Полный текст (1 664 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
ذم الإسراف
ونهانا ربنا عن إضاعة المال، فقال جل وعلا: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء:٥] ففي هذه الآية الكريمة ينهى الله تعالى عن إعطاء الأموال للسفهاء؛ لأنهم يصرفونها في غير مصاريفها.
ونَهى الله تعالى عن الإسراف، وأخبر أنه لا يحب المسرفين، كما قال تعالى في محكم البيان: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١].
ما هو الإسراف؟
الإسراف: هو الزيادة في صرف الأموال على مقدار الحاجة، والتبذير في غير وجهه، وقد ابتلي الناس اليوم بالمباهاة في المآكل والمشارب والمباني، حتى إن البعض قد لحقته الديون بسبب مجاراته للآخرين في التبذير والإسراف، وقد ذم الله المبذرين ووصفهم بأبشع وصف يا عباد الله فقال: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء:٢٧].
وهو ما يحصل الآن مع الأسف الشديد من أهل الولائم وحفلات الأعراس، فلا يكتفون بقدر الحاجة، بل اعتادوا البذخ والتبذير، ثم إذا انتهى الناس من الأكل ألقوا باقي الطعام في الزبالة والطريق الممتهنة، والبعض من أهل البيوت العادية غير أهل الولائم اعتادوا إذا أخذوا حاجتهم من الطعام ألقوا الباقي مع الزبالة وحفائظ الأطفال، فيجتمع في الزبالة: الطعام والخبز، وأشياء -لا حول ولا قوة إلا بالله- لا ينبغي أن تكون مع هذه النِّعم.
أيها المسلمون: إن هذا والله من كفر النعمة، وسبب تحولها وزوالها، فالعاقل من يزن الأمور بميزان الحاجة، وإذا فضل عنده شيء عن الحاجة بحث عمَّن هو في حاجته، وإذا تعذر ذلك وضعه في مكان بعيد عن الامتهان، لتأكله الدواب، ويسلم من الامتهان.
أيها الإخوة في الله: هذا الواجب على المسلم، أن يحرص على اجتناب ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ ، وأن يكون حكيماً في تصرفاته، مبتغياً في ذلك وجه الله، شاكراً لنعمه، حذراً من التهاون بها، ومن صرفها في غير مصارفها.
أيها الإخوة في الله: ثم نسمع من بعض الناس، أنهم يفتخرون بذلك، أن فلاناً ذبح مائة ذبيحة، ومعها جزور، وفلاناً ذبح أقل، وفلان ذبح أكثر، هذه من المباهاة، وهذا التبذير يصرفهم ويجعلهم من إخوان الشياطين والعياذ بالله.
стр. 1472
الشكر إنما يكون بالعمل
عباد الله: لقد أخبر الله جل وعلا أن الشكر يكون بالعمل، لا بمجرد القول، قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣].
فالشكر لله يكون بالقلب، واللسان، والعمل بالجوراح، فمن شكر الله قولاً وعملاً، زاده من فضله، وأحسن له العاقبة.
ومن كفر بنعم الله ولم يصرفها في مصارفها، فهو على خطر عظيم، وقد توعده الله بالعذاب الشديد.
فلنتساءل -يا عباد الله- هل من شكر نعم الله أن نضرب الخيام في البر، ونسهر على الأغاني والمزامير، ومع الأفلام والتمثيليات؟!
هل من شكر النعمة أن نضيع الجُمَعة والجماعات في تلك المخيمات؟! ألم نسمع بالعقوبات التي تتوالى؟!
عباد الله: السعيد من وُعظ بغيره، هل هذا من شكر النعمة أن نستأجر الفندق بالأموال الطائلة على حساب ليلة الزفاف وإخوان لنا يبيتون جياعاً؟!
هل هذا من شكر النعمة يا عباد الله والأيتام يرضخون تحت اليُتم والحاجة يا عباد الله! والبعض من الناس يبذر أمواله في الفنادق على حساب ليلة؟! فماذا نقول يا أمة الإسلام؟! نقول:
إذا كنتَ في نعمة فارعها فإن الذنوب تزيل النعمْ
وحطها بطاعة رب العباد فرب العباد سريع النقمْ
يا عباد الله: ما هذا البذخ، وما هذا التباهي في المهور وغيرها؟! فإلى الله نشكو، إلى الله نشكو!
كم نسمع صيحات الأيتام؟! وكم نسمع صيحات الأرامل، وذوي الحاجات؟! ومع هذا لا نتعظ، ونبذر الأموال في أشياء ليس لها قيمة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
عباد الله: علينا أن نقابل هذه النعم بشكر الله ، ثم أحذر الذين في تلك المخيمات، تمر عليهم الجُمَع والجُمُعات ولا يحضرونها مع الجماعة.
يُروى عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿من ترك ثلاث جُمع متواليات طبع الله على قلبه﴾ نعوذ بالله.
عباد الله! علينا أن نقابل هذه النعم بشكر الله ، ونحمد الله عليها، فإننا إذا حمدنا الله وشكرناه زادنا من ذلك، وإن كفرنا النعمة فقد سمعتم وعيد ذلك في كتاب الله.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1473
الوصية بتربية البنات وتعليمهن الدين
الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضاه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، الذي بلغ البلاغ المبين، ترك أمته على البيضاء، ليلها كنهارها، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله ، واعلموا أن من البر العطف على البنات حال الصغر، حتى يجعل الله لهن سبيلاًَ، إما زواجاً، وإما نهاية أجل، يقول نبي الرحمة محمد ﷺ : ﴿من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن، كنَّ له ستراً من النار﴾.
