Полный текст (1 664 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
أدلة تحريم التبرج والسفور
يقول ربنا جل وعلا: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٢ - ٣٣].
ففي هذه الآيات ينهى ربنا جل وعلا نساء النبي الكريم أمهات المؤمنين, وهن من خير النساء وأطهرهن على الإطلاق, ينهاهن عن الخضوع بالقول عند الرجال، وهن من خير النساء ينهاهن عن تليين الكلام وترقيقه, لئلا يطمع الذي في قلبه مرض شهوة الزنا, ويظن أنهن يوافقنه على ذلك.
ويأمر جل وعلا بلزومهن البيوت وينهاهن عن تبرج الجاهلية, وهو إظهار الزينة والمحاسن كالرأس والوجه والعنق والصدر والذراعين والساقين ونحو ذلك من الزينة؛ لما في ذلك من الفساد العظيم, والفتنة الكبيرة, وتحريك قلوب الرجال حتى أودت بالشباب إلى الجنون, حتى صاروا يفحطون في الشوارع بدون عقول, إن الجنون فنون!
إن تفحيط الشباب وظهورهم بهذا المظهر إنما هو من جنون القرن العشرين, وما ظهر فيه من الفتن؛ بما في ذلك من الشر المستطير الذي حصل من تبرج النساء؛ لما في ذلك من الفساد العظيم والفتنة الكبيرة وتحريك قلوب الرجال إلى تعاطي أسباب الزنا.
إذا كان الله يحذر أمهات المؤمنين من هذه الأشياء المنكرة مع صلاحهن وإيمانهن وطهارتهن فغيرهنَّ أولى بالتحذير والإنكار, والخوف عليهن من أسباب الفتنة، عصمنا الله وإياكم من مضلات الفتن.
ففي هذه الأوامر أحكام عامة لنساء النبي ﷺ وغيرهن يقول ربكم جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] لأي شيء ذلك يا ربنا؟ ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] ففي هذه الآية الكريمة نص واضح في وجوب تحجب النساء عن الرجال, وتسترهن من الرجال, وهذا واضح من كلام رب العالمين، أن التحجب أطهر لقلوب الرجال وقلوب النساء، وأبعد في الوقوع عن الفاحشة وأسبابها.
стр. 1437
دعاة السفور ودعاويهم
ويشير ربنا سبحانه وبحمده في الآيات إلى أن السفور وعدم التحجب خبث ونجاسة, وأن التحجب طهارة وسلامة.
стр. 1438
التمسك بالعادات والتقاليد
إن الذين يكابرون ويعاندون ويردون أحكام الشريعة ويقولون: إنا لا نترك العادات والتقاليد, فيهم شبه من المشركين الذين قالوا: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢] فالإسلام يأتي ليحارب تلك البدع، وليحارب ذلك التخلف، وليحارب عادات الجاهلية, وهم يقولون: إننا لا نترك العادات والتقاليد، وقلوبنا نظيفة، تلك حجة المعاندين الذين لم يذوقوا طعم الإيمان, ولم يرتووا من أحكام هذه الشريعة السمحة, وإنما ارتووا من المجلات والجرائد الخليعة التي تريد أن تخرجهم من دائرة الإسلام, وتدخلهم في دين بيجن وشركاؤه من أعوان الظلمة والكفار.
فهذه الآيات والأحكام ليست خاصة بزوجات نبينا ﷺ ، بل هي عامة في زوجاته وبناته ونساء المؤمنين، بقول ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] والجلابيب: جمع جلباب؛ وهو: ما تضعه المرأة على رأسها في التحجب والتستر به، وبه أمر الله جميع نساء المؤمنين بإدناء جلابيبهن على محاسنهن من الشعور والوجه وغير ذلك, حتى يعرفن بالعفة فلا يؤذين أحداً ولا يؤذيهن أحد.
ويقول ربنا جل وعلا: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٦٠] ففي هذه الآيات يخبر تعالى أن القواعد من النساء وهن العجائز اللاتي لا يرجون نكاحاً, لا جناح عليهن أن يضعن ثيابهن عن وجوههن وأيديهن, إذا كن غير متبرجات بزينة, فعلم بذلك أن المتبرجة بالزينة ليس لها أن تضع ثوبها عن وجهها ويديها, وغير ذلك من زينتها وأن عليها جناحاً في ذلك ولو كانت عجوزاً؛ لأن كل ساقطة لها لاقطة؛ ولأن التبرج يفضي إلى الفتنة بالمتبرجة, ولو كانت عجوزاً, فكيف يكون الحال بالشابة والجميلة إذا تبرجت؟ لا شك أن إثمها أعظم، والجناح عليها أشد، والفتنة بها أكبر.
عباد الله: لا يخفى ما وقع فيه الناس اليوم من التوسع في التبرج, وإبداء المحاسن، فالواجب سد الذرائع وحسم الوسائل المفضية إلى الفساد وظهور الفواحش, وقد نهانا رسول الله ﷺ بقوله: ﴿لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم﴾.
стр. 1439
ادعاء طهارة القلوب
ومن أعظم أسباب الفساد والمعاندة ما يفعله بعض الناس من الاختلاط بدون محرم, وبدون حجاب, ويقولون: هذه عاداتنا وتقاليدنا والقلوب نظيفة, نقول لهم: أنتم أنظف قلوباً من قلوب الصحابة؟! هذا سؤال لهم، هل هم أنظف قلوباً أم الصحابة ﵃؟ فإن رسول الله ﷺ قال في زمن الصحابة الذين هم خير القرون: ﴿لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم﴾ وقال ﷺ : ﴿لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما﴾ ويقول ﷺ : ﴿لا يبيتن رجل عند امرأة إلا أن يكون زوجاً أو ذو محرم﴾ كل هذه المقالات في عهد الصحابة ﵁ الذين هم خير القرون وأنظف قلوباً من قلوبنا, ويا ليت قلوبنا تزن من قلوبهم ولو مثقال ذرة.
فاتقوا الله -أيها المسلمون- وخذوا على أيدي نسائكم، وامنعوهن مما حرم الله عليهن من السفور والتبرج وإظهار المحاسن والتشبه بأعداء الإسلام, واعلموا أن السكوت على هذه المنكرات مشاركة لهن في الإثم, وتعرض لغضب الله, وعموم عقابه, عافنا الله وإياكم وجميع المسلمين من ذلك.
وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1440
أسباب توقي الفتن
الحمد لله كما أمر, وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, على رغم أنف من جحد به وكفر, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي جاء بها نقية لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
يقول ربكم جل وعلا في محكم التنزيل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣٠ - ٣١] فيأمر فيها المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار, وحفظ الفروج, وما ذلك إلا لعظيم فاحشة الزنا, وما يترتب عليها من الفساد الكبير بين المسلمين؛ ولأن إطلاق البصر من وسائل مرض القلب, ووقوع الفاحشة, وغض البصر من أسباب السلامة من ذلك وأحفظ للفرج، وأزكى للمؤمن في الدنيا والآخرة.
ويخبر جل وعلا أنه خبير بما يصنعه الناس, وأنه لا يخفى عليه خافية, وفي ذلك تحذير للمؤمنين من ركوب ما حرم الله, والإعراض عما شرعه الله له, وتذكير له بأن الله يراه ويعلم أفعاله الطيبة وغيرها, كما يقول جل وعلا: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩].
فيا عباد الله: ويا أمة الإسلام! الواجب على المسلم أن يحامي على نسائه وبناته، وعلى أخواته وزوجاته, ولا يغرنه أقوال المنخدعين, وأقوال المنحرفين, وأقوال الضالين: إنه موسوس, إنه منحط, إنه متجمد, يا للأسف الشديد! إنها أقوال قد عدَّها بعض العلماء من نواقض الإسلام التي تدخل صاحبها في الكفر والعياذ بالله.
فالواجب على العبد أن يحذر ربه ، وأن يستحي منه أن يراه على معصيته، أو يفقده من طاعته التي أوجب عليه ويقول سبحانه وبحمده: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١] فأمر جل وعلا المؤمنات بغض البصر وحفظ الفروج, كما أمر المؤمنين بذلك؛ صيانة لهن من أسباب الفتنة وتحريض لهن على أسباب العفة والسلامة.
