← Джавами‘

Джавами‘ · id 37003

دروس للشيخ عبد الله حماد الرسي

عبد الله حماد الرسي

Полный текст (1 664 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

معنى شهادة أن محمداً رسول الله ثم اعرفوا معنى شهادة: أن محمداً رسول الله ﷺ , فمعناها: طاعته فيما أمر, وتصديقه فيما أخبر, وألا يعبد الله إلا بما شرعه ﷺ , وأن يجتنب كل ما نهى عنه وزجر, فرسول الله ﷺ عبد لا يُعبد، ورسول لا يُكذب, بل يطاع ويتَّبع, شرَّفه الله بالعبودية الخاصة، والرسالة العامة إلى جميع الثقلين؛ من الجن والإنس قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] فهذا رسول الله ﷺ الذي بُعث بالحنيفية السمحة، وختم الله به الرسالات، وجعلت أمته خير أمة أخرجت للناس, فجزاه الله عن أمته خير ما جزى به رسولاً عن أمته. لقد أوضح لنا الدليل, وأنار السبيل, ونصح لأمته، وتركها على المحجة البيضاء؛ ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك, بلَّغ رسالة ربِّه صلوات الله وسلامه عليه. فواجب ثم واجب ثم واجب على كل مسلم يؤمن بالله ورسوله أن يحب رسول الله ﷺ أشد حباً من نفسه, وولده, ووالده, ومن الناس أجمعين، وقد أقسم النبي ﷺ أنه لا يؤمن عبد حتى يكون هو أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين, ولما قال الفاروق عمر بن الخطاب ﵁: ﴿لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي, قال ﷺ : لا حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر ﵁: أنت أحب إليّ من كل شيء حتى من نفسي، قال: الآن يا عمر﴾. وإذا كان النبي ﷺ أولى بنا من أنفسنا في المحبة ولوازمها, فإنه يتحتم على من أراد الفلاح والسعادة والهداية في الدنيا والآخرة، أن يتبع هدي هذا الرسول النبي الأمي؛ الذي نوه الله بذكره في جميع الكتب المنزلة, وبشرت به جميع الأنبياء، وأمر الله باتباعه في محكم البيان؛ قال جلَّ وعلا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨].

стр. 1157

دعوة الرسول إلى محبة الله أمة الإسلام: اتبعوا هذا الرسول النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه, وأطيعوه فيما دعاكم إليه, فقد دعاكم إلى توحيد الله جلَّ وعلا, ودعاكم إلى إفراد الله بالعبادة, ودعاكم إلى محبة الله تعالى, فوالله ثم والله إن أنفع المحبة على الإطلاق وأوجبها، وأعلاها وأجلها محبة الله الذي جبلت القلوب على محبته, وفطرت الخليقة على تأليهه؛ فإن الإله هو الذي تألهه القلوب بالمحبة والإجلال, والتعظيم والذل, والخضوع, والتعبد والعبادة, ولا تصلح كل هذه إلا له وحده لا شريك له, فهو الرب المتفرد بالخلق والرزق والتدبير, وهو الذي يحي ويميت, ويُعز ويذل, ويعطي ويمنع, وينفع ويضر, ويعافي ويبتلي, ويقبض ويبسط, وهو الذي رحمته وسعت كل شيء, وإحسانه عم جميع خلقه, بَرَّهم وفاجرهم، ناطقهم وبهيمهم, فهو الله القادر؛ الذي يجيب الدعوات, ويكشف الكربات, ويغيث اللهفات, ويفرج الكربات من غير حاجة إلى عباده, بل هو الغني الحميد. فكيف -يا عباد الله- لا يحب العبد بكل قلبه وجوارحه من يديم عليه النعم, بعدد الأنفاس, فالله يدر عليه النعم, والصحة والعافية بعدد الأنفاس، ومع ذلك العبد يسيء ويقصر, فخير الله إليه نازل وشره إليه صاعد, يتحبب إليه ربه بالنعم, وهو غني عنه, والعبد يتبغض إليه بالمعاصي, وهو فقير إليه, فلا إله إلا الله. فلا إله إلا الله أجود الأجودين, وأكرم الأكرمين, أعطى عبده قبل أن يسأله فوق ما يؤمله, يشكر القليل من العمل وينميه, ويغفر الكثير من الزلل ويمحوه, لا إله إلا الله: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] لا يشغله سمع عن سمع, ولا يضجر بكثرة المسائل, ولا يتبرم بإلحاح الملحين, بل يحب الملحين في الدعاء, قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥] وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] فهو يحب أن يُسأل, ويغضب إذا لم يُسأل, فهو الذي ينزل ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: ﴿من يدعوني فأستجيب له, من يسألني فأعطيه, من يستغفرني فأغفر له﴾ فلك الحمد -يا رب العالمين- فقد جبلت قلوب المؤمنين على محبتك, اللهم اجعلنا مؤمنين بك يا رب العالمين. عباد الله: كيف لا تحب القلوب من لا يأتي بالحسنات إلا هو؟ ولا يذهب بالسيئات إلا هو؟ ولا يجيب الدعوات, ويقيل العثرات, ويغفر الخطيئات, ويستر العورات, ويكشف الكربات, ويغيث اللهفات, وينيل الطلبات إلا هو ؟ فهو أحق من ذكر, وأحق من شكر, وأحق من عبد, وأحق من حمد, وأرأف من ملك, وأعز من التُجئ إليه, ورب العزة والجلال أرحم من استرحم, أرحم بعبده من الوالدة بولدها, وهو الذي أخبر عنه رسوله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ أنه قال: ﴿يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا, يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم, يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم, يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم, يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم, يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني, ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني, يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم, ما زاد ذلك في ملكي شيئاً, يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً, يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر, يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم, ثم أوفيكم إياها, فمن وجد خيراً فليحمد الله, ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه﴾ رواه مسلم. اللهم ارزقنا حق معرفتك, وأذقنا حلاوة الإيمان بك وبملائكتك وكتبك ورسلك, وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره. وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1158

الإخلاص شرط لقبول الأعمال إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد؛ الذي بلغ البلاغ المبين, فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: تعرفوا إلى الله , وأخلصوا له الأعمال, قال رسول الله ﷺ : ﴿قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك, من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه﴾ رواه مسلم , فأخلصوا لله الأعمال, واطلبوا ثوابها من الله جلَّ وعلا فإنه الكريم. عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً قال: ﴿يمين الله ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار, أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه, والقسط بيده الأخرى يرفع ويخفض﴾ رواه البخاري ومسلم , وقال أبو موسى ﵁: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: ﴿إن الله تعالى لا ينام, ولا ينبغي له أن ينام, يخفض القسط ويرفعه, يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار, وعمل النهار قبل عمل الليل, حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه﴾ رواه مسلم. عباد الله: تعرفوا إلى الله في الرخاء يعرفكم في الشدة.

стр. 1159

سعة رحمة الله عباد الله: توبوا إلى الله , والتجئوا إليه, وأقلعوا من جميع المعاصي فهو يحب التوابين, وهو أشد فرحاً بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة, إذا يئس من الحياة ثم وجدها, ويقول رسول الله ﷺ في الحث على التوبة: ﴿إن الله جلَّ وعلا يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار, ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل, حتى تطلع الشمس من مغربها﴾ رواه مسلم , ويقول رسول الله ﷺ : ﴿لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي﴾ رواه البخاري , وقال رسول الله ﷺ : ﴿الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله, والنار مثل ذلك﴾ رواه البخاري , فتعرفوا إلى ربكم -يا عباد الله- وتقربوا إليه بصالح الأعمال, واحذروا السيئات قبل أن يفاجئكم هادم اللذات, قبل أن تغتنمكم المنية، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا, وتأهبوا للعرض الأكبر على الله فقد قال سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]. عباد الله: إن أصدق الحديث كتاب الله, وخير الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة. عباد الله: صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] , ويقول ﷺ : ﴿من صلّى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد, وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين, وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين, اللهم يا قريب مجيب لمن دعاك اللهم أعز الإسلام والمسلمين, اللهم أذل الشرك والمشركين, اللهم دمّر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين, اللهم اشدد وطأتك على أعداء الإسلام والمسلمين, اللهم انصر المجاهدين في سبيلك من المسلمين, اللهم سدد خطاهم, اللهم اجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين, اللهم وحد صفوفهم, اللهم سدد رميهم, اللهم الطف بنا وبهم يا رب العالمين, اللهم أنت أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين وأجود الأجودين لا إله إلا أنت ولا رب لنا سواك. اللهم وفق جميع ولاة أمور المسلمين بالحكم لكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ , اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين يا رب العالمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا, اللهم وفقنا وإياهم لما تحبه وترضاه, وجنبنا وإياهم ما تبغضه وتأباه. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.

стр. 1160

ليس في الدين قشور انتشرت عند كثير من الناس فكرة أن في هذا الدين قشوراً وأن فيه لباً. مع أن الدين كله لب، ولا يوجد فيه قشور. وفي هذا الدرس تحذير من تساهل كثير من المسلمين في حلق اللحية، وإسبال الإزار وتذكير بما جاء في ذلك من نصوص شرعية ليس للمسلم إزاءها إلا السمع والطاعة.

стр. 1161

واجب الامتثال لأمر الله وأمر رسوله الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله . عباد الله! أطيعوا الله وأطيعوا الرسول تسعدوا في الدنيا والآخرة، وتفوزوا فوزاً عظيماً. واعلموا -عباد الله- أنها لا تتم طاعة الله إلا بطاعة رسوله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣١ - ٣٢] ويقول رب العالمين: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧]. أمة الإسلام: من هذه الآيات الكريمة يتبين لنا معنى شهادة أن محمداً عبده ورسوله، ما معنى شهادة أن محمداً عبده ورسوله؟ معناها: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يُعبد الله جل وعلا إلا بما شرع ﷺ ، محمد رسول الله خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي رسالتُه خُتمت بها الرسالات، وهو الذي بُعث إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، اسمع يا عبد الله! هذا رسول الله ﷺ الذي من أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار.

