Полный текст (305 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
شرف نفس عطاء بن أبي رباح
قال إبراهيم بن إسحاق الحربي: كان عطاء بن أبي رباح عبداً أسود لامرأة من أهل مكة، فكان أنفه كأنه باقلا -نوع من البقول-، وجاء سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى عطاء هو وابناه ليستفتي عطاء ﵀، فجلسوا إليه وهو يصلي، فلما انفتل من صلاته سألوه عن مناسك الحج، وكان يجيب الخليفة وابنيه وقد حول قفاه إليهم، ثم قال سليمان الخليفة لابنيه: قوما.
فقاما، فقال: يا بني! لا تنيا في طلب العلم -أي: لا تكسلا ولا تقصرا في طلب العلم-؛ فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود.
стр. 72
شرف نفس الشيخ عز الدين
من لطائف شرف النفس والمبالغة في تنزيهها عن الدنية أن الشيخ عز الدين كان إذا قرأ القارئ عليه من كتاب وانتهى إلى آخر باب من أبوابه لا يقف عليه، بل يأمره أن يقرأ من الباب الذي بعده ولو سطراً، ويقول: ما أشتهي أن أكون ممن يقف على الأبواب.
فالإمام عز الدين من شدة الأنفة كره أن يقف عند كلمة الباب؛ لأنها تذكره بالوقوف على الأبواب لأجل سؤال الناس، فكان يكره ذلك، ويجعل القارئ لا يقف على كلمة باب بل يقرأ شيئاً من الباب الجديد ولو سطراً واحداً، ويقول: ما أشتهي أن أكون ممن يقف على الأبواب.
стр. 73
شرف نفس عالم فقير
عالم فقير نهى عن السؤال حتى ولو كان فيه نيل العلياء، فمد اليد من العالم ذلة وانكسار نفس، والعالم داعية الحق، فكيف يهين نفسه بالسؤال؟! فالسؤال إضعاف للحق الذي يدعو إليه، فيقول ذلك الفقير الشامخ الأبي: لا تمدن للعلياء منك يدا حتى تقول لك العلياء هات يدك أي: العلياء هي التي تطلب منك أن تمد يدك، لكن لا تمد أنت يدك إليها! وقيل: أرسل الخليفة بمائة دينار إلى عالم، وقال لغلامه: إن قبل ذلك فأنت حر.
فحملها إليه فلم يقبلها العالم، فقال له العبد: اقبلها ففي قبولك لها عتقي.
فقال: إن كان فيه عتقك ففيه رقي!
стр. 74
شرف نفس سعيد الحلبي
كان الشيخ سعيد الحلبي رحمه الله تعالى عالم الشام في عصره في درسه ماداً رجليه، فدخل عليه جبار الشام إبراهيم باشا بن محمد علي باشا صاحب مصر، فلم يتحرك له، ولم يقبض رجليه، ولم يبدل قعدته، فتألم الباشا ولكنه كتم ألمه، فلما خرج بعث إليه بصرة فيها ألف ليرة ذهبية، فردها الشيخ وقال للرسول الذي جاءه بها: قل للباشا: إن الذي يمد رجليه لا يمد يده.
стр. 75
شرف نفس زياد بن ظبيان
من شرف النفس عند السلف أنهم كانوا يربون الصغار على معرفة قدر النفس، وأن لا ينزلها المرء منازل الذل والهوان، ومن هذه الأمثلة ما قاله زياد بن ظبيان وهو يجود بنفسه لابنه عبيد الله: ألا أوصي بك الأمير زياداً؟ فقال: يا أبتي! إذا لم يكن للحي إلا وصية الميت فالحي هو الميت.
يعني بذلك أن في ذلك انتقاصاً من قدره هو.
قال الشاعر: إذا ما الحي عاش بعظم ميت فذاك العظم حي وهو ميت وقال معاوية لـ عمرو بن سعيد وهو صبي: إلى من أوصى بك أبوك؟ فقال: إن أبي أوصى إلي ولم يوص بي.
أي: أوصاني بأشياء وكلفني بها ولم يوص بي.
قال: وبم أوصى إليك؟! قال: أن لا يفقد إخوانه منه إلا وجهه.
يعني: أن يتفقد إخوان أبيه وأصدقاء أبيه بأن يحسن إليهم ويصلهم كما كان يفعل أبيه، فلا يغيب عنهم من أبيه إلا جسده فقط، وأما إحسانه فيبقى.
стр. 76
شرف نفس الشيخين عبد الوهاب الفارسي ومحمد الجراح
كان الشيخ عبد الوهاب الفارسي رحمه الله تعالى يسير يوماً برفقة صديقه الشيخ محمد الجراح فصدمتهما سيارة، فسقطا في حفرة وجرحا، ولما علما أن السائق كان سكران صفحا عنه، وامتنعا من مقاضاة هذا السائق أنفة من أن يقفا في موقف واحد مع سكران.
стр. 77
شرف نفس الأستاذ سيد قطب
التاريخ الإسلامي حافل بمثل هذه النماذج وهذه الأمثلة التي تبرز لنا هذا المعنى العظيم الجليل، ونحن لا نقصد الاستيعاب، وإنما نقصد ضرب الأمثلة، ونختم الكلام في هذا الفصل بمثال فذ من عصرنا الحديث، لرجل بذل حياته لإعلاء كلمة الله، وهو الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى وأعلى درجته في الشهداء، فإن ذلك الرجل -وما أقل الرجال في هذا العصر- ارتضع منذ طفولته معاني العزة والكرامة والأنفة وشرف النفس حتى عاش حياته سيداً، وغادر الدنيا سيداً رافعاً رأسه، وعاش حياته قطباً، وغادرها أيضاً قطباً في الدعوة والجهاد، وحياته الطويلة حافلة بمواقف العزة والكرامة، لكن نتوقف عند ساعاته الأخيرة وهو يغادر هذه الدنيا الفانية، فقد طلب منه أن يعتذر للطاغية مقابل إطلاق سراحه، فقال: لن أعتذر عن العمل مع الله! وعندما طلب منه كتابة كلمات يسترحم بها عبد الناصر قال: إن إصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة يرفض أن يكتب حرفاً يقر به حكم طاغية.
وقال أيضاً: لماذا أسترحم؟! إن سجنت بحق فأنا أقبل حكم الحق، وإن سجنت بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل.
وفي إحدى الجلسات اقترب منه أحد الضباط وسأله عن معنى كلمة (شهيد)، إشارة له إلى أن مصيرك أن تقتل، فرد عليه رحمه الله تعالى قائلاً: كلمة (شهيد) تعني أنه شهد على أن شريعة الله أغلى عليه من حياته.
يقول الشاعر: لعمرك إني أرى مصرعي ولكن أغذ إليه الخطى لعمرك هذا ممات الرجال فمن رام موتاً شريفاً فذا هذا هو عالي الهمة، يعرف قدر نفسه، ويعرف شرف نفسه.
وعلى الجانب المقابل خفيف الهمة دائماً يكون دنيء النفس، يشعر بأنه حقير، وأن حجمه ضئيل، لا قدر له، ولا وزن له، وهذا ينعكس في تصرفاته في انعدام ثقته بنفسه، فمعلوم أن الإنسان يستحي ممن يكبر في نفسه، فمن يراه عظيم القدر يستحي منه أكثر من غيره، فيستحي من العالم أو من الرجل الصالح أكثر مما يستحي من الفاسق أو من الطفل الصغير، وفي ذلك يقول النبي ﷺ : (استح من الله كما تستحي رجلاً من صالحي قومك) أو كما قال ﷺ ، فالإنسان من العالم لأن العالم أكبر في نفسه من الجاهل، ويستحي من الصالح أكثر من الفاجر، في حين أنه لا يستحيي من الحيوانات ولا من الأطفال، ومن كانت نفسه عنده كبيرة، ويشعر بشرف نفسه وأن لها قدراً ووزناً فإنه يحترم نفسه، فإذا خلا بنفسه فإنه لا يقبل على دنيء الأمور وخسائسها؛ لأنه يستحي من نفسه؛ لأن نفسه عنده كبيرة، كما أنه لا يفعل الدنايا أمام العالم الصالح أو أمام الشيخ المسن استحياء منهما؛ لأنهما يكبران في نفسه، فكذلك لما كبرت نفسه عنده فإنه يعرف قدرها، فلا يهينها حتى في خلوته.
فمن كانت نفسه عنده كبيرة كان استحياؤه منها أشد من استحيائه من غيرها، أما خسيس الهمة فإنه يستحيي من الناس ولا يستحي من نفسه إذا انفرد عن الناس؛ لأن نفسه أخس عنده من غيره، فهو يستحي من الآخرين لأن لهم قدراً عنده، ولا يستحي من نفسه لأنه ليس لنفسه قدر عنده، وهو يراها أحقر من أن يستحي منها، فمن ثم قال بعض السلف: من عمل في السر عملاً يستحيي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدر.
وقيل لبعض العباد: من شر الناس؟ قال: من لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً.
стр. 78
شرف نفس مجاهد عند إعدامه
كان هناك مجاهد إسلامي أرادوا إعدامه بالباطل، فانقطع به الحبل لحظة إعدامه، فقال: كل جاهليتكم رديئة حتى حبالكم.
فانظر إلى الاستعلاء على الباطل حتى في مثل هذه اللحظات.
стр. 79
الفروق الدقيقة بين شرف النفس وكبر النفس
شرف النفس ومعرفة قدرها من خصائص كبير الهمة، ونحتاج إلى بيان بعض الفروق الدقيقة بين بعض المتضادات من هذه المعاني، فقد تلبس النفس الأمارة بالسوء على العبد أموراً يحبها الله ويرضاها بأمور يبغضها الله ، فلدقة الخيط أو الحد الفاصل بين هذين الأمرين لا ينجو من هذا التلبيس إلا أرباب البصائر ذوو النفوس المطمئنة، وقد عقد الإمام المحقق ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى فصولاً نافعة بين فيها هذه الدقائق النفيسة في كتابه (الروح) نجتزئ منها بما نحتاج في هذا المقام، فقد بين رحمه الله تعالى الفرق بين شرف النفس والتيه، فشرف النفس هو صيانتها عن الدنايا والرذائل والمطامع التي تقطع أعناق الرجال، فيرفع المرء نفسه عن أن يلقيها في ذلك، بخلاف التيه، فإنه خلق متولداً بين أمرين: إعجابه بنفسه وازدرائه بغيره، فالشخص الذي يتيه على الناس ويتكبر عليهم هذا الخلق منه ثمرة أمرين اثنين: أولاً: أنه يعجب بنفسه، ثم يزدري ويحتقر الآخرين، فيعجب بنفسه ويزدري غيره، فيتولد بينهما المولود الجنين الذي ينشأ من التزاوج بين الإعجاب بالنفس واحتقار الآخرين وازدرائهم، وهو التيه على خلق الله .
أما شرف النفس فإنه يتولد من خلقين كريمين: الخلق الأول: إعزاز النفس وإكرامها، فهو يعز نفسه ويكرمها.
الخلق الثاني: تعظيم مالكها وسيدها، فمن تعظيم مالكها وربها أن يكون عبده ذليلاً، فيتولد من بين هذين الخلقين شرف النفس وصيانتها، وأصل هذا كله استعداد النفس وتهيؤها، وإمداد وليها ومولاها لها، فإذا فقد الاستعداد والإمداد فقد الخير كله.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: والفرق بين الصيانة والتكبر أن الصائن لنفسه بمنزلة رجل قد لبس ثوباً جديداً نقي البياض ذا ثمن، فهو يدخل به -بهذا الثوب الغالي النفيس النقي الأبيض- على الملوك فمن دونهم، فهو يصونه عن الوسخ والغبار والطبوع وأنواع الآثار إبقاءً على بياضه ونقائه، فتراه صاحب تعزز وهروب من المواضع التي يخشى منها عليه التلوث، فلا يسمح بأثر ولا طبع ولا لوث يعلو ثيابه، وإن أصابه شيء من ذلك على غرة بادر إلى قلعه وإزالته ومحو أثره، وهكذا الصائن لقلبه ودينه، تراه يجتنب طبوع الذنوب وآثارها، فإن لها في القلب طبوعاً وآثاراً أعظم من الطبوع الفاحشة في الثوب النقي البياض، ولكن على العيون غشاوة أن تدرك تلك الطبوع، فتراه يهرب من مضان التلوث، ويختلي من الخلق، ويتباعد من مخالطتهم مخافة أن يحصل لقلبه ما يحصل للثوب الذي يخالط الدباغين والذباحين والطباخين ونحوهم، بخلاف صاحب العلو المتكبر، فإنه وإن شابه هذا في تحرزه وتجنبه فهو يقصد بالتحرز أن يعلو رقابهم، ويجعلهم تحت قدمه، فهذا لون وذاك لون، أما الكبر فإنه أثر من آثار العجب والبغي من قلب قد امتلأ بالجهل والظلم، فرحلت منه العبودية، ونزل عليه المقت، فنظره إلى الناس شزر، ومشيه بينهم تبختر، ومعاملته لهم معاملة الاستئثار لا معاملة الإيثار ولا الإنصاف، ذاهب بنفسه تيهاً، لا يبدأ من لقيه بالسلام، وإن رد عليه رأى أنه قد بالغ عليه في الإنعام، لا ينطلق لهم وجهه، ولا يسعهم خلقه، ولا يرى لأحد عليه حقاً، ويرى حقوقه على الناس، ولا يرى فضلهم عليه، ويرى فضله عليهم، لا يزداد من الله إلا بعداً، ومن الناس إلى صغاراً أو بغضاً.
والفرق بين التواضع والمهانة أن التواضع يتولد من بين العلم بالله ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله وتعظيمه ومحبته وإجلاله، ومن معرفته بنفسه وتفاصيلها وعيوب عملها وآفاتها، فيتولد من بين ذلك كله خلق هو التواضع، وهو انكسار القلب لله، وخفض جناح الذل والرحمة بعباده، فلا يرى له على أحد فضلاً، ولا يرى له عند أحد حقاً، بل يرى الفضل للناس عليه، والحقوق لهم قبله، وهذا خلق إنما يعطيه الله من يحبه ويكرمه ويقربه.
وأما المهانة فهي الدناءة والخسة وبذل النفس وابتذالها في نيل حظوظها وشهواتها، كتواضع السفل في نيل شهواتهم، وتواضع المفعول به للفاعل، وتواضع طالب كل حض لمن يرجو نيل حظه منه، فهذا كله ضعة لا تواضع، والله يحب التواضع ويبغض الضعة والمهانة.
وفي الصحيح عنه ﷺ قال: (وأوحى الله إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد).
سبحانك -اللهم- وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 80
علو الهمة [٦]
علو الهمة مطلوب في كل شيء من أمور الدنيا والدين، فعلو الهمة في الدين يكون بالتمسك به بقوة، والعض عليه بالنواجذ، سواء كان ذلك في العبادات أو المعاملات.
وقد ضرب لنا السلف الصالح في ذلك أروع الأمثلة، وأحسن الصور، فكانوا مسارعين وسباقين إلى كل خير تلوح دلائله، وتتضح معالمه، ولا يبغون عنه حولاً.
وأما علو الهمة في الدنيا فذلك بضبط النفس، وأن يأخذ المرء منها ما يكفيه ولا يطغيه، ولا يضيع ما هو أهم منها من الباقيات الصالحات.
стр. 81
الفرق بين شرف النفس والتيه
انتهينا في بحث علو الهمة إلى الكلام على أن من خصائص عالي الهمة وكبيرها: صيانة النفس، وشرف النفس، ومعرفته بقدر نفسه، وذكرنا أنّ هناك بعض الفروق التي يلزم إيضاحها؛ لأنها قد تلتبس في هذا المقام على بعض الناس، فذكرنا الفرق بين شرف النفس والتيه، وقلنا: إن شرف النفس هو صيانتها عن الدنايا والرذائل والمطامع التي تقطع أعناق الرجال، فعالي الهمة يربى بنفسه عن أن يلقيها في ذلك، بخلاف التيه فإنه خلق يتولد من أمرين: إعجاب المرء بنفسه، وازدرائه بغيره، فيتولد من بين هذين الأمرين التيه، وأما شرف النفس فإنه يتولد من أمرين كريمين شريفين هما: إعزاز النفس وإكرامها، وتعظيم مالكها وسيدها، فهو عبد من عباد الله يرى أنه ينبغي أن ينزه نفسه عن اكتساب الذنب، فانتسابه إلى سيده يجعله يصون نفسه عن الوضاعة والخسة والدناءة، فيتولد بين هذين الخلقين شرف النفس وصيانتها.
والفرق بين صيانة النفس وبين التكبر دقيق، ويخفى على كثير من الناس، فالمتكبر شغله الشاغل في نظرته إلى الناس، ومحور حياته يدور حول نفسه فتراه يقول: فلان لم يحترمني، وفلان لم يعظمني، وفلان لم يلقبني، فكل حياته وكل علاقاته وكل مشاكله تنشأ بسبب أنه يحوم حول نفسه، ويدور حول نفسه، ونفسه هي الرحى في حياته، فهذا قد يلتبس على بعض الناس، ويظن أن هذا من صيانة النفس، وليس الأمر كذلك فهناك فرق كبير بين صيانة النفس وبين التكبر على خلق الله ﵎، فالذي يصون نفسه مثله كمثل رجل لبس ثوباً جديداً نقي البياض نفيساً، فهو يدخل به على الملوك ونحوهم، فيصونه عن الوسخ والغبار وأنواع الآثار؛ حتى يبقي على بياضه ونقائه وصفائه، فلذلك تجده يتقزز ويهرب من المواضع والأماكن التي قد تلوث ثوبه، فلا يسمح بأي أثر أو لوث أن يعلو ثوبه، وإذا أصابه شيء من ذلك فإنه يبادر إلى قلعه وإزالته ومحوه وتطهير نفسه، وهكذا حال الشخص الذي يصون دينه وقلبه، فهو يجتنب الذنوب وآثارها، فإن لها في القلب طبوعاً وأثاراً أعظم من الطبوع الفاحشة في الثوب النقي البياض، ولكن على العيون غشاوة فلا تدرك تلك الطبوع، فالذي يصون نفسه يهرب من مظان التلوث، ويحترس من الخلق، ويتباعد من مخالطة الذين يلوثون قلبه، أو يعكرون إيمانه، أو يجذبونه إلى الأرض، فإنّ مخالطة من في دينه ضعف، وليس عنده ورع، ولا خوف، ولا حياء من الله ؛ يخشى منها كما يخشى من مخالطة من يكون في ثيابه الدماء، أو الشحوم، أو غير ذلك من الأوساخ حتى لا يصيبه منها شيء، بخلاف صاحب الكبر، فإنه وإن شابه صاحب الهمة العالية في التحرز والتجنب، إلا أنه يقصد بذلك أن يعلو رقابهم، وأن يفتخر عليهم، وأن يجعلهم تحت قدمه، وأما هذا الذي يصون نفسه فإنه يتحرى الأشياء التي قد تلوث قلبه، فيتكرم ويتعزز عن أن يواقعها؛ كي لا تلوث قلبه وإيمانه.