ويقول ﷺ : ﴿من كان له ثلاث بنات يأويهن ويرحمهن ويكفلهن ويزوجهن، وجبت له الجنة ألبتة قيل: يا رسول الله! وإن كانتا اثنتين؟ قال: وإن كانتا اثنتين﴾ قال راوي الحديث: [[فرأى بعض القوم أن لو قالوا: واحدة]].
أمة الإسلام: إنه فضل عظيم، وأجر كبير؛ لكن لمن يحصل هذا الأجر، وهذا الفضل العظيم؟
يحصل لمن رباهن تربية إسلامية، وعلمهن علوم الدين، وأحاطهن بالنصيحة، ولم يدخل عليهن السائق، ولا الخادم، ولا الفيديو، ولا الأغاني، ولا التمثيليات الخليعة، ولا الأغاني الماجنة التي تعلم البنات الحب والغرام، ومغازلة الرجال.
يحصل هذا الأجر العظيم والثواب الكبير؛ لمن حافظ على تلك البنات من الخروج إلى الأسواق متبرجات، فاتنات مفتونات.
يحصل هذا الأجر العظيم، والثواب الكثير لمن نفذ وصية رسول الله ﷺ ، حيث يقول: ﴿من أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه﴾.
أما الذين صاروا يتاجرون بالفتيات، ويعرضوهن للبيع فلن يفلحوا، وسوف يكون ذلك الحطام الذي يأخذونه وبالاً عليهم في العاجل والآجل، وليعلم أولئك أن أكثر النساء بركة أيسرهن مؤونة.
أيها الآباء: علينا جميعاً أن نتعاون على البر والتقوى، ونأخذ بالأثر: ﴿زوجوهن وأعينوهم عليهن﴾ ولنَخْتَار الأزواج الصالحين، لأولئك الفتيات؛ فإنهن أمانة في أعناق الآباء.
فيجب على الآباء أن يختاروا لهن الأزواج الصالحين، الذين هم عوناً على طاعة الله.
أمة الإسلام: الآباء في ذلك يختلفون:
من الآباء: من يساوم على ابنته، ويحدها بمائة وخمسين ألف ريال، مع ما يتبعها من الشبكة وغيرها للأم والإخوة والأعمام والأخوال.
ومن الآباء: من يقول: نعم.
أزوجكها؛ لكن دعني أستلم راتبها من البنك.
ومن الآباء: من يقول: لا أزوجها؛ لأنها صغيرة، وهي دائماً تتصل على العلماء وتكاتب العلماء، وتقول: بلغت من العمر ثلاثين سنة، ووالدي لم يزوجني، وإذا أتى خاطب يقول: هي صغيرة.
ومن الآباء: من شارك رأيه رأي النساء، فإذا جاءه الخاطب جلس مع النساء، وعقد معهن المشورة، ثم يقول لهؤلاء النساء: أتانا خاطب، فتبدأ المشورة من الأم، إلى الأقارب، فيقولون له: إن هذا الذي أتى يخطب ابنتك مطوع له لحية، وليس في بيته فيديو، ولا تلفاز، وثوبه قصير، إذا زوجته حبس حرية البنت، فلا يدعها تخرج إلى الأسواق، ويمكن أنه فقير؛ لأنهم لما علموا أنه ليس في بيته آلات لهو صار في أعينهم فقيراً؛ ولكنه بإذن الله عند الله شريف، أسأل الله أن يثبتنا على طاعته, وأن يجيرنا من مضلات الفتن.
أيها الإخوة في الله: ذلكم -يا عباد الله- ما يقع في هذا الزمان، ثم يأت الأب ويعتذر من هذا الزوج الكفؤ؛ لأن مجلس المشورة لم ينعقد على قبوله، فيعتذر لهذا الزوج الكفؤ؛ لأنهم شهدوا له أنه رجل مستقيم، وهم لا يريدون الرجل المستقيم مع الأسف الشديد، وهذا بإذن الله سوف يكون قليلاً في المجتمع؛ لأن من الناس من يحب الخير لنفسه ولبناته.
فأسأل الله الكريم، رب العرش العظيم أن يوفق كل فتاة متمسكة، لزوج صالح يعينها على طاعة الله، وإلا فكم من امرأة صالحة لما تزوجها شرير من سائر الناس، الذي أغرى الأب والأم، أفسد البنت، أفسد عليها دينها وأخلاقها وآدابها، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أيها الآباء: إنها والله أمانة عظيمة في أعناقكم سوف تسألون عنها يوم القيامة، اللهم إني بلغتهم أحاديث رسولك، وآياتك في كتابك، فرسولك ﷺ يقول: ﴿كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته﴾.
ورسولك يقول: ﴿من أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض، وفساد كبير﴾.
اللهم وفقنا جميعاً لما تحبه وترضاه.
عباد الله: صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
ويقول ﷺ : ﴿مَن صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وارضِ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
стр. 1474
التحذير من ترك الصلاة
الصلاة هي عماد الدين والركن الركين بعد لا إله إلا الله، وهي الدليل على الإيمان، ومن ضيعها ضيعه الله، ومن حافظ عليها لا يضيع أبداً، ولا يجهل مسلم منزلتها ومكانتها وقد فرط فيها كثير من الناس إما بالتضييع الكامل وإما بالتأخير وإما بأدائها في البيت، وقد هم الرسول الكريم ﷺ بإحراق من يتخلفون عنها.
