← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37002

سلسلة علو الهمة - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (305 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

إهدار الوقت سبب من أسباب انحطاط الهمة من أسباب انحطاط الهمم: إهدار الوقت الثمين في الزيارات والسمر وفضول المباحات، قال ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ). فالإنسان قد يعطى الصحة لكن لا يعطى الفراغ بسبب شغله في الدنيا، وهذا كحال أغلب الناس الذين وصفهم النبي ﵊ بقوله: (إن الله يبغض كل جعظري جواظ صخاب بالأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة). والشاهد منه قوله: (جيفة بالليل، حمار بالنهار)، وكلمة (حمار) المقصود منها: بيان أنه يكدح كما يكدح الحمار، ويتحمل المشقة والتعب، وأصبح يضرب به المثل فيقال: فلان يعمل مثل الحمار. يعني: أنه يعمل عملاً شاقاً جداً، ويداوم ويصبر عليه، فإذا أتى الليل لا يذكر الله ، فهو جثة ملقاة بالليل، حمار بالنهار في طلب الدنيا؛ لأن عنده نعمة الصحة، فبعض الناس يؤتى الصحة التي يقتحم بها أسوار الدنيا، لكن ليس عنده وقت للآخرة؛ فهو مشغول دائماً في الدنيا. وهناك أناس آخرين حرموا نعمة الصحة وعندهم وقت، مثل: إنسان مريض؛ فالمريض مرضاً مزمناً أو شديداً لا يمكنه من فعل أي شيء مفيد عنده الوقت؛ إذ لا شيء يشغله، لأنه مريض ملازم للفراش، لكنه فقد الصحة. فأتم وأكمل ما يكون الأمر للإنسان إذا منَّ الله عليه بهذين الأمرين: صحة مع فراغ، فإذا استثمرهما في طاعة الله ، وسخر الصحة والفراغ في طاعة الله وفي المقاصد الخيرية فهذا أعظم نعمة على العبد. لكن المؤلم أن أكثر الناس في غفلة عن نعمة الله العظيمة، بل بعضهم حينما يجمع الله له هاتين النعمتين -الصحة والفراغ- يدمر الصحة بالمخدرات وبالسجائر والتدخين وبغير ذلك، ويقتل الوقت أو يقتل نفسه على الأحرى بالجلوس في المقاهي. وتقريباً ظاهرة المقاهي غير موجودة إلا في بعض البلاد، كما في بلادنا حيث ترى الناس في المقاهي، وكأنه ما بقي أحد جالس في بيته، فالمقاهي عامرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله! والمساجد حالها كما تعلمون شيء مؤلم، وإذا قلت له: ماذا تفعل؟ يقول لك: أقتل الوقت! أنت تقتل نفسك، وتنتحر، فالنعمة هذه وكل لحظة محسوبة عليك؛ فالله أبلغ في الإعذار، وأعطاك كل فرصة ممكنة، وأنت الذي كفرت بها وضيعتها، فمعك العقل، ومعك الوحي الإلهي من القرآن والسنة يرشدك إلى كيفية استثمار الوقت، والرسول ﵊ يقول: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة - النخلة الصغيرة - فإذا استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها). فهذا الحديث يعلمنا كيف نغتنم ونستثمر الوقت، فإذا منَّ الله عليك بنعمة الصحة مع نعمة الفراغ فلا تكن من أكثر الناس الذين هم محرومون من استثمار هذه النعمة، ولذلك يقول ﵊: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)، والغبن: يحدث عندما تملك سلعة وتريد أن تبيعها، فتبيعها بأقل من سعرها، أو إذا كنت ستشتري تشتري بأكثر من سعرها، هذا هو الغبن؛ فأنت تغبن نفسك عندما تأتي الفرصة وتضيعها، ولذلك كان النبي ﷺ إذا استيقظ من النوم حمد الله على هذه النعمة، أي: نعمة أن الروح ترد إلى صاحبها عند الاستيقاظ، ولذلك شبه النبي ﷺ ذلك بالنشور فقال: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور)، فهذه النعمة العظيمة هي أن الله مد في عمرك، وأعطاك فرصة جديدة اليوم؛ لعلك تتوب لعلك تستقيم على طاعته لعلك تنوي المزيد من أفعال الخير، وكان ﵊ يقول: (الحمد لله الذي رد علي روحي، وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره)، أي: أعطاني فرصة أن أذكر الله. ولذلك جاء أن ثلاثة شبان من بني عذرة أتوا النبي ﷺ ، فاستضافهم أبو طلحة، فدعا داعي الجهاد، فخرج واحد منهم إلى الجهاد، فقتل في سبيل الله، ثم بعد فترة دعا داعي الجهاد، فخرج الثاني وقتل في سبيل الله، إلا الثالث مات على فراشه ولم يخرج إلى الجهاد كصاحبيه، ثم رآهم أبو طلحة في المنام، فرأى ترتيبهم فرأى أن آخر واحد مات على فراشه هو أعلاهم درجة، يليه الثاني، ويليه الأول الذي مات أولاً في الجهاد، فتعجب من ذلك، وحكا الرؤيا للنبي ﷺ ، فقال له النبي ﵊: (وما يعجبك من ذلك؟ إنه ليس أحد أفضل من مؤمن يعمر في الإسلام بالتسبيح والتهليل والتكبير)، أي: كيف تستغرب هذا؟ فهذا شيء طبيعي؛ إنه ليس أحد أفضل من مسلم يعمر في الإسلام؛ لأن عمره يزيد والطاعات تزيد، أما من كان عمره يزيد ويزيد شقاه ومعاصيه فمعناه: أن طول عمره مصيبة عليه، لكن العبرة حين يطول العمر وتكثر الأعمال الصالحة؛ لأن هذا يستكمل هذه النعمة؛ فلذلك قال ﵊: (إنه ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن أو مسلم يعمر في الإسلام بالتسبيح والتكبير والتهليل). فكأن رسول الله ﷺ شرح له الموقف، وقال له: إن الشهيد الثاني عاش وبقى فترة بعد الأول عمرها بالصلاة والذكر والتسبيح وقراءة القرآن وكذا، وبعد ذلك عاش الثالث؛ رغم أنه مات على فراشه، لكنه استطاع بالذكر وبقراءة القرآن وبالصلاة وبالعبادة أن يسبق الشهيدين مع أنه مات على فراشه، فهذه نعمة عظيمة جداً. والظاهر أن هذا هو مضمون رسالة إبراهيم ﵇ من السماء؛ فإن إبراهيم ﵇ أرسل لنا لكنا وكل مسلم على وجه الأرض منذ زمن النبي ﵊ إلى أن تقوم الساعة، فكل واحد منا يتذكر ذلك، وكأنما جاءته رسالة باسمه من إبراهيم ﵊، وذلك حينما قال للرسول ﷺ في رحلة المعراج: (يا محمد! أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، أو كما قال ﵊، والحديث صحيح. فهذه الرسالة من إبراهيم ﵇ يبين فيها أن الجنة قيعان، وأنه كلما قال العبد: سبحان الله وبحمده، تغرس له نخلة في الجنة، وإذا قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] عشر مرات يبنى له قصر في الجنة، فأي حسرة يتحسرها الإنسان بعد الموت على هذه الفرص التي ضيعها وجعلها هباءً منثوراً؛ لذلك قال ﵊: (لا يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله تعالى فيها)، يعني: أن الجنة دار منزهة عن النصب والتحسر والألم إلا من شيء واحد فقط يتحسر عليه أهل الجنة، وهو أنهم حينما يرون النعيم الذي هم فيه يتحسرون على لحظة من الزمن مرت بهم في الدنيا لم يذكروا الله فيها. فلاشك أنه لا يضيع هذه النعمة إلا مغبون، والإنسان إذا كان عنده رأس مال ويتجر به فإذا ربح فهذا هو الفوز، وإذا استرد رأس المال فهذه فائدة أيضاً، وإذا رأس المال نفسه هلك وضاع، فلا ربح ولا رأس مال وإنما خسران مبين، فعلى هذه الخسارة يتحسر هذا الإنسان. وبعض العلماء قال: تعلمت تفسير سورة العصر من بائع ثلج. وسورة العصر فيها قسم بالعصر والوقت والدهر والزمن، قال : ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢]، يعني: أن كل الناس في خسر، ثم استثنى قلة قليلة فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣]، فهؤلاء فقط هم الذين ينزهون من الخسران، ولماذا الإنسان في خسر؟ الجواب لأنه إذا لم يستثمر نعمة الوقت والصحة في هذه الأشياء الأربعة: ((آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ))، فإنه يخسر رأس ماله. وهي خسارة ما بعدها خسارة. قال: رأيت هذا الرجل بائع الثلج -وقبل لم تكن هناك ثلاجات ولا مجمدات بحيث يحفظ فيها الثلج- فالسوق انفض، وصلى الناس صلاة العصر، فبقيت عنده بعض ألواح من الثلج التي هي رأس ماله لم يبعها، وقارب العصر على الخروج، فالرجل كان يسير في الطرقات كالمجنون، يحمل الثلج ويقول للناس: ارحموا من يذوب رأس ماله! ارحموا من يذوب رأس ماله! لأن رأس ماله ماء متجمد، فإذا ذاب لم يبق معه رأس مال، فكذلك نفس الشيء؛ رأس مالك أنت هو الوقت، فإذا ضيعت الوقت فأنت تخسر رأس المال، فمن ثمَّ وصف الله الإنسان المضيع وقته بالخسران فقال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢]. بين ﵎ في هذه الإشارة العظيمة في الحلف والقسم بالعصر أن العصر -الذي هو الزمن والوقت- نعمة عظيمة فلا تضيعوها؛ فهي نعمة شريفة، ولذلك أنا أقسم بها وأقول: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر:١]، أقسم بها أنها نعمة شريفة، والسيئ ليس الزمان، إنما السيئ أفعالكم أنتم، كما قال الشاعر: نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا ونهجوا ذا الزمان بغير ذنب ولو نطق الزمان لنا هجانا فليس هناك حاجة اسمها زمن أسود، وإنما أعمالنا نحن هي التي تسيئ إلينا. الشاهد من الكلام: أن هذا الحديث يشير إلى هاتين النعمتين: الصحة والفراغ، فإذا أعطيت قدراً من الصحة والفراغ فاستثمر هاتين النعمتين بأقصى ما تستطيع. يقول الشاعر: والوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع

стр. 247

حفاظ السلف على أوقاتهم تعالوا نتحسر على أنفسنا حينما نرى أحوال السلف الصالح رحمهم الله تعالى، يقول الفضيل بن عياض: أعرف من يعد كلامه من الجمعة إلى الجمعة. يعني: يقدر يعد كم كلمة تكلمها من الجمعة إلى الجمعة التي تليها! أي: أنه حارس على لسانه حتى على عدد الكلمات التي يتكلمها. ودخلوا على رجل من السلف فقالوا له: لعلنا شغلناك؟ قال: أصدقكم؛ كنت أقرأ فتركت القراءة لأجلكم. يعني: أنتم عطلتموني عن الخير. وجاء عابد إلى السري السقطي فرأى عنده جماعة فقال: صرت مناخ البطالين؟! ثم مضى ولم يجلس. أي: صرت المستظل الذي يجلس عنده أهل اللهو والغفلة، فرفض أن يجلس معه. وقعد جماعة عند معروف الكرخي فأطالوا القعود، فقال لهم: إن ملك الشمس لا يفتر عن سوقها، فمتى تريدون القيام؟ وقال بعض السلف: من فاتته ركعات الفجر فليلعن الثقلاء. يعني: الذين يزورون الإنسان بعد العشاء، ويسهرون معه حتى يعطلوه عن ركعتي الفجر. وقال بعض السلف: إذا طال المجلس صار للشيطان فيه نصيب. يعني: أن المجلس يكون بقدر الحاجة، فإذا كنت في صلة رحم أو عيادة مريض أو غير ذلك من الأسباب فعليك أن تقضي حاجتك وتنصرف، أو تجتمع معه على طاعة كقراءة كتاب أو مسألة علمية أو حفظ قرآن أو تسميع قرآن أو ذكر لله ، أما ما سوى ذلك وقد قضيت حاجتك فالجلوس إذا طال صار للشيطان فيه نصيب؛ لأنه سوف ينشغل الإنسان بعد ذلك بالغيبة وبالنميمة وبالكلام فيما لا ينفع ولا يجدي. ولذلك قال الحسن أيضاً: نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. وكان عثمان الباقلوي دائم الذكر لله تعالى، فقال: إني وقت الإفطار أحس بروحي كأنها تخرج؛ لأجل اشتغالي بالأكل عن الذكر. وأوصى بعض السلف أصحابه فقال: إذا خرجتم من عندي فتفرقوا؛ لعل أحدكم يقرأ القرآن في طريقه، ومتى اجتمعتم تحدثتم. فهذه نصيحة ذهبية للإخوة نرجو أن يلتزموا بها، فإذا كنت أيها الأخ! في المسجد فصليت وقضيت حاجتك أو حضرت درس العلم فامش وحدك؛ لأنك إن كنت وحدك فممكن أن تسمع القرآن وأنت تمشي، وأن تذكر الله . أما إذا مشى معك أحد فإنه يعطل بعضكم بعضاً، فإن كنتم تمشون جماعة لكن كل واحد ينشغل بذكر فلا بأس، أما أن جماعة يمشون ويتكلمون في كلام لا يفيد فالوحدة أفضل من هذه الجماعة. وجليس الخير خير من قعود المرء وحده، ووحدة الإنسان خير من جليس السوء.

стр. 248

العجز والكسل من عوامل انحطاط الهمة من أسباب انحطاط الهمة: العجز والكسل، فالعجز والكسل هما العائقان اللذان أكثر رسول الله ﷺ من التعوذ بالله منهما، فمما كان يقول: (وأعوذ بك من العجز والكسل)، فالعجز بأن يكون يريد أن يفعل لكنه غير قادر، والكسل: أن تكون قادراً لكن ليس هناك همة، وعندك فتور. وقد يعذر العاجز لعدم قدرته بخلاف الكسول، فالعاجز قد يعذر؛ لأنه يحاول ولا يستطيع، فتخلف العمل نتيجة عجز، لكن الكسول عنده القدرة، لكنه همته ضعيفة، فلذلك لا يعذر الكسول، وقد يعذر العاجز؛ فالكسول يتثاقل ويتراخى مع القدرة على أداء ما ينبغي. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦]. فالإنسان مطالب بين وقت وآخر أن يجدد التوبة مع كل نفس جديد أو ثانية تمر بعمرك، فهذه فرصة جديدة، فكيف تسوف وتقول: سأتوب الأسبوع القادم أو الشهر القادم، فلا تقل: بعدما أعتمر أو بعدما أحج سوف أتوب، كما يضحك الشيطان على كثير من الناس. والمرأة يقال لها: متى تتحجبين؟ فتقول: بعدما أحج وأرجع! فهل تضمنين عمرك؟ وهل تظنين أنك غير مسئولة عن الحجاب في هذه الفترة؟ بل أنت آثمة، وتحملين هذا الوزر، وكذلك في كل طاعة تؤجل بلا مبرر أو بلا مسوغ. فاتقوا الله، وتوبوا إليه، واستقيموا؛ فإن الصادق يأخذ بالأسباب، كما قال تعالى: ((وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً))، فإذا أردت أن تنهض من وحل التدخين وحل المخدرات وحل الغفلة وحل اللهو فلابد أن تعد عدة، وابذل من الأسباب ما يثبت جديتك في هذا الأمر، قال : ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦]. روي أن رجلاً قال لـ خالد بن صفوان: ما لي إذا رأيتكم تذاكرون الأخبار، وتدارسون الآثار، وتناشدون الأشعار وقع علي النوم؟ قال: لأنك حمار في مسلاخ إنسان. وقد ترى الرجل موهوباً ونابغة فيأتي الكسل فيخذل همته، ويمحق موهبته، ويطفئ نور بصيرته، ويشل طاقته؛ ولذلك قلنا: الكسول لا يعذر؛ لأن الكسول قادر على أن يفعل، بخلاف العاجز، فممكن أن الإنسان يكون موهوباً فعلاً وذكياً وقادراً على العمل، لكن تنحط همته، فتشل طاقته. قال الفراء رحمه الله تعالى: لا أرحم أحداً كرحمتي لرجلين: رجل يطلب العلم ولا فهم له، ورجل يفهم ولا يطلبه؛ وإني لأعجب ممن في وسعه أن يطلب العلم ولا يتعلم. قال المتنبي: ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام فأنت قادر لكن الكسل هو الذي يعجزك؛ لذلك لا تعذر بالكسل.

стр. 249

الغفلة سبب من أسباب انحطاط الهمم من أسباب ضعف الهمة: الغفلة، وشجرة الغفلة تسقى بماء الجهل، وكلما زاد الجهل كلما زادت الغفلة في الإنسان، فالجهل عدو الفضائل كلها، فهل علمتم أمة في جهلها ظهرت في المجد حسناء الرداء؟! قال عمر ﵁: الراحة للرجال غفلة. وقال شعبة بن الحجاج: لا تقعدوا فراغاً؛ فإن الموت يطلبكم. أي: لا تقعد فارغاً من العمل الصالح؛ لأنه ليس هناك شيء اسمه فراغ؛ فإن الموت يطلبك، ويجري وراءك، وكل لحظة تمر أنت تقترب بها خطوة إلى السطح، وهو موعد أنت لا تعرف متى يحل، فقد يكون بعد ساعة، أو بعد لحظة أو بعد دقيقة أو بعد سنة، فلا تدري متى يحضر، فكن متأهباً لملاقاة الموت، ولذلك يقول: لا تقعدوا فراغاً؛ فإن الموت يطلبكم. يقول أبو الدرداء: (عجبت لطالب الدنيا والموت يطلبه)، أي: هو يجري وراء الدنيا، والموت يجري وراءه، قال: (عجبت لطالب الدنيا والموت يطلبه، ولغافل وليس بمغفول عنه)، أي: هو غافل، لكن هل الله غافل عنه؟ الجواب لا، ليس بغافل عنه، قال : ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩]. قال: (وضاحك ملء فيه ولا يدري أرضي الله عنه أم سخط عليه؟)، فلاحظ قوله: (ملء فيه)، كما نرى الذين يضحكون من المسرحيات الكوميدية، ويضحكون على الذين في التمثيليات، والمتطرفين والإرهابيين، وكل هذا مما توحيه الشياطين إلى هؤلاء الناس، فيضحك أحدهم ويفرح ويمرح وهو لا يدري هل الله فوق السماء راضٍ عنه أم ساخط عليه! قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣١]، فهم ينكتون على هؤلاء الملتزمين، والله المستعان. وسئل ابن الجوزي: أيجوز أن أفتح لنفسي في مباح الملاهي؟ فقال: عند نفسك من الغفلة ما يكفيها. يقول الأستاذ محمد أحمد الراشد: وكلامه طيب جداً في هذه المسألة-: فإن اعترض معترض أتيناه بمثل كلام ابن القيم ﵀؛ حيث يقول: لابد من سنة الغفلة ورقاد الغفلة، ولكن كن خفيف النوم لا يدمن شيئاً من الغفلة. وكما قدمنا في الكلام على الفترة، وذكرنا أن الإنسان لا يجعل الفترة هذه هي المستقر والوطن، بل هي فترة مؤقتة يستريح فيها، ثم يعود من جديد للعمل والاجتهاد. فلذلك يقول ابن القيم: كل إنسان لابد له من سنة الغفلة ورقاد الغفلة، ولكن كن خفيف النوم، لا تجعل نومك ثقيلاً، وتستمر في الغفلة، وتبقى هي الأصل في حياتك. يقول الشيخ الراشد: والمراد: تقليل الراحة إلى أدنى ما يكفي الجسم كل حسب صحته وظروفه، خاصة وأن المؤمن في هذا الزمان أشد حاجة للانتباه ومعالجة قلبه وتفتيشه مما كان عليه المسلمون في العصور الماضية؛ لأننا في زمان حتى الهواء الذي نتنفسه مسموم، لا أعني: العوادم وتلوث البيئة الذي يتحدثون عنه، نعم هي تلوث، لكن أعني تلوث البيئة الأخلاقية تلوث البيئة الثقافية تلوث البيئة الفكرية تلوث البيئة الاجتماعية تلوث في كل مكان. وقد ضرب بعض الناس لهذا مثالاً فقال: لو أن أناساً كانوا يعيشون في الريف، فأغلقوا الحجرات، وأتوا بالفحم وأحرقوه، وأقفلوا الشبابيك؛ لأجل أن الجو بارد، فيريدون أن يدفعوا هذا البرد، فماذا سيحصل؟ سيحصل الاختناق بسبب وجود غاز ثاني أكسيد الكربون بسبب الاحتراق، فيخنقهم الغاز ويقتلهم، مع أنهم يتلذذون بهذا الهواء الذي يستنشقون، فهؤلاء يختنقون دون أن يشعروا، يختنقون رويداً رويداً دون أن يحسوا بهذا السم. فلو أتى رجل وفتح عليهم النافذة فحينئذٍ فقط يفرقون بين الهواء النقي وهذا الذي يتنفسونه. وهكذا الوضع بالنسبة إلينا، فلا توجد نافذة نلقي منها الهواء المسموم الذي نحن فيه، ونصحح ما نتعاطاه من الهواء الفاسد إلا السير على منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، فحينما نرى أحوال السلف نحس بالسم الذي نعيش فيه، وقد حصل منا نوع من التكيف مع هذا الباطل، بل التأثر به، شئنا أم أبينا، فلا يمكن أن تنطلق قوتنا إلا بالمقارنة باستمرار مع أحوال السلف الصالح رحمهم الله تعالى، لأنهم هم الذين عاشوا في بيئة نقية مائة في المائة، وكانت الغلبة للإسلام، فما كان عندهم أي سموم في المعرفة التي يغص بها المسلمون الآن، فكل الأعراض مسممة إلا ما شاء الله من البقايا الذين يدعون إلى منهج السلف الصالح يرحمهم الله تعالى، ويذكرون الناس بأحوالهم، فهذا هو المنبع الوحيد الذي نستطيع أن نقوم به اعوجاجنا، وأن نطلع بين وقت وآخر على أحوال السلف؛ حتى نراجع أنفسنا، وإلا فسوق نسقط صرعى للتضليل وللآبار المسمومة، ولهذا الغاز المسموم. يقول الشيخ الراشد حفظه الله: وإن المؤمن في هذا الزمان أشد حاجة للانتباه ومعاجلة قلبه وتفتيشه مما كان عليه المسلمون في العصور الماضية؛ ذلك أنهم كانوا يعيشون في محيط إسلامي تسوده الفضائل، ويسوده التواصي بالحق، والرذائل تجهد نفسها في التستر والتواري عن أعين العلماء وسيوط الأمراء، أما الآن فإن المدنية الحديثة جعلت كفر جميع مذاهب الكفار مسموعاً مبصراً بواسطة الإذاعات والتلفزة والصحف -طبعاً والدش والفيديو- وجعلت إلقاءات جميع أجناس الشياطين قريبة من القلوب، وبذلك زاد احتمال تأثر المؤمن من حيث لا يريد ولا يشعر بهذا المسموع والمنظور، فضلاً عن ارتفاع حكم الإسلام عن الأرض الإسلامية التي يعيش فيها، فوجب عليه شيء من المجاهدة والمراقبة لوقته أكثر مما كان يجب على السلف. وما أصدق تصوير إمام تركيا بديع الزمان سعيد النورسي ﵀ لهذه الحقيقة حيث يقول: إن هذه المدنية السفيهة المصيرة للأرض كبلدة واحدة يتعارف أهلها ويتناجون بالإثم. يعنى: بالجرائد صباح ومساء، والنورسي في زمانه كانت وسيلة الاتصال بين أقطار العالم هي الجرائد، أما الآن فليست الجرائد فحسب، ولكن بالريموت كنترول، فبضغطة زر وهو جالس على الفراش ممكن أن يطوف كل أنحاء العالم، ويطلع ويعرض على قلبه لكل أنواع الكفر وكل أنواع المعاصي والفواحش بكل ما تعنيه من معنى، حيث تغزوه وتغزوا أهله، وأولاده في كل مكان، فضلاً عن مناهج التعليم، فضلاً عن رفقاء الشوارع. فأقول: إن التناجي بالإثم الآن أصبح أعظم بكثير مما كان يتكلم عنه النورسي ﵀. يقول: إن هذه المدنية السفيهة المصيرة للأرض كبلدة واحدة يتعارف أهلها ويتناجون بالإثم وما لا يليق في الجرائد صباحاً ومساءً، غلظ بسببها وتكاتف بملاهيها حجاب الغفلة؛ بحيث لا يخرق إلا بصرف همة عظيمة. يعني: لا يستطيع الإنسان أن ينجو من هذه الفتن كلها إلا بهمة قوية جداً؛ لأن الهوى يدفعه إلى هذه الأشياء، والشيطان يسول له، وصحبة السوء تحرضه، والنفس الأمارة بالسوء تأمره، فبالتالي لا يستطيع المقاومة إلا إذا كانت له همة يستعلي بها ويصعد ويرتقي أعلى من هذه المغريات كلها. هذا فيما يتعلق بكون الغفلة سبباً من أسباب انحطاط الهمة.