فاحذروا يا عباد الله! احذروا يا أمة الإسلام! احذروا من طلاقة البصر, ومن الخلوة بالنساء, والدخول عليهن بدون محرم؛ لأن ذلك من وسائل الفتنة والفساد, واحذروا من مصافحة المرأة الأجنبية؛ فإنها ليست من المحارم, وفيه وعيد شديد, وقد صح عن نبينا ﷺ أنه قال: ﴿ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء﴾.
اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه وجنبنا ما تبغضه وتأباه.
وصلوا على سيدنا ونبينا محمد كما أمرنا الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلَّى علي صلاة، صلَّى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد, وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين, وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعد للمسلمين مجدهم، اللهم أعد للمسلمين عزتهم، اللهم عزنا بالإسلام, اللهم أذل الشرك والمشركين, ودمّر أعداء الدين, وانصر عبادك الموحدين، اللهم انصر من نصر الإسلام وأهله, واخذل من خذل الإسلام وأهله.
اللهم دمّر اليهود والنصارى والشيوعيين ومن به عداء للإسلام والمسلمين, ومن كان من جلدتهم, وإن كان من جلدتهم, وإن كان ينطق بلهجتهم, اللهم اشدد وطأتك على الكافرين ودمرهم تدميراً يا رب العالمين.
اللهم انصر عبادك الموحدين, واجعل هذا البلد وجميع بلدان المسلمين عامة مطمئنة آمنة يا رب العالمين.
اللهم أرنا الحق حقاًً وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واهدنا وإياهم لما فيه الصلاح والخير في الدنيا والآخرة، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا, اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلهم قرة أعين لنا يا رب العالمين.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على وافر نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1441
مشاهد القيامة
وعد الله تعالى من أطاعه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ووعده بجنة عرضها السماوات والأرض، من دخلها لا يبأس أبداً، فيها من النعيم والإكرام، وذهاب الضغائن والأحقاد، وما تلذ الأنفس وما تشتهيه، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأعظم من ذلك كله رؤية المؤمنين لربهم جلَّ وعلا.
стр. 1442
وصف نعيم الجنة
الحمد لله، الحمد لله الذي نصب الكائنات على ربوبيته ووحدانيته حججاً، وحجب العقول والأبصار أن تجد إلى تكييفه منهجاً، وأوجب الفوز بالنجاة لمن شهد له بالوحدانية شهادةً لم يبغ لها عوجاً، وجعل لمن لاذ به واتقاه من كل ضائقةٍ مخرجاً، وأعقب من ضيق الشدائد وظنك الأوابد لمن توكل عليه فرجاً، وجعل قلوب أوليائه متنقلةً في منازل عبوديته من الصبر والتوكل والإنابة والتفويض والمحبة والخوف والرجاء، فسبحان من أفاض على خلقه النعمة! وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته تغلب غضبه، وأسبغ على عباده نعمه الظاهرة والباطنة، وسخر لهم البر والبحر، والشمس والقمر، والليل والنهار، والعيون والأنهار، والضياء والظلال، وأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه يدعوهم إلى جواره في دار السلام، يدعوهم إلى جواره في دار النعيم واللذة والسرور، يدعوهم إلى جنةً عاليةٍ قطوفها دانية.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده، أرسله رحمةً للعالمين، وقدوةً للعامِلين، ومحجةً للسالكين، وحجةً على العباد أجمعين، داعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، يدعو الناس إلى الجنة ويحذرهم من النار، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله .
عباد الله: لقد سمعتم في الخطبة الماضية أوصاف القيامة، وما فيها من الأهوال والشدائد العظيمة والأمور المفزعة التي من شدتها تشيب الولدان، وتضع الحوامل حملها، وتذهل كل مرضعةٍ عما أرضعت ففي يوم القيامة ينقسم الناس إلى قسمين: قسم إلى النار المحرقة، وقسم إلى الجنة التي لا يخرب بنيانها ولا يهرم شبانها ولا تبلى ثيابهم، ولا ينقطع نعيمهم، في جوار أرحم الراحمين.
стр. 1443
الحث على المسارعة بالأعمال الصالحة
اسمعوا إلى المولى جل وعلا وهو يحثكم إليها: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٦] ويقال لأهل الجنة -اللهم اجعلنا منهم، اللهم اجعلنا منهم، اللهم اجعلنا منهم-: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٦ - ٤٧] تصوروا ذلك المجلس يا عباد الله! تصوروا ذلك المجلس، وفكروا فيه طويلاً ﴿إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٧ - ٤٨] ويقال لأهل الجنة: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٨] من هم -يا عباد الله- الذين يقال لهم هذا؟ يقال للذين آمنوا بآيات الله وكانوا مسلمين ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف:٦٩ - ٧٣].
стр. 1444
حال أهل النعيم في الجنة
ثم هم -يا عباد الله- في مقامٍ أمينٍ من الحوادث وغيرها، في أمان من تغير الزمان وتقلبات الحياة، في جنات وعيون لهم فيها من اللباس السندس والإستبرق متنعمين مع الزوجات من الحور العين الراضيات المرضيات الآمنات الطاهرات من الحيض والنفاس والمخاط، اسمعوا يا عباد الله! اسمعوا يا من تشتاقون إلى الجنة! ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان:٥١] نسألك اللهم من فضلك.
اللهم إنا نسألك الجنة، اللهم إنا نسألك الجنة، اللهم إنا نسألك الجنة ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان:٥١ - ٥٢] اللهم إنا نسألك من فضلك، الله أكبر -يا عباد الله- تذوقوا طعم الجنة قبل أن تدخلوا الجنة، يقول ابن تيمية: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها، لم يدخل جنة الآخرة.
تذوقوا طعم الجنة.
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ [الدخان:٥١ - ٥٦] سكرات الموت سلموا منها، سلموا من الموت الذي هو أشد من الضرب بالسيوف والقرض بالمقاريض ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦] لأن أهل الدنيا وإن كانوا في القصور والفلل والعمارات، فإنهم سوف يذوقون الموت، أما أهل الجنة، فإنهم لا يذوقون الموت، تكفيهم الموتة الأولى ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦] ومع ذلك ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الدخان:٥٦ - ٥٧] إي وربي إنه لهو الفوز العظيم في جنة النعيم!
عباد الله: بادروا إلى الجنة وما أعد الله فيها لعباده الصالحين، يقول المصطفى محمد ﷺ : ﴿يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، واقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]﴾ ويقول رسول الله محمدٌ ﷺ : ﴿أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكبٌ دريٌ في السماء إضاءة، لا يبولون، ولا يتفلون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، أزواجهم الحور العين، على خلق رجلٍ واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء﴾ متفق عليه، وفي رواية لـ مسلم: ﴿آنيتهم فيها الذهب، ورشحهم فيها المسك، ولكل واحدٌ منهم زوجتان يُرى مخ ساقيهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجلٍ واحد يسبحون الله بكرةً وعشياً﴾.
стр. 1445
آخر أهل الجنة دخولاً إليها
عباد الله: لقد جاء الخبر الصحيح عن الصادق المصدوق رسول الله محمد ﷺ ﴿أن موسى ﵇ سأل ربه : ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي ربي! كيف وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟! فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلْك مَلِكِ من ملوك الدنيا، فيقول: رضيت ربي، فيقول: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله، فيقول في الخامسة: رضيت ربي، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فيقول: رضيت ربي، قال موسى ﵇: ربي أعلاهم منزلة؟ -يسأل عن أعلى أهل الجنة منزلة- قال الله: أولئك الذين غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها، فلم تر عينٌ، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر﴾.
حديث صحيح، رواه مسلم.
وجعل الله زوجات أهل الجنة عُرباً أتراباً، والعرب هي: المرأة المتوددة إلى زوجها باللطافة ولين الكلام، ومع ذلك هنَّ على سن واحد، ولا تباغض، ولا تحاسد في الجنة، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وفوق ذلك أنهم فيها خالدون لا يبغون عنها حولاً، ولا هم عنها مخرجون، ينادي منادٍ: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وفوق ذلك أن الله أحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبداً.
