآن ويفقههم. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (جاء ناس إلى النبي ﷺ فقالوا: ابعث معنا رجالاً يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار يقال لهم القراء).

стр. 288

مظاهر احتفاء الإمة الإسلامية بالقرآن الكريم لا نستغرب احتفاء هذه الأمة المحمدية بالقرآن الكريم، حيث نقطع بالقول بأنه لا يوجد كتاب على وجه الأرض منذ أن أنزل الله القرآن الكريم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ لا يمكن أبداً أن يتصور وجود كتاب خدم مثلما خدم القرآن الكريم، أو نال من الاهتمام والاحتفاء والتكريم ما ناله القرآن الكريم. فليس في الدنيا كتاب وضعت في خدمته مثل هذه الكثرة من المواهب التي وضعت في خدمة القرآن الكريم، ولا مثل هذه الوفرة من العمل والوقت والمال، فقد عني المسلمون بالقرآن عناية لم يظفر بها على مدى التاريخ كله أي كتاب سماوي أو غير سماوي، ولعل من مظاهر هذه العناية هذه الأعداد الضخمة من الكتب الجليلة التي خدمت علوم القرآن منذ أقدم القرون الإسلامية، وهذه البحوث والفنون التي كان القرآن دائماً موضوعها. فقد عني القراء بضبط لغات القرآن، وتحليل كلماته، ومعرفة مخارج حروفه وعددها، وعدد كلماته وآياته، وسوره وأحزابه، وأنصافه وأرباعه، وعدد سجداته، وحصر الكلمات المتشابهة، والآيات المتماثلة. واشتغل النحاة بالمعرب منه من الأسماء والأفعال، وبيان الحروف العاملة وغيرها، وتكلموا في الأسماء وتوابعها، وضروب الأفعال، واللازم والمتعدي، ورسوم خط الكلمات، وتوسعوا في شواهده، حتى لقد أحصوا منها فيما قيل: ثلاثمائة ألف بيت من الشعر. يقول مصطفى صادق الرافعي تعقيباً على هذا: ولعمر أبيك إنها لمعجزة في فنها. وبلغ من عناية بعضهم بالقرآن أن أعربه كلمة كلمة. والتفت المفسرون إلى ألفاظه ومعانيه فأوضحوا الخفي منها، وخاضوا في ترجيح المعاني التي يختارونها للألفاظ. وقد ذكر حاجي خليفة من تفاسير القرآن وكتب معانيه ومشكله ومجازه وغريبه ولغاته وقراءاته، ذكر من هذا بعض ما عرف في زمانه، فبلغ ما ذكره مئات كثيرة، فما بالك بما يبلغ في زماننا الآن من الدراسات التي خدمت كتاب الله ؟! واتجه الأصوليون إلى القرآن يستنبطون مما فيه من الأدلة العقلية والشواهد الأصلية والنظرية وعلم أصول الدين، كما يستنبطون منه أحكام اللغة من الحقيقة والمجاز، والتخصيص والإخبار، والنص والظاهر، والمحتمل والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي، والنسخ إلى غير ذلك من الأقيسة واستصحاب الحال والاستقراء. وتخصص علماء الفروع في إحكام النظر والفكر فيما في القرآن من الحلال والحرام وسائر الأحكام. وأخذ أهل التاريخ والقصص من معين القرآن تاريخ الأمم الخالية، وقصص القرون السالفة. واعتمد الخطباء والوعاظ في وعظهم على ما في القرآن الكريم من الوعد والوعيد، والتحذير والتبشير، وذكر الموت، والميعاد والحشر، والحساب والعقاب، والجنة والنار. كما استخرج أصحاب علم المواقيت قواعد علمهم من آيات القرآن الكريم. كذلك استنبط البلاغيون علوم المعاني والبديع والبيان من نظرهم إلى ما في القرآن من جزالة اللفظ، وبديع النظم، وحسن السياق، والمبادئ والمقاطع، والتلوين في الخطاب، والإطناب والإيجاز، وغير ذلك. ومن معاني القرآن ودقائقه أخذ المتكلمون في الجوانب الروحانية مصطلحات فنهم، وقبسوا أنوار تاريخهم. وخلاصة الكلام: أن القرآن الكريم حظي من الاهتمام ما يقطع بأنه لم ينله على الإطلاق أي كتاب في هذا الوجود، والحمد لله رب العالمين.

