← Джавами‘

Джавами‘ · id 37003

دروس للشيخ عبد الله حماد الرسي

عبد الله حماد الرسي

Полный текст (1 664 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

نعم الله ومحاسن الإسلام الإسلام له محاسن ومزايا لا يمكن حصرها في محاضرة أو خطبة، وربما لا يستطيع الإنسان بعقله الضعيف حصرها، فقد قال تعالى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً). وهنا تحدث الشيخ عن أهم ما يدعو إليه الإسلام ويحث عليه، كالتوحيد، والأخلاق الحسنة، والعلم بنوعيه الديني والدنيوي، وكل شيء ينفع الإنسان، وتكلم عن أعداء الشريعة الذين ينكرون الخالق ، وحث المؤمنين على التمسك بدينهم.

стр. 1262

محاسن الإسلام وفضائله الحمد لله الذي تفرد بالجلال والعظمة والعز والكبرياء والجمال، وأشكره شكر عبد معترف بالتقصير عن شكر بعض ما أولاه من الإنعام والإفضال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله ﵎. عباد الله: يقول الله ﵎ وهو أصدق القائلين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] نعم -يا عباد الله- لقد أكمل الله هذا الدين بالنصر والإظهار على جميع الأديان، بل نسخت به جميع الأديان، فنصر الله عبده ورسوله محمداً وخذل أهل الشرك خذلاناً عظيماً بعدما كانوا حريصين على صد المؤمنين عن دينهم طامعين في ذلك، فلما رأوا عز الإسلام وانتصاره؛ يئسوا كل اليأس من المؤمنين أن يرجعوا إلى دينهم، وصاروا يخافون منهم ويخشونهم وانهزموا أمام الحق وضعفوا، وما ذاك إلا أن رسول الله ﷺ نصر بالرعب مسيرة شهر، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. وأتم جل وعلا على عباده نعمته بالهداية والتوفيق، والعز والتأييد والتمكين في الأرض، ورضي الإسلام لنا ديناً، اختاره لنا من بين الأديان، فهو الدين عند الله لا غير، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]. عباد الله: لقد نظر أصحاب الأفكار البريئة السليمة في أحكام الإسلام نظر القانع فاعتنقوه، وتأملوا في حكمه الجليلة فأحبوه، وملكت قلوبهم مبادئه الحكيمة فعظموه، واسمع إلى هذا العبارة يا أخي المسلم حقاً: وكلما كان المرء سليم العقل، نير البصيرة، مستقيم الفكر، اشتد تعلقه بهذا الدين؛ لما فيه من جميل المحاسن وجميل الفضائل، بل كله محاسن وكله فضائل.

стр. 1263

الإسلام يدعو إلى التوحيد بأنواعه جاء الدين الإسلامي بعقائد التوحيد التي يرتاح لها العقل السليم، ويقرها الطبع المستقيم، يدعو إلى اعتقاد أن للعالم إلهاً واحداً لا شريك له، أولاً لا ابتداء له، وآخراً لا انتهاء له ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ [الشورى:١١] له القدرة التامة والإرادة المطلقة، والعليم المحيط، يلزم الخلق الخضوع له والانقياد والعمل بما يرضيه. وذلك لامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وعدم تعدي الحدود، وذلك بسلوك الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. فأوضح السبل وأنارها، ونصب الأدلة والبراهين في الأنفس والآفاق، وحث العقول على النظر والاستدلال لتصل بالبراهين إلى معرفته وتعظيمه والقيام بحقوقه، فتراه تارة يلفت نظرك إلى أنه لا يمكن أن توجد نفسك، ولا أن توجد من دون موجد، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] ويقول جل وعلا: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق:٥ - ٧] وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨]. أما كون الإنسان موجداً لنفسه فهذا أمر ما ادعاه الخلق، وأما وجود الإنسان هكذا من غير موجد فأمر ينكره منطق الفطرة، ابتداءً ولا يحتاج إلى جدل كثير أو قليل. وإذا كان هذان الغرضان باطلان؛ فإنه لا يبقى إلا الحقيقة التي يقولها القرآن الكريم وهي: أن الخلق خلقه الله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، هذه دلائل على خلق الإنسان. وتارة يلفت ﵎ النظر إلى السماوات والأرض، فهل هم خلقوها؟ فإنها لن تخلق نفسها كما أنهم لم يخلقوا أنفسهم. وتارة يفتح أمام العقل والبصر صحيفة السماء وما حوت من شمس مشرقة، وقمر منير، ونجم مضيء، فيقول ﵎: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً﴾ [الفرقان:٦١] وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك:٣ - ٤]. ثم يلفت النظر إلى الأرض وما فيها من أشجار متنوعة، وما فيها من جبال وقفار وسهول، قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد:٤] فتشاهد عدة أشجار بعضها بجوار بعض في قطعة واحدة وتسقى بماء واحد، وقد جعل الله لكل شجرة جذوراً تمتص بها من الأرض ما يناسبها من الغذاء الذي به قوامها وحياتها، ثم بعد ذلك تنفتح تلك الأشجار المتجاورة كل واحدة منها عن ثمرة تخالف الأخرى في اللون والطعم والرائحة، ألا يدل هذا على وجود صانع حكيم؟! ألا يدل ذلك على وجود قادر مقتدر؟! ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [البقرة:٢٤٨] أي: لدلالة وعلامة لمن آمن بالله العظيم الذي غلبت قدرته على كل شيء. ومرة يلفت النظر إلى ما ينزله من السماء من الماء الذي به قوام الحياة، ولو شاء لجعله أجاجاً لا نفع فيه. ومرة يتحدث عن وحدانيته وعن انفراده بالملك والتدبير وحده لا شريك له في ملكه، كما أنه هو المتصرف في خلقه يحكم فيهم ما يشاء ويفعل ما يريد، لا معقب لحكمه، لا يحتاج إلى هيئة أمم متحدة، ولا يحتاج إلى مؤتمرات كاذبة قال تعالى: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد:٤١] وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١] وقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] وقال : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤] إلى غير ذلك من الأدلة.

стр. 1264

الإسلام يشرع العبادات التي تهذب النفوس من رحمة الله بعباده المؤمنين: شرع لهم من العبادات ما يهذب بها النفوس ويصفيها، وينظم العلاقات ويقويها، ويجمع القلوب ويزكيها، فلا شك ولا ريب أن كل علم نافع ديني أو دنيوي أو سياسي قد دل عليه القرآن دلالة لا شك فيها، فمتى بهذه الدلالة؟ إذا استغنينا عن هيئة الأمم المتحدة، أو عن الدولتين الصغيرتين أمريكا والاتحاد السوفيتي، نعم. إذا استغنينا عن تلك الدول الخبيثة العقائد التي لا تريد الإسلام ولا تريد أهله أن يبقوا على الأرض طرفة عين، فكيف يحق لنا أن نستعين بهم يا أمة الإسلام؟! كيف يحق لنا أن ننظر إليهم إلا بعين الاستزراء والاستسخار لا شك في هذا.

стр. 1265

الإسلام يدعو إلى العلم أمة الإسلام: لا شك ولا ريب أن كل علم نافع ديني أو دنيوي أو سياسي قد دل عليه القرآن دلالة لا شك فيها، فليس في شريعة الإسلام ما تحيله العقول، وإنما في شريعة الإسلام ما تشهد العقول السليمة الزكية بصدقه ونفعه، بل في شريعة الإسلام ما تشهد العقول السليمة الزكية بصدقه ونفعه وصلاحه.

