← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37002

سلسلة علو الهمة - المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (305 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

التحذير من علمنة الإسلام وتغيير مناهجه هناك خدعة يتعرض أبناء المسلمين لها وهي تعظيم أمر الدنيا على حساب تعظيم الآخرة وهمّ الدين، فتجد أن أعداء الدين يحاولون علمنة الإسلام! شق عليهم أن يواجهوا الإسلام صراحة في العصور السابقة، أما الآن فإنهم يواجهونه بصراحة، لكن من قبل مدة قريبة كانوا يموهون ويتحايلون، فيكثرون من الكلام عن الحضارة والتقدم والمدنية. تجدهم عندما يتكلمون عن مجد المسلمين يتكلمون عن الزخارف في الفن العربي، ومع ذلك لا يسمونه إسلامياً؟ لأن العلمانيين ليس عندهم شيء اسمه فن إسلامي، وإنما يسمونه عربياً، كذلك عندما يقولون: إن أول مكتشف للدورة الدموية هو فلان من العرب، وربما ذكروا ملاحدة الفلاسفة لمجرد أنهم عرب، فأصبحت قضية الإسلام تقدم في ثوب دنيوي لعلمنة الإسلام نفسه، وتسخيره خادماً لأفكار العلمانية التي تقتل في الناس هم الآخرة، وتجعل همهم هو الدنيا. والحضارة التي يقصدونها هي الدنيا، ولذلك تجد أغلب هؤلاء الذين ينتسبون إلى الإسلام يفتنون بالغرب وبالكفار، ما الذي يفتنهم؟ هل يفتنون بأخلاقهم الحسنة، قيامهم الليل، حفظهم القرآن، زهدهم في الدنيا، طلبهم الآخرة؟ لا، بل لا توجد في الغربيين أي فضيلة أخروية، وكل ما عندهم هو أمور الدنيا، وهذا الذي يتعاظمون به هو ناطحات السحاب، الغناء، الثروة، الجاه وغير ذلك من أعراض الدنيا، هذا فقط الذي يوجد عند القوم، لكن من ناحية الدين لاشك أنهم خراب ووبال. فلذلك ينبغي أن نتفطن، فهم دائماًَ يحاولون إبراز الإسلام على أنه دين الحضارة ودين العلم، ويقتصرون على ذكر إنجازات علماء المسلمين، وهذا بلا شك كان كائناً وواقعاً وكل الحضارة الغربية إنما أسست على العلوم الإسلامية التي كانت في الأندلس، لكن هذا انحراف عن القضية الأصلية، فالإسلام دين هداية وإرشاد إلى تعمير الآخرة، والنجاة من عذاب الله . فعملية علمنة الأهداف الإسلامية ينبغي أن نحذر منها، فنحن نقول: المولد النبوي بدعة، وليست من الدين في شيء، لكن انظر كيف يتكلمون في مناهج التطوير عن المولد النبوي، يقول بهاء الدين أو الذي سماه أبوه حسين كامل بهاء الدين، يقول: إن المولد النبوي فرصة عظيمة لأكل الحلوى وإقامة الزينات والأفراح. المولد النبوي عنده هو أن يأخذ الناس فيها إجازات ويأكلون فيه الحلوى ويقيمون الزينات، وهذا استخفاف بالعقول، إذا أردت أن تتكلم عن عظمة الرسول ﵊ فعظمته عندهم هي أكل الحلوى! هذا هو رسول الله محمد ﵊ خاتم النبيين وسيد الأولين والآخرين. لكن الناس ليس في قلوبهم حرارة المحبة والاحترام والغيرة على الإسلام، فالله حسيبهم.

стр. 37

نصوص من الكتاب والسنة تحذر من التطلع للدنيا وإيثارها على الآخرة يقول ﵎: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:٢٠٠]. وبين ﵎ أن الدار الآخرة هي الحياة الحقيقة، فقال : ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤] قوله: (الحيوان) المقصود به الحياة. ولذلك شنع على الذين يفضلون الدنيا على الآخرة ويشتغلون بها عنها، فقال : ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٦ - ١٧]. وقال أيضاً: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة:٢٠ - ٢١]. وقال : ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان:٢٧]. وقال أيضاً: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٣٧ - ٣٩]. وقال سبحانه: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام:٧٠]. وحذر سبحانه نبيه ﷺ من التطلع إلى زهرة الدنيا، فقال : ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١]. وقال سبحانه للمؤمنين: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩]. وعن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: (يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له: ألم أجعل لك سمعاً وبصراً ومالاً وولداً، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وتربع، أفكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ فيقول: لا، فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني) وهذا رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن خزيمة. وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (ما رأيت مثل النار نام هاربها، ولا مثل الجنة نام طالبها) يعني أن الذي يخاف من النار لا يمكن أن يهنأ بالنوم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلماً) رواه ابن ماجة وهو حديث حسن كسابقه. وقوله تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه:١٣١]. قال النسفي في تفسيره: ولقد شدد المتقون في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وعُدَد الفسقة في ملابسهم ومراكبهم. يعني: عندما نتكلم عن غض البصر فأغلبنا يفهم أن المقصود غض البصر عن المحرمات وعن النساء وعن العورات، لكن أيضاً هنا أمر بغض البصر، لكن بطريق النهي عن عكسه، وهو النهي عن مد العين إلى زهرة الحياة الدنيا، فهذا أمر بغض البصر عن زينة أصحاب الدنيا، لأنك إذا أطلقت بصرك إليها قد تؤثر في قلبك، وليس هذا فحسب، بل العلماء يوصون المسلم ألا يملأ عينيه من الظلمة والجبابرة والطواغيت وأعداء الدين والفنانين وهؤلاء الناس الذين يصدون عن سبيل الله؛ لأن هذا سيطبع أثراً في قلبك، كلما بعدت عينك عن النظر لهؤلاء الفسقة والمجرمين والفنانين والطواغيت كان أسلم لقلبك على الأقل؛ لأنك تخرج قلبك بذلك عن دائرة تأثيرهم. فهذه نصيحة عابرة حتى لا يحاول الإنسان أن يطلق بصره إلى الظالمين، سواء في مناظرهم المصطنعة التي فيها إظهار لتعظيمهم وتبجيلهم، وما عندهم من مضخمات الصوت في القاعات والأضواء والفلاشات وكل هذه الأشياء، بل التفت عن هذا: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه:١٣١ - ١٣٢]. ولذلك كان الواحد من السلف إذا قام أحد من الظلمة ليستعرض بالعساكر وبالحرس يغض بصره ويفزع إلى بيته، وأول ما يدخل البيت يقول: يا أهلاه صلوا صلوا؛ امتثالاً للآية: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [طه:١٣١] ثم قال بعدها مباشرة: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ [طه:١٣٢]. فكان يفعل ذلك. فالنصيحة أن يحفظ كل منا بصره عن النظر إلى صور الظالمين، سواء في الجرائد أو في التلفاز أو في غير ذلك. هذا أحد الإخوة حدثني قريباً أنه في أحد الأحياء هنا قريباً خرج واحد من هؤلاء الممثلين أو الفنانين وظهر بطلعته البهية، فتزاحم عليه النساء من الشرفات والرجال والباعة، وكل الناس أصبحوا يتهافتون حتى أحدثوا زحاماً شديداً في الشارع؛ كي يحظوا بإلقاء نظرة على هذا الشخص، فينبغي ألا تستخفنا هذه المظاهر الكاذبة؛ لأن إطلاق النظر في وجوه الظالمين والفسقة يؤثر في القلب، ألا ترى أم جريج العابد، لما أرادت أن تدعو على ابنها جريج دعت عليه بألا يموت حتى يرى وجوه الزانيات، فالنظر إلى وجوه المجرمات الفاسقات عقوبة. يقول الحسن: لا تنظروا إلى هملجة الفسقة، ولكن انظروا كيف يلوح ذل المعصية من تلك الرقاب. أي: لا تغرنكم المناظر والهيلمان، لكن انظروا كيف يلوح ذل المعصية من تلك الرقاب. ولذلك قال ﵊: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه) يعني: وما أحبه الله مما يجري في الدنيا. (وعالماً أو متعلماً). حسبنا أن هذه الدنيا وصفها رسول الله ﷺ بأنها باطل، وذلك بقوله ﵌ (أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل).

стр. 38

حال المؤمنين مع الدنيا عن أنس بن مالك ﵁ قال: (دخلت على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على سرير مرمل -أي: منسوج من السعف- وتحت رأسه وسادة من أدم -من جلد- حشوها ليف، فدخل عليه نفر من أصحابه ودخل عمر، فانحرف رسول الله ﷺ انحرافة -أي: تحرك- فلم ير عمر بين جنبه وبين الشريط ثوباً، وقد أثر الشريط بجنب رسول الله ﷺ ، فبكى عمر، فقال له النبي ﷺ : ما يبكيك يا عمر! قال: والله إلا أن أكون أعلم أنك أكرم على الله من كسرى وقيصر، وهما يعبثان في الدنيا فيما يعبثان فيه وأنت يا رسول الله بالمكان الذي أرى). يعني: أقبلت عليهما الدنيا حتى صارا يلعبان بأموالها ومتاعها لعباً، وأنت رسول الله وأكرم الخلق على الله لا تجد فراشاً يقي جسمك من أثر الحصير، فقال له النبي ﷺ : (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال: بلى، قال: فإنه كذلك) والحديث متفق عليه. وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في جهنم صبغة، ثم يقال له: يا ابن آدم! هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟)، يعني: الصبغة الواحدة تنسيه كل ما كان فيه من نعيم، مع أنه كان أنعم رجل من أهل الدنيا، (فيقول: لا والله يا رب! ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال له: يا ابن آدم! هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط)، رواه الإمام أحمد ومسلم وغيرهما.

стр. 39

عالي الهمة لا يكون معرضاً عن الهدى فكيف يكون عالي الهمة من أمكنه أن يكون في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فتقوم الملائكة في خدمته، وتدخل عليه من كل باب فتقول له: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤] فإذا به يتنكب طريق الإيمان، ويتمرغ في وحل الكفر والفسوق والعصيان، ويأبى إلا أن يكون حطباً للنيران، هل يمكن بعد ذلك أن نصف الكافر بأنه عالي الهمة، وهو يبذل نفسه وماله وولده في سبيل صد الناس عن سبيل الله؟ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٦٧]، وقال أيضاً: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل:٨٨]. وكيف يكون عالي الهمة من فطره الله على التوحيد، فأفسد فطرته، وآتاه نعمة العقل فعطلها، وبث له آيات توحيده ودلائل صدق رسوله ﷺ في الآفاق وفي نفسه، وأنزل الله كتابه المعجز، فأعرض عن ذلك كله ولم يرفع به رأساً، وجعل الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه؟ يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنطِقُونَ﴾ [النمل:٨٣ - ٨٥]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يبغض كل جعظري جواظ، صخاب بالأسواق، جيفة بالليل حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة) رواه ابن حبان في صحيحه. قوله: (إن الله يبغض)، أي: يكره. قوله: (كل جعظري) هو الفظ الغليظ المتكبر، وقيل: هو الذي يتشبع بما ليس عنده. قوله: (جواظ) هو الجموع المنوع، وقيل: الكثير اللحم والمختال في مشيته. قوله: (صخاب) السخب بالسين أو الصاد بمعنى واحد وهو الصياح، فالسخاب هو كثير الضجيج والخصام، وفي صفة المنافقين: (خشب بالليل سخب بالنهار)، يعني: إذا جن عليهم الليل سقطوا نياماً كأنهم خشب، وإذا أصبحوا تساخبوا وتصايحوا على الدنيا شحاً وحرصاً. قوله: (جيفة بالليل) يعني: هو كالجيفة؛ لأنه يعمل طول النهار كالحمار من أجل دنياه، وينام طول الليل كالجيفة التي لا تتحرك ولا يذكر الله. هذه كلها صفات السافل الهمة، سواء من فسقة المسلمين أو من الكفار أجمعين بلا استثناء. فما أشد انطباق هذا الحديث على هؤلاء الكفار الذين لا يهتمون بآخرتهم، مع علمهم بأمور دنياهم وفرحهم بما عندهم منها، كما قال تعالى فيهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]، وهذه الآية في الحقيقة تحتاج كلاماً كثيراً جداً؛ لأننا نقع الآن في مشكلة ونعاني عناءً شديداً بسبب هذا الأمر، وهو أننا لا نتعامل إلا مع ظاهر هذه العلوم الحديثة فقط كحال الكفار، ولا نحاول أن ننفذ إلى الأعماق وإلى المعاني التي وراءها؛ لأن هذه العلوم وهذه الاكتشافات ما هي إلا أمارات على التوحيد، كما يقول الشاعر: تأمل سطور الكائنات فإنها من الملأ الأعلى إليك رسائل وقد خط فيها لو تأملت خطها ألا كل شيء ما خلا الله باطل من الذي سن هذه السنن وأودعها في الكائنات؟ من الذي يحفظ علينا هذا البحر القريب من أن يغرقنا؟ من الذي ينزل لنا الماء من السماء كي نحيا؟ من الذي يأتينا بالسمع؟ ومن الذي يعطينا كذا وكذا من النعم؟ من الذي قام بحوله وقوته على توجيه أجسامنا وإجراء العمليات الوظيفية أو الحيوية التي تجري فيها ليل نهار ونحن ليس عندنا بها خبر؟ وما خفي من علم الله كان أعظم، ومع ذلك يرفض العلم الملحد الذي يتقاتل الناس عليه تعظيماً له أن نذكر اسم الله. لو أنك في بحث علمي استدللت بنص ديني لقالوا: هذه خرافات أو هذه شعوذة، أو إنك بهذا قد خرجت عن نطاق البحث العلمي، حتى إن الخبيث طه حسين انخدع بكلام هؤلاء الكفار، وقال في بعض المناسبات: فليحدثنا القرآن ما شاء عن إبراهيم وإسماعيل، ولتحدثنا التوراة ما شاءت عن إبراهيم وإسماعيل، لكن ورود هذين الاسمين في هذين الكتابين لا يكفي لإثبات حقيقتهما التاريخية! هذا كما علمه أسياده الفرنسيون. أيضاً في مناهج فصول التعليم حذفوا كل عبارة فيها ذكر الله، وهذا يعرفه الطلبة والمدرسون جيداً، فإذا قارنت النسخ القديمة والحديثة لاحظت ذلك، كان في النسخ القديمة: أن الله الخالق ، وغير ذلك مما فيه ذكر الله، أما الآن حذفت هذه العبارات بالمنقاش، ونزعوا كل ما فيه ذكر الله، حتى يخرجوا من أصلابنا أجيالاً ملحدة تكره الله وتكره الرسول وتنبذ دين الإسلام، فحتى مثل هذه العبارات نزعوها من المناهج، واستبدلوا ذكر الله بقولهم: الطبيعة أعطت الكائنات كذا وكذا، الطبيعة فعلت كذا وكذا، فالطبيعة ما هي الطبيعة؟ أهي خالقة أم مخلوقة؟ الطبيعة فعيلة بمعنى مفعول، من الذي طبعها؟ إنه الله ، إذا كانت الطبيعة صماء بكماء خرساء عمياء، فكيف تكون الطبيعة الجامدة هي التي أعطت هذه الحياة؟! فإن فاقد الشيء لا يعطيه، وهذا في الحقيقة جحود ونكران لله الذي هو خالق الوجود كله. فتجد هذا العلم يسمى علماً وهو في الحقيقة جهل، كما قال بعض الدعاة: كنا فيما مضى نعاني من جاهلية الجهل، والآن نحن نعيش تحت ظل جاهلية العلم، فتجد كل العلوم تفصل عن صانعها ، وتحصل الإشادة والتفخيم والتعظيم والتكريم للذين اكتشفوها، ما مقدار فضل من اكتشف بالنسبة إلى فضل من صنع. ولله المثل الأعلى لو أن مخترعاً اخترع آلة في غاية التعقيد ووضعها في صندوق وأقفل عليه بقفل مثلاً، ثم بعد ذلك استطاع رجل أن يفتح هذا القفل ويرى هذه الآلة، فإذا به يقول: إنها كذا ومركبة من كذا وتعمل بالطريقة الفلانية، ونستطيع أن نستفيد منها في كذا، هل يكون له الفضل وينسى ويجحد فضل الذي صنعها؟ نحن البشر الآن بهذه الصحة التي أعطانا الله ، كم من آلاف العمليات المعقدة تجري في جسمك وأنت لاه ساه غافل عنها، من الذي يجري هذه العمليات في جسمك سواء كنت في حالة النوم أو اليقظة أو الحركة أو السكون؟ من الذي يدق قلبك؟ من الذي يحفظ عليك بصرك؟ فكل حرف من حروف علوم الطب يشهد أن لا إله إلا الله، وكل شيء في علوم الفيزياء وعلوم البحار تسبح بحمد الله ، وهي في الحقيقة ما أودعها الله إلا كي تكون ترجمة لما أخبرنا به: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت:٥٣] كل هذه علامات توحيد تماماً كالقرآن الكريم ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥]. فالذي أودع هذه السنن والقوانين هو الذي خلق هذا الإنسان، فالإنسان الجاحد الجاهل يستر جهله تحت اسم العلم، وأصبح العلم أن تقطع صلة هذه الحقائق العظمى بالله ، وإذا جاء واحد وتكلم في موضوع الوسوسة مثلاً وقال: إن هذه الوسوسة تكون من الشيطان، قالوا له: هذه خزعبلات، وإذا أتى بنص ديني في بحث علمي قالوا: قد خرجت عن المنهج العلمي، فصار المنهج العلمي عندهم أن يتبرأ من الدين، ولا يذكر فيه الدين، الموضوع في الحقيقة موضوع مؤلم جداً، وهو ذو شجون، وموضوع حيوي في غاية الحيوية، إنه موضوع علمنة هذه العلوم التي هي أصلاً خادمة لقضية التوحيد، ومع ذلك تفصل تماماً عن التوحيد، ويستنكفون ويستكبرون عن أن يذكروا اسم الله في هذه العلوم. فهؤلاء الكفار وصفهم تعالى بهذا الوصف الذي نحن الآن نحرص على أن نتسابق عليه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]، وقال : ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم:٢٩ - ٣٠] هذا هو حجمهم، فهم يجتهدون في العلم لأمور دنياهم، وهم كالبهائم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]، فالحمار أو البقرة أو الجاموس إذا وقفت أمامه وتلوت عليه السبع المعلقات يسمعك لكن لا يفقه منها شيئاً، وهكذا الكفار، فآيات الله التي تنكشف في هذا العصر على أيديهم أضعاف أضعاف ما ينكشف للمسلمين؛ لتقدمهم في هذه العلوم، فيطلعون على آيات الله التي فيها ما يبهر العقول وينطقها بالتوحيد؛ ولكن لوجود الأقفال على قلوبهم لا يعون ما يرون من آيات الله . إذاً: قوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم:٢٩ - ٣٠]، أي: أنهم لو فقهوا أن هذه الدنيا تدل على الآخرة ولا تستحق أن يجردوا غرضهم لأجلها، لما اقتصروا على تعظيم علم الدنيا، لكنهم يجتهدون في العلم بأمور دنياهم، ويمعنون في تحصيلها، مع جهلهم التام بأشرف العلوم وهي علوم الآخرة، التي هي شرف لازم لا يزول دائم لا يمل، فجدير بمن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير أن يبغضه الله ويمقته لشقاوته. فالله كرمهم بنعمة العقل، وميزهم بها على العجماوات، فسخروها أعظم تسخير في كل شيء من أغراض الدنيا الخسيسة، كالتألق في الشهوات والمأكل والملبس والترفه، إلا الشيء الذي خلقوا من أجله وهو عبادة الله وحده لا شريك له، واتباع رسله عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. ولهذا