стр. 289

فضل تعلم القرآن الكريم وتعليمه لقد جاءت عدة نصوص في السنة الشريفة في فضل تعليم القرآن الكريم وتعلمه، فقد ثبت عن أبي مسعود الأنصاري البدري ﵁ عن النبي ﵌ قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى)، رواه مسلم، وقوله: (أقرؤهم) يعني: أحفظهم لكتاب الله تعالى. وعن ابن عباس ﵄ قال: (كان القراء -الحفاظ- أصحاب مجلس عمر ﵁ ومشاورته كهولاً كانوا أو شباباً) رواه البخاري في صحيحه. فكان عمر يجعل مجلس شوراه وأصحاب شوراه هم القراء بغض النظر عن سنهم، فما دام أنهم قد حفظوا القرآن فقد استحقوا أن يكونوا في مجلس شورى عمر رضي الله تعالى عنه. يقول الإمام النووي: واعلم أن المذهب الصحيح المختار الذي عليه من يعتمد من العلماء: أن قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل وغيرهما من الأذكار. أي: لأن القرآن كلام الله، وأحسن الكلام هو كلام الله. وأيضاً ذكرنا في صدر الكلام حديث عثمان رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، والذي روى هذا الحديث عن عثمان هو أبو عبد الرحمن السلمي، فكان يروي هذا الحديث ثم يقول: فذلك الذي أقعدني مقعدي هذا. وكان يعلم من خلافة عثمان إلى إمرة الحجاج. أي: كان طوال هذه الفترة يجلس ليحفظ الناس القرآن الكريم، فمن أجل هذا الحديث قعد أبو عبد الرحمن السلمي أربعين سنة يقرئ الناس بجامع الكوفة، مع جلالة قدره وسعة علمه. وقد سئل سفيان الثوري عن الجهاد وتعليم القرآن أيهما أفضل؟ فرجح الثاني؛ مستدلاً بهذا الحديث: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه). وعن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلم) يقول: وأخذ بيدي، وأقعدني في مجلس أقرئ، يعني: أحفظ الناس؛ حيث إن هذه الوظيفة هي أشرف الوظائف. وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: (خرج إلينا رسول الله ﷺ ونحن في المسجد فقال: أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان والعقيق فيأتي كل يوم بناقتين كوماوين زهراوين فيأخذهما بغير إثم ولا قطع رحم؟ فقلنا: كلنا يا رسول الله يحب ذلك، قال: لأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله تعالى خير له من ناقتين، وثلاث خير من ثلاث، وأربع خير من أربع، ومن أعدادهن من الإبل)، يعني: أن تعلم آية والاشتغال بحفظها أفضل من ناقة بهذه الصفة المذكورة. وقال ﵊: (أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد ثلاث خلفات عظام سمان؟)، خلفات: جمع خلفة، وهي: الحامل من النوق، وخص الحامل من النوق لأنها ستأتي بذرية أيضاً، وليست فقط ناقة بمفردها لكن بذريتها، قال ﵊: (أيكم يحب إذا رجع إلى أهله أن يجد ثلاث خلفات عظام سمان؟ فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان). وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)، والنفي والاستثناء يدل على الحصر والتوكيد لهذه الفضيلة؛ فمن كان يؤمن أن محمداً ﵊ هو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى فليوقن بهذا الثواب العظيم؛ إذ لا يمكن أن يقول هذا إلا ويقع هذا الشيء حتى لو لم نحس به، لأن الذي أخبرنا به هو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى. فالإنسان عليه ألا يذهب إلى مجالس تعلم وحفظ القرآن إلا ويستحضر هذا الأمر الذي يحدوه ويعينه على الجلوس والتعلم، فالإنسان إذا استحضر هذا الثواب وهذه الفضيلة فإنه بلا شك يكون عنده طاقة تعينه على الثبات والاستمرار. قال ﷺ : (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)، فهل الإنسان العاقل بعدما يسمع مثل هذا الحديث الشريف يعرض عن الجلوس في بيت الله ليتدارس القرآن الكريم، وينال هذا الثواب العظيم، وهذه الفضائل التي لا تكاد تحصى، ويجلس أمام التلفزيون أو الفيديو أو غير ذلك من أجهزة الفساد؟! هل الإنسان الذي عنده عقل وإيمان ويقين بوعد الله ووعيده يعرض عن مجالس الذكر وفيها كل هذا الخير العظيم، ويجلس حيث شياطين الإنس والجن يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا، ويقطعون الطريق إلى الله على خلق الله؟! وعن هارون بن عنترة عن أبيه قال: قلت لـ ابن عباس: أي العمل أفضل؟ قال: (ذكر الله أكبر) يعني: أن أفضل شيء هو الذكر، قال ابن عباس: (ذكر الله أكبر، وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتدارسون كتاب الله ويتعاطونه بينهم إلا أظلتهم الملائكة بأجنحتها، وكانوا أضياف الله ما داموا فيه، حتى يخوضوا في حديث غيره) أي: إذا خرجوا عن القرآن إلى غيره لا تبقى لهم هذه الفضيلة الموعودة في هذا الأثر. وذكر الخطيب البغدادي: أن أحد العلماء توفي، فرئي في المنام، فقالوا: ما فعل الله بك؟ فقال: ذهبت تلك الشطحات وذهبت تلك العلوم -يعني: علوم الدنيا- وبقيت لنا سورة الفاتحة كنا نعلمها عجائز في قريتنا نفع الله بها. فإذا كان هذا بتحفيظ الفاتحة فحسب، فكيف بمن يكون سبباً في تحفيظ الناس كلام الله ؟!

стр. 290

أهمية الاعتناء بكتاب الله وتقديمه على غيره هناك لفتة مهمة جداً يلحظها من أمعن النظر في سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وشيخ الإسلام هو من هو! ومع ذلك لما حبس في سجنه الأخير وخلا بربه ، وبدأ يشتغل بالقرآن الكريم ويستخلص فوائد وعبر وكنوز القرآن الكريم، أبدى شيخ الإسلام في بعض تصريحاته ندماً على ما أنفق من عمره السابق في غير التأمل في كتاب الله، وقال: إنه لو كان فعل ذلك واشتغل بالقرآن عما عداه لأخرج إلى الأمة كنوزاً من العلم، ومن فوائد القرآن العظيم، أو كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. فالشاهد أن شيخ الإسلام في أيامه الأخيرة بدا منه بعض التأسف على عدم الاشتغال بالقرآن الكريم. وشيخ الإسلام كانت له أوراد، وكان يكتب في علوم القرآن كثيراً بلا شك، وشيخ الإسلام أصلاً كان في موقع المجاهد والمدافع أمام أهل البدع والضلال، ومع ذلك لما خلا بالقرآن وأمعن النظر فيه، وتوثقت صلته أكثر وأكثر بالقرآن الكريم في سجنه صرح بهذا التصريح. فبلا شك أن في هذا عبرة لمن ما زال لديهم فرصة والعمر فيه متسع ألا يقدموا على القرآن غيره، فأي شيء يشغلك عن القرآن فهو شؤم ما لم يتعين عليك، فما دام أن الأمر خارج حدود الفروض العينية فحذار أن تشتغل بغير القرآن الكريم.

