← Джавами‘

Джавами‘ · id 37003

دروس للشيخ عبد الله حماد الرسي

عبد الله حماد الرسي

Полный текст (1 664 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

قتيل بني إسرائيل وأمر الله بذبح البقرة القصة الثانية: في شأن القتيل من بني إسرائيل لما قتله ابن عمه؛ لأجل أخذ ماله، فاتهموا به قبيلة أخرى، لأن القاتل قتله، ثم سحبه وجعله في قبيلة أخرى حتى تتهم في قتله، وخاصموا تلك القبيلة وهي لم تقتله، إلى من رجعوا؟ رجعوا إلى موسى ﵇ فأمرهم موسى بوحي من الله تعالى أن يذبحوا بقرة، ويضربوا القتيل بجزء منها، أخذوا لحمة من البقرة بعد التعنت والمراجعات وما كادوا يفعلون، أخذوا ذلك الجزء وضربوا الميت بهذا الجزء من البقرة؛ فأحياه الله تعالى القادر على كل شيء، فلما أحياه الله أخبر أن قاتله هو ابن عمه، فتلكم من آيات الله العظام لمن تدبر القرآن وعرف معانيه.

стр. 1227

القرية التي أماتها الله ثم أحياها القصة الثالثة: في قوم نزل في ديارهم وباء، فخرجوا من ديارهم وهم ألوف حذراً من الموت، هاربين من أمر الله تعالى، فأراهم الله تعالى أنه لا مفر من قدرته، فأماتهم ليعلم العباد قوة سلطانه ونفوذ قدرته، ثم أحياهم ليستكملوا آجالهم، وفي ذلك تعليم لهذه الأمة حتى لا تتطير ولا تفر من أقدار الله، بل تصبر وتحتسب الأجر من الله.

стр. 1228

الرجل الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه القصة الرابعة: في رجل مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وتهدم بناؤها، ويبست أشجارها، فاستبعد هذا الرجل أن تعود كما كانت عليه من العمران والسكان، فأراه الله تعالى آية في نفسه تدل على قدرة الله تعالى، فأماته الله مائة سنة، وكان معه حمار وطعام وشراب، فمات الحمار، وتمزقت أوصاله، ولاحت عظامه، وبقي الطعام والشراب لم يتغير واحد منهما بنقص ولا بتغير طعم ولا لون ولا رائحة، مكث مدة مائة سنة والشمس تصهره والرياح تتعاقب عليه، بعد هذه المدة مائة سنة بعث الله تعالى ذلك الرجل، وأراه طعامه وشرابه لم يتغير مع طول هذه المدة، وأراه الحمار، فنظر إلى عظامه المتفرقة في الأرض يركب بعضها بعضاً، كل عظم في محله ويكسوه الله تعالى لحماً، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩]. تلك من أنباء الغيب، تلك من أنباء رب العالمين، قصها في هذا القرآن العظيم على سيد البشر محمد صلوات الله وسلامه عليه؛ لتزداد الأمة المحمدية إيماناً بالله العظيم، الذي له القدرة التامة على كل شيء.

стр. 1229

إبراهيم ﵇ حين سأل الله أن يريه كيف يحي الموتى القصة الخامسة: في إبراهيم ﵇ حين سأل الله أن يريه كيف يحي الموتى، فأمره الله تعالى أن يأخذ أربعة من الطير فيقطِّعهن ويخلطهن بلحمهن وعظمهن، ثم يفرقها على الجبال التي حوله، ويجعل على كل جبل جزءاً من هذه الطيور التي اختلط لحمها بعظمها، ثم يناديهن، ففعل إبراهيم ﵇ فناداهن، فعند ذلك التأمت تلك الأجزاء المتفرقة على الجبال بعضها على بعض، وأتين إلى إبراهيم مشياً لا طيراناً. وفي هذا يقول رب العالمين ﷻ وتقدست أسماؤه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠]. أمة الإسلام: هذه نماذج من إحياء الله تعالى للموتى في الدنيا، وهي تدل على البعث والنشور يوم القيامة، وما أهون ذلك على الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨] ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٥٣] فسبحانه من إله عليم قادر! زجرة واحدة يخرج بها الناس أحياءً من قبورهم ذكوراً وإناثاً كباراً وصغاراً لا يتخلف منهم أحدٌ في مثل لمح البصر أو أقرب ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ [فاطر:٤٤]. اللهم ارزقنا التفكر في آياتك، اللهم ارزقنا الرجوع إلى القرآن العظيم لِنَحكُم به، ونُحكِّمه، ولنرى ما فيه من العجائب مخلوقاتك، اللهم ارزقنا التفكر في آياتك وارزقنا الاتعاظ بذلك، وارزقنا الانتفاع بما أنزلت من وحيك وما قدَّرته من قضائك، اللهم اغفر لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1230

الحث على قراءة القرآن وتدبره الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن:١٤ - ١٥] فسبحانه من إله خلق فسوى، وقدَّر فهدى، له الحمد في السماوات والأرض وله الكبرياء والعظمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صاحب الآيات والمعجزات التي بهرت العقول، ودلت على نبوته وصدق رسالته، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه الذين لم يترددوا في تصديقه واتباعه، اللهم ارحمنا رحمة توقظ بها قلوبنا حتى نسلك سبيلهم يا رب العالمين. أما بعد: يا عباد الله: اتقوا الله وتدبروا آيات القرآن العظيم، التي فيها من الأخبار ما يملأ القلوب من الإيمان والتصديق وزيادة المعرفة بالله العظيم، ولا تشغلوا أنفسكم بما يضركم في الآخرة والأولى، فإن الإكباب على المجلات والجرائد والقصص المختلقة، إنما هي دسائس من أعداء الإسلام وأعوان الشيطان؛ ليصدوكم بها عن تلاوة كتاب الله وذكره والتفكر في مخلوقاته، وعن التفكر في آيات الله الدالة على وحدانيته وصمدانيته وإلهيته وربوبيته. فالرجوع الرجوع -يا عباد الله- إلى الدستور العظيم، الرجوع إلى المنهج القويم، الرجوع إلى الينبوع الصافي وإلى حبل الله المتين، وصراطه المستقيم، وكتاب الله العظيم الذي من حكم به عدل، ومن تمسك به نجا، ومن دعا به فقد هُدِيَ إلى صراط مستقيم، ومن تركه تكبراً وتجبراً قصمه الله العزيز الحكيم. في تلاوة القرآن الأجر العظيم، من قرأ حرفاً من كتاب الله فله بها عشر حسنات، فيا له من خير فضيل! لو كانت القلوب تعقل فهو أصدق الكلام وأفصح البيان، وخير الهدي هدي محمد رسول الله ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، عليكم بجماعة المسلمين؛ فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار. وصلوا على خير خلق الله محمد ﷺ ، امتثالاً لأمر الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلَّى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد، اللهم صلِّ وسلم على قدوتنا ونبينا محمد، اللهم صلِّ وسلم على خير عبادك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة، اللهم ارزقنا التمسك بكتابك والرجوع إليه وتحكيمه في القليل والكثير يا رب العالمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم رد المسلمين إلى مجدهم القويم يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا وأئمة وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها، ووفقنا وإياهم لما تحبه وترضاه، وجنبنا وإياهم ما تبغضه وتأباه، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلنا وإياهم هداةً مهتدين، اللهم اكفنا شر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين من اليهود والنصارى والشيوعيين، اللهم اكفنا شرهم بما تشاء إنك على ذلك قدير. اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عنا وعن جميع المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 1231

مواعظ قرآنية إن كتاب الله لم ينزل لأن يتخذ زينة في البيوت والرفوف، وإنما أنزله الله لقراءته والتعبد بتلاوته وتدبره، ففيه مواعظ وعبر لهذه الأمة. وفي هذا الدرس بعض المواعظ من أخبار الأمم السابقة وما أنزل الله بها من عذاب ونكال، وحذر من مصاحبة أهل الشر والفساد؛ حتى لا يصاب الإنسان بسخط الله ومقته عليه.