стр. 40

علو الهمة [٤] كبير الهمة لا يرضى بالهمم الحيوانية، فهو يبني مجده بنفسه، فلا يفخر بآبائه، ولا يتكل على أسلافه، بل يعمل مثل ما عملوا، ويحرص على أن ينافسهم في الخيرات، ويعلو عليهم في الدرجات، ولقد ضرب لنا سلفنا الصالح أروع الأمثلة في هذا الباب، فقد وقفت رسلهم على بسط كسرى وقيصر تخاطبهم بعزة المؤمنين حتى أخضعوهم للإسلام.

стр. 41

كبير الهمة لا يرضى بالهمم الحيوانية كبار الهمم فئة نادرة في الناس، وهم الذين تصلح بهم أمم وتحيا همم، فعالي الهمة لا يرضى بالدون، ولا يرضى بما دون الجنة؛ إذ إن الهمة لا تزال تترقى به حتى يطمح إلى أعلى مراتب الجنة، وهو الفردوس الأعلى من الجنة، وما ذلك إلا لأن الدنيا جيفة، وعالي الهمة لا يرضى بالجيف، كما أن الأسد لا يرضى بالجيفة. وقد ذكرنا أنه ليس في علو الهمة إفراط. ثم أجبنا عن السؤال لماذا لا يوصف الكافر بعلو الهمة؟! وقلنا: لأن الكافر يريد الدنيا، أو يريد الآخرة من غير طريق محمد ﷺ ، بحيث يئول به الأمر في النهاية إلى الخسار والبوار والخلود في النيران، فمن ثم لا يستحق كافر أبداً أن يشرف بوصف كبر الهمة. وحديثنا هنا -إن شاء الله تعالى- سيكون في بيان همة السلف الصالح الذين كانوا خير أمة أخرجت للناس، فقد استخفوا بأعراض الدنيا لأنهم فقهوا الحقائق، فكبير الهمة على الإطلاق لا يرضى بالهمم الحيوانية، ولا يكون عبداً لبطنه وفرجه، بل يجتهد في أن يتمسك بمكارم الشريعة، فيصير من أولياء الله وخلفائه في الدنيا ومن مجاوريه في الآخرة. وكبير الهمة صغرت الدنيا في عينيه، فيكون خارجاً عن سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، ويكون خارجاً عن سلطان فرجه، فلا يتعدى حدود الله. ولما فقه سلفنا عن الله أمره، وتدبروا حقيقة الدنيا ومصيرهم إلى الآخرة؛ استوحشوا من زخرفها، وتدبروا حقيقتها، فمالت قلوبهم عن زينتها، وارتفعت هممهم فوق سفاسفها، وجعلوا الهموم هماً واحداً، هو إرضاء الله ومجاورته في دار كرامته. إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا. وحرصوا على إزاحة كل ما قد يعوقهم عن المضي قدماً نحو غايتهم، فلم يستووا مع سائر الناس؛ لأنهم انشغلوا بمعالي الأمور وتنزهوا عن سفاسفها، فكان لهم معايير يختلفون فيها عن سائر الناس، مثال ذلك ما قاله الحافظ أبو الحسن علي بن أحمد الزيدي مخاطباً كبيري الهمة في أنهم ليسوا كالناس، وأن اشتغالهم بمعالي الأمور يجعل لهم معايير تخالف ما لسائر الناس من المعايير، فيقول ﵀: اجعلوا النوافل كالفرائض، والمعاصي كالكفر، والشهوات كالسم، ومخالطة الناس كالنار، والغذاء كالدواء. وقال عبد القادر الجيلاني لغلامه: يا غلام! لا يكن همك ما تأكل وما تشرب وما تلبس وما تنكح وما تسكن وما تجمع، كل هذا هم النفس والطبع، فأين هم القلب؟! همك ما أهمك، فليكن همك ربك وما عنده. ولما هم الإمام الجليل الليث بن سعد رحمه الله تعالى بفعل مفضول مباح لكنه ينافي العزيمة قال له إمام المدينة يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله تعالى: لا تفعل؛ فإنك إمام ينظر إليك. وقال الإمام المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى: وقال لي يوماً شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في شيء من المباح: هذا ينافي المراتب العالية، وإن لم يكن تركه شرطاً في النجاة. أو نحو هذا من الكلام. ورحل يحيى بن يحيى إلى الإمام مالك وهو صغير، وسمع منه وتفقه مع صغر سنه، وكان مالك يعجبه سمته وعقله. وروي عنه أنه كان يوماً عند مالك في جملة من أصحابه، إذ أتى رجل وصرخ فيهم فقال: حضر الفيل. فخرج أصحاب مالك لينظروا إليه؛ فإنهم لم يروه من قبل، فانصرفوا عن الدرس ما عدا هذا الصغير يحيى بن يحيى، فقال له مالك: لم لم تخرج فترى الفيل وهو لا يكون بالأندلس؟ يعني أنت من الأندلس، وليس فيها فيل، فلماذا لم تخرج مع أصحابك لتنظر إلى شكل الفيل؟! فقال له يحيى: إنما جئت من بلدي لأنظر إليك وأتعلم من هديك وعلمك، ولم أجئ لأنظر إلى الفيل. فأعجب به مالك، وسماه عاقل أهل الأندلس! فلا شك في أن مشاهدة حيوان غريب كالفيل لم يره الإنسان من قبل من المباح، لكن أمثال هؤلاء الناس الذين حلقت هممهم في طلب معالي الأمور يجدون وقتهم أضيق من أن يشتغلوا بشيء من المباح، خاصة إذا كان لا يجني المرء من ورائه شيئاً لقضيته التي تشغله ليل نهار. ولما فر عبد الرحمن الداخل من العباسيين وتوجه تلقاء الأندلس أهديت إليه جارية جميلة، فرمى إليها بصره وقال: إن هذه من القلب والعين بمكان، وإن أنا اشتغلت عنها بهمتي فيما أطلبه ظلمتها. يعني: همتي مشغولة في طلب معالي الأمور، فإن اشتغلت عنها بسبب همتي العالية فسوف أظلمها وأضيع حقها، وإن اشتغلت بها عما أطلبه ظلمت همتي، ولا حاجة لي بها الآن، وردها على صاحبها! فكبيرو الهمة ليسوا كسائر الناس في انشغالهم بفضول المباحات من الأكل أو الشراب أو المنكح أو الملبس أو غير ذلك؛ لأنهم يرون في ذلك نوعاً من الغفلة، ولذلك قال عمر ﵁: الراحة للرجال غفلة. وقال أمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج رحمه الله تعالى: لا تقعدوا فراغاً؛ فإن الموت يطلبكم. وسأل رجل ابن الجوزي: أيجوز أن أفسح لنفسي في مباح الملاهي؟ فقال: عند نفسك من الغفلة ما يكفيها.

стр. 42

أهمية علو الهمة في الطاعات في هذا الزمان ومما يؤسف له أننا في هذا الزمان ما زلنا نجد كثيراً من الناس حينما يجلس بعضهم إلى بعض فيرون علائم الجد على رجل من الرجال يقولون له: ساعة وساعة، فأعط نفسك حظها، وإن لبدنك عليك حقاً. فيستدلون بشطر من الحديث ويدعون حقوقاً أخرى. والحقيقة أن الناس في هذا الزمان لا يحتاجون إلى تذكيرهم بحقوق الدنيا؛ لأنه لا يوجد أحد منهم يقصر في أمر الدنيا، وكل الناس مشتغلون بعلم الدنيا وبمال الدنيا وبزخارف الدنيا، وقل من يشتغل بأمر الآخرة، فعند الناس من الغفلة ما يكفيهم، والناس الآن في حاجة إلى من يزهدهم في الدنيا ويرغبهم في الآخرة، وهذا الكلام للإمام ابن الجوزي، وكان في عصر كانت فتنة الدنيا فيه أخف بكثير مما نقاسيه الآن. فإن اعترض معترض على هذا المعنى فنأتيه بكلام الإمام الجليل ابن القيم رحمه الله تعالى، حيث يقول: لا بد من سمة الغفلة ورقاد الغفلة، ولكن كن خفيف النوم، ولا تتماد في الغفلة. فالمراد تقليل الراحة إلى أدنى ما يكفي الجسم، كل حسب صحته وطاقته، خاصة أن المؤمن في هذا الزمان أشد حاجة للانتباه ومعالجة قلبه مما كان عليه المسلمون في العصور الماضية؛ لأن المسلمين فيما مضى كانوا يجدون على الخير أعواناً، وكانوا يعيشون في محيط إسلامي تسوده الفضائل، ويسوده التواصي بالحق، وكانت الرذائل والمعاصي تجهد نفسها في التستر والتواري عن أعين العلماء وسيوف الأمراء. أما الآن فإن المدنية الحديثة جعلت كفر جميع مذاهب الكفار مسموعاً مبصراً، فجميع أنواع الكفر الآن تجوس خلال ديارنا، وتغزونا في عقر دارنا، وكل أنواع الملاهي والفساد والفسق والفجور تغزونا في عقر دارنا، ولا يكاد يخلو منها شبر من الأرض، فسهلت هذه المدنية الحديثة وصول هذه الضلالات كلها عبر الإذاعات والتلفزة والصحف، وجعلت إلقاءات جميع أجناس الشياطين قريبة من القلوب، وصار سهلاً جداً أن يتبع الإنسان كل أنواع الضلال وكل أنواع التمويه والإفساد، فقلبه يسمم ما بين وقت وآخر، ويكفي ما يحصل بصورة أو بأخرى من الطعن في شرائع الإسلام، كأن توصف قوانين الشرائع الإسلامية بأنها قوانين قاسية، أو صارمة، أو وحشية، والعياذ بالله، وما أكثر الملاحدة أصحاب دعوى حقوق الإنسان الذين يتكلمون بين وقت وآخر في الطعن في الإسلام من خلال استغلال الأحداث! كما حصل قبل فترة في إعدام أربعة من الأتراك هربوا المخدرات إلى السعودية، وإذا بنا نسمع أصحاب حقوق الإنسان يتصارخون، ويرون أن هذه قسوة، ومن خلال ذلك يطعنون في إقامة حدود الله ، ويزعمون أنها تنافي ما يزعمونه من مبادئ حقوق الإنسان التي ضيعت! في هذا الزمان إذا هلك داعية من الدعاة الواقفين على أبواب النار يدعون الناس إليها يمتدحونه بأنه ثبت على مبدئه إلى النهاية، مثل تلك المرأة التي وقفت حياتها على حرب الدعوة، وشتم الحجاب ووصفه بأنه كفن ككفن الموتى، وهي الآن -ولله الحمد- قد كفنت وتنقبت -رغم أنفها- بنقاب لا تخلعه إلى أن يأذن الله، فالعجب أنهم يمتدحون الذين وصفهم الرسول ﵊ بأنهم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها! فيمتدحون هؤلاء وينفخون فيهم كأنهم الأبطال، وكأنهم المجددون الذين يريدون الخير لهذه الأمة، فكل المعايير وكل القيم انقلبت بسبب الغزو الفكري وسهولة تسربه إلى قلوب المؤمنين، فلا شك في أنه ينبغي علينا أن نكون أعيناً منتبهة ومبصرة لما يأتينا من سهام الفتن التي تكاثرت علينا، وصدق القائل: تكاثرت الظباء على خراش فلا يدري خراش ما يصيد فهذه الوسائل كلها جعلت إلقاءات جميع إخوان الشياطين بكل أنواعهم قريبة من القلوب، وبذلك زاد احتمال تأثر المؤمن من حيث لا يريد ولا يشعر بهذا المسموع أو المنظور، فضلاً عن ارتفاع حكم الإسلام عن الأرض الإسلامية التي يعيش فيها، فوجب عليه شيء من المجاهدة والمراقبة لقلبه أكثر مما كان يجب على السلف الصالح؛ لأن البيئة حول السلف الصالح كانت كلها تؤزهم على الخير أزاً، والباطل منقمع ومهزوم ومنكسر، أما الآن فالحال لا يخفى علينا. وما أصدق تصوير إمام تركيا بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله تعالى حين بسط هذه الحقيقة وجلاها قائلاً: إن هذه المدنية السفيهة المصيرة للأرض كقرية واحدة يتعارف أهلها ويتناجون بالإثم وما لا يعني بالجرائد صباحاً ومساءً غلظ بسببها وتكاثف بملاذها حجاب الغفلة، بحيث لا يخرق إلا بصرف همة عظيمة. فالإنسان لا يستطيع أن يخرج من أسر هذا التأثير الإعلامي وتأثير السموم من كل مكان إلا بهمة عظيمة كالقوة التي يحتاج إليها الصاروخ كي يتحرر من جاذبية الأرض، فلا بد من قوة دافعة له أقوى من الجاذبية حتى يتحرر منها، ونحن كلما زاد الثقل علينا نحتاج إلى قوة دافعة أقوى كي نتحرر من هذه الضغوط، وليس ذلك إلا بقوة الإرادة أو الهمة كما بينا من قبل، يقول الشاعر: وانتبه من رقدة الـ ـغفلة فالعمر قليل واطرح سوف وحتى فهما داء دخيل