стр. 291

وجوب تعظيم القرآن الكريم وتنزيهه يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى وهو يذكر بعض مظاهر تعظيم القرآن الكريم وتنزيهه: أجمع المسلمون على وجوب تعظيم القرآن العزيز على الإطلاق وتنزيهه وصيانته، وأن من جحد منه حرفاً مما أجمع عليه أو زاد حرفاً لم يقرأ به أحد وهو عالم بذلك فهو كافر. قال الإمام الحافظ أبو الفضل القاضي عياض ﵀: اعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف أو بشيء منه، أو سبهما، أو جحد حرفاً منه، أو كذب بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر، أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته وهو عالم بذلك، أو يشك في شيء من ذلك فهو كافر بإجماع المسلمين. وقال النووي أيضاً: أجمع المسلمون على وجوب صيانة المصحف واحترامه، قال أصحابنا وغيرهم: ولو ألقاه مسلم في القاذورات -والعياذ بالله تعالى- صار الملقي كافراً. قال: ويحرم توسده -أي: يحرم أنه يستعمل القرآن كوسادة- بل توسد آحاد كتب العلم حرام. فلا يجوز أن يستعمله كوسادة، ولا نقبل أبداً من أحد من المتنطعين أو المتفيهقين الذي يقول لك: ما الدليل؟ فالدليل هو إجماع المسلمين على وجوب تعظيم القرآن، وهل من تعظيم القرآن أنك تتخذه وسادة أو متكأً تتكئ عليه والعياذ بالله؟! فالتنطع بأن يقال: ما الدليل في مثل هذا؟ وهذا أيضاً من النتوءات الشاذة، فلا يجوز أن يستعمل القرآن كمخدة أو وسادة أو يتكئ عليه، فهذا بلا شك من سوء الأدب مع كتاب الله ﵎. ويقول النووي: وروينا في مسند الدارمي بإسناد صحيح عن ابن أبي مليكة: أن عكرمة بن أبي جهل ﵁ كان يضع المصحف على وجهه ويقول: (كتاب ربي، كتاب ربي).

стр. 292

حكم السفر بالقرآن إلى أرض العدو وأيضاً من مظاهر احترام القرآن الكريم وحماية القرآن الكريم: أنه يحرم أن يسافر به إلى أرض العدو إذا خيف وقوعه في أيديهم، كما في الحديث المشهور في الصحيحين: (أن رسول الله ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو)، فلا يذهب بالقرآن إلى بلاد الحرب حيث الكفار؛ إذ لا يؤمن أن يهينوا القرآن الكريم.

стр. 293

حكم مس المجنون والصبي للمصحف يمنع المجنون والصبي الذي لا يميز من مس المصحف مخافة من انتهاك حرمته، فالصبي الذي لا يميز لا يستطيع أن يعرف ما معنى احترام المصحف وتقديسه، فالصبي الصغير الذي عمره سنتان أو ثلاث أو أربع لا يستطيع أن يميز، فلا يمكن من مس المصحف؛ خشية أن يهين المصحف أو لا يصونه. وكذلك لو كان كبيراً لكنه مجنون؛ فإنه أيضاً لا يمكن من إمساك المصحف؛ كي لا يهين القرآن أو ينتهك حرمته، وهذا المنع واجب على الولي وغيره ممن رآه يتعرض لحمله.

стр. 294

من آداب قراءة القرآن مما يعتنى ويتأكد الأمر به: احترام القرآن من أمور قد يتساهل بعض الغافلين القارئين المجتمعين بها، فمن ذلك: اجتناب الضحك واللغط والحديث في خلال القراءة إلا كلاماً يضطر إليه، وليمتثل قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤]. وليقتدي بما رواه ابن أبي داود عن ابن عمر ﵄: (أنه كان إذا قرأ القرآن لا يتكلم حتى يفرغ منه)، ذكره في كتاب التفسير عند قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. ومن ذلك: العبث باليد، فالإنسان لا يعبث ولا يتحرك كثيراً وهو يتلو كلام الله ؛ فإنه يناجي ربه ، فلا يعبث بين يديه. ومن ذلك: النظر إلى ما يلهي ويبدد الذهن، وأقبح من هذا كله: النظر إلى ما لا يجوز النظر إليه، كالأمرد وغيره.

стр. 295

حكم كتابة القرآن في الثياب والحيطان والحروز ويقول الإمام النووي ﵀: مذهبنا أنه يكره نقش الحيطان والثياب بالقرآن وبأسماء الله تعالى، قال عطاء: لا بأس بكتب القرآن في قبلة المسجد. وأما كتابة الحروز من القرآن فقال مالك: لا بأس به إذا كان في شمع أو جلد وخرز عليه. وهذه طبعاً قضايا فيها خلاف، لكن الأولى ترك هذه الأشياء؛ لأنه قد يكون محدثاً، أو تكون المرأة حائضاً وغير ذلك. ولا تجوز كتابة القرآن بشيء نجس، وتكره كتابته على الجدران عندنا. أي: عند الشافعية.

стр. 296

تحريم الجدل في القرآن الكريم ويحرم المراء في القرآن والجدال فيه بغير حق، فيحرم على الإنسان أن يماري ويجادل في كلام الله ؛ لقوله ﵊: (المراء في القرآن كفر)، والمراء هو: الجدل، كضرب الآيات بعضها ببعض. ونحو ذلك. وينبغي لمن أراد السؤال عن تقديم آية على آية في المصحف أو مناسبة هذه الآية في هذا الموضع أو نحو ذلك، أن يقول: ما الحكمة في كذا؟ لا يقول: لماذا؟ لكن يقول: ما الحكمة؟ تأدباً مع القرآن الكريم.