إنّ الكبر أثر من آثار العجب والبغي، وينشأ في قلب قد امتلأ بالجهل والظلم، وترحلت منه العبودية، ونزل عليه المقت، فالمتكبر نظره إلى الناس شزر، ومشيه بينهم تبختر، ومعاملته لهم معاملة الاستئثار والأنانية لا معاملة الإيثار والإنصاف، ذهب بنفسه تيهاً، فلا يبدأ من لقيه بالسلام، وإن رد عليه رأى أنه قد بالغ عليه في الإنعام، لا ينطلق لهم وجهه، ولا يسعهم خلقه، ولا يرى لأحد عليه حقاً، ويرى حقوقه على الناس، ولا يرى فضلهم عليه، ويرى فضله عليهم، فلا يزداد من الله إلا بعداً، ولا يزداد من الناس إلا صغاراًً وبغضاً.
стр. 82
الفرق بين التواضع والمهانة
وهناك فرق بين التواضع والمهانة وهذه الفروق مذكورة في كتاب (الروح) للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فالتواضع يتولد من أمرين: من العلم بالله ، ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله وتعظيمه ومحبته وإجلاله، ومن معرفته بنفسه وتفصيلها وعلوم عملها وآفاتها، فيتولد من ذلك خلق التواضع، وهو: انكسار القلب لله، وخفض جناح الذل والرحمة لعباده، فلا يرى له على أحد فضلاً، ولا يرى له عند أحد حقاً، بل يرى الفضل في الناس عليه، والحقوق لهم قبله، وهذا خلق إنما يعطيه الله من يحبه ويكرمه ويقربه.
وأما المهانة: فهي الدناءة والخسة وبذل النفس وابتذالها في نيل حظوظها وشهواتها، كتواضع السفل في نيل شهواتهم، وقد ضرب العلماء مثلاًَ لهذا الشخص الذي يقبل المذلة والمهانة في سبيل حظوظ نفسه وشهوته، فقالوا: إن مثَل هذا كمثل الكلب ذهب إلى الأسد واشتكى له أنه سماه باسم قبيح، فقال: إن كلمة (كلب) كلمة قبيحة، فأنا أريد منك أن تغير اسمي، فأيأسه الأسد من ذلك، فلما رأى إصراره قال: إذن أعطيك هذه القطعة من اللحم، وتبقى تحرسها فترة من الزمن، فطال عليه الوقت حتى جاع، ولما جاع قال: وأي شيء في اسم كلب؟! ما (كلب) إلا اسم حسن جميل، فأكلها! فالشاهد: أن الإنسانَ الخسيسَ الهمةِ، والدنيءَ الطبع، يهين نفسه، ويقبل الدناءة والخسة في سبيل حظوظه وشهواته، ومثلَ هؤلاء السفل الذين يتواضعون من أجل نيل شهواتهم مثل تواضع المفعول به للفاعل، فهذا النوع من المهانة والخسة والدناءة لا يمكن أن يجتمع مع شرف النفس وصيانتها، وكذلك تواطؤ طالب كل حظ لمن يرجو نيل الحظ منه، فالمرءوسون يتواضعون في مهانة ومذلة لرئيسهم من أجل أن ينالوا منصباً، أو ينالوا مكافأة، أو ينالوا شيئاً من مطالب وحظوظ النفس، فهذا كله يدخل في صفة الضعة لا في صفة التواضع، والله يحب التواضع، ويبغض الضعة والمهانة، يقول ﷺ : (إن أوحى الله إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد).
стр. 83
الفرق بين المنافسة والحسد
ونذكر الفرق بين المنافسة والحسد، فالمنافسة: هي المبادرة إلى الكمال الذي تشاهده عند غيرك، فترى غيرك فيه من الصفات الكاملة، فأنت تحث نفسك إلى منافسته، وتبادر إلى أن تتحلى بهذا الكمال، فتنافسه حتى تلحق به أو تجاوزه إذا كنت أعلى همة منه، فثمرة المنافسة بلوغ المطالب العالية، وهي ثمرة من ثمار شرف النفس، وعلو الهمة، وكبر القدر، يقول الله ﵎: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، فهذا أمر بالتنافس، وقوله: (وَفِي ذَلِكَ) يعني: في الجنة ونعيمها يحق لكم أن تتنافسوا فيها، والمنافسة: مأخوذة من النفاسه، والشيء النفيس: هو الذي تتعلق به النفوس طلباً ورغبة، فهذه النفس تنافس النفس الأخرى في الحصول على هذا الشيء النفيس، وسمة هذا التنافس في أمور الآخرة أن الإنسان يفرح إذا شاركه غيره فيه، وهذا أمر مهم جداً، وخصوصاً بين طلبة العلم، وبين طالبي المقاصد الأخروية، الذين كبرت هممهم، وكما ذكرنا من قبل أنّ كبير الهمة لا يرضى ولا يقنع بما دون الجنة، فهو يريد الآخرة، فإذا كان الناس الذين يتسابقون في مجالات الخير، كالدعوة، والتعليم، وطلب العلم، وغير ذلك من الأمور الخيرية يريدون الآخرة فإن الأمور ستستقيم لهم؛ لأنهم محضوا نيتهم للآخرة، فإذا دخلت الدنيا ولو تحت ستار الدين فإنه يقع التحاسد المذموم، والتنافر المشئوم؛ لأنه في هذه الحالة سيكون التنافس على الجاه أو الشهرة، حتى يتحدث الناس بأن فلاناً عالم أو عابد أو كريم أو سخي أو قارئ للقرآن إلى غير ذلك من هذه المقاصد، وإذا انحرفت النية عن الآخرة إلى الدنيا فهنا سيقع التحاسد، فالذي يشعر بصفة الحسد إذا وجد أخاه يبادره التسابق في طلب العلم، أو في عبادة، أو غير ذلك، فهذا دليل على مرض في قلبه، وأنه يريد الدنيا لا الآخرة؛ لأن الآخرة واسعة وفسيحة تتسع للجميع، وأما الدنيا فضيقة، ولا يتحمل الناس بعضهم بعضاً إذا طلبوها؛ ولذلك فإن الدنيا من شأنها أن تفرق الناس، فنجد الناس بينهم من الود والمحبة والروابط القوية شيء عظيم جداً، فإذا اشتركوا في تجارة، أو اشتركوا في مشروع تجاري ففي الغالب أن الدنيا تئول بهم إلى الخصام والتنافس المحرم والتحاسد وفساد ذات البين، وقد تكون هناك استثناءات، وهذا شيء نادر.
وأما إذا أرادوا الآخرة فإنها توحد بينهم، فالنفس السليمة، والقلب السليم يفرح إذا تنافس مع غيره في أمور الآخرة، ولا يشعر بحزن ولا بحسد، ولا يتمنى زوال النعمة عن الآخرين، فالداعية الذي يدعو إلى الله ، أو يعلم الناس، أو يربيهم مقصده أن يهديهم إلى ربهم الله ، وأن يسلكوا طريق الطاعة، فإن كان مخلصاً لله فإنه يحب أن يشاركه هؤلاء في الخير الذي هو فيه، فإذا كان كل همه أن يسوقهم إلى الهداية وإلى الجنة، فكيف يحسدهم إذا منّ الله عليهم بالهداية؟! فالداعية يحب أن كل الناس يسلكون هذا الطريق إلى الآخرة، وحتى لو سبقوه لا يجد في نفسه، بل يحركه ذلك إلى المنافسة المشروعة التي أمرنا بها، كما قال ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين)، أما أن يقع التنافس المذموم على الجاه، أو على الشهرة، أو نحوها فهذا معناه أننا خرجنا من طلب الآخرة إلى طلب الدنيا، ومن ثَمّ يأتي شؤم طلب الدنيا من الخصام والفساد وغير ذلك، فالنفس الشريفة تفرح إذا شاركها غيرها في التنافس في أعمال الآخرة، كما كان أصحاب رسول الله ﵌ يتنافسون في الخير، ويفرح بعضهم ببعض؛ لاشتراكهم فيه، بل يحض بعضهم بعضاً على تنافسهم فيه، فهم يتنافسون ومع ذلك يحض بعضهم بعضاً عليه، وهذا من المسابقة، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، وقال أيضاً: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد:٢١]، وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يسابق أبا بكر رضي الله تعالى عنه وينافسه، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه أفضل البشر على الإطلاق بعد الأنبياء ﵈، فكان عمر يطمع في أن يغلب أبا بكر مرة، وأنّ يسبقه في أي باب من أبواب الخير، فلم يظفر بسبقه أبداً مع شدة حرصه على أفعال الخير، فكلما شرع في شيء يفاجأ بأن أبا بكر قد سبقه إليه، وقد سأل النبي ﵌ أصحابه ﵃ يوماً سؤالاً مفاجئاً فقال: (من أصبح منكم اليوم صائماً -فهنا يتعين عليهم الجواب؛ لأن الرسول ﵊ يسألهم- فقال أبو بكر: أنا، فقال: من أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ فقال أبو بكر: أنا، قال: من شيع منكم اليوم جنازة؟ فقال أبو بكر: أنا، قال: من عاد منكم اليوم مريضاً؟ فقال أبو بكر: أنا، فقال ﵌: والذي نفسي بيده! ما اجتمعت هذه الخصال في رجل في يوم إلا أدخله الله الجنة) أو كما قال ﵌، فـ الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه لم ينل هذه المرتبة والمنزلة -وهي كونه أفضل أولياء الله على الإطلاق- بالأماني، ولا بالكسل، ولا بالعجز، وإنما نالها بالمجاهدة والمنافسة في الخيرات، بحيث لم يسبقه أحد رضي الله تعالى عنه، فـ عمر مع حرصه على مسابقته لم يستطع أن يسبقه، ولعل الرسول ﷺ لو سأل أسئلة مزيدة ربما أيضاً لم يجب إلا أبو بكر ﵁، فلو سأل من قام الليل؟ من فعل كذا وكذا من أفعال الخيرات؟ فالغالب -والله تعالى أعلم- أنه كان سيقول: أنا، دون غيره أو يشارك غيره فيه، فلما علم عمر ﵁ أنّ أبا بكر قد استولى على الإمامة -أي: تمكنت منه خصال الإمامة في الدين- قال لـ أبي بكر: (والله! لا أسابقك إلى شيء أبداً!) وقال أيضاً: (والله! ما سبقته إلى خير إلا وجدته قد سبقني إليه!).
فالمتنافسان كعبدين يتباريان بين يدي سيدهما، فيتنافسان في مرضاته، ويتسابقان إلى محابه، فسيدهما يعجبه ذلك منهما، ويحثهما عليه، وكل منهما يحب الآخر، ويحرضه على مرضاة سيده، ولله المثل الأعلى.
أما الحسد: فخلق نفس ذميمة وضيعة ساقطة، ليس فيها حرص على الخير، وهذه النفس قد تمكن منها العجز والمهانة، حتى أنها تحسد من يكسب الخير والمحامد، ويفوز بها دونها، وتتمنى أن لو فاته كسبها حتى يساويها في العدم.
إن الحاسد عدو نعم الله ، وعدو قدر الله واختياره، فليس همه أن يكون مثل ذلك الشخص المحسود كما هو الحال في الغبطة، بل كل همه، ومنى قلبه أن تزول النعمة عن المحسود، فهو عدو نعم الله كما قال العلماء، فهو يتمنى أن تزول من عند غيره، وربما يتمنى أن تحل فيه، فالمهم أنه يحب أن يرى في الآخرين غُصَص العدم والفقر، كما قال تعالى عن هذا الصنف: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]، ولذلك فالحسد لا يمكن أن يكون من أخلاق المؤمن، بل هو صفة من صفات الكفار كما قال ﵎ أيضاً: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩]، فالحسود عدو النعمة، ويتمنى زوالها عن المحسود كما زالت عنه, والمنافس مسابق النعمة، ويتمنى تمامها عليه وعلى من ينافسه، فهو ينافس غيره حتى يسبقه، ويحب لحاقه به أو مجاوزته له في الفضل، والحسود يحب انحطاط غيره حتى يساويه في النقصان، وأكثر النفوس الفاضلة الخيرة تنتفع بالمنافسات، فمن جعل نصب عينيه شخصاً من أهل الفضل والسبق فنافسه انتفع به كثيراً، فإنه يتشبه به، ويطلب اللحاق به، والتقدم عليه، وهذا لا نذمه؛ لأننا أُمرنا بالمنافسة في أمور الآخرة، وأمرنا أيضاً بالنظر إلى من هو فوقنا في الدين، والنظر إلى من هو أسفل منا في الدنيا، فعليك أن تنظر إلى من هو فوقك في الدين؛ حتى تقتدي به، وهذا هو الميزان الصحيح، أما الآن فتجد بعض الناس ينظر إلى من هو أسفل منه في الدين، فضاع بسبب ذلك كثير من الناس خاصة العوام، لذلك إذا كلمت أحدهم -مثلاً- وقلت له: لماذا تجلس أمام التلفاز وترى الأشياء المحرمة؟ ولماذا تشتغل بالشطرنج والنرد والطاولة والدومينو وغير ذلك من هذه الأشياء؟ فيقول: نحن الآن أحسن من غيرنا ممن يجلس يغتاب الناس، ويأكل لحومهم وأعراضهم، فهو ينظر إلى من هو أسفل منه، ولا ينظر إلى من هو أعلى منه ممن يقوم الليل، ويحفظ القرآن، ويحضر مجالس العلم، فهذه من علامات خسة الهمة، أعني: أن ينظر في الدين إلى من هو أسفل منه، وربما تحرق قلبه حسداً على من هو أعلى منه في الدنيا، مع أنّ العاقل لا يحسد على الدنيا.
قال بعض السلف: من أحسد؟ هل أحسد مؤمناًَ آتاه الله شيئاً من الدنيا، وقد أعد الله له الجنة؟! فما تساوي هذه الدنيا بالنسبة إلى الجنة التي تنتظره؟! أو هل أحسد كافراً فمهما بلغت الدنيا التي بين يديه فمآله إلى خلود في النار؟ فهل أحسد المؤمن أم الكافر؟ فلا أحسد الكافر الذي مهما تمتع في الدنيا فمصيره إلى النار في الآخرة، ولا أحسد المؤمن الذي مهما أوتي من الدنيا فإن الآخرة التي هي أعظم خيراً من الدنيا تنتظره.
إنّ ساقط الهمة ينظر دائماًَ إلى من هو أسفل منه في الدين فيقول: أنا خير من فلان، ونحن لا نقعد نأكل أعراض الناس، ونغتاب، ونفعل كذا، وإنما نجلس نتسلى بالطاولة، أو الشطرنج، أو التلفزيون، فهو يظن أن هذه ليست مصيبة في الدين! وهذا خذلان من الله ، فالتنافس في الدين لا يذم، بل يجب عليك أن تتطلع إلى من هو أعلى منك لتقتدي به، وهذا هو معنى الائتمام بالأفاضل في الدين، فالائتمام بهم هو المسارعة إلى اللحاق بهم.
وقد يطلق اسم الحسد على المنافسة المحمودة المشروعة، كما في الصحي
стр. 84
الفرق بين حب الرئاسة وحب الإمامة في الدين
من الفروق المهمة أيضاً في هذا الباب: الفرق بين حب الإمامة في الدين وبين حب الرئاسة والزعامة والتسلط على رقاب الناس.
يقول الله ﵎: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]، قال بعض المفسرين: إنّ هذه الآية بمعزل عن إرادة السلطنة والملك، فإبراهيم ﵇ لم يطلب الملك والرئاسة والسلطنة، ولا علاقة لهذه الإمامة بالإمامة السياسية والملك والرئاسة وغير ذلك، وإنما تثبت هذه الآية الكريمة أن الإمامة في الدين يحرمها الظالمون من ذريته، فقوله تعالى: ((قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي)) أي: اجعل أيضاً من ذريتي أئمة يهدون إلى الدين، ((قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)).
فالآية تدل على أن إمامة الدين لا ينالها الظالمون، ولو كان المقصود من الآية إمامة الدنيا لكان قوله: ((لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)) يتصادم مع الواقع؛ لأننا نرى أن الذين ينالون الإمامة السياسية من أزمان بعيدة هم الظالمون، وأن الإمامة آلت في كثير من الأحوال إلى أيدي الظالمين، وأما الإمامة الدينية فلا يمكن أن تقع أبداً في يدي ظالم، وإنما هي لأئمة الهدى.
وكان من دعاء الخليل إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أيضاً: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ [الشعراء:٨٣] وهذا ليس كما يتصور بعض الجهال من الناس من أن الحكم هنا بمعنى السياسة والملك، كما حصل من بعض الحراس في بعض الأوقات حيث صادروا كتاب ((جامع العلوم والحكم)) فقد قرأه المسكين الذي صادره: (جامع العلوم والحُكْم) فصادروا الكتاب، ومنعوا دخوله إلى السجن، كما صادروا كتاب: (الأربعين النووية)، وقالوا: هذا متعلق بالأسلحة النووية! فقوله: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا) أي: حكمة، أو حُكْمًا بين الناس بالحق أو نبوة؛ لأن النبي ذو حكم، وذو حكمة، ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء:٨٣] أي: وفقني للانتظام في سلكهم؛ لأكون من الذين جعلتهم سبباً لصلاح العالم، وكمال الخلق، ولذلك قال إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤] أي: ذكراً جميلاً بعدي أُذكر به، ويقتدى بي في الخير، فهذا طلب للإمامة في الدين لمصلحة الدين، أي: يطلب أن يكون إماماً حتى يهدي الله الناس على يديه، ويقودهم إلى الله ، وإلى الجنة، ولا يقصد الرئاسة، ولا الزعامة، ولا التنافس على مناصب الدنيا.