стр. 43

عزة المسلمين بإسلامهم إذا قارنا أحوالنا بأحوال السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم نجد الفرق شاسعاً والبون شاسعاً، فالإمام أحمد رحمه الله تعالى بذل كل ما في وسعه من أجل الدفاع عن الدين، ولم يرض بدون بذل الجهد الأقصى في سبيل نصرة الدين، لاسيما في زمن المحنة، يقول لابنه: يا بني! لقد أعطيت المجهود من نفسي. يعني: أتيت بأقصى ما أقدر عليه في سبيل التصدي للباطل والضلال. ومن قبله قال الصديق خليفة رسول الله ﵌ معبراً عن هذا المعنى أيضاً: والله ما نمت فحلمت، ولا توهمت فسهوت، وإني لعلى السبيل ما زلت. فانظر كيف يصور خليفة رسول الله ﵌ والصديق الأكبر حروب الردة والفتوح الإسلامية أنها شغلته حتى أنه ما كان يستغرق في نومه، فما كان يتمتع بنوم عميق حتى يحلم؛ لأن كل نومه كان نوماً من الدرجة اليسيرة دون أن يستغرق في نوم عميق؛ لأنه ما كان يتاح له أن ينعم بشيء من النوم حتى يحلم! فكبيرو الهمة التعب في حقهم لهو، فهو لهوهم الذي يحبونه ويشغفون به، فمتعتهم أن يضحوا وأن يبذلوا وأن يجاهدوا، يقول الشاعر: قلب يطل على أفكاره ويد تمضي الأمور ونفس لهوها التعب فالتعب والكدح والسهر والجهاد هو اللهو عند هؤلاء القوم! وفي تراثنا الإسلامي مواقف رائعة تخبر عن علو همة سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى، وتعلن عن نظرتهم العميقة إلى حقائق الأشياء وتساميهم على المظهرية الجوفاء وتَرَفُّعِهم عن سفاسف التطور الكاذب، واعتزازهم بانتمائهم إلى الدين الحنيف دين العزة والكرامة، فمن ذلك ما صح عن ابن شهاب قال: خرج عمر بن الخطاب إلى الشام فاستقبله أبو عبيدة بن الجراح، فأتى على مخاضة من الماء وعمر على الناقة، فنزل عنها وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين! أأنت تفعل هذا! تخلع نعليك وتضعهما على عاتقك وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة؟! لا يسرني أن أهل البلد استشرفوك. فخشي أن يراه البطارقة من سور بيت المقدس على هذه الهيئة، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أوه -وهي: اسم فعل مضارع بمعنى: أتوجع- لو قال ذا غيرك -يا أبا عبيدة - لجلعته نكالاً لأمة محمد ﷺ ، إنا كنا أذل قوم، فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزة بغيره أذلنا الله. فما أعظم هذه القاعدة التي هي سنة من سنن الله . وهذه المنطقة التي حصلت فيها تلك المقولة العمرية تسمى اليوم ظلماً وعدوناً منطقة الشرق الأوسط، فالغربيون قسموا بلاد غيرهم إلى شرق أوسط وأقصى وأدنى بالنسبة للإمبراطورية الإنجليزية التي لم تكن تغرب عنها الشمس، فهذه التسمية تسمية استعمارية تنسب إلى بريطانيا، فجعلوا بريطانيا هي الأساس، ونحن شرق أوسط وأبعد وأدنى بالنسبة إليهم، هذه المنطقة التي تمثل العالم الإسلامي كانت قبل الإسلام كما يقول عمر: إنا كنا أذل قوم. فما كان لهم أي شأن، وكانوا أحقر الأمم، وهذا يعكس تأثير البيئة، فإن البيئة في هذه المنطقة تدفع إلى الدعة والراحة والخمول والكسل والتأخر والتخلف، ومعلوم أن أعظم ما يؤثر على الإنسان هو البيئة، ولا يلغي تأثير البيئة ولا يصححه إلا العقيدة الدينية، فهذا هو الأصل في هذه المنطقة، كانوا أذل الأمم وأحقر الأمم، كانوا أميين جهلة، كانوا متخلفين محتقرين من كل الأمم، فآتاهم الله الإسلام وفيه شرفهم، كما قال الله: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء:١٠]، فأعزهم الله بالإسلام، وكانت آية من آيات الله التي تدل على صدق هذا الدين، وأنه دين الله حقاً، حيث أخرج هذه الأمة الجائعة الحافية العارية الجاهلة من الظلمات إلى النور، فصارت أرقى أمة وخير أمة أخرجت للناس، وأفضل أولياء الله على الإطلاق خرجوا من هذه الأمة العظيمة، وذلك بالإسلام فقط. فالإسلام هو الذي استطاع أن يلغي تأثير البيئة في هؤلاء العرب، وبه اعتزوا، والله يعاقب من كفر بنعمته، فإذا كان الإسلام هو سبب عزكم فهناك قانون وسنة من سنن الله لا تتبدل ولا تتحول، وهي أنكم متى ما كفرتم بنعمة الله التي هي نعمة الإسلام التي هي عزكم ومجدكم فستعودون لتأثير البيئة من جديد، وستكونون أحقر الأمم وأذل الأمم. فكل ما نعاينه اليوم من البلاء ومن العناء ومن التخلف ومن الذل ومن الهوان هو بسبب أننا طلبنا العزة من غير دين الله، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]. فما نحن عليه الآن هو الوضع الطبيعي؛ لأننا بدون الإسلام نرجع إلى تأثير هذه البيئة، وبالإسلام فقط نعتز ونرقى، ولذلك قال عمر: إنا كنا أذل قوم، فأعزنا الله بالإسلام، فمهما -ومهما أداة شرط، فكلما وجد الشرط وجد المشروط، وإذا فقد الشرط فقد المشروط-، قال: فمهما نطلب العز بغيره أذلنا الله. فهذه هي الحقيقة التي يحاول أعداء الدين أن يخفوها، ويحاولون أن يربطوا تخلفنا وتأخرنا بالإسلام، وكذبوا والله، فما أصابنا ما أصابنا إلا بسبب بعدنا عن الإسلام، فهذه هي الحقيقة التي يعرفها أعداء الإسلام جيداً، ولذلك هم حريصون أشد الحرص على أن يفصلوا بيننا وبين الإسلام، وأن يشوهوا صورة الإسلام، وأن ينفرونا من الإسلام، وأن يقضوا على اعتزازنا بالإسلام، وأن يفصلونا عن تاريخنا المجيد الذي به صرنا خير أمة أخرجت للناس. وفي الرواية الأخرى: قال له أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين! تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالك هذه! فقال عمر: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فلن نتبع العزة بغيره.

стр. 44

كسوة الأجساد وأثرها على بواطن النفوس دخل أعرابي رث الهيئة بالي العباءة على أمير المؤمنين معاوية رضي الله تعالى عنه، فاقتحمته عينه، فعرف الأعرابي ذلك في وجه معاوية ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين! إن العباءة لا تكلمك، ولكن يكلمك من فيها. فأدناه فإذا به مدره فصاحة في القول وبلاغة، فجعله من خاصته، والمدره: هو السيد الشريف المقدم عند الخصومة والقتال. والإمام شيخ الإسلام النووي رحمه الله تعالى كان إذا رآه الرائي ظنه شيخاً من فقراء سكان القرى، فلا يأبه له، ولا يخيل إليه أن هذا الشخص الذي يلبس هذه الملابس والذي يظهر بهذه الهيئة له أي قدر يذكر! فإذا سمعه يدرس أو يقرر أو يحدث فغر فاه وحملق بعينيه عجباً من هذه الأسمال أن تنكشف عن جوهر نفيس وعبقرية نادرة في العلم والزهد والتقوى! ولا عجب، فالتراب مكمن الذهب، ولكن الناس في كل زمان ومكان يغرهم حسن الهيئة وجمال الهندام، فإذا رأوا من هذه صفته وقروه وعظموه قبل أن يعرفوا ما وراء هذه البزة، وقد يكون فيها نخاع ضان وفكر بائس وقلب حائر. يقول الشاعر: ترون بلوغ المجد أن ثيابكم يلوح عليها فصلها وبصيصها وليس العلى دراعة ورداءها ولا جبة موشية وقميصها. ويقول المتنبي: لا يعجبن مضيماً حسن بزته وهل يروق دفيناً جودة الكفن فإذا كان حياً وهو في الحقيقة ميت فهل الثياب التي يتباهى بها تنفعه مهما لمعت؟! فما هي إلا كفن؛ لأن هذا إنسان ميت لا يعيش لله ولا للإسلام ولا لطاعة الله، إنما يعيش للدنيا، فهو والميت سواء. فإذا أعجب بما عليه من الملابس، وظن أن هذه هي قيمته فهو كالميت الذي يعجب الناس بالكفن الذي يغطيه وهو ميت! ويقول آخر: ليس الجمال بمئزر فاعلم وإن رديت بردا إن الجمال معادن ومناقب أورثن حمدا ورأينا العجب من صبر السلف على شظف العيش ومعاناة الفقر، إذ كانوا قد أحصروا في سبيل حفظ الدين، ووقفوا حياتهم على حراسة السنة، فهذا الإمام العلم إبراهيم بن إسحاق الحربي رحمه الله تعالى يقول: أفنيت عمري ثلاثين سنة برغيفين كل يوم، إن جاءتني بهما أمي أو أختي أكلت، وإلا بقيت جائعاً عطشاناً إلى الليلة الثانية! وكان أسهل شيء عليه أن يخرج لطلب الدنيا ويتجر ليغنى ويثرى، لكنه أراد أن يعز الدين، وأراد أن يتعلم الدين، وأحصر نفسه في سبيل إعزاز الدين وحماية السنة الشريفة، فمن أجل ذلك لم يتفرغ لطلب هذه الدنيا، يقول: وأفنيت ثلاثين سنة من عمري برغيف واحد في اليوم والليلة، إن جاءتني امرأتي أو إحدى بناتي به أكلته، وإلا بقيت جائعاً عطشاناً إلى الليلة الأخرى! ثم يقول الإمام الحربي رحمه الله تعالى: والآن آكل نصف رغيف وأربع عشرة تمرة، إن كان برنياً، أو نيفاً وعشرين إن كان دقلاً، ومرضت ابنتي فمضت امرأتي فأقامت عندها شهراً، فقام إفطاري في هذا الشهر بدرهم ودانقين ونصف، ودخلت الحمام واشتريت صابوناً بدانقين، فقامت نفقة شهر رمضان كله بدرهم وأربعة دوانق ونصف. وقال أبو القاسم بن بكير: سمعت إبراهيم الحربي يقول: ما كنا نعرف من هذه الأطبخة شيئاً، كنت أجيء من عشي إلى عشي وقد هيأت لي أمي باذنجانة مشوية أو لعقة بن -وهو شحم- أو باقة فجل. وقال أبو علي الخياط المعروف بالميت: كنت يوماً جالساً مع إبراهيم الحربي على باب داره، فلما أن أصبحنا قال لي: يا أبا علي! قم إلى شغلك، فإن عندي فجلة قد أكلت البارحة خضرها أقوم أتغدى بجزرتها! أكل الورق الأخضر في عشائه، وفي اليوم التالي يتغدى على الحذرة من الفجلة!