стр. 250

دور التسويف والتمني في انحطاط الهمة التسويف والتمني هما صفة بليد الحس عديم المبالاة، الذي كلما همت نفسه بخير إما أنه يعيقها بكلمة (سوف) حتى يفجأه الموت، وأكثر ما يصيح أهل النار من كلمة (سوف)، يقولون: واحزناه من سوف! فإذا أكثر الإنسان من قوله: سوف أصوم، وسوف أصلي، وسوف أتوب، وسوف أفعل كذا فلن ينجز شيئاً. فإذا همت نفسه بخير يقول: سوف أفعل فيما بعد، ويؤجل، فإذا حضره الموت قال: ﴿رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون:١٠ - ١١]. ألم تعط الفرصة؟ كما قال : ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] يعني: ألم نمد في أعماركم فترة كافية، فمن أراد أن يتوب فقد كانت عنده فرصة يتوب فيها. وقوله: (وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) قيل في تفسيرها أشياء كثيرة، لكن من ضمنها: أن النذير هو الشيب في الرأس، يعني: أن هذا الشيب إنذار بقرب الموت، ولذلك يقول النبي ﷺ : (لقد أعذر الله إلى رجل أخره حتى بلغ ستين سنة)، يعني: إذا وصل ستين سنة ومع ذلك ما تاب ولا أناب بل تمادى في المعاصي والمخالفات فبعد ستين سنة ماذا ينتظر؟! هذا فيما يتعلق بمن يقول: سوف، وهناك من لا يقول: سوف، ولكنه يركب بحر التمني، وأحلام اليقظة، والإنسان إذا كان يعيش في حلم فإن هذا الحلم يكون حلماً لذيذاً، ويود ألا يستيقظ عند وقت الصلاة أو عند أي شيء؛ حتى لا يفسد عليه أحد هذه اللعبة وهذا الحلم الزائف، وهي وهمية عبارة عن أحلام في أحلام، كما قال الشاعر: أحلام نوم أو كظل زائل إن اللبيب بمثلها لا يخدع لكن هذا يريد أن يستمر دائماً في الأحلام؛ حتى يتمتع بها، فيحلم أنه يطير، وأنه يأكل أو يشرب أو كذا أو كذا مما يعوقه ويسره من هذه الأحلام. فالإنسان إما أن يسوف ويقول: سوف أصوم سوف أتوب سوف أصلي سوف أفعل، والعمر يمضي ويجري، وإما أن يركب بحر التمني، والتمني يطلق على ما لا يكون وما لا يقع، وهو بحر لا ساحل له، فيبقى الحالم في هذا البحر إلى ما لا نهاية، ويدمن ركوبه مفاليس العالم، كما قيل: إذا تمنيت بت الليل مغتبطاً إن المنى رأس أموال المفاليس فالمفلس رأس ماله التمني؛ ويظل يحلم بأنه سيفعل كذا ولو أنه كذا! كما سنبين في المسائل القريبة إن شاء الله. أما بضاعة ركاب السفينة التي تخوض في بحر التمني الذي لا ساحل له فهي: مواعيد الشيطان، وخيالات المحال والبهتان، فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة والخيالات الباطلة تتلاعب براكبه كما تتلاعب الكلاب بالجيفة، وهي بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية ليس لها همة تنال بها الحقائق الخارجية، بل اعتاضت عنها بالأماني الدنية، فيتمثل المتمني صورة مطلوبه في نفسه وقد فاز بوصلها، والتذ بالظفر بها، فبينما هو على هذه الحال إذ استيقظ فإذا يده والحصير في التراب! يعني: لم يحصل شيئاً؛ لأنه لا يحصل على شيء في عالم الحقيقة، بل كل إنجازاته في عالم الخيال. وأحلام اليقظة بحد ذاتها ليست ضارة إذا كان يترتب عليها عملاً، فإذا كان الإنسان وهو مستيقظ يفكر أن يفعل كذا وكذا من أعمال الخير أو يخطط لشيء نافع له، ومادام هذا التخطيط ينقلب بعد ذلك إلى واقع فلا حرج في ذلك، لكن المشكلة في أن تكون كل حياته أحلام يقظة، ولا يفعل شيئاً على الإطلاق، فأنى ترتفع همة مثل هذا الشخص؟! يقول ابن القيم في مدارج السالكين: وهي بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية، ليس لها همة تنال بها الحقائق الخارجية، بل اعتاضت عنها بالأماني الدنية، فيتمثل المتمني صورة مطلوبه في نفسه، وقد فاز بوصلها، والتذ بالظفر بها، فبينما هو على هذه الحال إذ استيقظ فإذا يده والحصير. وقد جاء في بعض الكتب قصة فيها: أن ناسكاً كان له عسل وسمن في جرة، ففكر يوماً على طريقة الأماني الكاذبة فقال: أبيع الجرة بعشرة دراهم، وأشتري بالعشرة دراهم خمسة أعنز، فأولدهن في كل سنة مرتين، وحتى يبلغ النتاج مبلغاً، وأشتري بكل أربع -أي: أعنز- بقرة، وأشتري البذور، فأزرع، وينمو المال في يدي، فأتخذ المساكن والعبيد والإماء والأهل، ويولد لي ولد، فأسميه كذا، وآخذه بالأدب -وكان معه العصا- فإن هو عصاني ضربت بعصاي رأسه، ورفع العصا التي كانت في يده حاكياً للضرب فأصابت الجرة، فانكسرت، وانصب العسل والسمن على رأسه! فانتبه من رقدة الغفلة فالعمر قليل واطرح سوف وحتى فهما داء دخيل وقال رجل لـ ابن سيرين: إني رأيت في منامي أني أسبح في غير ماء، وأطير بغير جناح، فما تفسير هذه الرؤيا؟ فقال له: أنت رجل كثير الأماني والأحلام. وما أحسن ما قال أبو تمام: من كان مرعى عزمه وهمومه روض الأماني لم يزل مهزولاً يعني: أنه يشبه العزيمة والهمة بالمرعى، وأن الأرض التي ترعى فيها العزيمة أرض قاحلة، فيها أمانٍ كاذبة فقط، فستبقى عزيمته دائماً هزيلة لا تسمن؛ لأنها لا تأكل شيئاً. وعن الحسن قال: المؤمن من يعلم أن ما قال الله كما قال، والمؤمن أحسن الناس عملاً، وأشد الناس خوفاً، لو أنفق جبلاً من ماله في سبيل الله لا يأمن عذاب الله ولا سوء الخاتمة إلا بعد أن ينجيه الله، ويرى الجنة بعينيه. أي: وأما قبل ذلك فلا يأمن. ولا يزداد الإنسان صلاحاً وبراً وعبادةً إلا ازداد خوفاً من الله. فكلما ازداد في العبادة كلما ازداد خوفه من الله. وأما المنافق فيقول: سواد الناس كثير، وعدد الناس كثير، وسيغفر لي، ولا بأس علي، ويسيئ العمل، ويتمنى على الله تعالى. وأما السلف الصالح فكانوا يحسنون ويخافون، أما نحن فنسيئ ونرجو ونطمع ونؤمل. قال المتنبي منزهاً ممدوحه عن الاستغراق في أحلام اليقظة، ومبيناً كيف أجفى الحقائق واعتاد ركوب المخاطر: وما كنت ممن أدرك الملك بالمنى ولكن بأيام أشبن النواصيا لبست لها كدر العجاج كأنما ترى غير صافٍ أن ترى الجو صافيا يعني: هذه حالة استثنائية؛ فإذا كان الجو صافياً فإنه يبقى غير صافٍ؛ لأنك تعودت على المحن، وتعودت على الشدائد وخوض الأهوال.

стр. 251

دور جليس السوء في انحطاط الهمة من أسباب انحطاط الهمة: مجالسة سافل الهمة من أبناء الدنيا؛ فإن سافل الهمة من طلاب الدنيا كلما هممت بالنهوض جذبك إليها، وغرك قائلاً: أمامك ليل طويل فارقد! وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يحذيك -يعني: يعطيك- وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة)، متفق عليه واللفظ لـ مسلم. فهذا حال الجليس الصالح وجليس السوء، فلابد أن تتأثر بالجليس شئت أم أبيت، فحذار من مجالسة المثبطين من أهل التبطل والتعطل في اللهو والعبث؛ فإن طبعك يسرق منهم وأنت لا تدري، وليس إعداء الجليس لجليسه بمقاله وفعاله فقط بل بالنظر إليه، وكما أن الأطباء يقولون: إن الأمراض تعدي وتنتقل، فكذلك الأخلاق أيضاً تنتقل بالتأثير وبالعدوى؛ لأن الطبع يسرق، فإذا أردت أن تجد لنفسك صفة معينة فصاحب واحداً فيه هذه الصورة، فإذا صاحبت إنساناً غافلاً لاهياً عابثاً فإن هذا يدل على أنك تريد أن تنتقي نفس هذه الصورة، وهذا أمر مشاهد ومعروف. وطرق العدوى ليست فقط الكلام أو الأفعال وإنما أيضاً تنتقل هذه العدوى بالنظر إلى أهل السوء وأهل البطالة، أو بالنظر أيضاً إلى أهل الهمة، فتنتقل هذه العدوى وهذا التأثير، وما سمعنا في الطب بعدوى تنتقل بالنظر، فهذا يعني أن هذا الداء أخطر من الأمراض الجسدية، وهذا الشيء محسوس، فإذا كان هناك مجمع من الناس فتثاءب منهم أحد فإن البقية كلهم يتثاءبون مثله، وهذا مما هو معروف فتنتقل العدى حتى بالنظر، والروح يكون لها تأثير على الروح التي تجالسها. فالنظر في الصور يورث في النفوس أخلاقاً مناسبة لخلق المنظور إليه، ومن الإنسان نستعرض هذا المعنى، فالنظر في صور الظالمين أو الفاسقين لابد أن يطبع تأثيراً في القلب، ولذلك من رحمة لله بالإنسان أن يعافيه من النظر إلى التلفزيون وإلى صور الملوك والرؤساء والممثلين والفنانين ونحوهم، فهؤلاء لا تنظر إليهم، ومن سلامة لقلبك ألا تنظر، وإذا نظرت فلابد أن سيحصل عندك نوع من أنواع التأثير، ولذلك كن في عافية، وسد هذا الباب حتى لا تتأثر بأخلاق هؤلاء القوم. فهذه أم جريج العابد دعت عليه ألا يموت حتى ينظر إلى وجوه الزانيات، كما في القصة المعروفة في صحيح مسلم، ونظر بالفعل، وأمه كانت ترى أن هذه عقوبة، ولذا دعت عليه بها، فدعت عليه بأنه لا يموت حتى يبصر هذه الفتنة والعياذ بالله! لأن هذا يضر بالإيمان والقلب، فلا تفعل كما يفعل الأسير الذي يفرح بالرق ويفخر به، ويفخر أن عنده دشاً، ويفخر أنه ينظر إلى التلفزيون والأفلام وكذا! فأنت تقتل نفسك، وتسمم قلبك، ولا تضر إلا نفسك، كما قال ﵊: (من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً)، فأنت المتضرر في الحقيقة. فالنظر في الصور يورث في النفوس أخلاقاً مناسبة لخلق المنظور إليه، ومن المشاهد أن الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيفة، فما الظن بالنفوس البشرية؟! قال الشاعر: ولا تجلس إلى أهل الدنايا فإن خلائق السفهاء تعدي

стр. 252

العشق سبب من أسباب انحطاط الهمم من أسباب انحطاط الهمم: العشق، ووقوع الإنسان في أسر العشق، ولا شك أن هذا الموضوع يطول فيه الكلام جداً، وهو من البلاء الذي تجند من أجله الآن هيئات وأموال، ولأن كل شاب يتمنى أن تكون في حياته فتاة يتخيلها ويتغنى بها، وينشد لها الأشعار والأغاني، ويزعم أن هذا هو الوضع الطبيعي؛ محاكاة لأحوال الكفار. وفي الحقيقة أن هذا الموضوع موضوع كبير؛ لكن لأنه ليس عاملاً أساسياً فسوف نشير إشارة عابرة؛ فالعشق يسفل الهمة؛ لأن هذا العاشق تستنفذ كل طاقاته في تحصيل محبوبته، وكل همته أنه يراها، أو يقابلها، أو يحصل منها على كذا أو كذا، فكل همته تتجه إلى هذا الشيء، وكل حياته تطوف حول محور معين ألا وهو المعشوق. فالشاهد: أن همة العاشق تنحصر في أن يحصل ما يحبه، فيلهيه ذلك عن حب الله ورسوله ﷺ : ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠]. فعالي الهمة يأنف ويستنكف أن يستأسره العشق الذي يمنع القرار، ويسلب المنام، ويولع العقل، ويحدث الجنون، وكم من عاشق أتلف في معشوقه ماله وعرضه ونفسه! وأتلف دينه ودنياه! والعشق يترك الملك مملوكاً، والسلطان عبداً، وترى الداخل فيه يتمنى منه الخلاص ولات حين مناص، وكم أكبت فتنة العشق رءوساً على مناخرها في الجحيم! وأسلمتهم إلى مقاساة العذاب الأليم، وجرعتهم من بين أصناف النار كئوس الحميم. فالحقيقة أن العشق أخطر من ذلك، ويحتاج إلى أكثر من عبارة حتى نعطيه حقه، لكن هذه إشارة عابرة المقصود بها الإشارة إلى تأثير العشق في الهمة، وأنه في الغالب يثبط الهمة، إلا إذا صادف عشقاً مباحاً، وهو عشق الزوجة، فلم ير للمتحابين مثل النكاح؛ لأنه حصلها في هذه الحالة، وصارت تحت سلطانه، أما خلاف ذلك فالأحوال كما تعرفون.

стр. 253

دور الانحراف في العقيدة في انحطاط الهمم من أسباب سفل الهمة: الانحراف في العقيدة، فالانحراف في العقيدة ينعكس أيضاً على همة الإنسان، ونخص بالذكر هنا قضيتين من قضايا العقيدة: قضية سوء فهم القضاء والقدر، وقضية الإرجاء، فالمسألة مسألة عقيدة، فإذا أساء الإنسان فهمها فإنها تجعل همته سافلة، فسوء فهم قضية القضاء والقدر بلا شك ينعكس انعكاساً واضحاً جداً على همم بعض الناس، خاصة الذين يذهبون إلى مذهب الجبرية. وقد سبق الكلام في هذا بالتفصيل، والمقصود: مجرد الإشارة، فسوء فهم القضاء والقدر يؤدي بالإنسان إلى التواكل وعدم تحصيل التوكل على الله حق توكله. كذلك أيضاً بدعة الإرجاء، وأن الإيمان كلام فقط، ومعرفة بلا عمل، وأن المعاصي لا تؤثر في الإيمان، وأن الناس لا يتفاضلون في إيمانهم. وتعتبر بدعة الإرجاء من أخطر البدع وأشرها تأثيراً في الهمة.

стр. 254

الغناء ودوره في انحطاط الهمم من أسباب انحطاط الهمم: الفناء، وهو اصطلاح صوفي، لكن نحن مضطرون إلى استعماله هنا؛ لأن هذا واقع من كثير من الناس، فهناك الفناء في ملاحظة حقوق الأهل والأولاد، وحقوق الأهل والأولاد من الواجبات على الرجل، لكن نحن لا نتكلم عن شخص يؤدي الواجب الذي عليه، بل نتكلم عن واحد يستغرقه الأهل والأولاد بصورة تفتنه تماماً عن طاعة الله ورسوله ﵌، وبصورة يتحقق فيها ما حذرنا منه الله حينما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤]، وقوله: (عَدُوًّا لَكُمْ)، يعني: عداوة غير مباشرة، فالعدو إما عدو صريح، وإما عدو متلون، فإيثار رضا الأهل والأولاد على ما يرضي الله ، والافتتان بهم بحيث أن الإنسان يرتكب مخالفات في سبيل أن يأتي لهم بالمال أو غير ذلك فإن هذا يعتبر عداوة حقيقية؛ لأنها تؤثر في الدين سلباً، فمن ثمَّ أطلق الله على هؤلاء الأحباب الذين يحبهم الإنسان قوله: ((عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ)) [التغابن:١٤]، أي: كما تحذرون الأعداء. فمن أسباب انحطاط الهمة الفناء في ملاحظة حقوق الأهل والأولاد، واستغراق الجهد في التوسع في تحقيق مطالبهم؛ فالأب ليست له وظيفة غير أنه يحقق كل رغبات الأطفال، فهم يأمرون وهو ينفذ، ويقول: سمعنا وأطعنا، وكذلك الأمر بالنسبة للمرأة، هذا هو الذي نعنيه. ومثل هذا ينظر إلى قول النبي ﵊: (وإن لأهلك عليك حقاً)، لكنه يترك قوله: (وإن لربك عليك حقاً)، فالمسلم مطالب أن يكون متوازناً، فيكون عنده نوع من التوازن بين الحقوق والواجبات، وأيضاً يترك قول النبي ﵊: (فأعط كل ذي حق حقه). فكل ذي حق يأخذ حقه، وقد عد الله الأهل والأولاد أعداء للمؤمن إذا حالوا بينه وبين طاعة الله روى ابن جرير عن عطاء بن يسار في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤]، قال: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي؛ كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه، فقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق ويقيم، ويترك الجهاد، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤].