стр. 1232

التحذير من الفواحش والمنكرات الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلِّم تسليماً كثيراً أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله ، وابتعدوا عن المعاصي ظاهرها وباطنها. وأذكركم وأقول لكم: أكثروا من الحمد والثناء على الله جلَّ وعلا الذي جعلكم من خير أمة أخرجت للناس، فلا تدنسوا أنفسكم بالذنوب والمعاصي، اشكروا الله تعالى على أكبر نعمة أنعم بها عليكم، وهي نعمة الإسلام والإيمان. أيها الإخوة في الله! لقد جاء محمد ﷺ بشريعة سمحة سهلة، فيها الخير والصلاح والسعادة والفلاح لمن تمسك بها، وقام بها خير قيام. أيها الإخوة في الله! كلنا نسمع ما في كتاب الله، والبعض يقرأ القرآن -ولله الحمد والمنة- فعلينا أن نقف عند مواعظه ونحرك بها القلوب. عباد الله: إذا تدبرنا كلام الله جلَّ وعلا وجدنا أنه يذكر لنا ما حصل للأمم مع الأنبياء والمرسلين الذين أرسلهم الله إليهم. فنوحٌ ﵇: أرسله الله إلى قومه، وهم يعبدون الأصنام والأوثان، فدعاهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً (٩٥٠ عاماً) يدعوهم إلى توحيد الله ، فأبوا عليه، فأغرقهم الله .

стр. 1233

اللواط وعقاب الله لمن قارفه وهذا لوط ﵇ بعثه الله إلى قومه، وهم قومٌ عُثاة، قومٌ أشر خلق الله، يدعوهم إلى التوحيد، ويحذرهم من فعل فاحشة لم يسبقهم إليها أحدٌ من العالمين، فاحشة شنيعة، ألا وهي جريمة قوم لوط، إنها الجريمة القبيحة التي تلبس بها كثير من الناس في هذا الزمان، إنها إتيان الذكور دون الإناث، فعلتها أمة لوط التي لم تُسبق لمثل هذه الفعلة، وهذه الجريمة الفظيعة، وكانوا يفعلونها علناً في نواديهم، ويذرون ما خلق الله لهم من أزواج، ولا يبالون بمن يمقتهم ويعتب عليهم، ولا يبالون بمن يشنع، وقد حذرهم لوط ﵇ من فعل هذه الفاحشة، وكان الجواب من أولئك الكفرة: ﴿أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل:٥٦] يقولون هذا ومقصودهم السخرية والتهكم بلوط ﵇، فلما أنذرهم بأس الله ونقمته لم يلتفتوا إلى ذلك، ولا أصغوا إليه، بل شكوا فيه، وتماروا به. وقد أرسل الله إلى لوط ﵇ ملائكة بصفة حسنة، جبريل وميكائيل وإسرافيل في صور شباب مُرد حِسان، محنة من الله واختباراً لقوم لوط، فأضافهم لوط ﵇ وهو خائف عليهم من قومه، ولكن زوجة السوء، العجوز الشريرة بعثت إلى قومها، فأعلمتهم بأضياف لوط ﵇، فأقبلوا يُهرعون إليه من كل مكان، يريدون أولئك الشباب المُرد الحِِسان، وأغلق لوط دونهم الباب، فجعلوا يحاولون كسر الباب -وذلك عشية- ولوط ﵇ يدافعهم ويمانعهم دون أضيافه، ويقول لهم: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الحجر:٧١] أي: نساءهم ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ [هود:٧٩] أي: ليس لنا فيهن إِِرَب (وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) [هود:٧٩]. فلما اشتد الحال، وأبوا إلا الدخول على لوط ﵇ خرج عليهم جبريل ﵇، فضرب أعينهم بطرف جناحه، فانطمست أعينهم، يُقال: إنها غارت من وجوههم، ويُقال: إنه لم تبقَ لهم عيون بالكلية، فرجعوا على أدبارهم يتحسسون بالحيطان، ويتوعدون لوطاً ﵇ إلى الصباح، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:٣٧]. أما لوط فقد جاءته الملائكة تأمره بالخروج من بين أظهر أولئك؛ لأن العذاب قد حان نزوله بهم، فخرج لوط ﵇ ومن معه آخر الليل، فنجا مما أصاب قومه، ولم يؤمن بلوط ﵇ من قومه أحد، ولا رجل واحد حتى امرأته أصابها ما أصابهم، فخرج هو وبناته من بين أظهرهم سالماً، عند ذلك حل بهم بأس الله جلَّ وعلا، وحق عليهم العذاب، وهو أن الله جلَّ وعلا أمر جبريل ﵇ أن يقتلع ديارهم بجناحه، ثم رفعها إلى عنان السماء، حتى سمعت الملائكة صياح الديكة، ونباح الكلاب، ثم قلبها عليهم، وأتبعهم حجارة من سجيل منضود، فتلكم هي قرية سدوم التي أصابها ما أصابها، من القلب الصوري والمعنوي، والقذف بالحجارة حتى صارت بحيرة منتنة خبيثة، بطريق مهيعٍ، مسلكه مستمرٌ إلى اليوم، وهو المعروف بـ البحر الميت، الذي لا يعيش فيه شيء، قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر:٧٣ - ٧٥] لماذا فعل الله بهم ذلك يا عباد الله؟ لأنهم كانوا يأتون الذكران من العالمين، يرتكبون الجريمة الشنعاء، الذكر يركب الذكر، استغنوا بذلك عن النساء وعما أحل الله لهم، أي جريمة أقبح من هذه الجريمة؟! ثم أتدرون لماذا ذكر الله لنا أخبارهم في كتابه العزيز، وعلى لسان رسوله الكريم ﷺ ، ذكرهم الله لنا لنعتبر بما أصابهم، ونحذر كل الحذر مما كانوا عليه من سوء الحال، وقبح الفعال. حقاً يا عباد الله! إن هذه الجريمة التي عملها قوم لوط جريمة بشعة؛ لما فيها من مخالفة العقل والدين، وما فيها من خطر ومرض وشر مستطير، وخزيٍ وعار. إنه في الحقيقة فعل تترفع عنه طباع الكلاب والبغال والحُُمُر، إنه ركوب الذكر على الذكر، إنها جريمة قوم لوط، ما ظهرت في أمة إلا ذلت وأخزيت وسُلب عزها، وإذا أراد الله جلَّ وعلا إهلاك قرية فسق فيها المترفون فاستحقت الخراب والدمار. فانتبهوا يا عباد الله وتناصحوا، واحذروا من هذه الجريمة البشعة، فقد حذر منها رسول الله ﷺ أشد التحذير، والله جلَّ وعلا قال: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣] لما ذكر عقوبة قوم لوط ذكر الله أن عقوبتهم ليست ببعيد ممن يفعل هذه الجريمة البشعة، هذه الجريمة الخبيثة، وهي ركوب الذكر على الذكر، يقول ﷺ : ﴿من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به﴾ الله أكبر يا عباد الله! إنها جريمة بشعة؛ لذلك أكثر الصحابة اتفق رأيهم على تحريق اللوطي؛ لأنه جرثومة خبيثة مفسد في الأرض؛ ولذلك -يا عباد الله- يقول ابن عباس ﵄: [[اللوطي إذا مات من غير توبة، فإنه يُمسخ في قبره خنزيراً]] والعياذ بالله، ثم يوم القيامة عندما يبعث الخلائق، عندما يقوم الناس لرب العالمين، ناهيك به من عار على وجه هذا اللوطي، الذي عمل جريمة اللواط، يُعرف بها يوم القيامة، عندما يُسحب إلى النار، ومن تاب تاب الله عليه.

стр. 1234

التحذير من الزنا ودواعيه ثم احذروا يا عباد الله -أيضاً- من جريمة أخرى، وهي جريمة الزنا، وهي التي قرنها الله جلَّ وعلا بالشرك، وقتل النفس في محكم البيان. جريمة الزنا حذرنا الله منها في محكم البيان، فهي في غاية من القُبح والفُحش، وهي عمل إجرامي خطير، وجرثومة فتاكة، ووباء شره مستطير، ما حل في أمة من الأمم إلا دهورها وأرداها إلى الحضيض. نعم. إنها جريمة الزنا، عارٌ في الدنيا، وعذاب في البرزخ، جريمة الزنا عذاب في النار في الآخرة، يقول الله تعالى في محكم البيان عن شناعة هذه الجريمة: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢]. عباد الله: لنتساءل: ما الذي يدعو إلى الوقوع في جريمة الزنا؟! إن من أسباب ودواعي الزنا: تبرج النساء بالأسواق وخروجهن متعطرات. ومن دواعي الزنا: اختلاط الرجال بالنساء بدون محرم، واسمعوا إلى هذا الأثر الذي ورد في بعض الأخبار: الزناة معلقون بفروجهم في النار، يُضربون بسياط من حديد، فإذا استغاثوا من الضرب نادتهم الزبانية: أين كان هذا الصوت وأنت تضحك، وتفرح وتمرح ولا تراقب الله، ولا تستحي من الله. عباد الله: الشريعة الإسلامية جاءت بأحكام صارمة على الزناة، وصدرت الأحكام الربانية على من ارتكب هذه الجرمية، وهي: إن كان بكراً ولم يتزوج فإنه يُجلد مائة جلدة، ويُغرب عن البلد، سواء بذلك الذكر أم الأنثى، وإن كان محصناً وإن كان قد طلق زوجته فإنه يُرجم بالحجارة حتى يموت، وكذلك المرأة إذا كانت ثيباً، وارتكبت جريمة الزنا فإنها تُرجم بالحجارة حتى تموت. من دواعي الزنا وهي كثيرة: مشاهدة الأفلام الخليعة، التي يوجد فيها النساء العاريات. ومن دواعي الزنا: استماع الأغاني الماجنات. ومن دواعي الزنا: قراءة القصص الغرامية، وقراءة المجلات السخيفة، التي تحمل صور النساء العاريات.