стр. 45

سبب انتصار المسلمين على الفرس والروم في زمن قصير لقد دهش المؤرخون للسرعة التي أقام بها المسلمون دولتهم، وانهارت بها أمامهم الإمبراطوريتان العظيمتان في ذلك الوقت، ولم يدرك الكثير منهم سر عظمة هذه الأمة الناشئة الذي يكمن في المدد الرباني لهؤلاء المجاهدين، والمدد الرباني لا يقتصر على المدد الإلهي بالملائكة ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال:١٢]، لكن أتاهم إمداد الله بمفاهيم وقيم ومقومات أهلتهم لقيادة البشرية، فالمسلمون الأوائل لما قادوا البشرية ما تم هذا الأمر بخبط عشواء أو فلتة، وإنما كان بمؤهلات وبمسوغات استحقوا بها إمامة البشرية، فهذه المقومات والمفاهيم والقيم والمؤهلات انتزعوا القيادة من قيم هابطة ومفاهيم متخلفة وعقائد فاسدة ومثل مهترئة، فقد كانت المواجهة صراعاً بين حضارتين مختلفتين كل الاختلاف في القيم والمفاهيم والمنطلقات، وكان من الطبيعي أن تسري سنة الله في خلقه ويمضي قانونه المحكم في أن البقاء للأصلح ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧]. فلنطالع الآن صوراً من هذه المواجهة بين الحضارتين، والتي حسمت نتيجة الصراع قبل المواجهة المسلحة لصالح حزب الله المصلحين، فمن يقارن بين الحضارة الإسلامية والقيم الإسلامية والدعوة الإسلامية وبين ما كان عليه الفرس أو الروم في ذلك الوقت يجد أن النتيجة محسومة مسبقاً، وأنها قطعاً في صالح المسلمين قبل أن يتم التصادم الحربي. وهذه النماذج نحن نحتاج إليها جداً في هذا الزمان في مواجهة الغرب الذي يمثل العدو الأول للإسلام، والغرب يدرك هذه الحقائق جيداً، ولكن للأسف أن المسلمين لا يقرءون ولا يلتفتون إلى هذه الأشياء، وهم يعرفون جيداً أن هذه الأمة لو مكنت أو تمكنت من إعادة تحكيم الإسلام من جديد، ولو نفخ فيها روح الإسلام من جديد لما وقفت أمامها قنابل نووية ولا هيدروجينية ولا صواريخ ولا شيء، إنهم يعرفون ذلك جيداً، ولذلك لما حددوا أن عدوهم الأول هو الإسلام لم يكن ذلك اعتباطاً، بل هو عن دراسة، وهم يدرسون تاريخنا بمنتهى العمق، ويعرفون طبيعة هذا الدين، ويعرفون أنه الدين الوحيد القادر على أن يحيي هذا الموات وأن ينفخ الروح من جديد في هذه الأمة، وهذا مجرب من قبل وحتى الآن. فمثلاً: المجاهدون الأفغان انتصروا على الروس بأشياء يسيرة جداً، وحالهم معروف لا يخفى على أحد، ومع ذلك استطاعوا أن يكونوا مسماراً قوياً في نعش الدب الأحمق، ولا نقول الآن الدب الأحمر، فقد ذهبت الحمرة وبقي الحمق، فهذا الدب الأحمق ذل واستصغر وهان وانهار وتحطم وصار أضحوكة للعالم وعبرة من العبر، ومزقهم الله شر ممزق على يد هؤلاء المجاهدين الضعاف، وما زالوا حتى اليوم -أيضاً- يمزقون على يد المسلمين في الشيشان رغم ضعفهم بالنسبة لهذا الدب الأحمق. وهكذا أيضاً بالنسبة للغرب، فهو يعرف جيداً أن الإسلام هو عدوه الأول؛ لأنه هو الوحيد القادر على أن يتحداه حضارياً، فأنت إذا قارنت بين أحكام الإسلام وأهداف الإسلام وغايات الإسلام ووسائل الإسلام ورسالة الإسلام وبين ما عليه الغرب فالمعادلة محسومة قطعاً، فالغرب يقيم حضارته على القيم الكاذبة التي يسمونها زوراً حقوق الإنسان، ومن خلالها يستعبدون الأمم، فأمريكا الآن تعيث في الأرض فساداً بهذه الشعارات الكاذبة، وهي -في الحقيقة- عدو الإنسان الأول، فالقيم التي عندهم هي تهديم الأسرة، وشيوع الفواحش، وتحلل الروابط الاجتماعية، والظلم والقهر والاستعباد الموجود في العالم الغربي، وهذا يعرفه جيداً من يعيش بينهم ومن يخبر عن أحوالهم، فالبديل الوحيد الذي يمكن أن يحل محل الغرب في قيادة البشرية بجدارة وتأهل وبمقومات حقيقية لا وهمية هو الإسلام، وهم يعرفون ذلك جيداً، وهذا هو سر محاولتهم الآن تطبيق مبدأ: (الوقاية خير من العلاج)، فيحاولون تجفيف منابع الإسلام، ويحاولون غسل مخ المسلمين، ويلهونهم حتى لا تبقى لهم قضية، وحتى لا يصلحوا لا للجهاد ولا للدفاع ولا أن يعيشوا لمبدأ، بل الذي يكون عندهم هو الأفلام والفنانون والرياضة والدش والتلفزيون واللهو والغناء، وغير ذلك من السفاهات حتى لا يبقى هناك قضية، فالذي ينظر إلى أحوال المسلمين اليوم هل سيعتبرهم الذين نزل فيهم القرآن؟! هل هؤلاء هم الذين بعث فيهم رسول الله ﵊؟! ما هذه الأحوال التي نرى عليها الشباب والبنات من الفسوق والعصيان؟! هل هؤلاء هم خير أمة أخرجت للناس؟! هل هؤلاء أحفاد أبي بكر وعمر وخالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي وغيرهم من المجاهدين والأبطال؟! إنهم يريدون أن يقطعوا صلتنا بهذا المدد، كي لا ندرك ذاتنا، وكي لا نعود لنهددهم بالخطر من جديد. وبالرغم مما نحن فيه من ضعف إلا أنك إذا قارنت بين الحضارتين فأي إنسان منصف سيحسم النتيجة قطعاً لصالح الإسلام قبل أن تحسم بأي وسيلة أخرى.

стр. 46

من أخبار فتح مصر في العصر الأول حسمت النتيجة للمسلمين لما قورن بين الحضارة الإسلامية وحضارة الفرس والروم، فلما غزا عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه بجيشه مصر وعليها المقوقس بعث إليه عمرو عشرة رجال منهم عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، وكان عبادة شديد السواد، وكانت الحادثة على حدود الإسكندرية. وقد تشرفت الإسكندرية بهؤلاء الصحابة الذين أخرجوا مصر من الظلمات إلى النور، فكم يفخر الإنسان ويفرح ويتهلل وجهه إذا استحضر أن عمرو بن العاص أتى إلى هذه المدينة التي هي الإسكندرية، وقد كانت العاصمة، وفيها سور عمرو بن العاص الذي في الشلالات، فهو السور الذي كان يحيط بمدينة الإسكندرية، فشرفت هذه البقعة من بلاد الله بهؤلاء الأطهار الأبرار الذين جاءوا ليخرجوا أهل مصر من الظلمات إلى النور، وكم نتحسر حينما نرى من يحملون أسماء المسلمين وكل همهم أن يمحوا تماماً أثر ما فعله عمرو بن العاص وصحبه الأبرار، وأن يعيدونا إلى ما كنا عليه قبل تشرف مصر بالفتح الإسلامي العظيم الذي يسمونه كذباً وزوراً وتزويراً وتضليلاً بالفتح العربي، وما كان فتحاً عربياً، وإنما كان فتحاً إسلامياً خالصاً لنشر دين الله في الآفاق. لما أتى هؤلاء الصحابة ﵃ إلى المقوقس، وكان عبادة شديد السواد، وقد أمره عمرو بأن يكون متكلم القوم، ولا يجيب الروم إلى شيء دعوه إليه إلا إلى إحدى الخصال الثلاث، فلما دخلت رسل المسلمين إلى المقوقس وعلى رأسهم عبادة هابه المقوقس، وخاف من منظره؛ لأن عبادة كان طويلاً قوياً شديد البأس، وكان شديد السواد، فصرخ المقوقس قائلاً: نحو عني هذا الأسود وقدموا غيره يكلمني. فقال الوفد جميعاً: إن هذا الأسود أفضلنا. انظر من البداية إلى الصراع بين الحضارتين، بين قيم وقيم، بين مثل ومثل، فقال الوفد جميعاً: إن هذا الأسود أفضلنا رأياً وعلماً، وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا، وإنا نرجع جميعاً إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا لما أمره، وأمرنا أن لا نخالف رأيه وقوله. فاستعجب واستغرب المقوقس مما قالوا، ثم قالوا له: إن الأسود والأبيض سواء عندنا، لا يفضل أحد أحداً إلا بفضله وعقله، وليس بلونه. ولا شك في أن المقوقس كان قد ساءه وجود عبادة بن الصامت ﵁ للونه الأسود، وظن أن اختيار عمرو له ليكون متكلم القوم إنما كان تصغيراً لمقام المقوقس وتحقيراً لشأنه، لكن لا يمكن أن يخطر هذا ببال عمرو بن العاص ولا بأحد من المسلمين رضي الله تعالى عنهم. فلما أجمع رسل المسلمين على أن المتحدث باسمهم جميعاً عبادة لم ير المقوقس بداً من محادثة عبادة ومفاوضته، فأومأ إليه أن يتكلم برفق حتى لا يزعجه، فقال عبادة لما رآه يخاف من منظره ومن شكله بهذه الصورة: إن فيمن خلفت من أصحابي ألف رجل أسود كلهم أشد سواداً مني، وإني ما أهاب مائة رجل من عدوي لو استقبلوني جميعاً، وكذلك أصحابي. فانظر إلى الحرب النفسية! وهذا كلام صدق وعن جدارة، وليست هذه الحرب كالحرب النفسية الكاذبة في هذا الزمان، فهو أراد أن يقذف في قلبه الرعب عندما رآه مرتعباً، فقال له هذه العبارات العظيمة: إن فيمن خلفت من أصحابي ألف رجل أسود كلهم أشد سواداً مني، وإني ما أهاب مائة رجل من عدوي لو استقبلوني جميعاً، وكذلك أصحابي، وذلك إنما رغبتنا وهمتنا في الجهاد في الله واتباع رضوانه، وليس غزونا عدونا ممن حارب الله لرغبة في دنيا ولا طلباً للاستكثار منها؛ لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يسد بها جوعه بليله ونهاره، وشملة يلتحفها؛ لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم، ورخاءها ليس برخاء، إنما النعيم والرخاء في الآخرة، وبذلك أمرنا الله وأمرنا به نبينا، وعهد إلينا أن لا تكون همة أحدنا من الدنيا إلا ما يمسك جوعته ويستر عورته، وتكون همته وشغله في طلب رضوانه وجهاد عدوه. فوقع هذا القول في نفس المقوقس وقعاً شديداً، وقال لأصحابه: هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل؟! إن هذا وأصحابه قد أخرجهم الله لخراب الأرض. ثم أقبل على عبادة وأراد أن يسلك معه طريقاً للإرهاب الملبس بقالب من النصح، فقال له: أيها الرجل الصالح! قد سمعت مقالتك وما ذكرت عنك وعن أصحابك، ولعمري ما بلغتم وما ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا لحبهم الدنيا ورغبتهم فيها، وقد توجه إلينا لقتالكم من جمع الروم ما لا يحصى عدده، قوم معروفون بالنجدة والشجاعة، لا يبالي أحدهم من لقي ولا من قاتل، وإننا لنعلم أنكم لن تقدروا عليهم ولن تطيقوهم لضعفكم وقلتكم، ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين دينارين، ولأميركم مائة دينار، ولخليفتكم ألف دينار، فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم قبل أن يغشاكم ما لا قوام لكم به. فنظر إليه عبادة بن الصامت ﵁ شامخاً، وخاطبه بصوت كله ثقة وإيمان قائلاً: يا هذا! لا يغرن نفسك ولا أصحابك ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم، وأنَّا لا نقوى عليهم، فلعمري ما كان هذا بالذي تخوفنا به، ولا بالذي يكسرنا عما نحن فيه، إن قتلنا عن آخرنا كان أمكن لنا في رضوانه وجنته، وما من شيء أقر لأعيننا ولا أحب إلينا من ذلك، وإن الله قال في كتابه: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩]، وما من رجل منا إلا وهو يدعو ربه صباح مساء أن يرزقه الشهادة، وأن لا يرده إلى بلده ولا إلى أرضه ولا إلى أهله وولده، فانظر الذي تريد فبينه لنا، فليس بيننا وبينكم خصلة نقبلها منك ولا نجيبك إليها إلا خصلة من ثلاث خصال، فاختر أيتها شئت، ولا تطمع نفسك في الباطل، بذلك أمرني الأمير، وبه أمره أمير المؤمنين، وهو عهد رسول الله ﷺ من قبل إلينا. وقد أراد المقوقس أن يجعله يقبل شيئاً مما عرض عليه فلم يقدر على شيء، بل وقع قوله على آذان صماء، ووقف عبادة يرد عليه بعد أن نفذ صبره بقامته الشامخة، وأخذ يرفع يديه إلى السماء ويقول له: لا ورب هذه السماء ورب هذه الأرض ورب كل شيء ما لكم عندنا من خصلة غيرها، فاختاروا لأنفسكم. عند ذلك اجتمع المقوقس بأصحابه فقالوا: أما الأمر الأول -وهو الدخول في الإسلام- فلا نجيب إليه أبداً، فلا نترك دين المسيح إلى دين لا نعرفه. وبذلك رفضوا الإسلام، فلم يبق أمامهم إلا الجزية أو الحرب، فقالوا: إنا إذا أذعنا للمسلمين ودفعنا الجزية لم نعد أن نكون عبيداً، وللموت خير من هذا. قالو هذا مع أنهم سيكونون آمنين على أنفسهم وأموالهم وذراريهم، مسلطين في بلادهم على ما في أيديهم وما يتوارثونه فيما بينهم، وتحفظ لهم كنائسهم، ولا يتعرض لهم أحد في أمور دينهم، فقال المقوقس لمن حوله: أجيبوني وأطيعوا القوم إلى خصلة من هذه الخصال الثلاث، فوالله ما لكم بهم طاقة، وإن لم تجيبوا إليها طائعين لتجيبنهم إلى ما هو أعظم منها كارهين. وهكذا سار هؤلاء الربانيون بمفتاح الجنة (لا إله إلا الله) يفتحون مشارق الأرض ومغاربها، ولا يستعصي عليهم منها قطر، فالحصون تفتح، والقلوب تفتح، والقيم الصحيحة تَسُودُ، والموازين تصحح.