стр. 255

دور المناهج التربوية الهدامة في انحطاط الهمم من هذه الأسباب أيضاً: المناهج التربوية والتعليمية الهدامة، فالمناهج التعليمية الهدامة هي التي تحطم اعتزاز الشباب بإسلامهم وإيمانهم، مع أنه لا خلاص لهذه الأمة إلا بالإسلام، فهذه مناهج تسفل الهمم، وتخرق المواهب، وتضعف الطاقات، وتخرب العقول، وتنشئ الخنوع، وتزرع في الأجيال ازدراء النفس، وتعمق فيها احتقار الذات، والشعور بالدونية. وأنا لا أقصد المناهج التعليمية في المدارس والجامعات وحدها، وإنما أقصد ما هو أوسع من ذلك، وبالذات مناهج الصوفية في التربية والتعليم؛ فإنها أيضاً تشارك في المناهج التعليمية وفي تدمير الهمم وتثبيطها. فيوجد احتقار الذات في المناهج التعليمية بالصورة التي يضخمون بها صورة الغرب وصورة أمريكا، وأنهم وصلوا إلى أشياء راقية، وأن هؤلاء الناس بلغوا القمة، وأنهم دول النموذج والقدوة، ويسترون عورات الغرب، مع أن العالم الغربي يعج بالعورات القبيحة التي إذا كشفت تأفف الناس من هؤلاء الكفار؛ فعندهم من من كل أنواع العورات ما يليق بأمثالهم من الكفرة بالله . فهناك عملية تجميل متعمدة، خاصة من خلال الأفلام والمسلسلات الأمريكية، كما حكى لي أخ فقال: إنهم دائماً يتعمدون في الأفلام أن الممثل يفتح الثلاجة وفيها ما لذ وطاب من الطعام والشراب وكذا وكذا، ويظهرون البيوت مزينة بصورة معينة، وهذا نوع من الدعاية غير المباشرة بأن هؤلاء ناس يعيشون في جنة، وفيه تزيين للدنيا؛ حتى نقتدي بهم، ونجري وراءهم. والإنسان يلاحظ أيضاً -وللأسف الشديد- أن كثيراً من أساتذة الجامعات يزرعون فينا -بقصد أو بدون قصد- موضوع احتقار الذات، والدونية، سواء في استعمال اللغة أو غير ذلك؛ فيرون أنه لابد أن تستعمل اللغة الأجنبية، وأنها لغة العصر! وفي تعظيم هذه الصورة احتقار للذات، واعتراف منا بالدونية أمام هؤلاء الكفار. الموضوع طويل، لكن في هذا إشارة إلى أن المناهج التربوية والتعليمية زرعت فينا أننا دون هؤلاء الكفار، وأن دول الكفار دول أقوى من دولنا، وأنهم أعظم وأعلم منا، وأنهم في كل شيء هم أفضل منا، وأننا ينبغي أن نفزع إلى مناهجهم، ولا نرضى بها بديلاً؛ حتى الإسلام لا نقبله بديلاً عن هذه الجنة الموعودة في جحيم أمريكا والغرب!!

стр. 256

دور مناهج الصوفية في الانحطاط بالهمم من المناهج التي تزرع احتقار النفس وازدراءها والشعور بالدونية: مناهج الصوفية؛ وأذكر لكم بعض العبارات التي تدل على ذلك: قال بعض الصوفية: الفقير هو الذي يأكله القمل، ولا يكون له ظفر يحك به نفسه! يعني: أن القمل يكثر في جسده حتى يأكله، هذا هو الفقير الصوفي. وكل هذا اقتبسوه من الرهابنة، فالرهابنة يدخلون الدير، ويعتكفون فيه؛ حتى يصير وجه الواحد منهم أسود من كثرة الطين؛ لأنه لا يستحم، ولا يقرب الماء أبداً، وهذا موجود حتى الآن، لكنهم يسترونهم داخل الجدران؛ حتى لا يظهروا في الخارج، فتجد الطين والقذارة في خد أحدهم وفي جبهته متراكمان، ويبدوا أنه منذ سنوات ما اغتسل وما اقترب من الماء، كحال أسلافهم من قبل؛ حيث كان الواحد منهم يفخر أنه مكث خمسين سنة وما مس الماء!! وهذه عندهم طريقة للتعبد! ومن هذا الذل الذي يقع في غير موقعه: ما يريد الصوفية أن يكون عليه الناس من التمسح بالأعتاب، والسجود للقبور، والتذلل للموتى من دون الله ، وهذا شرك صريح، وخروج من ملة الإسلام؛ فكونك تستنصر بالميت وتدعوه؛ لأجل أن يرزقك ولداً، أو يشفي لك مريضاً، أو ينجح ولدك، أو غير ذلك مما لا يسأل إلا من الله هذا بلا شك هبوط بالهمة إلى أحط مستوى، قال : ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]. ويقول صوفي آخر: الصوفي هو من يرى دمه هدراً وملكه مباحاً! أي: أن هذا هو الصوفي؛ فهل هناك احتقار للذات أكثر من هذا؟! أين أنت من تربية رسول الله ﵊ الذي يقول: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد)، فهذا يرفعه إلى درجة الشهادة، وأنت أيها الصوفي! تأتي تقتبس من الرهبان وتقول: من صفعك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر، ومن أخذ رداءك فأعطه قميصك. إلى آخر هذا الكلام الذي يربي في النفس هذه المعاني. فهذا الشخص يقول: الصوفي هو من يرى دمه هدراً وملكه مباحاً! وفي الحقيقة لا يمكن أن تحس بنعمة الله عليك إلا إذا مَنَّ عليك بالاعتزاز بالمنهج السلفي، بأن تفهم القرآن والسنة كما فهم السلف الصالح، إلا إذا نظرت إلى منهج وانحرافات وضلالات الصوفية التي هي أم المخرفين، والتي هي معاندة لدين الله ، فحينئذٍ تستحضر نعمة الله عليك أن عصمك من هذه الضلالات. وهذا صوفي ثالث يحكي ويقول: إنه ما سر في إسلامه إلا ثلاث مرات، أي: أنه من ساعة ما أسلم ما دخل السرور على قلبه إلا ثلاث مرات في ثلاث مناسبات: الأولى: كنت في سفينة فلم أجد أحقر مني فيها! والثانية: كنت مريضاً في المسجد فجرني المؤذن إلى خارجه! والثالثة: كان علي فرو فنظرت فيه فلم أميز بين شعره وبين القمل من كثرته!! هل هذا هو الإسلام؟! وهل هذه هي سنة رسول الله ﵊؟! فهو يفتخر بأنه حين يكون قذراً يتأفف الناس منه حتى يلقوه في الشارع، وأن ينظر إلى الفرو فلا يستطيع أن يفرق بين الشعر وبين القمل من كثرة القمل! فانظر كيف تنحط الهمم! فهل مثل هذا يصلح أن يخرج ليجاهد في سبيل الله، أو يتعبد العبادة التي يزعمونها، أو يطلب علماً ويسهر الليالي في طلب المعالي؟! هل هذا يحصل من مثل هذا الذي يفتخر بأن القمل فيه لا يتميز من شعر الفرو؟! فبلا شك أن التربية الصوفية تغرس احتقار النفس والإحساس بالدونية، وتثبط وتقتل الهمم، وتدمرها. ومن مظاهر المناهج التربوية الصوفية التي تنحط بالهمم: الإعراض عن علوم القرآن والسنة، وترهيب المريدين من طلب العلم الشرعي، ويخوفون الناس من العلم الشرعي، ويقولون: نحن لنا الحقيقة، والناس لهم الشريعة، فالعبادة والعمل وطلب العمل هذه سلالم، ونحن وصلنا، فكيف نصعد على السلم؟! فيسخرون من طلبة العلم، ويهونون ويحقرون من شأن العلم، ولقد سقط من كم أحدهم يوماً القلم، وكان يخفي القلم؛ خشية أن يفتضح بين الصوفيين بأنه يكتب، فسقط منه القلم رغم أنفه من جيبه، فقال له شيخه: استر عورتك!! وروى ابن الجوزي عن جعفر الخالدي قال: لو تركني الصوفية جئتكم بإسناد الدنيا. أي: أنهم السبب في أنه أعرض عن طلب العلم والحديث. قال: كتبت مجلساً عن أبي العباس الدروي وخرجت من عنده، فلقيني بعض من كنت أصحبه من الصوفية فقال: ما هذا معك؟ قال: فأريته إياه، فقال: ويحك! تدع علم الخرق وتأخذ علم الورق! ثم مزق الأوراق، فدخل كلامه في قلبي، فلم أعد إلى أبي العباس. أي: حالوا بينه وبين طلب العلم الشرعي.

стр. 257

دور مناهج المقلدين في انحطاط الهمم من هذه المناهج التي تهبط بالهمم: المناهج التي تحرض الناس على التقليد المنهجي، والتقليد هو مثل الميتة تأكلها إن اضطررت إليها، لكن الأصل هو اتباع رسول الله ﵊، يقول تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨]، أي: اتبعوا الرسول ﵊ لعلكم تهتدون. وقال ﵎ أيضاً: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]. ونحن لا نقول: إننا لا نرجع إلى العلماء في فهم الكتاب والسنة، لكن نقول: إن العالم غير معصوم، فقد يخالف القرآن أو السنة؛ لأنه اجتهد، وباجتهاده أخطأ، ويثاب على ذلك، لكن نقول: نحن ندور مع الحق حيث دار، فمتى ما صح قول رسول الله ﵊ فيجب المصير إلى قوله، وألا يقدم على قوله ﵊ قول أحد كائناً من كان. وللأسف فإن التربية السفلية أيضاً فيها التقليد المذهبي، والتربية الدينية في بعض الأوقات أيضاً تغرس موضوع حب التقليد والاعتزاز بالتقليد! والتقليد صفة مذمومة وليس صفة ممدوحة، فلا تلجأ إليه إلا في ظروف معينة وبشروط معينة، فينبغي أن يحرض الناس ويربوا على التطلع إلى فهم الأدلة ومعرفة الأحكام الشرعية بأدلتها، لا أن نحرض الناس على دنو الهمة ونقلد ونأخذ بقول غيرنا دون معرفة دليله. حدثني أحد المشائخ الأفاضل وهو الشيخ رشاد الشافعي ﵀: أنه حضر وهو شاب مجلساً لأحد الشيوخ المالكيين، وكان هذا الشيخ يربي تلامذته ويعلمهم، وإذا أراد أن يعلمهم الوضوء علمهم كيف كان يتوضأ الإمام مالك، وإذا صلى علمهم كيف كان يصلي مالك، وكيف كان يعمل مالك أو حج أو اعتمر أو زوج أو طلق أو خطب، فربطهم دائماً بالإمام مالك رحمه الله تعالى! فانظر إلى خطورة الأمر على العوام، فقد وصل الأمر في أحد هذه المجالس التي كان الشيخ يتكلم فيها بهذه الطريقة أن بعض العوام قطع الدرس وقال له: يا سيدنا الشيخ! هل سيدنا النبي كان قبل مالك أو الإمام مالك قبل؟!! فمن الذي بعث قبل الآخر؟!! فوصل الأمر بهذه الهيئة إلى أن الواحد منهم يتصور أن مالكاً نبي مثل محمد ﵊. هذه هي نتيجة التربية التي تربطنا بأن القدوة هو الإمام مالك أو الشافعي أو غيرهما. محبة الأئمة واحترامهم دين نتقرب به إلى الله ، ولا نخرج عن أقوالهم، لكن نحن نتكلم على أن القدوة يجب أن يكون هو رسول الله ﷺ ، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. ولذلك أحد مشائخنا من أنصار السنة حفظهم الله قال: إنه لما جاء المأذون يعقد له قال: على مذهب أبي حنيفة، فقال: أنا أريد أن أتزوج على المذهب الذي تزوج عليه أبو حنيفة، وأبو حنيفة على أي مذهب تزوج؟ تزوج على المذهب المتبع للرسول ﵊. فينبغي لطالب العلم أن يستفز همته لكي ينتقل من وحل التقليد إلى اتباع الأدلة. ونحن نرفض هذا الذي يحصل من بعض طلاب العلم من سب الأئمة أو التطاول عليهم أو التقليل من شأنهم، فهذا كله من القدح، لكننا ندعو إلى ما دعا إليه أئمة السلف من عدم التقليد، كما قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى: إن المقلد بإجماع العلماء ليس معدوداً من أهل العلم.

стр. 258

خطر المناهج العلمانية وأثرها في انحطاط الهمم تعتبر العلمانية أخطر من مناهج المدارس والجامعات أو مناهج الصوفية أو غيرها من المدارس التي تثبط الهمة؛ بل وأضر من ذلك تلك المناهج التربوية والتعليمية التي تريد أن تجعل العلمانية ديناً بديلاً لدين الإسلام، فراحت تسمم آبار المعرفة التي يستقي منها شباب المسلمين؛ لتخرج أجيالاً مقطوعة الصلة بالله، وتبتغي العزة في التمسح على أعتاب الغرب، وتأنف من الانتساب إلى الإسلام، وتفتخر بالانتساب إلى الفراعنة، ويعاد ويزاد ويكرر تاريخ الفراعنة في مادة التاريخ تقريباً في ثلاث مراحل من مراحل التعليم، من الابتدائي إلى الثانوي، ويكرر الاعتزاز بالفراعنة بطريقة مبالغ فيها جداً جداً، كل هذا على حساب التاريخ الإسلامي! فقاتل الله أعداء الدين الذين يتآمرون على شباب المسلمين.

стр. 259

دور اضطهاد العاملين للإسلام في انحطاط الهمم من هذه الأسباب: توالي الضربات، وازدياد اضطهاد العاملين للإسلام، فبعض الناس حينما تتوالى الضربات والاضطهاد للمسلمين خاصة إذا طالت الموجة تضعف همته، كما حصل في الموجة التي ظلت مرتفعة مدة طويلة، وكان الاضطهاد يزداد للعاملين لله ولدين الله، فبعض الناس -للأسف الشديد- حصل عندهم شعور بالإحباط وباليأس، وهؤلاء هم الذين لا يفقهون حقيقة البلاء، ولا يعلمون أن الله مطلع على كل هذا، ولو شاء الله بكلمة: (كن) لأهلك كل من على وجه الأرض، ولو شاء الله بكلمة: (كن فيكون) لأمر العباد الذين على وجه الأرض كلهم فيكونوا مثل الملائكة في العبادة والإخبات والخشوع لله ؛ فإن الله قادر على ذلك، ولكن: ﴿َتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، أي: في هذه الدنيا؛ فإذا كان الأنبياء أنفسهم أوذوا في الدنيا فغيرهم من باب أولى؛ فالدنيا هينة على الله ، وليست دار الجزاء، إنما هي دار الابتلاء والامتحان، والنتيجة تظهر يوم القيامة أما الدنيا فهي كلها امتحان، واختبار، وابتلاء، فسنة البلاء من السنن الماضية، ولابد أن يقع هذا الصراع بين الحق والباطل، والله سبحانه قادر على أن تنزل الملائكة عياناً والناس يرونها، وتتخطف أعداء الدين عضواً عضواً، وتمزقهم إرباً؛ فالله قادر على ذلك، لكن لو أن الله فعل ذلك فستنتفي حكمة الابتلاء، وسننتقل إلى الآخرة؛ لأن هذا يحصل في الآخرة، قال : ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، فهذا الغطاء ما زال موجوداً الآن، فإذا كشف الغطاء وأصبح الناس يرون العذاب الذي يحصل في القبر، وأصبحوا يرون الملائكة وهي تعذب الكفار أو الفاسقين من المحتضرين، وإذا شتم واحد الإسلام تنزل ملائكة من السماء وتمزقه أمام الناس، لو حصل هذا فهل تبقى الدنيا دنيا؟ فمن حكمة الله أن يكون هناك إيمان ويقين بالغيب ويقين بوعد الله ، ويبقى الحجاب قائماً حتى يميز بين المؤمن الذي يؤمن بالغيب وبين الفاجر الذي لا يؤمن إلا إذا عاين؛ فإن الكفار إذا عاينوا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢]، فهل هذا اليقين ينفع؟ لا ينفع اليقين؛ الذي ينفع هو ما كان قبل أن تكشف الحجب، فلا بد من إيمانك بأن الله يسمع ويرى، وأن الله قادر على أن يذل أعناق كل هؤلاء المعادين لدين الله ودين رسوله ﵊، والذين يفرحون بموالاة الكفار، ويتحصنون بهم ضد المسلمين، ويكونون هم اليد التي يضرب بها الإسلام في عقر داره، وقبلوا لأنفسهم هذا المنصب، فهل معنى ذلك أن الله خذل دينه، وخذل دعوته؟ كلا! فمهما طال الصراع فلابد أن تكون العاقبة للتقوى، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]، وقال سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]، فلابد من الفتنة، ولابد من البلاء، وهذا الذي نعيشه هو ابتلاء، وليس أكثر، فكثرة الاضطهاد للإسلام هي من البلاء؛ لأن الاضطهاد عالمي، ونحن الآن نعيش في عصر كأنه لم يسبق له نظير، فكل العالم بلا استثناء -حتى حكام العالم الإسلامي- كله متواطئ على خنق الإسلام وإذلال وإضعاف المسلمين؛ تمهيداً لإقامة إسرائيل الكبرى. هذه هي الحقيقة المرة التي نعترف بها علناً، كما قال كلينتون في معاهدة السلام في الأردن للملك حسين قال له: لقد حققت يا جلالة الملك! حلم جدك الملك عبد الله في إقامة وطن القومية لليهود في فلسطين! وهذه أمور جديدة ما سمعنا بها في آبائنا الأولين، والله المستعان! حتى إن عمرو موسى صرح -وما أجمل التصريحات التي يأتي بها عمرو موسى أحياناً- فقال لرؤساء البلاد العربية: اهدوا قليلاً، فليس من المعقول أن تركضوا نحو إسرائيل بالصورة هذه، ففزع جلالة الملك وغضب، وقام يرد عليه في غضب ويقول: نحن لا نركض نحو إسرائيل؛ نحن نهرول نحو إسرائيل!! فانظر إليه حينما يفتخر أنه يهرول نحو إسرائيل، نسأل الله أن يحبط كيد هؤلاء الأعداء أجمعين.

стр. 260

اقتران البلاء بالمتمسكين بالدين فالإنسان قد يستطيل الطريق؛ لأن كله ابتلاء، وامتحان، وبين وقت وآخر يحصل تكثيف، فانتظروا فرج الله . فإذا استطال الإنسان الطريق يحصل له ضعف في السير إلى الله ، فعلينا أن نتأسى برسول الله ﷺ ، وأن نتبع سنته في كل أحواله، فمن أحوال النبي ﵊ أحوال تشبه ما نحن فيه الآن، حيث حصل اضطهاد للمسلمين ومحاربة للدين، فكيف كان يعزي ويسلي أصحابه المضطهدين؟ كان دائماً يزرع فيهم الأمل بالتبشير بأن المستقبل حتماً سيكون للإسلام؛ فقد صح عن خباب بن الأرت ﵁ أنه قال: (شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ بالرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله! ليتمن الله هذا الأمر؛ حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون). فتأمل كلمة (تستعجلون)، يعني: أن العاقبة للمتقين لكنكم تستعجلون، فاتركوا سنة الله تمشي في طريقها، ولا تتعجلوا، ولا تقفزوا فوق السنن، كما يحصل من بعض إخواننا -للأسف الشديد- من بعض الحركات أو بعض الجماعات؛ حيث يحاول أن يسبق السنن، ويتعجل، كما قال بعض الكتاب واصفاً المتعجلين من الشباب والمتعجلين من الشيوخ: أما متعجلة الشباب فمعروف الحركات التي تحصل منهم من إراقة للدماء، وغير ذلك من تعجل الشباب، أما تعجل الشيوخ فيقال: إن بعض الشيوخ كانوا حريصين جداً على القفز فوق سنن الله، فأرادوا القفز إلى التمكين عن طريق البرلمانات والانتخابات، لأنهم يظنون أن هذه قد توصلهم إلى هذا الهدف، وهذا القفز فيه نوع من الاستعجال؛ لأنه ليس بالسهولة هذه أبداً يحصل التمكين لدين الله، وليست هذه هي سنة الله . فتأمل في هذا الحديث! الصحابة ﵃ ذهبوا يطلبون من النبي ﵊ أن يدعو لهم، ويستنزل نصر الله عليهم، فهل دعا لهم الرسول ﵊؟ لم يدع لهم؛ لأنه لابد أن تمضي سنة البلاء، فهي سنة ماضية لابد أن تقع. ولما سئل الإمام الشافعي: أيهما أفضل للرجل: أن يمكن أو يبتلى؟ فقال: لا تمكن حتى تبتلى. فيبدأ أولاً البلاء ثم التمكين. ولما بلغ خبر ميلاد هذه الدعوة إلى ورقة بن نوفل قال: (ليتني أكون فيها جذعاً إذ يخرجك قومك، قال: أومخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي). فهذه سنة، وهو كان يعلم سنن الأنبياء من قبل، فقد كان ورقة بن نوفل على علم، ولذا بين أنه لابد من التفكير، فقال: (لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي). كذلك في قصة أصحاب الأخدود، وقصة الغلام مع الراهب، فإن الراهب قال له: (أي بني! إنك أفضل مني، وإنك ستبتلى)؛ فلابد أن يقترن البلاء بالإنسان، وهذه سنة ماضية أن يفتن الناس، كما قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]. وكلمة الفتنة مأخوذة من فتن الذهب، يقال: دينار فتين إذا أخرج من الفرن، وتقول: فتنت الذهب إذا جئت بالذهب الخام وأدخلته في الفرن؛ حتى ينصهر، فينفصل الغثاء والزبد والشوائب، ويستقل المعدن الخالص الصافي وهو الذهب النقي، فلا يمكن أن ينفصل إلا عن طريق الصهر، فالفتنة مأخوذة من هذا المعنى، كما قيل: إن أحمد أدخل الكير فخرج ذهباً أحمر. فكلمة الفتة معناها: أن توضع في البلاء حتى تصفو، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]، وهذه سنة الله . فعدل عن الدعاء لهم إلى تذكيرهم بأن هذا قانون وسنة ماضية لابد منها، فلابد من البلاء، فقد حصلت هذه السنة في من قبلكم، وستحصل لكم، لكن تذكروا أن العاقبة للمتقين، فقال ﵊: (والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون). أخي ستبيد جيوش الظلام ويشرق في الكون فجر جديد فأطلق لروحك إشراقها ترى الفجر يرمقنا من بعيد أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. والحمد لله رب العالمين.