стр. 1446
أعظم النعيم في الجنة رؤية الله ﷻ
وفوق ذلك كله ما يحصل لهم من التلذذ برؤية ربهم إذا كشف الحجاب الذي بينه وبينهم، فهم يرونه عياناً بأبصارهم كما أخبر بذلك الصادق المصدوق رسول الهدى محمد ﷺ بقوله: ﴿إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وصلاةٍ قبل غروبها فافعلوا﴾ وهي صلاة الصبح وصلاة العصر.
عباد الله: إن سألتم عن صفات أهل هذه الجنات وساكني تلك الغرفات، فهم الذين وصفهم الله بقوله:
بسم الله الرحمن الرحيم.
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ١١].
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1447
شدة كرب الموقف يوم القيامة
الحمد لله أمره بين الكاف والنون وإذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون، يأمر إسرافيل بنفخ الصور فإذا هم قيام من الأجداث إلى ربهم ينسلون، أحمد الله الذي لا إله إلا هو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأشكره على نعمه وأسأله المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند ولا ظهير ولا معين له ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد:
стр. 1448
الاستشفاع بمحمد ﷺ في أرض المحشر
فيا عباد الله: اتقوا الله ، واعلموا أن أمامكم القيامة وما فيها من الأهوال والأمور الفظيعة، يقول نبينا محمد ﷺ : ﴿أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون مما ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعي، وتدنو منهم الشمس﴾ تصوروا هذا الموقف يا عباد الله! فكروا في هذا الموقف، أطيلوا النظر طويلاً في هذا الموقف مثلما تطيلون النظر في المخطط إذا سلمكم إياه المهندس، أطيلوا النظر بهذا الموقف العظيم مثلما تطيلون النظر في الصك هل نقص القاضي أم زاد من مساحة الأرض، أطيلوا النظر في هذا الموقف، فالأمر عظيم أشد من مخطط المهندس، أشد من الصك الذي يسلمك إياه القاضي.
يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعي، ونحن معهم وقوف، وتدنو منهم الشمس، ويبلغ الناس من الهمِّ والكرب ما لا يطيقون، فلا يحتملون، فيقول الناس وهم يموجون بعضهم على بعض، الأقدام متزاحمة، والأرض بهم متضايقة: ﴿ألا ترون إلى ما أنتم فيه وإلى ما بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم! فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم، فيأتونه، ويقولون: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة ألا تشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا! فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وقد نهاني عن أكل الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح، ويقول نوح مثلما قال آدم: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إلى إبراهيم ويقول مثلما قال نوح: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى ويقول مثلما قال إبراهيم، يقول: اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى ويقول مثلما قال موسى: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ ، فيأتون محمداً، فيقولون: يا محمد! أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه! فيقول رسول الله ﷺ : فأنطلق فآتي تحت العرش، فأخر ساجداً لربي، ثم يفتح الله عليَّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحدٍ قبلي، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطَ، واشفعْ تشفعْ، فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا ربِ! أمتي يا ربِ، فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ثم قال ﷺ : والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى﴾ متفق عليه.
اللهم أدخلنا من تلك الأبواب، اللهم أدخلنا من تلك الأبواب، اللهم لا تحرمنا من شفاعة نبيك محمد ﷺ ، اللهم اسقنا من حوضه شربةً هنيئةً مريئةً لا نظمأ بعدها أبداً.
عباد الله: إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وعليكم بالجماعة؛ فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.
عباد الله: صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] صلوا على رسول الله وأكثروا من الصلاة عليه، قال أبو هريرة ﵁ وأرضاه: ﴿يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه﴾.
عباد الله: صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم افتح مسامع قلوبنا لقبول الحق يا رب العالمين! اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا واجعلنا هداةً مهتدين، اللهم اجعلنا هداةً مهتدين.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠].
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1449
تعرف على الله في الرخاء
إن المتأمل في الكون وما أودع الله تعالى فيه من آيات باهرات تسير في نظام دقيق ومسار منسق يزداد إيماناً إلى إيمانه، ويقيناً إلى يقينه، ويقوده ذلك إلى التعرف على الله خالق تلك الآيات الكونية العظيمة.
ومن تعرف على الله في الرخاء والتجأ إليه في حالة الأمن؛ كان الله معه في حالة الشدة والخوف.
стр. 1450
التفكر في آيات الله سبيل معرفة الله
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسلك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: تعرفوا على الله في الرخاء يعرفكم في الشدة.
عباد الله: تفكروا في آيات الله ، فإنها تدلكم على وحدانية الله تعالى، وتدلكم على كمال ربوبيته، وتدلكم على أن الله وحده هو الذي يتصرف في ملكه، ولا يشاركه أحدٌ لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ [الإسراء:١١١].
стр. 1451
التفكر في السماء وما فيها
عباد الله: تفكروا في آيات الله، انظروا إلى السماء في حسنها وارتفاعها وجمالها، فإن فيها دلالة عظيمة على قدرة الباري جل وعلا، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦] وقد قامت بقدرة الباري جل وعلا: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧] ويقول جل وعلا: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات:٢٧ - ٢٩] فلا إله إلا الله، له القدرة التامة على كل شيء.
стр. 1452
التفكر في الأرض وما عليها
ثم انظروا -يا عباد الله- إلى الأرض التي مهدها الله لكم، وجعل فيها سبلاً، ثم أرساها بالجبال؛ لتكون مستقرة لا تميد ولا تتحرك إلا بإذن الله تعالى، ثم هي ميسرة، فكل العباد يمشون عليها، ويزرعون فيها، ويطلبون المعايش بأنواعها على هذه الأرض التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات:٣٠ - ٣٢] ما ظنكم -يا عباد الله- لو أن الأرض تميد بأهلها وتنكفئ وتنقلب بهم هل يرتاحون عليها؟ لا.
ورب العزة والجلال؛ ولكن قال جل وعلا: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات:٣٢ - ٣٣] ويقول أيضاً: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق:٧].
ثم انظروا إلى الأرض يا عباد الله! قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ [الرعد:٤] كل هذه الأصناف ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ [الرعد:٤] ثم انظروا إلى النبات وإلى الثمرة، تجدونها مختلفة الأرض واحدة، والماء واحد، ولكن النبات باختلافه تختلف هذه الثمار بقدرة من؟! بقدرة الله الذي لا إله إلا هو، فمن تأمل ذلك -يا عباد الله- وعقل وتدبر؛ علم كمال قدرة الباري جل وعلا.
ومن آياته ما بث في الأرض من المخلوقات الكثيرة على اختلاف أشكالها وألوانها ولغاتها، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم:٢٠].
ولما خلق الله الخلق، خلق لكل شكل ما يناسبه من الزوجات، أما بنو آدم فخلق الله لهم زوجات من أشكالهم ومن أنفسهم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١].
стр. 1453
التفكر في رزق المخلوقات
ثم تفكروا في هذه المخلوقات الكثيرة المنتشرة، هل هي ترزق أنفسها أم لها ربٌ يرزقها؟ بل لها رب يرزقها فإن الله وحده لا شريك له هو الذي تكفل بأرزاق العباد، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦].
من الذي هدى النملة حتى تدخر قوت الصيف للشتاء إلا الله؟ ومن الذي هداها إذا دخل عليها الماء أن تنشر طعامها على بيتها حتى ينشف، ثم تدخله إلى بيتها مرة أخرى من الذي هداها إلا الله؟ اللهم إنا نسألك إيماناً دائماً كاملاً يباشر قلوبنا.
стр. 1454
التفكر في خلق الملائكة
وكما خلق الله جل وعلا في الأرض من أصناف الخلق، فقد خلق في السماء ملائكة لا يحصيهم إلا هو سبحانه, فما من موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك قائمٌ لله تعالى، أو راكع أو ساجد، ثم يوم القيامة يقولون كلهم: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ويطوف في البيت المعمور كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.
ومن الملائكة حملة العرش، ومنهم الروح الأمين جبريل ﵇ الموكل بالوحي، له ستمائة جناح، ومنهم ميكائيل الموكل بالقطر، ومنهم إسرافيل الموكل بنفخ الصور، ومنهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح، ومنهم ملائكة عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، ومنهم الحفظة، ومنهم زبانية جهنم، ومنهم الملائكة الذين يستقبلون المؤمنين في الجنة، وملك الأرواح الذي ينفخ الروح في الأرحام، يرسله الله إذا بلغ الجنين أربعة أشهر وعشراً لينفخ فيه الروح وغيرهم كثير لا يعلمهم إلا الله.