стр. 47

من أخبار فتح فارس وهناك صورة أخرى تجلت فيها أصالة التربية المحمدية لخير أمة أخرجت للناس عندما كانت تشغل الدنيا في اهتمامهم القدر الضئيل الذي تستحقه، أما الآخرة التي هي الهم الأكبر عندهم فهي الغاية العظمى والحياة الحقيقية الخالدة. جاء سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه حتى نزل القادسية، والمسلمون الذين معه نحو سبعة آلاف، والفرس يبلغون ثلاثين ألفاً أو نحواً من ذلك، وكانت نبال المسلمين وعدتهم موضع سخرية أهل فارس، وجعلوا يشبهونها بالمغازل فيقولون: دوك دوك. وهي كلمة بالفارسية تعني المغزل، فكانوا يسخرون من الأقواس ويشبهونها بالمغزل الذي يغزل به القطن، وقالوا هذا تعبيراً عن ازدرائهم للمسلمين واحتقارهم إياهم، وكأنهم يقولون لهم: لا يد لكم ولا قوة ولا سلاح، فما جاء بكم؟! ارجعوا. فلما أدخل رسل المسلمين على كسرى يزدجرد جعل أهل فارس يسوءهم ما يرون من حالهم وحال خيلهم، فلما دخلوا على يزدجرد أمرهم بالجلوس، وكان سيء الأدب، فكان أول شيء دار بينه وبينهم أن أمر الترجمان أن يسألهم عما يسمون تلك الأغطية التي يلبسونها، وهذا من سوء أدبه، حيث لم يبدأ في الحوار مع هؤلاء المرسلين في القضية التي أرسلوا من أجلها، ولكن أراد أن يسخر من رداءة ثيابهم، فهذه هي القيم الفارسية والموازين التي يزنون بها الناس، فكان الصحابة ﵃ كلما سأل واحداً منهم يجيبه جواباً يجعله يتطير من الجواب، وهذا من الحرب النفسية، فلما عرض النعمان بن مقرن دعوة الإسلام على كسرى قال كسرى: إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عدداً ولا أسوأ ذات بين منكم، وقد كنا نوكل عليكم القرى فيكفوننا إياكم، لا تغزون فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم، فإن كان عددكم زاد وكثر فلا تغتروا، وإن كان الجهد -أي: الفقر- دعاكم صرفنا لكم قوتاً إلى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم، وكسوناكم، وملكنا عليكم ملكاً يرفق بكم. فأسكت القوم، فقام المغيرة بن زرارة الأسيدي فقال: أيها الملك! إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالماً، فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالاً منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات فنرى ذلك طعامنا، وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم، ديننا في الجاهلية أن يقتل بعضنا بعضاً، ويغير بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليقتل ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامه، فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك، فبعث الله إلينا رجلاً ﷺ نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته أعظم بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، وكان خيرنا في الحال التي كنا فيها، وأصدقنا وأحلمنا، فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد أول من ترب كان له. والإشارة هنا إلى الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه، والترب قرينك في السن، قال: فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد أول من ترب كان له، وكان الخليفة بعده، فآمن وكفرنا، وصدق وكذبنا، وزاد ونقصنا، فلم يقل شيئاً إلا كان، فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه، فصار بيننا وبين رب العالمين، فما قال فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمر الله، فقال لنا: إن ربكم يقول: إنني أنا الله وحدي لا شريك له، كنت ولم يكن شيء، فإن رحمتي أدركتكم فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التي بها أنجيكم من عذابي، ولأحلكم داري دار السلام، فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق، وقال: من تابعكم على هذا فله ما لكم وعليه ما عليكم، ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية، ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه، فأنا الحكم بينكم، فمن قُتل منكم أدخلته جنتي، ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه، فاختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف، أو تسلم فتنجي نفسك. فقال: أتستقبلني بمثل هذا؟! فقال: ما استقبلت إلا من كلمني، ولو كلمني غيرك لم أستقبلك به. فقال: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شيء لكم. وقال: ائتوني بوقر من التراب، واحملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن، وارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليكم رستم حتى يدفنكم في خندق القادسية وينكل بكم، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم من سابور. فتقدم عاصم بن عمرو واحتمل وقر التراب واعتبره فألاً حسناً على الظفر بأرضهم، وأن الله سوف يظفرهم بأرضهم، وقد تطير من ذلك رستم، وجعله علامة على أن الله سلبهم أرضهم وأبناءهم للمسلمين، ثم إن كسرى بعث أهل فارس بعددهم وعُدَدِهم وعلى رأسهم رستم، حتى إذا نزل رستم بالعقيق على منقطع معسكر المسلمين راسل رستم زهرة فخرج إليه حتى وافقه، فأراد أن يصالحه ويجعل له جعلاً على أن ينصرفوا عنه، وجعل يقول: أنتم جيراننا، وقد كانت طائفة منكم في سلطاننا. فقال له زهرة: صدقت، قد كان ما تذكر، وليس أمرنا أمر أولئك ولا طلبتنا، إنا لم نأتكم لطلب الدنيا، إنما طلبتنا وهمتنا الآخرة، كنا كما ذكرت يدين لكم من ورد عليكم منا، ويضرع إليكم ويطلب ما في أيديكم، ثم بعث الله ﵎ إلينا رسولاً فدعانا إلى ربه فأجبناه، فقال لنبيه ﷺ : إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني، فأنا منتقم بهم منهم، وأجعل لهم الغلبة ما داموا يقرون به، وهو دين الحق لا يرغب عنه أحد إلا ذل، ولا يعتصم به أحد إلا عز. فقال له رستم: وما هو؟ قال: أما عموده الذي لا يصلح منه شيء إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله تعالى، فقال: ما أحسن هذا! وأي شيء أيضاً؟ قال: وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى. قال: حسن، وأي شيء أيضاً؟ قال: والناس بنو آدم وحواء إخوة لأب وأم. قال: ما أحسن هذا! ثم قال رستم: أرأيت لو أني رضيت بهذا الأمر وعاهدتكم عليه ومعي قومي كيف يكون أمركم؟ أترجعون؟ يعني: لو دخلنا في الإسلام هل تتركوننا وتعودون؟ فقال: إي والله، ثم لا نقرب بلادكم أبداً إلا في تجارة أو حاجة. قال: صدقتني والله، أما إن أهل فارس منذ ولي أردشير لم يدعوا أحداً يخرج من عمله من السفلة وهم الأسافل، كانوا يقولون: إذا خرجوا من أعمالهم تعدوا طورهم وعادَوا أشرافهم. يعني أن الطبقة السفلى من المجتمع لا يمكن أن يتساووا مع النبلاء والملوك والأمراء؛ لأنهم إذا خرجوا من أعمالهم تعدوا طورهم وعادَوا أشرافهم، فكأنه يريد ميزة يمتاز بها على هؤلاء الضعفاء، فأجابه زهرة فقال: نحن خير الناس للناس، فلا نستطيع أن نكون كما تقولون، فنحن نطيع الله في السفلة ولا يضرنا من عصا الله فينا. فانصرف عنه، وطلب رستم مندوباً آخر، ثم إن سعداً أرسل ربعي بن عامر ﵁، فدخل على رستم وقد زينوا مجلسه بالنمارق والزرابي من الحرير، وأظهر اللآلئ الثمينة العظيمة، وأراد أن يهزمه بهذه المظاهر، وكان عليه تاج، وأظهر غير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب. ودخل ربعي بثياب مشققة، وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، فـ ربعي يريد أن يعلمه أن كل هذه المظاهر لا تساوي عندهم شيئاً، بل حقرها بالفعل، وذلك أنه نزل عن فرسه وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه، فقالوا له: ضع سلاحك. فقال: إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت فقال رستم: ائذنوا له. فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فمزق عامتها بالرمح، فقال له: ما جاء بكم؟ فانظر إلى جواب رجل من جنود المسلمين، وانظر إلى فقهه لغايته من الحياة، وفهمه للرسالة التي يعيش من أجلها، وقارن بين شباب المسلمين اليوم لترى لأي شيء يعيشون، وما هدفهم وغايتهم. فقال له: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى ذلك قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود الله. قال: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي. فقال رستم لرؤساء أهل فارس: ما ترون؟! هل رأيتم كلاماً قط أوضح ولا أعز من كلام هذا الرجل؟! فقالوا: معاذ الله لك أن تميل إلى شيء من هذا وتدع دينك لهذا الكل، أما ترى إلى ثيابه؟! فقال: ويحكم! لا تنظروا إلى الثياب ولكن انظروا إلى الرأي والكلام والسيرة. وأقبلوا يسخرون من سلاحه ومن ملابسه ومن هيئته، فأبى الفرس دعوة الحق، واختاروا المنازلة، فنصر الله المسلمين وهزموا فارس وسبوهم. وكان يزدجرد ملك الفرس قد أرسل يستنجد بملك الصين، ووصف له المسلمين ودعوتهم وما هم عليه، فأجابه ملك الصين: إنه يمكنني أن أبعث لك جيشاً أوله في منابت الزيتون -يعني: في الشام- وآخره في الصين، ولكن إن كان هؤلاء القوم كما تقول فإنه لا يقوم لهم أهل الأرض، فأرى لك أن تصالحهم وتعيش في ظلهم وظل عدلهم. فهذه نماذج تدل على موقع الدنيا في قلوب الرعيل الأول، ولو استطردنا لوجدنا عشرات الصور في التاريخ الإسلامي تعكس هذا المعنى.

стр. 48

كبير الهمة عصامي لا عظامي من خصائص عالي الهمة كونه عصامياً لا عظامياً. والعصامي: هو من ساد بشرف نفسه، وهو الذي يبني مجده بنفسه، وفي مقابله العظامي، وهو من ساد بشرف آبائه، فهو يفخر بآبائه الذين صاروا عظاماً، فلذلك ينسب إليهم ويقال له: عظامي. أما العصامي فهو الذي يسود بنفسه، نسبة إلى عصام بن شهبر حاجب النعمان بن المنذر الذي قال له النابغة الذبياني حين حرمه من عيادة النعمان في قصيدة له: فإني لا ألومك في دخولي ولكن ما وراءك يا عصام وعصام هذا هو الذي قال فيه النابغة: نفس عصام سودت عصاماً وعلمته الكر والإقداما فصيرته ملكاً هماماً أي: بعد ما كان عبداً صار ملكاً بجهده وكفاحه وجده. ولذلك صار الشخص الذي يسود بشرفه وبجهده يسمي عصامياً، نسبة إلى عصام. فقوله: (نفس عصام سودت عصاماً) أي: صارت نفسه مثلاً يضرب في نباهة الرجل من غير إرث قديم، والعصامي تسميه العرب اسماً آخر، حيث تسميه الخارجي، وهو الذي خرج بنفسه من غير أولية كانت له، أي: لم يسبقه أحد من آبائه وأجداده ومن سبقوه من قبيلته إلى هذه النباهة وهذا الذكر وهذا المجد، فخرج من قومه فذاً منفرداً لم يسبق وليس له أولية، فيسمى خارجياً، ولذلك يقول كثير: أبا مروان لست بخارجي وليس قديم مجدك بانتحال فكبير الهمة عصامي يبني مجده بشرف نفسه، لا اتكالاً على حسبه ونسبه، ولا يضيره أن لا يكون ذا نسب، فحسبه همته شرفاً ونسباً. قال عامر بن طفيل العامري: وإني وإن كنت ابن سيد عامر وفارسها المشهور في كل موكب فما سودتني عامر عن وراثة أبى الله أن أسمو بجد ولا أب ولكنني أحمي حماها وأتقي أذاها وأرمي من رماها بمنكبي فهو يعتز بأنه شرف بنفسه مع أن آباءه وأجداده عظام، لكنه لم يتكل على نسبه، وإنما شرف بنفسه وبذاته، فله قيمته وتأثيره. وقال الأبيوردي مبيناً أنه لم يقنع بنسب آبائه وأجداده، وإنما جمع إلى مجدهم الموروث مجداً اكتسبه بعلو همته: فشيدت مجداً رسا أصله أمت إليه بأم وأب فجمع إلى المجد السابق مجداً أثبته بنفسه. ويقول المتنبي: ولست أبالي بعد إدراك العلى أكان تراثاً ما تناولت أم كسبا ويقول معن بن أوس: ورثنا المجد عن آباء صدق أسأنا في ديارهم الصنيعا إذا المجد القديم توارثته بناة السوء أوشك أن يضيعا ولا يعني ذلك أن الإنسان إذا كان ذا نسب شريف أنه لا قيمة له، بل الأمر بالعكس، فإذا جمع الإنسان إلى النسب الشريف العمل الصالح فنعما هو، وآية ذلك أن من أعظم مناقب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى كونه قرشياً، ومن وجوه تفضيل المذهب الشافعي على غيره أنه ابن عم النبي ﷺ ، فلا بأس إذا اجتمع الدين مع الحسب، وهذه أكمل الحالات، كما افتخر الأبيوردي في قوله: فشيدت مجداً رسا أصله أمت إليه بأم وأب فأكمل ما يكون أن ينضم المجد المكتسب إلى المجد الموروث، وأن تنظم العصامية إلى العظامية. وقد وقف عند الحجاج رجل كانت له إليه حاجة، فقال في نفسه: لأختبرنه؛ فإن الناس يصفونه بأنه جاهل. فقال له أول ما دخل عليه: أعصامي أنت أم عظامي؟ ويقصد الحجاج: أشرفت بنفسك أم تفتخر بآبائك الذين صاروا عظاماً؟ فقال الرجل: أنا عصامي وعظامي. فقال الحجاج: هذا أفضل الناس. وقضى حاجته وزاده، ومكث عنده، وبعد أن عرفه عن قرب وجده أجهل الناس، فقال له: تصدقني وإلا قتلتك. قال له: قل ما بدا لك وأصدقك. قال: كيف أجبتني بما أجبت لما سألتك: أعصامي أنت أم عظامي؟ فإنه أتى بجواب في غاية البلاغة والفصاحة حيث قال: أنا عصامي وعظامي. فقال له الرجل: والله لم أعلم أعصامي خير أم عظامي، فخشيت أن أقول أحدهما فأخطئ، فقلت: أقول كليهما، فإن ضرني أحدهما نفعني الآخر. والحجاج ظن أنه يقول: أنا أفتخر بفضلي وبآبائي لشرفهم، فقال الحجاج عند ذلك عبارة صارت مثلاً يضرب: المقادير تجعل العيي خطيباً. وقال عبد الله بن معاوية في هذا المعنى: لسنا وإن كرمت أوائلنا يوماً على الأحساب نتكل نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثل ما فعلوا فكبير الهمة لا يضيره أن لا يكون ذا نسب، بل لا يضيره أن يكون ذا نسب وضيع، وهذه من أعظم محاسن الإسلام، وإذا فتشت في أكابر علماء المسلمين تجدهم من العبيد والموالي والأعاجم، فأغلب الأئمة والمحدثين والمشاهير هم من الأعاجم الذين لم يكونوا عرباً. فلا يضير كبير الهمة أن لا يمت بآصرة اللحم والدم إلى قوم كرام، فإنه بعلو همته سوف ينتسب إلى الكرام، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: كل كرم دونه لؤم فاللؤم به أولى، وكل لؤم دونه كرم فالكرم به أولى. ومعنى هذا أن أولى الأمور بالإنسان خصال نفسه، فإن كان كريماً وآباؤه لئاماً لم يضره ذلك، وإن كان لئيماً وآباؤه كراماً لم ينفعه ذلك. يقول الشاعر: واه لحر واسع قدره وهمه ما سر أهل الصلاح سوده إصلاحه سره وردعه أهواءه والطماح ويقصد بالطماح الارتفاع والتطلع للمعالي. وتكلم رجل عند عبد الملك بن مروان بكلام ذهب فيه كل مذهب، فأعجب عبد الملك ما سمع من كلامه، فقال له: ابن من أنت؟ فقال: أنا ابن نفسي يا أمير المؤمنين التي بها توصلت إليك. قال: صدقت. فأخذ الشاعر بهذا المعنى فقال: مالي عقلي وهمتي حسبي ما أنا مولى ولا أنا عربي إذا انتمى منتم إلى أحد فإنني منتم إلى أدبي وكبير الهمة ليس عظامياً يفتخر بالآباء والأجداد الذين صاروا عظاماً ورفاتاً، وإنما يفخر بنفسه. يقول آخر: كن ابن من شئت واكتسب أدباً يغنيك محموده عن النسب إن الفتى من يقول ها أنا ذا ليس الفتى من يقول كان أبي ويقول المتنبي: لا بقومي شرفت بل شرفوا بي وبنفسي فخرت لا بجدودي. ويقول آخر: كم سيد بطل آباؤه نجب كانوا رءوساً فأمسى بعدهم ذنبا ومقرف خامل الآباء ذي أدب نال المعالي والآداب والرتبا والمتنبي من أعظم الشخصيات في التاريخ الإسلامي همة، وهو القائل: وآنف من أخي لأبي وأمي إذا ما لم أجده من الكرام ولست بقانع من كل فضل بأن أعزى إلى جد همام يعني: لا يكفيني أن أنتمي في باب المكارم إلى جد همام، ولكن أبني هذا المجد بنفسي.