стр. 1266

الإسلام عدل كله وكذلك أوامر الإسلام كلها عدل لا حيف فيها ولا ظلم، فما أمر بشيء إلا وهو خير صالح أو راجح، وما نهى عن شيء إلا وهو شر خالص أو ما تزيد مفسدته على مصلحته. كلما تدبر العاقل اللبيب الإسلام وأحكامه قوي إيمانه وإخلاصه، وعندما يتأمل ما يدعو إليه هذا الدين يجده يدعو إلى مكارم الأخلاق، والصدق والعفاف، والعدل وحفظ العهود، وأداء الأمانات، والإحسان إلى الأيتام والأرامل والمساكين، وحسن الجوار، وإكرام الضيف، كما يدعو إلى تحصيل التمتع بلذائذ الحياة -الحلال- التي أحلها الله من الطيبات، أحل ذلك التمتع بقصد واعتدال قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف:٣١]. كما أن الإسلام يدعو إلى البر والتقوى، وينهى عن الفحشاء والمنكر، وينهى عن الظلم والإثم والعدوان، فهو دين كامل لا يحتاج إلى قوانين وضعية، ولا يحتاج إلى أفكار منحرفة، دين كامل لا يأمر إلا بما يعود على العالم بالسعادة والفلاح، ولا ينهى إلا عما يجلب الشقاء والمضرة للعباد. تباً ثم تباً لأعداء الشريعة الإسلامية الذين يظنون بالشريعة ظن السوء، عليهم دائرة السوء واللعنة، يؤلهون الطبيعة وينسبون إليها النظم الوضيعة، ويزعمون أن هذا الوجود خلق نفسه وكون أجزاءه العليا والسفلى، وينكرون وجود الله ، فليس العجب من هلاكهم، والله ثم والله ليس العجب من هلاكهم؛ ولكن العجب والأسف على من احتذى حذوهم من الذين يدعون الإسلام!! ينكرون وجود الله الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً، فياله من جحود عنيد آثم! ووالله ثم والله لن تأتي الصدف بهذه المخلوقات في الأرض والسماوات، ولا يجوز شرعاً ولا عقلاً أن تكون هذه العوالم أوجدت نفسها! بل أوجدها الله، يا أمة الإسلام! يا أهل العقول السلمية! يا أهل الفطر المستقيمة! لا يجوز شرعاً ولا عقلاً أن تكون هذه العوالم أوجدت نفسها! بل أوجدها الله الذي رفع السماء بغير عمد نراه، وبسط الأرض على تيار الماء، فلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ولا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولا نعبد إلا إياه ولو كره الشيوعيون، ولو كره الملحدون، ولو كره اليهود والنصارى والمبشرون. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونور قلوبنا بنور الإيمان، اللهم نور قلوبنا بنور الإيمان، وأرحنا من شرور أنفسنا والشيطان، ووفقنا لطاعتك وجنبنا الكفر والفسوق والعصيان، والحكم بغير ما أنزلت يا رب العالمين. وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1267

كونوا من الغرباء الحمد لله الكريم الجواد، اللطيف بالعباد، الذي من اعتز به رأس وساد، ومن تمسك بكتابه أيده وحماه من الأضداد، ومن عض بنواجذه على سنة نبيه نصره وإن قل الأعوان والأجناس، نحمده ونستعينه ونسأله التوفيق لاتباع الكتاب والسنة، ونسأله أن يقينا من البدع المدلهمة السوداء، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن ارتكاب المعاصي والفساد، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله ربنا بالحق بشيراً ونذيراً، وما مات حتى ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، ليس فيها لبسٌ ولا اشتباه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين كانوا أتبع الناس لسنته في اليقظة والرقاد وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله فإن تقواه نعم العدة ليوم المعاد، وتمسكوا بكتاب ربكم وسنة نبيكم ﷺ ، فإن التمسك بهما أعظم الجهاد لا سيما عند كثرة الأهواء وظهور الفساد، فقد ورد في الحديث: ﴿المتمسك بدينه في آخر الزمان له أجر خمسين من الصحابة﴾ و ﴿المتمسك بدينه كالقابض على الجمر﴾ وذلك لقلة الأعوان وكثرة الأضداد، في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: ﴿بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء﴾ أمة الإسلام: كونوا من الغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس، أو يصلحون ما أفسد الناس. أيها المسلمون: أي غربة أشد من أن أكثر المسلمين الذين يدعون الإسلام لا يعرفون قراءة القرآن، وبالأخص لا يعرفون قراءة فاتحة الكتاب التي هي أم القرآن وهي السبع المثاني، ولا يعرفون ما يجب عليهم من أمور الدين كالقراءة في الصلاة وغيرها، أليس ذلك يا أمة الإسلام من البعد عن التعاليم التي رسمها الإسلام؟ أمة الإسلام: أليس ذلك كله من البعد عن التعاليم التي رسمها الإسلام وجاء بها القرآن؟ حتى الذين يتعلمون لا يهتمون بالقرآن كما يهتمون بالمواد الدراسية الأخرى -وللأسف الشديد- دستورنا القرآن الكريم وصراطنا المستقيم لا يعد من المواد الرسمية في بعض الدول العربية التي تدَّعي الإسلام، كما يهتمون بالمواد الأخرى التي أدخلها أعداء الإسلام للمسلمين حتى انحرف الأكثرون عن تعاليم الإسلام، وصاروا يحاربون التعاليم الإسلامية ولا يبالون بها، فماذا نقول؟ إنا لله وإنا إليه راجعون! ولا حول ولا قوة إلا بالله! وحسبنا الله ونعم الوكيل! اعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد رسول الله، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، ومن شذَّ عن جماعة المسلمين شذَّ في النار، وصلوا على رسول الله كما أمركم الله في كتابه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وفي مقدمتهم خلفاؤه الراشدون: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين, وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وأيقظنا من غفلتنا حتى نتبع نهجهم يا رب العالمين، اللهم أيقظنا من غفلتنا حتى نسلك سبيلهم يا أرحم الراحمين. اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم انصرنا بالإسلام، اللهم انصر الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا وأئمة وولاة أمور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم من آذى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم خذه أخذ عزيز مقتدر، اللهم أنزل به بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. اللهم مزق أعداء الإسلام وأعداء المسلمين تمزيقاً، اللهم مزقهم تمزيقاً، اللهم أدر عليهم دائرة السواء، واجعلهم غنيمة للمسلمين يا رب العالمين. اللهم وأصلح أولادنا ونساءنا، اللهم وأصلح أولادنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم أرنا وإياهم الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا وإياهم الباطل باطلاً وارزقنا وإياهم اجتنابه، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن ومضلات الفتن، اللهم ارفع عنا مضلات الفتن، اللهم طهر بلادنا من مضلات الفتن التي دخلت علينا بالشر والفساد يا رب العالمين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1268

نعيم القبر وعذابه إن كل الناس -وإن طالت حياة بعضهم- قادمون على الله جل وعلا، فلينظر كل واحد منهم ماذا قدم من عمل ينجيه من عذاب الله ، وخير دافع لذلك بأن يتذكر الإنسان قدومه على الله من ساعة الاحتضار إلى أن يقف بين يدي الله ، وقد بين الشيخ حفظه الله في هذا الدرس مرحلة من مراحل الانتقال إلى الله، وهي مرحلة القبر، وذكر ما يقع للمؤمن والكافر فيه.