стр. 1455
التفكر في آيتي الليل والنهار
عباد الله: تفكروا في هاتين الآيتين العظيمتين: الليل والنهار، فالليل جعله الله للراحة، والنهار لطلب المعاش، وابتغاؤكم من فضله، يقول رب العزة والجلال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص:٧١ - ٧٣].
стр. 1456
التفكر في الشمس والقمر والكواكب والنجوم
ومن آيات الله تعالى وتقدس: الشمس والقمر حيث يجريان في فلكهما منذ خلقهما الله تعالى، يجريان بسير منتظم لا تغير فيه ولا انحراف، ولا فساد، ولا اختلاف, حتى يأذن الله تعالى بخراب هذا العالم، ثم تلف وتكور وتجمع، ثم تلقى في النار، يقول الله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة:٩] ثم يلفان ويلقيان في النار.
عباد الله: تفكروا في آيات الله العظيمة، تفكروا في هذه الآيات العظيمة التي تجري بنظامٍ سيّرها الله فيه، يقول المولى جل وعلا: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٣٨ - ٤٠].
ثم تفكروا -يا عباد الله- في هذه الكواكب والنجوم التي لا يحصيها ولا يعلمها إلا الله ﵎، فمنها السيارات، ومنها الثوابت، ومنها المتصاحبات التي لا تزال مقترنة، ومنها المتفارقات التي تجتمع أحياناً وتفترق أحياناً، تسير بأمر الله تعالى وتدبيره، خلقها الله زينةً للسماء ورجوماً للشياطين، وعلاماتٍ يهتدى بها في ظلمات البر والبحر والكون كله من آيات الله جملةً وتفصيلاً، هو الذي خلقه، وهو المدبر له وحده لا شريك له، وهذه بعض آيات الله، فمن آمن بها وصدق؛ فليبشر بثواب الله، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:٥٤].
стр. 1457
التفكر في أنفسنا
عباد الله: تفكروا أيضاً في هذا الخلق البديع في خلق أنفسكم؛ كما قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] فالله جلت قدرته هو الخالق لكل مخلوق الله جل وعلا هو الموجد لكل موجود الله جل وعلا هو الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن مساكين ضعاف الإيمان، مساكين الذين ضاعت عندهم العقيدة ولم يعترفوا بالله، نسأل الله العفو والعافية، الله جل وعلا يقول: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد:١٦] ويقول تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر:٦٢].
فيا عباد الله: تعرفوا على الله في الرخاء يعرفكم في الشدة، تقربوا إلى الله بطاعته وعلينا أن نجدد إيماننا بالله ، ونلتجئ إليه نوحده ونؤمن به، ونعلم أن الله هو الواحد الأحد الفرد الصمد, الحي القيوم, الذي لا يموت أبداً.
اللهم ارزقنا إيماناً دائماً كاملاً يباشر قلوبنا، اللهم إنا نسألك اليقين والعافية، اللهم إنا نسألك اليقين والعافية، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.
عباد الله: استغفروا ربكم، فإنه غفور رحيم.
стр. 1458
من عرف الله في الرخاء عرفه في الشدة
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, أرسله الله بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركها على البيضاء ليلها كنهارها، وجاهد في الله حق جهاده، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله .
عباد الله: لقد سمعتم من آيات الله الكبرى ومخلوقاته العظمى التي تدل على وحدانيته، وعلى قدرته التامة على كل شيء، وأنه وحده لا شريك له في ملكه، ولا ند، ولا ظهير، ولا وزير، ولا صاحبة، ولا ولد, قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤] ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣] هو الله جلت قدرته: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣] فيا ويل من أعرض عن الله! ويا ويل من غفل عن الله! ويا ويل من ابتعد عن الله!
الله جل وعلا له ما سكن في الليل والنهار, وهو السميع العليم هو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير هو الله الحي القيوم الذي لا تأخذه سنةٌ ولا نوم.
عباد الله: تعرفوا إلى الله في الرخاء يعرفكم في الشدة، وتقربوا إليه بطاعته فهو الله الذي لا إله هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي خضعت لعظمته الرقاب، وذلّت لجبروته الصعاب، ولانت بقدرته الشدائد الصلاب رب الأرباب، ومسبب الأسباب.
عباد الله: تعرفوا إلى الله، فهو الذي تعنو له القلوب والوجوه، وتصمد له الخلائق أجمعين كيف يعبد غير الله؟! وكيف يستعان بغير الله؟! وكيف يتوسل بغير الله وذلك كله لله جل وعلا؟! فمن صرف شيئاً من العبادة لغير الله فهو مشرك كافر.
عباد الله: احذروا من البدع، واحذروا من مضلات الفتن، والتزموا عقيدة التوحيد، عقيدة أهل السنة والجماعة، واعلموا علم اليقين أن الله هو مالك الملك، يعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، هو الذي بيده النفع والضر, وبيده أزمَّة الأمور، فالتجئوا إلى الله عباد الله! يقول رسول الله ﷺ : ﴿واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لن ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك﴾ اسمع يا صاحب السراج! اسمع يا من ادخرت الطعام! اسمع يا مسكين! يا من ضعف عنده اليقين! ﴿واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لن ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفّت الصحف﴾.
اللهم اهدنا ووفقنا لما تحبه وترضاه، اللهم إنا نسألك إيماناً دائماً كاملاً يباشر قلوبنا، اللهم إنا نسألك اليقين والعافية.
عباد الله: أكثروا من الصلاة والسلام على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، اللهم أسقنا من حوضه شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً، اللهم لا تحرمنا من شفاعته يا أرحم الراحمين.
اللهم ارض عن خلفائه الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم تداركنا بواسع رحمتك، واختم بالصالحات أعمالنا يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم اشدد وطأتك عليهم، وارفع عنهم عافيتك ويدك، ومزقهم كل ممزق يا رب العالمين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأئمة وولاة أمور المسلمين أجمعين، في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم ولِّ على المسلمين الأخيار في مشارق الأرض ومغاربها، يقودونهم قيادة حميدة، ويدلونهم إلى كل خير، ويحذرونهم من كل شر، إنك على كل شيء قدير.
اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، وأجرنا يا مولانا جميعاً من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم أجرنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، وتوفنا وأنت راض عنا يا كريم، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ.
اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، عنا وعن جميع إخواننا المسلمين، في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم اشفِ مرضانا ومرضى جميع المسلمين، اللهم واقض الدين عن المدينين من المسلمين، بلطفك يا كريم.
عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 1459
من كمال الشريعة الإسلامية
إن الله أرسل محمداً ﷺ ، وجعله خاتم المرسلين، وجعل هذا الدين الذي أرسل به آخر الأديان وناسخها، وجعله صالحاً لكل زمان ومكان وعصر، وجعله كاملاً لا يحتاج الناس إلى غيره من الأديان والأفكار.
стр. 1460
حال الجاهلية إبان بعثة النبي ﷺ
الحمد لله رب العالمين، وأشكره على نعمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بشيراً ونذيراً، وداعياً إليه بإذنه وسراجاً منيراً، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد
فيا عباد الله! أمة الإسلام! اتقوا الله ، ولا يخفى عليكم أن الله بعث نبيه محمداً ﷺ إلى البشرية جمعاء، بعثه رحمةً منه وإحساناً، ليخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراطٍ مستقيم.
أيها المسلمون! لقد كانت العرب قبل بعثة محمد ﷺ في جاهلية جهلاء، وشقاءٍ ما بعده شقاء، يعبدون الأصنام ويئدون البنات، ويسفكون الدماء بأدنى سببٍ وبلا سبب، كانوا في ضيق من العيش، وفي نكدٍ وجهدٍ من الحياة، يعيشون عيشة الوحوش ومع الوحوش، يتحاكمون إلى الكهان والطواغيت، فلما جاء الله بهذا الإسلام، وجاء بهذا النبي الأمي الكريم ﷺ ، أخرجهم الله به من الظلمات إلى النور، أخرجهم من ظلمة الكفر والشرك إلى نور الإيمان والتوحيد، ومن ظلمة الجهل والطيش إلى نور العلم والحلم، ومن ظلمة الجور والبغي إلى نور العدل والإحسان، ومن ظلمة التفرق والاختلاف إلى نور الاتفاق والوئام، ومن ظلمة الأنانية والاستبداد إلى نور التواضع والتشاور، ومن ظلمة الفقر والجهل إلى نور الغنى والرخاء، بل أخرجهم من ظلمة الموت إلى الحياة السعيدة، أكمل الله به الدين، وأتم به مكارم الأخلاق؛ لأنه يأمر بعبادة الله الواحد القهار الذي أمره الله به لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يأمر ببر الوالدين، وبصلة الأرحام، ويأمر بالإحسان إلى الفقراء والمحتاجين، وبالتحاكم فيما بيننا وفيما تنازعنا فيه إلى الله ورسوله.
