← Джавами‘

Джавами‘ · id 37003

دروس للشيخ عبد الله حماد الرسي

عبد الله حماد الرسي

Полный текст (1 664 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

استغلال أوقات الفراغ عباد الله: البعض من الشباب يتساءل في أي شيء أقضي أوقات الفراغ؟ نعم هكذا يتساءل البعض، ولكن الشباب المتطلع إلى المجد والعلا لا يتحير أبداً أن يستغل أوقات فراغه، يمكن أن يستغل أوقاته بعد أداء الفروض والواجبات بمذاكرة العلم ومدارسته، سواء في دروسه التي انتهى منها، أو فيما يستقبل، أو في كتب علم يتثقف بها ثقافة عامة، فيقرأ في كتب التفسير القيمة السالمة من الزيغ في تحريف معاني القرآن، ويقرأ في كتب الحديث الصحيح، وفي مقدمتها صحيح البخاري وصحيح مسلم، ويقرأ في كتب التاريخ المعتمدة، لا سيما تاريخ صدر الإسلام كسيرة نبينا محمد ﷺ وخلفائه الراشدين؛ لأنها سيرة وسلوك، تزيد القارئ علماً بأحوال النبي ﷺ وخلفائه وصحابته، وتحببهم إليه. وأحذرك يا أخي المسلم! أحذرك يا من تؤمن بالله واليوم الآخر من النظر أو القراءة فيما يخشى منه على العقيدة والأخلاق والسلوك، سواءً كانت كتباً مؤلفة أو صحفاً أو مجلات، فإن كثيراً من الناس ينظر في مثلها أو يقرؤها، يظن أنه يثق بنفسه، ثم لا يزال الشر يتجارى به فلا يستطيع الخلاص. وكذلك من المهم -يا عباد الله- أن يشتغل المؤمن دائماً بذكر الله وبطاعته؛ لأن الله أمر بذلك فقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران:٤١] وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف:٢٠٥] لأن الإنسان مسئول عن عمره فيما أفناه، وعن جسمه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به. فعمرك يا أخي المسلم هو أعز شيء لديك فلا تضيعه ولا تفرط فيه. فيا أخي المسلم! احرص على نفسك وأهلك وأولادك، واحرص أن تقضي هذه العطلة الصيفية بتعليم أولادك القرآن، وتحضرهم معك إلى بيوت الله، وتراقب حضورهم وغيابهم، وتنصحهم وتسعى في إصلاحهم، ليكونوا عوناً لك في هذه الحياة، وخلفاً وذخراً لك بعد الممات، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. اللهم اجعلنا هداة مهتدين، اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا، ووفقنا جميعاً لما تحبه وترضاه إنك على كل شيء قدير، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1122

التحذير من الفيديو المهدم الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله . أمة الإسلام: يقول رسول الله ﷺ : ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ﴾ حديث صحيح، أي: أن الكثير من الناس يظلمون أنفسهم ويهضمون حقوقهم ويهملون واجباتهم؛ بسبب لهوهم ولعبهم وتركهم الانتفاع الجدي بصحتهم وأوقات فراغهم. والإسلام يا عباد الله! دينٌ يعرف قيمة الوقت، فهو يدعو إلى الانتفاع بكل لحظة من لحظات الحياة، ويحذر من الخوض في اللهو الباطل. نعم أيها المسلمون: هذا هو الوقت في نظر الإسلام، جد واجتهاد، وعمل مبرور، وسعي مشكور، وصبر ومصابرة، وعبادة خالصة، واغتنام للوقت، وانتهاز للفرص، وإشفاق من قول الحق جل وعلا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] هذا هو الوقت وقيمته الأعمال الصالحة التي سوف تجدونها يوم القيامة، أما الذين استرسلوا في شهواتهم وقتلوا أوقاتهم، من خمور يشربونها، وفواحش يرتكبونها من زنا ولواط، ومن قيل وقال؛ فسيجدون غبها يوم القيامة. ويا للأسف الشديد على أوقات تقتل في لعب الورق، وسهر معها، ومع السلاح الفتاك الذي يستعمل لقتل الأخلاق، والقضاء على الفضيلة حتى تحل مكانها الرذيلة، مع السلاح الذي رومينا به في بلادنا، حتى تسلل إلى كثير من بيوت المسلمين، وصار في متناول النساء والأطفال وسفلة الرجال، ألا وهو جهاز الفيديو، ذلكم الجهاز الخبيث الذي تعرض على شاشته أفلام الدعارة والمجون، أفلام الزنا واللواط، أفلام الرقص والاختلاط، والأفلام التي تعلم السرقة والخيانة، وممارسة الجريمة. إن هذا الفيديو الخبيث يقضي على الغيرة والحياء، ويجرئ على ارتكاب الفاحشة، فيا من عافاك الله منه! احمد الله واحذر أن يدخل بيتك، ويا من ابتليت به تب إلى الله وأخرجه من بيتك، ولا تفسد به أخلاق نسائك، وأولادك وجيرانك، فتكون مع الذين يحملون أوزارهم كاملة يوم القيامة، ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم. أمة الإسلام أخي المسلم! هل ترضى أن تكون ابنتك راقصة مغنية؟ هل ترضى أن تكون زوجتك راقصة مغنية؟ هل ترضى أن تغازل زوجتك الرجال الأجانب؟ هل ترضى أن يكون ولدك مغنياً يقضي وقته في معصية الله؟ إن كنت ترضى ذلك فالله يعينك على ما أمامك من السؤال والحساب الشديد، وإن كنت لا ترضى بذلك، فتب إلى المولى القدير، تب إلى عالم السر والنجوى، أخرج هذه الفتن من بيتك قبل أن يأتيك الأجل وهي في بيتك، ميراث لأولادك، يشبون عليها ويهرمون، ثم بعد ذلك تكون عليك حساباً ووبالاً يوم القيامة. اللهم أجرنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن أبداً ما أبقيتنا يا رب العالمين! عباد الله! إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بالجماعة؛ فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار، وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى آله وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارك على نبينا محمد وعلى آله وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وسلم تسليماً كثيراً يا رب العالمين! اللهم ارض عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. لا إله إلا أنت سبحانك، لا رب لنا سواك، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، نسألك بأن لك الْحَمْدُ، لا إله إلا أنت، المنان بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام! أن تعزنا بالإسلام، اللهم أعزنا بطاعتك ولا تذلنا بمعصيتك يا رب العالمين! اللهم دمر أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم اشدد وطأتك عليهم، وارفع عنهم يدك وعافيتك، اللهم مزقهم كل ممزق، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً له يا سميع الدعاء. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، نأمر بالمعروف ونأتيه، وننهى عن المنكر ونجتنبه يا رب العالمين. اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين يا رب العالمين. اللهم نفس كرب المكروبين من المسلمين، اللهم واشفِِ مرضانا ومرضى جميع المسلمين، اللهم واغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، اللهم فاغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم، وأغلسهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وارحمنا اللهم إذا صرنا إلى ما صاروا إليه، واجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا، والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن؛ عنا وعن جميع المسلمين عامة يا رب العالمين ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 1123

فضل القرآن الكريم إن الله جل وعلا أرسل محمداً ﷺ ، وجعل له أعظم معجزة، وهي القرآن الكريم؛ وإن للقرآن فضائل شهد بها أعداء الله ، وقد ذكر الشيخ في هذا الدرس فضائل القرآن الكريم وما يجب علينا نحوه.

стр. 1124

أكبر معجزات الرسول ﷺ الحمد لله رب العالمين، أحمدك اللهم وأشكرك على نعمة القرآن العظيم، وأشهد أن لا إله إلا أنت بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام، جلَّ رباً وتعالى ملكاً ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] خلق فسوى، وقدّر فهدى، وأنزل على عبده ورسوله محمد: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] وأشهد أن محمداً عبده رسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى وأطيعوه، فلقد أنعم الله عليكم ببعثة محمد ﷺ حيث أنزل الله عليه القرآن الذي هو أكبر معجزات نبينا محمد ﷺ ، ولقد أتم الله نعمته الكبرى التي قشعت ظلام الجهل والشرك، نعمة الإسلام التي أخرج الله بها العباد من ظلمات الجهل والضلال، من عبادة العباد إلى نور الإيمان، إلى نور العلم والهدى، إلى الهداية السعيدة، إلى عبادة الواحد الديان. يا عباد الله! إنه الكنز العظيم وإنه القرآن العظيم ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم:١].

стр. 1125

حكمة إنزال القرآن القرآن شفاء لما في الصدور، وهدى للمؤمنين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧]. القرآن أنزله الله للعمل به، ولتدبر آياته، وللاتعاظ والتذكير ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]. القرآن أنزله الله ليعرف الخلق بخالقهم جلَّ وعلا، ويُعرِّفهم أنهم مبعوثون، ولم يخلقوا عبثاً ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف:٥٤] ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. القرآن نزلت فيه البشارة للمؤمنين, والنذارة للكافرين: ﴿قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً﴾ [الكهف:٢ - ٣]. القرآن أنزله الله ليكون المُحكِّم الأول في جميع شئون حياة المسلمين: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]. نزل القرآن عصمةً ونجاة لمن تمسك به، أنزله الله حجةً على العالمين، وعلامةً على صدق رسالة عبده ورسوله محمد. نعم! أنزل القرآن بتلكم الأمور.