стр. 1235

انتشار الذنوب والمعاصي وغزو أعداء الله للمسلمين عباد الله: كم نسمع ما يحصل في هذه الأزمان، بل في هذه الأيام من أسباب الذنوب والمعاصي! فالكثير من الناس ابتعد عن تعاليم الإسلام، وآدابه وأخلاقه وأصبح يتلقى البدع والمحدثات، التي غُزي بها أهل الإسلام، مِن قِبَل أعدائهم، وأصبح بعض الناس يقلد الكفرة، حتى إن البعض من المسلمين -مع الأسف الشديد والحزن المرير- أصبح ينكر ويتنكر لدينه. أقول: إن البعض من المسلمين أصبح الآن يتنكر لدينه، وصار يسمي الدين الإسلامي رجعية وتزمتاً، وحتى آل الأمر بهم إلى محبة الكفار، وتفضيلهم على المسلمين، وهذا خطرٌ عظيم، وبعض من يدعي الإسلام لا يعترف بأركان الإسلام، إنما هو مسلم بالهوية -مع الأسف الشديد- كم نكرر هذه في الجُمع والأعياد؛ ولكن اللهم اشف مرض قلوبنا. نعم. يا أمة الإسلام! إن الكثير من المسلمين الآن يدعي الإسلام بالهوية، فكم تركوا الصلاة؟! وكم منعوا الزكاة؟! وكم أفطروا في رمضان؟! وكم استهزءوا بالركن الخامس من أركان الإسلام، وهو الحج إلى بيت الله الحرام، ومع ذلك هم يدعون الإسلام، ويُحسبون في عداد الإسلام والمسلمين. ومن الخطر الذي اجترف كثيراً من المسلمين، وهذه والله هي المصيبة العُظمى التي ما حل بالمسلمين أشد منها في هذه الأزمان المتأخرة، سواء صدرت من كبار السن أم من الشباب، وهو السفر إلى خارج البلاد، إلى بلاد الكفار، إلى بلاد الحرية والإباحية والهمجية، فمجرد ما يجلس بعض قرناء السوء مع بعض، فيشرحوا لهم تلك الأوضاع الخبيثة، وتلك السبل المتيسرة، من ارتكاب الزنا، واللواط، وشرب الخمور، وقضاء الوقت في المسارح، ثم يستميلونهم بتلك الأحاديث المسمومة، حتى إن بعضهم ينهمك في كثير من المعاصي والذنوب، ثم يرجع وقد حمل لبلاده من الأفكار الهدامة، والأمراض الاجتماعية، الحسية والمعنوية الكثير الكثير، هذا مع ما أضاع من الأموال، بل قد تجد بعض الذين فُتنوا بالسفر إلى الخارج، يحاربون الأخلاق الفاضلة, والآداب السامية، لماذا؟ الجواب يا أمة الإسلام: لأنهم عاشروا أناساً لا يبالون بأوامر الله، فتجد بعضهم انهمك في المسكرات، والمخدرات، وبعضهم ينتهك الأعراض، ويُقدم على الزنا، وبدون خوف من الله، الذي أوجده من العدم إلى الوجود، وأمده بالنعم، ومنحه القوة والصحة والعافية، ومع ذلك فرب العزة والجلال مطلع عليه، لا تخفى عليه منهم خافية، ثم يرجع من السفر بأفكار هدامة، وصور خليعة، صورٌ بشعة، صورٌ يستحي أن ينظر إليها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان مع الأسف الشديد. أمة الإسلام! ثم يأتي وقد استمع إلى الصراعات، وانطبعت في فكره افتراءات من أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، شنعوا عليه هذا الدين، وبغَّضوا إليه هذا الدين الإسلامي، وسموه تعقداً وتجمداً وتزمتاً، ثم يأتي وقد حمل تلك الأفكار، التي أملاها عليه أعداء الإسلام والمسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فأُحَذِّر الذين يسافرون إلى خارج البلاد ليرتكبوا جرائم الزنا أن لهم أمَّهات، ولهم أخوات، ولهم خالات وعمات وبنات، وإن كانوا متزوجين فلهم زوجات، فليحذروا إذا ركبوا الطائرة أن يقترفوا تلك المحرمات فإنهم يخلفهم أناس أقرب منهم في بلادهم ليفسدوا في نسائهم، فليأخذوا لذلك حذراً. وليتقوا الله ، وليتوبوا إلى الله قبل أن يقفوا يوم القيامة بين يدي جبار الأرض والسماوات، ثم يسألهم عن ذلك كله. اللهم إنا نسألك حسن الختام، اللهم إنا نسألك حسن الختام، اللهم إنا نسألك حسن الختام. ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨]. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ * وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢١ - ٢٢]. اللهم إن نعوذ بك من الشيطان، وأعوانه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1236

مضار مجالسة أهل السوء والفساد الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: احرصوا على مجالسة الصالحين وأهل الخير؛ فإنها تثمر في الدنيا والآخرة. واحذروا من مجالسة أهل السوء والفساد؛ فإن لها مضار في الدنيا والآخرة، نعم في الآخرة عندما تتقطع الصلات والأنساب، وتتلاشى المَوَدَّات وتذهب، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٦ - ١٦٧]. نعم. هكذا يحصل يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة، يتبرأ الرؤساء من الأتباع الذين اتبعوهم على الباطل في الدنيا، يتبرأون منهم حينما يرون العذاب، وتنقطع بينهم الروابط، وتزول المودات، وكذلك الأتباع، يتمنون لو أن لهم رجعة إلى الدنيا؛ ليتبرأوا من هؤلاء الذين أضلوهم السبيل، وكما أن الله أراهم شدة العذاب، كذلك يريهم أعمالهم القبيحة ندامات شديدة، وحسرات تتردد في صدورهم كأنها شرر الجحيم، وصدق الله حيث أخبر عنهم: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:٦٦] وهم يتأسفون على تضييع العمر في المعاصي، وعلى تضييع أوقات الصلاة، فقد عصوا جبار الأرض والسماوات، ثم يا للمصيبة، ويا للأسف على الغيرة التي ذهبت من الكثير من الناس، حتى جلبوا السائقين والخدم والخادمات والمربيات، وأدخلوهم في البيوت، وتركوا لهم الحبل على الغارب مع النساء، فصاروا لهن مثل المحارم، حتى ذهبت الغيرة من بعض الناس، وصاروا لا يبالون بأعراضهم، ولا يحافظون على شرفهم، فتلاشت الأخلاق، وحصل الفساد، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ومع المعاصي التي هدمت كثيراً من البيوت: إدخال الأفلام الخبيثة، والتمثيليات الهابطة، والأغاني الماجنة إلى البيوت، حتى هوت بالأخلاق والآداب إلى الحضيض، وقتلت الحياء من الذكور والإناث، ومن جراء ذلك حصلت أمور لا نعرفها سابقاً، منها: مغازلة النساء، ومعاكسة النساء، وكثرة التبرج والسفور، وهذا والله أمر يُنذر بوخامة العاقبة إن استمر الحال على ذلك. مع ما انتشر أيضاً من المخدرات والمسكرات التي هي عار وشنار في الدنيا والآخرة، فكم أزهقت من أرواح بريئة؟! وكم أذهبت من أخلاق وعقول وأهانت أهلها، وأدت بهم إلى الحضيض حتى صاروا من الأرذال؛ بما سببوا على أنفسهم وعلى عقولهم وأعراضهم وشرفهم، وعلى أموالهم بسبب هذه المخدرات والمسكرات! وكم أضاعوا من أُسر! وخسروا من أوقات، وسوف يُسألون عنها يوم القيامة، ولا تسأل عما يحصل لهم عند الموت، إن جاءهم الأجل على غير توبة، وأيضاً إن ماتوا على غير توبة فإن الله توعدهم أن يسقيهم من طينة الخبال، وهي عصارة أهل النار، وكذلك يقول ﷺ : ﴿كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا، فمات وهو يدمنها لم يشربها في الآخرة﴾ رواه البخاري ومسلم وغيرهما. شارب الخمر يتجرع إلى أن يترك الصلاة والصوم ويظلم ويفسق، ويستمر في الغواية، ويُرخي العنان لنفسه في سبيل الغواية، فتكثر ذنوبه، وتقل حسناته. شارب الخمر ربما يرتكب المحارم؛ لأنه فقد العقل الذي ميزه الله به، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم مع الأسف الشديد ما يحصل في كثير من بلدان الإسلام والمسلمين من أكل الربا، ومن التعامل به، وكذلك أكل الأموال بالباطل، مثل الرشوة، والغش في البيع والشراء والمعاملات، والخداع، والسرقة، ولعب القمار والميسر, وكل ذلك حرام، ثم أتبع بذلك بيع الدخان، إلى غير ذلك من الملاهي وغيرها، ثم إذا ألمَّت بالمسلمين ملمة، ورفعوا أكفهم إلى الله، وإذا بالأكف قد تناولت الحرام، والبطون امتلأت من الحرام، ثم يُقال: أنَّى يُستجاب لذلك؟! أما إذا رجعنا إلى الله، وتبنا إلى الله، وأكلنا الحلال، فإنا إذا رفعنا أكفنا إلى الله، وتضرعنا إلى الله فإن الله يستجيب الدعاء، ويدفع البلاء، ويقبل الصدقات، ويغفر الزلات. اللهم إنا نسألك أن تتوب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً. عباد الله! أكثروا من الصلاة والسلام على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. ويقول ﷺ : ﴿مَن صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد. وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك، يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين. اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعالاً لما يريد، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا، يا واحد يا أحد، يا فرد يا صمد، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، يا علي يا عظيم، يا حليم يا عليم، لا إله إلا أنت، ولا رب لنا سواك، اللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الإجلال والإكرام، اللهم عليك بالظلمة وأعوان الظلمة، اللهم عليك بالظلمة وأعوان الظلمة اللهم عليك بالظلمة وأعوان الظلمة، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر فإنهم لا يعجزونك يا رب العالمين، اللهم اشدد عليهم وطأتك، وارفع عنهم يدك وعافيتك، اللهم مزقهم كل ممزق، يا أرحم الراحمين. اللهم ارحم الشيوخ والأطفال والنساء. اللهم اشدد وطأتك على الظلمة، وأعوان الظلمة، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين. يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، يا مغيث المستغيثين، يا أرحم الراحمين، يا ناصر المستضعفين، لا إله إلا أنت، ولا رب لنا سواك، لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين. اللهم أرنا وإياهم الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا وإياهم الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم وفقنا وإياهم لما تحبه وترضاه، وجنبنا وإياهم ما تبغضه وتأباه، اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها. اللهم وحد صفوف المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك من المسلمين، اللهم أيدهم بتأييدك، وانصرهم بنصرك يا أرحم الراحمين. عباد الله! صلوا على رسول الله.