стр. 1162

حكم إسبال الإزار بطراً أمة الإسلام: لقد تفشَّت في مجتمعنا صفة محرمة، وهي من كبائر الذنوب، واستحسنها كثير من الناس، ألا وهي الإسبال، ألا وهي جر الثياب والمشالح والسراويل من الرجال. واسمعوا -يا عباد الله- النهي الشديد من الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، يقول رسول الله ﷺ : ﴿لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطراً﴾ متفق عليه. وأيضاً عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ﴿ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم! ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم! ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم! -قرأها ثلاث مرات- قال أبو ذر ﵁: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب﴾ رواه مسلم وفي رواية: ﴿المسبل إزاره﴾. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الهدى محمد ﷺ : ﴿إزارة المسلم إلى نصف الساق ولا حرج -أو لا جناح- فيما بينه وبين الكعبين، فما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، ومن جر إزاره بطراً لم ينظر الله إليه﴾ رواه أبو داود بإسناد صحيح. وعن ابن عمر ﵄ قال: ﴿مررتُ على رسول الله ﷺ ، وفي إزاري استرخاءٌ، فقال: يا عبد الله، ارفع إزارك، فرفعتُه، ثم قال: زد، فزدتُ، فما زلتُ أتحراها بعدُ، فقال بعض القوم: إلى أين؟ فقال ﷺ : إلى أنصاف الساقين﴾ رواه مسلم. عباد الله: هل بعد هذا البلاغ من رسول الله ﷺ عذرٌ للمعاندين الذين اعتادوا أن يسحبوا الثياب؟ هل لهم عذرٌ إذا وقفوا بين يدي الله ؟ لا والله ليس لهم عذر، فقد بلغ رسول الله ﷺ البلاغ المبين. إن بعض أولئك المعاندين الذين نراهم في المناسبات وهم يجرون ثيابهم عندما يصبون القهوة والشاي، إننا إذا رأيناهم تكاد القلوب أن تتفطر مما نرى من المنكرات التي تجتمع في تلك المناسبات، ولو كان إيماننا قوياً لم نحضر تلك المناسبات وفيها تلك المنكرات، إن حلق اللحية منكر، وإن ترك الشوارب منكر، إن إسبال الثياب منكر، ولكن مع الأسف الشديد! نجلس ونضحك ونتحدث مع القوم، لو هجرناهم حتى يتركوا هذه المحرمات ويرجعوا إلى الله، لكن لم يحصل ذلك عندنا، لم يحصل ذلك الهجر، ولم تحصل تلك المقاطعة.

стр. 1163

حكم جر الثوب زينة إن بعض أولئك المعاندين يقولون: لم نجره خيلاء، ولكن زينة، فنقول لهم: ليست الزينة والجمال فيما حرمه الله ورسوله، فاسمعوا إلى قول رسول الله ﷺ ، قال: ﴿ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار﴾ رواه البخاري. اسمع أيها المعاند، اسمع أيها العاصي، ما حجتك بين يدي الله، وقد سمعت هذا البلاغ من رسول الله ﷺ ؟ ﴿ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار﴾ رواه البخاري. واسمعوا يا عباد الله! قال رسول الهدى محمد ﷺ : ﴿من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقالت أم سلمة -زوج النبي ﷺ ﵂: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبراً قالت: إذاً: تنكشف أقدامهن، قال: فيرخينه ذراعاً، لا يزدن﴾ رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. والله يا عباد الله! والله يا أمة الإسلام! يا من غفلوا عن تعاليم رسول الله ﷺ ! والله لقد عظمت المصيبة في زماننا، انعكس الأمر وانتكس، فالمرأة هي التي قصَّرت ثيابها، وكشفت عن قدميها وساقيها، والرجل حل محلها، فأسبل الثياب، وستر القدمين، فلا يظهر منه إلا الوجه وأطراف القدمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون! والله لو فكرنا نحن الحاضرون في هذه اللحظة لوجدنا الكثير منا قد أسبل الثياب، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله! اللهم هذه أحاديث رسولك محمد ﷺ قد بلغتُها كما أمرنا رسول الله ﷺ حيث قال: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾. اللهم هذه أحاديث رسولك محمد ﷺ ، أقرؤها على هذا المنبر، اللهم فاشهد أني قد بينت أن الإسبال محرم، وإن تلطخ به الكثير من المسلمين. فأسأل الله أن يردهم إليه رداً جميلاً، اسمعوا إلى قول الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥]. فما ظنكم -يا عباد الله- بإنسانٍ يقف أمام الخياط ويأخذ مقاسه، ويوصيه أن يجعل الثوب أو الإزار أو المشلح طويلاً، ولقد قلت لبعض الناس: يا أخي! ارفع ثوبك فلا تجره، فيقول: أريد الستر، مع الأسف الشديد إن كان يريد الستر فهو امرأة؛ لأن الستر هو للمرأة، أما عورة الرجل فمن السرة إلى الركبة، وأما المرأة فهي كلها عورة إلا وجهها وكفيها في الصلاة، فمن قال: أريد الستر، فهو يتشبه بالنساء، ولعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء. اللهم وفقنا إلى ما تحبه وترضاه, وجنبنا ما تبغضه وتأباه، اللهم اجعلنا ممن يتواصون بالحق، اللهم اجعلنا ممن يتناصحون لله وفي الله، إنك على كل شيء قدير. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه ما دمتم في وقت الإمكان، استغفروه وتوبوا إليه ما دمتم في وقت الإمكان، فإن الله غفور رحيم.

стр. 1164

الحذر من شؤم المعاصي الحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله وأطيعوه. عباد الله: احذروا أسباب سخط الله، وتيقظوا من هذه الغفلة. نعم. لقد غفل الكثير من الناس، ونسوا الله ، حتى آل بهم الأمر إلى ارتكاب المحرمات، وصار بعضهم يفعل ذلك جهاراً دون حياءٍ ولا مبالاة، كل ذلك أسبابه البُعد عن الله ، وعما يقرب إلى الله تعالى. فمن غفل عن الله ونسيه، فإن الله جلَّ وعلا ينساه جزاءً وفاقاً، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]. نعم. لقد انهمك الكثير في هذه الأزمنة بالدنيا حتى ألهته عن العمل للدار الآخرة، فغفل عن مصالح نفسه، فصار عبداً للدنيا والهوى، فلا يسعى بما يخلص به نفسه من عقبات أمامه، نسي الموت بما فيه من الغُصَص والسكرات، ونسي القبر وظلمته، ونسي سؤال منكر ونكير. نعم. -يا عباد الله- أي عقوبة أعظم من عقوبة من أهمل نفسه وضيعها ونسي مصالحها وداءها ودواءها، ونسي أسباب سعادتها وفلاحها في حياتها الأبدية؟! فتذكر -يا عبد الله- أين المصير يوم القيامة؟ هل أنت من أهل الجنة فهنيئاً لك، أم أنت من أهل النار فيا ويلك من النار؟ إذا كنت تذكر ذلك حقاً، فلماذا هذا التهاون بالله جلَّ وعلا؟! ولماذا هذا الابتعاد عن نهج رسول الله ﷺ ؟! لماذا هذا التهاون بالصلاة، التي من تركها متعمداً فقد كفر؟! لماذا هذا التهاون بأداء الزكاة، التي هي قرينة الصلاة؟! لماذا هذا التهاون بارتكاب المخدرات والمسكرات التي نقلتك عن حيز الآدميين إلى التشبه بالمجانين والحيوانات؟! لماذا هذا الانهماك في جريمتي الزنا واللواط؟! لماذا تسمع الأغاني وهي بريد الزنا وتنبت النفاق بالقلب كما ينبت الماء البقل، وهي رُقية الزنا؟! ومع ذلك إن مِت من غير توبة، يُصب في أذنك الآنِك يوم القيامة، وهو الرصاص المذاب. ثم لماذا هذا التجرؤ على حلق اللحية، التي ميزك الله بها عن النساء؟! وحلقها تشبه باليهود والنصارى والمجوس، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ . ثم أيها الغافل: يا من ضيع عمره عند الأفلام والتمثيليات ومع المجلات! تذكر يوم العرض الأكبر على الله، إذا أعطيت الكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ووجدت فيه تلك الأوقات التي قتلتها في غير طاعة الله، في الليل والنهار. يا من أسبل الثياب وتهاون بأمر الله! استعد ليوم القيامة.

стр. 1165

الاستعداد لليوم العظيم يا من غفل عن ذلك اليوم العظيم! ستراه عياناً ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً * وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً * وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾ [النبأ:١٨ - ٢٠] تذكر ذلك اليوم يا عبد الله، يوم القيامة، ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ [النبأ:٣٨] ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ [النبأ:٤٠]. تذكر يوم القيامة الذي سوف تقف به شاخص البصر، حافي القدم، عاري الجسم ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان:٢٥ - ٢٦]. نعم. الملك يومئذٍ الحق للرحمن، الذي قال وقوله الحق: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]. ثم يأمر الله جلَّ وعلا إسرافيل فينفخ في الصور نفخة الصعق، وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض، -إلا من شاء الله- حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد إله الأولين والآخرين -الحي الذي لا يموت أبداً- بالديمومة والبقاء، وهو القائل جلت قدرته: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. ثم تذكر -يا عبد الله- قول الله جلَّ وعلا: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦] ثم يجيب نفسه بنفسه، فيقول جلَّ وعلا: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]. ثم يحيي ربنا جلَّ وعلا إسرافيل، ويأمره أن ينفخ في الصور أخرى، نفخة البعث التي قال الله فيها: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]. تذكر -يا عبد الله- إذا قمت من قبرك، تنفض التراب من رأسك يا عبد الله. والله لو رسخ الإيمان في قلوبنا لما تجرأنا على هذه المحرمات، ولما عصينا جبار السماوات والأرض، ولما تعدينا الحدود، ولكن لك ميعاد ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٣ - ٤٤]. أسأل الله أن يجعلنا من الآمنين يوم الفزع الأكبر ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ﴾ [الشعراء:٨٨] يومٌ قال فيه رسول الله ﷺ : ﴿يُحشر الناس يوم القيامة حُفاة، عراة، غُرْلا قالت عائشة ﵂: يا رسول الله، النساء والرجال جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال ﷺ : يا عائشة! الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض﴾. فيا عباد الله: استعدوا لذلك اليوم، استعدوا ليوم القيامة، استعدوا ليومٍ يُنفخ في الصور، فتأتون أفواجاً، وتُحضرون بين يدي الله . وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. ويقول ﷺ : ﴿مَن صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، ردنا إليك رداً كريماً، اللهم ردنا إليك رداً كريماًَ، اللهم اشف مرض قلوبنا، اللهم اشف مرض قلوبنا، اللهم اشف مرض قلوبنا، يا رب العالمين. اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين أجمعين. اللهم أصلح ولاة أمورنا، وولاة أمور المسلمين أجمعين، اللهم ارزق ولاة أمور المسلمين جلساء صالحين، وبطانة صالحة، وأبعد عنهم بطانة السوء. اللهم أصلحنا، وأصلح لنا، وأصلح بنا، واجعلنا هداة مهتدين، اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، يا رب العالمين. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١]. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 1166

ما أعد الله لأهل الجنة لقد أعدَّ الله لعباده في الجنة كما قال: ﴿ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر﴾ وما جعل الله هذا النعيم إلا لأناس ذكر صفاتهم في كتابه وعلى لسان نبيه، وقد أعطى الله لأدنى أهل الجنة منزلاً أكثر من ملك الدنيا بعشر مرات؛ فكيف بمن هم في أعالي الدرجات؟! ولكن هل من مشمر لها.