стр. 1126

بلاغة القرآن وشهود الأعداء له نزل القرآن بأروع أسلوب وأروع بيان. ولا عجب -أيها المسلمون- أن ينزل القرآن بأروع لفظ, وأجمل معنى, وأفصح بيان، وهو كلام الله ﷻ , الذي تكلم به، وأنزله تسبيحاً خالداً لا يغير ولا يتغير على مدى الزمان: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. لا عجب! فهو حجة الله على عباده، وآية رسوله ﷺ ، ومعجزة محمد التي تحدَّى الله بها عملاء الضلالة على أن يأتوا بمثله، فعجزوا، ثم بعشر سور مثله، فنكسوا على أعقابهم، ثم بآية، فانقطعوا، وصدق الله العظيم الذي أخبر: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨]. يروي أحد المفسرين أن الوليد بن المغيرة أحد المشركين استمع إلى رسول الله ﷺ وهو يقرأ قول الجبار: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:١ - ٣] فلما فطن له رسول الله ﷺ أعاد القراءة، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم، فقال: "والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً لا هو من كلام الإنس ولا هو من كلام الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه طلاوة، وإنه لمثمرٌ أعلاه، مغدقٌ أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته". هكذا يشهد هذا الطاغية الوليد بن المغيرة لكلام رب العالمين، لا عجب أن يشهد هذا الطاغية في هذه الحقيقة، فمستوى القرآن البلاغي فوق ذلكم، بل فوق كل معارضة ومعاندة، وهاهو يُتلى من مئات السنين، فلا يشبع منه عالم، ولا يمل منه تالٍ، أو سامع متدبر، لا مع كثرة الرد، بل يزداد كنوزاً ومعانٍ جديدة، وحكماً وأسراراً تتجلى بكثرة تكراره, أودعها فيه من جعله تشريعاً وديناً ونظاماً للبشرية جمعاء، أودعها فيه إلى أن تقوم الساعة. أيها المسلمون! إن بين أظهركم لكنزاً عظيماً لا ينفد، ومنهلاً عذباًَ صافياً لا ينضب، ولا يسن أبداً، لا يقع فيكم قول الرسول عن ربه : ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان:٣٠]. لقد علا الغبار كتاب الله، لقد تُرِكَ كلام الله، لقد نُهِبَ كتاب الله وعُزِلَ عنه الأكثرون، بين أظهرنا هذا القرآن الكريم الذي جعله الله مخرجاً من كل فتنة, ونجاة من كل بلية، جعله لكم هدىً ونوراً ورحمةً وشفاءً وبركةً، وجعله خيراً محضاً، إنه القرآن العظيم، ولكن لما تدهورت الأفكار، ونقصت العقول بما طمّ عليها وعمّ من بلايا الدنيا وفتنها نُسِيَ القرآن.

стр. 1127

التمسك بالقرآن والعمل به أمة الإسلام! أمة القرآن! إن القرآن ما نزل على محمد وصحابته خاصة، بل نزل إلى كل من يدَّعي الإسلام، إلى كل من يقول: (لا إله إلا الله) إلى كل من يقول: آمنت بالله وبرسله وبكتبه وباليوم الآخر، إنه القرآن الذي أعرض عنه أكثر المسلمين، فأصابهم تشتتاً في أفكارهم, وميولاً عن الحق، وضياعاً عن طريق الحق والصواب، وهذه سنة الله على كل من أعرض عن كلام الله، فتلاوة القرآن واستماعة طاعة لله ، والعمل بالقرآن، والدعوة إلى القرآن طاعة لله . أمة الإسلام! إن المسلمين اليوم في زمن فتن عظيمة, تموج أعاصيرها كموج البحار، فتن شهوات وشبهات، فتن قيل وقال، فتن أعداء تكالبوا على الإسلام من شيوعية , ويهودية , ونصرانية قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف:٨] ولا حول ولا قوة إلا بالله. أمة الإسلام! إنه لا سلامة لكم ولا نجاة إلا بالتمسك بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، التمسك بالقرآن الكريم قولاً وعملاً واعتقاداً، عملاً بمحكمه، وإيماناً بمتشابهه، وتصديقاً لأخباره، فهو حبل الله القائم بينكم وبينه، إن تمسكتم بالقرآن وصلتم إلى الله، وإذا انقطعتم عن القرآن انقطعتم عن الله، فاتقوا الله وتمسكوا بكتاب الله تمسكاً صادقاً تُرى آثاره في أعمالكم وأقوالكم, وفي آذانكم ومعاملاتكم، في إقبالكم عليه تلاوةً ودعوةً وتعليماً وتعلماً وتحاكماً وتحكيماً في كل شأن من شئونكم -يا أمة الإسلام- سواء كان اجتماعياً، أم اقتصادياً، أم ثقافياً، أم عسكرياً، فلا يصح أن يحكم بعض القرآن ويُعطَّل بعضه, كما لا يصح الإيمان ببعضه ويكفر ببعضه، فخذوا به جملةً وتفصيلاً، فما هو إلا التمسك بالقرآن والنجاة، أو الإعراض والهلاك، يقول ﷺ : ﴿إني تاركٌ فيكم ما لم تضلوا إذا اعتصمتم به: كتاب الله, وسنتي﴾ ويقول جلَّ وعلا: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٦]. اللهم ارزقنا التمسك بكتابك, لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لا إله إلا أنت مغيث اللهفات, ومجيب الدعوات, ومنزل الكتاب، ومجري السحاب، لا إله إلا أنت ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا للقرآن، اللهم ارزقنا العمل بالقرآن، اللهم ارزقنا اتباع القرآن، اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا, ونور صدورنا, وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، وقائدنا إليك وإلى جناتك جنات النعيم، اللهم اجعلنا من أهل القرآن، اللهم اقشع غيوم الغفلات والسهوات عن قلوبنا. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروا إليه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1128

فضل قراءة القرآن وتعليمه الحمد لله الذي أنزل الكتاب تبياناً لكل شيء, وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وإمامنا ونبينا وقدوتنا محمداً الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أيها المسلمون! اعلموا أن القرآن الكريم خير كتاب أنزل على أشرف رسول, إلى خير أمة أُخرجت للناس، بأفضل الشرائع وأسماها وأكملها، أنزل القرآن لكي يقرأه المسلم ويتدبر معانيه, ويتفكر في أوامره ونواهيه، ثم يعمل به، فيكون حجةً له عند ربه. القرآن حجةً لك أو عليك, يقرأه المسلم, ويعمل بمحكمه, يؤمن بمتشابهه, ليكون شفيعاً له يوم القيامة، وقد تكفّل الله بمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، يقول ﷺ : ﴿اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه﴾ رواه مسلم، وقال ﵊: ﴿يُؤتى يوم القيامة بالقرآن، وأهل القرآن الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما﴾ ويقول ﷺ : ﴿خيركم من تعلَّم القرآن وعلمه﴾ ويقول ﷺ : ﴿يجيء القرآن يوم القيامة، فيقول: يا رب! حله -أي: ألبسه حلة صاحب القرآن الذي عمل بالقرآن- فيلبس تاج الكرامة، يقول: يا رب! زده، فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا ربِ! ارض عنه، فيقال: اقرأ وارق -يعني: في درج الجنة- فيزداد بكل آية حسنة﴾ ويقول ﷺ : ﴿من قرأ القرآن فاستغفره -أي: حفظه عن ظهر قلب- فأحل حلاله وحرم حرامه، أدخله الله به الجنة، وشفِّعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت له النار﴾ وقال ﷺ : ﴿من قرأ حرفاً من كتاب الله، فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها﴾ وقال ﷺ : ﴿من استمع إلى آية من كتاب الله، كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نوراً يوم القيامة﴾ وقال ﷺ : ﴿وما اجتمع قوم في بيتٍ من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة, وغشيتهم الرحمة, وحفتهم الملائكة, وذكرهم الله فيمن عنده﴾ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤]. أيها المسلمون! هل بعد هذا الفضل العظيم فضلٌ أعظم من هذا؟ لنتساءل جميعاً هل بعد هذا الفضل العظيم فضلٌ أعظم من هذا الذي أخبر به رسول الله ﷺ ؟ لا والله، ثم لا والله، لكنَّ المسلمين -أسأل الله أن يردنا جميعاً إلى الحق- لما أعرضوا عن كتاب الله واستبدلوه بالمجلات والجرائد واستماع الملاهي! هان عليهم هذا الفضل العظيم، وسيكونون في خسارة وسفال، إن لم يرجعوا إلى ربهم وإلى دينهم القويم المستمد من هذا الينبوع العظيم، وهو القرآن الكريم.

стр. 1129

التمسك بالقرآن نجاة من الفتن أيها المسلمون! لقد أخبرنا البشير، فقال: ﴿إنها ستكون فتن! فَسُئِلَ ﷺ : ما المخرج منها؟﴾ هل هي الجريدة التي نجلس على قراءتها الساعة وتمام الساعة، وأكثر من الساعة؟ هل هو في الفيديو الذي يَعِرَض الخلاعة والشناعة والعار؟ أم في التلفاز الذي يُعَرض فيه البلاوي والسفور؟ أم في استماع الأغاني؟ لا. لا يا أمة الإسلام! كل هذه حدثت بعد الرسول، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. ﴿ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله! فيه نبأ ما قبلكم, وخبر ما بعدكم, وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أذله الله، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا تنقضي عجائبه﴾ , من الذي أخبرنا عن قوم هود, وقوم نوح، وقوم ثمود، وقوم عاد، وما أصابهم من العذاب إلا القرآن العظيم؟ ﴿لا تنقضي عجائبه, ولا يشبع منه العلماء﴾ , أين العلماء؟ لا إله إلا الله. اللهم بَغِّض حب الدنيا في قلوب العلماء, حتى يرجعوا إلى كلام رب العالمين، وليبينوا ما فيه من الآيات والذكر الحكيم لعباد الله المؤمنين، اللهم أيقظ العلماء من سهاد الرقاد يا رب العالمين. ﴿لا تشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم﴾. إذا علمت هذا أيها المسلم، فاعلم أن القرآن قد بين فيه كل ما يحتاج إليه العباد, من أصول الدين وفروعه, وأحكام الدارين، وفيه بيان الحلال والحرام, والثواب والعقاب, وهدىً من الضلالة, ورحمةً لمن صدق به وعمل بما فيه, وحكمه في الدقيق والجليل, والويل ثم الويل لمن رجع عن كتاب الله إلى تحكيم القوانين الوضعية, وترك القرآن وأعرض عنه, وأخذ في المجلات والجرائد الكاذبة، فكل حكم سوى حكم الله فهو باطل مردود، وكل حاكمٌ بغير حكم الله ورسوله فهو طاغوت كافر بالله. فيا أمة الإسلام! يا أمة القرآن! ويا أتباع محمد ﷺ ! ويا خير أمة أخرجت للناس! انفضوا الغبار عن القرآن، وارجعوا إلى كلام الله. عباد الله! إن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع جماعة المسلمين، ومن شذّ شذ في النار. وصلوا على خير خلق الله، محمد بن عبد الله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول: ﴿من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارض عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين, وأرشدنا برحمتك حتى نتبعهم. اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، اللهم اكفنا شر أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوءٍ فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين، اللهم اجعل تدبيرهم تدميراً عليهم يا رب العالمين، اللهم أذلهم بعز الإسلام والمسلمين، اللهم اخذلهم بعز الإسلام والمسلمين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين عليهم يا رب العالمين. ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1130