стр. 49

حرمة التفاخر بالأحساب على وجه الاستكبار تواردت نصوص الشريعة المطهرة على التنفير من التفاخر بالأحساب إذا كان على وجه الاستكبار والاستحقار، وبذلك نطقت الأخبار، فقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]. وفي الآية إشارة إلى وجه رد التفاخر بالنسب، حيث أفادت أن شرف النسب غير مكتسب، فشرف النسب لا يدخل في كسب الإنسان، يقول تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، فالنسب ليس مكتسباً، ولا فرق بين النسيب وغيره من جهة المادة: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات:١٣]، وآدم خلق من تراب، كما بين النبي ﷺ . فلا فرق بين النسيب وغيره من جهة المادة لاتحاد ما خلقا منه، ولا من جهة الفاعل؛ لأن الفاعل الخالق هو الله تعالى وحده، فليس للنسب شرف يعول عليه، فالمدار عند الله على التقوى، ولا أحد أكرم من أحد عنده سبحانه إلا بالتقوى، قال الله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. وبالتقوى تكمل النفس، وتتفاضل الأعمال، وقد رتب تعالى الجزاء على الأعمال لا على الأنساب، كما قال : ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]، وقال ﷺ : (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، ومعناه أن العمل هو الذي يبلغ بالعبد درجات الآخرة. قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: يأمر الله بالصراط فيضرب على جهنم، فيمر الناس على قدر أعمالهم زمراً زمراً -ولم يقل: على قدر أنسابهم. وإنما قال: على قدر أعمالهم- أوائلهم كلمح البصر، ثم كمر الريح، ثم كمر السيل، ثم كمر البهائم، حتى يمر الرجل سعياً، وحتى يمر الرجل مشياً، حتى يمر آخرهم يتلبط على بطنه، فيقول: يا رب! لم بطأت بي؟! فيقول: إني لم أبطأ بك، إنما بطأ بك عملك. وها هو ﵌ يحرض أهل بيته وعشيرته الأقربين على لزوم التقوى، ويحذرهم من الاتكال على نسبهم إلى رسول الله ﷺ الذي هو أشرف أنساب العالمين، فتقصر خطاهم عن اللحوق بالسابقين من المتقين كي يجتمع لهم الشرفان شرف التقوى وشرف النسب، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد مناف! اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد! سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً) متفق عليه. وفي حديث في غير الصحيحين: (إن أوليائي منكم المتقون، لا يأتي الناس بأعمال وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم فتقولون: يا محمد! فأقول: قد بلغت). وفي الصحيحين عن عمرو بن العاص ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، وإنما وليي الله وصالح المؤمنين) يشير إلى أن ولايته لا تنال بالنسب وإن قرب، فإنما تنال بالإيمان والعمل الصالح، فمن كان أكمل إيماناً وعملاً فهو أعظم ولاية له، سواء أكان له منه نسب قريب أم لم يكن، ولذلك فإن الصحيح في تعريف آل محمد ﵊ أنهم أتباعه على الراجح. فالاتكال على النسب وترك النفس وهواها من ضعف الرأي وقلة العقل، ويكفي في هذا قوله تعالى لنوح -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- في شأن ابنه: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦] وقد كان من صلبه قطعاً، ومعنى قوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦] أي: ليس من المؤمنين. وكان إيمان سلمان الفارسي له نسباً، حتى روي في حقه حديث: (سلمان منا أهل البيت)، ونوح لم يكن بينه وبين ابنه الذي من صلبه رحم، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦]؛ لأنه ليس من المتقين، قال بعضهم: عليك بتقوى الله في كل حالة ولا تترك التقوى اتكالاً على النسب فقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الكفر النسيب أبا لهب قيل لـ شريح: من أنت؟ قال: ممن أنعم الله عليه بالإسلام، وعدادي في كندة. وقال ثابت البناني: قال أبو عبيدة: يا أيها الناس! إني امرؤ من قريش، وما منكم من أحمر ولا أسود يفضلني بتقوى إلا وددت أني في مسلاخه. يعني: أن أكون داخل جلده ما دام تقياً. وروي أنه قيل لـ سلمان الفارسي: انتسب يا سلمان. فقال ﵁: ما أعرف لي أباً في الإسلام، ولكني سلمان ابن الإسلام، ولله در القائل: بعيد القوم ينصر مدعيه ليلحقه بذي الحسب الصميم أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم وبينما يقول خسيس الهمة المفتون بعشق امرأة: فلا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي رأينا كبير الهمة يتشرف بنسبته إلى الله فيقول: فلا تدعني إلا بيا عبده فإنه أشرف أسمائي. وما أحسن من قال شعراً: ومما زادني شرفاً وتيها وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبياً ويقول آخر: كفى بك عزاً أنك له عبد وكفى بك فخراً أنه لك رب ويقول آخر: إذا عز لغير الله يوماً معشر هانوا. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية -أي: تفاخرها بالآباء- الناس بنو آدم، وآدم من تراب، مؤمن تقي وفاجر شقي، لينتهين أقوام يفتخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم) مثلما يُفتَخَر الآن بأخبث خلق الله من الفراعنة لعنهم الله، يفتخر بهم في عبادة الأحجار والملوك والأصنام والشرك والسحر ونحو هذه الضلالات! فبئس النسب، فالله شرفنا بالإسلام، فكيف نفتخر بانتمائنا إلى أخس خلق الله وأذل خلق الله، الذين عبدوا ملوكهم وأشركوا بربهم ؟! كيف نكفر بنعمة الله علينا بالإسلام ونفخر بالانتساب إلى الفراعنة؟! وبعضهم يقول: الجيل الجديد ما عنده انتماء! فأي انتماء يقصده؟! إنه انتماء لـ خوفو وخفرع ومنقرع! انتماء إلى عبدة الملوك والمشركين والوثنيين! فالله المستعان! يقول ﵊: (لينتهين أقوام يفتخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها) والجعلان: جمع جعل، وهي دويبة أرضية مثل الخنافس تدفع النتن -وفي لفظ آخر: الخرأة- بأنفها، فالذين يفخرون بأي رابطة غير رابطة الإسلام ينطبق عليهم هذا الوعيد، وهو أن الله يجعلهم أحقر وأذل وأهون من الجعلان التي تدفع النتن والنجس بأنفها. وعن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له وقد التفت نحو المدينة: (إن أهل بيتي هؤلاء يرون أنهم أولى الناس بي، وإن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا). فالحزم اللائق بالنسيب أن يتقي الله تعالى، ويتخذ من الخصال الحميدة ما لو كان في غير نسيب لكفته؛ ليكون قد زاد على الزبد شهداً، وعلق على جيد الحسناء عقداً، ولا يكتفي بمجرد الانتساب إلى جدود سلكوا ليقال له: نعم الجدود ولكن بئس ما خلفوا. وقد ابتلي كثير من الناس بذلك، فترى أحدهم يفتخر بعظم بال وهو عار كالإبرة من كل كمال، ويقول: كان أبي كذا وكذا. وافتخاره بأبيه نحو افتخار الكوسج بلحية أخيه، والكوسج هو الذي لا يوجد له شعر على عارضيه، فهل يصح أن يفتخر بأن أخاه لحيته طويلة وكثة. يقول شوقي: فدعوا التفاخر بالتراب وإن علا فالمجد كسب والزمان عصام. وقال الشاعر أيضاً: وأعجب شيء إلى عاقل أناس عن الفضل مستأخرة إذا سئلوا من علا أشاروا إلى عظام ناخرة وقال بعضهم: أقول لمن غدا في كل وقت يباهينا بأسلاف عظام أتقنع بالعظام وأنت تدري بأن الكلب يقنع بالعظام وما ألطف قول الشاعر: لم يجزك الحسب العالي بغير تقى ما أولاك شيئاً فحاذر واتق الله وابغ الكرامة في نيل الفخار به فأكرم الناس عند الله أتقاها وما أكثر هذا الافتخار البارد بين خفيفي الهمة الذين ارتكبوا كل رذيلة، وتعروا عن كل فضيلة، ومع ذلك افتخروا بآبائهم على فضلاء البرية، واحتقروا أناساً فاقوهم حسباً ونسباً، وشرفوهم أماً وأباً، وهذا هو الضلال البعيد، والحمق الذي ليس له مثيل.

стр. 50

شرف الانتساب إلى النبي ﵊ الانتساب إليه ﷺ شرف عظيم، لكن ينبغي ممن رزقه أن لا يجعله عائقاً عن التقوى، ويدنسه بمتابعة الهوى، فالحسنة في نفسها حسنة وهي لبيت النبوة أحسن، والسيئة في نفسها سيئة وهي من أهل بيت النبوة أسوأ، وقد يبلغ اتباع الهوى بذلك النسيب الشريف إلى حيث يستحيي أن ينسب إلى رسول الله ﷺ ، فربما ينكر نسبه، قيل لشريف سيئ الأفعال: قال النبي مقال صدق يحلو لدى الأسماع والأفواه إن فاتكم أصل امرئ ففعاله تنبيكمو عن أصله المتناهي وأراك تسفر عن فعال لم تزل بين الأنام عديمة الأشباه وتقول إني من سلالة أحمد أفأنت تصدق أم رسول الله ولا يلومن الشريف إلا نفسه إذا عومل حينئذ بما يكره، وقدم عليه من هو دونه في النسب بمراحل، كما يحكى أن بعض الشرفاء من آل البيت في بلاد خراسان كان أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ ، غير أنه كان فاسقاً ظاهر الفسق، وكان هناك مولى أسود تقدم في العلم والعمل، فأكب الناس على تعظيمه، فاتفق أن خرج يوماً من بيته يقصد المسجد فاتبعه خلق كثير يتبركون بمصاحبته وبعلمه، فلقيه الشريف وهو سكران، فكان الناس يطردونه عن طريقه، فغلبهم وتعلق بأطراف الشيخ وقال: يا أسود الحوافر والمشافر! يا كافر ابن كافر! أنا ابن رسول الله أذل وأنت تجل! وأهان وأنت تعان! فهم الناس بضربه، فقال الشيخ: لا تفعلوا، هذا محتمل منه لجده رسول الله ﵊، ومعفو عنه وإن خرج عن حده، ولكن أيها الشريف! بيضت باطني وسودت باطنك، فغلب بياض قلبي سواد وجهي فحسنت، وغلب سواد قلبك بياض وجهك فقبحت، وأخذتُ سيرة أبيك، وأخذتَ سيرة أبي، فرآني الخلق في سيرة أبيك ورأوك في سيرة أبي، فظنوني ابن أبيك، وظنوك ابن أبي، فعملوا معك ما يعمل مع أبي، وعملوا معي ما يعمل مع أبيك. ولهذا قيل: ولا ينفع الأصل من هاشم إذا كانت النفس من باهلة أي: لا ينفع الاتكال على ذوي الخصال الرفيعة إذا كانت النفس في حد ذاتها باهلية رديئة ومن الكمالات عرية، كما يقول البحتري: ولست أعتد للفتى حسباً حتى يرى في فعاله حسبه. والباهلي نسبة إلى باهلة، وباهلة اسم امرأة من همدان، نسب ولدها إليها فقيل لهم باهلة، وكان أهل قبيلة باهلة مشهورين بالخساسة، قيل: كانوا يأكلون بقية الطعام مرة ثانية. أي: فضلات الطعام يعيدون أكلها مرة ثانية، وكانوا يأخذون عظام الميتة فيطبخونها ويأخذون دسوماتها، ويأخذون شحم الميتة ويطبخون به، فاستنقصتهم العرب جداً، حتى قيل لأعرابي: أيسرك أن تكون من أهل الجنة وأنت باهلي؟ قال: بشرط أن لا يعلم أهل الجنة أني من باهلة! وليس كل باهلي كذلك، بل فيهم الأجواد، فكون فصيلة منهم أو بطن صعاليك فعلوا ما فعلوا لا يسري ذلك في حق الكل.

стр. 51

علو الهمة [٥] من صفات عالي الهمة أنه شريف النفس، يعرف قدر نفسه، ويعزها عن مواطن الذلة والهوان، ولقد ضرب لنا السلف الصالح الأمثلة الحية في الحرص على شرف النفس، والبعد بها عن مواطن الذلة والهوان في غير كبر ولا استعلاء، وتبعهم على ذلك ذوو الهمم العالية إلى عصرنا الحاضر.

стр. 52

شرف نفس عالي الهمة وذكر نماذج من ذلك فهناك خصائص لعالي الهمة، وأهمها: أن عالي الهمة شريف النفس، يعرف قدر نفسه، ومعرفة قدر النفس وشرفها من المفاهيم التي تختلط على الناس، ويكون الخيط دقيقاً بينها وبين خصال أخرى مذمومة، كالتكبر على خلق الله ، أو الاغترار، كما أن الخيط -أيضاً- دقيق بين التواضع والذلة والهوان، وبين الحسد والمنافسة، وبين صيانة النفس والتكبر، وهكذا، فمن ثم نحتاج إلى التمييز بين هذه الخصال كي لا يكون الموضع موضع اشتباه فيسيء بعض الناس فهم الكلام وبعذ ذلك تطبيقه.

стр. 53

شرف أبي سفيان ﵁ أثر عن العرب أخبار كثيرة فيها إعظامهم شرف النفس، فمن ذلك أنه حكى العتبي عن أبيه قال: أهدى ملك اليمن عشر جزائر إلى مكة -والجزائر جمع جزور، وهو ما يصلح لأن يذبح من الإبل- وأمر أن ينحرها أعز قرشي، فقدمت وأبو سفيان عروس بـ هند بنت عتبة، وحينئذ لم يكن يخرج من بيته، فقالت له زوجته: أيها الرجل! لا يشغلنك النساء عن هذه المكرمة التي لعلها أن تفوتك! لأن ملك اليمن اشترط أن لا ينحرها إلا أعز رجل في قريش، فـ هند بنت عتبة كانت من النساء العاليات الهمة، فقالت له: أيها الرجل! لا يشغلنك النساء عن هذه المكرمة التي لعلها أن تفوتك. فبماذا أجابها أبو سفيان؟ قال لها: يا هذه! دعي زوجك وما يختاره لنفسه، والله ما نحرها غيري إلا نحرته. فقد كان أهل قريش يعرفون جيداً من هو أعز رجل فيهم، فبقيت الجزائر في عقلها -والعقل: جمع العقال، وهو الحبل الذي يعقل به البعير- حتى خرج أبو سفيان في السابع فنحرها.