فقوله: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ) يعني: أُذكر به؛ كي يقتدى بي في الخير، وقد كان ذلك لإبراهيم ﵇، كما قال : ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٨ - ١١٠].
يقول القرطبي رحمه الله تعالى: روى أشهب عن مالك أنه قال في قول الله : (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ): لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه صالحاً، ويرى أنه عمل عمل الصالحين إذا قصد به وجه الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه:٣٩] فموسى ﵇ كان لا يراه أحد إلا أحبه.
وقال تعالى أيضاً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦] أي: حباً في قلوب عباده، وثناءً حسناً، فنبه تعالى بقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤] على استحباب اكتساب ما يورث الذكر الجميل.
وجوز بعض المفسرين أن يكون معنى: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ) أي: اجعل لي صادقاً من ذريتي، وأخرج من ذريتي المتأخرة فيما بعد صادقاً يجدد أصل ديني، ويدعو الناس إلى ما كنت أدعوهم إليه من التوحيد، وهو النبي محمد ﵌، وقد جاء في بعض الأحاديث قوله ﵊: (أنا دعوة أبي إبراهيم) وهذه الدعوة مذكورة بأصرح من هذا في سورة البقرة: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:١٢٩].
وصح من دعاء النبي ﷺ أنه قال: (اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين) أي: هداة للآخرين، مهتدين في أنفسنا.
وأخبر أن من دعاء عباد الرحمن الذين أحبهم وأثنى عليهم، أنهم يقولون: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]، قال البخاري رحمه الله تعالى في تفسيرها: (إِمَامًا) أي: أئمة نقتدي بمن قبلنا، ويقتدي بنا من بعدنا، فلا يصلح أن يكون الإنسان قدوة يقتدي به من كان في زمنه ومن يأتي بعده إلا إذا كان سائراً على نهج من سبقه من السلف الصالح؛ فهذا التفسير دقيق جداً.
وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) أي: قدوة يقتدى بنا في الخير، فكلما اقتدى بهم في الخير كثير من الناس كان ذلك أكثر ثواباً، وأحسن مآباً، وهذا لا يكون إلا أن يكون الداعي متقياً قدوة، وهذا هو قصد الداعي.
وفي الموطأ: إنكم أيها الرهط! أئمة يقتدى بكم، وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول في دعائه: (اللهم اجعلنا من أئمة المتقين).
وقال مكحول: اجعلنا أئمة في التقوى، يقتدي بنا المتقون.
وقال القفال وغيره من المفسرين: في الآية دليل على أن طلب الرئاسة في الدين واجب.
أي: أنّ الرئاسة هنا ليست الرئاسة الدنيوية، بل هي الإمامة في الدين، وذلك أن يصل إلى مرتبة الإمامة كي يهتدي به الناس، ويقوم بهذا الفرض الكفائي.
وكان القشيري يقول: الإمامة بالدعاء لا بالدعوى، يعني: بأن تدعو الله ، وتجتهد في الدعاء، وتسلك أسباب ذلك، وقوله: بالدعاء لأن لازم الدعاء -إذا كان مشتملاً على شروطه- أن يستجيب الله له، فالمقصود بكلمة (الإمامة بالدعاء) يعني: بتوفيق الله وتيسيره ومنته، لا بما يدعيه كل واحد لنفسه.
وقال إبراهيم النخعي: لم يطلبوا الرئاسة، بل طلبوا أن يكونوا قدوة في الدين.
وقال ابن عباس في قوله: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) أي: اجعلنا أئمة هدى، كما قال : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة:٢٤].
وعن الحسن قال: من استطاع منكم أن يكون إماماً لأهله -أي: قدوة-، إماماً لحيه، إماماً لمن وراء ذلك، فإنه ليس شيء يؤخذ عنك إلا كان لك منه نصيب؛ لأنّ النبي ﷺ يقول: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً)، وقال ﷺ : (الدال على الخير كفاعله).
وقد فصل الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى الفرق بين حب الرئاسة، وبين حب الإمامة في الدين في كتاب (الروح)، فقال رحمه الله تعالى: والفرق بين حب الرياسة وحب الإمارة للدعوة إلى الله، هو الفرق بين تعظيم أمر الله والنصح له، وتعظيم النفس والسعي في حظها، فإن الناصح لله، المعظم له، المحب له، يحب أن يطاع ربه فلا يعصى، وأن تكون كلمته هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، وأن يكون العباد ممتثلين أوامره، مجتنبين نواهيه، فهذا ناصح لله في عبوديته، وأخلص العبودية لله، وناصح خلقه في الدعوة إلى الله، فهو يحب الإمامة في الدين، بل يسأل ربه أن يجعله للمتقين إماماً، يقتدي به المتقون، كما اقتدى هو بالمتقين، فإذا أحب هذا العبد الداعي إلى الله أن يكون في أعينهم دليلاً، وفي قلوبهم مهيباً، وإليهم حبيباً، وأن يكون فيهم مطاعاً كي يأتموا به، ويقتفوا أثر الرسول على يده؛ لم يضره ذلك، بل يحمد عليه؛ لأنه داعٍ إلى الله، ويحب أن يطاع الله ويعبد ويوحد، فهو يحب ما يكون عوناً على ذلك موصلاً إليه؛ ولهذا ذكر سبحانه عباده الذين اختصهم لنفسه، وأثنى عليهم في تنزيله، وأحسن جزاءهم يوم لقائه، فذكرهم بأحسن أعمالهم وأوصافهم، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]، فسألوه أن يقر أعينهم بطاعة أزواجهم وذرياتهم له سبحانه، وأن يسر قلوبهم باتباع المتقين لهم على طاعته وعبوديته، فإن الإمام والمؤتم متعاونان على الطاعة، فإنما سألوه ما يعينون به المتقين على مرضاته وطاعته، وهو دعوتهم إلى الله بالإمامة في الدين التي أساسها الصبر واليقين قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ).
وسؤالهم أن يجعلهم أئمة للمتقين هو سؤال أن يهديهم ويوفقهم، ويمن عليهم بالعلوم النافعة، والأعمال الصالحة التي لا تتم الإمامة إلا بها ظاهراً وباطناً.
أي: لن يكونوا أئمة إلا إذا اجتهدوا في الأعمال الصالحة، وفي العلوم النافعة في الظاهر والباطن.
وتأمل كيف نسبهم في هذه الآيات إلى اسمه الرحمن ﷻ فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان:٦٣] فاختصهم بالإضافة الشريفة إلى اسمه الرحمن، ليعلم خلقه أن هذا إنما نالوه بفضل رحمته، ومحض جوده ومنته، وتأمل كيف جعل جزاءهم في هذه السورة الغرف، وهي المنازل العالية في الجنة؛ لأن العمل الذي اس
стр. 85
الحث على علو الهمة في الكتاب والسنة
إن الفصل المتبقي من مقدمات البحث هو الحث على علو الهمة كما ورد في الكتاب وفي السنة، فقد تواردت نصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة على حث المؤمنين على ارتياد معالي الأمور، والتسابق في الخيرات، وتحذيرهم من سقوط الهمة، وقد تنوعت أساليب القرآن الكريم في ذلك، فمنها: ذم ساقطي الهمة، وتصويرهم في أبشع صوره، كما قص الله علينا من قول موسى ﵇ لقومه: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٦١] فهذا من سفالة الهمة، وسقوطها، وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦] أي: سفلت همته، ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٦]، وقال أيضاً واصفاً حال اليهود، ومبيناً سقوط همتهم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٥]، وقال في وصف أشباههم: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ [الأنعام:٩١] يعني: علمتم فلم تعملوا، فهذا ليس بعلم، في حين أنه سبحانه مدح يعقوب ﵇ بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف:٦٨] يعني: ذو عمل بما علمناه.
وذم سبحانه المنافقين المتخلفين عن الجهاد لسقوط همتهم، وقناعتهم بالدون، فقال : ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة:٨٧] يعني: قنعوا بذلك، وفرحوا به، فهذا أثر من آثار سقوط همتهم، وبين أنهم لسقوط همتهم قعدوا عن الجهاد فقال: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦]، وشنع الله على الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، وهذا بلا شك أجلى مظاهر سفالة الهمة، فهم يجعلون الدنيا أكبر همهم، وغاية علمهم، فيعتبر هذا الإيثار أسوء مظاهر خسة الهمة، وبين الله تعالى أن الركون إلى الدنيا تسفل ونزول يترفع عنه المؤمن، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة:٣٨] فهل يرضى أحد بالدنيا بدلاً من الآخرة؟! ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة:٣٨] , وقال أيضاً: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم:٢٩] فهذا سافل الهمة، فما يريد إلا الدنيا، ولا يعيش إلا للدنيا، وقال أيضاً: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النساء:١٣٤] أي: من كان يريد ثواب الدنيا كالذي يجاهد -مثلاً- لطلب الغنيمة، فما له يطلب أخس الأمرين، وأمامه فرصه أن ينال ثواب الدنيا الذي يريده وثواب الآخرة بالإخلاص لله ؟! وهذه إشارة إلى أن يرتفع الإنسان بهمته، فالذي سيعطيك الدنيا قادر على أن يعطيك الآخرة، فاطلب الأمرين جميعاً، كما قال : ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:٢٠٠] أي: من نصيب ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
إذاً: أمامك الخيار: إما أن تطلب الدنيا فقط، وهي أخس المطالب، وإما أن تطلب أشرف المطلبين، وهو الآخرة فقط، وإما أن تطلب الأمرين معاً: الدنيا والآخرة, فما بالك تقنع بأن تطلب الدنيا فقط وهي أخس هذه الخيارات؟! فهذا هو المقصود من قوله : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) يعني: فما له يطلب أخسهما؟ هلّا طلب أشرفهما أو طلبهما معاً؟! وذم الله حرص اليهود على الحياة، ولو كانت ذليلة مهينة فقال : ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة:٩٦]، وشنع القرآن الكريم على المشركين الذين يعبدون مع الله آلهة أخرى باعتبار أن الشرك أجلى وأوضح مظاهر خسة الهمة، فالإنسان الذي كرمه الله ، وآتاه العقل والفطرة، وأرسل له الأنبياء، وأنزل إليه الكتب، وأراه الآيات في الآفاق وفي نفسه، ومع ذلك يعمد إلى صنم نحته بيده فيعبده، ويسجد له ويركع له، ويسأله ويتوسل إليه يدل على خسة همته، أو تجد أنّ الله أرسل له عبداً ليهديه، ويأخذ بيده إلى الجنة، فبدلاً من أن يعبد الله المرسِل يعبد المرسَل كما فعل النصارى مع المسيح ﵇، فعبدوا النبي الرسول وأعرضوا عن عبادة الخالق الذي خلقهم وخلق ذلك الرسول؛ فهذا بلا شك من أجل مظاهر خسة الهمة، والذي يثلث الآلهة ويقول: إن الله ثلاثة خسيس الهمة دنيئُها.
وكذلك يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١].
وقال في عابدي المسيح مبيناً خسة همتهم: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة:٧٥]، فقوله: (كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ) يعني: كانا محتاجين إلى الطعام، فهل الإله يحتاج إلى الطعام؟ وماذا يلزم من الطعام؟ يلزم من الطعام الإخراج، فهل الإله يخرج والعياذ بالله؟! فكيف يعبدونه إذن؟! فلو كانت نفوسهم شريفة، ولو كانت عندهم همة لارتقوا عن هذه العقيدة الخسيسة الدنيئة.
стр. 86
علو همة الأنبياء والمرسلين
أثنى القرآن على أصحاب الهمم العالية، وفي مقدمتهم الأنبياء والمرسلون، لا سيما أولوا العزم من الرسل، وعلى رأسهم سيدهم وأشرفهم وخاتمهم محمد ﵌، قال : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥]، وقد تجلت همتهم العالية في مثابرتهم وجهدهم ودعوتهم إلى الله ، كما أوضحه الله في قصص الأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
стр. 87
علو همة أتباع الأنبياء والمرسلين
ومن أساليب القرآن: أنه قص مواقف أصحاب الهمة العالية من المؤمنين أتباع الأنبياء والمرسلين، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة:٢٣]، وكما في قصة مؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه، ولما سنحت الفرصة لم يكتم إيمانه، بل تحداهم أجمعين، وصدع بالحق.
وكما في قصة حبيب النجار في سورة يس، وكما في قصة داود وجالوت: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٢٤٩] أي: يوقنون، ﴿أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩] إلى قوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥١].
стр. 88
علو همة أولياء الله الصالحين
من أساليب القرآن أيضاً في مدح علو الهمة: أنه عبر عن أولياء الله الذين كبرت همتهم بوصف الرجال، وذلك في مواطن البأس والجد والعزيمة والثبات على الطاعة، والقوة في دين الله، وتأتي كلمة الرجال كثيراً في مقام التفخيم والتعظيم، فهناك فرق بين الرجولة وبين الذكورة، فكل رجل ذكر، وليس كل ذكر رجلاً، والذكورة هذه صفة تشريحية توجد في اليهودي والنصراني والمجوسي وعابد النار وعابد الوثن كما توجد في المسلم، فهي صفة تشريحية، وأما الرجولة فليست لكل الناس، فقد يكون ذكراً ولا يكون رجلاً، ولا يستحق أن يتشرف بوصف الرجولة، يقول ﵎: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨]، فانظروا كيف وصفهم أنهم رجال.
وقال : ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧] وهذا من علو همتهم، وقال أيضاً: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣].
стр. 89
أمر المؤمنين بالهمة العالية والتنافس في الخيرات
أمر الله المؤمنين في القرآن الكريم بالهمة العالية، والتنافس في الخيرات فقال : ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١]، فهذا أمر بالمسابقة، وقال أيضاً: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال سبحانه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) [البقرة:١٤٨]، وقال أيضاً: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠] وقال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١]، وقال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، فهذا التنافس محمود كما ذكرنا، وأما التنافس في الدنيا فهو مذموم ومنهي عنه في قوله ﷺ : (ولا تنافسوا) وامتدح الله أولياءه بأنهم: ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠] وبأنهم: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٦١]، وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٥]، فمن المعلوم والبدهي أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان، ولكن الله نبه بنفي الاستواء فقال: (لا يَسْتَوِي)؛ ليذكر المؤمنين بما بينهما من التفاوت العظيم، فيأنف القاعد، ويترفع بنفسه عن الانحطاط من منزلته، فكيف يرضى بالدون؟! وكيف يرضى بالمنزلة السفلى؟! فيهتز للجهاد، ويرغب فيه، ويسعى في ارتفاع منزلته، وهذا شبيه بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] ومعلوم أن العالم لا يستوي مع الجاهل، ولكن المقصود من الآية أن تتحرك همة الذي لا يعلم حينما يسمع هذه الآية، ويسمع أن الله قال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، فهذا تحفيز للهمم كي تصعد إلى الدرجات العليا.
стр. 90
حث النبي ﷺ أمته على علو الهمة
في السنة الشريفة نصوص كثيرة عن علو همة أصحاب رسول الله ﷺ ، وعن تسابقهم إلى المعالي، كيف لا وقد أوصاهم رسول الله ﷺ بذلك، فقال ﵊: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز)؟! وتجد كثيراً من الناس من أعراض هبوط الثقة بالنفس، وهبوط الهمة عندهم، أنك بمجرد أن تبدأ تناقشه، أو تكلفه بشيء يقول لك: لا أستطيع، ولا أقدر، فيعتذر ويهرب دائماً من أن يتحمل أي شيء من المسئولية حتى ولو كانت صغيرة، وهذه علامة سيئة، وملمح قبيح من ملامح الشخصية، فهو ضعف في الثقة بالنفس، وقلة في التقدير لها، وضعف في الهمة، بينما نجد الرسول ﷺ هنا يقول: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز) فهذا حث للإنسان على الحرص حتى تصعد همته إلى تحقيق ما يصبو إليه، أو يكلَّف به.
وقال ﷺ : (إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة -النخلة الصغيرة-فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها) مع أنه لا يوجد وقت للإنسان حتى يغرسها، فالدنيا ستخرب بعد حين، ومع ذلك أرشدنا النبي ﷺ إلى اغتنام الفرصة إلى أقصى مدى، ولا نتفكر في المستقبل، بل عش لحظاتك الحاضرة، ولا تقل: متى أغرسها؟! ومتى تثمر والقيامة على وشك القيام؟! لا، وإنما افعل ما تستطيعه فإنك ستثاب عليه، وسينفعك هذا الغرس.
وثبت عنه ﵌ أنه كان من دعائه: (وأسألك العزيمة على الرشد)، يعني: أن تتحرك همته دوماً نحو الرشاد والأعمال الصالحة، وكان ﵊ يتعوذ بالله من العجز والكسل، وقال لأصحابه: (إن الله تعالى يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها)، ومعالي الأمور هي الأخلاق الشرعية، والخصال الدينية، وليست الأمور الدنيوية؛ لأن العلو فيها نزول.
وقد طمأن رسول الله ﷺ أهل الهمة العالية بأن الله يمدهم بالمعونة على قدر سمو هممهم، يقول ﷺ : (إن المعونة تأتي من الله للعبد على قدر المئونة) أي: على قدر ما يكلفك الله تأتيك المعونة، فنحن نلاحظ الطالب -مثلاً- طوال السنة قد يعجز عن أن يذاكر كتاباً معيناً بينما نجده في أيام الاختبارات حينما يركز همته ويعليها، وتكون القضية قضية مصير، فإنه في ليلة واحدة يمكن أن يقرأ مجلداً كاملاً، وينتهي منه، ويحفظه، ويستطيع أن يدخل الامتحان ويتفوق فيه؛ لأنه استحث همته، وعلى قدر الهمة تأتيك المعونة من الله ، فإذا أردت أن تنجز عملاً في يوم أو يومين، وشرعت في ذلك وحرصت عليه، فإن الله يمدك بالعون على قدر نيتك وهمتك، وهذا مجرب.