стр. 1475
منزلة الصلاة في الإسلام وحكم تاركها
الحمد لله الذي أعز بالإسلام من تمسك به، وأذل وخذل من ابتغى غير الإسلام ديناً، أحمدك اللهم وأشكرك، بنيت هذا الدين على أركان وأسس متينة، ومن أهمها بعد التوحيد الصلاة.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المبلغ عن ربه دين الإسلام، وما مات حتى أكمل الله به الرسالة، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله حق تقاته، وتمسكوا بأهداف دينكم القويم الحنيف، دينكم دين السماحة والسهولة.
عباد الله: يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥].
إن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام التي تأخذ بيد المسلم المنقاد لله رب العالمين فتوصله إلى الغاية الحميدة، ويأمن بها من العثرة، ويأمن بها من الفزع في يومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فيأمن المسلم بهذه الصلاة حين يخاف الناس، ثم هذه الصلاة تكون له برهاناً على إيمانه، وصدقاً على إسلامه، وفي النهاية تكون له الصلاة نجاة من النار، وما ذاك -يا عباد الله- إلا لعظم منزلة الصلاة من الدين القويم؛ لأن الصلاة عمود الإسلام.
أمة الإسلام: الصلاة هي الصلة الوثيقة بين العبد وبين خالقه وموجده جل وعلا، فإذا قطع تلك الصلة ونسي الله وتركها قطع الله عنه عونه ووكله إلى نفسه ونسيه الله، عند ذلك يتولاه الشيطان ويكون من حزب الشيطان، أولئك حزب الشيطان وهم الخاسرون في الدنيا والآخرة.
فإذا تولاه الشيطان تقاذفته المحن، وتسلطت عليه البلايا، وهيهات أن يفلح عبد تخلى عنه رب العالمين، وهيهات أن يفلح عبد تولاه الشيطان الرجيم، وهيهات وهيهات أن يفلح عبد أعرض عنه أرحم الراحمين وتولاه شيطان رجيم مطرود عن رحمة الله.
إنه صار بترك الصلاة كافراً والعياذ بالله، وبرئت منه ذمة الله.
ولقد أكثر الله سبحانه من ذكر الصلاة، وأكثر من ذكرها في القرآن الكريم وعظم شأنها، وأمر بالمحافظة عليها، وأمر بأدائها مع الجماعة في بيوت الله وحذر من التهاون بها والتكاسل عنها، وأن ذلك من صفات المنافقين الذين لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا يذكرون الله إلا قليلاً، ومآلهم إلى الدرك الأسفل من النار، فهم يصلون ويذكرون الله لكنهم لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، ويذكرون الله لكنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً وبدون رغبة، فمآلهم إلى الدرك الأسفل من النار.
عباد الله: لقد أمركم الله بالمحافظة على الصلاة في كتابه الكريم، فقال وقوله الحق: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨].
عباد الله: إن الذي يتخلف عن أدائها مع الجماعة بدون عذر شرعي يكون عاصياً لله، مرتكباً كبيرة من كبائر الذنوب، وتوعده الله بويل في جهنم؛ وهو وادٍ لو سيرت فيه جبال الدنيا لذابت من حره، وهذا لمن تهاون بالصلاة.
стр. 1476
وقفات مع صلاة الجماعة
عباد الله: صلوا مع الجماعة في بيوت الله امتثالاً لأمر الله تعالى حيث قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] وهذه الآية نصٌ في وجوب الصلاة مع الجماعة، ولو كان المقصود إقامتها فقط لم تظهر مناسبة واضحة في ختم الآية بقوله جل وعلا: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ لكونه قد أمر بإقامتها في أول الآية.
стр. 1477
وجوب صلاة الجماعة في الجهاد
ولقد أوجب الله الصلاة في جماعة في حال الحرب، فأوجبها رب العالمين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، فكيف بحال السلم؟! فكيف بحال الأمان؟! فكيف بحال الطمأنينة؟! فكيف بحال رغد العيش؟! فكيف بحالٍ والشوارع منارة؟! لا حجة لأحدٍ أبداً.
أجل -يا عباد الله- لو كان أحدٌ يُسامح بترك الصلاة في جماعة لكان المصافُّون للعدو والمهددون بهجوم العدو؛ أولى بأن يسمح لهم بترك الجماعة، فلما لم يقع ذلك عُلم أن أداء الصلاة في جماعة من أهم الواجبات، وأنه لا ينبغي لأحدٍ يدعي الإسلام ويدعي الإيمان أن يتخلف عن الصلاة في الجماعة امتثالاً لأمر الله ولأمر رسوله ﷺ ، وفي الحديث الصحيح الذي يرويه الإمام البخاري والإمام مسلم وغيرهما ﵏ في بيان وجوب الصلاة مع الجماعة، حيث يقول أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ﴿لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً أن يصلي بالناس، ثم انطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار﴾.
أمة الإسلام: عجباً لمن عرف الدليل وحاد عن الجادة! عجباً لمن يسمع قال الله وقال رسوله، ويقول: أنا آخذ بقول فلان وفلان وعلان! لو فكر هذا المسكين المعاند لمن أمر أن يتبع، هل أمر أن يتبع ويقتدي بفلان وفلان، أو أمر أن يقتدي ويتبع بمن جاء بالهدى والنور الذي جاء بالشرع الحكيم والذي يهدي إلى صراط الله المستقيم، الذي قال الله فيه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١] إنه الشرع القويم الذي جاء به محمد ﷺ .