стр. 261

علو الهمة [١٧] صاحب الهمة العالية رجل فريد في مجتمعه، فهو العنصر الفعال والمنتج؛ لذا ينبغي على كل مسلم أن يكون صاحب همة عالية، وأن يحاول أن يرتقي بهمته نحو الأفضل والأحسن، وللارتقاء بالهمم أسباب لابد من معرفتها، والسعي الجاد في العمل بها.

стр. 262

أسباب الارتقاء بالهمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فقد تحدثنا قبل حول عن الأمة عند سقوط الهمة، وناقشنا أسباب انحطاط الهمم، وحديثنا الآن -بإذن الله تعالى- على أسباب الارتقاء بالهمة، فما هي أسباب الارتقاء بالهمة؟ كل هدف له وسائل توصل إليه وعوامل مساعدة تعين عليه، كما قال الشاعر: إذا ما أعجبتك خصال امرئ فكنه يكن منه ما يعجبك فليس على المجد والمكرمات إذا جئتها حاجب يحجبك يعني: أن أبواب المكارم مفتوحة، وكل من أراد أن يتسلق إلى هذه القمم فإنه يستطيع، لكن عليه أن يسلك الطرق الصحيحة لتلك القمم.

стр. 263

العلم والبصيرة سبب من أسباب علو الهمة أول أسباب الارتقاء بالهمة: العلم والبصيرة، فالعلم يصعد بالهمة، ويرفع طالبه عن حضيض التقليد، والعلم هو الذي يساعد على تصفية النية، حتى أثر عن بعض العلماء أنه قال: طلبنا العلم للدنيا فدلنا على طلب الدين. يعني: أنه شرع في البداية في طلب العلم لأجل الرياء أو لطلب الدنيا، ثم لم يلبث العلم أن أخذ بناصيته إلى الإخلاص، وعالج أمر الرياء في قلبه. وذكر القصاص: أن رجلاً خطب امرأة ذات منصب وجمال، فرفضت أن تتزوجه؛ لفقره وقلة حسبه، يعني: أخذت عليه أنه فقير وأنه قليل الحسب، ففكر بأي الأمرين ينالها، أبالمال أم بالحسب؟ فاختار الحسب، وطلب العلم للحسب، حتى أصبح ذا مكانة، ولما اشتهر بطلب العلم، وأصبح له مكانة كبيرة بعثت إليه تلك المرأة نفسها تعرض عليه أن يتزوجها، فقال: لا أؤثر على العلم شيئاً؛ لأنه كان قد ذاق حلاوة العلم، ولذا قال: لا أؤثر ولا أفضل أبداً شيئاً على العلم، وأبى أن يتزوجها، فارتفع العلم بهمته عن أن يحصر همه في نيل مثل هذا المطلب الدني. وهذا يذكرني بشاب إنجليزي يدعى (نيجل) بريطاني الأصل له قصة طريفة: رحل من بريطانيا إلى مصر على الدراجة، حيث رحل أولاً بدراجة من بريطانيا إلى اليونان، ثم ركب مركباً إلى لبنان، وكان في الطريق يشتغل قليلاً ليجمع بعض المال، ثم يتم رحلته، حتى مر على فلسطين، ثم مر على سيناء حتى وصل إلى مصر، ثم تجول في داخل مصر إلى أن وصل إلى الإسكندرية فقابله شاب يقود التاكسي، فتعرف عليه ودعاه إلى بيته، المهم أنه صار بينهما نوع من الصداقة، ثم رأى بنت الجيران في حي منزل صديقه، فأراد هذا الشاب الإنجليزي أن يتزوجها، فقال أهلها: لابد أن تكون مسلماً؛ لأنها مسلمة ولا تتزوج من غير مسلم، فقال: كيف أسلم؟ فقالوا: تذهب إلى بعض الجهات، حتى تأخذ تصريحاً بذلك، فذهب ليسلم بورقة ويحقق مأربه، فبعض الإخوة أعطاه كتباً وكلمه عن الإسلام، فغاب تقريباً لمدة شهر، ثم عاد بعد ذلك ليبحث بجدية وبدأب شديد عمن يعلمه قراءة الفاتحة؛ لأنه لما قرأ معاني القرآن الكريم، وتعلم شيئاً عن الإسلام، أقبل بكليته نحو الإسلام، فدخل في الإسلام ولله الحمد، ولما ذكروه بموضوع هذه الفتاة قال: أنا كنت أطلب الإسلام من أجل المرأة، أما الآن فلا أتحول عن الإسلام إلى مقصد آخر، ولم يفكر بعد في الزواج بهذه المرأة، وهذا الأخ أتقن اللغة العربية جيداً، فقد درس في الأزهر في القاهرة، وحفظ القرآن الكريم كله، ولله الحمد. الشاهد: أن العلم بالوحيين بالقرآن والسنة والمعاني العظيمة يرتفع بهمة الإنسان. وأيضاً من فضائل العلم: أنه يورث صاحبه الفقه بمراتب الأعمال، فإذا عرف مراتب الأعمال يقدم الأهم على المهم، ويتقي فضول المباحات التي تشغله عن عبادة الله ، سواء كان فضول الأكل، أو النوم، أو الكلام. ثم العلم يدفعه إلى أن يراعي التوازن والوسطية بين الحقوق والواجبات؛ امتثالاً لقول رسول الله ﷺ : (فأعط كل ذي حق حقه). وأيضاً العلم هو الذي يبصره بحيل إبليس وتلبيسه عليه؛ لأن إبليس قد يأتيه ويحاول أن يحول بينه وبين فعل ما هو أكثر ثواباً مما يفعله، ويشغله بالمفضول عن الفاضل، قال أبو سليمان: يجيئك -أي: إبليس- وأنت في شيء من الخير، فيشير إلى شيء من الخير دونه، ليربح عليك شعيرة.

стр. 264

إرادة الآخرة سبب من أسباب الارتقاء بالهمة من أسباب الارتقاء بالهمة: إرادة الآخرة، وجعل الهموم هماً واحداً، ومعنى إرادة الآخرة: تمحيص الإرادة والنية والقصد إلى طلب الآخرة بلا منازع، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٩]، ولا تجدون في القرآن الكريم آية فيها الكلام على أن من يسعى للدنيا بنفس المثابة، وإنما ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٩]، وقال ﷺ : (من كانت همه الآخرة جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا راغمة، ومن كانت همه الدنيا فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له) فالرزق لا يأتي به حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره، بل الرزق مضمون، أما الجنة فليست مضمونة إلا بالعمل الصالح.

стр. 265

ذكر الموت سبب من أسباب الارتقاء بالهمة من أسباب الارتقاء بالهمة: كثرة ذكر الموت؛ لأن كثرة ذكر الموت يدفع إلى العمل للآخرة والتجافي عن دار الغرور، ومحاسبة النفس، وتجديد التوبة، وإيقاظ العزم على الاستقامة، فكل هذه المقاصد الشريفة إنما تحصل بكثرة ذكر الموت، فعن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: (بينما نحن مع رسول الله ﷺ إذ بصر بجماعة، فقال: علامَ اجتمع عليه هؤلاء؟ قيل: على قبر يحفرونه، قال: ففزع رسول الله ﷺ فبدر بين يدي أصحابه مسرعاً حتى انتهى إلى القبر فجثا عليه، قال: فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع، فبكى حتى بلَّ الثرى من دموعه، ثم أقبل علينا فقال: أي إخواني! لمثل هذا اليوم فأعدوا). وعن أبي الدرداء ﵁ قال: (أضحكني ثلاث، وأبكاني ثلاث، أضحكني مؤمل الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وضاحك بملء فيه ولا يدري أأرضى الله أم أسخطه؟ وأبكاني فراق الأحبة محمد وحزبه، وهول المطلع عند غمرات الموت، والوقوف بين يدي الله يوم تبدو السريرة علانية ثم لا يدري إلى الجنة أو إلى النار). وقيل لبعض الزهاد: ما أبلغ العظات؟ قال: النظر إلى الأموات. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأوزاعي: أما بعد: فإنه من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير. وعن عطاء قال: كان عمر بن عبد العزيز يجمع كل ليلة الفقهاء، فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة ويبكون. فانظر إلى فعل هذا الإمام العلم المجدد، كيف كان يجمع الفقهاء، وما الموضوع الذي كانوا يجتمعون عليه؟ هل هو مناقشة انتخابات مجلس الشعب، أو مباريات الكرة، أو كذا وكذا؟! كلا، بل كانوا يجتمعون من أجل ذكر الموت والقيامة والآخرة ويبكون، ولا شك أن هذا النوع من الاجتماعات الآن نادر جداً، فأغلب الاجتماعات إما أن يخوض الإنسان فيها فيما لا جدوى من ورائه، وقد يحصل بين طلبة العلم مجالس يجري فيها مباحثات حول قضايا علمية ومناقشات مثلاً، لكن قل أن نسمع أن مجموعة من الإخوة تواعدوا على أن يلتقوا ويذكر بعضهم بعضاً بالموت وبالآخرة وبالقيامة. وقال الدقاق: من أكثر ذكر الموت أكرم بثلاث: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي الموت عوجل بثلاث: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة. كما أن مشاهدة المحتضرين وملاحظة سكرات الموت ونزعاته، وتأمل صورة الميت بعد مماته مما يقطع عن النفوس لذاتها، ويطرد عن القلوب مسراتها، ويزيل عن الأجفان النوم، وعن الأبدان الراحة، ويبعث على العمل، ويزيد في الاجتهاد والتعب. ذكر عن الحسن البصري أنه دخل على مريض يعوده، فوجده في سكرات الموت، فنظر إلى كربه وشدة ما نزل به، فرجع إلى أهله بغير اللون الذي خرج به من عندهم، فقالوا له: الطعام يرحمك الله، فقال: يا أهلاه! عليكم بطعامكم وشرابكم، فو الله! لقد رأيت مصرعاً لا أزل أعمل له حتى ألقاه. وقال اللبيدي: وجدت بعد موت أبي إسحاق الجبنياني ﵀ رقعة تحت حصيرة مكتوبة بخطه، يعني: أنه كان يذكر نفسه بما كتب على هذه الرقعة، وهذا شيء معهود عن السلف، حيث كان الواحد منهم يكتب موعظة مختصرة تؤثر في قلبه جداً، فيضعها في جيبه أو كمه، فإذا خشي الغفلة أو شيئاً من هذا نظر فيها، ثم أعادها، وكان بعضهم يختم مثل هذه العبارات على الخاتم؛ كي تذكره باستمرار بما ينبغي ألا ينساه، فهذا الإمام أبو إسحاق الجبنياني وجدوا بعد موته رقعة مكتوباً فيها: رجل وقف له هاتف، فقال له: أحسن عملك، فقد دنا أجلك، فقال لي ولده عبد الرحمن: إنه كان إذا قصر في العمل، أخرج الرقعة فنظر فيها ورجع إلى جده. ما زال يلهج بالرحيل وذكره حتى أناخ ببابه الجمال فأصابه مستيقظاً متشمراً ذا أهبة لم تلهه الآمال فبلا شك أن الإنسان الذي يتذكر الموت ويكثر من ذكره يتأهب للقاء الله ، ولا شك أن هذا سيثير فيه الاستيقاظ والانتباه باستمرار؛ لأن موعد خروج روحه لا يأتي نذير بين يديه وإنما يأتي فجأة، ويأتي بغتة دون نذير سابق، فروحك في يد غيرك، لا تدري متى يقبضها.

стр. 266

الدعاء سبب من أسباب الارتقاء بالهمة من أسباب الصعود بالهمة: الدعاء؛ لأنه سنة الأنبياء، وجالب لكل خير، ودافع لكل شر، قال ﷺ : (أعجز الناس من عجز عن الدعاء) فالدعاء سهل جداً، والدعاء لا يكلف شيئاً سوى أن تجمع قبلك وتحرك لسانك بكليمات تطلب فيها ما شئت، ابتداءً من شسع النعل إلى الفردوس الأعلى من الجنات والخلود فيها، تدعو بآلة هي اللسان بشرط أن تواطئ القلب، وتكون مخلصاً في ذلك الدعاء، فالذي يعلم مثل هذه الفضيلة للدعاء يعلم أنه عن طريق الدعاء يمكن أن يحصل كل مقاصد الدنيا والآخرة، فكيف به إذا عجز عن ذلك؟! فإذا عجز عن مجرد تحريك لسانه مع مواطأة القلب بطلب ما يريده من الله ، فهذا بلا شك هو أعجز الناس، ولذلك قال ﵊: (أعجز الناس من عجز عن الدعاء)، وقال ﷺ : (إذا تمنى أحدكم فليكثر، فإنما يسأل ربه) ، يعني: عليه أن يطمع في رحمة الله، ويطلب ما شاء من المطالب، ولما رأى رسول الله ﷺ من ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما دل على ذكائه دعا له؛ لأنه كان إذا دخل الخلاء وخرج يجد ابن عباس قد أحضر الماء ووضعه قريباً منه، فحينئذٍ قال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) فأثمرت دعوة رسول الله ﷺ لـ ابن عباس فصار ترجمان القرآن والحبر البحر العلم، وحاز هذه المرتبة بدعاء رسول الله ﵌. وكان من دعائه ﷺ عقب الصلاة: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) فبهذا الدعاء يستعين العبد على إنجاز هذه المطالب العالية. إذا لم يكن من الله عون للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده فبدون توفيق الله للإنسان أول ما يجني عليه هو اجتهاده وعقله الذي حرم من التوفيق وابتلي بالخذلان.

стр. 267

الاجتهاد في حصر الذهن وتركيز الفكر في معالي الأمور من أسباب الارتقاء بالهمة: الاجتهاد في حصر الذهن وتركيز الفكر في معالي الأمور، فالإنسان عليه أن يركز، وهذا السبب هو صدى للسبب الآنف الذكر وهو توحيد الإرادة، يعني: إرادة هم الآخرة بلا منافس؛ لأن الدنيا والآخرة ضرتان، إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى. فمن أسباب الارتقاء بالهمة خاصة في المقاصد العلمية: نظرية حصر الذهن والتركيز تماماً فيما تريد أن تنجزه من الأمور، فالإنسان إذا لم يبادر بأن يشغل نفسه بالحق فإنها تشغله بالباطل، كما قال الحسن: نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. فلا بد أن تكون النفس مشغولة، وإن لم تبادر أنت بشغلها بالحق فإنها تتفرق بك في أودية الدنيا. سئل كثير بن عبيد الحمصي عن سبب عدم سهوه في الصلاة قط، مع أنه أمَّ الناس في حمص حوالى ستين سنة كاملة في الصلوات الخمس، ولم يسه في صلاته قط، فسئل عن سبب هذا فقال: ما دخلت من باب المسجد قط وفي نفسي غير الله. وهذه هي ثمرة من ثمرات حصر الذهن في مطلب واحد، وإرادة واحدة وهي إرادة الآخرة وإرادة الله ، فالتركيز بلا شك يثمر هذه النتائج العظيمة. وقد رأينا مظاهر عجيبة للسلف الصالح رحمهم الله تعالى في موضوع التركيز في طلب الآخرة، فلم يشتتوا همتهم في الدنيا، فهذا الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب العربية ومنشئ علم العروض، كان إماماً مفرط الذكاء، والإمام الخليل بن أحمد بقدر ما هو صاحب الشهرة المعروفة في اللغة العربية والعروض، وقد يتصور أن هذه العلوم يكون عند أصحابها جفاء مثلاً، لكنه كان من العباد ومن الزاهدين ومن الخيرين، وقد دعا الله أن يرزقه علماً لم يسبق إليه، ففتح الله عليه باب العروض، وهو علم أوزان الشعر والقوافي، وقيل: كان يعرف علم الإيقاع والنغم، ففتح له ذلك علم العروض، وقيل: مر بالصفارين -جمع صفار، وهو الذي يقطع النحاس الجيد- فأخذ علم العروض من وقع مطرقة على طست، يعني: كان رجلاً يضرب بالمطرقة على طست من النحاس بطريقة منتظمة، فرأى أن نفس هذه الإيقاعات المنتظمة موجودة في أبيات الشعر عند العرب، وبالتالي استطاع أن يستخرج العروض عن طريق الالتفات لهذا الإيقاع المنتظم الذي سمعه، وقد كان متقشفاً متعبداً قال النضر بن شميل: أقام الخليل في خص له بالبصرة، يعني: في بيت من خشب أو بيت من شجر أو من قصب، قال: أقام الخليل في خص له بالبصرة ولا يقدر على فلسين، وتلامذته يكسبون بعلمه الأموال، وكان كثيراً ما ينشد: وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ذخراً يكون كصالح الأعمال فهو معدود من زهاد العالم القلائل، فرحمه الله تعالى، وكان يقول: إني أغلق علي بابي فما يجاوزه همي، فكان الخليل بن أحمد يخرج من منزله واهتمامه بشيء محدد، هو طلب الآخرة، فكان ينشغل جداً وتجد شدة تركيز ذهنه في مقصد واحد وهو طلب الآخرة، فكان يخرج من المنزل ولا يشعر بنفسه إلا وهو في الصحراء، ولم يرد الصحراء وإنما شغله الفكر الذي هو فيه والاستغراق، حتى خرج إلى ما لا يقصده من الأماكن؛ لشدة استغراقه في أمر محدد، فيذهل عما عداه. وكان يدخل الداخل إلى أبي تمام الشاعر وهو يعمل الشعر، فلا يشعر به. وقد حكى ابن العلامة القرآني العلامة الجليل الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى أنه كانت تحصل مواقف محرجة لوالده العلامة الشنقيطي ﵀ حيث إنه كان إذا شرع في مدارسة العلم فإنه يذهل تماماًًً عن كل ما حوله، حتى كان يدخل عليه الضيوف من الكبراء أو الأمراء فلا يلتفت إليهم؛ لشدة انشغاله وحصر ذهنه تماماً فيما هو مقبل عليه من طلب العلم، ويضطر ابنه أو أحد الحاضرين أن ينبهه إلى وجود هذا القادم كيلا يظن أنه أهمل الترحيب بهذا القادم، وما هذا إلا ثمرة من ثمرات حصر الذهن، والتركيز الشديد في هدف ومطلب واحد. وحصر الذهن مما يكتسب بالمران، يعني: أنه يحتاج إلى نوع من التمرين حتى ينتقل الإنسان من الشرود وتشتت الذهن إلى حصر الذهن حصراً بيناً محكماً، فلا بد من جهد ملح، والتدريب عليه يكون بأن تحدد موضوعاً محدداً فتدرسه أو تفكر فيه، وترد عقلك إليه مرة بعد مرة بعد مرة، وتتعمد أن تعود بعقلك وذهنك وتحصره في هذا الموضوع حتى ولو خمسين أو مائة مرة من أجل هذا الموضوع الذي التزمت معالجته، فهذه الخواطر التي تتنازعك لا تلبث أن تخلي مكانها للموضوع، يعني: أن الخواطر الأخرى تشرد بذهنك بعيداً؛ لكن حين تتدرب على ذلك باستمرار فإنها تذهب بعيداً وتتلاشى، وتضطر أن تنسحب هي لتترك الموضوع الذي يلح عليك له اليد العليا والسيادة والسيطرة على ذهنك، ليس فقط في اليقظة، بل من الناس من إذا انشغل بحفظ القرآن الكريم في يقظته فإنه إذا نام يشتغل أيضاً بمراجعته في الليل وكأنه ما زال في اليقظة من شدة حصر الذهن في هذا الأمر.