ما من خير إلا ودل الأمة عليه، ولا شر إلا وحذر أمته منه، أخبر بما كان وما يكون إلى يوم بعث الأبدان من القبور، رسم للأمة طريق السعادة في الدنيا والآخرة في سياستها الشرعية التي يعجز كل أحدٍ أن يأتي بناحيةٍ من نواحيها، فرسم للأمة طريق السياسة مع الأعداء، وبيَّن لأمة الإسلام كيف يقاتلون أعداء الإسلام، وبيَّن لهم كيف يعاملون أعداء الإسلام، وبيَّن لهم الطرق من الحرب وغيرها من السلم ووجوبه، ومن المعاهدات والصلح وحفظ العهود.
لقد أوجب عليهم الاستعداد بكل قوة لردع الأعداء وإرهابهم بالآلات الحربية، كالطائرات والدبابات والصواريخ وغيرها، ومما يوحد ويزيد المسلمين قوة أمره لهم أن يأخذوا كل نهضتهم، وقبل أن يأخذوا تلك القوة المذكورة عليهم أن يأخذوا القوة المخرقة للأعداء.
ما هو يا أمة الإسلام ذلك السلاح الفتاك بالأعداء؟ ما هو يا عباد الله؟ هو الإيمان بالله الحي القيوم.
стр. 1461
كمال الشريعة في حقوق الراعي والرعية
أيها المسلمون! لقد بينت الشريعة في الإسلام ما للإمام من الحقوق على رعيته، يقول ربنا جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] ويقول سيد البشرية محمد بن عبد الله ﷺ : ﴿اسمع وأطع لمن ولاه الله أمرك﴾ وقال ﷺ : ﴿اسمعوا وأطيعوا، وإن تأمر عليكم عبدٌ حبشي﴾.
كما بينت الشريعة الإسلامية ما للرعية على ولي الأمر من الحقوق في قوله جلَّ وعلا: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨] ويقول رسول الله ﷺ : ﴿اللهم من ولي أمراً من أمور أمتي فرفق بهم فارفق به، ومن ولي أمراً من أمور أمتي فشق عليهم فاشقق عليه﴾ صلواتك اللهم وسلامك على رسولك النبي الأمي الرحيم بأمته، هذا دعاء من رسول الله ﷺ : ﴿اللهم من ولي أمراً من أمور أمتي فرفق بهم فارفق به، ومن ولي أمراً من أمور أمتي فشق عليهم فاشقق عليه﴾
وأمرت الشريعة الإسلامية بمشاورة أولي الرأي، بل جعلت الشريعة مكانة الشورى بين الصلاة والزكاة للاهتمام بالشورى وعظم شأنها في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى:٣٨].
كما بينت الشريعة الاستجابة لله ولرسوله وأولي الأمر، ونهت عن الإخلاد إلى الكسل والعجز والدعة والراحة.
وأخبر ﷺ أن هذا سببٌ للذل، بل أمرهم أن يكونوا أقوياء أشداء أعزاء، لا تلين قناتهم لأحد سوى رب العالمين ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
стр. 1462
كمال الشريعة في الزراعة والصناعة والتجارة
وكذلك أمرت الشريعة بالضرب في الأرض لطلب الكسب والتجارة من غير إفراط باتباع شهوات الدنيا، فأمرت الشريعة بحرث الأرض للمعاش، وحثت على ممارسة الزراعة، وشجَّعت أهلها بما لهم من البركة والأجر العظيم، يقول ﷺ : ﴿ما من مسلم يزرع زرعاً، أو يغرس غرساً، فيأكل منه طيرٌ أو دابة أو إنسان إلا كان له في ذلك صدقة﴾ أو كما قال ﷺ ، وأمرت الشريعة الإسلامية بالصناعة مع العمل الصالح، وجاءت الشريعة الإسلامية بإقامة الحدود وردع الفساد، ولطالما تمنَّت ذلك الدول الصغيرة التي تدَّعي أنها كبيرة ولكن بحقدهم وحسدهم وعتوهم حرمهم الله ذلك.
أمة الإسلام! لقد جاءت الشريعة الإسلامية بإقامة الحدود وردع المفسدين وردهم عن فسادهم، من قتل القاتل، وقطع يد السارق، وحد الزنا والقذف وحد المسكر.
وبالجملة! فقد رسمت الشريعة الإسلامية أحكاماً لكلٍ من الزراعة والصناعة والتجارة، وأوجبت حفظ الحقوق، وأمرت بالكتابة والإشهاد، وحرمت كتمان الشهادة أشد تحريم، وما ذلك يا عباد الله! إلا لحماية الأموال، وسلامة الصدور عن التقاطع أو التباغض.
كما نهت الشريعة الإسلامية عن الغش والخداع في المعاملات ﴿من غشنا، فليس منا﴾ وحرمت الربا بأنواعه، وبيع البعض على بيع البعض، وحرمت النجش وبيع الغرر، كل هذا حفظاً للحقوق، وحرصاً على الضوابط بين المسلمين.
أين المسلمين من هذه الأنظمة؟! أين المسلمين من هذه الأنظمة؟! أين المسلمين من هذه الأنظمة؟! من الغش والخداع في المعاملات، من أكل الربا، من الغش بأنواعه، من بيع البعض على بيع بعض، من التدليس، من الغرر، من النجش.
стр. 1463
كمال الشريعة في شئون الأسرة والأقارب والأرحام
أمة الإسلام! أين المسلمين من هذه الأنظمة؟
لقد أوضحت الشريعة الإسلامية كيف يكون الاقتصاد وكيف يصرف المال، ونهت عن التبذير والتقتير، وأمرت بالقوام بينهما.
كما نظمت الشريعة الإسلامية شئون الأسرة الواحدة عموماً، وبيَّنت حقوق الوالد وما عليه، وحقوق الأولاد وما عليهم، وحقوق جميع الأقارب وذوي الأرحام كلٌ بحسبه، ولم يمر بالإنسان طورٌ من أطوار حياته من حين وضعه إلى إدبار وفاته، بل إلى ما بعد ذلك إلا وبينته الشريعة تبييناً واضحاً كاملاً، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] فلله ما أعظم هذه الشريعة وأجلها وأسماها وأكملها! وكلما ازداد المرء معرفةً بها، ازداد لها احتراماً وتعظيماً وتوقيراً.
стр. 1464
إعراض المسلمين عن تعاليم الإسلام
وإنه لمن العجب!! إعراض كثير من أبناء المسلمين في هذه الأزمنة عن تعاليم هذه الشريعة السامية، الشريعة الكاملة، واستبدالها أو شركها بقوانين وضعية، إن ظاهرة التناقض واضحة الجور، فاسدة المعنى، يجري عليها تغييراً وتبديلاً كلما حكم بذلك ماركس رئيس الاتحاد السوفيتي، كلما بدا له رأي تغيرت هذه القوانين الشرعية تبديلاً بحسب آباء من اخترعها، وهكذا دواليك ما بقيت هذه النظم المستمدة من نحاسة ماركس وأعوانه الشيوعيين، ومن نحاسة الأفكار الخبيثة وذبالة الأذهان.
أما الشريعة الإسلامية فهي صالحةٌ لكل زمان ومكان، مضى عليها أربعة عشر قرناً وهي في تمامها في ثوبها الجديد، وحفظها لكافة الحقوق بجميع الطبقات، وأهدأ الناس حالاً، وأنعمهم بالاً، وأقرهم عيشاً، أتمهم تمسكاً بهذه الشريعة الإسلامية، سواء من الأفراد، أم من الشعوب، أم من الحكومات، وهذا شيء يعرفه كل واحد إذا كان عاقلاً منصفاً، وإن لم يكن من أهلها؛ كما شهد بذلك المستشرقون من أعداء الإسلام فهم يفضلون الإسلام ويشهدون له بالكمال، وإنه فوق كل نظام.