أمة الإسلام: متى ظهر الحق واتضحت أدلته، لم يجز لأحد أن يحيد عنه لقول فلان وفلان.
أمة الإسلام: متى ظهر الحق واتضحت أدلته فإنه لا يجوز لأحد أن يحيد عنه لقول أحد كائناً من كان؛ لأن الله يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩].
стр. 1478
حكم صلاة الجماعة للأعمى
عباد الله: الأدلة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في وجوب الصلاة في جماعة وإقامتها في بيوت الله كثيرة:
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً أعمى قال: ﴿يا رسول الله! إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: نعم.
فلما ولى دعاه ﷺ وقال له: هل تسمع النداء؟ -هل تسمع الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله الله، أشهد أن محمداً رسول الله، هل تسمع: حي على الصلاة، حي على الفلاح؟ - قال: نعم، قال: فأجب﴾.
أمة الإسلام: ما أكثر من يسمع الأذان ويضع الغطاء على رأسه، ما أكثر من يسمع الأذان وينام ويهنأ تحت المكيف عصياناً لله ولرسوله، متى يجد غب ذلك؟ يجد غب ذلك: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
عباد الله: إن مكبرات الصوت حجة عليكم، إنها ليست تسمع فحسب بل هي تهز البيوت، ولكن -مع الأسف الشديد- أكثر المجاورين لبيوت الله لا يحضرون الصلوات، اللهم اهدهم بهداك، أو أزلهم عن مجاورة بيوتك المطهرة، فإنهم -ولا حول ولا قوة إلا بك- لا يحضرون الصلاة، يسمعون الأذان والإقامة ويسمعون الصلاة تقام ولا يحضرون الصلوات مع الجماعة في المساجد، إنها المصيبة العظمى يا عباد الله! إنه الخطر الكبير الذي يشعر أن الكثير من المسلمين قد تخلوا عن دينهم الحنيف!
نعم يا عباد الله! إنه الخطر الجسيم الذي يشعر أن الكثير من المسلمين ابتعدوا عن أهم موقف يقف به العبد بين يدي رب العالمين، إنها المصيبة العظمى، إنه الإعلان من كثير من المسلمين بترك عمود الإسلام، ومع الأسف الشديد إنهم إذا تركوا عمود الإسلام وتركوا الصلاة فإنهم كفار مرتدون لا يصلى على جنائزهم ولا تتبع، ولا يعاد مرضاهم، ولا يدفنوا في مقابر المسلمين، ولا يغسلون إذا ماتوا، والله ثم والله لو أتي بجار من جيران المسجد وأخبرنا أنه لا يصلي فلن نصلي عليه، بل نتركه يخزيه الله في الدنيا قبل الآخرة.
نعم -يا عباد الله- نقولها بصراحة: لو أتي بأحدٍ من جيران المسجد الذين لا يشهدون الصلاة، وجاء شهود على تركه للصلاة فلا نصلي عليه؛ ليخزيه الله في الدنيا قبل الآخرة، ألا فليتقوا الله، ألا فليخافوا الله قبل أن يأتيهم أمر الله وهم غافلون، إنا لله وإنا إليه راجعون!
стр. 1479
مشكلة تخلف الأبناء عن صلاة الجماعة
يا عباد الله: إنها مصيبة عظمى، وأكبر من تلك المصيبة، الذين يأتون إلى المسجد ويتركون أولادهم في الشوارع يلعبون، أو في فرشهم نائمون، لم يبذلوا الأسباب فلم يوقظوهم، من أين لهم حجة إذا وقفوا بين يدي رب العالمين، وما هي حجتهم إذا وقفوا بين يدي رب العالمين؟ ألا يفعلون الأسباب؟ ألا يوقظون أولادهم؟ حتى ولو يتأخرون عن الصف الأول، إنما أنت مطالب بهذه الأمانة في عنقك، ولست مطالباً في أن تكون في الصف الأول، بل أنت مطالب بهذه الأمانة في عنقك أن تأتي به إلى المسجد فيصلي.
وهذه -يا عباد الله- مصيبة عظمى سوف نسأل عنها يوم القيامة، ولنبحث ما هو السبب الذي جعل الأبناء يبتعدون عن المساجد، ما هو السبب يا عباد الله؟ لنفكر في ذلك، ولنبحث عن ذلك لعلنا نعالج هذا المرض الخطير الذي قضى على كثير من الشباب فصاروا لا يعرفون بيوت الله طرفة عين، فإنا لله وإنا إليه راجعون!
عباد الله: البعض من الناس إذا دعي إلى هذا الصلوات تكلم بكلماتٍ تشمئز منها القلوب، سواء كان مجاوراً أو غير مجاور، سواء كان من الجيران أو غير الجيران، إذا دعي إلى هذه الصلوات الخمس تكلم بكلمات تشمئز منها القلوب المؤمنة، ولكن لا تيئس يا أخي المسلم، ادع جارك ونبهه إلى الصلاة لعلك تبرأ من تبعته يوم القيامة، إنه في الدنيا يتكلم عليك، ولا تدري غداً لعل الله يأخذه وترتاح منه أو يهديه ويكون في صفك في المساجد.
أما في الآخرة فإنه يتعلق في رقبتك يوم القيامة، ويقول: يا رب! جاري ظلمني، فتقول: والله ما ظلمته بحق يا رب العالمين، فيقول: بلى إنه رآني على المعاصي فلم ينهني، ولم يأمرني بطاعة الله.