стр. 1237

موصلات الجنة إن الله جلَّ وعلا قد وصف الجنة بأعلى وأجمل وأحسن وصف؛ حتى يشمر لها المشمرون، ووصف أهلها المشمرين بأوصاف حميدة، حتى يتصف بها من أراد الفوز بالجنة ورضوان الله ، وقد بين الشيخ حفظه الله في هذه الرسالة أوصاف أهل الجنة الموصلة إليها من الكتاب والسنة.

стр. 1238

أوصاف أهل الجنة في القرآن الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلِّم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله . لقد سمعتم في الجمعة الماضية ما حل بالأمم المكذبة لرسل الله حيث أنْزَل بهم النقمات، وحلَّت بهم العقوبات ونزلت بهم، ومزقهم الله كل ممزق، فتلكم ديارهم عامرة، وآثارهم موجودة؛ ولكن الله دمَّرهم تدميراً، لما عصوا رسل الله ، ثم بعث الله محمداً ﷺ ، فختم الله به الأنبياء والمرسلين، وأنزل معه الكتاب المبين. أيها المسلمون: لقد بعث الله محمداً ﷺ وأنزل معه القرآن العظيم. أيها الأمة: أمة الإسلام، لقد استخلفكم الله من بعد تلك الأمم التي بادت وانقرضت وهلكت بعقوبة الله ، ثم بعث إليكم محمداً ﷺ ، فمدحكم الله في القرآن، حيث قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠]. أنزل الله على محمد ﷺ القرآن العظيم، الذي فيه حَثٌ لكم إلى المبادرة والمسارعة إلى طاعة الله والابتعاد عما يُغضب الله حتى لا يحل بكم ما حل بالأمم الماضية، قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٥]. فهذه أوصاف أهل الجنة الذين أطاعوا الله :

стр. 1239

الوصف الأول: (المتقون) المتقون، الذين ذكر الله وصفهم في أول سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٣ - ٥] ثم ختم لهم: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥]. المتقون: وهم الذين اتقوا ربهم جل وعلا، باتخاذ الوقاية من عذابه بفعل ما أمرهم به، وطاعةً له ورجاءً لثوابه جل وعلا، وترك ما نهاهم عنه، طاعةً له، وخوفاً من عقابه، أولئك هم المتقون.

стр. 1240

الوصف الثاني: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاء) الوصف الثاني من أوصاف أهل الجنة: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران:١٣٤] فهم ينفقون ما أمروا بإنفاقه على الوجه المطلوب منهم: من الزكاة، والصدقات، والنفقات على من لهم حق عليهم، والنفقات في الجهاد، وغيره من سبل الخير، يبادرون بأداء الزكاة، يتصدقون، ولا يريدون من أحد جزاءً ولا شكوراً، ينفقون ذلك في السراء والضراء، لا تحملهم السراء والرخاء على حب المال، والشح فيه، طمعاً في زيادته، ولا تحملهم الشدة والضراء على إمساك المال خوفاً من الحاجة إليه، بخلاف الذين يقولون: لا ننفق؛ فإننا نخشى أن يقل الرصيد، وأن ينقص ما عندنا من الرصيد، أسأل الله العفو والعافية. اللهم قنا شح أنفسنا، اللهم قنا شح أنفسنا.

стр. 1241

الوصف الثالث: (الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) الوصف الثالث للمتقين، الذين هم من أهل الجنة: ﴿الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران:١٣٤] وهم الحابسون لغضبهم إذا غضبوا، فلا يعتدون، ولا يحقدون على غيرهم بسببه.

стр. 1242

الوصف الرابع: (الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) الوصف الرابع من أوصاف المتقين وهم أهل الجنة: ﴿الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤] يعفون عمن ظلمهم واعتدى عليهم، فلا ينتقمون لأنفسهم مع قدرتهم على ذلك. وفي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] إشارة إلى أن العفو لا يُمدح إلا إذا كان من الإحسان، وذلك بأن يقع موقعه، ويكون إصلاحاً، فأما العفو الذي تزداد به جريمة المعتدي، فليس بمحمودٍ، ولا مأجور عليه.

стр. 1243

الوصف الخامس: (الَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) الوصف الخامس من أوصاف المتقين، الذين هم أهل الجنة: ﴿الَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران:١٣٥] ماذا يعملون إذا فعلوا فاحشة؟ هل يأتون بالصور من دول الخارج؛ حتى يفضحوا أنفسهم بعدما سترهم الله؟! يأتون بصورهم، وهم سكارى، وهم عُراة، مع الزواني، ومع الذين يفعلون اللواط -والعياذ بالله- يأتون بصورهم، وهم يخرون صرعى في مسارح العار والشنار، في بلاد الكفر -نسأل الله العفو والعافية- لا. ليس أولئك، إن المتقين غير أولئك، اسمعوا وصف المتقين: ﴿الَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٣٥]. ما هي الفاحشة؟ الفاحشة: ما يُستفحَش من الذنوب، وهي الكبائر، كقتل النفس المحرمة بغير حق، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، والزنا، والسرقة، ونحوها من الكبائر. وما هو ظلم النفس؟ أما ظلم النفس فهو أعم، فيشمل الكبائر والصغائر. فهم إذا فعلوا شيئاً من ذلك ذكروا عظمة من عصوه، فخافوا من عقابه، وذكروا مغفرته ورحمته، فسعوا في أسباب ذلك، فاستغفروا لذنوبهم، بطلب سترها، والتجاوز عن العقوبة عليها، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥] إشارة إلى أنهم لا يطلبون المغفرة من غير الله ؛ لأنه لا يغفر الذنوب سواه.