стр. 1167

حال أهل الجنة في الجنة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: يا عباد الله: اتقوا الله ولا تغتروا بما في هذه الحياة الدنيا من الزخارف البراقة والسراب اللامع، فإن كل هذه الحياة الدنيا وما فيها مآلها للزوال والخراب؛ ولكن استعدوا لدار لا يخرب بنيانها، ولا يهرم شبانها، ولا تبلى ثيابهم، ولا ينقطع نعيمها، واسمعوا إلى المولى جلَّ وعلا وهو يحثكم إليها في القرآن العظيم، ويقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٦]. ويقال لأهل الجنة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٦ - ٤٨]. ويُقال لأهل الجنة: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٨] مَن هُم الذين يقال لهم هذا يا عباد الله؟ يقال للذين آمنوا بآيات الله وكانوا مسلمين، اسمعوا وصفهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف:٦٩ - ٧٣]. ثم هم في مقام أمين من الحوادث وغيرها، في أمان من تغير الزمان وتقلبات الحياة، في جنات وعيون، ولهم فيها من اللباس: السندس، والإستبرق، متنعمين مع الزوجات من الحور العين، الراضيات المرضيات، الطاهرات من الحيض والنفاس، النظيفات من البصاق والمخاط، اسمعوا يا عباد الله! ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان:٥١] يا ألله نسألك من فضلك، الله أكبر! يا عباد الله! أين النفوس التي تشتاق إلى هذا؟ نفوسنا في غفلة، قلوبنا ميتة ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الدخان:٥١ - ٥٧]. عباد الله: بادروا إلى الجنة وما أعد الله فيها لعباده الصالحين، يقول رسول الهدى ﷺ : ﴿قال الله تعالى: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، واقرءوا إن شئتم ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]﴾. ولكن قبل هذه الآية، آيات تبين أعمالهم، يقول جلَّ وعلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦] ماذا يعملون يا رب العالمين؟ يلعبون البَلُوْت والكِنْكَان؟ يغيرون من فيلم إلى فيلم، ومن تمثيلية إلى تمثيلية؟ فإذا جاء وعد الله الذي لا يخلف وعده, وجاء النزول الإلهي إذا هم كالجيف الميتة في فُرشهم، الآن بعضهم إلى الآن في فراشه بعد سهرة الليل، وتمر عليهم صلاة الفجر، والظهر، والعصر وهو نائم فإنا لله وإنا إليه راجعون. ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ هؤلاء عباد الله، ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ ماذا يعملون؟ ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] الفرق شاسع وبعيد، فهؤلاء تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، خائفين من الله، طامعين لما عند الله، ونحن نسهر ليلة الجمعة وليلة الخميس. ليلة الخميس: الليلة التي تُعْرض فيها الأعمال على الله، وإذا بفلان وعلان يلعبون القمار والميسر، البَلُوْت والكِنْكَان، ويتشاتمون فيما بينهم، هذا يشتم والدَي هذا، وذاك يشتم والدَي الآخر، إنا لله وإنا إليه راجعون، تُعرَض الأعمال على الله، وهم يمارسون تلك اللعب. وليلة الجمعة: التي تقوم فيها الساعة المستجابة، يمارسون فيها تلك الألعاب، فإذا جاءت أوقات الفضائل، فإذا هم كالجيف والعياذ بالله قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧] اللهم اجعلنا منهم، يا عباد الله! نسأل الله أن يجعلنا منهم.

стр. 1168

صفات أهل الجنة يقول رسول الله ﷺ : ﴿أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشدِّ كوكب دري في السماء ضوءه، لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الأَلُوَّة، أزواجهم الحور العين﴾ لا إله إلا الله! نسأل الله من فضله، نسأل الله أن يقوي عزائمنا وهممنا لنقضي حياتنا بالأعمال الصالحة، يقول: ﴿أزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعاً في السماء﴾ متفق عليه، وفي رواية لـ مسلم: ﴿آنيتهم فيها الذهب، ورشحهم فيها المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يُرى مخ ساقيهما من وراء اللحم من الحُسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا﴾. عباد الله: لقد جاء الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ أن نبي الله موسى ﵇ سأل الله : ﴿ما أدنى أهل الجنة منزلة؟﴾ موسى يسأل الله: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ ﴿يقول الله جلَّ وعلا: هو رجل يجيء بعدما أُدخل أهلُ الجنة الجنة، فيُقال له: ادخل الجنة، فيقول: أيا رب، كيف وقد نزل الناس منازلهم، فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلْك مَلِك من ملوك الدنيا، فيقول: رضيتُ ربي، فيقول: لك ذلك، ومثله، ومثله، ومثله, ومثله -أربع مرات- ويقول في الخامسة: رضيتُ ربِّ، فيقول: هذا لك، وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسُك، ولذت عينك، فيقول: رضيتُ ربِّ، قال موسى ﵇: ربِّ، فأعلاهم منزلة؟ قال الله جلَّ وعلا: أولئك الذين غرستُ كرامتهم بيدي، وختمتُ عليها، ولم ترَ عينٌ، ولم تسمع أذنٌ، ولم يخطر على قلب بشر﴾ حديث صحيح رواه الإمام مسلم. وجعل الله زوجات أهل الجنة عُرُباً أتراباً، والعُرُب: هي المرأة المتوددة إلى زوجها باللطافة، ولين الكلام، ومع ذلك فهن على سن واحد، ولا تباغض ولا تحاسد في الجنة، ففيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعيُن، وفوق ذلك: أنهم فيها خالدون؛ لا يبغون عنها حولاً، ولا هم منها مُخرجون، ينادي منادٍ: ﴿إن لكم أن تصِحُّوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشِبُّوا فلا تهرموا أبداً﴾. وفوق ذلك يا عباد الله: أن الله أحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم أبداً، وفوق ذلك كله: ما يحصل لهم من التلذذ برؤية رب العالمين إذا كشف الحجاب الذي بينه وبينهم، فهم يرونه عياناً بأبصارهم، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق رسول الله ﷺ ، يقول: ﴿إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، فإن استطعتم -اسمعوا يا عباد الله- ألا تُغْلَبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها فافعلوا﴾ ما هما هاتان الصلاتان، هما: صلاة الصبح، وصلاة العصر. عباد الله: إن سألتم عن أهل هذه الجنات، وساكني تلك الغرفات، فهم الذين وصفهم الله في كتابه الكريم -نسأل الله أن يجعلنا منهم- قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ١١]. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم بارك لنا في القرآن العظيم، وانفعنا بما صرفت فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1169

من نعيم أهل الجنة الحمد لله الذي صرف هِمَّة أوليائه عن الركون إلى دار الغرور، فاغتموا بقاءهم في الدنيا بالأعمال الصالحة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أهل الفضل والكرامات، وسلِّم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا أيها الناس: اتقوا الله وتقربوا إلى المولى بفعل الطاعات؛ تنالوا عنده رفيع الدرجات، فقد سمعتم في وصف الجنة ما لذَّ وطاب، وقد ورد في الحديث المتفق على صحته عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال ﷺ : بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين﴾ أيها المسلمون! رجالٌ آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، من هم هؤلاء الرجال؟ أهم الذين أنشبوا أنيابهم في الدنيا، وانجرفوا في سيلها المغرق؟! أم هم الذين يبيعون دينهم بعَرَضٍ من الدنيا قليل؟! أم هم الذين يخدعون ويغشون في المعاملات؟ أم هم الذين عاشوا على انتهاك الحُرُمات، واقتراف الكبائر، مثل أكل الربا، وارتكاب الزنا، واللواط، وشرب الخمور، واللعب بالقمار والميسر؟! كلا والله يا عباد الله! إنهم رجالٌ آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وحُق لهم أن يسمَّوا رجالاً؛ لأنهم بخلاف المجرمين العُصاة المنحرفين، الذين يجرون أذيالهم وراء الشهوات، ويبيعون آخرتهم بدنياهم، حتى يوافوا القيامة بالإفلاس والخيبة والخسران، والعياذ بالله من ذلك. أين أولئك مِن الذين لم تغرهم الدنيا بزخارفها البَرَّاقة، ولم تخدعهم بسرابها؟ أين أولئك الذين أشبعوا رغباتهم من رسول الله ﷺ وصحابته الكرام، فهو يقول: ﴿ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم قام وتركها﴾ أو كما قال ﷺ . فهذا ﴿عمر ﵁ يدخل على رسول الله ﷺ ، ويرى الحصير قد أثر بجنبه الشريف، فيقول وهو يبكي ﵁: يا رسول الله، الروم وفارس يجلسون على الحرير والديباج وأنت على هذا؟! ثم يرد ﷺ بالرد المقنع الجميل: إنها لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة، أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا﴾ أو كما قال ﷺ . فأين الاقتداء يا أمة الإسلام؟! أين الاقتداء يا عباد الله؟! لقد جرفت المدنية الزائفة الكثير، حتى ألجأهم الأمر إلى ارتكاب الديون، فيأتون بالفُرش والأثاث من بلاد بعيدة، كل ذلك يعود على التفاخر والتكاثر، والانهماك في الترف الذي هو السبب في نسيان الآخرة، ونسيان يوم القيامة. عباد الله: ﴿الكيِّس: مَن دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز: مَن أتبعَ نفسَه هواها، وتمنَّى على الله الأماني﴾. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم أيقظنا مِن سِنَةِ الغفلة. عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٦] ثم يأمرك المولى جلَّ وعلا فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد. وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً يا رب العالمين، وسائر بلاد المسلمين عامة. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها. اللهم ارفع عنا البلاء، والوباء، والغلاء، والربا، والأمراض والأسقام، وعن جميع المسلمين أجمعين يا رب العالمين. اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا سقيا رحمة، لا سقيا عذاب، ولا هدم، ولا بلاء، ولا غرق، ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١]. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1170