وقد بيَّن صلى الله عليه آله وسلم أن أكمل حالات المؤمن ألّا يكون له هم إلا الاستعداد للآخرة، فقال ﵊: (من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له)، وامتدح ﷺ قوماً بعلو همتهم فقال: (لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من فارس)، فانظر إلى هذا التعبير عن علو الهمة.
إن عامة نصوص الترغيب والترهيب في الوحيين الشريفين فيها تحريك للهمة؛ لأن الهمة هي قوة الإرادة، فهذه النصوص ترمي إلى توليد قوة دافعة تحرك قلب المؤمن، وتوجهه إلى إقامة الطاعات، وتجنب المعاصي والمخالفات، وإلى بعث الهمة وتحريكها واستحثاثها للتنافس في الخيرات، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصر.
فمثلاً: يقول ﵊: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه -أي: يقترعوا عليه- لاستهموا، -يعني: لشدة التنافس- ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً).
ويقول الرسول ﵊: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها)، وهذا الحديث كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] وهذا ليس خبراً فحسب، بل المقصود منه الحث على الارتقاء، حتى تقارن بين هؤلاء وهؤلاء، وهو مثل قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ [النساء:٩٥] إلى آخر الآيات، كذلك هنا: (يقال لصاحب القرآن) فالمفروض على المؤمن الذي عنده همة أنه إذا سمع هذا الحديث أن تعلو همته إلى الترقي في الآخرة، فيحفظ القرآن الكريم، ويجتهد في ذلك؛ حتى يتمه، ففي استطاعتك أن تحدد منزلتك من الجنة بهذا الحديث، فكلما اجتهدت في حفظ القرآن كلما ارتقيت منزلة أعلى عند الله ، فهذا لحديث يبشر حفظة القرآن وحملته القائمين بحقه بأعلى المنازل في الآخرة، فسوف ترتفع درجتك في الآخرة بعدد آيات القرآن التي تحفظها.
стр. 91
التحذير من التباطؤ عن الخيرات
حذر النبي ﵊ من تعمد التباطؤ عن المسابقة إلى الطاعات فقال ﵌: (احضروا الذكر، وادنوا من الإمام، فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها) فهذا أمر للإنسان أن يقترب من الإمام في الصلوات، فيحرص دائماً على أن يكون في الصفوف الأول، وإذا تعمد التأخر فالجزاء من جنس العمل، وحتى لو دخل الجنة فإنه يؤخر في مقابل هذا التأخر الذي كان يتأخره عن إقامة الصلاة.
стр. 92
علو الهمة في الدعاء والتحذير من ضد ذلك
وعلمنا ﵌ علو الهمة في الدعاء، فأمرنا أن نسأل الله تعالى من فضله، ولا نستعظم شيئاً في قدرة الله وجوده وكرمه، ومن الأشياء المؤلمة أن الإنسان كلما طالع حث الرسول ﵊ للأمة على علو الهمة يتذكر كثيراً من مواقف الصوفية، وكيف أنهم يخربون نفوس أتباعهم بتسفيل همتهم، وتظهر منهم أحياناً عبارات بشعة جداً فيها أشياء تصادم الدين، فهذا أحدهم يقول: أنا أستحيي أن أسأل الله الجنة، فأنا قدري أهون من أن أسأل الله الجنة! إلى آخر هذه المقولات المعروفة! فالرسول ﵊ يحثك على أن تطمع في رحمة الله، وهل الجنة بعملك أم بفضل الله ورحمته؟ إن دخول الجنة إنما يكون بتوفيق الله وبرحمته، وحتى الطاعات التي تفعلها، فإنك لا تفعلها إلا بقوة الله؛ لأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، فاستمد القوة من الله، واطلب المدد من الله .
عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (إذا سأل أحدكم فليكثر فإنما يسأل ربه) يعني: اطمع فيما شئت من رحمة الله وفضله، فالله من كرمه وجوده يغضب من العبد إذا لم يسأله، وهذا شيء عجيب! جاء في الحديث الصحيح: (من لم يسأل الله يغضب عليه).
وبعض الشعراء يمدح رجلاً من البشر -والله أولى بهذا الوصف بلا شك- فيقول: لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه من جود كفيك ما علمتني الطلبا يعني: أنك لم تعلمني أن أطلبك إلا إذا أنت تريد أن تعطيني، فما دام أنك علمتني السؤال فأنت تريد أن تعطيني، فالله يعلمك أن تسأله، وأن تتوسل إليه، وأن تكثر من ذلك، وأن تطمع فيما شئت من رحمته وفضله ، فلا تقل: إن ذنوبي تحول دون أن أسأل الله العفو والمغفرة، ولا تقل: اللهم! ما كنت معذبي به في الآخرة فاجعله لي في الدنيا! فنفس اللسان الذي دعا بهذا البلاء يمكنه أن يدعو بالعافية، والله يحب العافية، ولعله يمنّ عليك بالعافية، فاحذر مظاهر تسفل الهمة في الدعاء.
إن الدعاء أسهل شيء يحصل به الإنسان ما شاء من مطالب الدنيا والآخرة، ولذلك يقول ﵊: (أعجز الناس من عجز عن الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام)؛ لأن الدعاء شيء تنال به أعلى المراتب في الدنيا والآخرة، والدعاء كلام، والله عطاؤه كلام، ومنعه كلام كما قال : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، فكيف تقصر في الدعاء الذي هو سبب حصولك على كل المطالب التي قد تصبو إليها؟! فلا شك أن أعجز الناس من كان جالساً، مستريحاً، ومع ذلك لا يستوعب شروط الدعاء من الإخلاص والإخبات والتذلل لله، ولو استوعبها فإن الله يعطيه، كما قال ﷺ : (إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً).
يقول الشاعر: لا تسألنّ بُنيَّ آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب الله يغضب إن تركت سؤاله وبُنَيّ آدم حين يسأل يغضب فابن آدم إذا سألته يغضب منك، ويتغير، ويتنمر، ويضجر منك، وأما الله فيغضب منك إذا لم تسأله، فهذا سبب من الأسباب العظيمة جداً في كسب الخيرات، وهو: علو الهمة في الدعاء، يقول ﵊: (إذا تمنى أحدكم فليكثر فإنما يسأل ربه .
وعن العرباض ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس؛ فإنه سر الجنة) أي: لبابها وخلاصتها، وأفضل موضع فيها.
فهذا لا شك أنه درس وإرشاد؛ لكي تعلو الهمة ولا تتخاذل، ولا تقول كما يقول بعض الصوفية: أنا صاحب ذنوب، ولا أستحق الجنة، فإنّا نقول له: كونك لا تستحقها هذا أمر لا خلاف فيه، فكلنا لا يستحقها، لكن إذا كنت تسأل كريماً فاطمع في رحمته، وتذلل له، وقد وعد بأن يعطي.
وفي الحديث: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة).
وأنكر ﷺ على من خالف هذا الهدي، وتضاءلت همته، وتواضعت طموحاته، فعن أنس ﵁: (أن رسول الله ﷺ عاد رجلاً من الأنصار قد خفت فصار مثل الفرخ) (خفت) أي: سكن وسكت من الضعف، يعني: كما نقول الآن: صار جلداً على عظم، فقال له رسول الله ﷺ : (هل كنت تدعو بشيء تسأل الله إياه؟ قال: نعم، كنت أقول: اللهم! ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله! لا تطيقه أو لا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم! آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، قال: فدعا الله له فشفاه).
وعن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ قال له: ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك؟ فقلت: أسألك أن تعلمني مما علمك الله) فانظر إلى همة أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، حافظ السنة، وراوية الإسلام، فلم يكن عنده رغبة ولا هَمَّ في أمر الغنائم، ولا الطعام، ولا الدنيا، ولا كان عنده وقت أصلاً حتى يسعى لكسب الرزق، فقد كان من أهل الصفة، وأهل الصفة ليسوا -كما يتصور بعض الناس- أناساً عاطلين عن العمل، بل كانوا مجندين تحت أمر الرسول ﵊ في الصُّفَّة التي كانت في المسجد النبوي، ومكانها معروف إلى الآن، فهم كانوا جنوداً محبوسين في سبيل الله، حتى إذا أتت مهمة كلفهم الرسول ﵊ بالقيام بها، فكان يرسل بعضهم كي يعلم الناس القرآن أو يعلمهم أمور الدين، ويرسل مجموعة في سرية للجهاد، أو للغزو وغير ذلك، فهم كانوا جنود رسول الله ﵇، قال الله: ﴿لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٣] أي: حبسوا في سبيل الله ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٧٣] فلم يكن عندهم وقت لذلك، بل هم متفرغون لخدمة الدين، فيقول له ﵊: (ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك؟! فقلت: أسألك أن تعلمني مما علمك الله، قال: فنزعت نمرة على ظهري، فبسطتها بيني وبينه حتى أني أنظر إلى القمل -ولعلها النمل ولكن تصحفت- يدب عليها، فحدثني حتى إذا استوعبت حديثه قال: اجمعها فصَّرها إليك -يعني: ضم هذه الكساء أو الثوب إلى صدرك- فأصبحت لا أسقط حرفاً مما حدثني).
ويروى أنه جاء رجل إلى زيد بن ثابت فرضي الله عنه فسأله عن شيء، فقال له زيد: (عليك بـ أبي هريرة، فإني بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد ذات يوم ندعو الله تعالى ونذكره إذ خرج علينا النبي ﷺ حتى جلس إلينا، فسكتنا فقال: عودوا للذي كنتم فيه، قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة، وجعل رسول الله ﷺ يؤمن على دعائنا، ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهم! إني أسألك ما سألك صاحبي هذان، وأسألك علماً لا ينسى، فقال الرسول ﷺ : آمين، فقلنا: يا رسول الله! ونحن نسأل الله تعالى علماً لا ينسى، فقال: سبقكم به الغلام الدوسي) رضي الله تعالى عنه.
وعن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ خرج يوماً فقال: عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي ومعه الرهط، والنبي وليس معه أحد -يعني: لم يستجب له أحد من قومه- فرأيت سواداً عظيماً سد الأفق، فرجوت أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل لي: انظر، فرأيت سواداً عظيماً سد الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سواداً عظيماً سد الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، هم الذين لا يتطيرون، ولا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن ﵁ فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: اللهم اجعله منهم! ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة).
فهكذا كانوا رضي الله تعالى عنهم لا تلوح منقبة أخروية، ولا فضيلة دينية إلا صعدوا إليها، واستشرفوا لها، وتنافسوا فيها، فقد ذكرنا أن عالي الهمة لا يسمع بفضيلة إلا حثّ نفسه إلى أن ينالها مهما كانت، وأما فاتر الهمة فليس عنده تقدير لنفسه، ولا نقول: سافل الهمة؛ فقد يكون ضعيف الهمة إلى حد ما، فلا ترقى همته لهذا، فمثلاً: إذا سمع قول الرسول ﵇: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)، فعالي الهمة تتحرك همته إلى أن يكون هو هذا المجدد، أما الآخر الذي تتواضع همته فيقول: لا، أنا مسكين، وأنا جاهل، وأنا عاجز، لذلك بالهمة يُفرَّق بين شخص وآخر.
ثبت في الصحاح وغيرها أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ليس بفرار، يفتح الله على يديه، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها) يعني: يخوضون فيمن يدفعها إليه، يقال: وقع الناس في دوكة، إذا وقعوا في خوض واختلاط، قال: (فبات الناس يدوكون أيهم يعطاها، حتى قال عمر: ما أحببت الإمارة إلا يومئذٍ) وهو لا يريد الرئاسة، لكنه يريد كلمة: (ويحبه الله ورسوله)، (فلما أصبح أعطاها علياً، ففتح الله على يديه).
وعن ربيعة بن كعب ﵁ قال: (كنت أخدم النبي ﷺ نهاري، فإذا كان الليل أويت إلى باب رسول الله ﷺ فبت عنده، فلا أزال أسمعه يقول: سبحان الله، سبحا
стр. 93
علو همة السلف في التسابق في الطاعات
ومن تسابقهم في الطاعات الذي يعكس علو هممهم رضي الله تعالى عنهم ما رواه عبد الله بن عمر ﵄ أن رجلاً قال: (يا رسول الله! إن المؤذنين يفضلونا، فقال رسول الله ﷺ : قل كما يقولون، فإذا انتهيت فسل تعط).
ومن ذلك أيضاً ما رواه أبو هريرة ﵁: (أن فقراء المهجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: قد ذهب أهل الدثور -جمع دثر، وهو: المال الكثير- بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، فقال: وما ذاك؟ قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله ﷺ : أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة، قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء).
ويروى عن سليمان بن بلال ﵁: (أن رسول الله ﷺ لما خرج إلى بدر أراد سعد بن خيثمة وأبوه جميعاً الخروج معه، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فأمر أن يخرج أحدهما، فاستهما، فقال خيثمة بن الحارث لابنه سعد ﵄: إنه لا بد لأحدنا أن يقيم فأقم مع نسائك، فقال سعد: لو كان غير الجنة لآثرتك به، إني أرجو الشهادة في وجهي هذا، فاستهما فخرج سهم سعد، فخرج مع رسول الله ﷺ إلى بدر فقتله عمرو بن عبد ود).
فهذا تسابق في أمور الآخرة وتنافس فيها؛ ولذلك لا إيثار في أمور الآخرة كما ترون هنا، وهذا على أحد أقوال العلماء، فمن قلة الفقه أن تكون لك فرصة في أن تصلي في الصف المقدم -مثلاً- وتقول لأخيك: تقدّم أنت، فهذا قلة فقه، فالمفروض أنك أنت تسابقه، وتحتل المكان قبله، فقد كان الصحابة ﵃ إذا أقيمت الصلاة يتبادرون ويتسابقون إلى الصف الأول، وأيضاً إذا كانت النوبة لطالب أن يسمع على شيخ القرآن مثلاً، فلا يقول لأخيه: تقدم أنت قبلي، بل يتنافس ويتسابق ويكون المقدم في أعمال الآخرة، كما كان الصحابة يتنافسون في أمور الآخرة، وأما في الدنيا فيلقيها في نحر من يطلبها.
стр. 94
أهمية التحلي بكبر الهمة
إنّ من سجايا الإسلام ومحاسنه التحلي بكبر الهمة، وهذه العبارة ذكرها فضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في حلية طالب العلم فقال: من سجايا الإسلام التحلي بكبر الهمة، فكبر الهمة يجلب لك -بإذن الله- خيراً غير مجذوذ، ويجري في عروقك دم الشهادة، والركض في ميدان العلم والعمل، فلا تُرى واقفاً إلا على أبواب الفضائل، ولا باسطاً يديك إلا لمهمات الأمور، فإن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفاسفها، إن التحلي بكبر الهمة يطرد منك سفاسف الآمال والأعمال، ويجتث منك شجرة الذل والهوان والتملق والمداهنة، فارسم لنفسك كبر الهمة، ولا تنفلت منها، وقد أومأ الشرع إليها في فقهيات تلابس حياتك؛ لتكون دائماً على يقظة من اغتنامها، منها: إباحة التيمم للمكلف عند فقد الماء، وعدم إلزامه بقبول هبة ثمن الماء للوضوء؛ لما في ذلك من المنة التي تنال من الهمة منالاً.
يعني: لو أن رجلاً افتقد الماء، فيجوز له التيمم في هذه الحال، ولو كان معه مال وجب عليه أن يشتري به ماءً ليتوضأ به، أما إذا كان هذا الشخص لا ماء له ولا مال، وجاءه رجل آخر عنده ماء فقال له: أنا أعطيك ماءً تتوضأ به هبة مني، ولا آخذ منك مالاً، فهل يلزمه شرعاً أن يقبل هذا الماء كي يتوضأ به أم أن له أن يتيمم؟ الشريعة تقول: لا يجب عليه أن يقبل الماء؛ لما في ذلك من المنة، وله أن يتيمم حفاظاً على تحرره من منة الغير.
قال: يقول بعض العلماء في مثل هذه المنن: تفقأ عين الحكيم.
ومن هذه الأمثلة أيضاً: أن الرجل لا يلزمه الحج ببذل غيره له.
يعني: لو أن رجلاً قال لك: أنا أعطيك مالاً لتحج به فلو قبل ذلك فلا حرج عليه شرعاً وإن كان على حساب غيره، لكن هل يجب عليه قبول ذلك؟ بمعنى: هل يصير بذلك مستطيعاً بحيث تلزمه فريضة الحج؟
الجواب
لا، لا يلزمه ذلك، فالرجل لا يلزمه الحج ببذل غيره له، ولا يصير مستطيعاً بذلك، سواء كان الباذل قريباً أو أجنبياً، لما في ذلك من المنة التي تلزمه.
يقول منصور بن المعتمر: إن الرجل ليسقيني شربة من ماء فكأنه دق ضلعاً من أضلاعي.
يعني: أنه يتنزه عن ذلك.
وقد بايع الرسول ﵊ بعض الصحابة على ألا يسألوا الناس شيئاً، ولقد كان السوط يقع من أحدهم وهو راكب فينزل ويأخذه، ولا يطلب من أحد أن يعطيه إياه، وقد قال جبريل للنبي ﵊: (واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس).
ويقول الشاعر: غنيت بلا مال عن الناس كلهم إن الغنى العالي عن الشيء لابث ويقول الشنفرى وهو شاعر جاهلي من الصعاليك: وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى وفيها لمن خاف القلى متحوَّلُ أُديم مطال الجوع حتى أميته وأصرف عنه الذكر صفحاً فأذهلُ وأستفّ ترب الأرض كي لا يرى له عليّ من الطول امرؤ متطوِّلُ ولكن نفساً حرّة لا تقيم بي على الضيم إلا ريثما أتحوَّلُ فإذا كان هذا قول هذا الشاعر الجاهلي فماذا يقول المسلم؟! نختم الكلام في هذه المجموعة من المقدمات الضرورية -قبل أن نخوض في مجالات علو الهمة- بالتنبيه على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين هم أعلى الأمم همماً، فقد أجمع أهل السنة والجماعة على أنهم رأس الأولياء، وصفوة الأتقياء، وقدوة المؤمنين، وأسوة المسلمين، وخير عباد الله بعد الأنبياء والمرسلين رضي الله تعالى عنهم أجمعين، جمعوا بين العلم بما جاء به رسول الله ﷺ ، وبين الجهاد بين يديه، شرفهم الله بمشاهدة خاتم أنبيائه ﷺ ، وصحبته في السراء والضراء، وبذلهم أنفسهم وأموالهم في الجهاد في سبيل الله ، حتى صاروا خيرة الخيرة، وأفضل القرون بشهادة المعصوم ﷺ .