стр. 1244

الوصف السادس: (لَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) الوصف السادس من أوصاف المتقين، أوصاف أهل الجنة: ﴿لَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] أي: لم يستمروا على فعل الذنب وهم يعلمون أنه ذنب، ويعلمون عظمة من عصوه، ويعلمون قرب مغفرته، بل يبادرون إلى الإقلاع عنه, والتوبة منه، فالإصرار على الذنوب مع هذا العلم يجعل الصغائر كبائر، ويتدرج بالفاعل إلى أمور خطيرة صعبة. نسأل الله أن يرزقنا توبة نصوحاً.

стр. 1245

الوصف السابع: (الْمُؤْمِنُوْنَ) ومن أوصاف أهل الجنة المتقين: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُوْنَ﴾ [المؤمنون:١] أي: أنهم الذين آمنوا بالله، وبكل ما يجب الإيمان به، من ملائكة الله، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، آمنوا بذلك إيماناً يستلزم القبول والإذعان والانقياد بالقبول والعمل.

стр. 1246

الوصف الثامن: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) ومن أوصاف أهل الجنة: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:٢] حاضرة قلوبهم، ساكنة جوارحهم، يستحضرون أنهم قائمون في صلاتهم بين يدي الله ، يخاطبونه بكلامه، ويتقربون إليه بذكره، ويلجئون إليه بدعائه، فهم خاشعون بظواهرهم وبواطنهم. أما الذين يعبثون في الصلاة فتكثر حركاتهم، وربما يخرج المفاتيح من الجيب، وربما يخرج الآلة الحاسبة، ويحسب وهو في الصلاة، فأولئك أبدانهم في المساجد، وقلوبهم في المزابل، تهيم في أودية الدنيا، ليس لهم من أوصاف المتقين حق، المتقون اسمعوا أوصافهم: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:٢].

стр. 1247

الوصف التاسع: (الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) ومن أوصاف أهل الجنة: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٣] أي: أنهم معرضون عن اللغو؛ لقوة عزيمتهم، وشدة حزمهم، لا يمضون أوقاتهم الثمينة إلا فيما فيه فائدة، فكما حافظوا على صلواتهم بالخشوع، فإنهم حافظوا على أوقاتهم عن الضياع.

стр. 1248

الوصف العاشر: (الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) ومن أوصاف أهل الجنة: ﴿الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٥ - ٦] فهم حافظون لفروجهم. فهؤلاء أهل الجنة، حافظون لفروجهم ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٦] فهم حافظون لفروجهم عن الزنا، واللواط، لما فيهما من معصية الله والانحطاط الخلقي والاجتماعي، ولعل حفظ الفرج يشمل ما هو أعم من ذلك، فيشمل حفظه عن العادة السرية، التي انهمك فيها الكثير من الناس، نسأل الله العفو والعافية، ونسأل الله أن يفرج للمكروبين الذين صعبت عليهم طرق الزواج، نسأل الله أن يفرج لنا ولهم من كل كربة، إنه على كل شيء قدير. فيا من لم تتزوج راقب الله ، واتقِ الله يجعل لك مخرجاً، لا تذهب هذا الجوهر، لا تخرج هذا المني بالعادة السرية، فإنك مسئول عن فعلك هذا يوم القيامة يا عبد الله! ولكن عليك بتقوى الله ، والمبادرة إلى طاعة الله ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] ما أجمل التقوى! فإن الله يذلل بها الصعاب، ويُسهل بها العسير، فيا أيها الشاب! راقب الله في السر والعلانية، واتق الله في السر والعلانية، واسأل الله أن يفرج لك كل كربة، فإن الله قريب ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] فتب إلى الله أيها الشاب من هذه العادة القبيحة، وخذ بوصية رسول الله ﷺ : ﴿يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وِجاء﴾ لكن -مع الأسف الشديد- بعض الشباب يذهب إلى الأشياء التي يماري فيها أبناء الجنس، من شراء السيارة الفاخرة، وشراء الأزياء التي لا تنفعه في الحياة، إنما الحياة تعبر بغيرها، إنما الحياة تصلح من دون تلك الأشياء التي ابتلي بها كثير من الشباب، يصرف الدراهم الكثيرة، ثم إذا قيل له: تزوج، قال: المهور غالية، وهو يصرف أكثر من المهر -والعياذ بالله- إما بشراء سيارة فاخرة، أو بالذهاب إلى خارج البلاد؛ ليفسد في أرض الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون. نعم. حفظ الفروج، يشمل ما هو أعم من ذلك، فيشمل -كما قلتُ لكم- العادة السرية، فينبغي للإنسان أن يحفظ نفسه عن هذه العادة، وعن النظر إلى المحرمات من النساء، والمُرْدان، والأفلام، والمجلات التي فيها الصور العارية، وغيرها. وأيضاً ينبغي للإنسان أن يتقي الله ، ولا يتعدى، فإنه ملوم على فعل ذلك التعدي، إلا على الزوجة، والمملوكة لما في ذلك من الحاجة إليه، لدفع مقتضى الطبيعة، وتحصيل النسل، وغيره من المصالح.

стр. 1249

الوصف الحادي عشر: (الَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) ومن أوصاف أهل الجنة: ﴿الَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون:٨] أي: أنهم قائمون برعاية الأمانات والعهد فيما بينهم وبين الله، وفيما بينهم وبين الخلق، ويدخل في ذلك الوفاء بالعقود، والشروط المباحة فيها.

стр. 1250

الوصف الثاني عشر: (الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) ومن أوصاف أهل الجنة: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩] فهم على صلواتهم يحافظون، يلازمون على حفظها من الضياع والتفريط، وذلك بأدائها في وقتها على الوجه الأكمل، بشروطها، وأركانها، وواجباتها. وقد ذكر الله أوصافاً كثيرة في القرآن العظيم لأهل الجنة، سوى ما نقلناه هنا، ذكر ذلك ليتصف به من أراد الوصول إلى الجنة.

стр. 1251

أوصاف أهل الجنة في السنة النبوية وفي الأحاديث عن رسول الله ﷺ من ذلك شيء كثير، فقد قال الناصح الأمين محمد بن عبد الله ﷺ : ﴿من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل اللهُ له به طريقاً إلى الجنة﴾ رواه مسلم. أجل يا عباد الله! كل منا ينبغي أن يسلك الطريق الموصل إلى الجنة، فالبعض من الناس لا يُحسن قراءة الفاتحة، ولا يُحسن قراءة التشهد في الصلاة، ولا يُحسن الغُسل من الجنابة، ولا يحسن الوضوء، ألا يسلك الطريق إلى العلماء ليسألهم عن ذلك حتى يسهل الله لهم طريقاً إلى الجنة؟! نعم يا عباد الله.

стр. 1252

المحافظة على الصلاة في جماعة وترديد الأذان ويقول ﷺ : ﴿ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات -اسمع يا من تصلي في بيتك بجوار المرأة، اسمع يا من ضيعت هذا الفضل العظيم! - قالوا: بلى، يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة﴾ رواه مسلم. اسمعوا يا أمة الإسلام! هذا الحديث! يقول ﷺ : ﴿ما منكم من أحد يتوضأ، فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فتِّحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء﴾ رواه مسلم وغيره. واسمع يا عبد الله! قال ﷺ : ﴿إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة﴾ رواه مسلم. اسمع يا عبد الله! فضل الله عظيم: ﴿ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة﴾ رواه مسلم. وقال ﷺ : ﴿من قال حين يسمع النداء -أي: الأذان- اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلَّت له شفاعتي يوم القيامة﴾ رواه مسلم.

стр. 1253

بناء المساجد ويقول ﷺ : ﴿مَن بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة﴾. اسمعوا أيها الأثرياء! اسمعوا أيها الأغنياء! يا من تبخلون بالأموال! يقول ﷺ : ﴿مَن بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة﴾ بعض الأثرياء وبعض الأغنياء إذا أتته الورقة وفيها ذكر المسجد بدأ يتحكَّك ويلتفت يميناً وشمالاً، حتى لا ينفق مالاً يُبنى له به بيت في الجنة -مع الأسف الشديد- ولكن لو قيل: إن فيه دعاية، بادر وكتب المعروض، حتى يخرج صاحب الدعاية باسمه أولاً. وهذا رسول الله ﷺ يقول: ﴿مَن بنى مسجداً يبتغي به وجه الله، بنى الله له بيتاً في الجنة﴾ رواه البخاري ومسلم. ثم يقول ﷺ : ﴿خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن، ولم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن، كان له عند الله عهداً أن يدخله الجنة﴾ أخبروا الذين يضيعون الصلاة، أخبروا الذين يفرطون في الصلوات، أعلموهم بهذا الخبر من رسول الله ﷺ حيث يقول: ﴿خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن، ولم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن، كان له عند الله عهداً أن يدخله الجنة﴾ رواه الإمام أحمد، وأبو داوُد، والنسائي. وعن ثوبان ﵁ أنه سأل النبي ﷺ عن عمل يدخله الله به الجنة، فقال له ﷺ : ﴿عليك بكثرة السجود، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة﴾ رواه مسلم.