стр. 1465
شمولية الإسلام لكل زمان ومكان
لا شك أن الدين الصحيح الكفيل بكل ما يحتاجه البشر على وجهٍ صحيح يكفل لهم المصالح، ويدرأ عنهم المفاسد، إنه لدينٌ كامل، إنه دين الإسلام، دين الفطرة السليمة، دين الرقي الحقيقي، دين العدالة بأسمى معانيها، دين العدالة والحرية، دين المدنية بمعناها الصحيح، دين العمل، دين الاجتماع، دين التوادد والتناصح.
دين الإسلام؛ دين رفع ألوية العلم والصنائع والحرف ولم يقتصر على أحكام العبادات والمعاملات، بل شمل جميع منافع العباد ومصالحهم على مر السنين وتعاقب الدهور إلى أن تقوم الساعة، ولكن يا للأسف! ويا للخيبة! إن أبناء هذا الدين جهلوا قدره، وجهلوا حقيقته، بل إن كثيراً من أبناء المسلمين عَاْدَوْا دينهم الحنيف وأصبحوا يكبون عليه بمعاولهم ليهدموه وليفرقوا أهله، ويفضلون أهل الغرب على المسلمين؛ ظناً منهم -بعقولهم وآمالهم الفاسدة- أن الدين هو الذي أخرَّهم، وهيهات هيهات! أن يكون الدين الإسلامي هو الذي أخرهم، بل الذي أخرهم هو دين ماركس -دين الشيوعية - ودعايات بني صهيون من اليهودية وغيرها، أما الإسلام فهو دين الكمال، دين العزة والشرف، فهم لما أعرضوا عن دين الإسلام، وأخلدوا إلى الكسل، وقنعوا بالجهل؛ أصبحوا في حيرة من أمرهم.
إنهم لو عرفوا دين الإسلام وطبقوا تعاليمه، لوصلوا فوق ما وصل إليه غيرهم من التقدم والصناعات، ولكنهم تركوا دينهم، وتركوا النعيم، وأهملوا العناية بهذا الدين القويم، فوالله ثم والله لو أن أهل الإسلام قاموا بما يجب عليهم، لحازوا شرف الدنيا والآخرة.
стр. 1466
واجب العلماء وولاة الأمر
أمة الإسلام! إنه لمن الواجب على أهل الإسلام وخصوصاً: العلماء وولاة الأمور أن يبثوا الدعوة للإسلام، وينشروا محاسنه لينُشِئوا عليه أبناء الإسلام، وليرغبوا فيه، ويرشدوا الأمة لأحكامه وحكمه كما فعل أوائلهم من الأماجد، فإن الصحابة قاموا رضوان الله عليهم قاموا بالدعوة لرب العالمين، فبينوا للأمم محاسن الإسلام وسماحته، وشرحوا الإسلام شرحاً واضحاً وافياً، بذلك امتد سلطان الأمة الإسلامية، واتسعت مملكتهم، وأخضعوا من سواهم لتعاليم الإسلام.
اللهم أعد لنا عزتنا وكرامتنا، اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يا أرحم الراحمين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] ويقول جلَّ وعلا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
اللهم بارك لنا بالقرآن العظيم، وانفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، واجعلنا مسلمين لك مؤمنين في أعمالنا وأقوالنا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1467
وجوب الجهاد في سبيل الله والدعوة والاعتصام
الحمد لله مغيث اللهفان، ومفرج الشدائد والكربات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الذين قاموا بدين الله حق قيام، وجاهدوا في الله حق جهاده، اللهم وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد
فيا عباد الله! لقد أوجب الله على المؤمنين الجهاد في سبيله، والاعتصام بدينه الذي هو حبله المتين، وأوجب عليهم الدعوة إلى ذلك، وأوجب عليهم العصمة والاجتماع والتعاون على البر والتقوى والخير والاستعانة بالله في جميع أمورهم، وعلى قوة التوكل عليه، وعلى القيام بالمستطاع مما يقدر عليه من الدين والتقوى، وعلى تعلم ما يحتاجون إليه سوى أمور دينهم ودنياهم من العلوم والفنون النافعة التي يحصل بها قيام الدين والأمة، والتمكن على القوة المعنوية والشجاعة الإيمانية، وحثهم على فعل الأسباب المقوية للإيمان كلها، وحثهم على الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وبمجادلة المبطلين الضالين بالتي هي أحسن، وحثهم على الجهاد في الله حق جهاده، فهذه الأوامر الإلهية في القرآن في مواضع متعددة وكلها داخلةٌ في الجهاد في سبيل الله؛ ولكن -للأسف الشديد- لقد تغيرت الأحوال، ولو خرج فينا رسول الله ﷺ اليوم ورأى التشتت والاختلاط وكثرة الأحداث، ورأى ما يقع المسلمون فيه من التغير والانحطاط والابتعاد عن الصراط القويم الذي رسمه للأمة، لقال: بئس ما خلفتموني من بعدي، وما له لا يقول ذلك! ونحن نعد بالملايين وقد تداعت علينا الأمم، وأصبحنا لقمةً للطامعين، نحب الحياة ونكره الموت، ونحن في عداد الميتين، فمعذرةً من الله حالة المسلمين اليوم! حالةٌ تبكي لها القلوب، وتتفكك لها الأكباد، ويذوب منها الجماد، كيف لا يكون ذلك وقد أذلهم الرجوع إلى الدول الكافرة في حل مشاكلهم، وهيهات، ثم هيهات، ثم هيهات!! أن يحل أعداء الإسلام والمسلمين مشاكل المسلمين، بل هم والله فرحون مستبشرون بما يحصل بين المسلمين من التفرق والشتات وسوء المعاملات، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فإلى متى هذا الرقاد يا أمة الإسلام؟!
تذكروا بيت المقدس ومن ساكنه الآن؟
أليست شرذمةٌ قليلةٌ!! قتلة الأنبياء، ملعونة في كتاب الله، أليسوا اليهود؟
تذكروا إخوانكم في أفغانستان وهم يقاتلون الشيوعية الحمراء.
تذكروا إخوانكم في أفريقيا وقد فشا فيهم التبشير بـ النصرانية.
تذكروا إخوانكم في حماه في سوريا العربية والصواريخ والدبابات والقنابل تحرق النساء والذرية، ويا للأسف الشديد أين المسلمين؟ أين الصرخة الصادقة؟
يا أمة الإسلام! يا شباب الإسلام! الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل، الله الله بالتعاون فيما بيننا على البر والتقوى والقيام بما يرضي .
أيها المسلمون! صلوا على نبيكم كما أمركم الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] صلوا على من قال: ﴿مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى﴾.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم ردنا إليك رداً جميلاُ، اللهم قوَّم ما اعوج من أخلاقنا، واهدنا صراطك المستقيم، اللهم اجعلنا من المتراحمين، واجعلنا من المتحابين، واجعلنا من المتوادين فيك يا رب العالمين.
أمة الإسلام! اسألوا الله أن يثبتكم على الإسلام فنحن في زمان كثرت فيه الفتن.
نسأل الله الثبات على الإسلام، اللهم ثبتنا على الإسلام، اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين يا رب العالمين!
اللهم وفق أئمتنا وولاة أمورنا وأئمة وولاة أمور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم ولِّ على المسلمين الأخيار، ولا تولِّ عليهم الأشرار، اللهم اجعل ولاية المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق أولادنا ونساءنا، واجعلهم قرة أعينٍ لنا يا رب العالمين.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا، لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.
عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1468
لئن شكرتم لأزيدنكم
إن الله جل وعلا ابتلى الناس بالخير والشر، وبالنعم المتجددة على عباده؛ ليختبرهم في ذلك، وينظر من يطيعه ويشكر ممن يعصيه ويستخدم هذه النعم في معاصي الله .
وقد تطرق الشيخ في هذا الدرس إلى أهمية شكر نعمة الله وعدم مقابلتها بكفران النعم والتبذير وغير ذلك من المعاصي.