стр. 95
علو الهمة [٧]
من أعظم ما ينبغي أن تصرف الهمم إليه تربية الأطفال تربية إسلامية، لاسيما في زماننا هذا الذي تتناوش فيه أبناؤَنا الفتنُ من كل حدب وصوب، يذكي لهيبها دعاة على أبواب جهنم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، فإن لم يتدارك الآباء أبناءهم بالتربية الإسلامية السليمة اجترفتهم الأهواء الضالة، وصاروا وبالاً على الإسلام والمسلمين.
стр. 96
أطفال المسلمين وعلو الهمة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فندخل إلى فصل من أهم فصول هذا البحث الذي نحن بصدده، وهو المتعلق بأطفال المسلمين وعلو الهمم عندهم، فإننا حينما نقول: إن الأطفال هم المستقبل، فإن هذا الشعار حقيقة لا مجاز، وواقع لا خيال، ومن ثمَّ ينبغي أن يصرف الهم الأكبر إلى تهيئتهم؛ ليكونوا مؤتمنين على مستقبل أمة الإسلام، ولن يحصل هذا إلا إذا تخلينا عن نظرتنا إلى هؤلاء البراعم على أنهم لعبة ملهية نتسلى بها، وبالتالي ننسى ونغفل عن أن الاهتمام بالأطفال وتربيتهم يبدأ مبكراً جداً أكثر مما نتصور.
يقول أستاذنا الدكتور محمد صباغ حفظه الله تعالى: سمعت من الأستاذ مالك بن نبي ﵀: أن رجلاً جاء يسترشده لتربية بنت له ولدت حديثاً، فسأله: كم عمرها؟ قال: شهر، قال: فاتك القطار، وقال: كنت أظن في بادئ الأمر أني مبالغ، ثم عندما نظرت وجدت أن ما قلته حق، وذلك أن الولد يبكي فتعطيه أمه الثدي، فينطبع في نفسه أن الصراخ هو الوسيلة إلى الوصول إلى ما يريد، ويكبر على هذا، فإذا ضربه اليهود بكى في مجلس الأمن، ويظن أن البكاء والصراخ يوصله إلى حقه.
ونحتاج إلى تفصيل في هذا الأمر حتى لا يساء فهمه، ولكن سنرجئ الكلام في موضوع تربية الأطفال منذ الصغر -إن شاء الله- إلى مناسبة أخرى بعد أن نفرغ من هذا البحث.
стр. 97
أهمية تربية الأولاد على علو الهمة
ينبغي علينا أن نصرف قدراً عظيماً من الجهد إلى توجيه الآباء إلى الأساليب العلمية الصحيحة لتربية أولادهم في شتى مراحل نموهم، فالمؤلم والمؤسف أن أغلب الآباء لا يدركون أن تربية الأولاد علم وفن، وكثير من الناس لم يخطر بباله قط أن هذا علم وفن له أصوله وله قواعده، وأي خطأ فيه يكون ثمنه باهضاً.
فعلى الموجهين وعلى الآباء والمدرسين أن ينتبهوا إلى خطورة هذا الأمر؛ كي يشب الأولاد أصحاء نفسياً، وإلا فما أفدح الخسائر التي تتكبدها الأمة إذا أهملت تربية أبنائها! ونحن اليوم في أتون الحرب العميقة العلمية المدروسة، فنرى الأساليب الحديثة تسخر كلها في طعن الأمة في أبنائها، وفي مستقبلها، لإخراج أجيال ملحدة، لا تعرف الله، ولا تحب الله، ولا تحب رسول الله ﷺ ، بل تذوب حباً للأجانب، وتعظيماً للكفار، وبغضاً للإسلام وجهلاً بأحكامه، وتاريخه، وتعاليمه، فالكفار قد بدءوا بتخريب القلاع الإسلامية منذ الوقت الباكر جداً؛ كي يختصروا الطريق، ولا شك أن أول قلعة يتحصن بها الطفل باتفاق المربين هي الأسرة، فالأسرة هي أقوى مؤسسة تربوية على الإطلاق، وهي أكبر مؤسسة تربوية، وفي مقدمة الأسرة يتصدر الوالدان، وبالذات الأب.
يقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة، فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة، وإن عود الشر، وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك، وصيانته بأن يؤدبه، ويهذبه، ويعلمه محاسن الأخلاق.
وقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قبل الآباء.
فجهل الآباء يخرج أولاداً فاسدين، ومنحرفين، ويحرم الأمة من خيرهم.
ونحن المسلمين صلتنا بموضوع تربية الأولاد عريقة وعميقة، وليس علماً حديثاً أو ناشئاً، وإنما بدأ مع بداية الدعوة الإسلامية، ويكفي أن الله أنزل في كتابه آية تتلى في المحاريب إلى آخر الزمن، وهي متعلقة بالمحافظة على الأولاد، وهي قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] يقول أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه في تفسيرها: (علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم).
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى سائل كل راعٍ عما استرعاه حفظ ذلك أم ضيعه، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته) يعني: مما سيسأل عنه الإنسان يوم القيامة أهل بيته، ولده وزوجته وأهل بيته، ولا ترقى أي نظرية تربوية في العالم إلى هذا المستوى الراقي من أن الإعداد للجواب عن هذا السؤال بين يدي الله داخل من صلب عقيدتنا، ومن صلب الحقائق الغيبية التي نؤمن بها.
وعن معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة).
وقال ﷺ في الحديث الآخر: (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته).
وما أحسن ما قال بعضهم: وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه وما دان الفتى بحجىً ولكن يعلمه التدين أقربوه يعني: لا بد من توجيه ولا بد من تعويد وتربية على التدين، ورحم الله من قال: قد ينفع الأدب الأولاد في صغرٍ وليس ينفعهم من بعده أدب إن الغصون إذا عدلتها اعتدلت ولن تلين إذا قومتها الخشب قال ابن خلدون: التعليم في الصغر أشد رسوخاً، وهو أصل لما بعده.
إذاً: الاهتمام بتربية الأولاد يبدأ مبكراً جداً، وهو أشد رسوخاً، ويعتبر الأساس لما بعده؛ لأنه يشكل شخصيته الباكرة التي ينتهي نموها في مرحلة معينة كما ينتهي نموه الجسدي، وعند دخول سن العشرين يكون قد اكتملت شخصيته، وفرغ من نموه النفسي.
ويتأكد الاهتمام بهذه التربية في زماننا هذا الذي تتناوش فيه أطفالنا وأبناءنا الفتن من كل صوب، يذكي لهيبها دعاة على أبواب جهنم، دعاه من جلدتنا، ويتكلمون بألستنا، وكل همهم أن يخرجوا من أصلابنا أجيالاً من الملاحدة الذين يرضون بالعلمانية رباً وديناً ومنهاج حياة، فإن لم يتدارك الآباء أبناءهم بالتربية الإسلامية القوية اجترفتهم العلمانية الملحدة، وضمتهم إلى صفوفها ليحاربوا الله ورسوله والمؤمنين، فإن أكثر من يحارب الإسلام الآن ويطعن في قلبه هم هؤلاء المنافقون الذين يحملون أسماء المسلمين، ينادون أحمد ومحمد وعبد الله وما لهم من الإسلام إلا الأسماء، أما الحقيقة فهم ذئاب تحت هذه الأسماء التي يتسترون تحتها، ويطعنون الإسلام ويحاربون المسلمين، ويريدون استئصال دين الله أشد مما يفعل اليهود والنصارى وسائر الكفرة الصريحون، ولا شك أن هذا واقع قد لمسناه في البلاد التي سبقت إلى اعتناق هذا المذهب اللاديني المخرب الذي هو العلمانية، يقول الشاعر: ومن رعى غنماً في أرض مسبعة ونام عنها تولى رعيها الأسد فالأبناء يتعرضون للفتن من كل حدب، ومن كل صوب من مناهج التعليم من الإعلام من رفقة السوء مما يرون في الشوارع من الفساد الذي ذاع وشاع وطم وملأ السهل والوادي والجبل وما ترك شبراً من الأرض إلا عمه واخترقه، فإذا كنت صاحب غنم، وعلمت أن هذه الأرض كثيرة السباع، ثم نمت عنها، فسوف ينوب عنك في رعاية هذه الغنم الأُسد، وإذا كانت الأسد أو السباع أو الذئاب ترعى الغنم فماذا نتوقع؟ هل تبقي منها على شيء؟! فإذا لم يكن الأب متيقظاً حذراً حارساً لأبنائه من هذه الفتن، دارساً القواعد العلمية والأساليب العلمية التربوية الصحيحة في التعامل مع هذه الفتن لانجاء وإنقاذ أبنائه؛ ضاع منه أولاده.
стр. 98
اهتمام الإسلام بتربية الأولاد على علو الهمة
اشتد حرص الإسلام على هذه المهمة الجسيمة، ونحن حينما نتكلم عن تعظيم الإسلام لهذا الموضوع لن نأتي بكلام من خارجٍ، إنما من صلب القرآن والسنة، ومن صلب سيرة السلف، فنحن في الحقيقة لسنا متخلفين عن الغرب بحضارته المادية، بل نحن في الحقيقة متخلفون عن الإسلام، فتخلفنا ليس عن الكفار في أمور الدنيا وزينتها، بل نحن متخلفون عن الإسلام، ونريد أن نرتقي إلى مستوى هذا الإسلام في كل أحوالنا حتى في الآداب الشرعية، فما أكثر السلوكيات الخاطئة التي تصدر من بعض الناس، وبعضهم يكون ملتزماً بدينه لكنه لم يتفقه فيه، سواء في آداب الاستئذان أو في حفظ الأمانات أو غير ذلك.
وهذا الخلل ليس مصدره الالتزام بالدين قطعاً، إنما مصدره التخلف عن الإسلام، والتخلي عن آدابه، فهذه المعاني التي يطرب لها الغرب الآن فيما يزعمونه من الحقوق والدعوة إلى التربية ومنهاج التربية الصحيحة في زعمهم، كانت هي بالنسبة للمسلمين حديثاً مكرراً مر عليه قرون وقرون وقرون والأمة تتنادى بهذا الأمر، وتؤديه على أكمل وجه، إلى أن تخلينا عن الإسلام، فخرجت هذه الأجيال التي يخشى منها على الإسلام أكثر مما يخشى من اليهود والنصارى، فهذا دكتور في الأزهر يؤلف طاعناً في القرآن، ويؤلف طاعناً في الأنبياء، وشاتماً للأنبياء، وطاعناً في شريعة الله ! ويجد من إخوانه الملاحدة من يدافع عنه ويحميه، ويجعله أستاذاً ومفكراً، هذا المفكر يحمل اسماً من أسماء المسلمين، ونحن ما تعرفنا عليه إلا في صفحة الحوادث، وصفحة المجرمين، وفي القضايا والنيابة وعند القبض عليه وغير ذلك، ومع ذلك يجعل من الأدباء الذين يصنعهم أعداء الدين من أجل استئصال الدين!! لقد اشتد حرص السلف على مباشرة هذه المهمة الجسيمة، حتى إن الخليفة أبو جعفر المنصور بعث إلى من في الحبس من بني أمية يقول لهم: ما أشد ما مر بكم في هذا الحبس؟ فقالوا: ما فقدنا من تربية أولادنا.
أي: الحيلولة بيننا وبين تربية أولادنا أكبر مصيبة وقعت علينا ونحن في هذا الحبس.
واشتد نكير السلف على من يصرف همه إلى الكبار فقط، ويهمل الصغار، وما ذاك إلا لأن الأمة محتاجة إليهم، وهم الأعمدة التي تبنى لتحمل ثقل البناء فيما بعد.
رأى عمرو بن العاص حلقة قد جلسوا إلى جانب الكعبة، فلما قضى طوافه جلس إليهم، فنحو الفتيان عن مجلسهم، وأبقوا الكهول والكبار في السن، فقال لهم عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: (لا تفعلوا، أوسعوا لهم، وأدنوهم، وألهموهم، فإنهم اليوم صغار قوم يوشك أن يكونوا كبار قوم آخرين، قد كنا صغار قوم فأصبحنا كبار آخرين).
وقد علق الإمام ابن مفلح رحمه الله تعالى على هذه العبارة لـ عمرو بن العاص ﵁ قائلاً: وهذا صحيح لا شك فيه، والعلم في الصغر أثبت، فالذي ينبغي أن يعتنى بصغار الطلبة لاسيما الأذكياء المتيقظين الحريصين على أخذ العلم، فلا ينبغي أن يجعل صغرهم أو فقرهم وضعفهم مانعاً من مراعاتهم والاعتناء بهم.
وكان الإمام محمد بن الحسين الشاشي الفقيه الشافعي رحمه الله تعالى ينشد: تعلم يا فتى! والعود رطب وطينك لين والطبع قابل
стр. 99
الاهتمام الخاص بالأطفال الذين تظهر عليهم علامات علو الهمة
وننتقل إلى نقطة أخرى هي في الحقيقة مهمة جداً، وذات صلة وثيقة بهذا الموضوع، ينبغي أن يصرف اهتمام خاص إلى طبقة خاصة من الأطفال؛ لأن بعض الأطفال تظهر عليهم علامات تبشر بأن هذا الطفل ما هو إلا شخصية فذة تعد بمستقبل مشرق، وتعد بأنه سوف يترك بصمة على صفحة الحياة.
فهذا فن من الفنون التي أتقنها علماء المسلمين، وأولوها اهتماماً كثيراً؛ لأن الطفل الصغير ذا الهمة العالية لا يخفى منذ زمن الصبا، وربما أحياناً وهو في المهد تظهر عليه علامات النجابة والتفوق والنبوغ، وعلو الهمة حتى من الطفولة، فتظهر منه علامات النجابة ومخايل العبقرية في الصغر، ولا يكاد يشك ذو فراسة إيمانية صادقة في صيرورة صاحبها إلى تسلم ذرى العلى والتربع على قمة المجد، والارتقاء إلى منصب الإمامة، وقد اهتم المسلمون بالاجتهاد في الاكتشاف المبكر للنابغين، ووضعوا لذلك معايير دقيقة، وأولوا الصغار الذين توسموا فيهم النجابة رعاية خاصة ترصداً لما تفرسوه فيهم من الصدارة، فهذا الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى يتحدث عن هذه المعايير فيقول: الأمر الذي يمكن الوصول إليه بالاستقراء أن الذين يصطفيهم الله لمرتبة الولاية، لا يكونون أشخاصاً عاديين، وإنما ينتقي الله لولايته وفضله أشخاصاً بصفات معينة، ويقول: تأملت الذين يختارهم الحق لولايته والقرب منه، وقد سمعنا أوصافهم، ومن نظنه منهم مما رأيناه، فوجدته سبحانه لا يختار إلا شخصاً كامل الصورة، لا عيب في صورته، ولا نقص في خلقته، فتراه حسن الوجه، معتدل القامة، سليماً من آفة في بدنه، ثم يكون كاملاً في باطنه، سخياً جواداً عاقلاً، غير خب ولا خادع، ولا حقود ولا حسود، ولا فيه عيب من عيوب الباطن، فتراه في الطفولة معتزلاً عن الصبيان، كأنه في الصبا شيخ، ينبو عن الرذائل، ويفزع من النقائص، ثم لا تزال شجرة همته تنمو حتى يرى ثمرها متهدلاً على أغصان الشباب، فهو حريص على العلم، منكمش على العمل، حافظ للزمان، مراعٍ للأوقات، ساعٍ في طلب الفضائل، خائف من النقائص، ولو رأيت التوفيق والإلهام الرباني يحوطه لرأيت كيف يأخذ بيده إن عثر، ويمنعه من الخطأ إن هم، ويستخدمه في الفضائل، ويستر عمله عنه حتى لا يراه منه.
انتهى كلام ابن الجوزي رحمه الله تعالى.
وعن محمد بن الضحاك أن عبد الملك بن مروان قال لـ ابن رأس جالوت: ما عندكم من الفراسة في الصبيان؟ أي: ماهي المعايير التي تقيسون بها أو تتوقعون بها المستقبل الباهر لبعض هؤلاء الصبيان؟ فقال: ما عندنا فيهم شيء؛ لأنهم يخلقون خلقاً بعد خلق، غير أنا نرمقهم، فإن سمعنا منهم من يقول في لعبه: من يكون معي؟ أي: من يلعب معي؟ رأيناه ذا همة وحنو سبق فيه، وإن سمعناه يقول: مع من أكون؟ كرهناها منه.
أي: أنهم إذا سمعوا الولد الصغير يقول: من يكون معي؟ يعرفون أن هذا الولد عالي الهمة، وأنه بطبيعته شخصية قيادية، يصلح للإمامة؛ لأنه يقول: من يكون معي؟ فيرى أن الآخرين يكونون تبعاً له بدون تكلف، وهذا دليل على أنه أوتي خصلة الشخصية القيادية، لكن إذا رأوا الولد يقول: مع من أكون؟ فمعناه أنه ذيل، وأنه يتبع غيره، فهذه أحد المعايير التي وضعت منذ المئات من السنين.
стр. 100
قصص عن بعض الأطفال في علو الهمة في الأفعال
كان أول ما علم من ابن الزبير ﵁ أنه كان ذات يوم يلعب مع الصبيان وهو صبي، فمر رجل عليهم وهم يلعبون، فصاح الرجل عليهم ففروا، ومشى ابن الزبير القهقرى، يعني: أبى أن يوليه دبره، لكن تراجع إلى الخلف، كما يفعل المجاهد والمقاتل الشجاع الذي لا يعطي عدوه دبره أبداً، في حين أن زملاءه كلهم فروا، ثم قال: يا صبيان! اجعلوني أميركم وشدوا بنا عليه! يعني: عينوني أميراً عليكم، وهيا بنا نهاجم هذا الرجل، ونطرده عن طريقنا.
ومر به عمر بن الخطاب ﵁ وهو صبي يلعب مع الصبيان، ففر الصبيان ووقف هو، فقال له عمر: (ما لك لم تفر مع أصحابك؟! قال: يا أمير المؤمنين! لم أجرم فأخاف، ولم تكن الطريق ضيقة فأوسع لك).