стр. 1254

المحافظة على نوافل الصلوات اسمعوا يا عباد الله! اسمعوا يا أمة الإسلام! اسمعوا إلى هذا الفضل العظيم، وبادروا يا عباد الله! يقول الناصح الأمين محمد بن عبد الله ﷺ : ﴿ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة، إلا بنى الله له بيتاً في الجنة﴾ رواه مسلم. وفصلها بعض العلماء فقال: (١٢) ركعة: - أربع ركعات قبل الظهر. - ركعتان بعد الظهر. - ركعتان بعد المغرب. - ركعتان بعد العشاء. - ركعتان قبل صلاة الصبح. وهذا معاذ بن جبل ﵁ يقول لرسول الله ﷺ : ﴿أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار، قال ﷺ : لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت﴾ رواه الإمام أحمد، والترمذي، وصححه. وقال ﷺ : ﴿إن في الجنة باباً يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم﴾ رواه البخاري ومسلم. اسمعوا يا من تهملون الأعمال الصالحة، اسمعوا يا من تضيعون العمر في غير طاعة الله، يقول الناصح الأمين ﷺ : ﴿العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة﴾ رواه البخاري ومسلم.

стр. 1255

تربية البنات طريق إلى الجنة اسمعوا يا من تكرهون البنات. اسمعوا يا من لا تحبون البنات. يقول ﷺ : ﴿من كان له ثلاث بنات، يؤويهن، ويرحمهن، ويكفلهن، وجبت له الجنة البتة -فضل عظيم- يؤويهن، ويرحمهن ويكفلهن، وجبت له الجنة البتة قالوا: يا رسول الله، فإن كانتا اثنتين؟ قال: وإن كانتا اثنتين قال: فرأى بعضُ القوم أن لو قالوا: وواحدة؟﴾ رواه الإمام أحمد. ولكن يا عبد الله! إن كنت تريد الجنة بإحسانك إلى هذه البنات، فاتق الله وراقب الله فيهن، لا تدع لهن الحبل على الغارب، لا يخرجن إلى الأسواق متبرجات متعطرات، فاتنات مفتونات، لا تدخل عليهن آلات اللهو، لا تجعل لهن سائقاً يجوب بهن الأسواق، اتق الله في هؤلاء البنات، إن كنت تريد أن تكون في الجنة. ويقول ﷺ : ﴿من ابتلي بشيء من هذه البنات، كن له ستراً من النار﴾. و ﴿سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يُدخل الناس الجنة، فقال ﷺ : تقوى الله، وحسن الخلق﴾ رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه. وقال ﷺ : ﴿أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال﴾ رواه مسلم في حديث طويل. أيها الإخوة في الله: فهذه أحاديث عن رسول الله ﷺ تبين شيئاً كثيراً من أعمال أهل الجنة، لمن أراد الوصول إليها. أسأل الله أن ييسر لنا ولكم سلوكها، وأن يثبتنا عليها، إنه جواد كريم. وفقني الله وإياكم لما يحبه ويرضاه, وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1256

جزاء آخر من يدخل الجنة الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. أما بعد: فيا أيها الناس: اتقوا الله . عباد الله: بادروا بالأعمال الصالحة لعلكم تنجون من عقاب الله وأليم عذابه. عباد الله: اسمعوا إلى ما في هذا الحديث الصحيح من العجائب يا عباد الله! فإن فيه حثاً على متابعة الرسول ﷺ ، وسلوك الصراط المستقيم. عن الزهري ﵀ قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وعطاء بن يزيد الليثي رحمهما الله، أن أبا هريرة ﵁ أخبرهما أن الناس قالوا: ﴿يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تمارون بالشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه كذلك، يُحشر الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبع، فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت، تبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيدعوهم، فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم، يقول ﷺ : فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحدٌ إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلِّم سلِّم، اللهم سلِّم سلِّم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم، قال: إنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يَعلم قدر عِظَمِها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل، ثم ينجو حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار، أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيُصب عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد، ويبقى رجلٌ بين الجنة والنار، وهو آخر أهل النار دخولاً الجنة، مقبلٌ بوجهه قِبل النار، فيقول: يا رب، اصرف وجهي عن النار، قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فيقول: هل عسيتَ إن فُعل ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا وعزتك فيُعطي ما يشاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل به على الجنة، رأى بهجتها، وسكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال: يا رب، قدمني عند باب الجنة -الله أكبر- قال: يا رب، قدمني عند باب الجنة، فيقول الله له: أليس قد أعطيت العهود والميثاق ألا تسأل غير الذي كنت سألتَ، فيقول: يا رب، لا أكون أشقى خلقك، فيقول: فما عسيتَ إن أُعطيت ذلك أن لا تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسأل غير ذلك، فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق، فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا بلغ بابها، ورأى زهرتها وما فيها من الزهرة والنضرة والسرور، فيسكت ما شاء الله له أن يسكت، ويقول: يا رب، أدخلني الجنة، فيقول الله: ويحك يا ابن آدم! ما أغدرك! أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي أعطيتَ، فيقول: يا رب، لا تجعلني أشقى خلقك، ويضحك الله منه، ثم يأذن له في دخول الجنة، فيقول: تَمَنَّ، فيتمنى، حتى إذا انقطعت أمنيته قال الله : من كذا وكذا؟ أقْبَل، حتى إذا انتهت الأماني قال الله تعالى: لك ذلك ومثله معه﴾ رواه البخاري وفي رواية لـ مسلم: ﴿لك مثل ملك عشرة ملوك من ملوك الدنيا﴾ هذا آخر من يدخل الجنة يا عباد الله. اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، وجنبنا ما تبغضه وتأباه. اللهم اجعلنا من أمة محمد، الذين يدخلون الجنة، بغير حساب ولا عذاب. اللهم أدخلنا الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اجعلنا على الصراط من الناجين، ولا تجعلنا في النار مكردسين، يا رب العالمين. اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، وجنبنا ما تبغضه وتأباه. عباد الله: إن الله يأمركم أن تصلوا على رسول الله، فقال قولاً كريماً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. ويقول ﷺ : ﴿مَن صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وفي مقدمتهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك، يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم أذل الشرك والمشركين. اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين. اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين. اللهم انصر المجاهدين في سبيلك من المسلمين. اللهم أيدهم بتأييدك. اللهم انصرهم بنصرك، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفؤاً أحد. اللهم يا قريب مجيب لمن دعاك، يا من قلت وقولك الحق: ادعوني استجب لكم، استجب لنا دعاءنا، يا أرحم الراحمين. لا إله إلا أنت، ولا رب لنا سواك، أنت مغيث اللهفات، ومفرج الكربات، ومحيل الشدائد والبليات، أنت الغني ونحن الفقراء، أنت الغني ونحن الفقراء. اللهم أنزل علينا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين. اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]. ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١]. فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 1257

موعظة عامة إن المجتمع الفاسد هو المجتمع الذي يتمادى فيه المفسدون بطغيانهم، وهو الذي تنتكس فيه الأوضاع؛ حيث يصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً، فانتشار الفساد في المجتمع يدل على عدم الغيرة الإيمانية، ولذلك كان من أهم صفات المجتمع الراشد السعيد أنه شديد الغيرة الإيمانية؛ فهو يسعى لإزالة الفساد واقتلاعه؛ لأن الفساد هو السبب الرئيسي في حلول النقم وزوال النعم وحصول المصائب.