стр. 1269

تذكر اليوم الآخر الحمد لله الذي خلق الموت والحياة؛ ليبلو العباد أيهم أحسن عملاً، فقسمهم إلى قسمين: فمنهم شاكر، ومنهم كفور. أحمده وأشكره، وأسأله أن يوفقنا لصالح الأعمال والأخلاق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله ﴿وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ [لقمان:٣٣] ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. عباد الله: هل تعلمون ما هو ذلك اليوم؟ هو والله يوم القيامة، يوم الطامة الكبرى، يوم الصاخة، يوم تشقق السماء بالغمام، يوم تفتح السماء فتكون أبواباً، فينزل من كل سماء ملائكتها، ينزلون ليحيطوا بأهل الموقف، في ذلك اليوم الذي يتجلى فيه الرب لفصل القضاء بين الخلائق. عباد الله: إذا تحققنا من ذلك وآمنا به، علمنا حق اليقين أن هذه الحياة الدنيا لا بد لها من الزوال، وأنها دار ممر وعبور إلى الآخرة، وأن أهلها سوف ينتقلون منها إلى ما قدموه من الأعمال. فتذكروا عباد الله! تذكروا حالتكم عند حلول الآجال، ومفارقة الأوطان والأهل والعيال والجيران. تذكروا حينما تشاهدون الآخرة وهي أمامكم، وأنتم مقبلون إليها، وأنتم منتقلون إليها، وأنتم مدبرون عن الدنيا.

стр. 1270

حالة الاحتضار تذكروا حالة الاحتضار، تذكروا نزول ملك الموت.

стр. 1271

خروج روح المؤمن قال رسول الله ﷺ : ﴿إن المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم أكفان من الجنة، وحنوط من الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ويجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس المطمئنة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج تسيل كما تسيل القطرة مِن فِيِّ السقاء، فيأخذها ملك الموت، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، فيجعلوها في ذلك الكفن, وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وُجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون على مَلَأٍ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة، فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء، فيستفتحوا له، فيُفتح له، ويشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، إلى السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوها إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. فتعاد روحه، فيأتيه ملكان فيُجلسانه، فيقولان له: ما دينك؟ ومن ربك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ ، فيقولان له: ما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنتُ به وصدقتُه، فينادي منادٍ أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويُفسح في قبره مدَّ البصر، ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، ويقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: يا رب! أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي﴾. اللهم اجعلنا من عبادك المؤمنين، يا أرحم الراحمين.

стр. 1272

خروج روح الكافر وقال رسول الله ﷺ : ﴿وأما الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، ويقول: أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلى سخط من الله وغضب، فتَفَرَّق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السَّفُّود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على مَلََأٍِ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يُسمى بها في الدنيا، حتى يُنتهى بها إلى السماء الدنيا، فيُستفتح لها، فلا يُفتح لها، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠] ثم يقول الله اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى مع الشياطين، فتُطرح روحه طرحاً، ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]. فتُعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي منادٍ من السماء: أن كذب عبدي، فأفرشوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه في القبر حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءُك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: يا رب! لا تقم الساعة﴾.

стр. 1273

أقسام الناس في قبورهم عباد الله: هذا الذي يحصل بعد الموت في القبر. فقسم من الناس، توفاهم الملائكة طيبين، يقولون: سلام عليكم ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢]. وقسم من الناس توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال:٥٠]. أمة الإسلام: تذكروا إذا حُملتم إلى القبور، فانفردتم بها عن الأهل والأولاد والأموال والقصور، فارقتم الفلل، فارقتم الفرش، فارقتم الكنبات، جليسكم فيها الأعمال، موسَّدون التراب، مفترشون التراب، قد صُفت عليكم اللبنات، فإما خيرٌ تسرون به إلى يوم القيامة، وإما شرٌ تجدون به الحسرة والندامة. ثم تذكروا إذا ﴿نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ [الزمر:٦٨] فإذا نحن قيام من القبور، ننفض التراب من رءوسنا، حفاة، عراة، غُرْلاً، في ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦] في يوم يُجمع فيه الأولون والآخِرون في صعيد واحد، في ذلك اليوم، يوم التغابن، ووالله يوم التغابن، ليس التغابن -يا عباد الله- في نيل عرض من الدنيا، أو توسيع الفلل وارتفاع القصور، فإنما ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ﴾ [الحديد:٢٠] تزدهر قليلاً، ثم تزول سريعاً. فتنافسوا -أيها المسلمون- في أعمال الآخرة، لتدركوا الأجر العظيم في يوم القيامة، فإن الدنيا مزرعة الآخرة، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢]. اللهم هوِّن علينا سكرات الموت، اللهم هوِّن علينا سكرات الموت، واجعل القبر لنا بعد منازل الدنيا أفسح المنازل، وآمِن خوفَنا يوم الفزع الأكبر، واجعلنا ممن يأخذ كتابه بيمينه يا رب العالمين. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أٌقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه ثم توبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1274

أقسام الناس يوم القيامة الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلِّم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله حق تقاته, واستعدوا لما أمامكم يوم العرض الأكبر على الله، حينما ينقسم الناس إلى قسمين: سعداء، وأشقياء. فأما السعداء: ففي روضات الجنات، لهم فيها ما تشتهي أنفسهم، ولهم فيها ما يدَّعون، لهم فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وأما الأشقياء: فمآلهم إلى النار، لهم فيها زفير وشهيق، يُطعمون الزقوم، ويُسقون فيها ماءً حميماً، يقطع الأمعاء والأوصال، ولا يُسمع لهم دعاء، ولا يُرحم لهم بكاء، ولا يزدادون من طول مكثهم فيها إلا عذاباً. فالحذر الحذر يا عباد الله، الحذر الحذر يا عباد الله من جميع المعاصي, ومن مُضلات الفتن، ومن اتباع الشهوات، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوها قبل أن توزن عليكم، وتأهبوا للعرض الأكبر على رب العالمين. واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار. وصلوا على رسول الله كما أمركم الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أعزنا بالإسلام. اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، من اليهود والنصارى والشيوعيين، إنك على كل شيء قدير. اللهم اشدد عليهم وطأتك، وارفع عنهم عافيتك ويدك، اللهم مزقهم كل ممزق. اللهم انصر المجاهدين من المسلمين في برك وبحرك. اللهم أيدهم بنصرك، اللهم أيدهم بنصرك. اللهم ثبت أقدامهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، يا رب العالمين. اللهم أصلح إمام المسلمين، وارزقه الجلساء الصالحين الناصحين، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك، وحكم بكتابك وسنة نبيك يا رب العالمين. اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين. اللهم أقر أعيننا بصلاحهم، اللهم أقر أعيننا بصلاحهم، وجنبنا وإياهم مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن، إنك على كل شيء قدير. اللهم ارفع عنا الغلاء، والوباء، والربا، والزنا، واللواط، والزلازل، والمحن، وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة، وعن جميع بلدان المسلمين عامة يا رب العالمين. ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١]. واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 1275

نواقض الإسلام نواقض الإسلام كثيرة ومتعددة، وقد يأتي المسلم بناقض أو أكثر وهو لا يعلم، فليس الإسلام مجرد دعوى بلا حقيقة، بل هو وحدة كاملة لا تتجزأ، وفي هذه المادة بيان لبعض نواقض الإسلام التي ينبغي للعبد أن يحترز منها ويجتنبها.

стр. 1276

خطورة الردة عن الإسلام الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمرنا أن نكون له موحدين عابدين مخلصين، وأنزل القرآن على عبده ليكون هدىً للمتقين، وتنبيهاً للغافلين، وذكرى للمؤمنين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفي الله وخليله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ودعا إلى التوحيد أساس الإسلام. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً. أما بعد: أيها المسلمون: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. عباد الله: إن دين الله واحد وطريقه واضح مستقيم، وإن الضلالة طرق متشعبة، ومتاهات كثيرة فاسمعوا وأطيعوا. هذا ربكم يدعوكم في محكم البيان ويقول: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣] ثم ينهاكم جل وعلا عن طرق الضلال فيقول: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]. أمة الإسلام: الحذر كل الحذر من سبل الضلال، فإن كل سبيل من سبل الضلال عليه شيطان يدعو إليه، فالسالك على طريق الحق تعترضه صوارف عن المضي في طريقه إلى طرق الضلال، تارة بالترغيب وتارة بالترهيب، فهو يحتاج إلى علم بالطريق المستقيم وعلم بتلك الطُرق المضلة، ويحتاج إلى صبر وثبات على الحق.