стр. 1469
الابتلاء بالخير والشر واقع لكل الناس
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه وسلم تسليماً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله ، واشكروه على هذه النعم المتوالية، واسألوه من فضله المزيد، فإن خزائنه مَلْئَى، لا تَغُضُّها النفقات.
عباد الله! إن الله عليم بعباده، قد يبتليهم بالفقر والحاجات، امتحاناً واختباراً لهم، هل يصبروا؟ فأما المؤمنون بالله، فإنهم لا يزيدهم ذلك إلا صبراً، ولجوء إلى الله كما أخبر الله في محكم البيان فقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧].
كما قد يبتليهم رب العزة والجلال بالنعم وسعة الأرزاق، كما هو واقعنا اليوم ليختبر إيمانهم، هل يشكروا؟ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن:١٥].
стр. 1470
حال المؤمن مع السراء والضراء
وأيضاً: يخبرنا رسول الله ﷺ عن حال المؤمن، فيقول ﷺ : ﴿عجباً لأمر المؤمن! إنَّ أمره كله خير! إنْ أصابته سراء فشكر كان خيراً له، وإنْ أصابته ضراء فصبر كان خيراً له، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن﴾ اللهم اجعلنا من المؤمنين.
عباد الله: أيها المسلمون! إن الشكر عند تجدد النعم هو مظهرٌ لتقدير النعمة، واعتراف بعظيم المنة.
ولقد كان القدوة رسول الله محمد ﷺ عند تجدد النعم، واندفاع النقم، يخر ساجداً لله رب العالمين، يخر ساجداً شكراً لله، كما روى ذلك عنه أبو بكرة ﵁: ﴿أن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمر يسره أو بُشر به خر ساجداً شكراً لله تعالى﴾.
وأكَّد الله سبحانه وبحمده الوعد بالجزاء الظافر للشاكرين على شكرهم.
كما توعد الجاحدين لنعمه بشديد العذاب على جحودهم، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧].
أيها المسلمون: إن العاقبة الحميدة في كل ذلك للمتقين، الذين تكون أعمالهم وفق ما شرع الله، كالصبر، والاحتساب في حال الفقر والحاجة، وشكر الله على النعم، واندفاع النقم.
أيها الإخوة في الله: من الاقتصاد الذي أُمِر به المؤمن، أن يصرف المال مصارفه في المآكل والمشارب من غير تقتير على النفس والأهل، ولا إسراف في تضييع المال من غير حاجة، وقد نهى الله عن ذلك كله، قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ [الإسراء:٢٩].
стр. 1471
ذم الإسراف
ونهانا ربنا عن إضاعة المال، فقال جل وعلا: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء:٥] ففي هذه الآية الكريمة ينهى الله تعالى عن إعطاء الأموال للسفهاء؛ لأنهم يصرفونها في غير مصاريفها.
ونَهى الله تعالى عن الإسراف، وأخبر أنه لا يحب المسرفين، كما قال تعالى في محكم البيان: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١].
ما هو الإسراف؟
الإسراف: هو الزيادة في صرف الأموال على مقدار الحاجة، والتبذير في غير وجهه، وقد ابتلي الناس اليوم بالمباهاة في المآكل والمشارب والمباني، حتى إن البعض قد لحقته الديون بسبب مجاراته للآخرين في التبذير والإسراف، وقد ذم الله المبذرين ووصفهم بأبشع وصف يا عباد الله فقال: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء:٢٧].
وهو ما يحصل الآن مع الأسف الشديد من أهل الولائم وحفلات الأعراس، فلا يكتفون بقدر الحاجة، بل اعتادوا البذخ والتبذير، ثم إذا انتهى الناس من الأكل ألقوا باقي الطعام في الزبالة والطريق الممتهنة، والبعض من أهل البيوت العادية غير أهل الولائم اعتادوا إذا أخذوا حاجتهم من الطعام ألقوا الباقي مع الزبالة وحفائظ الأطفال، فيجتمع في الزبالة: الطعام والخبز، وأشياء -لا حول ولا قوة إلا بالله- لا ينبغي أن تكون مع هذه النِّعم.
أيها المسلمون: إن هذا والله من كفر النعمة، وسبب تحولها وزوالها، فالعاقل من يزن الأمور بميزان الحاجة، وإذا فضل عنده شيء عن الحاجة بحث عمَّن هو في حاجته، وإذا تعذر ذلك وضعه في مكان بعيد عن الامتهان، لتأكله الدواب، ويسلم من الامتهان.
أيها الإخوة في الله: هذا الواجب على المسلم، أن يحرص على اجتناب ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ ، وأن يكون حكيماً في تصرفاته، مبتغياً في ذلك وجه الله، شاكراً لنعمه، حذراً من التهاون بها، ومن صرفها في غير مصارفها.
أيها الإخوة في الله: ثم نسمع من بعض الناس، أنهم يفتخرون بذلك، أن فلاناً ذبح مائة ذبيحة، ومعها جزور، وفلاناً ذبح أقل، وفلان ذبح أكثر، هذه من المباهاة، وهذا التبذير يصرفهم ويجعلهم من إخوان الشياطين والعياذ بالله.
стр. 1472
الشكر إنما يكون بالعمل
عباد الله: لقد أخبر الله جل وعلا أن الشكر يكون بالعمل، لا بمجرد القول، قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣].
فالشكر لله يكون بالقلب، واللسان، والعمل بالجوراح، فمن شكر الله قولاً وعملاً، زاده من فضله، وأحسن له العاقبة.
ومن كفر بنعم الله ولم يصرفها في مصارفها، فهو على خطر عظيم، وقد توعده الله بالعذاب الشديد.
فلنتساءل -يا عباد الله- هل من شكر نعم الله أن نضرب الخيام في البر، ونسهر على الأغاني والمزامير، ومع الأفلام والتمثيليات؟!
هل من شكر النعمة أن نضيع الجُمَعة والجماعات في تلك المخيمات؟! ألم نسمع بالعقوبات التي تتوالى؟!
عباد الله: السعيد من وُعظ بغيره، هل هذا من شكر النعمة أن نستأجر الفندق بالأموال الطائلة على حساب ليلة الزفاف وإخوان لنا يبيتون جياعاً؟!
هل هذا من شكر النعمة يا عباد الله والأيتام يرضخون تحت اليُتم والحاجة يا عباد الله! والبعض من الناس يبذر أمواله في الفنادق على حساب ليلة؟! فماذا نقول يا أمة الإسلام؟! نقول:
إذا كنتَ في نعمة فارعها فإن الذنوب تزيل النعمْ
وحطها بطاعة رب العباد فرب العباد سريع النقمْ
يا عباد الله: ما هذا البذخ، وما هذا التباهي في المهور وغيرها؟! فإلى الله نشكو، إلى الله نشكو!
كم نسمع صيحات الأيتام؟! وكم نسمع صيحات الأرامل، وذوي الحاجات؟! ومع هذا لا نتعظ، ونبذر الأموال في أشياء ليس لها قيمة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
عباد الله: علينا أن نقابل هذه النعم بشكر الله ، ثم أحذر الذين في تلك المخيمات، تمر عليهم الجُمَع والجُمُعات ولا يحضرونها مع الجماعة.
يُروى عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿من ترك ثلاث جُمع متواليات طبع الله على قلبه﴾ نعوذ بالله.
عباد الله! علينا أن نقابل هذه النعم بشكر الله ، ونحمد الله عليها، فإننا إذا حمدنا الله وشكرناه زادنا من ذلك، وإن كفرنا النعمة فقد سمعتم وعيد ذلك في كتاب الله.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1473
الوصية بتربية البنات وتعليمهن الدين
الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضاه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، الذي بلغ البلاغ المبين، ترك أمته على البيضاء، ليلها كنهارها، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله ، واعلموا أن من البر العطف على البنات حال الصغر، حتى يجعل الله لهن سبيلاًَ، إما زواجاً، وإما نهاية أجل، يقول نبي الرحمة محمد ﷺ : ﴿من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن، كنَّ له ستراً من النار﴾.
ويقول ﷺ : ﴿من كان له ثلاث بنات يأويهن ويرحمهن ويكفلهن ويزوجهن، وجبت له الجنة ألبتة قيل: يا رسول الله! وإن كانتا اثنتين؟ قال: وإن كانتا اثنتين﴾ قال راوي الحديث: [[فرأى بعض القوم أن لو قالوا: واحدة]].