стр. 1258

استشراء الفساد في المجتمع الحمد لله الذي أمرنا بطاعته ونهانا عن معصيته، ووعد الصالحين بجنته ومستقر رحمته، وتوعد العصاة بدار نقمته وزوال نعمته، وهو الذي لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين. أحمده سبحانه وأسأله أن ينظمنا في سلك عباده الصالحين، وأن يجعلنا من حزبه المفلحين، وأن يعيذنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحجة البالغة على خلقه بلا نزاع، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله . أمة الإسلام: كان المسلمون إذا سمعوا لآيات الله القرآنية، أو للأحاديث النبوية قالوا: سمعنا وأطعنا لما فيها من الأوامر، وانتهينا لما فيها من النواهي، سمعوا وأطاعوا وأقلعوا عن الخطيئة ولم يصروا على ما فعلوا من المخالفات الشرعية. أما في هذه الأزمنة المتأخرة، فكم نسمع من الآيات والأحاديث! ولكن ران على القلوب الران، واستحوذت عليها الغفلة، واستحسنت الفسوق والعصيان، فأقبلت على الفساد وأعرضت عن تعاليم الملك الديان. أيها المسلمون: إذا نظرنا بدقة إلى ما نحن عليه الآن من فساد الأخلاق، ومجاهرة الفساق بالاتصاف بالنفاق، رأينا بوناً شاسعاً بين المسلمين وبين تعاليم الكتاب والسنة: ﴿استيقظ رسول الله ﷺ ذات ليلة فزعاً محمَّراً وجهه يقول: لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب؛ فتح الليلة من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحش إحدى زوجاته ﵂: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟! قال نعم: إذا كثر الخبث﴾. أجل يا أمة الإسلام! إن المجتمع الذي يستقيم أفراده ويهتدي بنور الدين ويعمل بشعائر الإسلام، ويتحلى بالأخلاق القويمة هو المجتمع الرفيع الراشد السعيد، هو المجتمع الذي كتب الله له العزة، ووعده بالخلافة في الأرض لصلاحهم؛ كما هي سنة الله في الذين خلوا من قبل، فإن الصالحين يعم الله بصلاحهم ويقطع بهم دابر الفساد، لما يقومون به من الدعوة إلى الله وإظهار دينه.

стр. 1259

علامة المجتمع الفاشل وعلى العكس -يا عباد الله! - من هذا المجتمع السعيد، مجتمع الفشل، وهو المجتمع الذي يتمادى فيه المفسدون بطغيانهم وإفسادهم، هو المجتمع الذي تنتكس فيه الأوضاع؛ فيصبح المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، حتى إنهم في بعض المجتمعات المنهارة، والمجتمعات المنحطة، يسمون المتدين والمتمسك بدينه رجعياً متطرفاً. ويسمون المتحلل من الدين، والمتحلل من الخلق القويم، يسمونه منطلقاً، ويسمون فعله انطلاقة وحرية، ألا بئست الانطلاقة، ألا بئست الحرية؛ يشربون الخمور؛ أم الخبائث ومفتاح كل شر، ويسمونها المشروبات الروحية، فبئس ما يصنعون! ينادون المرأة المتحشمة المتمسكة بدينها، ويسمونها المعقدة المقيدة بالأغلال، ويريدونها أن تخطو الخطوة السريعة، وما هي الخطوة السريعة؟ وما أدراك ما الخطوة السريعة؟! هي أن تخرج في ميدان العمل، لتزاحم الرجال وتضرب إليتها إلية الرجال، ويلتمس كتفها بكتف الرجال، وتصافح الرجال في مجتمعاتهم، تخرج سافرة متعطرة متبرجة، عليها اللباس القصير، إنها دعوة إلى الجاهلية الأولى التي حاربها الإسلام، وقضى عليها. إن من علامة فشل المجتمعات ظهور المنكرات وإعلانها؛ فإن امتلاء الأسواق والحوانيت والبيوت من الصور ذوات الأرواح، يعلن بعدم الغيرة الإيمانية، وبعدم الإحساس، وبعدم قبول ما جاء الرسول ﷺ به، إنه رسول الله، إنه الناصح الأمين، إنه الرءوف الرحيم بأمته، حذرنا أتم التحذير، بقوله: ﴿لعنة الله على المصورين﴾ ويقول: ﴿أشدُّ الناس عذاباً يوم القيامة المصورون يقال لهم: أحيوا ما خلقتم﴾ ويقول: ﴿من صوَّر صورة كُلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ﴾ ويقول أيضا: ﴿يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان أزرقان يقول: وُكِلتُ بكل مصور وبكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب، ثم يلتف عليهم ثم يقذفهم في النار﴾ أو كما قال ﷺ . إن في تلك الأحاديث لعبرة لمن أراد أن يعتبر، وموعظة لمن كان في قلبه إيمان؛ إن التهاون بين الناس في أمر التصوير دليل على عدم الوازع الإيماني بما جاء عن رسول الله ﷺ ، وإذا نهوا عن ذلك قالوا: إنما التصوير بالآلة، فيقال لهم: إن الوعيد الذي جاء يصدق على صاحب الآلة؛ لأنه هو المحرك لها والمتصرف فيها كيف يشاء، ومن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وفي الأثر: ﴿إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمَّهم الله بعذاب من عنده﴾ أجل، إن ظهور الخلاعات والصور القذرة التي ترسمها الأفلام السينمائية على الشاشة، وينظر إليها الرجال والنساء، وكأنها شيء مألوف، إن فيها الدمار والشر والعار، والفساد والسم الزعاف فهل من مدكر؟! إن ما في الصحف والمجلات الرخيصة باسم القصة وتحت ستار الترفيه، فيه من استعمار الأفكار وانحطاط الأخلاق ما لا يحصره العبد. وإن الشباب حين يقرءونها يتلقون منها دروساً في الإباحية والسقوط، وكل خبائث الغرب وأقذاره، فكل ذلك تقليداً لأعداء الإسلام، وتقليداً لأعداء الأخلاق، وتقليداً لأعداء الفضيلة، واندفاعاً وراء التيارات الهدامة، التي بزعمهم أنها مدنية، وما هي في الواقع إلا سلسلة من الإجرام؛ تجر على البلاد والعباد المصائب والدمار، تذكروا ما حدث في بلدة الأصنام في الجزائر، تذكروا ما حدث لمجاوريكم في اليمن، تذكروا ما حدث لـ أفغانستان؛ من الزلازل، إنها آيات يذكر الله بها العباد فهل من مستعتب؟! أمة الإسلام: إن الذي نسمعه عنهم لداعٍ لنا إلى الانتزاع من المعاصي، وإلى البعد عن العذاب، إن البلاد المجاورة وهي تدور رحى الحرب عليها، والزلازل وانتهاك الأعراض، والقتل والسلب والعياذ بالله، فكل هذه الحوادث أسبابها الذنوب والمعاصي، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] ﴿وما ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة:٥٧]. لقد حدث زلزال في المدينة في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فخطب وتوعدهم بقوله: [[لئن حدث ثانية لا أساكنكم فيها أبداً]] الله أكبر، هؤلاء عباد الله الذين يخافون من عذاب الله ومن نقمته ومن سطوته لما تزلزلت ضرب الأرض وقال ﵁: [[لئن حدث ثانية لا أساكنكم فيها أبداً]] وما ذاك إلا لتخوف أمير المؤمنين من الذنوب وما تجره من ويلات ومحن ومصائب، فما نزل ضر وبلاء وشدة إلا بسبب الذنوب وتنوع أساليب المعاصي، ولا شك أن العبد كلما أحدث ذنباً أحدث الله له عقوبة تتنوع وتتشكل حسب عظم الذنب وضخامة الجرم. فاتقوا الله -عباد الله- وهلموا لتجديد توبة نصوحة، هلموا لنسأل الله العفو والغفران، إنه كان غفاراً، ولنبكِ يا عباد الله! الزموا بدموع الندم على ما فرطنا وما قصرنا فيه من حقوق الله، لنبادر بالتوبة النصوح إلى الله ، ومن تاب تاب الله عليه، والتوبة تجب ما قبلها. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر:٥٥]. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1260

صفات المجتمع الراشد الحمد لله يهدي إلى الحق ومنهاج السداد، أحمده سبحانه شرع لعباده الأمر بالمعروف لإقامة الحجة ودرء الفساد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وضَّح المعالم لطريق الرشاد، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله ، واعلموا أن المجتمع الصالح الراشد المسدد هو المجتمع الذي يتعاون أفراده على الخير، وتتظافر جهودهم لدفع الشر ونفي الخبث والأخذ على يد الظالم، وذلك ما ينطبق تمام الانطباق على المجتمع الإسلامي الصالح فهو الذي وصف الله واقعه بقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٧١]. فأوضح الله سبحانه عوامل الصلاح والرشاد؛ وهو الأخذ في سبل الطاعة وفي تطبيقها، وفي مقدمتها أداء الفرائض، ومن أهمها: الصلاة الصلاة يا أمة الإسلام! الصلاة يا عباد الله! وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الأسس الصحيحة التي وصفها الإسلام، وأمر بها وشجع عليها بقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣]. فعلينا -أمة الإسلام- جميعاً مسئولية عُظْمى حمَّلها، رسول الهدى كل فرد في الأمة حسب إمكانياته، ففي القيام بها سلامة المجتمع، والإبقاء عليه. فاتقوا الله -عباد الله! - ولتتظافر منكم الجهود، ولتصح العزائم للأخذ في سبل الإصلاح، والقضاء على الفساد في مهده: ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان﴾. اللهم وفقنا جميعاً لما تحبه وترضاه، اللهم اجعلنا هداة مهتدين. عباد الله: إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي رسول الله ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين؛ فإن يد الله مع الجماعة ومن شذَّ شذَّ في النار. وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول سيد البشرية: ﴿من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا وإمامنا وقدوتنا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء! اللهم انصر من نصر الإسلام وأهله، واخذل من أراد للإسلام خذلاناً وأهله، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين. اللهم انصر إمام المسلمين، اللهم ارزقه الجلساء الصالحين الناصحين؛ الذين يدلونه على الخير ويأمرونه به ويحثونه عليه، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم أصلح أئمة وولاة المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم وفقنا وإياهم جميعاًً للحكم بكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ ، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم أقر أعيننا بصلاحهم، اللهم ارفع عنا وعن جميع المسلمين والمسلمات في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم رب محمد النبي عليه أفضل الصلاة والسلام اغفر لنا ذنوبنا، وأذهب غيظ قلوبنا، اللهم أجرنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]﴾ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] اللهم إن نسألك توبة نصوحاً، تطهر بها قلوبنا وتمحص بها ذنوبنا إنك سميع الدعاء، مجيب لمن دعاك يا أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، وأجود الأجودين، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا ظالمين. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1261