стр. 297

فضل الماهر بالقرآن الكريم أما فضيلة الماهر بالقرآن الكريم، فقد قال الله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة:١٢١]، وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (الماهر بالقرآن -أي: الذي يحفظ القرآن جيداً -مع السفرة الكرام البررة -الملائكة- والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران)، رواه مسلم. فلا ينبغي لك أن تعرض عن قراءة القرآن حتى لو كنت تجد مشقة في التلاوة وتتعتع فيه، فاقرأ فإن لك أيضاً أجرين. يقول الشاطبي ﵀: فيا أيها القاري له متمسكاً مجلاً له في كل حال مبجلا هنيئاً مريئاً والداك عليهما ملابس أنوار من التاج والحلا فما ظنكم بالنجل عند جزائه أولئك أهل الله والصفوة الملا أولو البر والإحسان والصبر والتقى حلاهم بها جاء القران مفصلا عليك بها ما عشت فيها منافساً وبع نفسك الدنيا بأنفاسها العلا فهو يحث هنا على حفظ القرآن الكريم، والحقيقة هو يبني كلامه هنا على حديث رواه أبو داود والحاكم وفيه: (من قرأ القرآن وعمل به ألبس والداه تاجاً يوم القيامة ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيكم، فما ظنكم بالذي عمل هذا؟) فهو بنى هذه الفقرة على هذا الحديث، وهو حديث ضعيف، ومعناه: أن أباه وأمه يثابان إذا حفظ الابن القرآن: (ألبس والداه تاجاً يوم القيامة ضوء هذا التاج أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيكم، فما ظنكم بالذي عمل هذا؟)، أي: إن كان هذا هو ثواب أبويه لفعل عمله ابنهما، فكيف بثواب الابن الذي حفظ وعمل بنفسه؟ فمن ثمَّ يقول الشاطبي: فيا أيها القاري له متمسكاً مجلاً له في كل حال مبجلا هنيئاً مريئاً والداك عليهما ملابس أنوار من التاج والحلا فما ظنكم بالنجل عند جزائه أولئك أهل الله والصفوة الملا فالنجل هو ابنهما، وهؤلاء هم الملأ، وهؤلاء هم الناس، وهؤلاء هم الصفوة، بل هؤلاء هم أهل الله، كما صح في الحديث: (إن أهل القرآن هم أهل الله تعالى وخاصته).

стр. 298

أهمية تعهد القرآن الكريم والتحذير من نسيانه نعيد التذكير أيضاً بقضية تعاهد القرآن؛ كي لا ينساه الإنسان، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (تعاهدوا هذا القرآن؛ فوالذي نفس محمد بيده! لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها)، متفق عليه. ولا تعارض بين قوله ﷺ في هذا الحديث: (تعاهدوا هذا القرآن؛ فوالذي نفس محمد بيده! له أشد تفلتاً من الإبل في عقلها)، وبين قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]؛ فإن من يسر عليه الوصول إلى جوهرة غالية فإنه لا يضمن بقاءها معه وسلامتها من قطاع الطريق إلا أن يتخذ لذلك أسباباً، فلا يوجد تعارض؛ لأن وصوله إلى حفظ القرآن من الأمور السهلة، كما قال : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]. وآية ذلك: أنك ترى الطفل الصغير الحدث الذي عمره سبع أو خمس سنوات قد حفظ القرآن كله، فهذه آية من آيات الله، فإن قلب الطفل الصغير يطيق حمل كلام الله الذي لا تطيق حمله الجبال التي قال عنها: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١]. فييسر الله للطفل الصغير حفظ كلامه بين جنبيه، فهذه آية من آيات الله، وهي مصداق قوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، فالذي يصل إلى إنجاز هذا الأمر -وهو حفظ القرآن الكريم- هو كمن سهل الله عليه أن يحصل على جوهرة نفيسة، وسهل الله له السبيل إلى الحصول على الجوهرة، فسلك هذا السبيل السهل، وحصل بالفعل على الجوهرة، فهل إذا حصل على الجوهرة يضمن بقاءها معه، ويضمن سلامتها معه، حتى ولو قصر في أخذ أسباب حفظها وصيانتها؟ فقوله تعالى: ((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ))، هو تيسير السبيل لحصول حفظ القرآن؛ فإن حفظه سهل، لكن إذا حصلت عليه، واستنار به صدرك فيبقى عليك أن تحافظ على هذه الجوهرة وتحتاط لها، لا أن تتركها معرضة للضياع، ومعرضة لقطاع الطريق يسرقونها منك. فلابد من الأخذ بالأسباب التي بها تحافظ على هذا الكنز الذي يسر الله لك الحصول عليه، فما هو السبيل للمحافظة على القرآن؟ هو تعهد القرآن، وكثرة المراجعة والتلاوة. يقول ﵌: (إذا قام صاحب القرآن فقرأ بالليل والنهار ذكره، وإن لم يقم به نسيه)، فهذا هو الداء، وهذا هو الدواء، يقول ﵊: (إذا قام صاحب القرآن فقرأ بالليل والنهار ذكره) أي: إذا واظب عليه بالليل والنهار فإنه يذكره: (وإن لم يقم به نسيه). وهناك حديث مشهور عند عوام الناس بدعاء حفظ القرآن، وأنه إذا كان قد تفلت منك القرآن فقل هذا الدعاء، ولن يتفلت منك القرآن، وطبعاً نحن لا ننكر أن الدعاء سبب من أسباب الحصول على هذه المقاصد العالية، لكن السبب لابد معه من عمل، والعمل ينبغي أن يقترن بالدعاء، والدواء الذي وصفه الرسول ﵊ هو التعاهد، أما أنك تقول: أنا سوف أقول دعاء حفظ القرآن -مع أنه حديث ضعيف وباطل- أو دعاءً معيناً وسوف يثبت القرآن في صدري، فلا، بل لابد من الأخذ بأسباب حفظه وتعهده وحمايته من أن ينسى. وقال السيوطي: يكره أن يقول: نسيت آية كذا، بل أنسيت. وهذا فيه حديث صحيح عن النبي ﷺ قال: (لا يقل أحدكم: نسيت آية كذا، بل هو نسي). وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: (إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة؛ إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت)، فإذا كان إنسان عنده مجموعة كبيرة من الجمال في الصحراء فإن هو تركها بدون خطام ولا زمام ولا إمساك ستضل في الصحراء وتتوه منه وتضيع، وإن هو حرسها وحفظها واحتاط لها فإنها تبقى معه، وهكذا نفس الشيء بالنسبة للقرآن. فهذا هو داء النسيان وهذا هو دواءه الذي يصفه رسول الله ﵊، فلا يأت واحد ويقول: إن علاج نسيان القرآن هو أن تقول دعاء حفظ القرآن؛ فإنه حديث باطل لم يصح عن النبي ﵊، لكن نقول: عليك أن تستعين بالدعاء؛ لأن الدعاء هو الوسيلة التي بها تنال كل مقاصد الدنيا والآخرة، (وأعجز الناس من عجز عن الدعاء)، لكن لا تدعو وتقصر في الأسباب، فالدعاء سبب، وهناك أيضاً سبب آخر ذكره النبي ﷺ وهو: تعاهد القرآن بالمراجعة، وبالختم وبالحفظ المستمر، ففي هذا الحديث الإخبار بأن القرآن يذهب عن صاحبه وينساه إلا من يتعاهد عليه ويقرأه ويدمن تلاوته. وذكر ابن عبد البر حديثاً رواه سعد بن عبادة وهو الحديث السابق الذكر عن النبي ﵊ قال: (من تعلم القرآن ثم نسيه لقي الله يوم القيامة وهو أجذم)، رواه الدارمي، وقال الإمام ابن عبد البر: معنى أجذم عندي: منقطع الحجة. أي: يلقى الله ولا حجة له. وإن كان بعض العلماء قالوا: إن المقصود بالنسيان هو ترك التطبيق، وترك العمل بكلام الله .