стр. 54

شرف هند بنت عتبة ﵂ ومن شرف النفس وعلو الهمة ما قالته هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان وأم معاوية رضي الله تعالى عنهم أجمعين، حين أتاها نعي يزيد بن أبي سفيان وقال لها بعض المعزين: إنا نرجو أن يكون في معاوية خلف من يزيد يواسونها ويعزونها، فقالت: أو مثل معاوية يكون خلفاً من أحد؟! والله لو جمعت العرب من أقطارها ثم رمي به فيهم لخرج من أي أعراضها شاء. وقيل لها -أيضاً- ومعاوية وليد بين يديها: إن عاش معاوية ساد قومه. فقالت: ثكلته إن لم يسد إلا قومه! وهذه العبارة لها معان عظيمة جداً بعيدة المرمى؛ لأن معنى ذلك أن وليدها بضعة لحم لا يظهر عليه أي أمر مما يقطع بأن هذا سيكون إنساناً له شأن، ولكن هذا معناه أنها تنوي أن تربي هذا الولد وتوجهه، حتى إنها لتأنف من أن يسود قومه فقط، بل غضبت حينما قالوا لها: إن عاش معاوية ساد قومه. فقالت: ثكلته -أي: الأفضل أن يموت- إن لم يسد إلا قومه. ومعروف أن معاوية من أكثر العرب سيادة وسياسة وحكمة، كما عرف أثناء إمارته في الشام أو أثناء خلافته، يقول معاوية ﵁: إني لآنف من أن يكون في الأرض جهل لا يسعه حلمي، وذنب لا يسعه عفوي، وحاجة لا يسعها جودي.

стр. 55

أفخر بيت في الشرف قال الأحوص في الفخر: ما من مصيبة نكبة أرمى بها إلا تشرفني وترفع شاني وإذا سألت عن الكرام وجدتني كالشمس لا تخفى بكل مكان وقد زعم صاحب العقد الفريد ذلك الكتاب السيئ أن هذين البيتين أفخر ما قالته العرب في الفخر، وتصحيحاً لكلام صاحب العقد الفريد فإن أفخر بيت قالته العرب هو قول حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه: وبيوم بدر إذ يرد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد فهل يستطيع أحد أن يفخر بأكثر من هذا؟ إنه يستحيل أن إنساناً يفخر بما فخر به حسان بن ثابت والأنصار رضي الله تعالى عنهم.

стр. 56

شرف عقيل بن علفة المري ومن أشرف الناس همة عقيل بن علفة المري، كان أعرابياً يسكن البادية، وكان الخلفاء يريدون مصاهرته، وخطب إليه عبد الملك بن مروان ابنته لأحد أولاده، فقال له: جنبني هجناء ولدك. والهجناء من أمهم غير عربية، فمع أنه هو الخليفة أمير المؤمنين لكن كان يأنف من أن يزوجه، وقال له: جنبني هجناء ولدك. يعني الذين أمهم غير عربية. فعالي الهمة يعرف قدر نفسه من غير كبر ولا عجب ولا غرور، وقد أشرنا إلى أن هناك خطاً دقيقاً بين صيانة النفس وشرف النفس وبين الاغترار والتكبر على خلق الله ﵎، فإذا عرف المرء قدر نفسه صانها عن الرذائل، وحفظها من أن تهان، ونزهها عن دنايا الأمور وسفاسفها في السر والعلن، وجنبها مواطن الذل بأن يحملها ما لا تطيق، فمعرفة قدر النفس ليس فقط في جانب النفس الشريفة العالية الهمة التي تستطيع أن تفعل أشياء عظيمة، بل حتى يعرف الإنسان قدر نفسه فلا يضعها في مواضع تذل فيها، بمعنى أن يكلف نفسه ما لا تطيق فيذل ويهان، أو يضعها فيما لا يليق بقدرها، فتبقى نفسه في حصن حصين، وعز منيع، لا تعطي الدنية، ولا ترضى بالنقص، ولا تقنع بالدون.

стр. 57

شرف نفس نبي الله يوسف ﵊ ألم تر إلى شرف نفس الكريم ابن الكريم ابن الكريم نبي الله يوسف بن نبي الله يعقوب بن نبي الله إسحاق بن خليل الرحمن إبراهيم عليهم جميعاً وعلى نبينا الصلاة والسلام؟! انظر إلى شرف يوسف ﵇ حينما دعا ربه فقال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:٣٣]. ولما أتاه رسول الملك بأن يطلق ويخرج من السجن أبى أن يخرج حتى تظهر براءته، فهذا من شرف النفس حينما دعاه رسول الملك للخروج ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٠]. ولا عجب! فإن من يصبر فيما له أن لا يصبر فيه -وهو الخروج من السجن مع توافر الدواعي على الخروج منه- فأولى به أن يصبر فيما يجب عليه أن يصبر فيه من الهم بامرأة العزيز؛ لأن صبره على الخروج من السجن ليس بواجب عليه، والإنسان إذا لبث في السجن بضع سنين لا شك في أن رغبة نفسه وهواها أن ينطلق من هذا الحبس، ومع ذلك صبر يوسف ﵇ على هذا الشيء الذي لم يجب عليه أن يصبر فيه، بدليل قول النبي ﷺ : (لو كنت مكان يوسف لأجبت الداعي). وهذا القول من النبي ﵊ يحمل على هضم النفس والتواضع منه ﷺ .

стр. 58

شرف نفس من سُئل حاجة صغيرة ومن نماذج وأمثلة شرف النفس ومعرفة الإنسان قدر نفسه أنه قال رجل لرجل: لي إليك حويجة -تصغير حاجة- فقال له: اطلب لها رجيلاً. يعني: ما دامت حويجة فاطلب لها رجيلاً صغيراً حقيراً. وهذا يعد من سوء الأدب، كما يحصل كثيراً من الناس حينما يسأل أحدهم الشيخ فيقول له: عندي سؤال صغير. فهذا ليس من الأدب، فإن كان صغيراً فاطلب له رجلاً صغيراً على قدره. وقيل لآخر: جئناك في حاجة لا ترزؤك -أي: لا تنقص مالك، يقال: رزأ ماله: إذا أصاب منه شيئاً فأنقص منه- فقال: هلا طلبتم لها سفاسف الناس؟! وقال أحدهم لبعض العلماء: لي سؤال صغير. فقال: اطلب له رجلاً صغيراً.

стр. 59

شرف نفس عبد الله بن جعفر والحسن بن علي ﵄ ومن علو الهمة وشرف النفس ما روي عن قطب السخاء عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فقد سألته امرأة فأعطاها مالاً عظيماً، فقيل له: إنها لا تعرفك وكان يرضيها اليسير. فقال: إن كان يرضيها اليسير فأنا لا أرضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي وهذا من معرفة قدر النفس في الخير. وسأله سائل بينا كان يهم بركوب ناقته، فنزل له عنها وعما فوقها، وكان عليها أربعة آلاف درهم وسيف من سيوف علي بن أبي طالب ﵁. وعن سعيد بن عبد العزيز أن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ سمع رجلاً إلى جنبه في السجود يسأل الله أن يرزقه عشرة آلاف درهم، فانصرف فبعث بها إليه.

стр. 60

شرف نفس ابن المبارك وعن أبي سعيد عن شيخ له قال: رأيت ابن المبارك يعض يد خادم له، فقلت له: تعض يد خادمك! فقال الإمام المبارك: كم آمره أن لا يعد الدراهم على السؤال، أقول له: احث لهم حثواً! فقد كان يعاقبه لأنه يأمره دائماً بأن لا يعد الدراهم التي يعطيها للسؤال الذين يسألون الصدقة، وإنما يقول له: احث لهم بكلتا يديك حثواً، وأعطهم عطاءً جزيلاً.

стр. 61

شرف نفس الأبيوردي ومن شرف النفس ومعرفة قدرها قول الأبيوردي -وهو من بني أمية من الشخصيات الفذة في التاريخ الإسلامي، ومن أكابر الناس في علو الهمة-: رأت أميمة أطماري وناظرها يعوم في الدمع منهلاً بوادره وما درت أن في أثنائها رجلاً ترخى على الأسد الضاري غدائره أغر في ملتقى أوداجه صيد حمر مناصله بيض عشائره إن رث بردي فليس السيف محتفلاً بالغمد وهو وميض الغرب باتره وهمتي في ضمير الدهر كاملة وسوف يظهر ما تخفي ضمائره والأطمار: جمع طمر، وهو الثوب الخلق البالي، يعني: نظرت إليه أميمة وهي تبكي لرثاثة ثيابه وبذاذة هيئته، يقول: (رأت أميمة أطماري وناظرها -يعني عينها- يعوم في الدمع) من كثرة الدموع (منهلاً بوادره) أي: تتسابق قطرات الدموع وراء بعضها. (وما درت أن في أثنائها رجلاً) يعني: ما كان ينبغي لها أن ترثي لحالي بسبب ما علي من الثياب الرثة؛ لأنها لا تدرك أن في داخل هذه الثياب رجلاً (ترخى على الأسد الضاري غدائره) جمع غديرة، وهي: الذؤابة المظفورة من الشعب، ثم قال عن نفسه: (حمر مناصله) جمع منصل، والمنصل هو السيف، يعني: دائماً سيفه ملون باللون الأحمر -لون الدماء- من شدة بأسه في القتال، وقوله: (بيض عشائره). العشائر جمع عشيرة، وعشيرة الرجل بنو أبيه الأقربون وقبيلته، ويقال: فلان أبيض: أي: نقي العرض. فهو يمدح نفسه هنا بقوله: (حمر مناصله بيض عشائره) يعني: أنقياء الأعراض. وقوله: (إن رث بردي) يعني: بلي. والبرد هو الكساء المخطط الذي يلتحف به إن كان عليه ثياب رثة، يقول: (إن رث بردي فليس السيف محتفلاً بالغمد) يعني: السيف لا يهتم ولا يأبه بالغمد فلنفرض أن سيفاً حاداً باتراً قاطعاً صارماً لكنه موجود في جراب أو غمد بالي من الجلد القديم، فهل هذا يضر السيف؟! لا، هذا هو ما يعنيه الشاعر بقوله: إن رث بردي فليس السيف محتفلاً بالغمد وهو وميض الغرب باتره والغرب هو أول كل شيء وحده، يقال: غرب السيف: أي: حد السيف. وغرب السكين وغرب الفأس: الجانب الحاد منهما، ويقال: سيف غرب أي: قاطع حاد. والوميض اللمعان، والباتر القاطع. ثم يقول: وهمتي في ضمير الدهر كاملة وسوف يظهر ما تخفي ضمائره

стр. 62

شرف نفس الإمام الشافعي يقول الإمام الجليل المطلبي القرشي الشافعي رحمه الله تعالى: علي ثياب لو يباع جميعها بفلس لكان الفلس منهن أكثرا وفيهن نفس لو تقاس ببعضها نفوس الورى كانت أعز وأكبرا وما ضر نصل السيف إخلاق غمده إذا كان عضباً حيث وجهته برى فهل هذا من الغرور؟! هذا ليس من الغرور، بل هذا من معرفة الإنسان قدر نفسه، وهذا من شرف النفس وصيانتها، ومعنى قوله: (وما ضر نصل السيف إخلاف غمده) أي: لا يضر حد السيف الباتر أن يكون الغمد أو الجراب خلقاً وبالياً ورثاً، وقوله: (عضباً) أي: حاداً قاطعاً، (حيث وجهته برى) يعني شق وقطع. والإمام الشافعي رحمه الله تعالى بخبرته العظيمة في النفوس البشرية وطبائعها هو القائل: ما رفعت أحداً فوق منزلته إلا حط مني بمقدار ما رفعت منه. يعني أنه يجب أن يعامل الناس بأقدارهم. ويقول أيضاً رحمه الله تعالى: إذا المشكلات تصدين لي كشفت حقائقها بالنظر لسان كشقشقة الأرحبي أو كالحسام اليماني الذكر ولست بإمعة في الرجال أسائل هذا وذا ما الخبر لكنني مزرة الأصغرين جلاب خير وفراج شر يريد أنه يعرف قدر نفسه، ويعرف أنه إنسان مؤثر محرك، وليس متحركاً أو منفعلاً لفعل غيره به، أو إمعة يتابع الناس على أقوالهم ولا يدري ما حوله حتى يحتاج إلى أن يسائل هذا وذا: ما الخبر. فهو يعتز بنفسه، أو -بعبارة أصح- يثق بنفسه، فيقول: (إذا المشكلات تصدين لي كشفت حقائقها بالنظر) أي: بالتدبر، (لسان كشقشقة الأرحبي)، والشقشقة شيء يخرج من فم البعير كالرئة إذا هاج، وتستعمل هذه الكلمة في التعبير عن القدرة على الخطابة والبيان، فيصف لسانه بأنه كشقشقة الأرحبي، والأرحبي نسبة إلى قبيلة أرحب، وهي بطن من همدان، وإليها تنسب الإبل الأرحبية، وقوله: (ولست بإمعة في الرجال) الإمعة أو الإمع هو الرجل الذي يتابع كل أحد على رأيه، ولا يثبت هو على شيء، لكنه يتجول ويتردد بين آراء الرجال، يقول: (ولكنني مزرة الأصغرين) والمزره هو السيد الشريف والمقدم عند الخصومة والقتال، وقوله: (الأصغرين) يقصد بهما القلب واللسان، (جلاب خير وفراج شر) يعني: يجلب الخير للناس كثيراً، وكذا يدفع عنهم الشرور. ويقول الحريري: وفضيلة الدينار يظهر سرها مع حكه لا من ملاحة نقشه فإذا أراد الإنسان أن يختبر الدينار من الذهب ليعرف هل هو صحيح أو مزيف فإنه يعرف ذلك بأن يلمسه بأصابعه كي يختبر قوة نقشه، فإن كان مزيفاً فإنها تزول، وإن كان جيداً فإنها تثبت، فيقول الحريري: وفضيلة الدينار يظهر سرها من حكه لا من ملاحة نقشه ومن الغباوة أن تعظم جاهلاً لصقال ملبسه ورونق رقشه أو أن تهين مهذباً في نفسه لدروس بزته ورثة فرشه ورقشة هو نقشه، وبزته ملابسه.