ما أعد الله لأهل النار النار حرها شديد، وقعرها بعيد، وأمدها بعيد، وهولها منكر، وهي من أعظم المواعظ وأكبر الزواجر عن الصغائر والكبائر، ذكر الله بها عباده، وأوصى خلقه سلفاً وخلفاً باتقائها، وهذه خطبة تنبيك عن النار وأحوال أهل النار علك تتعظ، والذكرى تنفع المؤمنين.

стр. 1171

ما أعده الله للكفار في النار الحمد لله ذي العرش المجيد، والبطش الشديد، المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، المنتقم ممن عصاه بالنار بعد الإنذار بها والوعيد، المكرم لمن خافه واتقاه بدار لهم فيها من كل خير مزيد، فسبحان من قسم خلقه قسمين، وجعلهم فريقين، فمنهم شقي ومنهم وسعيد، أحمده وهو أهل للحمد والثناء والتمجيد، وأشكره ونعمه بالشكر تدوم وتزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا كفؤ ولا عدلَ ولا ضدَّ ولا نديد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى التوحيد، والساعي بالنصح للقريب والبعيد، المحذر للعصارة من نار تلظى بدوام الوقيد، المبشر للمؤمنين بدار لا ينفذ نعيمها ولا يبيد. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وسلم تسليماً كثيراً. فيا عباد الله: اتقوا الله وأطيعوه، احذروا أسباب سخطه واجتنبوا معاصيه، لقد سمعتم في الجمعة الماضية الجنة، وما أعد الله فيها لأوليائه المتقين. اعلموا يا عباد الله: أن الله خلق الخلق ليعرفوه، وأوجدهم ليعبدوه ويخشوه ويخافوه، ونصب لهم الأدلة الدالة على عظمته وكبريائه ليهابوه، ويخافوه خوف الإجلال، ووصف لهم شدة عذابه، ودار عقابه التي أعدها لمن عصاه ليتقوه بصالح الأعمال، فقال قولاً كريماً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. عباد الله: لقد كرر الله في كتابه ذكر النار، وما أعده فيها لأعدائه من العذاب والنكال، وما احتوت عليه من الزقوم، والضريع والْحَميم والسلاسل والأغلال إلى غير ذلك مِمَّا فيها من العظائم والأهوال. عباد الله: إن لجنهم سبعة أبواب، ذكرها الله بقوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر:٤٣ - ٤٤]. ثم يا عباد الله! تلك الأبواب مغلقة عليهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة:٨] وقال جل وعلا: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد:٢٠] أي: أن تلك الأبواب مطبقة عليهم، فلا يُفتح لهم باب، ولا يخرج منها غم ولا يدخل فيها رَوح إلى آخر الأبد. وللنار شدة في حرها وزمهريرها، قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب! أكل بعضي بعضاً؛ فنفسني، فأذن لها في نفسين، نفسٌ في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر من سمومها، وأشد من تجدون من البرد من زمهريرها﴾. وفي الحديث الصحيح قال رسول الله ﷺ : ﴿ناركم هذه التي يوقدُ ابنُ آدم جزءٌ واحد من سبعين جزءاً من نار جهنم﴾ قالوا: والله إن كانت لكافية، قال: ﴿إنها فُضِّلت عليها بتسعة وستين جزءاً، كلهن مثل حرها﴾. ثم أهل النار فيها يا عباد الله: يُذاقون أليم العذاب وشدته، يقول تعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج:١٩ - ٢١]-نسأل الله العفو والعافية والنجاة من النار- وفي الآية الأخرى يقول: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:٢٢]. عباد الله: اتقوا النار؛ فإن حرها شديد، وقد فُضِّلت على نار الدنيا كلها بتسع وستين جزءاً، يصلاها المجرمون، قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء:٥٦] لماذا؟ ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [النساء:٥٦] ثم يرتفع بهم اللهب حتى يصلوا إلى أعلاها، وكلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها. وكم قعر جنهم؟ قعره سبعون خريفاً ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة:٢٠].

стр. 1172

لا يستجاب لأهل النار عذابهم دائم ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٥] يتكرر عليهم، فلا يستريحون، ويسألون الخلاص منه ولو ساعة فلا يُجابون، يقولون لخزنة جهنم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٩] وتقول الملائكة لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٥٠]. فلا يُستجاب لأهل النار، لأنهم لم يستجيبوا لرسل الله حينما دعوهم إلى الله، فكان الجزاء من جنس العمل: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٧] فيرد الله عليهم على وجه الإذلال والإهانة: ﴿اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] فحينئذٍ ييأسون من كل خير، ويعلمون أنهم فيها خالدون، فيزدادون بؤساً على بؤسهم، وحسرة إلى حسرتهم ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [الأحزاب:٦٥ - ٦٦] في تلك اللحظات: ﴿يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:٦٦] فعند ذلك لا ينفع الندم، حينما يساقون إلى نار ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] يقولون للملائكة الزبانية إذا سحبوهم: ألا ترحموننا؟ فيقولون لهم: لم يرحمكم أرحم الراحمين، ونحن نرحمكم؟

стр. 1173

تشوق النار لأصحابها نارٌ إذا رأت أهلها من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً، تتقطع منها القلوب ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك:٧ - ٨] يقول ابن عباس: [[إذا رأت النار من يُراد به دخول النار تشهق كما تشهق البغلة للشعير]] تكاد تتقطع من شدة الغيظ والغضب على أهلها، فهي نار حانقة غضبى على أهلها، وهم في جوفها، فما ظنكم أن تفعل بهم؟! عباد الله: اتقوا النار، احذروا أن تكونوا من أهل النار، ولقد بين الله لكم صفات أهل النار، وصفات أهل الجنة جملة وتفصيلاً؛ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [النساء:١٦٥]. قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٣٧ - ٤١]. اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار، يا عزيز يا غفار، بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، وانفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أٌقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1174

من أوصاف النار وأهلها الحمد لله الواحد الأحد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، أحمده سبحانه وأشكره، وأسأله بمنِّه وكرمه أن يجعلنا من أهل الجنة، وألا يجعلنا من أهل النار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نسأله أن يتوفانا عليها، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، وأدى الأمانة، وترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلِّم تسليماً. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واحذروا الأعمال الخبيثة، واحذروا المعاصي والسيئات؛ فإنها حطب جهنم، جهنم التي حذركم الله منها في كتابه الكريم، وحذركم منها رسوله ﷺ ، فالله يقول: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى﴾ [الليل:١٤] والرسول ﷺ يقول: ﴿أنذرتُكم النار، أنذرتُكم النار، أنذرتُكم النار﴾. إنها نار محرقة، كلما نضجت جلودهم فيها بدلهم الله جلوداً غيرها، إنها دار البوار، دار البؤس، دار الشقاء والعذاب الشديد، دار من تعدى الحدود، وارتكب المحرمات، دارٌ لا يسكنها إلا الأشرار من خلق الله الذين عصوا رُسُله، ولم يمتثلوا أمره ونهيه. إنها النار يا عباد الله! قد جمع أوصافها عالم من علماء المسلمين، فقال: النار منزل أهل الكفر كلهم طباقها سبعةٌ مُسْوَدَّةُ الحُفرِ جهنم ولظى من بعدها حطمه ثم السعير وكل الهول في سقرِ وتحت ذاك جحيمٌ ثم هاويةٌُ تهوي بهم أبداً في حرِّ مستعِرِ فيها غلاظ شداد من ملائكةٍ قلوبهم شدةً أقسى من الحجرِ لهم مقامع للتعذيب مُرْصدةٌ وكل كسرٍ لديهم غيرُ مُنْجَبِرِ سوادءُ مظلمةٌ شعثاءُ موحشةٌ دهماءُ محرقةٌ لواحةُ البشرِ فيها العقارب والحيات قد جُمعتْ جلودُهم كالبغال الدُّهْمِ والحُمُرِ لها إذا ما غلت فورٌ يقلبهم ما بين مرتفعٍ منها ومنحدرِ عباد الله: يروي لنا البزار ﵀ عن أبي هريرة ﵁ من حديث طويل قال فيه: ﴿أتى النبي ﷺ على وادٍ فسمع صوتاً، فقال: يا جبريل، ما هذا الصوت؟ قال: هذا صوت جهنم تقول: يا رب! ائتني بأهلي وبما وعدَتني فقد كَثُرَت سلاسلي، وأغلالي، وسعيري، وحميمي، وغَسَّاقي، وغِسْلِيني، وقد بَعُد قعري، واشتد حري، ائتني ما وعدتني، قال: لك كل مشركٍِ ومشركة، وخبيث وخبيثة، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب﴾.