стр. 299

من عوامل حفظ القرآن الكريم تطهير الباطن وهنا تنبيه مهم جداً وهو: أن تطهير الباطن يعين على حفظ القرآن الكريم، فأحد أسباب تفسير حفظ القرآن أن يطهر الإنسان باطنه، ويطهر قلبه، ويصفي نيته؛ لأن الله قال: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩]، يعني: الملائكة، وقيل: إن قوله سبحانه: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩]، يعني: من المؤمنين، فلا يجوز مسه لمن كان به حدث مثلاً، بدليل قوله: ((تَنزِيلٌ))، فهو وصف بأنه تنزيل من رب العالمين، فاستأنسوا بكلمة (تنزيل) أن المقصود به: القرآن الذي أنزل. يقول ابن القيم: ودلت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة، وحرام على القلب المتلوث بنجاسة البدعة والمخالفات أن ينال معانيه، وأن يفهمه كما ينبغي. قال البخاري في الصحيح في هذه الآية: لا يجد طعمه إلا من آمن به. وهذا أيضاً من إشارة الآية وتنبيهها، وهو أنه لا يلتزم به وبقراءته وفهمه وتدبره إلا من شهد أنه كلام الله تكلم به حقاً، فأنزله على رسوله وحياً، ولا ينال معانيه إلا من لم يكن في قلبه حرج منه بوجه من الوجوه، فمن لم يؤمن بأن الله تكلم به وحياً وليس مخلوقاً من جملة مخلوقاته ففي قلبه منه حرج. ومن قال: إن له باطن يخالف ظاهره، وتأويل يخالف ما يفهم منه، ففي قلبه منه حرج. ومن قال: إن له تأويل لا نفهمه ولا نعلمه وإنما نتلوه متعبدين بألفاظه ففي قلبه منه حرج. ومن سلط عليه آراء الآرائيين وهذيان المتكلمين، وسفسطة المسفسطين، وخيالات المتصوفين ففي قلبه منه حرج. ومن جعله تابعاً لنحلته ومذهبه وقول من قلده دينه؛ ينزله على أقواله ويتكلف حمله عليها ففي قلبه منه حرج. ومن لم يحكمه ظاهراً وباطناً في أصول الدين وفروعه، وينقاد لحكمه أين كان ففي قلبه منه حرج. ومن لم يأتمر بأوامره، وينزجر عن زواجره، ويصدق جميع أخباره، ويحكم أمره ونهيه وخبره، ويرد له كل أمر ونهي وخبر خالفه ففي قلبه منه حرج. وكل هؤلاء لم تمس قلوبهم معانيه، ولا يفهمونه كما ينبغي أن يفهم، ولا يجدون من لذة حلاوته وطعمه ما وجده الصحابة ومن تبعهم.

стр. 300

فضل حملة القرآن الكريم ثبت في النصوص الكثيرة ما يبين فضيلة حملة القرآن الكريم، فمن ذلك: أن الرسول ﵊ أوصى بإكرام أهل القرآن، وسماهم اسماً ينبض بأعظم المعاني، ولقبهم بلقب في الحقيقة لا يمكن أن يناله أشرف ملوك ورؤساء وحكام الدنيا كلها منذ أن خلق الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ إذ سماهم ﷺ : أهل الله وخاصته، فهؤلاء حملة القرآن هم خاصة الله ، وجعل ﷺ من إكرام الله إكرام حملة كتابه . فعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله أهلين، قيل: من هم يا رسول الله؟! قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته)، أي: الذين يختصهم من بين سائر عباده. وروي عن أم الدرداء أنها قالت: سئلت عائشة رضي الله تعالى عنها عمن دخل الجنة ممن قرأ القرآن ما فضله على من لم يقرأه؟ يعني: إذا افترضنا أن رجلين من المؤمنين كلاهما يدخل الجنة، لكن منهم من لم يحفظ القرآن وآخر حفظ القرآن الكريم، فما فضل من قرأ على من لم يقرأه إذا دخلا جميعاً الجنة؟ فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (إن عدد درج الجنة بعدد آي القرآن، فمن دخل الجنة ممن قرأ القرآن فليس فوقه أحد)، أي أنه وصل إلى الرتبة العليا من الجنة. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: (من جمع القرآن فقد حمل أمراً عظيماً).