أمة الإسلام: إنه فضل عظيم، وأجر كبير؛ لكن لمن يحصل هذا الأجر، وهذا الفضل العظيم؟
يحصل لمن رباهن تربية إسلامية، وعلمهن علوم الدين، وأحاطهن بالنصيحة، ولم يدخل عليهن السائق، ولا الخادم، ولا الفيديو، ولا الأغاني، ولا التمثيليات الخليعة، ولا الأغاني الماجنة التي تعلم البنات الحب والغرام، ومغازلة الرجال.
يحصل هذا الأجر العظيم والثواب الكبير؛ لمن حافظ على تلك البنات من الخروج إلى الأسواق متبرجات، فاتنات مفتونات.
يحصل هذا الأجر العظيم، والثواب الكثير لمن نفذ وصية رسول الله ﷺ ، حيث يقول: ﴿من أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه﴾.
أما الذين صاروا يتاجرون بالفتيات، ويعرضوهن للبيع فلن يفلحوا، وسوف يكون ذلك الحطام الذي يأخذونه وبالاً عليهم في العاجل والآجل، وليعلم أولئك أن أكثر النساء بركة أيسرهن مؤونة.
أيها الآباء: علينا جميعاً أن نتعاون على البر والتقوى، ونأخذ بالأثر: ﴿زوجوهن وأعينوهم عليهن﴾ ولنَخْتَار الأزواج الصالحين، لأولئك الفتيات؛ فإنهن أمانة في أعناق الآباء.
فيجب على الآباء أن يختاروا لهن الأزواج الصالحين، الذين هم عوناً على طاعة الله.
أمة الإسلام: الآباء في ذلك يختلفون:
من الآباء: من يساوم على ابنته، ويحدها بمائة وخمسين ألف ريال، مع ما يتبعها من الشبكة وغيرها للأم والإخوة والأعمام والأخوال.
ومن الآباء: من يقول: نعم.
أزوجكها؛ لكن دعني أستلم راتبها من البنك.
ومن الآباء: من يقول: لا أزوجها؛ لأنها صغيرة، وهي دائماً تتصل على العلماء وتكاتب العلماء، وتقول: بلغت من العمر ثلاثين سنة، ووالدي لم يزوجني، وإذا أتى خاطب يقول: هي صغيرة.
ومن الآباء: من شارك رأيه رأي النساء، فإذا جاءه الخاطب جلس مع النساء، وعقد معهن المشورة، ثم يقول لهؤلاء النساء: أتانا خاطب، فتبدأ المشورة من الأم، إلى الأقارب، فيقولون له: إن هذا الذي أتى يخطب ابنتك مطوع له لحية، وليس في بيته فيديو، ولا تلفاز، وثوبه قصير، إذا زوجته حبس حرية البنت، فلا يدعها تخرج إلى الأسواق، ويمكن أنه فقير؛ لأنهم لما علموا أنه ليس في بيته آلات لهو صار في أعينهم فقيراً؛ ولكنه بإذن الله عند الله شريف، أسأل الله أن يثبتنا على طاعته, وأن يجيرنا من مضلات الفتن.
أيها الإخوة في الله: ذلكم -يا عباد الله- ما يقع في هذا الزمان، ثم يأت الأب ويعتذر من هذا الزوج الكفؤ؛ لأن مجلس المشورة لم ينعقد على قبوله، فيعتذر لهذا الزوج الكفؤ؛ لأنهم شهدوا له أنه رجل مستقيم، وهم لا يريدون الرجل المستقيم مع الأسف الشديد، وهذا بإذن الله سوف يكون قليلاً في المجتمع؛ لأن من الناس من يحب الخير لنفسه ولبناته.
فأسأل الله الكريم، رب العرش العظيم أن يوفق كل فتاة متمسكة، لزوج صالح يعينها على طاعة الله، وإلا فكم من امرأة صالحة لما تزوجها شرير من سائر الناس، الذي أغرى الأب والأم، أفسد البنت، أفسد عليها دينها وأخلاقها وآدابها، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أيها الآباء: إنها والله أمانة عظيمة في أعناقكم سوف تسألون عنها يوم القيامة، اللهم إني بلغتهم أحاديث رسولك، وآياتك في كتابك، فرسولك ﷺ يقول: ﴿كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته﴾.
ورسولك يقول: ﴿من أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض، وفساد كبير﴾.
اللهم وفقنا جميعاً لما تحبه وترضاه.
عباد الله: صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
ويقول ﷺ : ﴿مَن صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وارضِ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
стр. 1474
التحذير من ترك الصلاة
الصلاة هي عماد الدين والركن الركين بعد لا إله إلا الله، وهي الدليل على الإيمان، ومن ضيعها ضيعه الله، ومن حافظ عليها لا يضيع أبداً، ولا يجهل مسلم منزلتها ومكانتها وقد فرط فيها كثير من الناس إما بالتضييع الكامل وإما بالتأخير وإما بأدائها في البيت، وقد هم الرسول الكريم ﷺ بإحراق من يتخلفون عنها.
стр. 1475
منزلة الصلاة في الإسلام وحكم تاركها
الحمد لله الذي أعز بالإسلام من تمسك به، وأذل وخذل من ابتغى غير الإسلام ديناً، أحمدك اللهم وأشكرك، بنيت هذا الدين على أركان وأسس متينة، ومن أهمها بعد التوحيد الصلاة.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المبلغ عن ربه دين الإسلام، وما مات حتى أكمل الله به الرسالة، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله حق تقاته، وتمسكوا بأهداف دينكم القويم الحنيف، دينكم دين السماحة والسهولة.
عباد الله: يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥].
إن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام التي تأخذ بيد المسلم المنقاد لله رب العالمين فتوصله إلى الغاية الحميدة، ويأمن بها من العثرة، ويأمن بها من الفزع في يومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فيأمن المسلم بهذه الصلاة حين يخاف الناس، ثم هذه الصلاة تكون له برهاناً على إيمانه، وصدقاً على إسلامه، وفي النهاية تكون له الصلاة نجاة من النار، وما ذاك -يا عباد الله- إلا لعظم منزلة الصلاة من الدين القويم؛ لأن الصلاة عمود الإسلام.
أمة الإسلام: الصلاة هي الصلة الوثيقة بين العبد وبين خالقه وموجده جل وعلا، فإذا قطع تلك الصلة ونسي الله وتركها قطع الله عنه عونه ووكله إلى نفسه ونسيه الله، عند ذلك يتولاه الشيطان ويكون من حزب الشيطان، أولئك حزب الشيطان وهم الخاسرون في الدنيا والآخرة.
فإذا تولاه الشيطان تقاذفته المحن، وتسلطت عليه البلايا، وهيهات أن يفلح عبد تخلى عنه رب العالمين، وهيهات أن يفلح عبد تولاه الشيطان الرجيم، وهيهات وهيهات أن يفلح عبد أعرض عنه أرحم الراحمين وتولاه شيطان رجيم مطرود عن رحمة الله.
إنه صار بترك الصلاة كافراً والعياذ بالله، وبرئت منه ذمة الله.
ولقد أكثر الله سبحانه من ذكر الصلاة، وأكثر من ذكرها في القرآن الكريم وعظم شأنها، وأمر بالمحافظة عليها، وأمر بأدائها مع الجماعة في بيوت الله وحذر من التهاون بها والتكاسل عنها، وأن ذلك من صفات المنافقين الذين لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا يذكرون الله إلا قليلاً، ومآلهم إلى الدرك الأسفل من النار، فهم يصلون ويذكرون الله لكنهم لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، ويذكرون الله لكنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً وبدون رغبة، فمآلهم إلى الدرك الأسفل من النار.
عباد الله: لقد أمركم الله بالمحافظة على الصلاة في كتابه الكريم، فقال وقوله الحق: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨].
عباد الله: إن الذي يتخلف عن أدائها مع الجماعة بدون عذر شرعي يكون عاصياً لله، مرتكباً كبيرة من كبائر الذنوب، وتوعده الله بويل في جهنم؛ وهو وادٍ لو سيرت فيه جبال الدنيا لذابت من حره، وهذا لمن تهاون بالصلاة.
следующие страницы →