стр. 1175

صور من أحوال من يخشون الله عند ذكر النار عباد الله: يروي لنا عبد الرحمن بن مصعب: [[أن هناك رجلاً كان على شط الفرات، فسمع تالياً يتلو قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧٤] فلما تلاها، وسمعها هذا الرجل تمايل، فلما قال التالي: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٥] سقط هذا المستمع في الماء، فمات ﵀]] يخافون من ذكر النار. عن لقمان الحنفي قال: أتى رسول الله ﷺ على شاب ينادي في جوف الليل، لا شابٌّ ينادي عند الشوط الأول والأخير، وعند البَلُوْت والكِنْكَان، وعند المخدرات والمسكرات، مثل أكثر شبابنا، إلى الله المستغاث شبابٌ ذهبوا مع الشيطان والهوى، أكثر شبابنا يؤسَف لهم يا أمة الإسلام! المساجد منهم خالية، وأصواتهم مرتفعة باللعنات والشتمات في أوقات الأسحار والإجابات، يشتم بعضهم بعضاً، يشربون المسكرات، يتبادلون المخدرات، لعبهم ولهوهم الميسر والقمار، البَلُوْت والكِنْكَان، كأنهم لم يُخلقوا إلا عبثاً، وكأنهم متروكون هَمَلاً، إلى الله نشكو أحوال كثير من الشباب، فهذا ﴿شاب يمر عليه رسول الله ﷺ وهو ينادي في جوف الليل: واغوثاه من النار، واغوثاه من النار، واغوثاه من النار قضى ليله في هذه الكلمة، فلما أصبح قال له رسول الله ﷺ : يا شاب، لقد أبكيتَ البارحة ملأً من الملائكة كثيراً﴾ الله أكبر! الله أكبر! إخواني: اعتبروا من هذه الأحوال بسلفكم الصالح، فإنَّهم كانوا يَخافون من النار. وأنتم يا عباد الله: أما تشفقون من النار؟! أما تشفقون من نار جهنم وما فيها من العذاب والأنكال؟! أما تحذرون سلاسلها والأغلال؟! واعجباً! لمن يقرع سمعَه ذكرُ السعير، وهو من عذابها بالله غير مستجير. فيا من تتعدون الحدود، يا من تعصون الملك العلام، أفيكم جلد على نار وقودها الناس والحجارة، أم قد رضيتم لأنفسكم بهذه الخسارة؟ فيا ويلاً لمن كانت النار له دار. اللهم يا رب الأرباب! ويا مسبب الأسباب! ويا أرحم الراحمين! نسألك أن تعيذنا من الْهَلَكات، ومن دار السعير والدركات، وتباعد بيننا وبين ما فيها من الأغلال واللفحات، وأن تجعلنا مِمَّن يُكرم في روضات الجنات. عباد الله! صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد. وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك وجودك يا رب العالمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، عاجلاً غير آجل، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين، اللهم إن أحوال الشباب تُرثى يا حي يا قيوم، اللهم إن أحوال الشباب تُمْرِض، وتضيق لها الصدور، ويَندى لها الجبين، فنشكو إليك يا من تُشكى إليه الأمور، يا من لا تخفى عليه سرائر ما في الصدرو، نشكو إليك أحوالنا يا رب العالمين. اللهم ردنا إليك جميعاً. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً. اللهم خذ بأيدينا إلى ما تحبه وترضاه، وجنبنا ما تبغضه وتأباه، يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، وأغث بلادنا بالقطر النافع يا رحمن، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً سَحَّاً غدقاً، نافعاً غير ضار، اللهم نافعاً غير ضار، اللهم سقيا رَحْمَة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق. اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً له، يا سميع الدعاء! إنك حسبنا ونعم الوكيل. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأئمة وولاة أمور المسلمين أجمعين، في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم اجمع قلوبنا جميعاً على الحق يا رب العالمين، اللهم اجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]. اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، عنا وعن جميع المسلمين عامة، يا رب العالمين. ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]. عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١]. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1176

متى اليقظة ؟ لقد انتشرت المعاصي في المجتمع الإسلامي، وأصبح المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، وذلك بسبب ضعف الدين وقوة الباطل، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمداهنة في دين الله ، والإقبال على الدنيا والزهد في الآخرة؛ حتى تأخرنا عن الفضائل، وسرنا إلى الهلاك، بل لم نهتم حتى بتربية أبنائنا وتوجيه أهلينا وذوينا فهل من عودة إلى دين الله؟!

стр. 1177

الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحمد لله القوي العظيم، الرقيب الشهيد، يدبر خلقه كما يشاء بحكمته، فهو الفعال لما يريد، أحكم ما شرع، وأتقن ما صنع، فهو الولي الحميد، حد لعباده حدوداً، ونظم لهم تنظيماً وقال: ﴿وأنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] فصار الناس على أقسام: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ) [فاطر:٣٢] ﴿إن الله ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته﴾ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك، هو الملك الواحد القهار، فلا ضد له ولا نديد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، القائم بأمر الله، الناصح لعباد الله على الرشد والتسديد. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله ، واصغوا أسماعكم إلى نداء رب العالمين، حيث يقول بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣]. ويقول جَلَّ مِن قائلٍ عليماً: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١]. ويقول جلَّ وعلا: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال:٢٥]. أمة الإسلام: لا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور، لا تغرنكم الأموال وكثرتها، ولا تغرنكم الزخارف والأماني الخدّاعة، لا يغرنكم رغد العيش ونظارة الدنيا وزهرتها، لا يغرنكم ما أنعم الله به عليكم من العافية والأمان، ولا يغرنكم إمهاله لكم مع تقصيركم في الواجب، وتماديكم بالعصيان. إن اغتراركم بهذا من الأماني الباطلة، والآمال الكاذبة هو كما قال تعالى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩].

стр. 1178

أسباب انتشار المعاصي في المجتمع الإسلامي أمة الإسلام: لقد انتشرت المعاصي في مجتمع الأمة الإسلامية، وأصبح ما كان منكراً بالأمس معروفاً اليوم، أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، تعاملوا بالربا، ومنعوا الزكاة، وأضاع البعض الحياء، وانتهكوا الحُرمات، وصاروا كالبهائم يطلبون متاع الدنيا وإن أضاعوا الدين، صدوا عن سبيل الله، واتبعوا سبل الكافرين، زُين لهم سوء أعمالهم، فظنوا ذلك تحرراً وتقدماً وتطوراً، وما علموا أن ذلك هو الرق تحت قيود الهوى، والتأخر عن الفضائل إلى الوراء، والتدهور إلى الهاوية والردى. أيها المسلمون: إن أسباب هذا التدهور يرجع إلى أمرين: أحدهما: ضعف الدين في النفوس، وقوة الداعي إلى الباطل. ثانيهما: ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمداهنة في دين الله . يا أمة الإسلام يا أمة محمد ﷺ ! إن حماية الدين وعزته لا تكون ولا تحصل إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نعم يا أمة الإسلام! الأمر بما أمر الله به ورسوله، والنهي عمَّا نهى الله عنه ورسوله، وذلك بقصد النصيحة لله، ولعباد الله وبقصد الدعوة والإرشاد. أيها المسلمون: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على هذه الأمة الإسلامية التي هي أفضل الأمم وأكرمها على الله؛ إن استقامت على دين الله ، ومصداق ذلك في كتاب الله الذي أنزله على محمد ﷺ ، وهو دستور للأمة، حيث يقول وقوله الحق: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران:١٠٤] ثم نهاكم فقال: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥] ثم توعدهم فقال: (وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [آل عمران:١٠٥]. أمة الإسلام: إنكم إن قمتم بهذا الدين كما أمركم الله؛ كنتم خير أمة أخرجت للناس، وإن تركتم ذلك كنتم من شرار الأمم، إنه لا نسب بين الله وبين عباده، ولكن من اتقاه فهو الكريم، وأكرم الناس عند الله أتقاهم له.

стр. 1179

إنكار المنكر ووسائله أيها المسلمون: لعلكم تتفكرون في هذه الكلمات، ولعلها تدخل في صميم قلوبكم: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقتصر على فئة معينة من الناس، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الناس جميعاً، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ حيث قال: ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان﴾. والبعض من الناس يظن أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاص بفئة من الناس، وهذا ظن فاسد، فالنبي ﷺ الذي بعثه الله بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، رسولكم الذي ترككم على المحجة البيضاء قال: ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان﴾. فقوله: ﴿من رأى منكم منكراً﴾ عامٌ لكل من رأى المنكر، يجب أن يغيره بيده، بالضرب أو غيره. فإن لم يستطع فبلسانه، بالكلام والنصح والإرشاد، أو الكلام مع ولاة الأمور إن لم ينفع الكلام مع صاحب المنكر، وكل واحد منا يستطيع أن يتكلم مع المسئولين في منع المنكر، ويجب على المسئولين إذا بلغهم أن يقوموا بما أوجب الله عليهم من الإصلاح، وأن يجتمعوا على ذلك، لينالوا الفوز والفلاح. أمة الإسلام: إن الواجب علينا جميعاً أن نترك الدعة والسكون، وأن نقوم لله مخلصين له الدين، ونبدأ أولاً: بأنفسنا وأهلينا، وأولادنا، ومن تحت أيدينا، ومن جاورنا، وكذلك الزملاء والأصدقاء، ينبغي علينا جميعاً أن نكون دعاة خير، ندعو إلى الله على بصيرة، فتكون الهمة إخراج الناس من ظلمات الجهل والمعاصي إلى نور الحق والهدى. أيها الناس: إن من المؤسف المروِّع أن نرى مجتمعنا الإسلامي أمة محمد ﷺ هكذا، شعوباً متفككة متفرقة، مضيعين لأمر الله، لا يغارون لدين الله، ولا يخافون من وباله، لا يتفقد الرجل أهله وولده، ولا ينظر في جيرانه، ولو كان الرجل عنده غيرة ويتفقد أهله؛ ما ترك البعض من الناس زوجته وبناته مع السائق، وكم نكرر هذه العبارة مرات تلو المرات؛ ولكن اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة، اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة. اللهم اشف مرض قلوبنا. عباد الله: إن القلوب مريضة إلا ما رحم الله. تجد بعض الناس يترك أهله مع السائق الأجنبي، وهو ليس لهن بمحرم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وترى الرجل من الناس عاقلاً، ذا حزمٍ وجدٍ، ولكن -مع الأسف الشديد- إذا نظرتَ في بيته، وجدت رجالاً ليسوا لأهله بمحارم، هذا طباخ، وهذا سائق، وهذا خادم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ثم إذا نظرتَ أيضاً، وإذا هذه خادمة عند شبان ليسوا لها بمحرم، فأين الغيرة يا أمة الإسلام، ثم إذا أصبنا بمصيبة عضضنا على البنان، ولم نفكر أننا ارتكبنا ذنوباً، ولم نفكر أننا عصينا الله . فمتى نستيقظ يا عباد الله؟! لعل في هذه المواعظ التي تَطْرُقُ آذاننا ليلاً ونهاراً، وتَقُضُّ مضاجعنا، لعلها تكون لنا عبرة، فنحمي محارمنا، ونأمر أولادنا وأهلينا بطاعة الله، فكم من أناس يخرجون من البيوت إلى المساجد وأولادهم لا يصلون معهم في المساجد! فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! عباد الله: تداركوا الأمر وتوبوا إلى الله، ارجعوا إلى الله، لعلكم تسمعون المواعظ ليلاً ونهاراً، لعلكم تسمعون ما يحيط بكم يميناً وشمالاً، فخذوا حذركم، توبوا إلى الله، ارجعوا إلى الله قبل أن يحل بكم ما حل بالمجاورين، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦] هذا كلام الله. وأيضاً اسمعوا ماذا يقول الله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام:٤٤]. اللهم ألهمنا رشدنا، وهيئ لنا الخير، واجمع كلمتنا على الحق، اللهم اجمع كلمتنا على الحق يا رب العالمين. اللهم وحد صفوف المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين. اللهم رب محمد النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، اغفر لنا ذنوبنا، وأذهب غيظ قلوبنا، وأجرنا من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن، اللهم أجرنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1180