стр. 301

الأسئلة

стр. 302

ذكر بعض فضائل الصيام وحكم صيام شهر رجب السؤال اذكر لنا بعض فضائل الصيام، وما حكم صيام شهر رجب؟ الجواب عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض) الحديث رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب، ووافقه الألباني. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً) متفق عليه. وقد ثبتت أدلة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة على استحباب التطوع بالصيام، وعلى فضيلة الصيام، فقد قال الله تعالى: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥]، وقال ﵎: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤]. قال مجاهد وغيره: نزلت في الصوام. يعني: كما أظمأتم وجوعتم أنفسكم في الدنيا بكثرة الصيام، فكذلك يوم القيامة تجازون بجنس أعمالكم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤]. ومن هذه الأحاديث أيضاً قوله ﷺ : (الصيام جنة وحصن حصين من النار). ومنها قول حذيفة رضي الله تعالى عنه: (أسندت النبي ﷺ إلى صدري، فقال: يا حذيفة! من ختم له بصيام يوم دخل الجنة). وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: (أتيت رسول الله ﷺ فقلت: مرني بأمر ينفعني الله به، قال: عليك بالصوم، فإنه لا مثل له) فكان أبو أمامة وأهله يصومون، فإذا رئي في بيتهم دخان بالنهار، علم أنه قد نزل بهم الضيف، وأنه ما كان هذا الدخان ليصدر من طعام يعد لأهل البيت أنفسهم، وإنما طعام يعد لضيف طرأ عليهم، أما هم فكانوا يسردون الصيام فرضي الله تعالى عنهم أجمعين. وقال ﷺ : (إن للجنة باباً يقال له: الريان، يقال يوم القيامة: أين الصائمون؟ فإذا دخل آخرهم أغلق ذلك الباب). وثبت أيضاً في حديث أبي هريرة مرفوعاً: (ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرك ولو بعد حين). وقال بعض السلف: إنما هو غداء وعشاء -يعني: أن الموضوع موضوع غداء وعشاء- فإذا أخرت غداءك إلى عشائك أمسيت وقد كتبت في ديوان الصائمين. يعني: أنه بمجرد أن تؤخر الغداء إلى وقت العشاء تمسي وقد كتبت في ديوان الصائمين، وحزت هذه الفضائل العظيمة، فما أسهل ذلك على من علت همته في التسابق في الخيرات، وقد قال ﵎: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) إلى آخر الحديث، ويقول بعض العلماء: من يرد ملك الجنان فليذر عنه التواني وليقم في ظلمة الليل إلى نور القران وليصل صوماً بصوم إن هذا العيش فاني إنما العيش جوار الله في دار الأمان فإذا كان قد ورد عن بعض السلف أن الشتاء هو الغنيمة الباردة، فهذه فعلاً حقيقة نحن نلمسها في أيام الشتاء، فلا يكاد إنسان يحس بالساعات وهي تجري وتطوى بسرعة، بحيث إن الإنسان يفاجأ بالغروب، وأنه قريب جداً من الصباح، فمن ثم قالوا: إن الشتاء هو الغنيمة الباردة، أي: الغنيمة التي يحوزها المؤمن دون كثير عناء ولا مشقة، فقد قصر نهاره ليمكننا الصيام، وطال ليله ليمكننا القيام. فإذاً: لا ينبغي أن تفوت مثل هذه الفرص العظيمة، التي تسهل فيها الطاعة على العبد دون أن يغتنمها. وأما شهر رجب فسمي بهذا الاسم لأنه كان يرجب، يعني: يعظم، ولم يصح في فضل صوم رجب شيء بخصوصه عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه رضي الله تعالى عنهم، لكن مع ذلك نستطيع أن نستدل على فضيلة صيام شهر رجب بهذه العمومات التي وردت في فضيلة الصيام المطلق، فمن صام صياماً مطلقاً في شهر رجب -لا لاعتقاد خصوصية فيه- فإنه بلا شك يحوز بإذن الله هذه الفضيلة، لكن لا على أن يسرد الصوم فيه، ويصومه كله فيشبهه برمضان. هذا بجانب أن شهر رجب هو من الأشهر الحرم التي قال الله تعالى فيها: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦]، فإذا كنا نهينا عن ارتكاب المعاصي وظلم الأنفس في الأشهر الحرم فبلا شك أننا مأمورون بالطاعات، يعني: كما أن هذا في جانب المعاصي، كذلك في جانب الطاعات، فهذا مما يفيدنا أن للأشهر الحرم مزيد حرمة، وأنها مختصة بحرمة زائدة، فنحن نهينا عن ظلم أنفسنا في كل وقت، لكن خص ذلك في الأشهر الحرم لما لها عند الله من الحرمة المضاعفة. فإذا كان يفترض بنا أن نتهيأ منذ زمن لاستقبال شهر رمضان، فغيرنا يستعد لرمضان من العام إلى العام، فالفنانون والممثلون وهؤلاء الناس يستعدون لرمضان المقبل بمجرد انتهاء رمضان الماضي؛ يستعدون له حتى يقطعوا الطريق إلى على عباد الله، ويدأبون سنة كاملة حتى يأتي الشهر القادم، فنحن أولى أن نستعد لاستقبال هذا الشهر العظيم، بمدارسة القرآن الكريم وبمراجعته وحفظه وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، فتعظيم شهر رجب عن طريق الصيام، والتدرب على الصيام والقيام فيه ما أمكن لا شك أنه يعتبر نوعاً من التهيؤ والاستعداد حتى إذا ما أتى شعبان ثم رمضان يكون الإنسان قد أمكنه أن يستغل هذه الفرصة إلى أقصى ما يستطيع، فإن شهر رجب هو مفتاح وبداية أشهر الخير والبركة. قال أبو بكر البلخي رحمه الله تعالى: شهر رجب شهر الزرع- يعني: الذي توضع فيه البذور- وشهر شعبان شهر السقي للزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع. وعنه قال: مثل شهر رجب مثل الريح، ومثل شعبان مثل الغيث، ومثل رمضان مثل المطر، فشهر رجب هو شهر تأتي فيه الريح، وتنقل السحاب وتحركه إلى البلاد التي ستسقى، ثم شهر شعبان هو شهر الغيث، يعني: تكون السحاب، ثم شهر رمضان هو شهر نزول الخيرات والغيث للعباد، يقول بعض العلماء: بيض صحيفتك السوداء في رجب لصالح العمل المنجي من اللهب شهر حرام أتى من أشهر حرم إذا دعا الله داعٍ فيه لم يخب طوبى لعبد زكا فيه له عمل فكف فيه عن الفحشاء والريب