قبل أن تحاسبوا الإسلام ليس بمجرد الاسم والدعايات الكاذبة، بل هو بالاستسلام والخضوع والانقياد لله رب العالمين، وأقوى عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، ومن محادة الله ورسوله التكبر على أوامره وترك التحاكم إلى شريعته، والتغافل عن الواجبات وفعل المنكرات. ولا تشيع المنكرات إلا إذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 1131

أسس وقواعد الدين الإسلامي الحمد لله رب العالمين، الذي يسر لعباده حج بيته الحرام، وعادوا بسلامةٍ وأمنٍ وأمان، فلله الحمد والمنة، وله الشكر على كل حال، فهنيئاً لمن تقبَّل منه مولاه هذا الحج، فقد خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وهنيئاً لمن تقبل الله منه الحج، ولم يرفث، ولم يفسق، وكان حجه مبروراً، فإن مآله إلى الجنة، كما قال رسول الهدى ﷺ : ﴿والحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة﴾ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الناس! اتقوا الله . عباد الله: هنيئاً لمن أسلم وعرف الإسلام حقيقة، فإنه يمشي على نورٍ وهدىً من الله ، وبالعكس فإن الذي لم يعرف حقيقة الإسلام، ولم يقبل هدى الله، فإنه كالمكب الذي يمشي على وجهه، نسأل الله العفو والعافية، اللهم إنا نسألك التوفيق والسداد والثبات على الإسلام. عباد الله! لقد ضرب الله لذلك مثلاً، فقال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢]. عباد الله! إن الإسلام قد بُني على أسس ثابتة، وقواعدٍ متينة، بإقامتها تحصل الاستقامة، وبوجودها يكون القرب من الله ، قال نبينا محمد ﷺ : ﴿إن الله ﵎ قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ من أداء ما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليًّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيءٍ أنا فاعله، تردُّدي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته، ولا بد له منه﴾ رواه البخاري. يقول ربنا جل وعلا: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٢٢].

стр. 1132

الإسلام ليس بمجرد الاسم الإسلام -يا عباد الله- ليس بمجرد الاسم، وليس بالدعايات الكاذبة، بل الإسلام هو: الاستسلام لله، والانقياد له سبحانه بالقول والاعتقاد والعمل، فلا يستقيم إيمانُ عبد بدون عمل، ولا ينفع عمل بدون إيمانٍ وعقيدةٍ صحيحة، كما أن العمل لا يقبل إلا إذا كان صالحاً خالصاً لله، جارياً على سنة رسول الله ﷺ ، وقد بيَّن رسول الهدى ﷺ ، وقد بيَّن المبعوث رحمةً للعالمين الأسس التي بُني عليها هذا الدين القويم، فقال ﷺ : ﴿بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة , وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام﴾ رواه البخاري ومسلم.

стр. 1133

أسس الإسلام متضمنة للحب والبغض في الله ثم يا عباد الله! ثم يا أمة الإسلام! اعلموا أن هذه الأسس التي أُسس عليها الإسلام هي أسس متلازمة، ووحدةٌ متماسكة، فحقيقة الدين الإسلامي أنه إيمانٌ بالله وبرسوله، وتوحيد الله، وإخلاصٌ لله، وزكاةٌ، وصلاةٌ، وصومٌ، وحجٌ، وفعلٌ للواجبات، وتركٌ للمحرمات، وامتثالٌ للأوامر، واجتنابٌ للنواهي، ومحبةٌ لله ولرسوله ﷺ ، ومحبةٌ لعباد الله المؤمنين، وبغضٌ لما يبغضه الله ورسوله من الكفر والفسوق والمعاصي، فالحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، وهو من أحب الأعمال إلى الله تعالى، وقد أخبر الله جلَّ وعلا أنه لا يجتمع إيمانٌ بالله ومحبة من عصى الله ورسوله ولو كان من أقرب الناس كالأب والابن والأخ والعشيرة، قال الله جلَّ وعلا: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة:٢٢].

стр. 1134

بعض صور المحادة لله ولرسوله إن من أعظم المحادة لله ولرسوله ترك الحكم بالكتاب والسنة، واستبدال الحكم بهما بالقوانين الوضعية -نسأل الله العفو والعافية. ومن المحادة لله ولرسوله: ترك الواجبات، وفعل المحرمات؛ كالربا، والزنا، واللواط، وشرب الخمور، وعقوق الوالدين، وظلم العباد، وإسبال الثياب، وأكل مال اليتيم، وإتيان الكهان والسحرة والمشعوذين لا كثَّرهم الله. أيها الناس! أيها المسلمون! اعلموا حق اليقين أن أعظم هدم للعقيدة هو وجود الكهان والسحرة والمشعوذين الآن لا كثَّرهم الله، ونسأل الله أن يبعدهم عن ديار المسلمين. إن أعظم هدمٍ للعقيدة هم الكهان والسحرة والمشعوذين، وما يصدرونه من الكذب والدجل والخرافات والخزعبلات. ومن المحادة لله ولرسوله: التكبر على الخلق، واستماع الأغاني والموسيقى، وتصوير ذوات الأرواح. يا من تصور ذوات الأرواح! اعلم أنك عاصٍ لله ولرسوله، وأن أشد عذاباً يوم القيامة المصورون، واعلم يا أيها المسلم! أن البيت الذي فيه الصورة لا تدخله الملائكة. ومن المحادة والمعاندة والعصيان لله ولرسوله: حلق اللحية التي تهاون بها أكثر الناس نسأل الله العفو والعافية. ومن ذلك: إعفاء الشوارب التي يسمونها الشنبات، وقد أخبرتكم في خطبةٍ غير هذه أن في حديثٍ ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿من لم يأخذ من شاربه، فليس منا﴾. نعم! ومن أعظم المحادة والمعاندة والعصيان: التبرج والسفور من النساء الذي يوجد في أسواق المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون. كل هذا يا عبد الله! من اتباع الهوى، ومن طاعة النفس والشيطان، والنفس الأمارةٌ بالسوء إلى المعاصي.

стр. 1135

أسباب انتشار المعاصي والآثام المعاصي والآثام التي عمت وطمَّت في بلاد الإسلام والمسلمين، وتلبَّس بها أكثر الناس، أتدري لماذا حصل ذلك يا عبد الله؟!

стр. 1136

ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لما تهاون المسلمون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزال عنهم حديث الرسول ﷺ الذي قال فيه: ﴿المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضاً﴾ هل يوجد فينا هذا الحديث -الآن- يا عباد الله؟ أنا أجاوبك من على هذا المنبر: لا، لا يوجد فينا. ﴿مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى﴾ لا يوجد فينا هذا -يا عباد الله- لو كان هذا يوجد بين المسلمين؛ لأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، وأخذنا على يد السفيه، وأطرناه على الحق أطراً، ولكن هذا لا يوجد. انظر ماذا أثر التلفاز من وقت وجوده حتى الآن والمسلمون ينقصون أفواجاً أفواجاً عن صلاة الصبح، ولا حول ولا قوة إلا بالله؟! فالتلفاز بينه وبين صلاة الفجر صراعٌ عظيم. فمن سهر مع التلفاز، ومع الأفلام والتمثيليات، فحريٌ به ألا يعرف صلاة الفجر إلا في رمضان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. لماذا يا عبد الله لا يكون عندك هذا الإحساس؟ جارك لا يعرف الصلاة في المسجد وأنت ساكتٌ عنه، ولا ترشده، ولا توقظه لصلاة الفجر، أما علمت أنه يوم القيامة سوف يمسك بتلابيبك بين يدي رب العالمين، ويقول: يا رب! إن فلاناً ظلمني، بماذا؟ ثم تقول: والله ما أخذت ماله، ولا هتكت عرضه، ولا، ولا، ثم يقول: صدق، ولكنه رآني على المنكرات، ولم يأمرنِ ولم ينهنِ، أولادك سوف يوقفونك بين يدي الله لتركك إياهم لا يعرفون المساجد، فإنا لله وإنا إليه راجعون. قد ملئت بطونهم بالمأكولات والمشروبات، وكسيت ظهورهم، وبنيت لهم الفلة، ووسعت لهم المساكن، ولكن قطعتهم من الغذاء الروحي -غذاء الإيمان- وهو تعليم الكتاب والسنة، فلو تعلموا الكتاب والسنة، ما اتخذوا الكرة لهم إلهاً من دون الله، ولما رأيتهم في الشوارع يهيمون ويسرحون ويعبثون، وأنتم عنهم لاهون. يا أمة الإسلام! والله إنها عليكم مسئوليةٌ عظيمة، سوف يتمنى الإنسان يوم القيامة أنه ليس له أولاد، أمانةٌ في عنقك يوم القيامة سوف تسأل عنها بين يدي الله رب العالمين، تخرج إلى المسجد وأولادك في مضاجعهم نائمون، تخرج إلى المسجد وأولادك في الشوارع يهيمون ويسرحون وراء الكرة، وبالليل وراء التمثيليات والأفلام، سوف تسأل عنهم أمام رب العالمين، فأعد للسؤال جواباً، وللجواب صواباً. نعم يا عبد الله! هذه حال الكثير من الناس.