نعم الله ومحاسن الإسلام الإسلام له محاسن ومزايا لا يمكن حصرها في محاضرة أو خطبة، وربما لا يستطيع الإنسان بعقله الضعيف حصرها، فقد قال تعالى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً). وهنا تحدث الشيخ عن أهم ما يدعو إليه الإسلام ويحث عليه، كالتوحيد، والأخلاق الحسنة، والعلم بنوعيه الديني والدنيوي، وكل شيء ينفع الإنسان، وتكلم عن أعداء الشريعة الذين ينكرون الخالق ، وحث المؤمنين على التمسك بدينهم.

стр. 1262

محاسن الإسلام وفضائله الحمد لله الذي تفرد بالجلال والعظمة والعز والكبرياء والجمال، وأشكره شكر عبد معترف بالتقصير عن شكر بعض ما أولاه من الإنعام والإفضال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله ﵎. عباد الله: يقول الله ﵎ وهو أصدق القائلين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] نعم -يا عباد الله- لقد أكمل الله هذا الدين بالنصر والإظهار على جميع الأديان، بل نسخت به جميع الأديان، فنصر الله عبده ورسوله محمداً وخذل أهل الشرك خذلاناً عظيماً بعدما كانوا حريصين على صد المؤمنين عن دينهم طامعين في ذلك، فلما رأوا عز الإسلام وانتصاره؛ يئسوا كل اليأس من المؤمنين أن يرجعوا إلى دينهم، وصاروا يخافون منهم ويخشونهم وانهزموا أمام الحق وضعفوا، وما ذاك إلا أن رسول الله ﷺ نصر بالرعب مسيرة شهر، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. وأتم جل وعلا على عباده نعمته بالهداية والتوفيق، والعز والتأييد والتمكين في الأرض، ورضي الإسلام لنا ديناً، اختاره لنا من بين الأديان، فهو الدين عند الله لا غير، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]. عباد الله: لقد نظر أصحاب الأفكار البريئة السليمة في أحكام الإسلام نظر القانع فاعتنقوه، وتأملوا في حكمه الجليلة فأحبوه، وملكت قلوبهم مبادئه الحكيمة فعظموه، واسمع إلى هذا العبارة يا أخي المسلم حقاً: وكلما كان المرء سليم العقل، نير البصيرة، مستقيم الفكر، اشتد تعلقه بهذا الدين؛ لما فيه من جميل المحاسن وجميل الفضائل، بل كله محاسن وكله فضائل.

стр. 1263

الإسلام يدعو إلى التوحيد بأنواعه جاء الدين الإسلامي بعقائد التوحيد التي يرتاح لها العقل السليم، ويقرها الطبع المستقيم، يدعو إلى اعتقاد أن للعالم إلهاً واحداً لا شريك له، أولاً لا ابتداء له، وآخراً لا انتهاء له ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ [الشورى:١١] له القدرة التامة والإرادة المطلقة، والعليم المحيط، يلزم الخلق الخضوع له والانقياد والعمل بما يرضيه. وذلك لامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وعدم تعدي الحدود، وذلك بسلوك الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. فأوضح السبل وأنارها، ونصب الأدلة والبراهين في الأنفس والآفاق، وحث العقول على النظر والاستدلال لتصل بالبراهين إلى معرفته وتعظيمه والقيام بحقوقه، فتراه تارة يلفت نظرك إلى أنه لا يمكن أن توجد نفسك، ولا أن توجد من دون موجد، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] ويقول جل وعلا: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق:٥ - ٧] وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨]. أما كون الإنسان موجداً لنفسه فهذا أمر ما ادعاه الخلق، وأما وجود الإنسان هكذا من غير موجد فأمر ينكره منطق الفطرة، ابتداءً ولا يحتاج إلى جدل كثير أو قليل. وإذا كان هذان الغرضان باطلان؛ فإنه لا يبقى إلا الحقيقة التي يقولها القرآن الكريم وهي: أن الخلق خلقه الله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، هذه دلائل على خلق الإنسان. وتارة يلفت ﵎ النظر إلى السماوات والأرض، فهل هم خلقوها؟ فإنها لن تخلق نفسها كما أنهم لم يخلقوا أنفسهم. وتارة يفتح أمام العقل والبصر صحيفة السماء وما حوت من شمس مشرقة، وقمر منير، ونجم مضيء، فيقول ﵎: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً﴾ [الفرقان:٦١] وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك:٣ - ٤]. ثم يلفت النظر إلى الأرض وما فيها من أشجار متنوعة، وما فيها من جبال وقفار وسهول، قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد:٤] فتشاهد عدة أشجار بعضها بجوار بعض في قطعة واحدة وتسقى بماء واحد، وقد جعل الله لكل شجرة جذوراً تمتص بها من الأرض ما يناسبها من الغذاء الذي به قوامها وحياتها، ثم بعد ذلك تنفتح تلك الأشجار المتجاورة كل واحدة منها عن ثمرة تخالف الأخرى في اللون والطعم والرائحة، ألا يدل هذا على وجود صانع حكيم؟! ألا يدل ذلك على وجود قادر مقتدر؟! ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [البقرة:٢٤٨] أي: لدلالة وعلامة لمن آمن بالله العظيم الذي غلبت قدرته على كل شيء. ومرة يلفت النظر إلى ما ينزله من السماء من الماء الذي به قوام الحياة، ولو شاء لجعله أجاجاً لا نفع فيه. ومرة يتحدث عن وحدانيته وعن انفراده بالملك والتدبير وحده لا شريك له في ملكه، كما أنه هو المتصرف في خلقه يحكم فيهم ما يشاء ويفعل ما يريد، لا معقب لحكمه، لا يحتاج إلى هيئة أمم متحدة، ولا يحتاج إلى مؤتمرات كاذبة قال تعالى: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد:٤١] وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١] وقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] وقال : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤] إلى غير ذلك من الأدلة.

стр. 1264

الإسلام يشرع العبادات التي تهذب النفوس من رحمة الله بعباده المؤمنين: شرع لهم من العبادات ما يهذب بها النفوس ويصفيها، وينظم العلاقات ويقويها، ويجمع القلوب ويزكيها، فلا شك ولا ريب أن كل علم نافع ديني أو دنيوي أو سياسي قد دل عليه القرآن دلالة لا شك فيها، فمتى بهذه الدلالة؟ إذا استغنينا عن هيئة الأمم المتحدة، أو عن الدولتين الصغيرتين أمريكا والاتحاد السوفيتي، نعم. إذا استغنينا عن تلك الدول الخبيثة العقائد التي لا تريد الإسلام ولا تريد أهله أن يبقوا على الأرض طرفة عين، فكيف يحق لنا أن نستعين بهم يا أمة الإسلام؟! كيف يحق لنا أن ننظر إليهم إلا بعين الاستزراء والاستسخار لا شك في هذا.

стр. 1265

الإسلام يدعو إلى العلم أمة الإسلام: لا شك ولا ريب أن كل علم نافع ديني أو دنيوي أو سياسي قد دل عليه القرآن دلالة لا شك فيها، فليس في شريعة الإسلام ما تحيله العقول، وإنما في شريعة الإسلام ما تشهد العقول السليمة الزكية بصدقه ونفعه، بل في شريعة الإسلام ما تشهد العقول السليمة الزكية بصدقه ونفعه وصلاحه.
следующие страницы →