стр. 268

أمثلة لأصحاب الهمم العالية وكانت لـ ابن سحنون سرية فطلب منها ذات يوم أن تعد له طعاماً، وشغل بالتأليف والرد على المخالفين، وأحضرت الطعام، وبعد طول انتظار أخذت تطعمه؛ لأنها انتظرت مدة كبيرة والطعام أعدته وهو لا يريد أن يأكل؛ لأنه انشغل بالعلم الذي يدرسه، فأخذت تلقمه حتى أتى على الطعام دون أن يشعر، يعني: أنه كان يشتغل بالعلم ويأكل لأنها تضع اللقمة في فمه، وتمادى في عمله حتى الفجر، ثم سألها أن تحضر الطعام، فأخبرته بأنه أتى عليه دون أن يشعر. وذكر السبكي في طبقات الشافعية عن أبيه الإمام تقي الدين أنه كان من الاشتغال بطلب العلم على جانب عظيم، بحيث يستغرق غالب ليله وجميع نهاره، وكان يخرج من البيت لصلاة الصبح فيشتغل على المشايخ إلى أن يعود قريب الظهر، فيجد أهل البيت قد عملوا له فروجاً فيأكله، ويعود إلى الاشتغال إلى المغرب، فيأكل شيئاً حلواً لطيفاً، ثم يشتغل بالليل وهكذا لا يعرف غير ذلك، حتى ذكر لي أن والده قال لأمه: هذا الشاب ما يطلب قط درهماً ولا شيئاً، ما أحفظ له مرة طلب فيها مالاً أو طعاماً أو شيئاً من هذا، فقال أبو الإمام تقي الدين السبكي لأمه: هذا الشاب لا يطلب قط درهماً ولا شيئاً، فلعله يريد شيئاً، يعني: أن يأكله، فضعي في منديله درهماً أو درهمين، لعله إذا مر في الطريق اشتهى شيئاً فوجد في جيبه ما يشتري به هذا الشيء، فوضعت نصف درهم، قالت الجدة: فاستمر نحو جمعتين وهو يعود والمنديل معه والنصف فيه، إلى أن رمى به وقال: إيش أعمل بهذا؟! خذوه عني، فبقي نصف الدرهم في منديله أسبوعين كاملين؛ لأنه لا يلتفت إليه ولا أنفقه، ثم بعد ذلك قال هذه الكلمة: إيش أعمل بهذا؟ خذوه عني وألقاه. وكان الإمام ابن مالك النحوي صاحب الألفية وغيرها كثير المطالعة، سريع المراجعة، لا يكتب شيئاً من محفوظه حتى يراجعه في محله، ولا يرى إلا وهو يصلي أو يتلو أو يصنف أو يقرأ. حكي أن الإمام ابن مالك توجه يوماً مع أصحابه للفرجة بدمشق، ودمشق فيها البساتين والغوطة، فلما بلغوا الموضع الذي أرادوا تنقلوا هم وتفرقوا في المكان، فغفلوا عنه فطلبوه فلم يجدوه، ثم فحصوا عنه فوجدوه منكباً على أوراقه، وفي هذا يصدق قول الشاعر: قلب يطل على أفكاره ويد تمضي الأمور ونفس لهوها التعب والشيخ أحمد بن علي نجم الدين بن الرفعة كان كثير الصدقة، مكباً على الاشتغال حتى عرض له وجع المفاصل، بحيث كان الثوب إذا لمس جسمه آلمه، ومع ذلك كان لا يرى إلا ومعه كتاب ينظر إليه، وربما انكب على وجهه وهو يطالع، يعني: أنه يأتيه النوم فينام على الورق، فيكون وجهه على الورق من شدة النوم، قال: وهذا الشيخ هو الذي قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد مناظرة جرت بينهما: رأيت شيخاً تتقاطر فروع الشافعية من لحيته، يعني: كأن كل جسمه مشبع بفقه تفاصيل فروع الشافعية، فكأنها تسقط من غزارتها، كالشخص الذي يبلل لحيته بالماء فإن الماء يتساقط منها، فيقول الإمام ابن تيمية فيه: رأيت شيخاً تتقاطر فروع الشافعية من لحيته. وقال الأسنوي عنه: ما أخرجت مصر بعد ابن الحداد أفقه منه. ومما يروى أن أميراً في الشام أدر على الحسن بن الهيثم مالاً كثيراً، والحسن بن الهيثم هو صاحب علم البصريات المعروف، فهذا الأمير أعطاه مالاً كثيراًَ فقال له: يكفيني قوت يومي، وتكفيني جارية وخادم، فما زاد على قوت يومي، إن أمسكته كنت خازنك، وإن أنفقته كنت قهرمانك ووكيلك، وإذا اشتغلت بهذين الأمرين فمن الذي يشتغل بأمري وعلمي؟

стр. 269

الاهتمام بالصحة سبب من أسباب الارتقاء بالهمة بعض طلبة العلم يتأثرون بالمنهج الصوفي -وما أخطر المنهج الصوفي على الهمة العالية- يتمثلون قول بعض شعراء الصوفية، ويعظمون كلام الصوفية بصورة مرضية، دون أن يتفطنوا إلى الأخطاء في مثل هذه العبارات، مثل قول شاعرهم: يا خادم الجسم كم تشقى لخدمته أتطلب الربح مما فيه خسران أقبل على النفس فاستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان فتراه يهمل صحته، إلى أن يصبح الشاب في ريعان شبابه مثل الشيخ العجوز الذي احدودب منه الظهر وصار هرماً. فمن أسباب علو الهمة: الاهتمام بالصحة، سواء كانت الصحة البدنية أو النفسية، فالإنسان يهتم بصحته وبعافيته ويتوقى كل ما من شأنه أن يؤثر في صحته، وقد تكلمنا قبل عن أسباب انحطاط الهمة، وأن منها العجز والكسل، والإنسان قد يعذر في العجز لكنه لا يعذر في الكسل؛ لأن العاجز عن شيء طاقته محدودة، فهو يحاول لكنه لا يستطيع فيعجز، أما الكسول فهو يقدر لكنه لا يقوى على المقاومة، فالإنسان إذا أهمل صحته أو تمادى في الأسباب التي تهدر هذه النعمة العظيمة من نعم الله فهو مخطئ؛ لأن رأس مال الإنسان في الدنيا هو الصحة، فإذا أهمل صحته أو تعاطى الأسباب التي تحطم هذه الصحة سواء كان التدخين والإدمان أو غير ذلك من الأمور التي تهدر صحة الإنسان وعافيته فبلا شك أن هذه قد تئول إلى كثير من الأمراض، والأمراض تؤدي إلى العجز والكسل، فمن ثم تهبط همته، فننحي مفاهيم الصوفية هذه جانباً؛ فالمسلمون كانوا يجاهدون بالبدن والروح معاً، والمرء هو بالنفس وبالجسم إنسان؛ ونحن لسنا أطيافاً أو عبيراً أو شيئاً معنوياً، بل نحن أبدان وأرواح في نفس الوقت، فالإنسان يهتم بصحته وبتغذيته ولا يفرط في صحته ما دام ذلك في استطاعته؛ لأنه إذا قوي إذا أراد شيئاً يستطيع أن ينفذه، أما إذا ضعف وأهدر صحته فإنه حتى في الصيام لن يستطيع الصيام أو حتى الصلاة. فلابد للإنسان أن يحافظ على قاعدة التوازن بين واجبات الجسم وواجبات الروح معاً، خاصة في زمان الشباب، أو بالضبط في زمن المراهقة الذي هو فترة نمو الجسم، فالإنسان إذا اهتم بصحته في هذه الفترة فإن الجسم يتفاعل مع هذه الرغبة ويعطيه أيضاً، فمن الخطأ إهمال الرياضات البدنية النافعة بالشروط الشرعية، وإهمال التغذية والإعراض عن ذلك بحجة أن الصوفية قالوا: يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته. ونحن نقول أيضاً: يا مهمل الجسم كم تشقى بإهماله، فتبيت على الفراش وتصيبك الأمراض، وتعجز عن أداء وظائفك، سواء كانت الدينية أو الدنيوية.

стр. 270

التحول عن البيئة المثبطة سبب من أسباب الارتقاء بالهمة من أسباب الارتقاء بالهمة: التحول عن البيئة المثبطة، فلا شك أن البيئة المحيطة بالإنسان لها أثر جسيم لا يخفى، فإذا كان الإنسان يعيش في بيئة مثبطة داعية إلى الكسل والخمول وإيثار الدون، فإن الشخص لا يستطيع أن يرقى بهمته إلا إذا هجر هذه البيئة وتحول عنها وأبدلها ببيئة عالية الهمة، لذا لابد أن يهجرها؛ لكي يتحرر من سلطان تأثيرها، وينعم بفرصة الترقي إلى المطالب العالية. يقول الشاعر: تقول ابنة السعدي وهي تلومني أما لك عن دار الهوان رحيل فإن عناء المستنيم إلى الأذى بحيث يذل الأكرمون طويل وعندك محبوك السراة مطهم وفي الكف مطرور الشباة صقيل يعني: أنها تلومه على أن يبقى في دار الهوان والمذلة، وتحثه أن يتحول ما دام يقدر على ذلك، وتخبره أنه يعيش عناءً طويلاً ما دام يعيش الشذاة في هذه البيئة المثبطة. وقوله: (وعندك محبوك السراة مطهم) المحبوك هو الفرس القوي الشديد، وسراة الفرس هي: أعلى ظهره، ومطهم هو: التام المتناهي في الحسن. وقوله: (وفي الكف مطرور الشذاة صقيل) المطرور: ذو المنظر والرواء والهيئة الحسنة، والشذاة: هي حد طرف السيف، والصقيل: المشحوذ يعني: ما دام عندك فرسك ومعك سيفك، فلماذا تبقى في دار الهوان؟ ارحل إلى حيث تعز. وأفضل من هذا أن نستدل بالأدلة الشرعية التي جعلت التحول عن مثل هذه البيئة التي تفسد الدين وتفسد الهمة فرضاً على المسلم، أليس قد فرض الله على المسلم أن يهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام؟ أليس قد قال العلماء: إن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، ومن دار البدعة إلى دار السنة، ومن دار المعصية إلى دار الطاعة باقية؟ إذاً: هي سنة ماضية، وهذا المبدأ الذي نناقشه هو حتمية التحول من البيئة المثبطة، فالإنسان بلا شك إذا وجد في مثل هذه البيئات فإن ذلك ينال من همته منالاً، وآية ذلك ما نراه في أغلب الذين يعيشون في بلاد الكفار ويرتضونها بديلاً عن بلاد المسلمين، حيث نجد منهم الرضا بالدنيا، وأن أحدهم لا يستطيع بعد ذلك أن يتحمل أن يأتي ويعيش مع المسلمين، وهذا إذا لم ينظر إلى المسلمين في بلاده بنظرة التعالي والاحتقار والازدراء، فالإنسان بلا شك يتأثر شاء أما أبى بمثل هذه البيئات المنحرفة. وأشد الناس حاجة إلى تجديد البيئة المحيطة وتنشيط الهمة هو حديث عهد بالتوبة، فالإنسان في بداية توبته أحوج الناس إلى هذا التحول عن البيئة المثبطة؛ لأنه إذا تحول عن بيئة المعصية والفسق إلى بيئة الطاعة والاستقامة فإن هذا من شأنه أن ينسيه ما يجذبه إلى صحبة السوء وأماكن السوء، وأما إذا بقي وفيه الضعف البشري، وعنده الذكريات، ويبقى في الأماكن التي أتى فيها المعاصي، وفيها صحبة السوء، والأصدقاء الذين يراهم ويرونه، فإنه يصعب عليه أن يستقيم؛ لأن هذه العوامل المثبطة تجعله ينجذب باستمرار إلى هذا الفسق، فالأمر كما يقولون: الإنسان إذا أبعد شيئاً عن عينيه فإنه يذهب أيضاً عن قلبه، فالتحول عن البيئة المثبطة والبيئة الفاسقة مما يعين الإنسان على أن ينسى معاصيه وصحبة وأماكن السوء، فيجتمع قلبه ويلتئم شمله، وتتوحد همته، وتتوجه بصدق وعزم إلى أسلوب من الحياة جديد، وهذا هو عين ما أشار به العالم الواعي على قاتل المائة -كما في الحديث- حيث قال له: (ومن يحول بينك وبين التوبة، ثم قال له فوراً: انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء)، ولما جاءه الموت، واختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب كان قربه إلى القرية الصالحة بالنسبة إلى بلد السوء سبباً في قبض ملائكة الرحمة إياه، وفي بعض الروايات: (فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها) وفي رواية: (فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقاربي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له) وفي بعض الروايات: (فنأى بصدره نحوها) يعني: أنه عند لحظة الاحتضار زحف بصدره كي يكون أقرب خطوة أو شبراً إلى البلدة الصالحة، فما بالك بمن بينه وبين بلاد المسلمين هذه المسافات الشاسعة التي تبلغ آلاف الأميال وهو يرضى باختياره أن يبقى في منطقة الكفار ليتمتع معهم بدنياهم، حتى ولو كان على حساب دينه؟! وكيف يكون حاله إذا قبض في مثل تلك البلاد المشئومة؟! ونفس هذا المعنى -تغيير البيئة- لعله هو العلة في تشريع نفي الزاني غير المحصن، وتغريبه سنة بعيداً عن وطنه، فالبكر الزاني عليه جلد مائة وتغريب سنة لتجتمع عليه نوعان من العقوبة: عقوبة بدنية بالجلد، وعقوبة قلبية بالنفي والاغتراب، فهذه عقوبة قلبية ونفسية، كما أن هذا الذي ارتكب هذه الفاحشة إذا نفي بعيداً عن هذه البلد التي ارتكب فيها هذه المعصية فيه مصالح جمة له؛ لأنه بهذا يبعد عن مسرح الجريمة التي مارسها، وبالتالي يعينه هذا على نسيان ذكراها، وفي نفس الوقت الإنسان إذا جلد وأقيم عليه الحد على الملأ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]، إذا وجد في مثل هذا المجتمع واشتهر بأنه فعل فعلاً من هذه الأفعال الشنيعة، لا شك أن الناس سينظرون إليه بازدراء وباحتقار وبامتهان؛ لأن هذا قد ظهر منه هذا الفسق، وبالتالي يتعرض لمضايقات، أما إذا جدد البيئة، وانتقل إلى مكان آخر حيث لا يعرف ولا يؤذى، وحيث لا يذكره أحد بهذه المعاصي، فإنه يستطيع أن يفتح صفحة جديدة، وأن يجدد العهد، وأن يستأنف التوبة الصادقة والحياة الكريمة دون أن يمتهن، ودون أن ينظر الناس إليه بامتهان واحتقار. والحقيقة أن هذه الحكمة التربوية التي نناقشها الآن هي مسألة نسبية، يعني: ليس شرطاً أن كل إنسان يتحول من بلد إلى بلد، بل ممكن أنه يتحول من قرية إلى قرية، وممكن أن يتحول من حي إلى حي، فإذا لم يمكن هذا ولا ذاك، فإنه يستطيع أن يتحول من صحبة إلى صحبة، فإن عجز عن هذه كله فيتحول بقلبه، وذلك أضعف الإيمان، فهذه الحكمة التربوية لعلها مستقاة من تلك الأدلة الشرعية كما ذكرنا، ونحن نجد تطبيقاً عملياً لها بصورة ناجحة إلى حد كبير جداً في جماعة التبليغ والدعوة، فإن جماعة التبليغ والدعوة أحد ركائز أسلوبها التعليمي والتربوي هو ضرورة نزع المدعو من بيئته وغمسه لفترة كافية في بيئة أخرى، وبغض النظر عن أحوال جماعة التبليغ، فإننا لسنا في مجال الكلام وتفصيل المؤاخذات على جماعة التبليغ، فقد سبق أن تكلمنا عليها بالتفصيل منذ زمن بعيد، لكن نحن الآن نتكلم على أن هذا واقع عملي نلمسه ونراه، ونحس بأثره، ونرى كيف يتغير سلوك الذي يأوي إليهم، بحيث تجده بعدما كان سكيراً عربيداً قاطعاً للطريق عاقاً لوالديه لصاً تجده بمجرد أن يمتزج مع هذه الجماعة يخرج من الباب الآخر رجلاً عابداً خاشعاً قانتاً صالحاً، صحيح أنهم لا يعلمونه الكثير، لكن الشاهد هو هذه الإيجابية النسبية، فأسلوبهم الأساسي في هذا هو هذا القضية التي نتكلم فيها، يعني: أن ينزع هذا الشخص من البيئة التي هو فيها، ويغمس في بيئة أخرى، فيسهل تطبيع هذا التائب بغرس قيم ومفاهيم جديدة مع التكرار باستمرار، ومع تطهيره من القيم المراد نزعها من قلبه، وبصورة سلسة وتلقائية، وفعالة، وتفسر جماعة التبليغ ذلك بمثال، وهم يتقنون جداً ضرب الأمثال، بل أحياناً تطغى عندهم على الاستدلالات الشرعية، فيقولون: إذا سقطت الجوهرة في النجاسة، فلو أردنا أن ننظف الجوهرة وهي باقية في وسط النجاسة، وبقينا نصب عليها الماء، ونصب الماء، ونصب الماء؛ فإنها لن تطهر، لكنها تطهر إذا نزعتها من وسط النجاسة بعيداً عنها ثم غسلتها، فحينئذٍ تطهر، فيقولون: إذا سقطت الجوهرة في مكان نجس فيحتاج ذلك إلى كثير من الماء حتى تنظف إذا صببناه عليها وهي في مكانها، ولكن إذا أخرجناها من مكانها؛ سهل تنظيفها بالقليل من الماء.