стр. 1137

عدم معرفة الله حقيقة والبعض منهم لا يعرف الله إلا في رمضان، تجدهم في رمضان يملئون المساجد ويقرءون القرآن، ويتصدقون، فإذا انتهى رمضان، ودعوا المساجد، وهجروا القرآن، هل عرفوا الإسلام حقيقة؟ أم هل عرفوا الله الذي خلقهم وأوجدهم من العدم إلى الوجود؟ أم هل عرفوا الله الذي يطعمهم ويسقيهم، وإذا مرضوا فهو يشفيهم؟ إنهم لو عرفوا الله حقيقة، لما اقتصرت طاعتهم لله في رمضان -فقط- ويعصونه ويجفونه في باقي السنة، والله يقول -وقوله الحق-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨] هل أخبرت ابنك الصغير أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين؟ بعض الأطفال صار بينه وبين والده صراع، يقول: إن الذي يأتي في التلفاز -وهو من أفلام الكرتون- أنه أقوى من الله ! انظروا إلى هذا الهدم من أعداء الإسلام والمسلمين كيف يهدمون العقيدة! أبى الطفل الصغير أن يعترف بأن القوة لله، يقول: القوة للذي يأتي في التلفاز في أفلام الكرتون- نسأل الله العفو والعافية- وهذه هي التي يريدها أعداء الإسلام؛ لأن الطفل الصغير كالحجر إذا نقش فيه النقش، فإنه لا يتغير، فإن أفلام الكرتون تؤثر في الطفل الصغير، وتنقش في قلبه تلك الخرافات التي يبثونها لهذا الطفل الصغير، فأسأل الله أن يهدي ضال المسلمين. نعم يا عبد الله! البعض من الناس يحج ويعتمر، وإذا رجع لم يزدد بحجه وعمرته قرباً من الله تعالى، بل يعتبر ذلك حملاً وضعه عن ظهره، ولم يفكر بما عند الله من الأجر والثواب العظيم.

стр. 1138

اعتبار العبادات عادات وتقاليد الخلاصة يا عباد الله! أن البعض يعتبر الصلاة والصيام والزكاة والحج عادات وتقاليد ورثها عن الآباء والأجداد، ولم يعلم أنها أركانٌ تعبد الله بها الخلق، وأوجدهم لأجلها، فمن قام بها وأدَّاها امتثالاً لأمر الله ، فهو من الذين قالوا: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ [الإنسان:١٠ - ١٣]. تصورهم -يا عبد الله- وهم في ذلك المكان الآمن ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً * عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ [الإنسان:١٣ - ٢١] وفي النهاية يقال لهم: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً﴾ [الإنسان:٢٢] هذا لمن أطاع الله ورسوله وقام بهذا الدين، أما الذين بعكس أولئك عصوا الله ورسوله، ولم يقوموا بهذا الدين، فاسمعوا ماذا يقول الله عنهم: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ * وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [السجدة:١٢ - ١٤] فذوقوا، لا تحسبون أن الله غافلٌ عنكم، يا من أذهبتم حياتكم سُدى، وأوقاتكم قتلتموها في غير طاعة الله ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٤]. أيها الإنسان! أنت في ميدان العمل، في الحياة الدنيا وعندك الإمكان. أيها الإنسان! أنت في وقت الإمكان، فاختر لنفسك إحدى الدارين إما العمل الصالح وبعده الجنة، وإما العمل الخبيث وبعده النار. أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا لصالح الأعمال والأخلاق، وأن يجعلنا من أهل الجنة، وألا يجعلنا من أهل النار اللهم اجعلنا من أهل الجنة، ولا تجعلنا من أهل النار، اللهم اجعلنا من أهل الجنة، ولا تجعلنا من أهل النار. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1139

جزاء من أطاع الله وجزاء من عصاه الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي بلَّغ رسالة ربه، ونصح الأمة، وأدَّى الأمانة التي اؤتمن عليها، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون! أطيعوا الله ورسوله، فإن في طاعة الله وطاعة رسوله سعادة الدنيا والآخرة ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧١] اسمع يا عبد الله! اسمع وعد الله الذي لا يخالف، ولا يمانع ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧١] واحذر -يا عبد الله- من معصية الله ومعصية رسوله، فإن فيهما العطب والهلاك، وعاقبة ذلك دخول النار التي وقودها الناس والحجارة -والعياذ بالله- ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [الجن:٢٣]. إن المجرم الذي يتعدى الحدود، ويقترف الموبقات، ويعص الله ورسوله في ضلال وسعر، اسمعوا قول الحق جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر:٤٧] تصور يا عبد الله! ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر:٤٨] أما المتقين الذي أطاعوا الله ورسوله، وعملوا الصالحات، وامتثلوا الأوامر، واجتنبوا المنهيات، اسمعوا قول الحق: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥] الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر أين الاشتياق؟! أين الاشتياق إلى تلك المقاعد يا عبد الله؟! أين الاشتياق إلى القرب من الله ؟! ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥] ولهم في الجنة، في دار النعيم من الكرامات ما لم تسمع به الآذان، ولم تر الأبصار، ولم يخطر على قلوب البشر، فهنيئاً لهم في دار الكرامة والنعيم المقيم التي قال الله فيها: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد:١٥] هؤلاء المتقون الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأطاعوا الله والرسول. اسمع يا عبد الله! هذا كتاب الله ينطق عليكم بالحق، فإن شئت فخذ، وإن شئت فدع، والموعد غداً ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] أما المجرمون فيقول الله عنهم: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥]. اللهم اجعلنا من المتقين المؤمنين، ولا تجعلنا من المجرمين، اللهم لا تجعلنا من المجرمين. عباد الله! فضل الله واسع، والخير كثير، وما عليك -يا عبد الله- إلا أن تقبل على الله ، اسمع إلى هذا الفضل اليسير، طرفاً يسير يقول رسول الهدى ﷺ : ﴿من صلَّى لله في اليوم والليلة اثنا عشرة ركعة تطوعاً من غير الفريضة، بنى الله له بيتاً في الجنة﴾ أي بيت يا عبد الله في الجنة! هل هي فلة تخرب؟ هل هي زوجةٌ تموت من زوجات الدنيا؟ هل هي الحياة الدنيا التي فيها التنغيصات والتنكيدات؟ لا. في جنات النعيم التي لا يخرب بنيانها، ولا يهرم شبانها، ولا تبلى ثيابهم، نعيمهم دائمٌ في حياةٍ أبدية بجوار أرحم الراحمين، فمن أراد ذلك؛ فلينافس بالأعمال الصالحة. عباد الله! صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلَّى عليَّ صلاةً، صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الشر والزيغ والفساد والعناد. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشدٍ يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيءٍ قدير. اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين، اللهم ارزق ولاتنا الجلساء الصالحين الناصحين. اللهم ارزقهم الجلساء الصالحين والعلماء العاملين، الذين يبينون لهم طرق الخير، ويحذرونهم من طرق الشر. اللهم ارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين الذين يعينونهم إذا ذكروا، ويذكرونهم إذا نسوا يا رب العالمين. اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! أبعد عنهم البطانة الفاسدة، اللهم أبعد عنهم البطانة الفاسدة. اللهم أنزل في قلوب ولاة أمورنا بغض البطانة الفاسدة يا رب العالمين إنك على كل شيءٍ قدير وبالإجابة جدير. اللهم اجمعنا ووالدينا ووالد والدينا وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات في جنات الفردوس الأعلى يا رب العالمين، اللهم اجمعنا في جنات النعيم، اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقاءك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1140

قصة لوط قصص الأمم السابقة هي مرآة لسنة الله في هذا الكون، وفيها آية للمؤمنين، وهذا النوع منها -أي قصص الأمم المجرمة وما حل بها من عذاب الله- جدير بالتدبر والتفكر في أعمالهم الخبيثة وعقوباتهم الشديدة، وما هي من الظالمين ببعيد. وهنا في قصة لوط ظهور لجريمة بشعة، ثم ظهور لنبي ينذر ويحذر، ثم كيف كان تكذيبه وكيف كانت العاقبة، وتكتمل الصورة بذكر النظرة الخالدة لشريعتنا إلى مثل هذه الأعمال المشينة.

стр. 1141

رسل الله في بيت لوط ﵇ الحمد لله الحي القيوم، الباقي وغيره لا يدوم، رفع السماء وزينها بالنجوم، وأمسك الأرض بجبال بالتخوم، صور بقدرته هذه الجسوم، ثم أماتها ومحى الرسوم، ثم ينفخ في الصور فإذا الميت يقوم، ففريق إلى دار النعيم وفريق إلى نار السموم، اللهم اجعلنا من أهل دار النعيم ولا تجعلنا من أهل نار السموم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

стр. 1142

شناعة جريمة قوم لوط أيها الناس: اتقوا الله وأطيعوه. عباد الله! في هذه الخطبة نتحدث عن قوم أرسل الله إليهم رسولاً يدعوهم إلى الله ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التي اخترعوها ولم يسبقهم بها أحد من بني آدم ولا غيرهم: ألا وهو إتيان الذكور دون الإناث، وهذا شيء لم يكن بنو آدم يعهدونه ولا يألفونه ولا يخطر ببالهم، حتى صنع ذلك أهل سدوم عليهم لعائن الله، فأرسل الله إليهم لوطاً ﵇ قال الله تعالى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف:٨٠ - ٨١] نعم يا عباد الله! كانوا يرتكبون ذنب اللواط، الذنب الذي يغضب رب العباد، إنها لفاحشة يضيق بها الفضاء، وتأُج لها السماء، ويحل بها البلاء، فكشف حال وسوء مآل، وداء عضال، وقبح فعال، عيب دونه سائر العيوب، جريمة اللواط، عيب تموت به الفضيلة، وتحيا به الرذيلة، اللواط عمل مسبوب ووضع مقلوب، اللواط فاعله ملعون، اللواط خلقٌ فاسد، وشرف مسلوب، وعرض ممزق، وكرامة معدومة، وعاقبته زهري وجرب ذو ألوان. إنها الجريمة الشنعاء، إنها الجريمة البشعة، إنها الجريمة القبيحة، إنها اللواط، إنها ركوب الذكور بعضهم على بعض، اللهم إن في هذه الفعلة الشنيعة من الخزي والعار ما لا تطيقه الطباع السليمة، إنه فعل أمة قديم عصرها، باق ذكرها، كثير شرها، وهي مشهورة ببلاد " الغور " بناحية حيال البيت المقدس بينها وبين بلاد الكرك والشوبك إنها أمة ترتكب هذه الفاحشة الشنيعة والجريمة الفظيعة علناً في نواديهم، ويذرون ما خلق الله لهم من أزواج ولا يبالون بمن يعتب ويشنع عليهم. بالغ لوط ﵇ في دعوتهم إلى توحيد الله ، وحذرهم من فعل الفاحشة وهي إتيان الرجال دون النساء، وبالغ في إنذارهم وتحذيرهم، وكان الجواب من أولئك العصاة الكفرة الفجرة على تلك النصائح أن قالوا: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل:٥٦] يقولون هذا ومقصدهم السخرية والتهكم بلوط ﵇، فلما أنذرهم بأس الله ونقمته ولم يلتفتوا إلى ذلك ولا أصغوا إليه بل شكوا فيه وتمادوا به؛ أرسل الله إلى لوط ﵇ ملائكة بصفة حسنة: جبريل، وميكائيل، واسرافيل في صور شباب مرد حسان وذلك محنة من الله واختبار لقوم لوط، فأضافهم لوط ﵇ وهو خائف عليهم من قومه الذين يرتكبون جريمة اللواط. وزوجته زوجة السوء العجوز الكافرة الخبيثة -زوجة لوط- أرسلت إلى قومها فأعلمتهم بأضياف لوط، فأقبلوا يهرعون إليه من كل مكان يريدون أولئك الشباب المرد الحسان، فأغلق لوط دونهم الباب، فجعلوا يحاولون كسر الباب وذلك عشية ولوط ﵇ يدافعهم ويمانعهم دون أضيافه ويقول لهم: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِين﴾ [الحجر:٧١] ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ [هود:٧٩] أي: ما يريدون الحلال، ما يريدون زوجاتهم أي: ليس لنا فيهن إرب ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيد﴾ [هود:٧٩]. ولما اشتد الحال وأبوا إلا الدخول خرج عليهم جبريل ﵇ وضرب أعينهم بطرف جناحه فانطمست أعينهم يقال: إنها غارت، ويقال: إنه لم تبق لهم عيون بالكلية، فرجعوا على أدبارهم يتحسسون بالحيطان عمياناً، ويتوعدون لوطاً ﵇ إلى الصباح، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:٣٧] وقد جاءت الملائكة للوط ﵇ تبشره بفرج الله القريب وتأمره بالخروج من بين أظهر أولئك الكفرة الفجرة؛ لأن العذاب قد حان نزوله بهم، قال الله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ * وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر:٦٥ - ٦٦] هذا المرسوم الملكي نزل من رب العالمين، اخرج يا لوط. فخرج لوط ﵇ ومن معه آخر الليل فنجى مما أصاب قومه، ولم يؤمن بلوط من قومه أحد، ولا رجل واحد، حتى امرأته أصابها ما أصابهم، وخرج لوط ﵇ وبنات له من بين أظهرهم سالماً لم يمسسه سوء.