стр. 303

حكم القول بأن الزلزال ظاهرة طبيعية السؤال ما تعليقكم على من يقول: إن الزلزال ظاهرة طبيعية؟ الجواب لا شك أننا نمر بين وقت وآخر بظروف ليس من العقل ولا من الحكمة أن تمر دون أن نعتبر ونتبصر، خاصة إذا كانت هذه الأشياء هي عبارة عن نذر ورسائل من الله ، فلا شك أن الزلزال الذي حدث أخيراً تحذير من الله الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، فهو تحذير وتذكير وإنذار للعباد كي يفيقوا، ويتوبوا إلى ربهم ، وهذه المرة لما لطف الله بنا ولم يحصل مضاعفات كالزلزال الماضي لم نجد كثيراً من الاهتمام بهذا الأمر، بل توافرت الصحف والإعلام على الكلام بأن هذه ظاهرة طبيعية، فهل نعود من جديد لنقول أيضاً: الزلزال ظاهرة طبيعية كما يقول الملاحدة؟ فإذا كانت ظاهرة طبيعية فمن الذي خلقها؟ فطلوع الشمس والقمر ظاهرة طبيعية، لكن أليس وراء هذه الظواهر الطبيعية من يخلقها، ومن يسيرها، ومن يوجهها؟ فينبغي ألا نغرق مع أهل الغفلة في غفلتهم ونطاوعهم في ضلالهم ونردد أمثال هذه المصطلحات، فالطبيعية من الذي طبعها؟ فكل شيء بأمر الله ، وبحوله وقوته، فحتى نستفيد من هذه العبر ينبغي ألا ننصت لكلام هؤلاء الشياطين الذي يلهجون بمثل هذه التعبيرات، ويركز الكلام كله على كم درجة كان الزلزال، وبفضل سياستنا الراشدة كان كذا، وأننا لما فعلنا كذا وكذا لم تحصل خسائر، وما بقي إلا أن ينشد فينا كما أنشد ذلك الشاعر الفاطمي للخليفة الفاطمي، حينما وقع زلزال في مصر فقال له: ما زلزلت مصر لظلم ألم بها ولكن رقصت من عدلكم طرباً. فنعوذ بالله من هذا الرقص! فلا بد أن نستحضر أن هذا تحذير من الله ، وعلينا أن نتدبر ونكثر من الاستغفار، فربما وجود طائفة قليلة من الصالحين الذين يستغفرون الله يكون سبباً في تحول عذاب الله ﵎ عنهم. الأمر الثاني: الحادث الشديد الذي حصل في إسلام أباد لا شك أنه أيضاً من معالم هذا الزمان الذين نعيشه، والفتن التي نحياها؛ إذ كيف يتجرأ إنسان أياً كان هذا الإنسان فضلاً عن مسلم أن يريق الدماء بهذه الطريقة الموغلة في الفوضى، وانتهاك حرمات الله ؟! ولذلك لا نكاد نتصور أبداً أو نصدق أن رجلاً مسلماً يفعل مثل هذا الفعل، وحتى الآن ما وقفنا على أي دليل قطعي، وما تكلم أحد بأن هناك دليل على وقوع مثل هذه الحوادث على أيدي من ينتسبون إلى الجماعات الإسلامية، فيصعب جداً أن يصدق أن جماعة كذا تفعل مثل هذا الفعل البشع، ويستبعد أن تقوم هذه الجماعة بإلقاء قنابل بهذه القوة وهذه الضخامة وتنفجر لتصيب من تصيب، وتقتل من تقتل بهذه الطريقة، فلا شك أن هذا لا يجوز بحال من الأحوال، وأن هذا من تسويل الشيطان، وأن هذا لا يمكن أن يصدر من إنسان صاحب دين وخوف من الله ، وأن من فعلوا هذا بلا شك سيلقون الله بدماء هؤلاء الناس المسلمين الذين قتلوا في هذا الحادث، فتباً لشيطان التأويل، فهل يمكن أن جماعة إسلامية تستحل مثل هذا الفعل بتأويلات شيطانية وبحجج تحصيل بعض المكاسب السياسية؟! فأي مكاسب هذه؟! فإنه يشك شكاً شديداً أن يكون هذا مثل حوادث كثيرة، كحادثة تفجير سيارة الدكتور عمر بن عبد العزيز القرشي في القاهرة الذي أشارت الأصابع بقوة إلى الموساد أنه وراء مثل هذا الفعل، وكذلك ما حصل في حوادث كثيرة قبل ذلك كحادثة سينما أمير أو في أيام إسحاق نافون لما كان رئيساً لإسرائيل فهو الذي أرسل هؤلاء الناس ليفعلوا هذا الفعل؛ حتى ترتفع موجة الهجوم على التيار الإسلامي، واصطنعوا مثل هذه الحوادث من قبل في إحدى دور الخيالة في الإسكندرية، وهي حادثه مشهورة كانت في أواخر الخمسينيات أو أوائل الستينيات. فالشاهد: أن مثل هذه الأشياء قد عهدناها من هؤلاء الناس لتحقيق مقاصدهم، أما أن يتصور أن المسلمين يقومون بهذا فهذا إن وقع فإلى الله المشتكى أن تصل الجرأة على اقتحام حرمات الله بمن ينتسبون للإسلام إلى هذه الصورة البشعة.