فمثل هذه الشخصية تستحق أن نصفها بأنها شخصية واعدة، تعد بخير كبير في المستقبل، وهي أحق بقول القائل: رُفعت إليك وما ثُغرْ تَ عيون مستمع وناظر ورأوا عليك ومنك في المـ ـهد النهى ذات البصائر وقوله: (ما ثُغرْتَ): يقال: ثغر الغلام إذا سقطت أسنانه الروابع اللبنية، وكأنه يقول: رفعت إليك العيون وتطلعت إليك وأنت صغير.
ونظر الحطيئة إلى ابن عباس وهو يتكلم في مجلس عمر فقال: من هذا الذي نزل عن الناس في سنه، وعلاهم في قوله؟! فقال ابن مسعود: (لو بلغ أسناننا ما عشره منا رجل).
يعني: أن هذا الرجل دهش لما رأى ابن عباس يتكلم في مجلس أمير المؤمنين عمر ﵁ ببلاغة وفصاحة وعلم، فقال: من هذا الذي نزل عن الناس في سنه، وعلاهم -أي: ارتفع عنهم- في قوله؟! فقال ابن مسعود: لو بلغ أسناننا ما عشره منا رجل.
يعني: لو كان في السن مثلنا ما بلغ أحد منا عشر علمه.
ورأى بكير بن الأخنس المهلب -وهو الأمير البطل قائد الكتائب- وهو غلام فقال: خذوني به إن لم يسود سوراتهم ويبرع حتى لا يكون له مثلُ أنه يتنبأ أن هذا سوف يسود أشراف قومه وهو طفل صغير.
وقال حمزة بن بيض لـ مخلد بن يزيد بن المهلب: بلغت لعشر مضت من سنيـ ك ما يبلغ السيد الأشيب فهمّك فيها جسام الأمور وهم لداتك أن يلعبوا لِدَاتك: جمع لِدى، يعني: مَن وُلد معك، ويوافقك في السن.
ونظر رجل إلى أبي درة في مجلس المأمون فقال: إن همته ترمي به وراء سنه.
وقال يحيى بن أيوب العباد: حدثنا أبو المثنى قال: سمعتهم بمرو يقولون: قد جاء الثوري، قد جاء الثوري.
فخرجت أنظر من هذا الثوري الذي يعظمونه هذا التعظيم، فإذا هو غلام قد نقل وجهه، أي: بدأ ينبت شعر وجهه.
قال الذهبي في الإمام الثوري رحمه الله تعالى: كان ينوه بذكره في صغره من أجل فرط ذكائه وحفظه، وحدث وهو شاب رحمه الله تعالى.
وقال ابن مهدي: رأى أبو إسحاق السبيعي سفيان الثوري مقبلاً فقال: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢].
وكان الإمام البخاري رحمه الله تعالى ذكياً سريع الحفظ، فقد حفظ سبعين ألف حديث وهو صغير، وكان ينظر إلى الكتاب فيحفظ ما فيه من نظرة واحدة.
وقال محمد بن حاتم: كنت أختلف أنا والبخاري وهو غلام إلى الكتاب، فيسمع ولا يكتب، وبقي على ذلك أياماً، فكنا نقول له: ما لك لا تكتب مثلنا؟! فلما بلغ ما كبتناه خمسة عشر ألف حديث طلب منا أن نسمعها له، فقرأها عن ظهر قلب، حتى جعلنا نصلح كتبنا من حفظه! فالله لا يعطي منصب الإمامة في الدين لأي إنسان، بل لا بد أن يكون متأهلاً ذا جدارة واستحقاق.
وروى الذهبي عن محمد بن أبي حاتم، قال: سمعت الإمام أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى يحكي عن طفولته يقول: كنت أختلف إلى الفقهاء بمروٍ وأنا صبي، فإذا جئت أستحيي أن أسلم عليهم.
أي: لأنه صبي صغير يجلس مجالس العلماء الكبار والمحدثين، فكان يستحي أن يسلم عليهم، فدخل مرة فقال له مؤدب من أهل مرو: كم كتبت اليوم؟ قال: فقلت: اثنين، وأردت بذلك حديثين، وليس رقم اثنين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخ منهم: لا تضحكوا فلعله يضحك منكم يوماً.
فهذا الشيخ تفرس في الإمام البخاري النجابة منذ صغره.
وقال بكير بن منيف: سمعت البخاري يقول: كنت عند أبي حفص أحمد بن حفص أسمع كتاب الجامع لـ سفيان الثوري من كتاب والدي، فمر أبو حفص على حرف ولم يكن عندي ما ذكر فراجعته، يعني: أنه رد على الشيخ خطأً من نسخته المكتوبة التي يقرأ منها من حفظه وهو طفل صغير، فصحح له الأولى والثانية والثالثة، فسكت ثم قال: من هذا؟ قالوا: ابن إسماعيل، فقال: هو كما قال، واحفظوا أن هذا يصير يوماً رجلاً.
وهناك فرق بين الرجولة وبين الذكورة، فكل رجل ذكر، وليس كل ذكر رجلاً، الرجولة منصب شريف، ولذلك لا تقال إلا في عظائم الأمور، كقوله : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣].
وقال الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى: كنت يتيماً في حجر أمي، فدفعتني إلى الكتاب، ولم يكن عندها ما تعطي المعلم، وكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام -يعني: يسكتهم ونحو ذلك- فلما جمعت القرآن دخلت المسجد فكنت أجالس العلماء، وكنت أسمع الحديث والمسألة فأحفظها، فلم يكن عند أمي ما تعطيني أشتري به القراطيس، فكنت أنظر إلى عظم فآخذه، فأكتب في العظام، فإذا امتلأ طرحته في جرة، فاجتمع عندي حُبان.
والحب هو: وعاء الماء، وهو مثل الزير أو الجرة، أي: امتلأت الجرة من العظام التي كان يكتب عليها.
وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: كنت وأنا في الكتاب أسمع المعلم يلقن الصبي الآية، فأحفظها أنا، ولقد كان الصبيان يكتبون إملاءهم، فإلى أن يفرغ المعلم من الإملاء عليهم كنت قد حفظت جميع ما أملى، فقال لي ذات يوم: لا يحل لي أن آخذ منك شيئاً.
وقد كان طفلاً يتيماً بجانب هذه النجابة التي ظهرت عليه منذ صغره.
قال الشافعي: ثم لما خرجت من الكتاب كنت ألتقط الخزف والدفوف -جمع رق وهو: جلد رقيق يكتب فيه- وكرب النخل -وهو السعف العريض- وأكتاف الجمال، وأكتب فيها الحديث، وأجيء إلى الدواوين وأستوهب منها الظهور -أي: ظهور الأوراق المكتوبة؛ لأن ظهرها يكون فارغاً- فأكتب فيها، حتى كان لأمي حُبان مملأتها أكتافاً.
وحفظ الإمام أحمد بن حنبل القرآن في صباه، وتعلم القراءة والكتابة ثم اتجه إلى الديوان، يمرن على التحرير.
يقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن نفسه: كنت وأنا غليم أختلف إلى الكتاب، ثم اختلفت إلى الديوان وأنا ابن أربع عشرة سنة.
وكانت نشأة الإمام أحمد فيها آثار النبوغ والرشد، حتى قال بعض الآباء: أنا أنفق على ولدي، وأجيئهم بالمؤدبين على أن يتأدبوا فما أراهم يفلحون، وهذا أحمد بن حنبل غلام يتيم، وجعل يعجب من أدبه وحسن طريقته.
وكان عم الإمام أحمد يرسل إلى بعض الولاة بأحوال بغداد ليعلم بها الخليفة، وفي مرة أرسلها مع ابن أخيه أحمد بن حنبل فتورع عن ذلك، ورمى بها في الماء، تأثماً من الوشاية، والتسبب لما عسى أن يكون فيه ضرر لمسلم.
أي: ولفت هذا الورع وهذه النجابة نظر كثير من أهل العلم والفراسات، حتى قال الهيثم بن جميل: إن عاش هذا الفتى فسيكون حجة على أهل زمانه.
وقال الحافظ ابن قدامة ﵀: بلغني أن بعض مشايخ حلب قدم إلى دمشق، وقال: سمعت أن في هذه البلاد صبياً يقال له: أحمد بن تيمية، سريع الحفظ، وقد جئت قاصداً لعلي أراه، فقال له خياط: هذه طريق كُتّابه -يعني: أنه يمر إلى الكُتّاب من هذه الطريق- وهو إلى الآن ما جاء، فاقعد عندنا الساعة يمر ذاهباً إلى الكُتّاب، فلما مر قيل: ها هو الذي معه اللوح الكبير، فناداه الشيخ، وأخذ منه اللوح، وكتب له من متون الأحاديث ثلاثة عشر حديثاً، وقال له: اقرأها، فلم يزد على أن نظر فيه مرة بعد كتابته إياه، ثم قال: أسمعه علي، فقرأه عليه عرضاً كأحسن ما يكون، ثم كتب عدة أسانيد انتقاها، فنظر فيه كما فعل أول مرة فحفظها، فقام الشيخ وهو يقول: إن عاش هذا الصبي ليكونن له شأن عظيم، فإن هذا لم ير مثله.
فكان كما قال رحمه الله تعالى.
стр. 101
قصص عن بعض الأطفال في علو الهمة في الأقوال
تقدمت قصص عن النجباء من الأطفال وأن سيماهم تظهر في وجوههم، وأيضاً تظهر سيماهم في كلامهم، فقد ينطق الله الغلام الحدث بما يعجز عنه فطاحل الأدباء، فيصير ذلك علامة كاشفة لما وضع الله بين جنبيه من الحكمة، وما متعه به من الذكاء.
روي عن معمر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢] أن الصبيان قالوا ليحيى ﵇: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خلقت.
قال الشيخ: يتيم بن يوسف المراكشي يحكي عن أحوال شيخ الإسلام الإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى: رأيت الشيخ وهو ابن عشر سنين بنوى - وهي المدينة التي ولد فيها، ولذلك ينسب إليها فيقال: النواوي أو النووي - والصبيان يكرهونه على اللعب معهم، وهو يهرب منهم ويبكي لإكراههم، ويقرأ القرآن في تلك الحال، فوقع في قلبي محبته، وجعله أبوه في دكان، فجعل لا ينشغل بالبيع والشراء عن القرآن، قال: فأتيت الذي يقرئه القرآن أوصيه به، وقلت له: هذا الصبي يرجى أن يكون أعلم أهل زمانه، وأزهدهم، وينتفع الناس به، فقال لي: أمنجم أنت؟ فقلت: لا، وإنما أنطقني الله بذلك، فذكر ذلك لوالده فحرص عليه إلى أن ختم القرآن وقد ناهز الاحتلام.
وترجمة الإمام النووي من أروع التراجم، وفيها من العبر شيء عظيم.
كان الإمام النووي رحمه الله تعالى غلاماً صغيراً فاستيقظ في الليلة السابعة والعشرين من رمضان في وسط الليل، وجعل ينادي من في البيت ويقول: ما هذا النور الذي أراه قد ملأ الدار، ففطن أبوه لمقام ولده، فأولاه اهتماماً وعناية خاصة، حتى صار هذا الإمام الجليل رحمه الله تعالى.
وإياس بن معاوية قاضي البصرة كان يضرب به المثل في الذكاء والدهاء والسؤدد والعقل، تقدم إياس وهو صبي إلى قاضي دمشق، ومعه شيخ في خصومة بينه وبين الشيخ، فقال: أصلح الله القاضي! هذا الشيخ ظلمني واعتدى علي وأخذ مالي، فقال القاضي: ارفق به، ولا تستقبل الشيخ بهذا الكلام، فقال إياس: أصلح الله القاضي! إن الحق أكبر مني ومنه ومنك.
وهو لم يخالف الأدب؛ لأنه بدأ الكلام بالتلطف وقال: أصلح الله القاضي! هذا الشيخ ظلمني واعتدى علي وأخذ مالي، وهذه ظلامة، فقال القاضي: ارفق به، ولا تستقبل الشيخ بهذا الكلام، فقال إياس: أصلح الله القاضي! إن الحق أكبر مني ومنه ومنك، فقال: اسكت، فقال: إن سكتُّ فمن يقوم بحجتي؟! فقال: تكلم فوالله ما تتكلم بخير، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
فنطق بخير الكلام وأفضل الكلام، أراد أن يغلب القاضي لما قال له: تكلم فوالله ما تتكلم بخير، فبين له أنه قادر أن يتكلم بالخير، فرفع صاحب الخبر هذا الخبر إلى الخليفة، فعزل القاضي وولى إياس بن معاوية مكانه.
وأدخل على الرشيد صبي له أربع سنين، فقال له: تمن.
يعني: ما تحب أن أهب لك، فأجاب الصبي الصغير فقال: حسن رأيك.
والآن لو تقول لولد: ما تحب أن أهب لك؟ فسيقول: الشوكولاته، واللعب، والكرة.
وحكى ابن الجوزي أن المعتصم ركب إلى خاقان يعوده، والفتح صبي يومئذٍ، فقال له الخليفة المعتصم: أيما أحسن دار أمير المؤمنين أو دار أبيك؟ فماذا أجاب الصبي الصغير الفتح بن خاقان؟ قال: إذا كان أمير المؤمنين في دار أبي فدار أبي أحسن، فأراه فصاً في يده فقال له: هل رأيت يا فتح! أحسن من هذا الفص؟ قال: نعم، اليد التي هو فيها! فانظر إلى اللباقة وحسن الجواب.
وأنا أعلم صبياً صغيراً جداً كانت تقول له أمه: قل لي خبراً يسرني، فقالت له مرة: قل لي خبراً يحزنني؟ فقال لها: لن تستطيعي أن تصبري، فقالت: قل؟ قال: سأقول لك خبراً يحزنك جداً، وبعد إلحاح شديد، وهو يشفق عليها، قال لها: مات النبي ﵊.
فهذا صبي صغير وينتقي هذا الجواب، حيث عرف أن أحب شخص ينبغي أن يكون إلى كل مسلم هو الرسول ﵊، وأكبر مصيبة وقعت بالأمة المحمدية هي موت النبي ﵇؛ ولذلك يقول ﵊: (ليعز المسلمين في مصائبهم المصيبة بي).
فأكبر عزاء لمن يفقد أي شخص أن يتذكر موت النبي ﵌.
ومرّ الحارث المحاسبي وهو صغير بصبيان يلعبون على باب رجل تمار، -يعني: يبيع التمر- فوقف الحارث ينظر إلى لعبهم، وخرج صاحب الدار ومعه تمرات، فقال للحارث: كل هذه التمرات، فقال الحارث: ما خبرك فيها؟ -يعني: من أين أتيت بها؟ - قال: إني بعت الساعة تمراً من رجل، فسقطت منه هذه التمرات، فكل أنت هذه التمرات التي سقطت من هذا الرجل، فقال الحارث المحاسبي وهو طفل صغير للتاجر التمار: أتعرفه؟ قال: نعم، فالتفت الحارث إلى الصبيان الذين يلعبون وقال: أهذا الشيخ مسلم؟! قالوا: نعم، فمر وتركه.
يعني: مضى الحارث وتركه، فتبعه التمار حتى قبض عليه وقال له: قل لي ما في نفسك؟ فقال: يا شيخ! إن كنت مسلماً فاطلب صاحب التمرات حتى تتخلص من تبعته كما تطلب الماء إذا كنت عطشاناً شديد العطش، يا شيخ! تطعم أولاد المسلمين من سحت وأنت مسلم؟ فقال الشيخ: والله لا اتجرت للدنيا أبداً.
وقال عبد الرحمن بن محمد صاحب كتاب صفات الأولياء: حدثني محمد بن إبراهيم النيسابوري بإسناده أن فتحاً الموصلي رحمه الله تعالى قال: خرجت أريد الحج، فلما توسطت البادية إذا غلام صغير لم تجر عليه الأحكام، فقلت له: إلى أين؟ فقال: إلى بيت ربي، قلت: إنك صغير لم تجر عليك الأحكام، فقال: لقد رأيت أصغر مني مات -يعني: فهو يبادر إلى الحج حتى لو لم يكن مكلفاً؛ لأنه يخشى أن يموت- فقلت: إن خطوك قصير، قال: علي الخطو وعليه التبليغ إن شاء، ألم تسمع قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]؟! قلت: لم أر معك زاداً؟ قال: زادي في قلبي اليقين، حيثما كنت أيقنت أن الله يرزقني، قلت: إنما أردت أنك تتزود الخبز والماء، قال: ما اسمك؟ قال: قلت: فتح، قال: يا فتح! أسألك؟ قلت: سل؟ قال: أرأيت لو أن أخاً لك من أهل الدنيا دعاك إلى منزله، أما كنت تستحي أن تحمل معك طعاماً لتأكله في منزله؟ قلت: بلى، قال: فإن مولاي دعاني إلى بيته، فهو يطعمني ويسقيني، قال فتح: فجعلت أعجب من أمره وبيانه، وزهده مع صغر سنه.
وروى أيضاً صاحب قصص الأولياء ومراتب الأصفياء بإسناده قال: ذكر سهل التستري الله وهو ابن ثلاث سنين -أي: كان يذكر الله وعمره ثلاث سنوات- وصام وهو ابن خمس سنين حتى مات، وساح في طلب العلم وهو ابن تسع سنين، وكانت تلقى مشكلات المسائل على العلماء ثم لا يوجد جوابها إلا عنده وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وحينئذٍ ظهرت عليه الكرامات، وكان يفتي في مسائل الزهد والورع، ومقامات الإرادات وهو ابن اثنتي عشرة سنة، ولما بلغ ثلاث عشرة سنة عرضت له مسألة، فلم يجد في تستر من يجبيه عنها، فقال لأهله: جهزوني إلى البصرة، فلم يجد بالبصرة من يستفتيه، فذكر له حمزة بن عبد الله بعبدان فقصدها، فوجد عنده ما يريد وصحبه.