стр. 271

صحبة أولي الهمم العالية سبب من أسباب الارتقاء بالهمة من أسباب الارتقاء بالهمة: صحبة أولي الهمم العالية ومطالعة أخبارهم، فهذا سبب آخر مرتبط بالسبب الماضي، وإن كان السبب الماضي عاماً، فمن انتقل إلى بيئة أخرى فعليه بعد ذلك أن يبحث عن أناس أولي همة عالية ويصحبهم؛ كي يتأثر بهم، فالطيور على أشكالها تقع، فالغراب يطير مع الغربان، والحمام مع الحمام، والنسور مع النسور، وكل شكل من أشكال الطيور مع شكله، وكذلك الأسماك وكذلك غيرها من الكائنات، وكذلك بنو آدم، فالطيور على أشكالها تقع، وكل قرين بالمقارن يقتدي. والعبد يستمد من لحظ الصالحين قبل لفظهم، فإذا عشت مع الصالحين فإنك تستفيد باللحظ وبالنظر أكثر ما تستفيد بالكلام؛ لأن رؤيتهم تذكر بالله ، فعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من الناس ناساً مفاتيح للخير مغاليق للشر) فمجرد رؤيتهم تفتح أبواب الخير، وتغلق أبواب الشر. وعن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] قال: (هم الذين يُذكر الله لرؤيتهم) هذه هي علامة أولياء الله، فإنهم مباركون حيثما كانوا، وإذا رآهم الناس تذكروا الله ، والإنسان فعلاً يشعر بهذا، فأحياناً يمضي مثلاً في الطريق، ويكون غافلاً عن ذكر الله، فإذا رأى رجلاً تتحرك شفتاه بذكر الله، سرعان ما ينتبه الإنسان إليه ويقتدي به في هذا، ومثلاً: تركب أحياناً في مواصلات فتجد رجلاً منزوياً في جانب ويمسك المصحف الشريف ويقرأ من القرآن، المصلحون في كل مكان يذكرون الناس بلحظهم قبل أن يذكروهم بلفظهم. وروي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال: كان الربيع بن خيثمة إذا دخل على ابن مسعود لم يكن له إذن لأحد حتى يفرغ كل واحد من صاحبه، فقال له ابن مسعود: (يا أبا يزيد! لو رآك رسول الله ﷺ لأحبك، وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين)، فانظر إلى رجل ينبهر به عبد الله بن مسعود ويقول له: لو رآك رسول الله ﷺ لأحبك، وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين، ولذلك كان ابن مسعود يعامله معامله خاصة، فكان إذا دخل الربيع بن خيثمة على عبد الله بن مسعود تنقطع المقابلات، ولا يمكن أن يقابل أحداً أبداً إلى أن يفرغ من حاجته مع ابن خيثمة ثم بعد ذلك يقابل الآخرين. وقالت العرب: لولا الوئام لهلك الأنام، والوئام هنا بالذات في هذه العبارة معناه: التشبه بالكرام. قال الماوردي في معنى هذه الكلمة: لولا الناس يرى بعضهم بعضاً فيقتدى بهم في الخير وينتهى بهم عن الشر لهلكوا؛ لأن الانغماس في البيئة الصالحة والبيئة الطيبة يوجد الوئام الذي هو ثمرة هذا الاختلاط، فالناس حينما يحتك بعضهم ببعض يتعلمون من بعض، فيُرى الصالحون ويقتدى بهم، وأيضاً يجتنب الشر عن طريق هذا الوئام، فلولا الوئام لهلك الأنام. وقال زين العابدين علي بن الحسين بن علي ﵃: إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه. تحر ألا تجلس إلا إلى من ينفعك في دينك. أنت في الناس تقاس بالذي اخترت خليلا فاصحب الأخيار تعلو وتنل ذكراً جميلا وعن جعفر قال: كنت إذا وجدت بالقلب قسوة نظرت إلى وجه محمد بن واسع نظرة، وكنت إذا رأيت وجه محمد بن واسع حسبت أن وجهه وجه ثكلى، يعني: من شدة حزنه وخوفه من الآخرة. وقال ابن المبارك: إذا نظرت إلى فضيل جدد لي الحزن، ومقت نفسي. هذا والذي يقول هذا هو عبد الله بن المبارك ﵀ الإمام الجليل المبارك الذي هو من سادات المسلمين رحمه الله تعالى، ومع ذلك يقول في الفضيل بن عياض: إذا نظرت إلى فضيل جدد لي الحزن، ومقت نفسي. فيمقت نفسه ويكره نفسه، لتقصيرها في طاعة الله عن التشبه بهذا العبد الصالح. وكان الإمام أحمد إذا بلغه عن شخص صلاحاً أو زهداً أو قياماً بحق أو اتباعاً للأمر سأل عنه، وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة، وأحب أن يعرف أحواله. فكان من خصائص منهج الإمام أحمد في علاقته بالناس أنه إذا سمع عن رجل يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر أو مجتهد في العبادة أو العلم أو الزهد أو الصلاح أو غير ذلك من هذه الأمور العالية يسأل ويبحث عنه، ويحرص على أن تجري بينه وبينه معرفة وأخوة، ويتابع أحواله باستمرار، الإمام أحمد كان يطبق قاعدة مهمة جداً وهي قاعدة: التجريب قبل التقريب، يعني: قبل أن تقرب واحداً منك ينبغي أن تجربه أولاً وتجرب أخلاقه وتبحث عن صفاته وطباعه؛ لأن الصورة التي تريدها لنفسك هي الصورة التي عليها من تخالله وتتخذه صديقاً قريباً، فكان الإمام أحمد رحمه الله تعالى يطبق قاعدة التجريب قبل التقريب، فكان يدقق في اختيار من يقربه منه ويدنيه، وعرف عنه ذلك، حتى قال الشاعر في مدح الإمام أحمد ﵀: ويحسن في ذات الإله إذا رأى مضيماً لأهل الحق لا يسأم البلا فإخوانه الأدنون كل موفق بصير بأمر الله يسمو إلى العلا هؤلاء هم إخوانه في الله، فكان الإمام أحمد يحرص على ألا يصادق ولا يؤاخي إلا من تحقق فيه هذا المعنى. وحكى ابن القيم رحمه الله تعالى بعض ما استفاده من ملاحظة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فقال: وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، وما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه. وابن القيم يتكلم وكأنه يتكلم عن أبناء أو أطفال يفزعون إلى أبيهم في شدة الفزع كي يلوذوا به ويطمئنوا، فـ ابن القيم هو شعاع من نور شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يتحدث بلسان إخوانه من تلامذة شيخ الإسلام فيقول: وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة. وإذا أردت أن تلمس أثر الصحبة العالية الهمة في التسابق إلى الخيرات فتأمل ما قاله محمد بن علي السلمي ﵀ -تأملوا وابكوا على أحوالكم- حيث يقول: قمت ليلة سحراً لآخذ النوبة على ابن الأخرم. يعني: من أجل أن يذهب يحجز مكاناً في المسجد الذي فيه حلقة ابن الأخرم، وكأنه يقول: أنا سأكون أول واحد يحضر، وبالتالي أكون في المقدمة، وأبادر للأخذ على الشيخ، فاستيقظ في السحر، وخرج من بيته وذهب ليحجز مكاناً في الحلقة، قال: فوجدت أنه قد سبقني ثلاثون قارئاً، أي: ثلاثون من إخوانه، وهذا معناه: أنهم استيقظوا وأتوا قبل ذلك بفترة، قال: فوجدت أنه قد سبقني ثلاثون قارئاً، ولم تدركني النوبة إلى العصر. وقال علي بن الحسين بن شقيق: قمت لأخرج مع ابن المبارك في ليلة باردة من المسجد، فذاكرني عند الباب بحديث أو ذاكرته فما زلنا نتذاكر حتى جاء المؤذن للصبح. أي: لم يشعروا بالوقت، فظلوا يتذاكرون طوال الليل وهم قيام، وفي ليلة باردة إلى أن جاء المؤذن يؤذن لصلاة الصبح. وهذا الشاعر محمد إقبال يدعو الله أن يمن عليه بصاحب عالي الهمة فيقول: هب نجياً يا ولي النعمة محرماً يدرك ما في فطرتي هب نجياًً لقناً ذا جنة ليس في الدنيا له من صلة وقال أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه: (ما أعطي عبد بعد الإسلام خيراً من أخ صالح، فإذا رأى أحدكم وداً من أخيه فليتمسك به). وقال الحسن البصري: إخواننا أحب إلينا من أهلنا وأولادنا؛ لأن أهلنا يذكروننا بالدنيا، وإخواننا يذكروننا بالآخرة. ويقول الدكتور خلدون الأحدب حفظه الله: وإذا ما نظرنا إلى أولئك الذين استفادوا من لحظات أعمارهم، وكان من نتاجهم وأثرهم ما يعجب أو يدهش نجدهم لا يصاحبون إلا المجدين العاملين، والنابغين الأذكياء الذين يحرصون على أوقاتهم حرصهم على حياتهم؛ لأن الزمن هو الحياة. ونحن المسلمون نقول: الذهب هو الحياة، ولا نقول: الوقت من ذهب؛ لأن هذه الكلمة هي كلمة الغربيين؛ لأن الذهب عندهم هو أعظم حاجة يضرب بها المثل في النفاسة، فالوقت عندهم من ذهب، أما المسلمون فيقولون: الذهب هو الحياة نفسها التي هي أغلى بكثير من الذهب. يقول: وصحبة هؤلاء الأمجاد المجدين المتيقظين للدقائق والثواني كان له عظيم الأثر في همة مثل الإمام: ابن جرير الطبري وابن عقيل الحنبلي وابن عساكر الدمشقي وابن تيمية وابن القيم وابن النفيس والمزي والذهبي وابن حجر وأضرابهم في غزارة إنتاجهم وجدته. يقول الإمام ابن عقيل الحنبلي صاحب كتاب (الفنون): وعصمني الله من عنفوان الشبيبة بأنواع من العصمة، وقصر محبتي على العلم وأهله فما خالطت لعاباً قط، ولا عاشرت إلا أمثالي من طلبة العلم. يعني: أن أحد أسباب توفيقه هو أنه قصر صحبته على كبيري الهمة. فالحريص الموفق الذي يروم المعالي لا تراه إلا مع أهل العلم العاملين، وأولي الفضل والمجاهدة والحكمة والبصيرة، ليرشح عليه ما هم فيه أو بعضه، فيكون مثلهم أو قريباً منهم، إن صحبة هؤلاء تعلم منافسة الزمان، وصحبة البطالين تعلم تضييع الزمان. وصحبة البطالين الآن ليس فقط عن طريق اتخاذ أصدقاء بطالين لاهين غافلين، إنما هناك نوع

стр. 272

نصيحة المخلصين سبب من أسباب الارتقاء بالهمة من أسباب الارتقاء والارتفاع بالهمة: نصيحة المخلصين النصيحة المخلصة، فقد قال ﷺ : (الدين النصيحة، قالوا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم) وهذا الناصح قد يكون أباً شفيقاً أو أماً رحيمة، أو زوجة تحضه على الخير، وقد يكون هذا الناصح رجلاً من عوام المسلمين، وقد يكون من علماء المسلمين كما سنفصل إن شاء الله تعالى. فقد يكون هذا الناصح الأمين الذي ينصحك ويوجهك وينفعك في الارتقاء بهمتك أباً شفيقاً، كما قال سفيان بن عيينة: قال لي أبي وقد بلغت خمس عشرة سنة: إنه قد انقضت عنك شرائع الصبا- أي: انتهى موضوع الطفولة والصبا- فاتبع الخير تكن من أهله؛ فجعلت وصية أبي قبلة أميل إليها، ولا أميل عنها. وقد يكون الناصح أماً رحيمة، فهذه أسماء ذات النطاقين رضي الله تعالى عنها توصي ابنها عبد الله بن الزبير لما استنصحها فقالت له: (الله! يا بني! إن كنت تعلم أنك على حق تدعو عليه فامض عليه، ولا تمكن من رقبتك غلمان بني أمية فيلعبوا بك، وإن كنت أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك ومن معك، وإن قلت: إني كنت على حق، فلما وهن أصحابي ضعفت نيتي فليس هذا فعل الأحرار، ولا من فيه خير، كم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن ما يقع بك يا ابن الزبير! والله! لضربة بالسيف في عز أحب إلي من ضربة بالسوط في ظلم، فقال: يا أماه! أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني، قالت: يا بني! إن الشاة لا يضرها السلخ بعد الذبح، فامض على بصيرتك واستعن بالله)، وهو في الحقيقة ما كان يخاف، فهو أكبر من ذلك، لكنه كان يريد أن يطمئن على ما عندها، فهذه بلا شك نصيحة أم، فانظر كيف تحثه حثاً على علو الهمة حتى لو كان في ذلك نحبه؟! وقد يكون الناصح الأمين زوجة تحضه على الخير، والزوجة بلا شك تكون من أكثر عناصر التثبيط أو التشجيع، ومن ثم حرضنا الشرع الشريف على البحث عن الزوجة الصالحة؛ لأنها تكون عوناً للإنسان على دينه، فتحضه على الخير وعلى طاعة الله ، فالزوجة الصالحة تحضه على الخير وترقي همته، مثل امرأة حبيب أبي محمد انتبهت ليلة وهو نائم، فأنبهته في السحر، وقالت: قم يا رجل! فقد ذهب الليل وجاء النهار، وبين يديك طريق بعيد وزاد قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا ونحن قد بقينا. أو كالزوجة الصالحة العاقلة الذكية الدينة موضي بنت أبي وهطان زوجة الأمير محمد بن سعود ﵀، والتي كان لنصيحتها أكبر الأثر في نصرة أعظم حركة تجديدية شهدتها الأمة منذ أوائل القرن الثاني عشر الهجري إلى يومنا هذا، فإنها هي التي حثت زوجها على مناصرة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وشد أزره، وإشهار سيفه من غمده نصرة لدعوة التوحيد، فهذه المرأة كانت عنصراً أساسياً خلف تأييد ومناصرة دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. وقد يكون الناصح الأمين الذي يرتفع بهمتك رجلاً من عوام المسلمين. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى وهو يصف محنته: صرنا إلى الرحبة -بلدة معينة- ورحلنا منها في جوف الليل فعرض لنا رجل، فقال الرجل: أيكم أحمد بن حنبل؟ فقيل له: هذا، فقال للجمال: على رسلك، ثم قال: يا هذا-يخاطب الإمام أحمد - ما عليك أن تقتل ههنا وتدخل الجنة؟ ثم قال: أستودعك الله، ومضى، فسألت عنه، فقيل لي: هذا رجل من العرب من ربيعة يعمل الصوف في البادية يقال له: جابر بن عامر يذكر بخير. وقال الإمام أحمد ﵀: ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر-الفتنة- أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة طوق -وهي بلدة بين الرقة وبغداد على شاطئ الفرات- قال: يا أحمد! إن يقتلك الحق مت شهيداً، وإن عشت عشت حميداً، فقوي قلبي. فانظر كيف أثرت نصيحة رجل من عوام المسلمين، والإمام أحمد يقول: رجل أعرابي، يعني: ليس بعالم ولا مشهور ولا يشار إليه بالبنان، لكن أثرت كلمته في قلب الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وحكى الحافظ ابن كثير ﵀: أن أعرابياً نصح الإمام أحمد في المحنة، فقال: يا هذا! إنك وافد الناس، فلا تكن شؤماً عليهم، وإنك رأس الناس اليوم، فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبوا، فتحمل أوزارهم إلى يوم القيامة، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل. قال الإمام أحمد: وكان كلامه مما قوى عزمي على ما أنا فيه من الامتناع عن ذلك الذي يدعونني إليه. وما أحسن ما كتبه رجل أسره الصليبيون في بيت المقدس من أبيات لها أهميتها في موضوع التشجيع في الارتفاع بالهمة، فإن التشجيع يكون له أثر عظيم جداً في الارتفاع والارتقاء بالهمة، ويكفي أن التشجيع قد جعله الله فرضاً على المسلمين في بعض الأحوال، والعلماء حينما يتكلمون عن فروض الكفايات يقولون: إن الأمة لو لم تقم بفرض الكفاية يأثم الجميع: القادرون وغير القادرين، يأثم القادرون؛ لأنهم لم يفعلوا، ويأثم غير القادرين؛ لأنهم لم يحرضوا ولم يشجعوا ولم يستحثوا القادرين، فحتى غير القادر يجب أن يحث القادر، ولذلك الإنسان لا يحتقر أبداً أي نصيحة أو أي كلمة تشجع إخوانه القائمين بأمر الدعوة أو بأمر الله . هذا رجل من المسلمين أسره الصليبيون في بيت المقدس، فكتب هذه الأبيات على لسان المسجد الأقصى يخاطب صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى، ولم يقل له: أريد أن أتحرر من الأسر، أو أريد أن أعود إلى أولادي ومالي وكذا، وإنما انظر إلى ما كتبه على لسان المسجد الأقصى وهو يخاطب صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى حيث قال له: يا أيها الملك الذي لمعالم الصلبان نكس جاءت إليك ظلامة تسعى من البيت المقدس كل المساجد طهرت وأنا على شرفي منجس فكان لها أعظم الأثر في قلب صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى، والظلامة هي ما يكتبه المظلوم، يعني: فكأن المسجد الأقصى يخاطب صلاح الدين بهذه الأبيات. أما نصائح العلماء فلا تسل عن حسنها وعميق أثرها في انبعاث الهمة: سيق الإمام أحمد إلى المأمون مقيداً بالأغلال، وقد توعده وعيداً شديداً قبل أن يصل إليه، حتى إن الخادم قال للإمام أحمد رحمه الله تعالى: يعز علي يا أبا عبد الله! أن المأمون قد سل سيفاً لم يسله قبل ذلك، وأنه يقسم بقرابته من رسول الله ﷺ لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بذلك السيف، فانبرى أبو جعفر الأنباري يشد أزر الإمام، فقال ﵀: ولما حمل أحمد إلى المأمون أخبرت، فعبرت الفرات فإذا هو جالس في الخان فسلمت عليه، فقال: يا أبا جعفر! تعنيت. يعني: أتعبت نفسك، فقال: يا هذا! أنت اليوم رأس، والناس يقتدون بك، فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن خلق، وإن لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فأنت تموت، فاتق الله ولا تجب، فجعل أحمد يبكي ويقول: ما شاء الله، ثم قال: يا أبا جعفر! أعد، فأعدت عليه وهو يقول: ما شاء الله. وقال الإمام أحمد ﵀ واصفاً حال رفيقه في المحنة محمد بن نوح: ما رأيت أحداً على حداثة سنه، وقدر علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، إني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير، قال لي ذات يوم: يا أبا عبد الله! الله الله! إنك لست مثلي، أنت رجل يقتدى بك، قد مد الخلق أعناقهم إليك؛ لما يكون منك، فاتق الله واثبت لأمر الله، فمات وصليت عليه ودفنته. بل إن من لم يتصل مباشرة بالإمام أحمد في محنته كان معه بوجدانه، يتحسر لعدم مشاركته إياه العذاب والآلام. قيل لـ بشر بن الحارث الحافي يوم عذب الإمام أحمد: قد ضرب أحمد بن حنبل إلى الساعة سبعة عشر سوطاً، فمد بشر رجله وجعل ينظر إلى ساقه، ويقول: ما أقبح هذا الساق ألا يكون القيد فيها نصرة لهذا الرجل! ومن نصائح العلماء المؤثرة جداً، والتي ممكن أن تغير سير حياة كاملة لإنسان ما قاله الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: إن الحافظ القاسم بن محمد البرزالي ﵀ هو الذي حبب إلي طلب الحديث، فإنه رأى خطي، فقال: خطك يشبه خط المحدثين، فأثر قوله فيَّ وسمعت منه وتخرجت به في أشياء. فالإمام الذهبي الذي هو الإمام الذهبي ولا نستطيع أن نقول أكثر من هذا، كان سر عظمته في علم الحديث وتوغله في هذا العلم هو هذه الكلمة العابرة التي قالها له الحافظ البرزالي حينما نظر إلى خطه فقال له: خطك يشبه خط المحدثين، يقول الذهبي: فأثر قوله فيَّ، وسمعت منه وتخرجت به في أشياء.

стр. 273

المداومة والمثابرة في كل الظروف سبب من أسباب الارتقاء بالهمة إن أسباب الارتقاء بالهمة ليست محصورة، لكن نقف عند هذا السبب الأخير، وهو: المبادرة والمداومة والمثابرة في كل الظروف، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]، وقال أيضاً: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٨]، وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، فكبير الهمة لا يستسلم للأمر الواقع، بل يبادر ويبادر في أقصى الظروف؛ لأنه يرى أن شرع الله هو الأمر الواقع، أما الباطل الذي صار أمراً واقعاً في زعم الناس فما أسهل أن يتحول ويتنحى جانباً ليترك السبيل للأمر الواقع الحق الذي هو شرع الله ، فعالي الهمة لا يعترف بشيء اسمه الأمر الواقع، ولو أن علماء السلف قالوا: الأمر الواقع لما حصل تجديد للدين، ولا تشغيل لشبابه وبعث للأمة أبداً، فالأمر الواقع إنما يميل إليه سفلة الناس الذين انحطت هممهم وسفلت نفوسهم، فعالي الهمة لا يلتفت إلى الأمر الواقع، بل يبادر ويبادئ في أقصى الظروف حماية لهمته أن تهمد، ووقاية لها من أن تضمر، واستثماراً لأول فرصة متاحة. ليس في كل حال وأوان تتهيأ صنائع الإحسان فإذا أمكنت فبادر إليها حذراً من تعذر الإمكان سبق أن ذكرنا من قبل مثالاً لعالي الهمة: أن عالي الهمة مثل الذي يحمل شعلة من النار، فحتى لو دفع بها إلى أسفل فإنها تأبى إلا صعوداً وارتفاعاً، فعالي الهمة حتى لو قيد أو كبل فهذا لا يؤثر في همته، بل إنه تحت أقسى الظروف يثابر ويداوم. قال الشاعر: ومن أخر الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها وقال آخر: إذا هبت رياحك فاغتنمها فعقبى كل خافقة سكون ولنا في رسول الله ﷺ أحسن الأسوة، فإنه لما خرج مهاجراً إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لقي في طريق الهجرة بريدة بن الحصيب الأسلمي في ركب من قومه فيما بين مكة والمدينة، فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا، فلم تشغله مطاردة قريش عن واجب الدعوة إلى الله . وهذا يوسف الصديق عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يبادر إلى استثمار الفرصة فيغتنم سؤال السجينين عن رؤياهما ليبث إليهما دعوة التوحيد من وراء الأسوار، كما قال حاكياً عنه: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩] إلى آخر الآيات. وقد أملى شمس الأئمة الإمام السرخسي رحمه الله تعالى الإمام الحنفي الشهير كتابه المبسوط الذي يقع في نحو خمسة عشر مجلداً وهو في السجن في (أوزجم)، وكان محبوساً في الجب بسبب كلمة ناصح بها الخاقان فحبسه في الجب، وهذه طريقة غريبة في الحبس، فكان محبوساً في قاع الجب، وكان يأتيه تلامذته يجلسون على قصف البئر -السور الذي يكون أعلى البئر- وهو يملي عليهم من ذاكرته من قاع ذلك البئر. يعني: كان يملي من خاطره من غير مطالعة كتاب وهو في الجب وأصحابه في أعلى الجب، وقال عند فراغه من شرح العبادات -ومن يراجع كتاب المبسوط سيجد هذه العبارات مكتوبة في آخر جزء العبادات-: هذا آخر شرح العبادات بأوضح المعاني وأوجز العبارات، إملاء المحبوس عن الجمع والجماعات، وقال في آخر شرح الإقرار: انتهى شرح الإقرار المشتمل من المعاني على ما هو من الأسرار، إملاء المحبوس في محبس الأشرار. وله كتاب في أصول الفقه، وشرح السير الكبير أملاه وهو في الجب، ولما وصل إلى باب الشروط حصل له الفرج فأطلق، فخرج في آخر عمره إلى (فرغانة)، فأنزله الأمير حسن بمنزله فوصل إليه الطلبة فأكمل الإملاء. وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لما تآمر عليه أعداؤه حتى حالوا بينه وبين الأوراق والكتابة حتى لا تخرج فتاواه وعلمه من خارج السجن كما حصل، وشوا به إلى السلطان حتى منعه من الأوراق والأقلام، وأخرج كل ما عنده من الكتب والأقلام والأوراق، فظل يكتب فتاواه ورسائله بالفحم على جدار السجن، فرحمه الله تعالى.