الحث على تربية الأبناء ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٢ - ٤]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله حق التقوى قال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. عباد الله: إن عليكم مسئولية كبرى، وفي أعناقكم أمانة عظمى، ستسألون عنها يوم يبعث الأولين والآخرين. إن الله سائل كل راع عما استرعاه، ألا وهم أولادكم، وفلذات أكبادكم، فاتقوا الله فيهم، ووجهوهم إلى الأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، فإن هؤلاء الأولاد سيكونون في المستقبل رجالاً، فإذا تربوا على طاعة الله ، وتعودوا الأخلاق الحسنة والفاضلة التي ترفع شأنهم، وتُعلي مقامهم، وحصَّلوا من العلوم النافعة ما ينفعون به أنفسهم، وينفعون به عباد الله، كانوا أساساً مكيناً لنهضة الأمة ورقيها. وإن اعتادوا سافل الأخلاق وهجروا العلوم الشرعية، وما يعين عليها كانوا ضرراً على أنفسهم وعلى الأمة. إذاً: فالتربية أمرٌ عظيم، وكبير القيمة، فالطفل أمانة عند والدَيه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة، خالية من كل نقش وصورة، فهو على فطرته التي فطره الله عليها، ينتظر ما يُلقى فيه من خيرٍ وشر، فإن عوّده أبواه الخير، وعلماه العلوم النافعة التي تدله على الدين الإسلامي وتحببه إليه، وترغبه فيه، وفي آدابه قولاً وعملاً واعتقاداً؛ فسوف ينشأ على ذلك، ويسعد في الدنيا والآخرة، ويشاركه في الثواب أبواه، وكل مؤدبٍ ومعلمٍ علمه الخير، أما إذا نشأ في أحضان المربية، وأحضان الخادمة، فسوف ينشأ على عكس ذلك، على الشرور والفساد، فإن الطفل إذا أُهمل وتُرك بلا عناية شقي وهلك، وكان على والديه ما يستحقون من الإثم. يقول نبينا محمد ﷺ : ﴿كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه، أو ينصِّرانه، أو يمجِّسانه﴾. لذلك أجمع العقلاء على أن الإنسان بحاجة إلى التربية، فإنه يولد صغيراً مجرداً عن كل المميزات، قابلاً لكل نقش، مستعداً لكل ما يُلقى إليه من تعليم وتثقيف يُحاط به. ألا فلنحذر أنفسنا وأولادنا من الثقافة الغربية. الحذر الحذر من الغزو الفكري، الذي يتسرب عن طريق التمثيليات، والأفلام، والمجلات السافلة الساقطة، والقصص الغرامية التي تثير الغريزة، وتسقط العفاف والشرف، وتقتل النخوة والغيرة والحمية، وتدعو إلى التقليد الأعمى، وإلى الميوعة والانحطاط، كيف لا، وهي مسلَّحة ومعدَّة للقضاء على الأخلاق، والعقيدة، بل للقضاء على الآداب، وعلى الدين لا سمح الله. أمة الإسلام: عباد الله! الله الله في أولادكم، اتقوا الله في أولادكم، وتذكروا ساعة الوقوف بين يدي الله ، تذكروا السؤال، تذكروا النقاش بين يدي الله في ذلك اليوم العظيم، يوم أن تنزل الشمس مقدار ميل، ويوم أن يذهب العرق في الأرض سبعين ذراعاً ثم يفيض على الناس، تذكروا ذلك اليوم العظيم الذي سوف تسألون فيه عن أولادكم، وعن نسائكم، فاتقوا الله، وأعدوا للسؤال جواباً. اللهم اهدنا، اللهم اهدنا جميعاً لما تحبه وترضاه، وجنبنا جميعاً ما تبغضه وتأباه. اللهم اجعلنا متحابين فيك، متناصحين فيك، إنك على كل شيء قدير. اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا، اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا. ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤]. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]. عباد الله: صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. ويقول ﷺ : ﴿مَن صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤاً أحد أن تعز الإسلام والمسلمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل، يا رب العالمين! اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم أذل الشرك والمشركين. اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين. اللهم اشدد وطأتك عليهم، وارفع عنهم عافيتك ويدك. اللهم مزقهم كل ممزق. اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وأهلنا وأموالنا. اللهم استر عوراتنا، اللهم استر عوراتنا، اللهم استر عوراتنا. اللهم آمن روعاتنا، اللهم آمن روعاتنا، اللهم آمن روعاتنا. اللهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نُغتال من تحتنا. اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوءٍ فاشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، اللهم قطعه إرْباً إرْباً، اللهم قطعه إرْباً إرْباً، اللهم اجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً له يا سميع الدعاء. ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس:٨٥ - ٨٦]. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١]. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 1181

محمد رسول الله منَّ الله على الأمة بأن بعث لها رسولاً من أنفسهم عزيزاً عليه عنتهم، بالمؤمنين رءوف رحيم، وقد حرص نبينا ﷺ على إقامة توحيد الله في الأرض وإخلاص العبادة له، وهي دعوة كل الرسل، ومن شدة حرصه ﷺ على التوحيد أن سد كل سبب يفضي إلى تعظيم غير الله من انحناء أو تصاوير أو غيرها، وعظّم كلمة (لا إله إلا الله) حق تعظيمها.

стр. 1182

دعوة النبي ﷺ إلى التوحيد إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله تعالى. أمة الإسلام: اشكروا الله على ما مَنَّ به عليكم أن بعث فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آيات الله بينات، ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة، رسولاً أخرجكم الله به من الظلمات إلى النور، من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات الشرك والكفر إلى نور التوحيد والإيمان، ومن ظلمات الجور والإساءة إلى نور العدل والإحسان، ومن ظلمات الفوضى الفكرية والاجتماعية إلى نور الاستقامة في الهدف والسلوك، ومن ظلمات القلق النفسي وضيق الصدور إلى نور الطمأنينة وانشراح الصدور. يقول الله جل وعلا: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٢٢] ويقول الله جل وعلا: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم:١ - ٢]. أيها المسلمون! لقد بعث الله نبيه ﷺ والناس يتخبطون في الجهالات، ففتح لهم أبواب العلم في معرفة الله تعالى، وما يستحقه من الأسماء والصفات، وماله من الأفعال والحقوق، وفتح لهم أبواب العلم في معرفة المخلوقات في المبدأ والمنتهى والحساب والجزاء، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٦]. لقد فتح الله لعباده ببعثه نبيه محمداً ﷺ أبواب العلم في عبادة الله تعالى، وفتح لهم أبواب السير إلى الله تعالى، وفتح لهم أبواب العلم في السعي في مناكب الأرض، وابتغاء الرزق الحلال بوجهه المشروع، فما من شيء يحتاج الناس إلى معرفته من أمور الدين والدنيا إلا بين لهم ما يحتاجون إليه، حتى صاروا على طريقة بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يتيه فيها إلا أعمى القلب. لقد بعث الله محمداً ﷺ والناس منغمسون في شتى أنواع الشرك فمنهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد المسيح بن مريم، ومنهم من يعبد العزير، ومنهم من يعبد الأشجار، ومنهم من يعبد الحجارة، حتى كان الواحد منهم إذا سافر ونزل أرضاً، أخذ منها أربعة أحجار، فيضع ثلاثة منها تحت القدر وينصب الرابع إلهاً يعبده من دون الله! الله أكبر يا لها من عقول أسخفها! فبعث الله محمداً ﷺ ينقذهم من هذه الهوة الساحقة؛ من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن، فحقق التوحيد لرب العالمين تحقيقاً بالغاً، وذلك بأن تكون العبادة لله وحده، يتحقق فيها الإخلاص لله بالقصد والمحبة والتعظيم، فيكون العبد مخلصاً لله في قصده ومحبته وتعظيمه، وظاهرة وباطنة، لا يبتغي بعبادته إلا وجه الله تعالى، والوصول إلى دار كرامته، ويسير على ذلك النهج مستدلاً بقول الحق جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. وممتثلين لقول الله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤] ومستجيبين لله حيث ناداهم بقوله: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ [الحج:٣٤]. هكذا جاء كتاب الله تعالى يحث على التوحيد والإخلاص، ثم تلته سنة المصطفى رسول الله ﷺ بتحقيق التوحيد وإخلاصه، وتخليصه من كل شائبة، وسد كل طريق يمكن أن يوصل إلى ثلم هذا التوحيد أو إضعافه، حتى إن رجلاً قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت. فغضب النبي ﷺ ، وقال: ﴿أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده﴾ فأنكر النبي ﷺ على هذا الرجل أن يقرن مشيئته بمشيئة الله تعالى بحرف يقتضي التسوية بينهما، وجعل ذلك من اتخاذ الند لله ، واتخاذ الند لله إشراك به. وقد حرم النبي ﷺ أن يحلف الرجل بغير الله، وجعل ذلك من الشرك بالله، فقال ﷺ : ﴿من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك﴾. وذلك لأن الحلف بغير الله تعظيم للمحلوف به بما لا يستحقه إلا الله ، فلا يجوز للمسلم أن يقول عند الحلف: والنبي، أو وحياة النبي، أو والكعبة، أو والأمانة، أو وحياتك، أو وحياة فلان بل يحلف بالله وحده أو ليصمت. ولما سئل النبي ﷺ عن الرجل يلقى أخاه فيسلم عليه أينحني له؟ فقال: لا. فمنع ﷺ من الانحناء عند التسليم. انتبهوا يا أمة الإسلام! يا من إذا لقيتم إخوانكم انحنيتم لهم! انتبهوا لذلك يا من تدعون الإسلام! فإن ذلك قد حرمه الإسلام، فقد منع النبي ﷺ الانحناء عند التسليم؛ لأن ذلك خضوع، والخضوع لا ينبغي إلا لله رب العالمين، فهو سبحانه وحده الذي يُركع ويُسجد له، وكان قبل الإسلام السجود عند التحية جائزاً في بعض الشرائع السابقة، ولكن هذه الشريعة الكاملة شريعة محمد ﷺ منعت من السجود لغير الله، وحرمته إلا لله تعالى وحده. وفي الحديث: ﴿أن معاذ بن جبل ﵁ قدم الشام، فوجدهم يسجدون لأساقفتهم -أي: زعماؤهم- وذلك قبل أن يسلموا، فلما رجع معاذ ﵁ سجد للنبي ﷺ ، فقال: يا معاذ ما هذا؟! فقال معاذ ﵁: رأيتهم يسجدون لأساقفتهم وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله -أي: أحق من أساقفتهم بالسجود- فقال النبي ﷺ : لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها﴾ وذلك لعظم حقه عليها.