وقال أيضاً: بلغني أن أبا الحسين أحمد بن محمد النوري المدعو بـ النوري لما قرأ القرآن الكريم ألزمه أبوه أن يدخل معه في حانوته، فكان إذا أصبح أخذ أورقاً ودواة -أي: حبراً وقلماً- وذهب يسأل عما جهل من كتاب الله تعالى، ويكتب ما يقال له، ثم يأتي أباه، وإذا بعثه في حاجة أخذ ألواحه ودواته، فيسأل من مر به من أهل العلم، فإذا غاب يزجره أبوه لغيبته، ويتهدده، وربما ضربه على ذلك أحياناً، وذكر الغزالي فقال له أبوه: ليت شعري -يعني: ليتني أعلم- يا بني! ما تريد بعلمك هذا؟ قال: أريد أن أعرف الله تعالى وأتعرف إليه، قال: كيف تعرفه؟ قال: أعرفه بتفهم أمره ونهيه، قال: وكيف تتعرف إليه؟ قال: أتعرف إليه بالعمل بما علمني، قال أبوه: يا بني! لا أعرض لك في أمرك هذا ما بقيت.
وقال علي بن الجعد: أخبرني أبو يوسف القاضي قال: توفي أبي إبراهيم بن حبيب وخلفني صغيراً في حجر أمي، فأسلمتني إلى قصار أخدمه، فكنت أدع القصار وأمر إلى حلقة أبي حنيفة، فأجلس أستمع، فكانت أمي تجيء خلفي إلى الحلقة فتأخذ بيدي وتذهب بي إلى القصار، وكان أبو حنيفة يعتني بي لما يرى من حضوري وحرصي على التعلم، فلما كثر ذلك على أمي وطال عليها هربي، قالت لـ أبي حنيفة: ما لهذا الصبي مفسد غيرك، هذا صبي يتيم لا شيء له، وإنما أطعمه من مغزلي، وآمل أن يكسب دانقاً يعود به على نفسه، فقال لها أبو حنيفة: مري يا رعناء! هو ذا يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق.
فانصرفت عنه وقالت له: أنت شيخ قد خرفت، وذهب عقلك.
قال أبو يوسف: ثم لزمت أبا حنيفة، وكان يتعاهدني بماله، فما ترك لي خلة -يعني: حاجة- فنفعني الله بالعلم، ورفعني حتى تقلدت القضاء، وكنت أجالس هارون الرشيد، وآكل معه على مائدته، فلما كان في بعض الأيام قدم إلى هارون الرشيد فالوذج، فقال لي هارون: يا يعقوب! كل منه، فليس يعمل لنا مثله كل يوم، فقلت: وما هذا يا أمير المؤمنين! فقال: هذا فالوذج بدهن الفستق، فضحكت، فقال لي: مما ضحكت؟ قلت: خيراً أبقى الله أمير المؤمنين! قال: لتخبرني، وألح علي، فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها، فعجب من ذلك! وقال: لعمري إن العلم ليرفع وينفع ديناً ودنيا، وترحم على أب
стр. 102
أهمية التشجيع لرفع همة الأطفال
من الأمور المهمة جداً في هذا المضمار أمر تشجيع الأطفال على الخير، وعلى علو الهمة، والتشجيع في الإسلام ليس أمراً قليل القدر، فقد رفع الإسلام التشجيع إلى حد أن جعله فريضة على غير القادر على إقامة فروض الكفايات، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطلب العلم، وطلب الولاية والإمامة، فالفقهاء يقولون في مثل هذه الفروض الكفائية: إنها واجبة على الكفاية، فإن قام بها البعض سقط الوجوب عن الآخرين، وإن لم يقم بها أحد أثموا جميعاً، يعني: القادر وغير القادر، يأثم القادر لأنه قصر في فعل ما هو قادر عليه، وغير القادر يأثم لأنه لم يشجع القادر، فواجب غير القادر أن يحمل القادر على ذلك العمل ويشجعه، ويحثه ويؤزه أزاً، فإن لم يقم به أحد أثموا جميعاً، فغير القادر يأثم لأنه قصر فيما يستطيعه، وهو التفتيش عن القادر، وحمله على العمل، وحثه وتشجعيه وإعانته على القيام به، بل وإجباره على ذلك.
وقد تسابق المسلمون في شتى العصور على تشجيع الموهوبين وكبيري الهمة بكافة صور التشجيع، فكانوا ينفقون الأموال الجزيلة لنفقة النابغين من طلاب العلم الذين حبسوا أنفسهم على طلبه؛ ليغنوهم عن سؤال الناس أو الاشتغال عن العلم بطلب المعاش، فهذا الإمام أبو حيان محمد بن يوسف الغرناطي، قال فيه الصفدي: لم أره قط إلا يسمع أو يكتب أو ينظر في كتاب، ولم أره على غير ذلك، وكان له إقبال على أذكياء الطلبة يعظمهم وينوه بقدرهم.
وكان المعلمون في الكتاتيب وفي المساجد وفي الأزهر إذا لمسوا في طفل النجابة وسرعة التعلم، احتضنوه، وساعدوه على طلب العلم، وزودوه بالمال من مالهم الخاص أو من الأوقاف، وكان في طليعة المشجعين لطلبة العلم الخلفاء والأمراء.
روى البخاري في صحيحه: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كان يدخل ابن عباس ﵄ وهو غلام حدث مع أشياخ بدر، قال ابن عباس: فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لمَ تدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟! فقال عمر: إنه من حيث علمتم -يعني: أن هذا ابن عم رسول الله ﷺ ومن آل البيت- فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، وانظر إلى ذكاء ابن عباس كيف كان يراقب ويحلل ويختزن المواقف في ذهنه، فدعاه يوماً ففهم وتفرس أنه دعاه حتى يختبره أمامهم، ويظهر فضله في العلم عليهم، يقول ابن عباس في الرواية: فما رأيت أنه دعاني يومئذٍ إلا ليريهم علمي، قال عمر: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١]؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟! فقلت: لا، قال: ما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له -يعني: أن هذه الآية فيها نعي رسول الله ﵊ إلى نفسه- قال: (إذا جاء نصر الله والفتح) وذلك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣] يعني: تهيأ للقاء ربك، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول.
هكذا كان أمير المؤمنين يقوي ثقة ابن عباس بنفسه.
стр. 103
من الأخطاء في تربية الأبناء
وأخطاؤنا التربوية كثيرة جداً؛ لأننا للأسف لا نعرف أن هذا علم له قواعد، وقليل من يهتم بهذه الأمور، فنقع في بعض الأخطاء التي لها تأثير خطير على نفسية الطفل وقدراته فيما بعد، مثل تحطيم الثقة في نفسه، فالطفل في الرابعة أو في الخامسة أو قبل ذلك يبدأ يحاول أن يستقل، وكما ينمو في بدنه فإن شخصيته تنمو، وتمر بمراحل، فيبدأ يحاول أن يستقل، ويثبت في نفسه أنه قادر على أن يفعل أشياء بنفسه، فيحاول -مثلاً- أن يأكل بالملعقة، فالأم تضربه وتمنعه أن يأكل بالملعقة؛ لأنه يلطخ ثيابه وكذا وكذا، وهذا خطأ كبير، أو يريد أن يلبس النعل وفيه الرباط فيتأخر كثيراً، فالأم تقول: نحن مستعجلون تعال فيربطه له هي، وهذا خطأ، بل عليها أن تتركه يمارس هذه الوظائف، ولأنه الآن يمر بمرحلة جديدة، لأنه يثبت ذاته، ويريد أن يمارس الأشياء بنفسه، فيترك ليعمل حتى ولو كان في عمله خطأ.
ولو أن الطفل كتب أو رسم شيئاً لا ينبغي فللوالد أن ينهره أو يمزق عليه الورقة أو يخذله ولا يشجعه، وهذا بلا شك له أثر سيء جداً في نفسية الطفل فيفقد الثقة بنفسه، والمفروض أن تشجعه وتكلفه أولاً بمهام بسيطة جداً يستطيع أن يقومها، ثم تترقى به إلى أعظم منها وهكذا.
لا نريد أن نفصل في هذا، لكن باختصار شديد أمر التشجيع وأمر المكافئة أمر مهم، وتكون فوراً عقب العمل الحسن، لا تؤجل إلى يوم غد ولا يقال للولد: انتظر حتى يأتي والدك يعطيك كذا، بل عقب الفعل الحسن الذي فعله الولد يكافأ في الحال؛ لأن هذا مما يشجعه ويدفعه إلى الترقي، كما كان أمير المؤمنين يقوي ثقة ابن عباس في نفسه، ويغذي همته، والسلف كانوا يحرصون جداً على هذه المعاني، كانوا أساتذة في هذه الأمور التي يتغنى بها الكفار الآن، ويدّعون أنهم سابقون فيها، والمعلم الأول في ذلك هو رسول الله ﵊، فما ندري أي كرامة تكون عند هذا الصبي أو هذا الشاب الذي يضربه أبوه أو أمه بالنعل، فإذا كانت تهدر كرامته بهذه الطريقة أينتظر من مثل هذا عندما يكبر أن يكون له كرامة أو يثأر لها أو يغار عليها؟! بل هذا تحطيم لنفسيته، وتربيته على الهوان والتذلل، وأنه إنسان حقير، فبعض الآباء حينما يعاقب الولد أو يشتد عليه بالإنكار يستعمل عبارات كلها تحقير للذات، وهذا يطفئ همته، ويجعل نفسه منحطة وسافلة.
نعم له أن يشتد عليه، لكن بعبارات مهذبة، أما أن يقول له: أنت حقير، أنت كذا، من العبارات التي فيها تحقير للذات، فلا شك أن هذا يؤثر في نفسيته تأثيراً سيئاً جداً، فيحتقر ذاته، وكلما يكلف بشيء يقول: لا أستطيع، لا أقدر، لا أقوى على هذا؛ لأنه ليس عنده ثقة بنفسه، وينتابه الشعور بالدونية وبالنقص، بل بعضهم يقول لولده: أنت غير نافع، أنت غير صالح، أنت لا أمل فيك، وكل هذه العبارات تشوه نفسيته تماماً، وكما أنك لو قطعت يده أو قطعت أنفه تشوه جسمه فهذه تشوه نفسيته، ويكون الطفل مشوهاً نفسياً، ويشعر بالنقص، ويعاني في المستقبل عناءً شديداً.
стр. 104
من أخبار السلف في التشجيع
روى البخاري في صحيحه أن عمر رضي الله تعالى عنه سأل بعض الصحابة عن آية في القرآن، فلم يعرفوا الإجابة، وكان بينهم عبد الله بن عباس وهو صغير السن، فانظر إلى ابن عباس الذي ربي على الثقة بالنفس، فإنه لما وجد الكبار كلهم لا يستطيعون أن يتكلموا قال: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين! انظر إلى التلطف والأدب والذكاء الشديد في العبارة، لم يقل: أنا أعلم ما لا تعلمون، فقال عمر: يا ابن أخي! قل ولا تحقر نفسك.
فأجابه ابن عباس بما كان يعلمه، وهذه هي التربية الصحيحة: أن يربيه على الاعتزاز بالذات، وعلى قوة الشخصية، والثقة بالنفس.
وعلى هذه الثقة سار ابن عباس منذ طفولته، غير مبالٍ بتثبيط من هو أقصر منه همة، انظر إلى ابن عباس، وانظر إلى خطورة الصحبة، فإن الإنسان إذا صاحب من هو أقل منه همة لا بد أن يتضرر به ويحطمه إلا أن يفارقه، يقول ابن عباس: لما قبض رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار -ومن أدبه أنه لم يسمه-: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله ﷺ فإنهم اليوم كثير، يعني: ربما يموتون، وربما يرتحلون ويخرجون إلى الجهاد، فتعال نتزاحم على الصحابة، ونتردد على الصحابة لنأخذ من علمهم، فقال: واعجباً لك يا ابن عباس! أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله ﷺ من فيهم؟! يعني: هل الأمة تنتظرك يا ابن عباس حتى تتعلم العلم، والصحابة موجودون.
قال: فتركته، وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله ﷺ ، وإن كان يبلغني الحديث عن الرجل، فآتي بابه وهو قائل - يعني: نائم وقت القيلولة قبل صلاة الظهر- فأتوسد ردائي على بابه.
انظر إلى الأدب مع شيخه، عرف أن هذا وقت قيلولة، فلا يزعجه ويطرق الباب، بل يفرش الرداء وينام على باب البيت إلى أن يخرج إلى الصلاة، قال: فأتوسد ردائي على بابه، وتسف الريح علي من التراب، فيخرج فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله ﷺ ! ما جاء بك؟! هلاّ أرسلت إليّ فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك، فيسأله عن الحديث، فعاش هذا الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألونني، فكان يقول: هذا الفتى كان أعقل مني.
يقول الشاعر: فحيهّلا إن كنت ذا همة فقد حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد ودعه فإن العزم يكفيك حاملا كان ابن شهاب رحمه الله تعالى يشجع الأولاد الصغار ويقول لهم: لا تحتقروا أنفسكم لحداثة سنكم، فإن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان فاستشارهم يبتغي حدة عقولهم.
وكان هارون الرشيد ﵀ يغدق العطايا والصلات على طلبة العلم والعلماء، حتى قال ابن المبارك: فما رأيت عالماً ولا قارئاً للقرآن، ولا سابقاً للخيرات، ولا حافظاً للحرمات في أيامٍ بعد أيام رسول الله ﷺ وأيام الخلفاء والصحابة أكثر منهم في زمن الرشيد وأيامه، لقد كان الغلام يجمع القرآن وهو ابن ثمان سنين، ولقد كان الغلام يستبحر في الفقه والعلم، ويروي الحديث ويجمع الدواوين ويناظر المعلمين وهو ابن إحدى عشرة سنة.
بلغ حب بعض الأمراء للعلم والعلماء إلى الحد الذي جعله يعتبر العلماء في رعايته الخاصة، ومن هؤلاء الأمراء المعز بن باديس أحد أمراء دولة الصنهاجيين في المغرب الإسلامي، فقد كان لا يسمع بعالم جليل إلا أحضره إلى حضرته، وجعله من خاصته، وبالغ في إكرامه، وعول على آرائه، ومنحه أعظم الرواتب.
وكذلك فعل الخليفة الموحدي الثالث المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، الذي أنشأ بيت الطلبة، وأشرف عليه بنفسه، وعندما بلغه أن بعض حاشيته أنكروا عليه أنه يعظم هؤلاء الطلبة النابغين، وينشغل بهم عنهم، خاطب هؤلاء الحاشية فقال لهم: يا معشر الموحدين! أنتم قبائل، فمن نابه منكم أمر فزع إلى قبيلته، وهؤلاء الطلبة لا قبيلة لهم إلا أنا، فمهما نابهم من أمر فأنا ملجؤهم، إلي فزعهم، وإلي ينسبون.
وبلغت عناية المنصور بالطبيب أبي بكر بن زهر حداً عجيباً، فقد كان أبو بكر يقيم عند الخليفة مدداً طويلة، ولا يرخص له بالسفر إلى أهله، حتى قال شعراً في شوقه إلى ولده الصغير، فلما سمع المنصور هذا الشعر أرسل المهندسين إلى أشبيليا، وأمرهم بدراسة بيت أبي بكر وحارته، وتشييد مثله في مراكش، ففعلوا ما أمرهم، ونقلوا عيال أبي بكر إليه، فلما رآه ابن زهر اندهش، وحصل عنده من السرور ما لا مزيد عليه، فقد صمم له بيتاً بنفس تصميم البيت والحارة التي يسكن فيها، وأحضر له أولاده وفاجأه بهذه الكرامة.
وفي القرن السادس عشر الميلادي قامت محاولة ناجحة في عهد الخلافة العثمانية لتجميع النابغين من جميع القرى والأمصار، وتوفير الرعاية لهم التي جعلت كل نابغة يعطي ما عنده من فن وعلم، مما ساعد على ازدهار الدولة العثمانية حضارياً وعسكرياً حتى صارت تهدد بغزو أوروبا.
стр. 105
التشجيع عند الغربيين
والتشجيع موجود الآن في الغرب، ويوجد الآن بصورة محدودة في بلادنا، لكن مما ينبغي أن نعرفه أن الغرب والشرق تقدموا تقدماً كبيراً جداً في العلوم التجريبية، ومع ذلك فإن معرفتهم بأهمية الاهتمام بالنابغين وكبار الهمة من الصغار أمر حديث جداً بالنسبة إليهم، بينما هو معروف من بداية الإسلام، أعني: الاهتمام بالنوابغ وبكبار الهمة، وإعدادهم ليحملوا الراية في المستقبل، فرعاية النابغين أهملت في أوروبا وأمريكا حتى بداية القرن العشرين، وقبل ذلك ما كانوا يعرفون شيئاً عن هذا؛ لأن هؤلاء الكفرة الغربيين حتى بداية القرن العشرين كانوا يعتبرون أن العباقرة والنابغين والمتفوقين عندهم نوع من الجنون، وكان هناك رجل يدعى لانبروزو مؤلف كتاب ( M
الجواب
N OF GENIVS) ومعناه: (الرجل العبقري)، وهناك كتاب آخر لرجل اسمه نوبست يعني: جنون العبقرية، يعتبر أن العباقرة مجانين، فكانوا ينظرون إلى العباقرة والأذكياء والمتفوقين أنهم مرضى ومجانين، وقد نشر الكتابان في لندن ونيويورك في أواخر القرن التاسع عشر، وأثبت فيهما العلاقة الوثيقة بين العبقرية والجنون، وقدم البراهين على أن النابغين مجانين.
ثم بدأت فكرة الغربيين عن النابغين تتحسن بعد أن نشر (ترمان) كتابه: (الطفل النابغة يرشد)، سنة ١٩٤٩م فصاروا يتراجعون عن فكرة أن المتفوقين أو العباقرة مجانين، حيث قدم في هذا الكتاب البراهين على أن الأطفال الأذكياء أصحاء نفسياً وجسمياً واجتماعياً، فبدأ يتكون رأي عام يتعاطف مع النابغين، وحتى منتصف القرن العشرين كان الأمريكيون يعتبرون رعاية النابغين ترفاً تربوياً، ولم يبذلوا جهوداً جادة في الكشف عنهم إلا بعد أن أطلق الروس أول مركبة فضاء سنة ١٩٥٧م، فحينئذٍ أفاق الأمريكان، وشعروا بالخطر من تفوق الروس عليهم، فاتجهوا إلى رعاية النابغين، واعتبروها مسألة حياة أو موت، وجندوا علماء التربية وعلم النفس والاجتماع، وعقدوا المؤتمرات والندوات لتخصيص وتنظيم ورعاية فئات النابغين، وتشجيعهم على إظهار نبوغهم في جميع المجالات؛ حتى نهضوا بأمتهم، وأنشئت في كل ولاية العديد من المعاهد والفصول المتوسطة في رعاية النابغين في جميع المجالات حتى بلغ عددها سبعمائة معهد، تشرف عليها حوالى ثلاثمائة جامعة في أمريكا، كما أسهمت المؤسسات التجارية والصناعية والعلمية في تمويل برامج الكشف عن النابغين ورعايتهم.