стр. 63

شرف نفس سفيان الثوري لقد كره بعض العلماء أن يتحول عن بلده مع إيثاره الخمول والانقباض عن الناس خشية أن يعامله من لا يعرف قدره بما لا يليق به، أي: لم يغترب بعض العلماء خوفاً من أن يعاملوا في الغربة بما لا يليق بهم، أو يهانوا أو يذلوا، مع حرص بعض هؤلاء العلماء على الخمول وعدم الاختلاط الكثير بالناس، ولكنهم أبوا أن يتحولوا عن الأماكن التي يعرفون فيها؛ لأنهم ربما إذا تحولوا إلى غيرها فربما يعاملون بما فيه مذلة، وهذا من معرفة قدر النفس وصيانتها عما لا يليق بها. وأوضح مثال على ذلك الإمام الجليل سفيان الثوري رحمه الله تعالى، فالإمام سفيان الثوري كان شديد التواضع، لكن في غير ذل ولا استصغار، ومن كلامه رحمه الله تعالى: أحب أن أكون في موضع لا أعرف ولا أستذل. وذلك لئلا لا يعظمه الناس، لكن في نفس الوقت لا يستذل؛ لأنه إذا كان غير معروف فيمن هو بينهم ومن يعيش حولهم ومن يعيشون حوله فربما تعرض له بعض الغوغاء أو الرعاع بتصرفات فيها إهانة تذله، فخوفاً من ذلك يقول ﵀: أحب أن أكون في موضع لا أعرف ولا أستذل. وقال ابن مهدي: سمعت سفيان الثوري يقول: وددت أني أخذت نعلي هذه ثم جلست حيث شئت لا يعرفني أحد. ثم رفع رأسه وقال: بعد أن لا أستذل. فاشترط لنفسه أن لا يستذل. ولشدة حذره من الذلة كان يسكن بين معارفه من الناس الذين يعرفون قدره، قال ﵀: لولا أن أستذل لسكنت بين قوم لا يعرفونني. فهل هذا من الكبر؟ ليس هذا من الكبر، بل هذا مما نحن بصدد بيانه، وهو معرفة قدر النفس وشرفها، والدليل على ذلك أنه اشتهر جداً بالتواضع الشديد، وقد رؤي مرة في مكة وقد كثر الناس من حوله فقال: ضاعت الأمة حين احتيج إلي. وكان يقول: لو لم يأتني أصحاب الحديث لأتيتهم في بيوتهم. وكان يقول: لو أني أعلم أن أحداً يطلب الحديث بنية -يعني: بإخلاص- لأتيته في بيته حتى أحدثه. وكان لا يتصدر مجلساً، ولكنه يجلس بين عامة الناس، حتى قال في ذلك علي بن ثابت: ما رأيت سفيان في صدر مجلس قط، كان يقعد إلى جنب الحائط، ويجمع بين ركبتيه رحمه الله تعالى. ولا يرد على قول الإمام الجليل سفيان الثوري: (لولا أن أستذل لسكنت بين قوم لا يعرفونني)، ما حكاه الحسن قال: كنت مع ابن المبارك يوماً، فأتينا على سقاية والناس يشربون منها، فدنا منها ليشرب ولم يعرفه الناس، فزحموه ودفعوه، فلما خرج قال لي: ما العيش إلا هكذا يعني: حيث لم نعرف ولم نوقر. فهل هذا يتعارض مع كلام سفيان؟! و الجواب كلا، لا يتعارض معه؛ لأن غاية ما في خبر الإمام ابن المبارك رحمه الله تعالى أنه لم يعرف فعومل كسواد الناس، لا أنه ذل، والذي خشي منه الإمام سفيان الثوري هو أن يستذل أو أن يهان، أما هذا فقد عومل بسواسية مع الناس الذين كانوا حوله. وهذا هو ما حرص عليه أويس القرني رحمه الله تعالى حين قال له عمر ﵁: أين تريد؟ قال: الكوفة. قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي. رواه مسلم، والغبراء هم الضعفاء والصعاليك والأخلاط الذين لا يؤبه لهم.

стр. 64

شرف نفس الإمام مالك من أمثلة معرفة قدر النفس وشرفها وصيانتها أنه لما قدم المدينة الخليفة المهدي أقبل الناس عليه مسلمين، فلما أخذوا مجالسهم امتلأت كل الأماكن القريبة من الخليفة، فلما جاء مالك تهامس بعض الحاضرين وقالوا: اليوم يجلس مالك آخر الناس؛ لأنه لا يوجد مكان للإمام مالك بقرب الخليفة. فلما دنا الإمام مالك ونظر ازدحام الناس وقف وقال: يا أمير المؤمنين! أين يجلس شيخك مالك؟! فناداه المهدي: عندي يا أبا عبد الله. فتخطى الناس حتى وصل إليه، فرفع المهدي ركبته اليمنى ليوسع المكان وأجلسه بجنبه. فانظر إلى تصرفه؛ لأنه رمز للدين وللشريعة وللحديث وللفقه وللعلم الشريف، فينبغي أن يصون نفسه. وبهذه العزة أجاب العالم الضرير المحدث أبو معاوية محمد بن خازم هارون الرشيد، فإن محمد بن خازم لما أراد أن يتوضأ أتى هارون الرشيد وصب عليه الماء، ولم يعرف أنه الخليفة، فبعدما فرغ من الوضوء قال له: أنا هارون الرشيد. فقال له: إنما أكرمت العلم يا أمير المؤمنين!

стр. 65

شرف نفس ابن دقيق العيد من المواقف التي تنم عن معرفة العلماء والأفاضل بشرف أنفسهم أنه لما عزل الإمام ابن دقيق العيد نفسه عن القضاء في بعض المرات -وما أكثر ما عزل نفسه غضباً من بعض الأشياء- طُلِب في إحدى المرات ليولى القضاء من جديد، أي: صالحوه، ولما أقبل قادماً وقف له السلطان الملك المنصور تعظيماً، فصار يمشي قليلاً قليلاً، والناس يقولون له: السلطان واقف! أي: أسرع؛ فالسلطان واقف لك. فكان يرد عليهم بأنه يمشي، وظل يمشي بتؤدة وعلى مهل حتى وصل إلى السلطان، وكان السلطان قد أعد له مكاناً كي يجلس فيه، فصعد إلى مجلس السلطان وجلس بجواره، فأخذ السلطان يده وقبلها، فقال له ابن دقيق العيد: تنتفع بهذا.

стр. 66

شرف نفس سلمان بن غالب السياني قال ابن حزم رحمه الله تعالى: ومن أعظم ما يحكى من المكارم التي لم نسمع لها أختاً أن أبا غالب سلمان بن غالب السياني المتوفى سنة ٤٣٦هـ ألف كتاباً في اللغة، وهو كتاب (تلقيح العين)، فوجه إليه أبو الجيش مجاهد العامري صاحب الجزائري ألف دينار أندلسياً ومركوباً وأكسية في مقابل أن يزيد في ترجمة الكتاب أنه مما ألفه أبو غالب لـ أبي الجيش مجاهد، فيريد أن ينال شرف كونه الذي طلب من هذا العالم أن يؤلف الكتاب، فيثبت اسمه على غلاف الكتاب، فرد الدنانير وغيرها وقال: كتاب ألفته لينتفع به الناس، وأخلد فيه همتي، أجعل في صدره اسم غيري وأصرف الفخر له؟! والله لو بذل لي الدنيا على ذلك ما فعلت، ولا استجزت الكذب؛ لأنني لم أجمعه له خاصة بل لكل طالب. يقول ابن حزم: فاعجب لهمة هذا الرئيس وعلوها، واعجب لنفس هذا العالم ونزاهتها.

стр. 67

شرف نفس الإمام البخاري عن أبي سعيد بكر بن منير قال: بعث الأمير خالد بن أحمد الذهلي والي بخارى إلى الإمام البخاري رحمه الله تعالى أن: احمل إلي كتاب الجامع الصحيح والتاريخ وغيرهما لأسمع منك. فقال الإمام البخاري لرسوله: أنا لا أذل العلم، ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن كانت لك إلى شيء منه حاجة فاحضرني في مسجدي أو في داري، وإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان فامنعني من الجلوس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة؛ لأني لا أكتم العلم لقول النبي ﷺ : (من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار) قال: فكان هذا سبب الوحشة بينهما. وقال أبو بكر بن أبي عمرو: كان سبب مفارقة أبي عبد الله البخاري البلد أن خالد بن أحمد خليفة ابن طاهر سأله أن يحضر منزله فيقرأ التاريخ والجامع على أولاده فامتنع من ذلك، وقال لا يسعني أن أخص بالسماع قوماً دون قوم آخرين، فاستعان خالد بـ حريب بن أبي الورقاء وغيره من أهل بخارى حتى تكلموا في مذهبه، فنفاه عن البلد، فدعا الإمام البخاري رحمه الله تعالى عليهم.

стр. 68

شرف نفس الخطيب البغدادي جاء في ترجمة الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- أنه دخل عليه بعض العلوية وفي كمه دنانير، فقال للخطيب: فلان يسلم عليك، ويقول لك: اصرف هذه الدنانير في بعض مهماتك. فقال الخطيب: لا حاجة لي فيها. فقطب وجهه وقال: كأنك تستقله -أي: كأنك ترى أن المبلغ قليلاً- ونفض كمه على سجادة الخطيب، وطرح الدنانير عليها، فقال: هذه ثلاثمائة دينار! يعني أنها مبلغ كبير، فقام الخطيب محمراً وجهه، وأخذ السجادة، وصب الدنانير على الأرض وخرج من المسجد. قال أحد تلامذة الخطيب: ما رأيت مثل عز خروج الخطيب، وذل ذلك العلوي وهو قاعد على الأرض يلتقط الدنانير من شقوق الحصير ويجمعها!

стр. 69

شرف نفس الجرجاني قال القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني رحمه الله تعالى مبيناً عزة العالم وشرف نفسه: يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما أرى الناس من داناهم هان عندهم ومن أكرمته عزة النفس أكرما ولم أقض حق العلم إن كان كلما بدا طمع صيرته لي سلما وما زلت منحازاً بعرضي جانباً من الذل أعتد الصيانة مغنما وما كل برق لاح لي يستفزني ولا كل من في الأرض أرضاه منعما إذا قيل هذا منهل قلت قد أرى ولكن نفس الحر تحتمل الظما ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي لأخدم من لاقيت لكن لأخدما أأشقى به غرساً وأجنيه ذلة إذاً فاتباع الجهل قد كان أحزما ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما ولكن أذلوه فهان ودنسوا محياه بالأطماع حتى تجهما

стр. 70

شرف نفس علي بن أبي الطيب قال الذهبي في ترجمته للإمام علي بن أبي الطيب: إنه حمل إلى السلطان محمود بن سبكتكين ليسمع وعظه، فلما دخل جلس بلا إذن، وأخذ في رواية الحديث بلا أمر، فتنمر له السلطان؛ إذ لم يقم بالتقاليد التي تتبع عند الدخول على السلطان، حيث جلس مباشرة، وأخذ يتلو الأحاديث! فتنمر له السلطان وأمر غلاماً فلكمه لكمة أطرشته، فعرفه بعض الحاضرين منزلته في الدين والعلم، فاعتذر الملك إليه، وأمر له بمال فامتنع، فقال: يا شيخ! إن للملك طولة، وهو محتاج إلى السياسة، رأيت أنك تعديت الواجب، فاجعلني في حل. يريد أن يستسمحه، فقال: الله بيننا بالمرصاد، وإنما أحضرتني للوعظ وسماع أحاديث رسول الله ﷺ وللخشوع لا لإقامة قوانين الرياسة. فخجل الملك واعتنقه.

стр. 71

شرف نفس عطاء بن أبي رباح قال إبراهيم بن إسحاق الحربي: كان عطاء بن أبي رباح عبداً أسود لامرأة من أهل مكة، فكان أنفه كأنه باقلا -نوع من البقول-، وجاء سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى عطاء هو وابناه ليستفتي عطاء ﵀، فجلسوا إليه وهو يصلي، فلما انفتل من صلاته سألوه عن مناسك الحج، وكان يجيب الخليفة وابنيه وقد حول قفاه إليهم، ثم قال سليمان الخليفة لابنيه: قوما. فقاما، فقال: يا بني! لا تنيا في طلب العلم -أي: لا تكسلا ولا تقصرا في طلب العلم-؛ فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود.

стр. 72

شرف نفس الشيخ عز الدين من لطائف شرف النفس والمبالغة في تنزيهها عن الدنية أن الشيخ عز الدين كان إذا قرأ القارئ عليه من كتاب وانتهى إلى آخر باب من أبوابه لا يقف عليه، بل يأمره أن يقرأ من الباب الذي بعده ولو سطراً، ويقول: ما أشتهي أن أكون ممن يقف على الأبواب. فالإمام عز الدين من شدة الأنفة كره أن يقف عند كلمة الباب؛ لأنها تذكره بالوقوف على الأبواب لأجل سؤال الناس، فكان يكره ذلك، ويجعل القارئ لا يقف على كلمة باب بل يقرأ شيئاً من الباب الجديد ولو سطراً واحداً، ويقول: ما أشتهي أن أكون ممن يقف على الأبواب.

стр. 73

شرف نفس عالم فقير عالم فقير نهى عن السؤال حتى ولو كان فيه نيل العلياء، فمد اليد من العالم ذلة وانكسار نفس، والعالم داعية الحق، فكيف يهين نفسه بالسؤال؟! فالسؤال إضعاف للحق الذي يدعو إليه، فيقول ذلك الفقير الشامخ الأبي: لا تمدن للعلياء منك يدا حتى تقول لك العلياء هات يدك أي: العلياء هي التي تطلب منك أن تمد يدك، لكن لا تمد أنت يدك إليها! وقيل: أرسل الخليفة بمائة دينار إلى عالم، وقال لغلامه: إن قبل ذلك فأنت حر. فحملها إليه فلم يقبلها العالم، فقال له العبد: اقبلها ففي قبولك لها عتقي. فقال: إن كان فيه عتقك ففيه رقي!

стр. 74

شرف نفس سعيد الحلبي كان الشيخ سعيد الحلبي رحمه الله تعالى عالم الشام في عصره في درسه ماداً رجليه، فدخل عليه جبار الشام إبراهيم باشا بن محمد علي باشا صاحب مصر، فلم يتحرك له، ولم يقبض رجليه، ولم يبدل قعدته، فتألم الباشا ولكنه كتم ألمه، فلما خرج بعث إليه بصرة فيها ألف ليرة ذهبية، فردها الشيخ وقال للرسول الذي جاءه بها: قل للباشا: إن الذي يمد رجليه لا يمد يده.

стр. 75

شرف نفس زياد بن ظبيان من شرف النفس عند السلف أنهم كانوا يربون الصغار على معرفة قدر النفس، وأن لا ينزلها المرء منازل الذل والهوان، ومن هذه الأمثلة ما قاله زياد بن ظبيان وهو يجود بنفسه لابنه عبيد الله: ألا أوصي بك الأمير زياداً؟ فقال: يا أبتي! إذا لم يكن للحي إلا وصية الميت فالحي هو الميت. يعني بذلك أن في ذلك انتقاصاً من قدره هو. قال الشاعر: إذا ما الحي عاش بعظم ميت فذاك العظم حي وهو ميت وقال معاوية لـ عمرو بن سعيد وهو صبي: إلى من أوصى بك أبوك؟ فقال: إن أبي أوصى إلي ولم يوص بي. أي: أوصاني بأشياء وكلفني بها ولم يوص بي. قال: وبم أوصى إليك؟! قال: أن لا يفقد إخوانه منه إلا وجهه. يعني: أن يتفقد إخوان أبيه وأصدقاء أبيه بأن يحسن إليهم ويصلهم كما كان يفعل أبيه، فلا يغيب عنهم من أبيه إلا جسده فقط، وأما إحسانه فيبقى.
следующие страницы →