стр. 304

حكم تزويج البنت نفسها بدون موافقة وليها السؤال هذا سؤال وصلني لكن لا أجد طريقة للوصول إلى الشخص الذي أرسل هذا السؤال، فلشدة خطورته ننبه عليه، وهو أن شاباً من الشبان تعرف على فتاة ويبدو أنه تدين منذ قريب، فصار متديناً أو ملتزماً ثم لما تقدم إلى أبيها رفضه أبوها، ويبدو أن أباها رفضه بسبب الدين، وبسبب التزامه، فالسؤال: هل يمكن أن تتزوجه بدون موافقة وليها؟ الجواب بلغني أن بعض الناس الذين تجرءوا على الفتوى بدون علم فتحوا هذا الباب من الشر، وقالوا للأخ: مادام أن أباها رفض بسبب دينك فلك أن تتزوجها، ومثل هذه القضايا هي في غاية الحساسية وغاية الخطورة؛ لأن الأصل الأصيل والمقطوع به في الشريعة والمطابق لقول النبي ﷺ بعد كلام الله في القرآن الكريم هو: لا نكاح إلا بولي، والأدلة على ذلك كثيرة، فلا يجوز أبداً بحال من الأحوال الزواج بدون ولي، صحيح أن الشريعة احترمت إرادة المرأة، واعتبرت حقها الأدبي في الموافقة على الزوج إذا كانت بالغة، لكن مع احترام إرادتها ليس لها أن تزوج نفسها، بل لا بد أن الذي يلي تزويجها هو وليها الشرعي. وليس هذا فحسب، بل بجانب سلطة الولي الشرعي في أن يزوجها أو لا يزوجها فإن هذا الولي مطالب بأن ينظر في أن يحترم أيضاً ضوابط ومقاييس الشريعة، لا أن يبحث في هواه هو بعيداً عن مصلحة ابنته وعن أولويات الدين، فإذا حصل منه ذلك، ووجد قضاء شرعي؛ فإن هذه البنت تفزع إلى القاضي فيمكنها من التزويج؛ لأن هذا يعتبر نوعاً من العضل. أما أننا في مثل هذه القضايا الخطيرة نسمع الكلام من طرف واحد، ولا ننصت إلى كلام الولي نفسه فهذا بلا شك قد يوقعنا في جور وتعدٍ لحدود الله ، فلا بد من التثبت من أشياء كثيرة، ولا ننصح بحال من الأحوال أن تفزع أخت أبداً مهما زين لها هذا الفعل أن تتزوج بدون إذن وليها. ومثل هذه الفتوى أعتقد أن فيها جرأة على الله ، وجرأة على دين الله، أعني: أن يفتح باب أن البنت تزوج نفسها بهذه الصورة بحجة أن أباها رفض هذا الخاطب؛ لأن الغالب أن الأب يبحث عن مصلحة ابنته، وهي نتيجة أنها تحكم العاطفة فقط، وليس عندها خبرة في الحياة، ولا معرفة بالناس؛ لأنها لا تجالس الرجال، ولا تعرف طبائع الناس، فهي محصورة عن معرفة ما آل إليه حال الناس وخداعهم. ثم إن البنت التي تلي تزويج نفسها تشعر بوقاحتها، وأنها قليلة الحياء، فشرع الله أن يتولى ذلك أبوها، رعاية لحقها؛ لأن الأب كل همه أن يضمن لها الاستقرار بقدر المستطاع، لا أن يكبلها، هذا هو الأصل في الآباء، صحيح أن هناك شواذ لكن القاعدة: أن الأب أدرى الناس بمصلحة ابنته، وأنه ينظر في مصالحها، وأنه أقدر على حسم هذه الأمور منها هي، وأنه لا يريد بها إلا خيراً، هذا هو الأصل وهذه هي القاعدة، فنرجو ألا يسمع ولا ينصت على الإطلاق لأي أحد يفتى بالجرأة في هذا الباب، ثم بعدما يتبعون أهواءهم يفزعون إلى أبي حنيفة ويقولون: إن أبا حنيفة أجاز ذلك، وغير ذلك من الكلام، وليس في هذا إلا مجرد أنه يتشهى بانتقاء الأقوال التي توافق مآربه، فنرجو ألا يفتح هذا الباب هنا في بلادنا أو في أي مدينة أخرى بأي حال من الأحوال حتى لا يصبح الأمر فوضى بحجة أن الأب لا يريد زوجاً متديناً، فهذا صعب أن نحكم عليه أو نصدقه ويحتاج إلى كثير من التحري قبل الكلام في مثل هذه الأمور.

стр. 305

حكم استعمال كلمة (الفكر السلفي) السؤال بعض الإخوة يقول: إنه لاحظ في بعض المحاضرات أو في كلام بعض إخواننا من الإخوة الأفاضل استعمال كلمة: (الفكر السلفي) فما حكم هذا الاستعمال؟ الجواب السلفية ليست فكراً، بمعنى: أنها ليست منهجاً بشرياً أو نتاج إعمال الفكر البشري؛ لأن السلفية هي منهاج اتباع القرآن والسنة طبق فهم السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم، فكلمة الفكر هذه نطلقها على مجالات أخرى، أما عند التعبير على منهج أهل السنة والجماعة، أو المنهج السلفي، أو منهج الفرقة الناجية؛ فلا ينبغي استعمال كلمة الفكر؛ لأنها بذلك تستوي مع الفكر البشري، وكأنه نوع من النتاج البشري، وهذا فيه الخطأ وفيه الصواب بخلاف أسس وأصول المنهج السلفية. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.