فالخلاص الخلاص يا عباد الله، الخلاص ما دمت في وقت الإمكان، فالبعض من الناس -ويخشى أن يكونوا من الذين يعلمون أولادنا- يسمون الصلاة رجعية مع الأسف الشديد، وهم يعلمون أبناءنا، لا رد الله رجعتهم إذا سافروا إن كان قصدهم الفساد وتثبيط أولادنا عن دين الإسلام، فهم يسمون الصلاة رجعية، ويسمون من يصلي رجعياً، ويرمونه بالجمود، فحسبنا الله ونعم الوكيل! وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون.
لقد أخبر عبد الله بن مسعود ﵁؛ وهو من أجلاء صحابة رسول الله ﷺ ، حيث قال ﵁: [[لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق عُلم نفاقه أو مريض.
ثم يقول: وإن كان المريض ليمشي بين الرجلين حتى يأتي الصلاة]] وقال: [[إن رسول الله ﷺ علمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى: الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه]] وقال أيضاً: [[من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هذه الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صلَّيتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم]].
ثم يخبرنا بهذا الفضل ويقول: ﴿ما من رجل يتطهر فيمس الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة﴾.
عباد الله: إن الواجب على كل مسلم العناية بهذا الأمر والمبادرة إليه والتواصي به، إنها الصلاة يا عباد الله!
اللهم وفقنا لما فيه رضاك وإصلاح أمر ديننا ودنيانا، وأعذنا من مشابهة الكفار والمنافقين إنك جواد كريم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢].
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1480
أهمية الصلاة
الحمد لله القائل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر ألا تعبدوا إلا إياه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله معلم الخير والهدى، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله .
أمة الإسلام: اعلموا أن شأن الصلاة عظيم، وقد بلغ من عناية الإسلام بأمر الصلاة أن أمر بإقامتها في الحضر والسفر، وفي السلم والحرب، ولم يرخص في تركها للمريض، فقال ﷺ للمريض: ﴿صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب﴾ يسرٌ وسهولة، هكذا دين الإسلام؛ دين الكرامة والعزة، دين المفخرة العظمى لأهل الإسلام الذين تمسكوا به وأقاموه وقاموا بواجباته على نور من الله وبرهان، وعلى رأس ذلك وفي مقدمته الصلاة التي هي الركن العظيم من أركان الإسلام ومبانيه التي لا يقوم إلا عليها، فمتى حافظ عليها العبد فإنها تهديه بنورها إلى الطريق السوي، ويبدو أثر ذلك في سلوكه واتجاهه نحو الخير وبعده عن الإثم والرذيلة.
يروى عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿إن العبد إذا صلى فأحسن الصلاة صعدت ولها نور، فإذا انتهت إلى أبواب السماء فتحت أبواب السماء لها وتشفع لصاحبها وتقول: حفظك الله كما حفظتني، وإذا أساء في صلاته فلم يُتمَّ ركوعها ولا سجودها ولا حدودها -إنما جاء مكرهاً ليس مطيعاً، إنما جاء مدبراً غير مقبلٍ، إنما جاء اتباعاً للعادة لا عبادة- صعدت ولها ظلمة فتقول: ضيعك الله كما ضيعتني، فإذا انتهت إلى أبواب السماء غلقت دونها، ثم لُفَّت كما يلَفُّ الثوب الخلق فيُضرب بها وجهه﴾ نسأل الله العفو والعافية.
فاتقوا الله -عباد الله- وأقيموا فرائض الله وفي طليعتها الصلاة.
الصلاة -يا عباد الله- لا يُشغلنكم عنها، أو يحملكم على التهاون بأدائها في وقتها أي شاغل من وظيفة، أو رئاسة أو ندوة؛ أو بيع أو شراء؛ أو حرفة أو لهو، فإن في ترك فريضة رب العالمين غبنٌ يا له من غبن! ويا لها من خسارة! ومروا أبناءكم بالصلاة وحثوهم عليها ما داموا في السابعة، واضربوهم إذا تركوها وهم أبناء عشر سنين، هكذا حثكم الناصح الأمين.
وصلَّوا على رسول الله امتثالاً لأمر رب العالمين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلَّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الدين وإن زعموا أنهم معلمين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين وإن زعموا أنهم أساتذة محضرون، اللهم دمرهم تدميراً، اللهم أبدل الإسلام والمسلمين بخيرٍ منهم يا رب العالمين، اللهم أبدل أولاد المسلمين إناثاً وذكوراً بمعلمين يعلمونهم الخير ويهدونهم الصراط المستقيم يا رب العالمين.
اللهم من أتى إلى هذه البلاد ليعلم أولادنا الشر والفساد ويدعي أن الإسلام رجعية وأن الصلاة رجعية فاجعل منيَّتُه في طريقه، واجعله فريسة لسباع البر يا رب العالمين، اللهم أغرقه في البر، اللهم اخسف به الأرض من تحته يا رب العالمين، ومن أتى لينشر التعاليم الإسلامية ويدل أولادنا على الخير فاجعل له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية، وارزقه من حيث لا يحتسب، ويسر أمره حيثما كان يا رب العالمين.
اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا واجعلنا هداة مهتدين يا رب العالمين.
اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلهم قرة أعينٍ لنا يا رب العالمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم أرنا جميعاً الحق حقاً وارزقنا اتباعه واجبلنا على اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجبلنا على اجتنابه يا رب العالمين.
اللهم احمِ بلادنا من مضلات الفتن وجميع بلدان المسلمين يا رب العالمين.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة، وعن جميع بلدان المسلمين عامة يا رب العالمين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١].
واذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1481
حياة عمر بن الخطاب
الناظر في حياة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وفي سيرته الراشدة وحياته الطيبة منذ إسلامه واعتناقه هذا الدين بصدق واعتزاز وما كان له من دور كبير في امتناع المسلمين وقوة شوكتهم، وجعلهم يظهرون بعض شعائرهم؛ يرى العجب العجاب، ولقد تحول عمر ﵁ من أعدى أعداء الإسلام إلى ذاك البطل الذي يذود عن حماه، ويحارب من أجله.
لقد اتصف عمر بن الخطاب بسمات عظيمة، منها الشدة في دين الله مع تواضع جم، وحينما تولى الخلافة كان مثالاً للخليفة العادل المهتم بأمور رعيته، ولقد استمر عطاؤه وخيره وتضحيته إلى استشهاده على يد أبي لؤلؤة المجوسي لعنه الله.
стр. 1482
عمر بن الخطاب وقصة إسلامه
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها المسلمون! اتقوا الله وأطيعوه.
عباد الله: إن المسلم الحقيقي إذا تصفح سيرة الخلفاء الراشدين ﵃ وأرضاهم، بادرت عيناه باهمال الدموع والترحم عليهم؛ لأنهم بذلوا جهدهم لله وبالله، فرسول الله ﷺ رسم لهم منهج الفضائل والمعروف، والصدق والعفة، والكرم والإحسان، والقناعة وعلو الهمة، والنزاهة والشجاعة، والتقى والتواضع، فصاروا ﵃ أسبق الناس إليها، وحث رسول الله ﷺ الأمة الإسلامية بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده.
أمة الإسلام: لقد سمعتم في خطبة الجمعة الماضية شيئاً يسيراً عن أبي بكر الصديق ﵁، الذي لو وزن إيمانه بإيمان هذه الأمة لرجح بها، وهو أفضل الأمة بعد رسول الله ﷺ ، وتوفي أبو بكر الصديق ﵁، ولحق برسول الله ﷺ ، ودفن بجواره في حجرة عائشة ﵄.
وتولى بعده الخلافة الفاروق عمر بن الخطاب ﵁، وما أداركم ما عمر يا عباد الله! هو الذي كان قبل أن يسلم أعدى الأعداء للإسلام وأهل الإسلام، وقد دعا رسول الله ﷺ في يوم من الأيام أن ينصر الله الإسلام بأحد العمرين: عمرو بن هشام أبو جهل أو عمر بن الخطاب ﵁، فسبقت السعادة ولله الحمد والمنة إلى عمر بن الخطاب ﵁، وباء أبو جهل بالخيبة والخسران واللعنة ومأواه النار.
ففي يوم من الأيام خرج عمر بن الخطاب متقلداً السيف، فلقيه رجل من بني زهرة، قال: أين تذهب يا بن الخطاب، فقال: أريد أن أقتل محمداً.
قال: وكيف تأمن من بني هاشم وبني زهرة إذا قتلت محمداً؟
فقال له عمر: ما أراك إلا قد صبأت وتركت دينك الذي كنت عليه.
فقال: أفلا أدلك على ما هو أعجب من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أختك وختنك -أي: زوج أختك- قد تركا دينك الذي أنت عليه.
فمشى عمر ذامراً، حتى أتاهما وعندهما رجلٌ من المهاجرين يقال له: خباب بن الأرت ﵁، فسمع خباب حس عمر فتوارى، فدخل على أخته وزوجها، فقال لهما: ما هذه الهيمنة التي سمعتها عندكم؟ وكانوا يقرءون سورة طه، يقرءوهم إياها خباب.
فقالا: ما عدا حديثاً تحدثناه بيننا، قال: فلعلكم قد صبوتما؟ فقال له زوج أخته: أرأيت يا عمر! إن كان الحق في غير دينك؟ فوثب عمر على زوج أخته فوطأه وطأً شديداً، فجاءت أخته فدفعته عن زوجها، فنفحها بيده -أي: لطمها- فقالت وهي غضبى: يا عمر! إن كان الحق في غير دينك، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فعندما رأى عمر ﵁ الدم في وجه أخته، رق لها، وبدأت الرحمة في قلبه، فقال لأخته: أعطوني الكتاب الذي عندكم، فأقرأه وكان عمر يكتب، فقالت أخته: إنك رجسٌ ولا يمسه إلا المطهرون، فاغتسل وتوضأ، قال: فقام فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأ من قوله تعالى من سورة طه: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه:١ - ٨].
فقرأها عمر إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] وعندما قرأ عمر هذا القرآن، الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله، وكان عمر في أول جاهليته وهو متلبس بأنجاسه وأدران شركه، فعندما قرأ عمر هذا القرآن بدأت الروح الإيمانية تدب في جسم عمر، وكم يقرأ القرآن! وكم يتلى القرآن! وكم يسمع القرآن! قلوب كثير من المسلمين غافلة، وعن هديه متباعدة، فهذا عمر جاهلي مشرك لا يعرف الإسلام عندما سمع تلك الآيات القرآنية التي أنزلها رب العزة على رسوله محمد ﷺ ، أنزلها شفاءً لما في الصدور، قرأها عمر بدأت الروح الإيمانية تدب في جسم عمر، وبدأت غيوم الجاهلية تنقشع عن قلب عمر.