стр. 1143

عاقبة فعلهم والحكمة من إيراد أخبارهم قال الله تعالى عن قوم لوط: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيل * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٧٤ - ٧٧] يخبر الله جلَّ وعلا بالقدرة التامة أنهم أخذتهم الصيحة بأمره جلَّ وعلا، وهي ما جاءهم به من الصوت القاصف عند شروق الشمس، وذلك مع رفع بلادهم إلى عنان السماء ثم قلبها وجعل عاليها سافلها، وإرسال حجارة السجيل عليها. أمر الله جبريل ذي القوة المتين فاقتلع ديارهم من أصولها ورفعها إلى السماء الدنيا -حتى سمع الملائكة نباح الكلاب وصياح الديكة- فقلبها عليهم، ثم أتبعهم الله بحجارة من سجيل منضود فتلكم يا عباد الله! تلكم قرية سدوم التي أصابها ما أصابها من القلب الصوري والمعنوي، والقذف بالحجارة حتى صارت بحيرة منتنة خبيثة في طريق مهلع، مسالكه مستمرة إلى اليوم وهو المعروف بـ البحر الميت الذي لا يعيش فيه شيء. انظروا إلى قدرة الخالق يا عباد الله! بعد أن كانت أمم تعيث في الأرض فسادا أهلكهم الله وصارت مساكنهم بحيرة ميتة لا يعيش فيها شيء. أيها المسلمون: أتدرون لماذا ذكر الله أخبارهم في كتابه العظيم، وعلى لسان محمد ﷺ ؟ إنه والله ثم والله ما ذكر أخبارهم إلا لنعتبر بما أصابهم، ونحذر كل الحذر مما كانوا عليه من سوء الحال وقبح الفعال، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣] أي: العقوبة ما هي ببعيدة عمن يعمل عمل قوم لوط، سبحان الله! كيف يقع ذكر على ذكر وهو يعلم أن الله جلَّ وعلا يراه وقد نهاه، بل وهو يعلم ما في ذلك من مخالفة العقل والدين وما فيه من خطر وغضب وشر مستطير وخزي وعار؟! هذا في الحقيقة فعل تترفع عنه طباع الكلاب والبغال والحمير بل والقردة والخنازير، وما ظهر اللواط في أمة إلا ذلت وأخزيت وسلب عزها، وإذا أراد الله جلَّ وعلا إهلاك قرية فسق فيها المترفون فاستحقت الخراب والدمار. فانتبهوا أيها المسلمون! وتناصحوا، واحفظوا أولادكم، واعلموا أنكم مسئولون عنهم وعن إهمالكم لهم، اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، وجنبنا ما تبغضه وتأباه، اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تهدينا لأحسن الأعمال والأخلاق وأحبها إليك، وأن تصرف عنا سيء الأعمال والأخلاق وأبغضها إليك، اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين يا رب العالمين، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1144

نظرة الشريعة الإسلامية إلى هذه الجريمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله حق تقاته، عباد الله! احذروا وحذروا من اللواط، وعجباً يا عباد الله! أن نرى تلك العادة الشائنة القبيحة تنتقل من أولئك الأشرار الذين خسف الله بهم إلى غيرهم من النوع الإنساني مع أنها لم تكد توجد في الحيوانات الأخرى، فإنكم لا تكادون تجدون حيوانا من الذكور يأتي ذكراً مثله اللهم إلا قليلاً نادراً. إن جريمة اللواط فيها عار وخزي ودمار. عباد الله: إن ما نسمعه من الذين قد أذهب الله عقولهم بما يستعملونه من المسكرات والمخدرات، أو انتزع الله منهم الحياء من فعلهم القبيح، فكيف يليق برجل يبلغ من العمر أربعين سنة أن يرتكب جريمة اللواط بطفل لا يبلغ الرابعة من عمره ثم بطفل لم يبلغ الخامسة من عمره ثم بطفل لم يبلغ السادسة من عمره؟ اللهم إنا نسألك العفو والعافية: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّاب﴾ [آل عمران:٨]. ثم البعض من الذين انتزع الله منهم الحياء إذا عملوا جريمة اللواط؛ أتبعوها بجريمة القتل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اهدنا لسوء السبيل، اللهم اهدنا صراطك المستقيم، اللهم جنبنا طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين. أمة الإسلام: أرشدنا الشارع الحكيم إلى قتل من ارتكب هذه الجريمة ولذلك ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط؛ فاقتلوا الفاعل والمفعول به﴾. عباد الله: كذلك يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط﴾ وروي عنه ﷺ أنه قال: ﴿لعن الله من عَمِلَ عَمَل قوم لوط، لعن الله من عَمِلَ عَمَل قوم لوط، لعن الله من عَمِلَ عَمَل قوم لوط، ثلاث مرات﴾ وقال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ قال: ﴿لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في دبرها﴾ ويروي أنس ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : ﴿من مات من أمتي يعمل عمل قوم لوط نقله الله تعالى إليهم حتى يحشره معهم﴾. عباد الله: إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار وصلوا على رسول امتثالا لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد القائل: ﴿من صلى علي صلاة الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى أن ترضى عن أصحاب رسولك أجمعين وفي مقدمتهم الخلفاء الراشين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، ودمر المفسدين يا رب العالمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا وأئمة المسلمين أجمعين، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين. اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، ياذا الجلال والإكرام! يا حي يا قيوم! نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق. اللهم إنا خلقٌ من خلقك فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وتر حمنا لنكونن من الخاسرين، اللهم اسقنا، اللهم أنت أرحم بنا من أمهاتنا، اللهم أنت أرحم بنا من أنفسنا يا أرحم الراحمين، يا أكرم الأكرمين! يا أجود الأجودين! يا من خزائنه ملأى! لا تضره النفقات، اللهم اسقنا سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق يا أرحم الراحمين. اللهم احيي بلدك الميت، اللهم انشر رحمتك على العباد يا من له الدنيا والآخرة وإليه المعاد، لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض ورب العرش الكريم مفرج الكربات، مغيث اللهفات مجيب الدعوات، سامع الأصوات، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام يا أرحم الراحمين! يا من قال وقوله الحق: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾ [غافر:٦٠]. اللهم هذا الدعاء وعليك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والسفور والتبرج والأفلام الخبيثة والأغاني الماجنة والأخلاق السافلة، اللهم ارفعها عنا بمنك وكرمك، واهدنا لطاعتك وجنبنا معاصيك، اللهم افتح على قلوبنا لقبول الحق يا رب العالمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1145

قصة موسى عبرة للطواغيت إن الله أورد قصص الأنبياء والمرسلين في كتابه عبرة للمؤمنين وتسلية للعلماء والدعاة إلى رب العالمين، وقد ذكر الشيخ في هذا الدرس قصة موسى ﵇ وما حصل له مع فرعون من حوار وشجار؛ حين دعاه إلى الله ، وكيف نصره الله ، وأغرق فرعون وجنوده، وجعل لهم النار يعرضون عليها غدواً وعشياً، ويوم القيامة لهم عذاب أليم.