стр. 1277

أشكال الردة عن الإسلام أيها المسلمون: انتبهوا على ما يلقى عليكم وارعوا الأسماع، عباد الله! إن الارتداد عن دين الإسلام والعياذ بالله إلى الكفر تارة يكون بترك الإسلام بالكلية إلى ملة من ملل الكفر، وتارة يكون بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام مع بقاء التسمي بالإسلام، وأداء شعائره، فيكون محسوباً من جملة المسلمين وهو ليس منهم، وهذا أمر خطير وموقف دقيق يحتاج إلى بصيرة نافذة، يحصل بها الفرقان بين الحق والباطل والهدى والضلال. إذ كثير ما يلتبس هذا الموقف على كثير من الناس؛ بسبب جهله بنواقض الإسلام وأسباب كثيرة، فيظن أن من أدى شيئاً من شعائر الإسلام صار مسلماً ولو ارتكب شيئاً من المكفرات، وهذا الظن الفاسد إنما نشأ بالجهل بحقيقة الإسلام وما يناقضه، وهذا واقع مؤلم يعيشه كثير من الناس في عصرنا هذا، ممن لا يميزون بين الحق والباطل والهدى والضلال؛ فصاروا يطلقون مسمى الإسلام على من يؤدي بعض شعائر الإسلام، ولو ارتكب ألف ناقض نسأل الله العافية! نعم. لو ارتكب ألف ناقض يسمونه مسلماً! ولم يعلموا أن من ادعى الإسلام ومارس بعض العبادات، ثم ارتكب شيئاً من نواقضه فهو بمثابة من يتوضأ ثم يحدث فهل بقي لوضوئه أثر؟!

стр. 1278

الإسلام ليس مجرد دعوى بلا حقيقة أيها المسلمون! إن الإسلام ليس مجرد دعوى بلا حقيقة، ولا جمع بين المتناقضات. إن الإسلام دين الحق والصدق، إن الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك وأهله. إن الإسلام وِحْدَةٌ كاملة لا تتجزأ، لا بد من القيام بشعائره وحقوقه، وتجنب نواقضه. إن الإسلام دين ودولة، عبادة وحكم وعمل، دعوة وجهاد. وبالجملة إن الإسلام يحكم جميع التصرفات والتحركات الصادرة من معتنقيه. عباد الله! إنه لا يكون المرء مسلماً بمجرد الانتساب إلى الإسلام مع البقاء على ما يناقضه من الأمور القصرية، كما أنه لا يكفي مدح الإسلام والثناء عليه من غير تمسك بأهدابه وعمل بأحكامه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣]. فاليوم المنتسبون إلى الإسلام كثير، ولكن المسلمين منهم بالمعنى الصحيح قليل، واليوم نسمع كثيراً ونقرأ كثيراً من مدح الإسلام، ولكن إذا رجعنا إلى مجال التطبيق والعمل؛ وجدنا الشقة بعيدة بين حقيقة الإسلام وبين كثير ممن يمدحونه ويثنون عليه، هل نفع أبو طالب مدحه للإسلام؟! هل نفع أبو طالب ثناءه للإسلام؟! بل مات مشركاً كافراً في النار والعياذ بالله. هل نفع الأعشى مدحه للإسلام؟! بل مات على سوء الخاتمة والعياذ بالله. أيها المسلمون! إنه لمن الظلم الواضح والضلال المبين أن نطلق اسم الإسلام على من لا يستحقه، لمجرد أنه يدعيه أو يمدحه أو يثني عليه، وهو بعيد عنه بأفعاله وتصرفاته، كما أنه من الظلم الواضح والضلال المبين أن نصف بالإسلام من هو مرتكب لما يناقضه من أنواع الردة، لمجرد أنه يصوم أو يصلي أو يمارس شيئاً من شعائر الإسلام، وهذا منا إما نتيجة جهل بحقيقة الإسلام، أو اتباع للهوى، وكلا الأمرين خطير وقبيح.

стр. 1279

أسباب الردة عن الإسلام أيها المسلمون: إن نواقض الإسلام كثيرة وأسباب الردة متعددة، لكننا نذكر منها ما يكون كفيل الوقوع في مجتمع المسلمين اليوم، نذكره لنكون على بينة منه، لنحذره فمنها:

стр. 1280

الشرك بالله الشرك في عبادة الله، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥]. مثلما يفعل اليوم في بعض البلاد الإسلامية عند القبور؛ من التقرب إلى الموتى بطلب الحاجات منهم، وصرف النذور لهم، والذبح لأضرحتهم، والذبح للجن لطلب شفاء المريض، وهذا باطل اليوم، والذي يذهب إلى البلاد المجاورة يرى هذا أعياناً، وقد يتسرب إلينا من بعض الخدم والخادمات، والسائقين الكفرة، فقد عثر على كثير منهم ومعهم صور وتماثيل يعبدونها من دون الله في بلاد المسلمين، بل في بيوت المسلمين، وبين أظهر المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ومن أنواع الشرك ما يفعل عندنا ويمارسه الذي يذهبون إلى المشعوذين والدجالين؛ لطلب العلاج، فيأمرونهم بالذبح للجن، فينفذون ذلك من غير مبالاة، وليعلموا ثم ليعلموا إذا كانوا لا يعلمون: أن الذبح لغير الله شرك أكبر وصاحبه مخلد في نار جهنم، إذا مات قبل أن يتوب، ومن تاب تاب الله عليه.

стр. 1281

الاستهزاء بشيء مما جاء به الرسول ﵊ أيها المسلمون: احذروا من الردة عن الإسلام وأنتم لا تشعرون، فمن استهزأ بشيء مما جاء به الرسول ﷺ ، كالذي يستهزأ بإعفاء اللحى، أو بالسواك، أو بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو بالجهاد أو غير ذلك، فقد ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام، قال الله تعالى مكفراً للمنافقين الذين صاروا منافقين بسبب استهزائهم بآيات بالله وبآياته ورسوله وبصحابته الكرام، قال الله تعالى عنهم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦].

стр. 1282

الحكم بغير ما أنزل الله ومن أنواع الردة عن الإسلام الحكم بغير ما أنزل الله، فمن حكم بغير ما أنزل الله وهو يرى أنه أحسن من حكم الله ورسوله وأصلح للناس، أو يرى أنه مخير بين أن يحكم بما أنزل الله، أو يحكم بغيره من القوانين، فهو كافر مرتد عن الإسلام قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] وسواء حكَّم القانون في كل شيء أو حكمه في بعض القضايا، ما دام أنه يرى أن ذلك أصلح للمجتمع، أو أنه أمر جائز؛ فهو كافر بالله، ولو صلى وصام وزعم أنه مسلم. وكذلك الذي يطلب التحاكم إلى غير شرع الله منافق، ومرتد والعياذ بالله، فهذا خطر داهم المسلمين اليوم، فإن كثيراً من الحكام نبذوا كتاب الله، واستبدلوه بقوانين استوردوها من الغرب وحكموا بها بين الناس، فيجب على المسلمين أن يعرفوا حكم الله في هؤلاء، ويحكموا به عليهم، ولا يرضوا بفعلهم، قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:٦٠]. اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه وجنبنا ما تبغضه وتأباه، وأحيينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم رد حكام المسلمين إلى الشريعة الإسلامية، اللهم وفقهم لتطبيق الشريعة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1283