الشاهد من هذا: أننا متخلفون عن الإسلام، فانظروا كيف اهتم الإسلام بهذا الأمر من عهد الصحابة إلى عصور الازدهار الأخيرة، وكيف كانوا يجلون النابغين والعباقرة وكبيري الهمة، ويعطونهم عناية ورعاية خاصة.
стр. 106
قصص تبين أثر التشجيع في شحذ الهمم
فيما يتعلق بالتشجيع وأهميته في دفع النابغين إلى الأمام يحكي الأستاذ علي الطنطاوي حفظه الله قائلاً: قرأت مرة أن مجلة إنجليزية سألت الأدباء عن الأمر الذي يتوقف عليه نمو العلوم وازدهار الأداء، وجعلت لمن يحسن الجواب جائزة قيمة، فكانت الجائزة لكاتبة مشهورة قالت: إنه التشجيع، وقالت: إنها في تلك السن وبعد تلك الشهرة والمكانة تدفعها كلمة التشجيع حتى تمضي إلى الأمام، وتقعد بها كلمة التثبيط عن المسير.
والتثبيط وكسر الهمم واحتقار النفس له أثر سيء جداً في تحطيم المواهب، وحرمان الأمة من عبقرية أصحابها، وإبداعهم.
وضرب الطنطاوي مثالاً لذلك بالشيخ محمد أمين بن عابدين العلامة الحنفي الجليل صاحب أشهر وأعظم كتاب في الفقه الحنفي المعروف بحاشية ابن عابدين، قال الشيخ الطنطاوي: كان في الشام هؤلاء المثبطون من أبناء عائلات معينة احتكرت الوظائف العلمية، وكانت كلما أحست برجل خارج هذه العائلات عليه آثار النباهة والحرص على التعلم يذهبون إلى هذا الشخص ويحاولون تثبيطه حتى لا ينافسهم في هذه الوظائف التي احتكروها سنين طويلة، فرأى المثبطون من محمد أمين بن عابدين الميل إلى العلم، وعرفوا فيه الذكاء المتوقد والعقل الراجح، فخافوا منه فذهبوا يكلمون أباه -وكان أبوه تاجراً- ليسلك به سبيل التجارة، ويتنكب به عن طريق العلم، وجعلوا يكلمونه ويرسلون إليه الرسل، ويكتبون إليه الكتب، ويستعينون عليه بأصحابه وخلصائه، ولكن الله أراد بالمسلمين خيراً، فسكت الوالد فكان منه هذا الولد المبارك ابن عابدين صاحب الحاشية وهي أوسع كتاب في فروع الفقه الحنفي.
وهكذا أرادوا أن يصرفوا أستاذنا العلامة السلفي الكبير محمد كرد علي عن العلم، فبعثوا إلى والده بشقيقين من آل كذا، وهما قد ماتا فلست أسميهما على رغم أنهما قطعا عن العلم أكثر من أربعين طالباً، فما زالا بأبيه ينصحانه أن يقطعه عن العلم، ويعلمه مهنة يتكسب منها، فما في العلم نفع، ولا منه فائدة، ويلحان عليه ويلازمانه حتى ضجر فتركهما، فكان منه ولده الأستاذ كرد علي أبو النهضة الفكرية في الشام وقائدها، ومدير معارف سوريا الأسبق، ومن مصنفاته خطط الشام، وغرائب الغرب، والقديم والحديث، والمحاضرات، وغابر الأندلس وحاضرها، والإمارة الإسلامية، والإسلام والحضارة الغربية، والمقتبس، ومن مصنفاته أيضاً: المجمع العلمي العربي بدمشق، والشعراء والكتاب من الشباب.
стр. 107
خطورة التثبيط
وذكر الشيخ علي الطنطاوي حفظه الله مثالاً على خطورة التثبيط في إطفاء شعلة الهمة في قلب طالب العلم النابه فقال: إن الأمة حرمت كثيراً من الناس العباقرة بسبب التثبيط، وتثبيطهم يكون بسبب والد جاهل أو أم جاهلة، أو بأسباب كثيرة، وكان ينبغي لهم عدم الالتفات إلى المثبطين، ورعايتهم رعاية خاصة، يقول: ها هو ذا العلامة الشيخ سليم البخاري ﵀ مات وما له مصنف رسالة فما فوقها، على جلالة قدره، وكثرة علمه، وقوة قلمه، وشدة بيانه، وسبب ذلك أنه صنف أول عهده بالطلب رسالة صغيرة في المنطق، كتبها بلغة سهلة عذبة، تنفي عن هذا العلم تعقيد العبارة، وصعوبة الفهم، وعرضها على شيخه، فسخر منه وأنبه، وقال له شيخه: أيها المغرور! أبلغ من قدرك أن تصنف؟! وأنت وأنت، وظل يثبطه، ثم أخذ الشيخ الرسالة فسجر بها المدفأة، فكانت هي أول مصنفات العلامة سليم البخاري وآخرها بسبب التثبيط.
قال: وأول من سن سنة التشجيع في بلدنا هو العلامة مربي الجيل الشيخ طاهر الجزائري رحمه الله تعالى، الفيلسوف المؤرخ الجبلي، الذي من آثاره المدارس الابتدائية النظامية في الشام، والمكتبة الظاهرية.
وهو من نوادر الشخصيات في الزمن المتأخر، ومن أشهر تلامذته: الأستاذ محمد كرد علي بك، وخالي الأستاذ محب الدين الخطيب.
والشيخ محب الدين الخطيب هو خال الشيخ علي الطنطاوي، والشيخ علي الطنطاوي هو سوري لكن أباه من طنطا في مصر.
ومما كتب الشيخ طاهر الجزائري في ذم التثبيط: وقد عجبت من أولئك الذين يسعون في تثبيط الهمم في هذا الوقت الذي يتنبه فيه الغافل، وكان الأجدر بهم أن يشفقوا على أنفسهم، ويشتغلوا بما يعود عليهم وعلى غيرهم بالنفع، ولن يرى أحد من المثبطين قديماً أو حديثاً أتى بأمر مهم، فالذي ينبغي للجرائد الكبيرة أن تكثر من التنبيه على ضرر هذه العادة، والتحذير منها؛ ليخلص منها من لم تستحكم فيه، وينتبه الناس لأربابها، ليخلصوا من ضررهم.
وكان الشيخ في حياته يشجع كل عامل، ولا يثني أحداً عن غاية صالحة، حتى لقد أخبرني أحد المقربين منه أنه قال له: إذا جاءك من يريد تعلم النحو في ثلاثة أيام فلا تقل له: إن هذا غير ممكن، فتفل عزيمته، وتكسر همته، لكن أقرئه، وحبب إليه النحو، فلعله إذا أنس به واظب على قراءته.
стр. 108
عالي الهمة يجعل التثبيط له تحدياً
قال الطنطاوي: إن التشجيع يفتح الطريق للعبقريات المخبوءة، حتى تظهر وتثمر ثمرها، وتؤتي أكلها، ورب ولد من أولاد الصناع أو التجار يكون إذا شجع وأخذ بيده عالماً من أكابر العلماء، أو أديباً من أعاظم الأدباء، وفي علماء القرن الماضي في الشام من ارتقى بالجد والدأب والشجيع من حرفة الحياكة إلى منصب الإفتاء، وكرسي التدريس حتى القبة، نشأ الشيخ محمد إسماعيل الحائك خياطاً عامياً، ولكنه كان محباً للعلم، محباً للعلماء، فكان يحضر مجالسهم، ويجلس في حلقهم للتبرك والسماع، وكان يواظب على الدرس، ولا يفوته الجلوس في الصف الأول، فجعل الشيخ يؤنسه، ويلطف به لما يرى من دوامه وتبكيره، ويسأل عنه إذا غاب، فشد ذلك من عزمه، فاشترى الكتب، وصار يحيي ليله في مطالعة الدرس، ويستعين على ذلك بالنابهين من الطلبة، واستمر على ذلك دهراً حتى أتقن علوم الآلة، وصار واحد زمانه في الفقه والأصول، وهو عاكف على مهنته لم يتركها، وصار الناس يأتونه في محله يسألونه عن مشكلات المسائل، وعويصات الوقائع، فيجيبهم بما يعجز عنه فحول العلماء، وانقطع الناس عن المفتي من آل العمادي، وانصرفوا عن المفتي الرسمي العمادي إلى هذا الحائك الذي كان أعلم أهل بلده، فساء ذلك العماديين وآلمهم، فتربصوا بالشيخ وأضمروا له الشر، ولكنهم لم يجدوا إليه سبيلاً، فقد كان يحيا من عمله، ويحيا الناس بعلمه، وكان يمر كل يوم بدار العماديين في القيمرية، وهو على أتان له بيضاء، فيسلم فيردون ﵇، فمر يوماً كما كان يمر، فوجد على الباب أخاً للمفتي، فرد ﵇ فقال له ساخراً: إلى أين يا شيخ؟ أذاهبٌ أنت إلى إستانبول لتأتي بولاية الإفتاء؟! -يعني: أنه أراد أن يعيره بأنه ليس هو المفتي، وأن المفتي هو أخوه، وإنما هو متطفل على مقام الإفتاء-وضحك وضحك من حوله، أما الشيخ فلم يزد على أن قال: إن شاء الله.
وهنا وقفة، ربما كانت السخرية أحياناً سبباً عظيماً من أسباب التحدي، فأنا أعرف مدرساً للغة الفرنسية كان يثبط طالباً دائماً، ويقول له: أنت غير نافع، وغير فالح إلى آخر هذه العبارات المشهورة من المدرسين المقصرين في هذا الجانب، فإنهم يفعلون هذه الأفاعيل، ولا يفطنون إلى خطر عواقبها، فهذا الطالب عزم على أن يتقن اللغة الفرنسية أشد الإتقان، وبالفعل تفوق وأتى بدرجات عالية، ودخل كلية الآداب، وتخصص في اللغة الفرنسية، وصار مدرساً للغة الفرنسية بعد أن كان ضعيفاً جداً فيها.
الشاهد: أن السخرية والتثبيط إذا أخذ بنوع من التحدي قد تصعد به الهمة، وممكن أن هذا الكلام يثبط، وذلك حسب نفسية الطفل، وحسب البيئة التي حوله، وحسب التشجيع، فيمكن أن يتحول الأمر من سخرية إلى تحدي، حتى يثبت لنفسه ولهذا الشخص الذي يحتقره أنه جدير بالاحترام، وجدير بألا يكون كما يصفه.
ونعود إلى القصة الأولى: لما سخر منه العماديون، وقال له أخو المفتي: إلى أين يا شيخ! أذاهب أنت لتأتي بوالية الإفتاء؟! وضحك وضحك من حوله، الشيخ لم يزد على أن قال: إن شاء الله، فماذا فعل؟ استمر في طريقه وهو راكب الأتان، حتى إذا ابتعد عنهم دار في الأزقة حتى عاد إلى داره، فودع أهله وأعطاهم نفقته وسافر متجهاً إلى إستانبول، وما زال يفارق بلداً ويستقبل بلداً حتى دخل القسطنطينية، فنزل في خان قريب من دار المشيخة العثمانية، وكان يجلس على الباب يطالع في كتاب أو يكتب في صحيفة، فيعرف من زيه أنه عربي، ويحترمونه ويجلونه، ولم يكن الترك قد جنوا الجناية الكبرى بالحركة الكمالية، فكانوا يعظمون العربي؛ لأنه من أمة الرسول الأعظم الذي اهتدوا به، وصاروا به وبقومه ناساً، واتصلت أسباب الشيخ بأسباب طائفة منهم، فكانوا يجلسون إليه يحدثونه، فقال له يوماً رجل منهم: إن السلطان سأل دار المشيخة عن قضية حيرت علماءها، ولم يجدوا لها جواباً، والسلطان يستحثهم وهم حائرون ما عندهم جواب على السؤال، فهل لك أن تراها؛ لعل الله يفتح عليك بالجواب؟ قال: نعم، قال: سر معي إلى المشيخة، قال: باسم الله، ودخلوا على ناموس المشيخة -يعني: السكرتير- فسأله الشيخ محمد إسماعيل عن المسألة، فالسكرتير أو الناموس رفع رأسه فقلب بصره فيه بازدراء؛ لأن هيئة الشيخ وملابسه لم تكن على هيئة مرضية، فقد كان رجلاً لا يهتم بالمظهر، ولم تكن هيئة الشيخ بالتي ترضي، فألقاها إليه -يعني: رمى له بالمسألة وانصرف إلى عمله- فأخرج الشيخ نظارته، فوضعها على عينه فقرأ المسألة، ثم أخرج من منطقته -أي: الحزام- دواة، وهذه الدواة النحاسية الطويلة هي التي كان يستعملها العلماء وطلبة العلم للكتابة، والدفاع عن النفس، فاستخرج منها قصبة فبراها، وأخذ المقطع فقطعها، وجلس يكتب الجواب بخط نسخي جميل، حتى سود عشر صفحات، وما رجع في كلمة منها إلى كتاب، ودفعها إلى الناموس، ودفع إليه عنوان منزله وذهب، فلما حملها الناموس إلى شيخ الإسلام العثماني وقرأها كاد يقضي دهشة وسروراً من هذا العلم الذي وجده في هذه الأوراق، فقال للناموس: ويحك! من كتب هذا الجواب؟! قال: شيخ شامي من صفته كيت وكيت، قال: علي به، فجاء، فجعلوا يعلمونه كيف يسلم على شيخ الإسلام، وأن عليه أن يشير بالتحية واضعاً يده على صدره منحنياً، ثم يمشي متباطئاً حتى يقوم بين يديه، إلى غير ذلك من هذه الأعمال الطويلة التي نسيها الشيخ ولم يحفط منها شيئاً.
ودخل على شيخ الإسلام فقال له: السلام عليكم ورحمة الله، وذهب فجلس في أقرب المجالس إليه، وعجب الحاضرون من عمله، ولكن شيخ الإسلام سُرَّ بهذه التحية الإسلامية، وأقبل عليه يسأله حتى قال له: سلني حاجتك.
فقال: إفتاء الشام وتدريس القبة.
قال: هما لك، فاغد عليّ غداً.
فلما كان من الغد ذهب إليه، فأعطاه فرمان التولية، وكيساً فيه ألف دينار.
وعاد الشيخ إلى دمشق فركب أتانه، ودار حتى مر بدار العماديين، فإذا صاحبنا على الباب، فسخر منه وقال: من أين يا شيخ؟! فقال الشيخ: من هنا من إستانبول؛ أتيت بتولية الإفتاء كما أمرتني.
ثم ذهب إلى القصر فقابل الوالي بالفرمان، وسلّم الشيخ عمله في حفلة حافلة.
همم الرجال إذا مضت لم يثنها خدع الثناي ولا عوادي الذأم
стр. 109
علو الهمة [٨]
فضّل الله بعض البشر على بعض في القدرات والطاقات والنباهة وعلو الهمة، ومن ثَم فإنه ينبغي على كل المربين الاهتمام بأصحاب هذه القدرات، وتوفير المناخ المناسب لهم؛ لأنهم يوفرون على الأمة الكثير من الجهد، ويتقدمون بها مراحل طويلة، فالمسئولية ملقاة على عاتق الجميع، وأهم من يُعنى بذلك هما الوالدان، ومثلهما سائر المربين.
стр. 110
خصائص كبيري الهمة
اجتهد علماء المسلمين منذ فجر الإسلام في الكشف عن النابغين وكبيري الهمة، خاصة من الناشئين، وذلك لأنهم كانوا يدركون أنهم سبقوا كل المناهج العصرية أو الحديثة بمئات السنين، وما نشأ اهتمام السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم ومن بعدهم من الخلف بهذه القضية إلا لأن كبار الهمة أو النابغين يختصرون الطريق على الأمة؛ لأن هؤلاء بما لهم من خصائص وميزات يختصهم الله بها إذا صلح واحد منهم فإنه يَصلحُ به خلق كثير، فلذلك ركز العلماء على اختصار الطريق إلى المجد وإلى عزة المسلمين عن طريق البحث عن هؤلاء الفائقين أو النابغين من كبيري الهمة؛ لأن الله يميز هؤلاء بمواهب واستعدادات فطرية، وخصائص ذاتية متميزة، فهم ليسوا مجرد أشخاص ماهرين في أداء اختبارات معينة أو مهارات من نوع خاص، لكن هؤلاء يخلقهم الله ويرزقهم خصائص شخصية واجتماعية وبدنية تفوق ما عند أقرانهم العاديين، ومن أهم هذه الخصائص -وإن كان هذا ليس من صلب بحثنا، وإنما هو إشارة عابرة- سلامة البدن من العاهات أو الآفات، وقوة الذاكرة، وسرعة التعلم، والتفوق في التحصيل الدراسي، وحب الاستطلاع، والدافعية للإنجاز، فالواحد منهم عنده قوة وهمة لأن ينجز ما يظنه غيره مستحيلاً، فيكون عنده عزيمة وتصميم وهمة، بحيث يكون -في الغالب- مستعداً لأن يتحدى العالم أجمع في سبيل أن يفرض عليه ما يعتنقه من أفكار.
وكذلك من خصائصهم الثقة بالنفس، فلا يكون مصلحاً من هو عاجز أو متواكل أو هياب يخاف من تحمل المسئولية ويهابها.
ومن خصائصهم الاستقلالية، وذلك لأنه يكون عندهم النزعة الاستقلالية، فلا ينقادون بسهولة، ولا يقلدون، ولا يكون إمعات.
ومن خصائصهم المثابرة والتفوق في القيم النظرية، وفي الميول العلمية، والنضوج الاجتماعي، والنشأة في ظروف اجتماعية كبيرة، وبهذا الاختصار أشرنا إلى بعض الخصائص التي يتميز بها كبيرو الهمة.
следующие страницы →