стр. 1146

رؤيا فرعون وموقفه من بني إسرائيل الحمد لله رب العالمين الذي أوجد جميع الكائنات بقدرته, وقهرها بقوته, أحمده سبحانه وأستغفره, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخيرته من جميع بريئته ابتعثه الله رحمة لمن آمن به وأجاب دعوته, وحجةً على من أعرض عما جاء به وقطعاً لمعذرته, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وذريته ومن اقتفى أثره واتبع سنته. أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله . عباد الله: ودعتم عاما ًمضى وقد ظهر لكم ما فيه من العبر, وتستقبلون عاماً جديداً، الله أعلم ما أنتم فاعلون فيه, فإن الله سطر أعمالكم في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقكم, فتستقبلون عاماً جديداً وشهراً مفضلاً حميداً أضافه نبيكم ﷺ إلى الله وعظمته فقال: ﴿أفضل الصوم بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم﴾. عباد الله: هذا شهر الله المحرم لقد وقع فيه نصرةٌ عظيمة لنبي من أنبياء الله ورسله وهو أحد أولى العزم من رسل الله إنه موسى ﵇, وكما مر عليكم في شهر ذي الحجة أن الله نصر إبراهيم ﵇ وهو أمة واحدة، أيده الله ونصره, وقواه على إزالة المنكرات, وهدم الأوثان ومحق الأصنام, وكل ذلك بقدرة الله . وهذا موسى ﵇ ذكر السدي عن أبي صالح وأبي مالك عن ابن عباس ﵄، وعن مرة بن مسعود ﵁: [[أن فرعون رأى في منامه كأن ناراً قدمت من نحو بيت المقدس فأحرقت دور مصر وجميع القبط ولم تضر بني إسرائيل -هكذا رأى فرعون هذه الرؤيا- فلما استيقظ هاله ذلك, فجمع الكهنة والحذقة والسحرة وسألهم عن ذلك, فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء يكون سبب هلاك أهل مصر على يده, ويكون ذهاب ملكك على يديه أيضاً, وقد أظلك زمانه الذي يولد فيه, فلهذا أمر الطاغية فرعون -لعنه الله- بقتل الغلمان وترك النسوان]]. والمقصود: أن فرعون احترز كل الاحتراز ألا يوجد هذا الغلام وهو موسى ﵇, ولكن قدرة الله تغلب كل شيء, حتى جعل فرعون -لعنه الله- رجالاً وقوابل يدورون على الحبالى ويعلمون ميقات وضعهن فلا تلد امرأة ذكراً إلا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته, حذراً من أن يوجد هذا الغلام موسى ﵇.

стр. 1147

موسى ﵇ قبل الرسالة

стр. 1148

مولد موسى ﵇ وترعرعه في قصر فرعون إن القبط الذين كانوا يستخدمون بني إسرائيل شكوا إلى فرعون قلة بني إسرائيل بسبب قتل ولدانهم الذكور, وخشي أن تتنفانى الكبار مع قتل الصغار فيصيرون هم الذين يقومون بما كان يقوم به بنو إسرائيل من الخدمة, فأمر فرعون بقتل الأبناء عاماً وأن يتركوا عاماً, فذكروا أن هارون ﵇ ولد في العام الذي سمح فيه من القتل, وأن موسى ﵇ ولد في عام قتل الأبناء, ما أعظم حكمة الله! وما أجلَّ قدرة الله! ولد موسى ﵇ في العام الذي تقتل فيه الأبناء, فضاقت أمه به ذرعاً، فأوحى الله إليها إلهاماً ألا تخافي ولا تحزني؛ لأن هذا المولود سيكون له شأن عظيم, وسيحفظه الله الذي خلقه وأوجده من العدم, سيحفظه من كيد فرعون, ثم يجعله من المرسلين, وقذف في قلب أم موسى السكينة وأمرها أن ترضعه حتى إذا خافت عليه تصنع له تابوتاً من خشب ثم تضعه فيه وتلقيه في البحر, وقد جعلت في التابوت حبلاً إذا جاءها أحدٌ أرسلت موسى الذي هو في التابوت في البحر, فإذا ذهبوا استرجعته إليها. وتأتي الحكمة الإلهية والقدرة الربانية, فتأخذ التابوت بما فيه وتلقيه في دار فرعون, فتأخذه الجواري فلم يتجاسرن على فتحه حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون آسية بنت مزاحم ﵂, فلما فتحت التابوت وكشفت الحجاب, رأت في التابوت وجهاً يتلالأ بتلك الأنوار النبوية, فلما رأته ووقع نظرها عليه أحبته حباً شديداً جداً, وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه:٣٩]. فلما جاء فرعون قال: ما هذا؟ وأمر بذبحه, فاستوهبته آسية ﵂ وقالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص:٩] , فقال لها فرعون المحروم المطرود من رحمة الله: قرة عينٍ لك أما لي فلا حاجة لي فيه, قال بعض العلماء: لو قال قرة عين لي لهداه الله به كما هدى آسية ﵂, ولكن رفض ذلك فلم يسعد بل بقي شقيا. وأخذت آسية زوجة فرعون تبحث لموسى عن مرضعة, واشتد به الجوع واشتد به البكاء وهو لا يقبل ثدي أحد, لأن الله قال: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص:١٢] فهو لا يقبل ثدي أحدٍ من المرضعات, حتى خشيت عليه امرأة فرعون من الهلاك. ورأت أخت موسى ذلك وهي ترقبه من بعد, فجاءت إلى آسية وعرضت عليها أن تأتي لها بامرأة مرضعة أمينة ناصحة تتعهد هذا الرضيع مقابل أجرٍ لها, فقالت لها امرأة فرعون: ائتيني بها فإن أخذ ثديها أكرمتها بأنواع من الإكرام. فانطلقت أخت موسى حتى جاءت إلى أمه فأخبرتها الخبر, فأتت أمه فلما رأته كادت أن تقول: هذا ابني لولا أن الله ثبتها حتى لا يشعر آل فرعون بهذه؛ لأنها أمه، فلما وضعته في حجرها التقم ثديها وأخذ يرضع حتى ارتوى, ففرحت آسية فرحاً عظيماً, وطلبت منها أن تمكث في القصر عندها لترضع لها هذا الغلام, ووعدتها بالإعطاء والإكرام, قالت لها أم موسى: إن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب إلى بيتي وأتعهده بالعطف والرعاية, كما أتعهد ولدي، وأنا لا أستطيع أن أدع بيتي وأولادي من أجل هذا الغلام. فرضيت آسية أن تدفعه لها على أن تأتي به في كل فترة لتراه ثم تعيده لها, وهكذا حقق الله وعده فرد موسى إلى أمه لترضعه وهي آمنة مطمئنة بعدما كانت تضعه في التابوت وتخبيه في البحر خوفاً من فرعون صار يأكل ويصرف عليه من بيت فرعون, وأمه آمنة مطمئنة ولله في ذلك حكمة, قال الله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص:١٠ - ١٢] صدق الله العظيم، لا يوجد أنصح من الأم لابنها: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:١٣] رضع موسى من أمه وتعطى الأجر على رضاع ولدها, ولله في ذلك حكمة.

стр. 1149

قتل موسى للقبطي وهروبه إلى مدين شب موسى ﵇ في بيت فرعون وعاش فيهم معززاً مكرماً حتى إذا بلغ أشده دخل ذات يوم من الأيام المدينة، وبينما هو يتجول في طرقها إذ هو برجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل والآخر قبطي من آل فرعون وقد اعتدى القبطي على الإسرائيلي، فلما مر موسى استغاثه الإسرائيلي ليخلصه من شر ذلك القبطي، فأقبل نحوه موسى فوكزه أي: ضربه بجمع يده فقضى عليه, وخر القبطي على الأرض ميتاً, ولم يرد موسى قتله ﵇, إنما أراد إبعاده فكانت القاضية. فحزن موسى على قتله, وندم على ما حدث, وتنحى يستغفر الله ويطلب من الله الرحمة والرضوان, فلما قتله أصبح في المدينة خائفاً يترقب الأخبار, فأخبر فرعون بالخبر، فأمر جنده أن يبحثوا عن موسى ويأتوه به ليقتله حتى لا يتجرأ بنو إسرائيل على قتل أحد, فذهبوا يفتشون في طرقات المدينة عن موسى. وجاء رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه فأخبر موسى الخبر, وأمره أن يخرج من أرض مصر؛ لأن الجنود يبحثون عنه يريدون قتله, فتوجه موسى إلى أرض مدين ودعا ربه أن يهديه الطريق وينجيه من شر فرعون, وبقي يمشي حتى وصل إلى مدين، قال ابن عباس ﵄ حبر هذه الأمة وترجمان القرآن ابن عم الرسول ﷺ : خرج موسى من مصر إلى مدين وبينهما مسيرة ثماني ليال, لم يأكل إلا البقل وورق الشجر, وكان حافيا فسقطت نعلا قدميه من الحفاء, وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه, وإن بطنه لاصق بظهره من الجوع, وإنه لمحتاج إلى شق تمرة, وبينما هو جالس للاستراحة أبصر امرأتين ترعيان الأغنام تريدان سقاية أغنامهما من تلك البئر الكبيرة؛ لأن القوم إذا سقوا الأغنام جعلوا عليها حجراً لا يزلزله عشرات الرجال, ولكن لما رأى موسى ﵇ ضعف هاتين المرأتين عليه أقبل إلى تلك المرأتين، ونزع تلك الحجر من البئر وسقى لأغنام تلك المرأتين, فعجبتا تلك المرأتان من صنع هذا الرجل الذي أعطاه الله القوة, فلما رجعت المرأتان إلى أبيهما أخبرتاه بخبر هذا الرجل, وطلبتا منه أن يكرمه على هذا الصنيع الجميل, وأن يستأجره لرعاية الغنم فأرسل واحدة منهن لتدعوه إلى أبيها, فجاءته وهي تمشي على استحياء فقالت له: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا, وإنما صرحت له بهذه لئلا يوهم كلامها الريبة, وهذا من تمام ذكائها وعفتها وصيانتها, فلما جاءه وقص عليه القصص, قال له شعيب: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢٥] وزوجه ابنته وهو يرعى الغنم, حتى أتم المدة وهي عشر سنين، كما ورد في الأثر عن رسول الله ﷺ . والحكمة في رعاية الغنم من جهة الأنبياء والمرسلين هي أن يتعودوا على السكينة والتواضع, وليكون ذلك مقدمة لسياسة الأمة وقيادتها, كما يقود الراعي غنمه, وهكذا الأنبياء الكرام انتقلوا من رعاية الغنم إلى قيادة الأمم, صلوات الله وسلامه عليهم. وبعد أن قضى موسى الأجل الذي بينه وبين شعيب عزم على الرجوع إلى أرض مصر مع أهله, وبينما هو في الطريق في ليلة مظلمة باردة, تاه في الطريق, فبينما هو كذلك إذ آنس من جانب الطور ناراً, فلما وصل قريباً من جبل الطور رأى نوراً عظيماً ممتداً من عنان السماء إلى شجرة عظيمة هناك, فتحير موسى وارتعدت فرائصه, فسمع خطاب الله جلَّ وعلا يأمره أن يخلع نعليه ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ [طه:١٢] ثم يدخل ذلك الوادي المقدس حتى يقترب من جبل الطور؛ فإن الله سيكلمه وسيجعله رسولاً يرسله إلى فرعون, ليبلغه رسالة الله جلَّ وعلا, يقول الله جلَّ وعلا: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ [طه:٩ - ١٤] لما تلاها عمر بن الخطاب دخل الإيمان في قلبه, ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤]. وللقصة بقية في الخطبة الأخيرة إن شاء الله. وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1150