ترك الصلاة الحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينا، وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس، وأمرنا بالتمسك بهذا الدين والثبات عليه إلى الممات، وحذرنا من التخلي عنه، فقال : ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله! ومن نواقض الإسلام أيضاً ترك الصلاة يا أمة الإسلام! ومن ترك الصلاة جاحداً لوجوبها فهو كافر بإجماع المسلمين، ومن ترك الصلاة وهو يقر بوجوبها لكن تركها من باب الكسل فهذا يؤمر بها، ويدعى إليها فإن أبى أن يصلي واستمر على تركها، فهو كافر على الصحيح من أقوال العلماء، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] فدلت الآيتان على أن من لم يقم الصلاة لا يخلى سبيله، بل يقتل وليس هو من إخواننا؛ لأنه كافر، قال الله عن أهل النار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣] فأخبر أن من جملة الأسباب التي دخلوا بها النار هو ترك الصلاة، وأخبر أنه لا تنفعه شفاعة الشافعين، فدل على أنهم كفار. وقال ﷺ : ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر﴾ أي: العهد الذي بيننا وبين الكفار الصلاة، فدل الحديث على أن الصلاة هي الفارقة بين الكافر والمسلم، فمن لم يصل فليس بمسلم رضي أم سخط. وقال ﷺ : ﴿بين العبد وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة﴾ وهذه نصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، تدل على كفر تارك الصلاة وخروجه من الملة، ولو كان يدعي الإسلام، ولو كان يقيم مع المسلمين. وقد كثر اليوم ترك الصلاة وعدم المبالاة بها، مع العلم أن تاركها لا حظ له في الإسلام، بل يستتاب فإن تاب وأقام الصلاة وإلا قتل مرتداً لا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه أقاربه، بل يصادر ماله لبيت مال المسلمين، وكذلك يجب أن يفرق بينه وبين زوجته المسلمة؛ لأن المسلمة لا تحل لكافر، قال الله تعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]. فلا يجوز أن يزوج من مسلمة، ولا يجوز أن تبقى معه مسلمة في عصمته، والآن ما أكثر الذين في حوزتهم نساء مسلمات وهم لا يعترفون بالصلاة فإنا لله وإنا إليه راجعون. أيها المسلمون! لو أن حكم الله نفذ في هؤلاء الذين يتركون الصلاة وطهرت منهم بلاد المسلمين، وبيوت المسلمين لارتدع الناس عن هذه الجريمة، ولم يجد هذا المجرم مكاناً له في مجتمع المسلمين، لكن حينما أغلق المسلمون أعينهم عن هؤلاء، وتركوهم يساكنونهم في بيوتهم، ويتزوجون من نسائهم، صارت جريمتهم من الأمور المعتادة التي لا تستنكر، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اللهم لا تصيبنا باللعنة كما أصابت بني إسرائيل لما سكتوا عن المنكرات ورضوا بها، وقد حذرنا رسول الله ﷺ أن يصيبنا ما أصابهم.

стр. 1284

ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون أيها المسلمون: لقد كثرت نواقض الإسلام وانتشرت في كثير من البلاد الإسلامية والمجتمعات الإسلامية، منها اعتناق المبادئ الهدامة كـ الشيوعية والاشتراكية والقوميات المناهضة للإسلام، وانتشرت عملية التبشير بالدعوة إلى النصرانية والماسونية اليهودية، فمن استحسن شيئاً من هذه المبادئ، أو أحبها أو دافع عنها أو أعان أهلها على المسلمين؛ فقد ارتد عن دين الإسلام ولحق بالكفار. فالحذر يا أمة الإسلام! الله الله!! الزموا ثغور الإسلام، فكل منكم على ثغر من ثغور الإسلام فالحذر أن يؤتى الإسلام من قبله، ولنكن على بصيرة من ديننا وبينة من أمرنا؛ لنعرف ما هو الإسلام، وما هي نواقض الإسلام، لنحب في الله لنبغض في الله، لنأمر بالمعروف، لننهى عن المنكر حتى نحذر منها ومن أهلها. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم بصرنا بالإسلام، وثبتنا على الإسلام إلى يوم نلقاك، واجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. أيها المسلمون: أكثروا من الصلاة والسلام على رسول الله، امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة، صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل. اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء، اللهم اجعل تدبيره تدميراً له يا سميع الدعاء، اللهم أدر دائرة السوء على أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم خذ أعداء الإسلام وأعداء المسلمين أخذ عزيز مقتدر، اللهم عليك بأعداء الإسلام وأعداء المسلمين الذين يصدون عن سبيلك ويفسدون في الأرض ولا يصلحون. اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأصلح أئمة وولاة أمر المسلمين أجمعين، اللهم وفقهم وأعنهم على تطبيق الشريعة الإسلامية، اللهم وفقهم وأعنهم على تطبيق الشريعة الإسلامية يا رب العالمين. اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلهم قرة أعين لنا، اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك، نسألك بأسمائك الحسنى أن ترفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عنا وعن جميع المسلمين عامة يا رب العلمين. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] , وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]. عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1285

هنيئاً لهم إن الله حين أنزل هذا الدين على نبيه ﷺ ، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، جعل الله في كتابه العزيز أوامر ونواهي اختباراً وابتلاءً للناس، ليعلم من يطيعه ومن يعصيه، ولذلك فاز المؤمنون بطاعة ربهم ورضوانه وتلهفوا بالشوق إلى ما وعدهم ربهم سبحانه. ولذلك بين الشيخ في هذا الدرس ما وعد الله به المؤمنين، ومن هم المؤمنون، وما هي صفاتهم، وذكر حال الفريق الآخر المقابل لهم، وما وعدوا به من الوعيد في الدنيا والآخرة، ثم ختم الدرس بتذكر الآخرة واليوم الآخر.

стр. 1286

ما وعد الله به المؤمنين الحمد لله، الذي بنعمته تتم الصالحات، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا أمة الإسلام! أوصيكم ونفسي بتقوى الله . عباد الله، كم تمر على أسماعنا، وكم نقرأ في آيات الكتاب المبين من قول المولى جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الحج:١٤]. وأيضاً نقرأ ونسمع: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج:٢٣ - ٢٤]. عباد الله: اسمعوا إلى هذه الوعود الطيبة من الكريم المنان؛ ولكن لمن هي يا عباد الله؟ هي لمن آمن بالله وعمل الصالحات، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وقام بفروض الدين كاملة بإخلاص لله رب العالمين، ومتابعة لرسول الله ﷺ ، ثم اسمعوا إلى ما وعدهم الله به: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وأيضاً: ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٢٧٧].