стр. 274

أثر علو الهمة في إصلاح الفرد والأمة إن ما مضى من الكلام يبين لنا كيف أن الهمة العالية هي سلم الرقي إلى الكمال الممكن في كل أبواب البر، لاسيما العلم والجهاد اللذين هما سبب ارتفاع الدرجات؛ فمن تحلى بها لان له كل صعب، واستطاع أن يعيد هذه الأمة إلى الحياة مهما ضمرت فيها معالي الإيمان، إذ إن همم الرجال تزيل الجبال، يقول الشاعر: همم الأحرار تحيي الرمم نفخة الأبرار تحيي الأمم فأصحاب الهمة العالية فحسب هم الذين يقوون على البذل في سبيل المقصد الأعلى، وأصحاب الهمة العالية هم فقط الذين يبدلون أفكار العالم، ويغيرون مجرى الحياة بجهادهم وتضحياتهم. وهذا بخلاف نوع آخر من الهمم قال فيه الأستاذ المودودي رحمه الله تعالى: ومن دواعي الأسف أن الذين عندهم نصيب من القوى الفكرية والقلبية من النوع الأعلى من أفراد أمتنا- يعني: الأذكياء والنوابغ- هم مولعون بإحراز الترقيات الدنيوية، يجاهدون في سبيلها ليل نهار، ولا يصبرون في السوق إلا على من يساومهم بأثمان مرتفعة، وما بلغوا من تعلقهم بالدعوة إلى الاستعداد للتضحية في سبيلها بمنافعهم، بل ولا بمجرد إمكانات منافعهم، فإذا كنتم -يخاطب أصحابه- ترجون معتمدين على هذه العاطفة الباردة للتضحية أن تتغلبوا في الحرب على أولئك المفسدين في الأرض الذين يضحون بالملايين من الجنيهات كل يوم في سبيل راياتهم الباطلة، فما ذلك إلا حماقة! وهذه نصيحة شديدة وقاسية لكن لابد منها، وسبق أن ذكرت لكم مثالاً مؤسفاً أيضاً كهذا المثال، بعض الشباب في إحدى البلاد حينما طلب من بعضهم التبرع بتحفيظ الطلاب القرآن الكريم لوجه الله تذمر بعضهم لأجل أنه لن يعود عليهم ذلك براتب؛ وإن كان هذا في وقت فراغهم لكنه لن يعود عليهم بمال. فجمعهم المسئول وقال لهم: لا تكونوا مثل ماكينة البيبسي -وفي الخارج توجد ماكينات تضع فيها العملة سواء ورقية أو معدنية فتخرج لك البيبسي، وإذا ما أعطيتها النقود لا تخرج لك- تعطيها العملة تعطيك الببسي، فأنتم إذا لم تأخذوا مالاً لا تبذلوا في سبيل الدعوة! فهذا مثال مشابه. يقول المودودي: فإذا كنتم ترجون معتمدين على هذه العاطفة الباردة التي لا تكلف وليس فيها دفع الثمن أن تتغلبوا على أناس يضحون بالأموال والأنفس وكل شيء في سبيل باطلهم فهذا ليس من العدل وليس من الإنصاف. إذاً: أصحاب الهمة العالية هم وحدهم فقط الذين يقوون على البذل في سبيل المقصد الأعلى، وهم الذين يبدلون أفكار العالم ويغيرون مجرى الحياة بجهادهم وتضحياتهم، ومن ثم فهم القلة التي تنقذ الموقف، وهم الصفوة التي تباشر مهمة الانتشال السريع من وحل الوهن ووهدة الإحباط. يقول الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله تعالى مبيناً أثر علو الهمة: يسمو هذا الخلق بصاحبه فيتوجه به إلى النهايات من معالي الأمور، فهو الذي ينهض بالضعيف يضطهد أو يزدرى فإذا هو عزيز كريم، وهو الذي يرفع القوم من سقوط ويبدلهم بالخمول نباهة، وبالاضطهاد حرية، وبالطاعة العمياء شجاعة أدبية. هذا الخلق هو الذي يحمل جماعة من أن تتملق خصمها، فإذا كان الإنسان عنده علو همة فلا يجود لسانه بمدح خصمه، فلا يقول: إنه شريف وإنه كذا وكذا من النفخ في أعداء الدين وأعداء الإسلام؛ لأن هذا من علامات سقوط الهمة، وقائل هذا ذليل أمام الخصم فيضطر أن يمدحه بهذه الطريقة. يقول الشيخ محمد الخضر حسين: هذا الخلق هو الذي يحمل جماعة من أن تتملق خصمها، أما صغير الهمة فإنه يبصر خصومه في قوة وسطوة، فيذوب أمامهم رهبة، ويطرق إليهم رأسه حطة، ثم لا يلبث أن يسير في ريحهم، ويسابق إلى حيث تنحط أهواؤهم. وفي جنح هذا الظلام الحالك والليل الأليل تكاد تفتقد أمتنا البدر المنير، وتترقب مجيء رجل الساعة، والمصلح المنتظر ويحدوها الأمل في طلوع فجر قريب يؤذن ببعث المجدد المرتقب الذي بشر به الصادق المصدوق في قوله ﷺ : (إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على كل رأس مائة سنة من يجدد لها دينها). وخلوا ولاة السوء منكم وغيهم فأحر بهم أن يغرقوا حيث لججوا نظار لكم أن يرجع الحق راجع إلى أهله يوماً فتشجوا كما شجوا على حين لا عذر لمعتذريكم ولا لكم من حجة الله مخرج لعل لهم في منطوى الغيب ثائراً سيسمو لكم والصبح في الليل مولج بجيش تضيق الأرض عن زفراته له زجل ينغي الوحوش وهزمج فيدرك ثأر الله أنصار دينه ولله أوس آخرون وخزرج ويقضي إمام الحق فيكم قضاءه تماماً وما كل الحوامل تخدج وإني على الإسلام منكم لخائف بوائق شتى بابها الآن مرتج لعل قلوباً قد أطلتم غليلها ستظفر منكم بالشفاء فتثلج فيا شباب الإسلام! قد فتح باب الترشيح؛ فهيا تسابقوا إلى العلى، وتنافسوا في جنة عرضها السموات والأرض، واختطوا لأنفسكم طريق المجد؛ فتالله ما ارتفع صوت الحادي يوماً لرفقة أولي صمم، ولا ارتفع الفلك الأعلى لغير أهل الشموخ والشمم. ستعلم أمتنا أننا ركبنا الخطوب هياماً بها فإن نحن فزنا فيا طالما تذل الصعاب لطلابها وإن نلق حتفاً فقد قدمت كئوس المنايا لشرابها هذه المهمة الجسيمة التي تبحث عن عالي الهمة وكبير الهمة هي التي قال فيها المجدد العلم والجبل الأشم أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: إني أعالج أمراً لا يعين عليه إلا الله، قد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي، حتى حسبوه ديناً لا يرون الحق غيره. فممن يعرف قدر نفسه بلا وكس ولا شطط يراها أهلاً لهذه الوظيفة المقدسة؟ من منكم يصف هذه الأحلام ويضرب صدره في عزة وشموخ قائلاً: أنا لها، أنا لها؟! فإن كنت عن جدارة واستحقاق حزت مسوغات هذا الترشيح فامض على بصيرة ولا تلتفت إلى الوراء حتى يفتح الله عليك، وحذار أن تغفل ولو لحظة. لحظة يا صاحبي إن تغفلِ ألف ميل زاد بعد المنزلِ رام نقش الشوك حيناً رجلُ فاختفى عن ناظريه المحملُ وزاحم بكتفيك وساعديك قوافل العظماء والمجددين من السلف والخلف، ولا تؤجل فليس من تأجيل فإن مرور الزمن ليس من صالحك، وإن الطغيان كلما طال أمده كلما تأصلت في نفوس المتميعين معاني الاستحذاء، ولابد من مبادرة تنتشل ما دام في الذين جرفهم التيار بقية عرق ينبض وبذرة فطرة كامنة. قد هيئوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل ولا يظنن ظان أن حديثنا عن علو همة أسلافنا العظام يعني الانطواء في الماضي، وقطع النظر عن الحاضر والمستقبل، وإلا صرنا كالترجمان الذي يتوقف أمام الآثار ويشيد بالماضي فحسب، دون أن يقدم شيئاً للحاضر أو المستقبل. ولا يظنن ظان أننا بهذا الحديث عن علو همة السلف الصالح نرجع إلى الوراء في زمن تتسابق فيه الأمم نحو المستقبل، فإن اقتداءنا بخير أمة أخرجت للناس هو تألق وصعود وارتفاع إلى مستوى ذلك الجيل الفريد الذي لم تعرف البشرية له نظيراً، وإن إبراز هذه النماذج الحية هو أقرب طريق إلى إيقاظ الهمم نحو إصلاح هذه الأمة التي لا يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها، قال الله : ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:١٠]، وباب المجد والمكرمات لم يزل مفتوحاً يرحب بكل راغب. إذا أعجبتك خصال امرء فكنه يكن منه ما يعجبك فليس لدى المجد والمكرمات إذا جئتها حاجب يحجبك فيا من يروم ولوج هذا الباب واجه الحقائق، وتبصر موقع قدمك، ولا تفزع إلى انتظار خراب العالم على أمل أن ينهض المسلمون على أنقاضه، ولا تهرب إلى افتراض حصول خوارق للسنن التي لا تحادي من لا يحترمها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]. وتذكر يوم بدر حين خرج الثلاثة من كفار قريش يطلبون المبارزة، فأخرج لهم النبي ﷺ ثلاثة من الأنصار، فقالوا: والله! لا نطعن في أحسابهم ولا أنسابهم، ولكن أخرج لنا أكفاءنا من قريش، فأخرج لهم علياً وحمزة وأبا سفيان بن الحارث فقتلوهم، وكذلك الناس دوماً تحب المكافأة حتى حين يقتلون. والقرشية اليوم تتمثل في الصروح العلمية، والمجامع الأدبية، والمؤسسات الصحفية، والمعاهد السياسية، والدور الوثائقية، وغير ذلك من مجالات هذه الأنشطة، وعلى دعاة الإسلام اليوم أن ينطلقوا منها للمبارزة. هذا زمان لا توسط عنده يبقي المغامر عالياً وجليلا كن سابقاً أو ابق فيه بمعزل ليس التوسط للنبوغ سبيلا والنداء الأخير إلى هذا الشخص الذي وعدنا رسول الله ﷺ أن الفرج يكون على يديه بإصلاح هذه الأمة وتجديد هذا الدين، هذا المصلح المرتقب والمجدد المنتظر الذي سيخرج إلى الحياة بإذن الله مهما حاول فرعون أن يتقيه، ومهما وأد من الصبية كي يبدل وعد الله الذي لا يخلف. وقد يكون الآن كامناً في ظهر الغيب، أو حقيقة في عالم الشهادة، وقد يكون رضيعاً في المهد، أو ناشئاً يقرأ أو يسمع معنى هذه الأبيات: أنت نشء وكلامي شعلُ عل شدوي مبرم فيك حريقا ليس في قلبي إلا أن أرى قطرة فيك غدت بحراً عميقاً فالأمة المسلمة تنتظر من هذا المجدد جذبة عمرية توقظ في قلبها مصباح الهمة في ديجور هذه الغفلة المدلهمة، وتنتظر صيحة أيوبية تغرس بذرة الأمل في بيداء اليأس، وعلى قدر المئونة تأتي من الله المعونة. قد نهضنا للمعالي ومضى عنا الجمود ورسمناها خطاً للعز والنصر تقود فتقدم يا أخا الإسلام قد سار الجنود ومضوا للمجد إن المجد بالعزم يعود قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى:٢٨]، وقال رسول الله ﷺ : (مثل أمتي مثل المطر لا يدرى آخره خير أم أوله)، وقال ﷺ : (لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة)، وقال ﷺ : (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشا

стр. 275

علو الهمة [١٨] لقد شرف الله الأمة الإسلامية على جميع الأمم، وإن أعظم ما شرفها الله به هو القرآن الكريم، لذا كان الاعتناء بالقرآن الكريم حفظاً وتلاوة وفهماً وتفسيراً وتعليماً من أعظم الأعمال، ومن أحب أن يكلمه الله فليقرأ كلامه .

стр. 276

تشريف الله للأمة الإسلامية بالقرآن الكريم لقد شرفنا الله ﵎ بأن بعث إلينا أشرف رسول، وجعلنا أشرف أمة في أشرف بقاع الأرض بسفارة أشرف الملائكة، وأنزل عليه ﷺ أشرف الكتب بأشرف لغة في أشرف شهر في السنة، في أشرف ليلة من هذا الشهر، ألا وهو القرآن الكريم كتاب الله تعالى الذي فيه نبأ ما قبلنا وخبر ما بعدنا، وحكم ما بيننا، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن:١ - ٢]، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم. صح عن أمير المؤمنين ذي النورين أمير البررة وقتيل الفجرة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، رواه البخاري والترمذي. والخطاب هنا موجه إلى خير أمة أخرجت للناس، فهؤلاء المذكورون في الحديث هم خيار الأخيار في خير أمة أخرجت للناس. فبين النبي ﵌ في هذا الحديث الشريف أن خير المتعلمين وخير المعلمين من كان تعلمه وتعليمه في القرآن لا في غيره؛ إذ خير الكلام كلام الله، فكذا خير الناس بعد النبيين من اشتغل به، ولابد من تقييد التعلم والتعليم بشرط أن يكون خالصاً لوجه الله ﵎. فلابد من تقييد التعلم والتعليم بالإخلاص، وإرادة وجه الله ﵎، فإن من أخلص التعلم والتعليم وتخلق بالإخلاص دخل في زمرة ورثة الأنبياء.

стр. 277

التنبيه على بعض العوائق والأخطاء في طلب العلم وبعد أن فرغنا من الكلام على علو الهمة لا شك أن هذا الكلام لم يكن المقصود به أن نستمتع بالكلام في سيرة السلف ونتفرج عليهم، وأن نكون كحال الترجمان الذي يقف أمام الآثار يصف عظمة الماضي في زعمه، ثم لا يقدم شيئاً إلى الحاضر أو المستقبل، خاصة وأن بنا من الآفات ومظاهر التقصير في طاعة الله ما يوجب علينا أن نجدد إيماننا، كما قال النبي ﵌: (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم)، نسأل الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبنا أجمعين. ولا نقتصر أيضاً على مجرد الدعاء؛ فإن الدعاء وإن كان داخلاً في الكلم الطيب لكن الكلم الطيب يحتاج إلى ما يحمله ويرفعه إلى السماء، وهو العمل، قال : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]. ولا شك أن مفتاح الهداية إلى الطريق القويم هو العلم والتشبع بالعلم؛ لأن العلم هو المخرج من الفتن التي يموج بها هذا الزمان لكننا حينما نتوجه إلى طلب العلم نقع في كثير من الأخطاء التي تجعل السنوات تمر دون جدوى أو دون الحصيلة التي كان من المفترض أن نحصلها، فيوجد في بعض إخواننا -خاصة ممن ينتسبون إلى السلفية- ما يمكن أن نسميه: بعض النتوءات الفكرية، نتوءات شاذة غير سوية؛ لأنها مخالفة للمنهج السلفي. ومظاهر هذه النتوءات الشاذة كثيرة، وسبق أن تكلمنا عنها في عدة مناسبات، لكننا محتاجون أن نعيد الكلام عليها من جديد، وقد تكلمنا فيما قبل على المنهج العلمي تحت عنوان: لمن تقرأ وماذا تقرأ؟ وفصلنا الكلام في هذا، ونحن بلا شك محتاجون إلى أن نجدد عهدنا بما قلناه قبل. لكن أبدأ أولاً ببيان بعض العوائق التي تعيق طالب العلم عن المضي في الطريق الصحيح في طلب العلم، وهذه العوائق كثيرة، لكن أقتصر الآن على ما يمس موضوعنا: فمنها: عدم التدرج في العلم طلب العلم مثل السلم، ولا بد للإنسان أن يتدرج في الصعود عليه، ولذلك لا نرى أحداً من العلماء ينازع في أهمية مراعاة مبدأ التدرج في طلب العلم؛ لأن التدرج هو الوسيلة الناجحة لأخذ العلم وفهمه، والتدرج والتمهل ليس بدعاً من القول، وإنما هو مأخوذ من كتاب الله ﵎؛ فقد قال الله : ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء:١٠٦] فقوله: (على مكث) يعني: على تمهل، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان:٣٢]. قال الزبيدي نقلاً عن كتاب الذريعة في وظائف المتعلم: يجب ألا يخوض في فن حتى يتناول من الفن الذي قبله على الترتيب بلغته، ويقضي منه حاجته؛ فازدحام العلم في السمع مضلة الفهم، وعلى هذا قال الله ﵎: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة:١٢١]، يعني: لا يتجاوزون فناً حتى يحكموه علماً وعملاً، فيجب أن يقدم الأهم فالأهم من غير إخلال في الترتيب، فكثير من الأمراض الموجودة فينا معشر طلبة العلم هي نتيجة عدم مراعاة هذا الترتيب، فكثيرون يقفزون إلى بعض الدرجات العلا دون أن يراعوا التدرج والترتيب، فتوجد هذه النتوءات الشاذة التي تنتسب زوراً إلى السلفيين. قال العلماء: من ترك الأصول حرم الوصول. يعني: أن الأصول هي الأساس الذي ينبغي أن يبنى عليه البنيان، فمن تركها يحرم من الوصول إلى الغاية والهدف الذي يرومه، فحق على طالب العلم أن يكون قصده من كل علم يتحراه هو أن يتبلغ به إلى ما فوقه، ويتهيأ به إلى الدرجة التي تليها إلى أن يبلغ النهاية. والتدرج يكون في أمرين: الأول: أن يتدرج بين الفنون نفسها. والثاني: أن يتدرج في الفن الواحد نفسه، وكلا الأمرين يخضع لاجتهاد المعلم الذي يوجه الطالب، وطبيعة المكان والظروف والملابسات، ولذا فإن إشارات العلماء في التدرج تختلف باختلاف مذاهبهم وأماكنهم. لكن يكاد العلماء والناصحون والمصنفون في هذا الباب من أهل العلم يتفقون على أن أولى الخطوات هي: الاهتمام والحفظ لكتاب الله ﵎. ورحم الله الإمام الحافظ ابن عبد البر إذ نعى طلب العلم في زمنه، فقال: واعلم -رحمك الله- أن طلب العلم في زماننا هذا وفي بلدنا قد حاد أهله عن طريق سلفهم، وسلكوا في ذلك ما لم يعرفه أئمتهم، وابتدعوا في ذلك ما بان به جهلهم وتقصيرهم عن مراتب العلماء قبلهم. فإذاً: يقبح بنا ألا نقتدي بآثار من سبقنا من أهل العلم في طلب العلم والتدرج فيه.