стр. 1183

حرص النبي صلى الله عليه على سد ذرائع الشرك لقد بلغ من سد النبي ﷺ ذرائع الشرك ووسائله ألا يترك في بيته صورة شيء يعبد من دون الله تعالى، أو يعظم تعظيم عبادة، ففي صحيح البخاري أن عائشة ﵂ قالت: ﴿لم يكن النبي ﷺ يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب إلا نقضه﴾. والتصاليب: هي الصلبان التي يتخذها النصارى شعاراً لدينهم، ويزعم النصارى أن المسيح ابن مريم ﵊ صلب عليها بعد أن قتل، وقد نفى الله ذلك كله، فقال في القرآن مكذباً من زعموا أنهم قتلوه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧] وقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [النساء:١٥٧ - ١٥٨]. فكان النصارى يقدسون الصليب ويضعونه فوق محاريبهم، ويتقلدونه في أعناقهم، فكان من هدي رسول الله محمدٌ ﷺ إزالة كل ما فيه تصاليب؛ حماية لجناب التوحيد، وإبعاداً عن مشابهة غير المسلمين ولقد كانت بلادنا هذه المملكة الواسعة الأرجاء المترامية الأطراف -ولله الحمد والمنِّة- من أعظم البلاد الإسلامية محافظة على توحيد الله تعالى، ومتابعة رسوله ﷺ ، بما مَنَّ الله عليها من علماء منيبين وولاة منفذين، وصارت عند أعداء الإسلام قلعة الإسلام، فغزوها من كل جانب بكل شكل من أشكال الغزو، حتى كثرت الفتن فيها، وصارت صور الصلبان على بعض الألعاب للأطفال، بل وعلى الفرش لتكون نصب أعين المسلمين صبيانهم وكبارهم، وفي أفلام التلفاز إذا جاء النصارى يمثلون فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وإنا لله وإنا إليه راجعون. فخذوا حذركم يا أمة الإسلام! واحذروا من أولئك الخدم والخادمات والسائقين الذين جاءوا بأوثانهم معهم ليضلوكم وأنتم لا تشعرون وإنما أقصد بذلك الوثنيين الذين يعبدون الأصنام من دون الله -مع الأسف الشديد- وملئوا بيوت المسلمين، وقدمهم المسلمون فاللهم أنقذنا من ظلمات الجاهلية يا رب العالمين، اللهم تداركنا بواسع رحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعد للأمة الإسلامية دينها وقها شر أعدائها، اللهم أيقظ قلوب المسلمين من الغفلة عما يراد لهم يا رب العالمين إنك جواد كريم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1184

عظم كلمة لا إله إلا الله الحمد لله على نعمة الإسلام والإيمان، وأسأله بمنِّه وكرمه أن يثبتنا عليهما، وأن يحينا مسلمين ويتوفانا مسلمين، أحمده وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا لله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وتركها على المحجة البيضاء، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى وحققوا توحيدكم، واستمسكوا بالعروة الوثقى (لا إله إلا الله) يقول ﷺ : ﴿ما قالها عبدٌ مخلص إلا فتحت لها أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر﴾ وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿قال موسى ﵇: يا رب! علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به، قال: يا موسى! قل لا إله إلا الله، قال: يا رب! كل عبادك يقولون ذلك، قال: يا موسى! لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهنَّ لا إله إلا الله﴾ ويقول ﷺ : ﴿من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو عل كل شيء قدير، في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه﴾ وقال ﷺ : ﴿من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة؛ حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر﴾ رواه البخاري ومسلم. فعلينا جميعاً أن نسارع في كنوز الأعمال الصالحات ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف:٤٦]. وصلوا وسلموا على رسول الله الناصح الأمين، الذي أخرجكم الله به من الظلمات إلى النور، صلوا على فرط أمته على الحوض، صاحب اللواء المحمود والحوض المورود، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، امتثالاً لقولك يا ربنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وزد صلاة وتسليماً مدى الدنيا حتى انقضائها إلى يوم القيامة يا رب العالمين، على نبي الرحمة محمد ﷺ ، وارض اللهم عن صحابته وفي مقدمتهم الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحابه أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنّا كنا مِنَ الظَّالِمِينَ! نفوض أمورنا إليك يا رب العالمين، نستغيث بك يا مغيث الملهوفين! ويا مجيب دعوة الداعين! ويا أرحم الراحمين: أن تعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم لا تبقي منهم أحداً، اللهم اقطع دابرهم، اللهم مزقهم كل ممزق، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين يا رب العالمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا وأئمة وولاة أمور المسلمين أجمعين، في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين، اللهم أرنا وإياهم الحق حقاً وارزقنا وإياهم اتباعه، وأرنا وإياهم الباطل باطلا وارزقنا وإياهم اجتنابه يا رب العالمين. اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عنا وعن جميع المسلمين عامة يا رب العالمين، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. اللهم إنا خلق من خلقك، فقراء إليك، ضعفاء بين يديك، لا حول لنا ولا قوة إلا بك، ولا ملجأ لنا منك إلا إليك، نسألك أن تغيثنا يا مغيث المستغيثين، اللهم أسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنت الغني ونحن الفقراء لا ملجأ لنا منك إلا إليك، أنت ملاذنا ومفرنا وملجؤنا، أنت الذي خلقتنا وتكفلت بأرزاقنا فلا تكلنا إلى أحد من خلقك سواك يا رب العالمين اللهم أغثنا، اللهم أسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق، اللهم غيثاً تُغيث به البلاد والعباد، وتحيي به البلاد، وتجعله متاعاً للحاضر والباد اللهم أنزل علينا من بركات السماء يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه علىنعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1185

مداخل الشيطان لقد سلط الله تعالى على الإنسان في هذه الحياة الدنيا عدواً لدوداً؛ ليميز بينهم، ألا وهو الشيطان الرجيم، فمن أطاعه وتبعه في حزبه دخل في اللعنة الحالة به، ومن عصاه فاز بنعيم الله، ونجا من عذابه، فالواجب على المسلم في الحياة أن يكابد عدوه بطاعة الله ، وأخذ الحذر من الشيطان وأتباعه، والحذر من تلبيسه وإغوائه ومداخله والاعتصام بالله منه.

стр. 1186

مداخل الشيطان الحمد لله الذي أرشد الخلق إلى أكمل الآداب, وفتح لهم من خزائن رحمته وجوده كل باب, أنار بصائر المؤمنين فأدركوا الحقائق وطلبوا الثواب, وأعمى بصائر المعرضين عن طاعته فصار بينهم وبين نوره حجاب, هدى المؤمنين بفضله ورحمته, وأضل المعرضين بعدله وحكمته، إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, المبعوث بأجل العبادات وأكمل الآداب، صلى الله عليه وعلى جميع الآل والأصحاب، وعلى التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين, وسلم تسليماً. أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله تعالى وأطيعوه, لقد قدمت لكم نبذة يسيره عن عداوة الشيطان في الدرس الماضي وفي هذه الدرس أبين نبذة يسيرة عن مداخل الشيطان.

стр. 1187

الحسد فمن مداخله الحسد الذي أخرج به إبليس من الجنة, لعدم السجود للأبوين, وورد في الأثر عن رسول الهدى ونبي الرحمة محمد ﷺ أنه قال: ﴿إياكم والحسد! فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب﴾ أو قال: ﴿كما تأكل النار العشب﴾ رواه أبو داود. عباد الله: احذروا الحسد فإنه خلق إبليس, وهو من مداخل الشيطان, ويقول ﷺ فيه: ﴿لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخواناً, ولا يحل لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاث﴾ متفق عليه.

стр. 1188

الحرص ومن مداخل الشيطان الحرص, فمتى كان العبد حريصاً على شيء أعماه حرصه وأصمه, وغطى نور بصيرته التي يعرف بها, فعند ذلك يوصله الحرص إلى شهواته, وإن كان منكراً أو فاحشاًَ, كل ذلك طاعة للشيطان.