فقال: دلوني على محمد، فلما سمع خباب قول عمر، خرج من البيت، فقال: أبشر يا عمر! فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله ﷺ لك ليلة الخميس، فإنه قال: ﴿اللهم أعز الإسلام بـ عمر بن الخطاب أو بـ عمرو بن هشام﴾ أي: أبو جهل، وسبقت السعادة لـ عمر بن الخطاب.
стр. 1483
إعلان عمر لإسلامه
قالوا له: رسول الله ﷺ في الدار التي في أصل الصفا، فانطلق عمر متوشحاً بسيفه حتى أتى الدار، قال: وعلى باب الدار حمزة عم رسول الله ﷺ وطلحة ﵄ وأناس من الصحابة، فلما رأى حمزة وجل القوم، أي: خوفهم من عمر، قال حمزة: نعم فهذا عمر فإن يرد الله بـ عمر خيراً يسلم، ويتبع النبي ﷺ ، وإن يرد الله غير ذلك يكن قتله علينا هيناً.
قال: ورسول الله ﷺ داخل الدار يوحى إليه، فقال: فخرج رسول الله ﷺ ، حتى أتى عمر، فأخذ بمجامع ثوبه، وحمائل السيف وقال: ﴿أما أنت بمنته يا عمر! حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بغيرك؟﴾ فقال عمر: [[يا رسول الله! جئتك لأومن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله]] قال: فكبر رسول الله، ونحن نكبر ثم نكبر: الله أكبر! الله أكبر! خرج مقاتلاً لرسول الله، ثم لم يمضِ هنيهة من الوقت، إلا وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.
стр. 1484
أثر إسلام عمر على المسلمين
فكبر رسول الله ﷺ ، فعرف أهل البيت أن عمر قد أسلم، ولما أسلم عمر بن الخطاب ﵁ امتنع به أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان رجلاً ذا شكيمة لا يرام ما وراء ظهره، قال عبد الله بن مسعود ﵁: [[ما كنا نقدر على أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر ﵁، فلما أسلم عمر قاتل قريشاً حتى وصل إلى الكعبة وصلى وراء المقام]] وصلى معه أصحاب رسول الله ﷺ بعدما قال: يا رسول الله! ألسنا على حق، قال رسول الله ﷺ : بلى، فقال: لنخرج.
فخرج عمر ﵁، وجعل يعلن إسلامه بكل مجلس كان يعلن به الكفر، قال ابن مسعود ﵁: [[ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر بن الخطاب]] وقال ابن مسعود أيضا: [[إن إسلام عمر كان فتحاً، وهجرته كانت نصراً، وإمارته كانت رحمة]].
стр. 1485
أثر عمر على الخلافة
وبعد أن هاجر ﵁، وتولى الخلافة بعد أبي بكر الصديق ﵁ فتح الفتوحات، ومصر الأمصار، ودون الدواوين، وجاهد في الله حق جهاده، وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وخرج في عدة سرايا، وهو أول من دعي: أمير المؤمنين، وأول من كتب التاريخ الهجري، الذي يحاول أعداء الإسلام الآن أن يحلوا محله التاريخ الميلادي، ميلاد عيسى بن مريم، تاريخ النصارى، ليحلوا محل التاريخ الهجري الذي أول من كتبه عمر بن الخطاب ﵁، وقد قال رسول الله ﷺ : ﴿عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ﴾.
اكتبوا التاريخ الإسلامي، اكتبوا التاريخ الهجري يا عباد الله! وابتعدوا عن مشابهة اليهود والنصارى.
عمر بن الخطاب الذي أحيا سنة رسول الله ﷺ ، حيث جمع الناس على صلاة التراويح في رمضان، فإن صلاة التراويح صلاها رسول الله ﷺ ، وتركها خشية أن تفترض على الأمة، رحمة بأمته ﷺ ، وأحيا تلك السنة عمر بن الخطاب ﵁، وجمع الناس على صلاة التراويح في رمضان.
عمر بن الخطاب أول من عس بـ المدينة، كان متواضعاً في الله، خشن العيش، خشن المطعم، شديداً في ذات الله، يرقع الثوب بالأديم، ويحمل القربة على كتفه وهو أمير المؤمنين، ويركب الحمار، وكان قليل الضحك، لا يمازح أحداً، وكان نقش خاتمه كفى بالموت واعظاً يا عمر.
عمر بن الخطاب التي خصاله لا تعد ولا تحصى، إنما ذلك يسير من كثير، وإنما ذلك فيض من غيض لمن تنفعه الذكرى، ولمن أراد أن يرجع إلى سير الصحابة والخلفاء وسلفنا الصالح ﵃ أجمعين، فليرجع إلى تلك السير، وليتروى منها وليقتدي بهم، فإنهم الرجال الذين امتدحهم الله بالقرآن.
اللهم وفقنا جميعاً لما تحبه وترضاه، وجنبنا ما تبغضه وتأباه، واجعلنا هداة مهتدين.
وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1486
ما كان عليه عمر من الصفات
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي المتقين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام المتقين وقائد الغر الميامين، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً.
أما بعد:
فيا عباد الله! اتقوا الله وأطيعوه وانهجوا نهج السلف الصالح تبلغوا ما بلغوا من العزة والكرامة والرفعة في الدنيا والآخرة.
стр. 1487
تواضع عمر
يقول طلحة بن عبيد الله ﵁: خرج عمر ﵁ ليلة في سواد الليل، فدخل بيتاً فلما أصبحتُ ذهبتُ إلى ذلك البيت، فإذا عجوز عمياء مقعدة، فقلت لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟ فقالت: إنه يتعهدني مدة كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني، ويخرج عني الأذى، الله أكبر! ذلك عمر بن الخطاب ﵁.