دعوة موسى ﵇ لفرعون إلى عبادة الله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله , يقول الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى * فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [النازعات:١٥ - ٢٥]. نعم. يا عباد الله! إن موسى ﵇ دعا فرعون إلى توحيد الله , فقال فرعون منكراً وجاحداً: وما رب العالمين؟ فأجاب موسى ﵇ ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء:٢٤] فأنكر فرعون رب العالمين, فأنكر فرعون الرب العظيم الذي قامت بأمره السماوات والأرض وما فيهن, وما بينهما من الآيات العظيمة, والمخلوقات الكثيرة, ثم قال فرعون ساخراً ومستهزئاً بموسى: ألا تستمعون؟ فذكَّره موسى ﵇ بأصله وأنه مخلوق من العدم وصائرٌ إلى العدم كما صار آباؤه الأولون, فحينئذٍ بهت فرعون فادعى دعوى المكابرة فقال: إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون. فأخبره موسى بأمر الله , وبين له أن الجنون إنما هو إنكار الخالق العظيم رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون. فلما عجز فرعون عن رد الحق لجأ إلى ما يلجأ إليه العاجزون المتكبرون, لجأ إلى الإرهاب فتوعد موسى ﵇ بالسجن فقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء:٢٩] فما أثرَّ ذلك بموسى, ولا تزعزع ولا رجع, بل بادر إلى الدعوة بعزيمة وجد وذلك بعون من الله جل وعلا, ولا يزال يأتي بالآيات الواضحات البينات وفرعون يحاول بكل مجهوداته أن يقضي عليها بالرد والطمس, حتى قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١] وقال أيضاً: أنا ربكم الأعلى, قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤].

стр. 1151

خروج موسى ﵇ وقومه إلى الشام فلما أطاعوه وتمادوا في كفرهم وطغيانهم أوحى الله تعالى إلى موسى أن يخرج بالمسلمين من أرض مصر ليلاً, فخرج بهم فساروا مستمرين قاصدين بلاد الشام فلما علم فرعون بذهابهم غضب عليهم غضباً شديداً, وجمع جيشه وجنوده ليلحقهم ويمحقهم, فأخرجه الله من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم, ليجعلها ربنا جلَّ وعلا لموسى وقومه من بعد فرعون وقومه. فركب فرعون في جنوده طالباً موسى وقومه, فأدركهم عند شروق الشمس, قريباً من البحر, وتراءى الجمعان ولم يبق إلا المقاتلة، فعند ذلك قال أصحاب موسى: إنا لمدركون, ذلك لأنهم انتهوا في طريقهم إلى البحر فليس لهم طريق ولا محيد إلا سلوك البحر وخوضه, وهذا ما لا يستطيعه أحد, والجبال عن يسرتهم وعن أيمانهم، وهي شاهقة رفيعة، وفرعون قد غالقهم وسدَّ عليهم طريق الرجعة بجيوشه وجنوده, وقد عرفوا منه البطش والفتك فشكوا إلى نبي الله موسى ﵇, وقالوا: إنا لمدركون. فقال موسى ﵇ -الواثق بوعد الله الذي لا يخلف الميعاد-: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] فأوحى الله إلى موسى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء:٦٣] فتقدم صلوات الله وسلامه عليه إلى البحر, وهو يتلاطم بأمواجه, فلما ضربه انفلق وانفتح اثنتي عشرة طريقاً يابسة, لا وحل فيها, وصار الماء السيال بين هذه الطرق كأطواد الجبال. الله أكبر لا إله إلا الله, اللهم إنا نسألك إيماناً دائماً كاملاً, يباشر قلوبنا ويقيناً صادقاً. فانحدر موسى هو وجنوده في هذه الطرق اليابسة التي كانت بحراً يتلاطم, وصارت بقدرة الله طرقاً يابسة فانحدر فيها موسى وقومه مسرعين مستبشرين مبادرين, ودخل فرعون وجنوده في أثرهم، فلما جاوز موسى وقومه وخرج آخرهم من البحر وتكامل فرعون وقومه في داخل البحر أطبقه الله عليهم, وعاد إلى حالته الأولى, مياه وأمواج فأغرقهم أجمعين, أجسامهم إلى الغرق, وأرواحهم إلى الحرق, ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ [غافر:٤٦]. فانظروا رحمكم الله إلى هذا الحدث العظيم, والنصر المبين الذي ظهر فيه الحق على الباطل في اليوم العاشر من المحرم, فقد روى البخاري ﵀ في صحيحه عن ابن عباس ﵁ قال: قدم النبي ﷺ المدينة واليهود تصوم عاشوراء, فقال: ﴿ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون, قال النبي محمد ﷺ لأصحابه: أنتم أحق بموسى منهم فصوموا﴾ فيستحب صيام اليوم العاشر شكراً لله تعالى فقد صامه موسى ﵇ شكراً لله, وصامه محمد ﷺ وأمر بصيامه, وقال في فضله ﷺ : ﴿أحتسب على الله صيام اليوم العاشر أن يكفر السنة التي قبله﴾. وينبغي للمسلم أن يصوم اليوم الذي قبله لتحصل مخالفة اليهود بذلك, فقد قال النبي ﷺ : ﴿لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع﴾ فصوموا اليوم التاسع والعاشر, أو العاشر والحادي عشر. واعلموا أن الخير كل الخير في اتباع كتاب الله وسنة رسول الله, قال ﷺ : ﴿أصدق الحديث كلام الله, وخير الهدي هدي محمد ﷺ , وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة﴾. عباد الله: صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أعز الإسلام والمسلمين, اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل, اللهم أذل الشرك والمشركين, اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين, كما دمرت فرعون وقومه يا رب العالمين, اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين, كما دمرت فرعون وقومه يا رب العالمين, اللهم نصرك المبين لعبادك المؤمنين الموحدين المجاهدين منهم والقاعدين, اللهم انصرنا وانصر المجاهدين في سبيلك أجمعين الذين يريدون إعلاء كلمة الله, إنك على كل شيء قدير. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولوالد والدينا ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات, الأحياء منهم والأموات, برحمتك يا أرحم الراحمين, اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى, وصفاتك العليا أن تصلحنا وتصلح ولاة أمورنا, وتصلح أولادنا وأزواجنا وجميع إخواننا المسلمين, في مشارق الأرض ومغاربها, اللهم وحد صفوف المسلمين, واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين, واجعلنا جميعاً هداة مهتدين آمرين بالمعروف فاعلين له, ناهين عن المنكر مجتنبين له إنك على كل شيء قدير. اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عنا وعن جميع المسلمين يا رب العالمين, اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم أغث قلوبنا بالإيمان, اللهم اجعلنا لا نتوكل إلا عليك, ولا نستعين إلا بك, اللهم ولا نستهدي إلا أنت, ولا نسترزق إلا أنت, يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام, اللهم انصرنا ولا تنصر علينا, اللهم آثرنا ولا تؤثر علينا, اللهم كن لنا ولا تكن علينا, اللهم امكر لنا ولا تمكر علينا. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار, واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1152

لا إله إلا الله خلق الله عباده ليعبدوه وحده، ويفردوه بالمحبة والتعظيم والتذلل والخضوع والانقياد، وهو ما تضمنته كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، فمن أجلها أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، وانقسم الناس إلى مؤمنين وكفار؛ فريق في الجنة وفريق في السعير.

стр. 1153

شأن التوحيد ومكانته الحمد لله رب العالمين, الرحمن الرحيم, مالك يوم الدين, الذي شهدت له بالربوبية جميع مخلوقاته, وأقرت له بالألوهية جميع مصنوعاته, وشهدت بأنه الله الذي لا إله إلا هو, لما أودعها من عجيب صنعته, وبديع آياته, وسبحان الله وبحمده عدد خلقه, ورضا نفسه, وزنة عرشه, ومداد كلماته, ولا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته, كما لا شريك له في ربوبيته, ولا شبيه له في ذاته, ولا في أفعاله ولا في صفاته, والله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً. وسبحان من سبحت له السماوات وأملاكها, والنجوم وأفلاكها, والأرض وسكانها, والبحار وحيتانها, والجبال والشجر والدواب والرمال, وكل رطب ويابس, وكل حي وميت، لا إله إلا الله ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, كلمة قامت بها الأرض والسماوات, وخلقت لأجلها جميع المخلوقات، وبها أرسل الله تعالى رسله, وأنزل كتبه, وشرع شرائعه, ولأجلها نصبت الموازين، ووضعت الدواوين. لا إله إلا الله، لأجلها قام سوق الجنة والنار, ولا إله إلا الله، بها انقسمت الخليقة إلى المؤمنين والكفار, تلكم شهادة أن لا إله إلا الله. وهي منشأ الخلق والأمر والثواب والعقاب, وهي الحق الذي خلقت له الخليقة, وعن حقوق: لا إله إلا الله، ويكون السؤال والحساب يوم لا ينفع مال ولا بنون، وعن لا إله إلا الله يكون الحساب والثواب, وعليها يقع الثواب والعقاب, ولا إله إلا الله عليها نصبت القبلة, ولا إله إلا الله عليها أسست الملة, ولا إله إلا الله لأجلها جردت سيوف الجهاد, إنها كلمة لا إله إلا الله؛ حق الله على جميع العباد. فهي كلمة الإسلام ومفتاح دار السلام, وعن شهادة أن لا إله إلا الله يسأل الأولون والآخرون؛ فلا تزول قدم العبد بين يدي الله حتى يسأل عن مسألتين: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فجواب الأولى: بتحقيق لا إله إلا الله؛ معرفةً وإقراراً وعملاً, وجواب الثانية: تحقيق أن محمداً رسول الله؛ معرفةً وإقراراً وانقياداً وطاعة. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وأمينه على وحيه, وخيرته من خلقه, وسفيره بينه وبين عباده، المبعوث بالدين القويم, والمنهج المستقيم, أرسله الله رحمة للعالمين وإماماً للمتقين, وحجة على الخلائق أجمعين, أرسله على حين فترة من الرسل، فهدى به إلى أعظم الطرق وأوضح السبل, وافترض على العباد طاعته وتعزيره، وتوقيره ومحبته, والقيام بحقوقه, وسدّ ربُّ العزة والجلال دون جنته الطريق، فلن تفتح لأحد إلا من طريقه ﷺ -بعد الشفاعة الكبرى التي يتبرأ منها أولو العزم من الرسل- اللهم فصلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعد:

стр. 1154

حقيقة التوحيد ومعناه أيها الناس! اتقوا الله , واعبدوه مخلصين له الدين.