стр. 1287

صفات المؤمنين المستحقين للوعد وأيضاً اسمعوا إلى صفاتهم أيها الإخوة في الله: قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٢ - ٤]. أيضاً لهم صفات يا عباد الله، اسمعوا هذه الصفات، أسأل الله أن يجعلنا ممن يتصف بها إنه على كل شيء قدير: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان:٦٧]. واسمعوا إلى صفاتهم: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ [الفرقان:٦٨]. ولهم صفات أخرى: قال الله عنها: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان:٧٢]. ولهم صفات أخرى: قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ١١]. ولهم صفات أخرى: قال الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ [الإنسان:٧ - ٨]. إنها صفات طيبة؛ لذلك جزاهم علام الغيوب بما يستحقون من الدرجات العُلا في جنات النعيم. هنيئاً لمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، واستقام على طاعة الله. هنيئاً له يوم أن يُبعث من قبره، وقد أُعدت له النجائب، واستقبل بالتحف والإكرام. هنيئاً لهم عندما يُعطَون كتبهم بأيمانهم. هنيئاً لهم يوم أن تُثََقل موازينهم يوم الحساب. هنيئاً لهم يوم أن يتجاوزوا الصراط. هنيئاً لهم يوم أن يردوا على حوض النبي ﷺ ، فيشربون شربة هنيئة مريئة لا يظمئون بعدها أبداً. هنيئاً لمن أدخله الله الجنة، ونعمه بما فيها من النعيم المقيم، فهو آمن ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية:١٠ - ١٦]. هنيئاً لهم ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس:٥٦]. هنيئاً لهم، يفجرون الأنهار، ويَجنون الثمار، ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد:١٥]. هنيئاً لهم ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:٢٢ - ٢٣] قد أمنوا من المخاوف، وسلموا من الأحزان والهموم والغموم والأنكاد، ﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ [الحجر:٤٨]. هنيئاً لهم في الجنة، أمنوا من الموت، وكُتب لهم الخلود في دار سليمة أبد الآباد، عندهم الحور في دار الحبور، ويتمتعون بالنظر إلى وجه الله الكريم؛ لأنهم قاموا بخدمة المولى، فرضي عنهم وأرضاهم يوم لقائه. فيا من يحب أن يُتبع بهم، يا من يحب أن يصحبهم، عليك بطاعة الله، استقم على طاعة الله.

стр. 1288

حال من أعرض عن الله وجزاؤه يا من أعرض عن طاعة الله، وابتعد عما يقربه من الله، كيف حالك إذا قدمت على الله يوم القيامة؟! كيف حال الذين أعرضوا عن ذكر الله يوم الوعيد، الذين قال الله فيهم: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤]؟! كيف حال الذين يتركون الصلاة، ويضيعونها، كيف حالهم يوم القيامة إذا أدخلوا سقر؟! ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ [المدثر:٢٧]! إنها نار جهنم!! كيف حال الذين يأكلون الربا، ويتعاملون بالربا، ويحتالون على الناس؟! كيف حالهم عندما يقومون من القبور كالذي يتخبطه الشيطان من المس، ثم يُسحبون إلى نار جهنم؟! كيف حال الذين يرتكبون جريمة الزنا يوم القيامة؟! كيف حالهم يوم الحسرة والندامة؟! كيف حال الذين يرتكبون جريمة اللواط؟! كيف حالهم وهم في القبور قد مُسخوا خنازير، ثم يوم القيامة تشتعل بهم النار؟! كيف حال الذين انهمكوا في المسكرات والمخدرات؟! كيف حالهم يوم القيامة، يوم يُسقون من طينة الخبال؟! وما أدراك ما طينة الخبال! إنها عصارة أهل النار!! كيف حال الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً؟! كيف حالهم يوم يقوم الناس لرب العالمين، وقد تحقق فيهم: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء:١٠]؟! كيف حال الذين يمشون بالنميمة، ويغتابون الناس، يوم يُؤخذ من حسناتهم لمن اغتابوا؟! كيف حال الذين يأكلون الحرام، ويشربون الحرام، ويلبسون الحرام، ويتعاملون بالغش والخداع والمكر والخيانة والكذب؟! كيف حالهم يوم العرض الأكبر على الله؟!

стр. 1289

دعوة إلى التوبة إلى الله فيا عبد الله: يا من يريد النجاة يوم الوعيد! بادر بالتوبة إلى الله، بادر بالتوبة إلى الله، قبل أن يتحقق فيك قول الله جل وعلا: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٥٦ - ٥٨]! ففي ذلك اليوم لا يُجاب لهم مطلب، ولا يُسمع لهم كلام، كما أخبر الله في محكم البيان: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام:٢٧ - ٢٨] قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨]. عباد الله! في يوم القيامة تظهر السرائر وتنكشف أمام العالمين، قال الله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْأِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:٢ - ٤]. إن يوم القيامة أمره عظيم، وخطره جسيم، في ذلك اليوم العظيم يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟! أين الجبارون؟! أين المتكبرون؟! وينادي رب العزة والجلال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦] ثم يجيب نفسه بنفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] ففي ذلك اليوم لا تسأل عما يحدث من الدمار الكوني، فالأرض تُزَلزل وتُبَدل، والسماء تُشَقق بالغمام وتمور موراً، والشمس تُكَور، والقمر يُخْسَف به، والنجوم تَنْكَدر، وينقطع عِقْدُها، ويذهب ضوءُها، والبحار تُفَجر وتُسَجر، والوحوش تُحْشَر، والنفوس تُزَوج، والجحيم تُسَعر، والجنة تُزْلَف، والخلائق قد جُمِعوا في صعيد واحد، ينفذُهم البصر، ويُسْمعهم الداعي، اجتمعوا ليوم الفصل. يومٌ تشققت السماء لهوله وتشيب منه مفارق الوِلْدان عباد الله: علينا أن نستعد لذلك اليوم، علينا أن نبادر بطاعة الله، ونستقيم على ما يحبه الله ويرضاه. اللهم إنا نسألك حسن الختام، اللهم إنا نسألك حسن الختام، يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، واجعلنا من هؤلاء الصنف. يوم يجيء المتقون لربهم وفداً على نُجُبٍ من العِقْيانِ ولا تجعلنا من المجرمين. ويجيء فيه المجرمون إلى لظى يتلمظون تلمظ العطشانِ اللهم صل وسلم على نبينا محمد. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم

стр. 1290

يوم القيامة وما فيه من أهوال الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله حق تقاته. عباد الله! تذكروا دائماً يوم القيامة لعل القلوب أن تلين وتَرْعَوِي، وترجع وتنيب إلى الله . عباد الله! تذكروا يوم يأتي كل واحد منا منفرداً بأحزانه وهمومه وغمومه، فالقلب خائف، والبصر خاشع. ثم تذكروا عندما تقبل الوحوش منكسة رءوسها. ثم تذكروا هذه الشمس التي تشرق وتضيء العالم عندما تكور، والقمر عندما يخسف به، والنجوم عندما تتناثر وتنكدر، والسماء عندما تتشقق بالغمام، وعندما تتفتح مثل الأبواب، لينزل من كل سماء ملائكتها؛ ليحيطوا بأهل الموقف. ثم نتذكر يا عباد الله عندما تدنى الشمس على رءوس العباد، وانضاف إلى حرها كثرة الأنفاس، وازدحام الأجسام، وقد ذهب العرق منهم في الأرض سبعين ذراعاً، ثم فاض عليهم، فمنهم من يبلغ منه العرق إلى كعبيه، ومنهم إلى أنصاف ساقيه، ومنهم إلى ركبتيه، ومنهم إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، وانضاف إلى ذلك العطش وطول القيام، فلا نوم ولا راحة. عباد الله! تذكروا عندما يتبرأ منكم الصاحب والقريب، والولد والوالد والأخ، وتقطعت الصلات والأنساب؛ لما في ذلك من المزعجات والقلاقل والأهوال التي ملأت القلوب من الخوف والفزع والرعب والذعر. يُروى ﴿أن رسول الله ﷺ كان رأسه في حجر عائشة ﵂ فنعس فتذكرت الآخرة، فبكت فسال دمعها على خد النبي ﷺ ، فاستيقظ بدموعها، فرفع رأسه فقال: ما يبكيك؟ فقالت: يا رسول الله! ذكرتُ الآخرة، هل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ قال: والذي نفسي بيده في ثلاثة مواطن، فإن أحداً لا يذكر إلا نفسه: إذا وُضعت الموازين ووزنت الأعمال حتى ينظر ابن آدم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند الصحف حتى ينظر أبيمينه يأخذ أم بشماله، وعند الصراط﴾. عباد الله! تذكروا تلك المواقف العظيمة وأنتم وقوف في ذلك العالم، وقد تغير عليكم سماؤه وأرضه، واجتمعتم بالأولين والآخرين على صعيد واحد، الله أكبر يا عباد الله! إنه يوم عظيم، قال فيه بعض العلماء: مَثِّل لنفسك أيها المغرورُ يوم القيامة والسماء تمورُ قد كورت شمس النهار وأضعفت حراً على رأس العباد تفورُ وإذا الجبال تقلعت بأصولها ورأيتها مثل السحاب تسيرُ وإذا العشار تعطلت عن أهلها خلت الديار فما لها مغرورُ وإذا النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلت بعد الضياء كدورُ وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت وتقول للأملاك أين نسيرُ فيقال سيروا تشهدون فضائحاً وعجائباً قد أحضرت وأمورُ وإذا الجنين بأمه متعلق خوف الحساب وقلبه مذعورُ هذا بلا ذنب يخاف لهوله كيف المقيم على الذنوب دهورُ اللهم ارحمنا بواسع رحمتك، اللهم ارحم وقوفنا يوم العرض الأكبر يا حي يا قيوم، اللهم ارحم عرضنا عليك يوم العرض الأكبر يا رب العالمين. اللهم اجعلنا ممن يُعطى كتابه باليمين، اللهم اجعلنا ممن يُعطى كتابه باليمين، اللهم آمن خوفنا يوم الفزع يوم الدين يا رب العالمين. عباد الله! أكثروا من الصلاة والسلام على رسول الله، الذي بعثه الله رحمة للعالمين، وقدوة للسالكين، صلوا عليه وسلموا تسليماً، امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين. اللهم ارحمنا إذا عرق الجبين، وكثر الأنين. اللهم ارحمنا إذا حُملنا إلى القبور، ووضعنا في تلك اللحود، وصُفَّت علينا اللبنات، وحُثي علينا التراب، وتخلينا بها وحدنا، اللهم آنس وحشتنا في القبور، اللهم آنس وحشتنا في القبور، وارحم غربتنا فيها، وآمن فزعنا يوم الحشر والنشور. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين الذين يفسدون في الأرض ولا يُصلحون. اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعلنا وإياهم هُداة مهتدين. اللهم واجمعنا ووالدِينا ووالدِي والدِينا وجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، في جنات الفردوس الأعلى يا أكرم الأكرمين، ويا أجود الأجودين، ويا أرحم الراحمين. اللهم ارفع عنا الغلاء، والوباء، والربا، والزنا، واللواط، والزلازل، والمحن، وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، عنا وعن جميع المسلمين عامة، يا رب العالمين. عباد الله! استيقظوا من رقدتكم، أفيقوا من غفلتكم، أكثروا من ذكر الله، أقبلوا على الله؛ فإن أمامكم القيامة تحتاج إلى زاد واحد، وهو التقوى يا عباد الله، اتقوا الله يا عباد الله، ارجعوا إلى الله، والله ثم والله إنها أمور يؤسف لها عندما نرى المساجد بعد رمضان! كيف انهزمت تلك الصفوف؟! أين ذهبت تلك الصفوف يا عباد الله؟! ألا يراقبون الله؟! ألا يخافون الله الذي أمدهم بالنعم، الذي أمدهم بالصحة والعافية، ورزقهم وأوجدهم؟! ألا يتقون الله؟! ذكروهم يا عباد الله، ذكروهم وقولوا لهم: إن أمامكم هادم اللذات، سوف يهجم عليكم على غرة، ثم تُنقلون إلى القبور، وفي يوم من الأيام تُعرضون على جبار الأرض والسماوات، فكيف حالكم وقد أضعتم فرائض الله؟! فاستعدوا لذلك اليوم يا عباد الله، إنه يوم يشيب منه الوليد، وتضع الحوامل حملها، ويفر الولد من والده, والوالد من ولده، والزوجة من زوجها، والزوج من زوجته، والابن من أمه، والأم من ابنها، إنه يوم عظيم. اللهم وفقنا للاستعداد لذلك اليوم، اللهم وفقنا للاستعداد لذلك اليوم. اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد.

стр. 1291

وفاة الرسول ﷺ لقد بعث الله رسوله ﵊ على فترة من الرسل، فكان أول ما بدئ به الرؤيا الصالحة، ثم نزل عليه الوحي وهو في غار حراء يتعبد فيه، ثم أمره الله تعالى بتبليغ الدين، فلقي من قريش أشد الأذية والتكذيب، فجعل يعرض دعوته على القبائل، حتى أذن الله له بالهجرة إلى المدينة، فاستقر فيها حتى أكمل الله به الدين وأتم به النعمة، فاختاره الله إليه في الرفيق الأعلى، فتوفي ﷺ وهو قرير العين على أمته.

стр. 1292

البُشرى بنبوة محمد ﷺ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله حق تقاته، واشكروه على بعثة هذا النبي الكريم محمد ﷺ ، الذي أخرجكم الله به من الظلمات إلى النور، وهداكم به من الضلالة، وأخرجكم به من الجهل إلى العلم، ومن القسوة إلى الرحمة، ومن الظلم إلى العدل، إنه محمد رسول الله ﷺ ، الذي بشرت به الأنبياء، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف:٦].

стр. 1293

نزول الوحي والأمر بالدعوة أمة الإسلام: لقد بعث الله تعالى محمداً ﷺ على حين فترة من الرسل، بعثه الله على رأس الأربعين من عمره ﴿فأول ما بُدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، وكان يخلو بـ غار حراء فيتحنَّث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود إلى ذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثل تلك الليالي؛ حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ -أي لست بقارئ، لأنه أميٌ ﷺ لا يقرأ ولا يكتب- قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ! فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ! فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ [العلق:١ - ٣] فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂، فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لـ خديجة وأخبرها الخبر وقال: لقد خشيت على نفسي فقالت خديجة: كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنَّك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ابن عمها، وكان امرءاً تنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب بالعبرانية، ويكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عمي! اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا بن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : أومخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجلٌ قط بمثل ما جئت به إلا أوذي، وإن يدركني يومك، أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم يلبث ورقة أن توفي، وفتر الوحي، ثم أنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:١ - ٧]﴾.

стр. 1294

مبادرة أبي بكر بالإسلام قام ﷺ ، بأمر ربه ﵎ مبشراً ومنذراً، وكان أول من أجابه من غير أهل بيته أبو بكر ﵁ وأرضاه، وكان صديقاً لرسول الله قبل النبوة، فلما دعاه النبي ﷺ ، بادر إلى التصديق، بادر أبو بكر إلى التصديق بمحمدٍ ﷺ ، وقال: [[بأبي وأمي أهل الصدق أنت يا رسول الله! أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله]] وصار أبو بكر ﵁ وأرضاه من الدعاة إلى الإسلام حينئذٍ، فأسلم على يديه عثمان والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص ﵃ أجمعين.

стр. 1295

مكايد قريش ضد الدعوة مكث نبينا ﷺ يدعو الناس سراً حتى نزل قول الحق تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤] فصدع بأمر الله تعالى، وجهر بدعوته، فجعل المشركون يسخرون منه، ويستهزئون به ويؤذونه بالقول وبالفعل، وكان أبو طالب يحوطه ويحميه، وتوفي أبو طالب، وتوفيت زوجته خديجة ﵂، ولقي من المشركين أشد المضايقة، والاستهزاء والسخرية، وكان من أشد الناس له إيذاءً وسخريةً عمه أبو لهب وزوجته اللذان قال الله فيهما: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١ - ٥] واشتد أذى قريش بنبي الرحمة محمد ﷺ ، حتى بلغ بهم من الدناءة والرذالة أن ألقوا عليه فرث الناقة وسلاها، وهو ساجد يتعبد لله بجوار بيته الحرام، ولم يقدر أحدٌ على رفعه عنه، فلم يزل ساجداً حتى جاءت ابنته فاطمة ﵂، فألقته عن ظهره الشريف ﷺ .