стр. 1189

الغضب وكذلك من مداخل الشيطان الغضب والحدة, فإن الغضب غول العقل, وإذا ضعف جند العقل هجم الشيطان, ولعب بالإنسان كما يلعب الصبيان بالكرة, ولما جاء رجل إلى النبي ﷺ يريد منه وصية قال له ﷺ : ﴿لا تغضب، فردد مراراً: قال أوصني يا رسول الله؟ وفي كل ذلك يقول ﷺ : لا تغضب﴾ ويقول ﷺ : ﴿ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب﴾. فاحذروا الغضب يا عباد الله! فإنه نار يشعلها الشيطان في قلب الإنسان, وإن الإنسان إذا غضب ربما قضى على نفسه أو على أولاده بسبب غضبه, وكذلك يحمله الغضب أحياناً على إطلاق لسانه بالقذف، والغيبة والنميمة، والبهت والاستهزاء والسخرية، والشتم والسب والطلاق وسائر أنواع المعاصي. والغضب مضاره كثيرة، فليحذر المسلم منه؛ لأنه مدخل من مداخل الشيطان, احذروا الغضب إلا إذا انتهكت حرمات الله, فعند ذلك يجب الغضب لله , كما هو هدي نبينا محمد ﷺ .

стр. 1190

الشِبع ومن مداخل الشيطان الشبع، فإنه يقوي الشهوة ويشغل عن الطاعة, أرأيتم الصائم كيف يكون عنده من الأخلاق والآداب حال الصيام؛ لأنه حصل عنده االصيام الذي يضيق على الشيطان مجراه؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم, فالحذر يا عباد الله من الشبع, وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: [[إياكم والبطنة! فإنها تذهب الفطنة وتثقل عن الصلاة]]. والشيطان أعظم ما يتحكم من الإنسان إذا ملأ بطنه من الطعام, ولهذا جاء في بعض الآثار: [[ضيقوا مجاري الشيطان بالصوم]] وورد عن النبي ﷺ : ﴿ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه﴾ ولو لم يكن في الامتلاء من الطعام إلا أنه يدعو إلى الغفلة عن ذكر الله , وإذا أغفل القلب عن الذكر ساعةً واحدة جثم عليه الشيطان، ووعده ومنّاه وشهاه, وهام به في كل واد, فإن النفس إذا شبعت تحركت وجالت وطافت على أبواب الشهوات, وإذا جاعت سكنت وخشعت وذلت, نعم يا عباد الله، فاحذروا الشبع.

стр. 1191

الطمع في الناس ومن مداخل الشيطان الطمع في الناس, فإن من طمع في شخص بالغ بالثناء عليه بما ليس فيه, وداهنه، ولم يأمره بالمعروف ولم ينهه عن المنكر, وبذلك حقت على بني إسرائيل اللعنة قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩] وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معصية لله ولرسوله، وما ترك قومٌ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا أصيبوا بالذل والهوان, وتسلط الأعداء.

стр. 1192

العجلة وحب المال ومن مداخل الشيطان العجلة وترك التثبت، وقد روي في الأثر: [[العجلة من الشيطان, والتأني من الله تعالى]]. ومن مداخل الشيطان حب المال، ومتى تمكن القلب من حب المال أفسده، وحمله على طلب المال من غير وجهه, وأخرجه إلى البخل, وخوفه الفقر, فمنع الحقوق اللازمة، كما أخبر الله عنه بقوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٨]. عباد الله: هذا طرف يسير من مداخل الشيطان, وينبغي للإنسان أن يحترز عن مواقع التهم؛ لئلا يساء به الظن. عباد الله: سدوا على الشيطان الأبواب التي يدخل منها, يقول رسول الله ﷺ : ﴿إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه, قال الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء, وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله ولم يذكر الله عند طعامه قال الشيطان: أدركتم المبيت والعشاء﴾ رواه مسلم. ومن مداخل الشيطان: سماع الأذنين إلى الحرام, فإن الأذنين تزنيان بالاستماع. ومن مداخل الشيطان نظر العينين إلى الحرام, فإن زنا العينين النظر. ومن مداخل الشيطان البطش باليدين في الحرام. ومن مداخل الشيطان الرجلان إذا سارا إلى الحرام, فاحفظوا ذلك يا عباد الله, وفقني الله وإياكم لما يحبه ويرضاه, وجنبنا وإياكم ما يبغضه ويأباه، وجعلنا الله وإياكم هداة مهتدين. وصلى الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واستغفروا الله يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1193

الأذكار تعصم الإنسان من الشيطان الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين, وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله . عباد الله!. خذوا حذركم من هذا العدو اللدود, خذوا حذركم من عدوكم الأكبر, خذوا حذركم من الشيطان الرجيم الذي حذركم الله عداوته في كتابه العزيز الذي: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢] وحذركم منه رسول الله ﷺ ، وأمركم أن تستعينوا بالله عليه بكثرة ذكره تعالى, فقد قال ﷺ : ﴿من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير في يوم مائة مرة؛ كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة, وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي, ولم يأتِ أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه﴾ متفق عليه. وقال ﷺ : ﴿لو أن أحدكم إذا أتى أهله -أي: إذا أراد أن يجامع أهله- قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا, فقضي بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً﴾ أو كما قال ﷺ ، متفق عليه. وقال ﷺ : ﴿من قال إذا خرج من بيته: باسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله يقال له: كفيت وهديت ووقيت, وتنحى عنه الشيطان، فيقول لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي﴾ وقال أبو هريرة ﵁: ﴿ولاّني رسول الله ﷺ زكاة رمضان أن أحتفظ بها، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذته, فقال: دعني فإني فقير وعليّ عيال ولا أعود, فذكر الحديث وقال: فقال له في الثالثة مثلما قال في الأولى ثم قال له: أعلمك كلمات ينفعك الله بهن: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها إلى آخرها, فإنه لا يزال عليك من الله حافظ, ولا يقربك شيطان حتى تصبح, فخلى سبيله, فأصبح أبو هريرة، وأخبر النبي ﷺ بقوله, فقال: صدقك وهو كذوب, أتدري من تخاطب يا أبا هريرة؟ قال: لا, قال: ذلك الشيطان﴾. وأنا سأقرأ آية الكرسي، ولعل بعض الإخوان الذين لم يحفظوها أن يحفظوها قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]. اللهم احفظنا بحفظك، وارعنا برعايتك, واكلأنا بعيناتك, واحرسنا بعينك التي لا تنام. عباد الله: صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وبإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين, وأذل الشرك والمشركين, اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين, اللهم انصر المجاهدين في سبيلك من المسلمين, اللهم أيدهم بتأييدك وانصرهم بنصرك يا رب العالمين, اللهم ثبت أقدامهم وانصرهم على القوم الكافرين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين, اللهم وأصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها, اللهم أصلح أولادنا ونساءنا, اللهم أقر أعيننا بصلاحهم يا رب العالمين. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولوالد والدينا، ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار, اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عنا وعن جميع المسلمين عامة يا رب العالمين. عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, أكثروا من ذكر الله يذكركم واشكروه على وافر نعمه يزدكم فإنه وعد الشاكرين بالمزيد, وصلوا على رسول الله.

стр. 1194

مع سورة الانفطار سورة (الانفطار) تصور أهوال يوم القيامة، وفيها عتاب للإنسان الغافل وتذكرة له بأصله وهو التراب. أما من يقول: إن أصل الإنسان هو القرد فقد كفر بالله. وفي السورة أيضاً توبيخ للكفار، وبيان للإنسان أن عليه حفظة يكتبون عمله، وأن هناك يوماً للحساب والجزاء لا شك فيه.

стр. 1195

صورة العالم يوم القيامة كما في سورة الانفطار الحمد لله الذي بيده ملكوت كل شيء, وهو القادر على كل شيء, وهو وحده لا شريك له, المتصرف في جميع مخلوقاته, يفعل ما يشاء ويختار, لا معقب لحكمه, أحمده سبحانه وأشكره, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله وأطيعوه. عباد الله: تدبروا القرآن العظيم, قفوا عند عجائبه, وحركوا قلوبكم بمواعظه, ابكوا عند تلاوته فإن لم تبكوا فتباكوا فإنها من صفات العارفين, وكيف لا يبكي المؤمن وهو يعرف أن هذا القرآن هو كلام الله الذي لو أنزله الله على صُمِّ الجبال لتصدعت وخشعت من خشية الله , هيبة وإجلالاً وتعظيماً لله . عباد الله: أمة الإسلام! أمة القرآن! يا خير أمة أخرجت للناس! كفى بالقرآن واعظاً وزاجراً لمن كان له عقل يتدبر، أو أصغى للموعظة وهو حاضر القلب ليتذكر ويعتبر. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, بسم الله الرحيم الرحيم: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار:١ - ٤] نعم -يا عباد الله- إذا حصل هذا الحادث العظيم في يوم خطير وهو يوم القيامة: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار:١] أي: تشققت بأمر الله لنزول الملائكة, قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً﴾ [الفرقان:٢٥] في ذلك اليوم العظيم لمن الملك؟ الله يقرر ذلك ويقول: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان:٢٦] ذلك اليوم العظيم يوم القيامة. ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار:٢] أي: النجوم تساقطت وتناثرت، وتبدلت بعد الضياء كدوراً, وزالت عن أماكنها وبروجها. ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار:٣] أي: فتح بعضها على بعض, فاختلط عذبها بمالحها, وأصبحت بحراً واحداً بقدرة العزيز الجبار. ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار:٤] أي: نبش ما فيها من الموتى قال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق:٤١ - ٤٤]. في ذلك اليوم العظيم يأمر الله ملكاً أن ينادي على صخرة بيت المقدس: أيتها العظام البالية! والأوصال المتقطعة! إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء, في ذلك اليوم العظيم الذي قال الله فيه: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار:٥] أي: علمت كل نفس في ذلك الموقف العظيم وفي ذلك اليوم الرهيب ما أسلفت من خير وشر, قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٣٠] ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦] لماذا؟ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧].
следующие страницы →