стр. 278

جدول في طلب العلم من بدايته إلى منتهاه رتب الإمام ابن الجوزي جدولاً للطالب يبلغ به منتهاه، فقال ﵀: وأول ما ينبغي أن يكلف -يعني: طالب العلم- في صباه: حفظ القرآن متقناً؛ فإنه يثبت، ويختلط باللحم والدم، فمن اشتغل وبدأ البداية الصحيحة بحفظ القرآن الكريم منذ الصغر فإن القرآن الكريم سيختلط بلحمه ودمه، يصبح جزءاً من كيانه، وكما أن الدم يجري في عروقه وعضلاته وكل خلايا جسمه فكذلك القرآن الكريم يمتزج بروحه امتزاجاً كاملاً؛ حتى يكون جزءاً من كيانه وتكوينه. ولا شك أن من حفظ القرآن في الصغر أمكنه أن يتعبد به في الكبر، أما من تأخر في حفظ القرآن فلا شك أن كثرة التمتع والاستمتاع والتعبد بالقرآن الكريم ستكون أقصر، فينبغي الاهتمام بأن نجتهد في إنقاذ الأجيال القادمة -إن شاء الله- مما وقع فيه الجيل الماضي من التقصير في حق القرآن الكريم والاشتغال عنه بغيره. فكل ما يشغل عن القرآن فهو في الغالب شؤم على صاحبه؛ لأنه سيحرمه من أن يضيء قلبه ويعمر جوارحه بكلام الله ، فكلام الملك ملك الكلام، فليس هناك كلام أفضل من كلام الله؛ ولذلك كان ﷺ دائماً يكرر على أصحابه هذه العبارة المهمة: (خير الكلام أو أحسن الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌. وسيأتي بيان هدي رسول الله ﵌ في الاهتمام بالقرآن. يقول ابن الجوزي: وأول ما ينبغي أن يكلف في صغره حفظ القرآن متقناً؛ فإنه يثبت فيختلط باللحم والدم، ثم مقدمة من النحو يعرف بها اللحن في لسانه، ثم الفقه مذهباً وخلافاً، وما أمكن بعد هذا من العلوم فحفظه حسن. إذاً: طلب العلم سلم ذو درجات ومراتب لا ينبغي تعديها، فمن تعداها فقد تعدى سيرة السلف الصالح، ومن تعدى سبيلهم عامداً ضل، ومن تعداها مجتهداً زل، فلابد من المنهجية، ولابد من المرحلية. فالمنهجية هي: أن يكون هناك منهج محدد في كل علم من العلوم تدرسه على شيخ، ولا تنشغل بغيره، وتواصل فيه الليل بالنهار مجتهداً. والمرحلية هي: الجدول الزمني، يعني: أن المهمة التي تريد أن تنجزها لا تعد ناجحاً إلا إذا أنجزتها في وقت مناسب، لا أن تمر سنوات دون أن يحصل تقدم يذكر فإن هذا من الأخطار.

стр. 279

وظائف ينبغي على طالب العلم مراعاتها مع القرآن الكريم اتفق الناصحون في هذا الباب على أن أول العلم: حفظ كتاب الله ﵎. وسبق أن تكلمنا في محاضرة (لمن تقرأ وماذا تقرأ) وقلنا: إنه لابد لطالب العلم من وظائف مع القرآن الكريم. الوظيفة الأولى: ختم القرآن الكريم، فعلى طالب العلم أن يختم القرآن بطريقة دورية ثابتة، وأن يكون له ورد يومي وحزب دائم من القرآن الكريم، ويتفاوت مقدار هذا الحفظ حسب ظروف كل إنسان، فالناس ليسوا كلهم على درجة واحدة من الاستعداد والظروف، فهناك التاجر، والطالب، والمدرس، والمتفرغ لطلب العلم، فبلا شك أن حظوظهم تتفاوت بحسب ظروفهم. ولا تتحرجوا من كلمة (ورد) فهي ليست حكراً على الصوفية، ولا كلمة (حزب) بل هذه ألفاظ شرعية مأثورة عن النبي ﵌، فإنه ﵊ حينما تأخر على قوم كانوا ينتظرونه قال: (كان حبسني ورد أو حزب من القرآن، فكرهت أن أخرج حتى أتمه)، وجاء أيضاً عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: (من فاته ورده من الليل فليقضه إذا أصبح بالنهار). الشاهد: أن الورد أو الحزب أو القدر المعين الذي تحدده لنفسك كل يوم ينبغي أن تحافظ عليه، وينبغي أن يكون لكل واحد ورد ثابت من القرآن الكريم؛ بحيث يختم القرآن، وسنتكلم على المدد المقترحة بذلك إن شاء الله تعالى، فهناك ورد الختم، وهناك ورد المراجعة، وهناك حفظ ما لم يحفظه من كلام الله ﵎. وأما الصحابة رضي الله تعالى عنهم فكانوا يحزبون القرآن على سبعة أيام، حسب ترتيب السور، فكانوا يبدءون بالثلاث السور الأولى من القرآن الكريم بعد الفاتحة: البقرة وآل عمران والنساء، ثم في اليوم الثاني يقرءون قدرها، ثم اليوم الثالث كذلك، وهكذا، ثم حزب المفصل يجعلونه في اليوم السابع وحده، وهو الحزب الذي يبدأ بسورة (ق) وينتهي بسورة (الناس). وأيضاً: مراجعة المحفوظ، فلابد أن يكون للإنسان نظام معين في المراجعة؛ حتى لا يتفلت منه القرآن، وهذا ما سنشير إليه بإذن الله فيما بعد. أما فيما يتعلق بالوظيفة الثالثة: فهي حفظ ما لم يحفظه من القرآن الكريم، ولا شك أن الحفظ يحتاج إلى همة عالية، وأفضل شيء في فترة الحفظ أن يتفرغ تماماً لحفظ القرآن الكريم، ولا يشتت همته، فلا يقرأ في الحديث أو الفقه أو غيره من العلوم في آنٍ واحد؛ فأمامك هدف محدد، وهذا الهدف مطلوب أن تسابق به الزمن؛ والصغير كلما اشتغل بحفظ القرآن مبكراً كان أسهل عليه؛ لأنه لا هموم ولا مشاغل ولا مسئوليات عليه، فيكون ذهنه صافياً؛ فيستطيع أن يحفظ بسرعة. فأعظم هدية يقدمها الأب إلى ولده أن يؤدبه بأن يحفظه القرآن الكريم، ويشغله بالقرآن بقدر استطاعته، ولا يشتت عليه نفسه إذا كان قد انتدب نفسه لهذه المهمة العظيمة.

стр. 280

شرف حفظ القرآن الكريم حفظ القرآن شرف ليس بعده شرف، وقد قال النبي ﷺ : (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين)، يعني: بإيمانهم. فمن أعظم الشرف أن يجعل الله صدرك مستودعاً لكلامه، وإذا نلت حفظ القرآن الكريم فهذا أعظم من مليون شهادة دكتوراه؛ لأن هذا هو الشرف الحقيقي، وهذا هو الذي ينفعك في الدنيا، وينفعك في قبرك، وينفعك في الآخرة، يكفي أن تتخيل أن الملائكة يوم القيامة تضعك أمام اختبار، كما قال ﷺ : (يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارتق، ورتل، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها)، أو كما قال ﵌. فإذا نلت حفظ القرآن الكريم فهذا أعظم من ملايين شهادات الدكتوراه، وهذا أعظم من ملايين الدولارات والجنيهات والذهب، وأنت ستكون أغنى خلق الله بالقرآن الكريم؛ ولذلك قال ﵊: (من لم يتغن بالقرآن فليس منا)؛ لأن القرآن فيه الغنى كل الغنى، ولذلك نجد الشريعة الشريفة قد وضعت أحكاماً خاصة لحفظة القرآن تميزهم بها عمن عداهم، فمثلاً: الإمارة تكون لمن هو أحفظ، ولما استعرض النبي ﵌ مجموعة من الشباب كان فيهم رجل يحفظ سورة البقرة، وكان الآخرون يحفظون مما عداها، فجعله أميراً عليهم. أي: أنه قدمه عليهم لحفظه سورة البقرة. وهكذا أحق الناس بأشرف الأماكن في الصف الأول حملة كتاب الله؛ ولذلك كان ﷺ يقول: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى)، فيقدم في الإمامة ويقدم في الصف الأول وراء الإمام من هم أكثر حملاً لكتاب الله . حتى عند الدفن يقدم حافظ القرآن الكريم، فإذا وجد أكثر من ميت أو شهيد يدفنون جميعاً فيقدم الأكثر حفظاً للقرآن، ثم الذي يليه. فالنصيحة المهمة جداً هي: أن يغتنم المسلمون سني الحفظ الذهبية، وهي من خمس سنوات إلى ثلاث وعشرين سنة، ولا ييأس من تجاوز هذا السن، فمن بعد ثلاث وعشرين هناك الفضية والنحاسية وهكذا. فالفترة الذهبية هي هذه الفترة العظيمة، وكلما كان الحفظ مبكراً كان أعظم وأسهل؛ لأن من يحفظ في الصغر يختلط القرآن بلحمه ودمه، ويثبت في قلبه ثبوتاً عظيماً جداً. فالطفل قد لا يدرك مصلحته، لكن الأب مهمته أن يقيه النار، وأن يسهل له طاعة الله ، وأن يحسن تربيته، وينبغي أن يجعل هذا الهدف هو الهدف الأساس والرئيس في خططه في تربية أولاده، فإذا وجد الطفل النابغة الذي عنده القدرة على الحفظ فينبغي الاهتمام به، وهذه القدرة موجودة عموماً في الأطفال، لكن هناك أطفالاً يتميزون، فخسارة كبيرة جداً أن نشغلهم بالأناشيد، فضلاً عن الإعلانات والقصص الكاذبة والأغاني وغير ذلك، وإنما ينبغي أن يصرف الاجتهاد كله إلى تحفيظهم كلام الله ﵎.

стр. 281

منهجية العلماء في طلب العلم من النتوءات التي أشرنا إليها: محاولة القفز فوق السلم في طلب العلم، ونجد كثيراً من الإخوة يشتغلون بعلم الحديث، وبأشياء هي من فروض الكفايات في علم الحديث، مثل العلل والرجال والأسانيد وكذا وكذا، وينفقون أوقاتاً طويلة جداً في ذلك، وهم قد يلحنون في كلام الله، أو قد يهملون حفظ كتاب الله ﵎، ولذلك كانت سنة العلماء إذا أتاهم طالب العلم يطلب الحديث أن يسألوه: هل حفظت القرآن؟ فإن قال: لا، رفضوا أن يحدثوه، ويطرد من المجلس، إلى أن يتم حفظ القرآن ويختبر، ثم بعد ذلك يشرع في تلقي ما عداه من العلوم الشرعية. فمن المؤلم أن يصير هذا شعار بعض الناس في بعض البلاد ممن ينتسبون للسلفية، فهل هذه هي السلفية؟! فإهمال كلام الله ، وإشغال الشباب بما عدا كلام الله ليس من السلفية في شيء، ونحن لا نقول: إنك تهجر العلوم الأخرى، لكن ممكن أن الإنسان يترفق إذا أراد أن ينجز هذا الهدف، فينبغي أن يفرغ ذهنه وقلبه لهذه المهمة، وإذا تشتت فلن ينجز الهدف بالصورة المطلوبة، لكن عليه أن يركز في هذا الهدف ليل نهار إلى أن يوفقه الله ، فإذا فتح له حفظ القرآن فسوف يفتح له كل باب من أبواب الخير بإذن الله ﵎. فالاشتغال بعلوم الحديث والأسانيد من فروض الكفايات، ويوجد الآن من العلماء -ولله الحمد- من هم أعظم باعاً من إخواننا طلبة العلم وقد أنجزوا كثيراً من الإنجازات في هذا المجال، فلا مانع من الاهتمام بهذه العلوم، لكن بشرط ألا تشغل عن القرآن، فإذا كان ما زال هناك نقص في القرآن فاشتغل أولاً بالقرآن الكريم، ثم إذا فرغت بعد ذلك فلك أن تتحول إلى غيره.

стр. 282

التحذير من هجر القرآن الكريم ولقد حذر الله من هجر القرآن، فقال : ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، فقد هجر الكثير كلام الله ، حتى إن المصحف لتتراكم عليه أكوام الأتربة، أو ربما ينفضها لكن لمجرد الزينة في البيت أو السيارة، وكل حياتنا أصبحت مضادة لكتاب الله . فهذا هو هجر القرآن، وهؤلاء هم الذين يشكوهم رسول الله إلى ربه : ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، يعني: متروكاً معرضاً عنه. وهذه الآية وإن كانت أصالة في المشركين -وإعراض المشركين هو عدم إيمانهم بكلام الله- إلا أن نظمها الكريم مما يرهب عموم المعرضين عن العمل بالقرآن والأخذ بآدابه، الذي هو حقيقة الهجر؛ لأن الناس إنما تعبدوا منه بذلك، ولا تؤثر تلاوته إلا لمن تدبرها، ولا يتدبرها إلا من يقوم بها ويتمسك بأحكامها.

стр. 283

أنواع هجر القرآن الكريم وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه المبارك (الفوائد) حينما كان يتكلم عن هذه الآية في سورة الفرقان أنواع الهجر فقال: هجر القرآن أنواع: أحدها: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه. الثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به. الثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه، واعتقاد أنه لا يفيد اليقين، وأن أدلته ظنية لا يحصل بها العلم. الرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه. الخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره، ويهجر التداوي به. وهذه بلا شك من أعم المصائب الآن، فنحن لا ننتبه إلى أن كل ما فينا من أمراض -خاصة الأمراض القلبية- إنما دواؤها في القرآن الكريم، كما قال : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢]، فكأننا لا نوقن بهذا الكلام، فنحن نتلوه لكن لا نتدبره، ونطلب الشفاء في غير كلام الله . ونجد كثيراً من الناس يدعون الشباب -مثلاً- إلى قراءة (إحياء علوم الدين) أو كتب الصوفية أو كذا وكذا، ويشغلونهم بهذا، مع أن الدواء الناجع لقلوب المؤمنين هو الاشتغال بكلام الله ، وأصبح حالنا كحال الشاعر الذي قال: كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول بل حالنا أسوأ من حال العيس؛ لأن العيس -وهي: الجمال أو النوق- التي تحمل الماء فوق ظهورها ويكاد يقتلها الظمأ قد لا تعرف أن الذي فوق ظهرها ماء، وإذا عرفت فقد لا تستطيع أن تصل إليه، لكننا نحن نعرف أن دواءنا في القرآن الكريم، وأن شفاء قلوبنا في كلام الله ، فبالتالي نكون أسوأ حالاً من العيس التي يقتلها الظمأ في البيداء والماء فوق ظهورها محمول. فكل من أراد أن يداوي قلبه فعليه أن يقبل على القرآن؛ فإن القرآن الكريم هو الذي يعالج ما في قلبه من الأمراض والشهوات والأدواء. فيقول ابن القيم: النوع الخامس من هجر القرآن الكريم: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره، ويهجر التداوي به. قال ابن القيم: وكل هذا داخل في الآية، وإن كان بعض الهجر أهون من بعض. وفي الإكليل يقول السيوطي: إن في الآية إشارة إلى التحذير من هجر المصحف وعدم تعاهده بالقراءة فيه. وقال أبو السعود في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]: فيه تلويح بأن من حق المؤمن أن يكون كثير التعاهد للقرآن؛ كي لا يندرج تحت ظاهر النظم الكريم. ثم قال: وفيه من التحذير ما لا يخفى، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا شكوا إلى الله تعالى قومهم عجل لهم العذاب ولم ينظروا.

стр. 284

وجوب إعطاء القرآن الكريم الأولوية المطلقة في طلب العلم نعيد التنبيه على وجوب إعطاء القرآن الأولوية المطلقة في طلب العلم، حتى لو كان الإنسان قد كبر في السن؛ لأن كل حرف من القرآن تقرؤه فأنت تتعبد بتلاوته، فحفظ القرآن ليس كحفظ غيره من العلوم، فهل الثواب الذي تناله من حفظ القرآن مثل الثواب الذي تناله من حفظ متن في الفقه أو الأصول أو منظومة في النحو أو غيرها من العلوم؟ فلا شك أن حفظ القرآن له المزايا العظيمة؛ لأنه كلام الله ، وكل هذه الفضائل لا يمكن تحصيلها من غير كلام الله ، فلا ينبغي أبداً أن ينشغل الإنسان بالمفضول عن هذا الفاضل. وقد روى ابن المديني عن عبد الوهاب بن همام عن ابن جريج قال: أتيت عطاء وأنا أريد هذا الشأن - أي: الحديث والعلم- وعنده عبد الله بن عبيد بن عمير، فقال لي ابن عمير: قرأت القرآن -يعني: حفظت القرآن-؟ قلت: لا، قال: اذهب فاقرأه، ثم اطلب العلم، فذهبت زماناً حتى قرأت القرآن، ثم جئت عطاء وعنده عبد الله، فقال: قرأت الفريضة؟ قلت: لا، قال: فتعلم الفريضة ثم اطلب العلم. والفريضة هي المواريث؛ لأن هذه من العلوم الأساسية التي تكاد تنقرض الآن. قال: فطلبت الفريضة، ثم جئت، فقال: الآن تطلب العلم. وقال أبو العيناء: أتيت عبد الله بن داود فقال: ما جاء بك؟ قلت: الحديث -أي: أريد طلب الحديث- قال: اذهب فتحفظ القرآن؟ قلت: قد حفظت القرآن، قال: اقرأ ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ [يونس:٧١]، فقرأت العشر حتى أنفذته، فقال لي: اذهب الآن فتعلم الفرائض -المواريث- قلت: قد تعلمت الصلب والجدة والكبر -أي: مسائل الفرائض الكبرى- قال: فأيما أقرب إليك ابن أخيك أو عمك؟ قال هذا ليمتحنه. قال: قلت: ابن أخي، قال: ولمَ؟ قلت: لأن أخي من أبي وعمي من جدي، قال: اذهب الآن فتعلم العربية، قال: قد علمتها قبل هذين، قال: فلمَ قال: عمر حين طعن (يا لَله ولِلمسلمين)؟ يعني: فتح اللام الأولى (لله) وكسر اللام الثانية (للمسلمين) قال: لمَ فتح تلك وكسر هذه؟ قلت: فتح تلك اللام -يا لله- على الدعاء، وكسر هذه -للمسلمين- على الاستغاثة؛ لأن المكسورة للاستغاثة والانتصار، فبعد كل ذلك قال: لو حدثت لحدثتك. يعني: أنه حتى الآن يراه غير أهل للتحديث، لكن يقول: لو كان لي أن أحدث أحداً لاخترتك أنت كي أحدثك، وأبى أن يحدثه أيضاً. قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى: طلب العلم درجات ورتب لا ينبغي تعديها، ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف ﵏، ومن تعدى سبيلهم عامداً ضل، ومن تعداه مجتهداً زل. إذاً: أول العلم حفظ كتاب الله وتفهمه، وكل ما يعين على فهمه فواجب طلبه. ولا نقول إن حفظه كله فرض على كل الناس، ولكن نقول: إن ذلك واجب لازم على من أحب أن يكون عالماً. فمن حفظه قبل بلوغه ثم فرغ إلى ما يستعين به على فهمه من لسان العرب، كان ذلك له عوناً كبيراً على مراده منه ومن سنن رسول الله ﵌.

стр. 285

حكم نسيان القرآن الكريم تكلم العلماء في حكم نسيان القرآن الكريم: فعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة؛ إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت)، متفق عليه. فهذه إشارة إلى أهمية تعاهد القرآن بالمراجعة باستمرار، وقوله: (الإبل المعقلة)، أي: المربوطة بالعقال. قال ابن عبد البر في التمهيد: وقد جاء عنه ﷺ وعيد شديد فيمن حفظ القرآن ثم نسيه، كل ذلك حض منه على حفظه والقيام به. وعن سعد بن عبادة عن النبي ﷺ أنه قال: (من تعلم القرآن ثم نسيه لقي الله يوم القيامة وهو أجذم)، قال في التمهيد: معناه عندي: منقطع الحجة، والله تعالى أعلم. وهذا الحديث أحسبه ضعيفاً. وقال ابن عيينة في معنى حديث سعد بن عبادة هذا وما كان مثله: إن ذلك في ترك القرآن وترك العمل بما فيه، وإن النسيان أريد به ههنا الترك، نحو قوله: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية:٣٤]، قال: وليس من اشتهى حفظه وتفلت منه بناسٍ له، إذا كان يحل حلاله ويحرم حرامه، قال: ولو كان كذلك ما نسي النبي ﷺ منه شيئاً، وقد نسي، قال الله : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى:٦ - ٧]. والصحابة رضي الله تعالى عنهم -وهم الذين خوطبوا بهذا الخطاب- لم يكن منهم من يحفظ القرآن كله ويكمله على عهد رسول الله ﵌ إلا قليل منهم، منهم: أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد الأنصاري، وعبد الله بن مسعود، وكلهم كان يقف على معانيه ومعاني ما حفظ منه، ويعرف تأويله، ويحفظ أحكامه، وربما عرف العارف منهم أحكاماً من القرآن كثيرة وهو لم يحفظ سورها. قال حذيفة بن اليمان: (تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، وسيأتي قوم في آخر الزمان يتعلمون القرآن قبل الإيمان). فهنا إشارة إلى أن النسيان ليس المقصود به النسيان من حيث الذاكرة، ولكن المقصود به أساساً هجر تطبيق القرآن والعمل به. ولا خلاف بين العلماء أن تأويل قول الله : ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة:١٢١]، أي: يعملون به حق عمله، ويتبعونه حق اتباعه، قال عكرمة: ألم تسمع إلى قول الله : ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ [الشمس:٢]، يعني: تبعها، فتلا بمعنى تبع. فنفهم قوله : ((يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ)) بقوله في هذه الآية: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ [الشمس:٢]، يعني: اتبعها أو تبعها، فكذلك قوله: ((يَتْلُونَهُ))، يعني: يتبعونه ويطبقونه.
следующие страницы →