стр. 1296

عرض الدعوة والإذن بالهجرة إلى المدينة ولما رأى الاستهانة وكثرة الأذى له ولأصحابه، أمر بعضهم بالهجرة إلى الحبشة، وخرج إلى الطائف يدعوهم إلى الإسلام، وقابل رؤساءهم وعرض عليهم الإسلام، ورد عليه أهل الطائف رداً قبيحاً، وأرسلوا غلمانهم وسفهاءهم يقفون في وجهه، ويرمونه بالحجارة حتى أدموا عقبيه ﷺ ، ورجع عنهم ومدَّ يد الافتقار إلى العزيز الحكيم، إلى الواحد القهار، إلى ربَّ العزة والجلال، وتضرع إلى الله، أن ينصره وينصر الإسلام، فقيَّض الله له الأنصار، فبايعوه على عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يمنعوه إذا قدم عليهم مما يمنعوا منه نساءهم وأبناءهم، عند ذلك وفي ذلك الحين أذن الله له بالهجرة إلى المدينة، وخلَّف على فراشه علياً ﵁ وأرضاه، ليخرج إلى الهجرة، وقد عزمت قريش وعقدوا في دار الندوة، على أن يجمعوا من كل قبيلة شاباً وليترصدوا لمحمدٍ ﷺ حتى يقتلوه قتلةً واحدةً، ويتفرق دمه بين القبائل، فجمعوا أمرهم، ولكن الله أبطل كيدهم، فترصدوا له عند بابه ليفتكوا به إذا خرج، فخرج من بيته يذر على رءوسهم التراب وهو يتلو هذه الآية: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩] وخرج رسول الله، ولما خرج وانتبهوا من عماهم ومن نومتهم التي أعماهم الله فيها، نظروا في البيت فإذا فيه علي ﵁ وأرضاه، وإذا رسول الله ﷺ خرج سالماً من شرهم، فخرج هو وأبو بكر ﵁ وأرضاه، في شهر ربيع أول , وقد اختفيا في غار ثور ثلاثة أيام، والمشركون يطلبونهم من كل وجه، حتى كانوا يقفون على الغار الذي فيه رسول الله ﷺ ، وفيه أبو بكر ﵁ وأرضاه، فيقول أبو بكر ﴿يا رسول الله! والله لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا، فيقول رسول الله ﷺ : لا تحزن إن الله معنا، ما ظنك باثنين الله ثالثهما﴾ الله أكبر.

стр. 1297

استقبال أهل المدينة لرسول الله ﷺ وسار رسول الله ﷺ وأبو بكر إلى المدينة بحفظ الله ورعايته، بعد أن خرجوا من الغار سالمين، فلما سمع الأنصار ﵃ بمقدم رسول الله ﷺ ، جعلوا يخرجون كل يومٍ إلى حرة المدينة ليستقبلوا رسول الله ﷺ ، فكان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ هو النور في إشراقته، فاجتمعوا إلى رسول الله وهم يرددون: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع جئت شرفت المدينة مرحباً يا خير داع أو كما قالوا ﵃ في استقبال رسول الله ﷺ ، فاجتمعوا إلى رسول الله ﷺ محيطين به متقلدين سيوفهم، وخرج النساء والصبيان وكل واحدٍ يأخذ بزمام ناقته يريد أن ينزل عليه رسول الله ﷺ وهو يقول: ﴿دعوها فإنها مأمورة﴾ حتى إذا أتت محل مسجده اليوم، وهو المسجد النبوي الشريف، فعندما وصلت ذلك المكان المبارك بركت فيه، فنزل عنها رسول الله ﷺ ، وسكن دار أبي أيوب الأنصاري حتى بني المسجد وبنُيت مساكنه.

стр. 1298

التمكين للدين وموت الرسول ﷺ ثم لما استقر وأذن الله له بقتال الأعداء، وكان في المدينة ثلاث فرقٍ من اليهود، فقاتلهم رسول الله وأجلاهم عن المدينة وطهَّر المدينة منهم ﷺ ، وقاتل الأعداء أعداء الدين من قريش وغيرهم الذين كانوا يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً، فأظهره الله عليهم، وأيده بنصره وبالمؤمنين، ولما أكمل الله به الدين، وأتمَّ به النعمة على المؤمنين، أراد الله أن يختاره إلى جواره في الرفيق الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فابتدأ به المرض في آخر شهر صفر وأول ربيع أول، وخرج إلى الناس عاصباً رأسه، وصعد المنبر، فتشهد وحمد الله وكان أول ما تكلم به بعد ذلك أن استغفر للشهداء الذين قتلوا في غزوة بدر وأحد، ثم قال ﷺ : ﴿إن عبداً من عباد الله خيَّره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله فلما قال ﷺ تلك المقالة؛ فهمها أبو بكر ﵁ وأرضاه، فبكى، وقال: نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : على رسلك يا أبا بكر﴾ ثم قال: ﴿إن أَمنَّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن خلة الإسلام ومودته، ثم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس﴾ ولما كان يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول اختاره الله لجواره، فلما نزل به الموت، جعل يدخل يده في ماء عنده ويمسح به وجهه ويقول: ﴿لا إله إلا الله، لا إله إلا الله! إن للموت لسكرات﴾ ثم شخص بصره نحو السماء وكان يوصي في تلك الحالة الحرجة في آخر أنفاسٍ يلفظها من الدنيا، وهو يقول: ﴿الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم﴾ ثم شخص بصره نحو السماء، وقال: ﴿اللهم في الرفيق الأعلى﴾ فتوفي ﷺ ، وخرجت روحه الشريفة، واضطرب الناس عند ذلك حتى جاء أبو بكر ﵁ وأرضاه، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: [[أما بعد: فمن كان يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حيٌ لا يموت ثم قرأ قول الله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]]] فاشتدَّ بكاء الناس، وعرفوا أن رسول الله ﷺ قد مات، فغسِّل وكفُن ﷺ في ثيابه، ودفن في حجرة عائشة ﵂ ليلة الأربعاء، صلوات الله وسلامه عليه. مات وترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات الله وسلامه عليه دائماً وأبداً وسرمداً إلى أن نلقاه على الحوض. اللهم ارزقنا شفاعة نبيك محمد ﷺ ، واجمعنا به في دار كرامتك مع المؤمنين والصديقين والشهداء في جنات الفردوس الأعلى. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وأسأل الله أن يجعلنا من أمة محمد، أمة الإجابة، القابلة للحق الناهجة على الصراط المستقيم، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1299

الآيات والمعجزات المؤيدة لرسول الله ﷺ الحمد لله الذي أيد رسوله محمداً ﷺ بالمعجزات، والآيات البينات، واختصه بالفضائل الكثيرة والكرامات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا شريك له في الألوهية والربوبية، والأسماء والصفات، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى على جميع المخلوقات، المبعوث رحمةً للعالمين، وقدوة للسالكين إلى رب العالمين، إلى رب الأرض والسماوات، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:

стр. 1300

معجزة القرآن الكريم فيا عباد الله: اتقوا الله ، واعرفوا ما أيَّد الله به نبيكم ﷺ من الآيات والمعجزات، فإن الله أعطاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، وأبلغ ما أوتيه ﷺ هذا القرآن العظيم، ففيه عبرة لمن اعتبر، فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وفصل ما بينكم، اشتمل على ذكر أخبار الأولين والآخرين، واشتمل على الفصاحة والبلاغة التي عجزت عنهما مدارك الجن والإنس السابقين منهم واللاحقين.
следующие страницы →