стр. 1155

معنى لا إله إلا الله عباد الله: حققوا التوحيد, واعرفوا معنى: لا إله إلا الله, واعرفوا ما لها من شروط وأركان, وما دلت عليه من إفراد الله بالعبادة, والعبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه. والله جلَّ وعلا ما خلق الخلق إلا ليعبدوه؛ قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨].

стр. 1156

معنى شهادة أن محمداً رسول الله ثم اعرفوا معنى شهادة: أن محمداً رسول الله ﷺ , فمعناها: طاعته فيما أمر, وتصديقه فيما أخبر, وألا يعبد الله إلا بما شرعه ﷺ , وأن يجتنب كل ما نهى عنه وزجر, فرسول الله ﷺ عبد لا يُعبد، ورسول لا يُكذب, بل يطاع ويتَّبع, شرَّفه الله بالعبودية الخاصة، والرسالة العامة إلى جميع الثقلين؛ من الجن والإنس قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] فهذا رسول الله ﷺ الذي بُعث بالحنيفية السمحة، وختم الله به الرسالات، وجعلت أمته خير أمة أخرجت للناس, فجزاه الله عن أمته خير ما جزى به رسولاً عن أمته. لقد أوضح لنا الدليل, وأنار السبيل, ونصح لأمته، وتركها على المحجة البيضاء؛ ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك, بلَّغ رسالة ربِّه صلوات الله وسلامه عليه. فواجب ثم واجب ثم واجب على كل مسلم يؤمن بالله ورسوله أن يحب رسول الله ﷺ أشد حباً من نفسه, وولده, ووالده, ومن الناس أجمعين، وقد أقسم النبي ﷺ أنه لا يؤمن عبد حتى يكون هو أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين, ولما قال الفاروق عمر بن الخطاب ﵁: ﴿لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي, قال ﷺ : لا حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر ﵁: أنت أحب إليّ من كل شيء حتى من نفسي، قال: الآن يا عمر﴾. وإذا كان النبي ﷺ أولى بنا من أنفسنا في المحبة ولوازمها, فإنه يتحتم على من أراد الفلاح والسعادة والهداية في الدنيا والآخرة، أن يتبع هدي هذا الرسول النبي الأمي؛ الذي نوه الله بذكره في جميع الكتب المنزلة, وبشرت به جميع الأنبياء، وأمر الله باتباعه في محكم البيان؛ قال جلَّ وعلا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨].

стр. 1157

دعوة الرسول إلى محبة الله أمة الإسلام: اتبعوا هذا الرسول النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه, وأطيعوه فيما دعاكم إليه, فقد دعاكم إلى توحيد الله جلَّ وعلا, ودعاكم إلى إفراد الله بالعبادة, ودعاكم إلى محبة الله تعالى, فوالله ثم والله إن أنفع المحبة على الإطلاق وأوجبها، وأعلاها وأجلها محبة الله الذي جبلت القلوب على محبته, وفطرت الخليقة على تأليهه؛ فإن الإله هو الذي تألهه القلوب بالمحبة والإجلال, والتعظيم والذل, والخضوع, والتعبد والعبادة, ولا تصلح كل هذه إلا له وحده لا شريك له, فهو الرب المتفرد بالخلق والرزق والتدبير, وهو الذي يحي ويميت, ويُعز ويذل, ويعطي ويمنع, وينفع ويضر, ويعافي ويبتلي, ويقبض ويبسط, وهو الذي رحمته وسعت كل شيء, وإحسانه عم جميع خلقه, بَرَّهم وفاجرهم، ناطقهم وبهيمهم, فهو الله القادر؛ الذي يجيب الدعوات, ويكشف الكربات, ويغيث اللهفات, ويفرج الكربات من غير حاجة إلى عباده, بل هو الغني الحميد. فكيف -يا عباد الله- لا يحب العبد بكل قلبه وجوارحه من يديم عليه النعم, بعدد الأنفاس, فالله يدر عليه النعم, والصحة والعافية بعدد الأنفاس، ومع ذلك العبد يسيء ويقصر, فخير الله إليه نازل وشره إليه صاعد, يتحبب إليه ربه بالنعم, وهو غني عنه, والعبد يتبغض إليه بالمعاصي, وهو فقير إليه, فلا إله إلا الله. فلا إله إلا الله أجود الأجودين, وأكرم الأكرمين, أعطى عبده قبل أن يسأله فوق ما يؤمله, يشكر القليل من العمل وينميه, ويغفر الكثير من الزلل ويمحوه, لا إله إلا الله: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] لا يشغله سمع عن سمع, ولا يضجر بكثرة المسائل, ولا يتبرم بإلحاح الملحين, بل يحب الملحين في الدعاء, قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥] وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] فهو يحب أن يُسأل, ويغضب إذا لم يُسأل, فهو الذي ينزل ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: ﴿من يدعوني فأستجيب له, من يسألني فأعطيه, من يستغفرني فأغفر له﴾ فلك الحمد -يا رب العالمين- فقد جبلت قلوب المؤمنين على محبتك, اللهم اجعلنا مؤمنين بك يا رب العالمين. عباد الله: كيف لا تحب القلوب من لا يأتي بالحسنات إلا هو؟ ولا يذهب بالسيئات إلا هو؟ ولا يجيب الدعوات, ويقيل العثرات, ويغفر الخطيئات, ويستر العورات, ويكشف الكربات, ويغيث اللهفات, وينيل الطلبات إلا هو ؟ فهو أحق من ذكر, وأحق من شكر, وأحق من عبد, وأحق من حمد, وأرأف من ملك, وأعز من التُجئ إليه, ورب العزة والجلال أرحم من استرحم, أرحم بعبده من الوالدة بولدها, وهو الذي أخبر عنه رسوله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ أنه قال: ﴿يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا, يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم, يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم, يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم, يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم, يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني, ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني, يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم, ما زاد ذلك في ملكي شيئاً, يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً, يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر, يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم, ثم أوفيكم إياها, فمن وجد خيراً فليحمد الله, ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه﴾ رواه مسلم. اللهم ارزقنا حق معرفتك, وأذقنا حلاوة الإيمان بك وبملائكتك وكتبك ورسلك, وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره. وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1158

الإخلاص شرط لقبول الأعمال إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد؛ الذي بلغ البلاغ المبين, فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: تعرفوا إلى الله , وأخلصوا له الأعمال, قال رسول الله ﷺ : ﴿قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك, من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه﴾ رواه مسلم , فأخلصوا لله الأعمال, واطلبوا ثوابها من الله جلَّ وعلا فإنه الكريم. عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً قال: ﴿يمين الله ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار, أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه, والقسط بيده الأخرى يرفع ويخفض﴾ رواه البخاري ومسلم , وقال أبو موسى ﵁: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: ﴿إن الله تعالى لا ينام, ولا ينبغي له أن ينام, يخفض القسط ويرفعه, يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار, وعمل النهار قبل عمل الليل, حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه﴾ رواه مسلم. عباد الله: تعرفوا إلى الله في الرخاء يعرفكم في الشدة.

стр. 1159

سعة رحمة الله عباد الله: توبوا إلى الله , والتجئوا إليه, وأقلعوا من جميع المعاصي فهو يحب التوابين, وهو أشد فرحاً بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة, إذا يئس من الحياة ثم وجدها, ويقول رسول الله ﷺ في الحث على التوبة: ﴿إن الله جلَّ وعلا يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار, ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل, حتى تطلع الشمس من مغربها﴾ رواه مسلم , ويقول رسول الله ﷺ : ﴿لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي﴾ رواه البخاري , وقال رسول الله ﷺ : ﴿الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله, والنار مثل ذلك﴾ رواه البخاري , فتعرفوا إلى ربكم -يا عباد الله- وتقربوا إليه بصالح الأعمال, واحذروا السيئات قبل أن يفاجئكم هادم اللذات, قبل أن تغتنمكم المنية، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا, وتأهبوا للعرض الأكبر على الله فقد قال سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]. عباد الله: إن أصدق الحديث كتاب الله, وخير الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة. عباد الله: صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] , ويقول ﷺ : ﴿من صلّى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد, وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين, وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين, اللهم يا قريب مجيب لمن دعاك اللهم أعز الإسلام والمسلمين, اللهم أذل الشرك والمشركين, اللهم دمّر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين, اللهم اشدد وطأتك على أعداء الإسلام والمسلمين, اللهم انصر المجاهدين في سبيلك من المسلمين, اللهم سدد خطاهم, اللهم اجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين, اللهم وحد صفوفهم, اللهم سدد رميهم, اللهم الطف بنا وبهم يا رب العالمين, اللهم أنت أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين وأجود الأجودين لا إله إلا أنت ولا رب لنا سواك. اللهم وفق جميع ولاة أمور المسلمين بالحكم لكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ , اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين يا رب العالمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا, اللهم وفقنا وإياهم لما تحبه وترضاه, وجنبنا وإياهم ما تبغضه وتأباه. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.

стр. 1160

ليس في الدين قشور انتشرت عند كثير من الناس فكرة أن في هذا الدين قشوراً وأن فيه لباً. مع أن الدين كله لب، ولا يوجد فيه قشور. وفي هذا الدرس تحذير من تساهل كثير من المسلمين في حلق اللحية، وإسبال الإزار وتذكير بما جاء في ذلك من نصوص شرعية ليس للمسلم إزاءها إلا السمع والطاعة.
следующие страницы →