إنه التواضع يا أمة الإسلام!
стр. 1488
تفقد عمر للرعية
قال أسلم ﵀: خرجت ليلة مع عمر إلى حرة، وأقام حتى إذا كنا بصرار إذا بنار، فقال: يا أسلم! هاهنا ركب قد قصر بهم الليل، انطلق بنا إليهم، فإذا امرأة مع صبيان لها وقدر منصوبة على النار، وصبيانها يتضاغون، أي: يصيحون، فقال عمر: السلام عليكم يا أصحاب الضوء! قالت: وعليك السلام، قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: من الجوع، فقال: وأي شيء على النار، قالت: ماء أعللهم به حتى يناموا، الله بيننا وبين عمر!
فبكى عمر ﵁، ورجع يهرول إلى دار الدقيق، فأخرج عدلاً من دقيق، وجراباً من شحم، وقال: يا أسلم! احمله على ظهري، فقلت: أنا أحمله عنك يا أمير المؤمنين! فقال: أنت تحمل أوزاري يوم القيامة؟!
فحمله عمر على ظهره، وانطلقنا إلى المرأة، فألقى عن ظهره الدقيق، وأخرج من الدقيق فرماه بالقدر، وألقى عليه من الشحم، وجعل ينفخ تحت القدر عمر بن الخطاب الخليفة الراشد، الفاروق أفضل الأمة بعد رسولها وبعد أبي بكر ﵁، جعل ينفخ تحت القدر، والدخان يتخلل لحيته، ثم أنزلها عن النار، وقال: ائتني بصحفة، فأوتي بها، فافرغ فيها، ثم تركها بين يدي الصبيان، وقال: كلوا، فأكلوا حتى شبعوا والمرأة تدعو له، وهي لا تعرفه، فلم يزل عندهم حتى نام الصغار، الله أكبر! يا لك من خليفة! أحنُ من الآباء والأمهات، إنه عمر بن الخطاب ﵁.
فلم يزل عندهم حتى نام الصغار، ثم أوصى لهم بنفقة، وانصرف ثم أقبل على أسلم، فقال: يا أسلم! الجوع الذي أسهرهم وأبكاهم.
تلكم القليل من فعال عمر بن الخطاب، الذي قال له رسول الله ﷺ : ﴿إني رأيت قصراً في الجنة من ذهب أحمر، فقلت: لمن هذا؟ قيل: لشاب من قريش﴾ إنه عمر بن الخطاب ﵁، الذي يقول: يا ويح أم عمر إن لم يغفر الله لـ عمر! الله أكبر! إنه عمر ﵁.
أمة الإسلام: لولا الإطالة لبسطنا الكلام، ولكن إشارة بسيطة، ومن أراد أن يتروى من أخبار أولئك السلف الصالح، فليرجع إلى السير والتواريخ التي سطر فيها أولئك الرجال ملخص تلك الأعمال الطيبة عن الرجال، إنهم الرجال ثم الرجال ثم الرجال.
стр. 1489
وفاة عمر ﵁
إن عمر بن الخطاب ﵁ لما فرغ من الحج سنة ثلاث وعشرين، ونزل بـ الأبطح دعا الله وشكى إليه أنه قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وانتشرت رعيته، وخاف من التقصير، وسأل الله أن يقبضه إليه، وأن يمن عليه بالشهادة في بلد النبي ﷺ .
في صحيح الأخبار أنه كان يقول: [[اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتاً في بلد رسولك]] فاستجاب الله هذا الدعاء، وجمع له بين هذين الأمرين، الشهادة في المدينة.
ففي يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة ضربه أبو لؤلؤة المجوسي الأصل، وهو قائم يصلي الصبح ﵁، عمر بن الخطاب قائم يصلي الصبح بالناس يؤم المسلمين في مسجد رسول الله ﷺ ، فضربه المجوسي بخنجر ذات طرفين ثلاث ضربات، وقيل ست ضربات، إحداهن تحت سرته فقطعت الصفاق، فخر من قامته ﵁، واستخلف عبد الرحمن بن عوف، ورجع المجوسي لعنه الله، رجع بخنجره لا يمر بأحد إلا ضربه، حتى ضرب ثلاثة عشر رجلاً مات منهم ستة، فألقى عليه رجلاً من المسلمين بردة، فلما رأى أنه قد تمكن منه المسلمون نحر نفسه لعنه الله.
وبعد ذلك حمل عمر ﵁ إلى منزله والدم يسيل من جرحه وذلك قبل طلوع الشمس، فجعل يفيق ثم يغمى عليه، ثم يذكرونه بالصلاة فيفيق ويقول: [[لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة]] ثم صلى في الوقت، ثم سأل عمن قتله من هو؟ فقالوا له: هو أبو لؤلؤة المجوسي، فقال: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي إلا على يد رجل يدعي الإيمان، ولم يسجد لله سجدة، ومات ﵁، ومات عمر بن الخطاب، مات الخليفة الراشد، مات الذي ملأ أقطار الدنيا بالعدل، مات الخليفة الزاهد، مات عمر بن الخطاب ﵁، ودفن يوم الأحد بالحجرة النبوية، إلى جانب الصديق ورسول الله ﷺ .
عباد الله: هذه نبذة يسيرة عن أولئك الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، اللهم وفقنا للاقتداء بهم والتأسي بأحوالهم والتخلق بأخلاقهم.
عباد الله: إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أمة الإسلام: عليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذَّ شذَّ في النار.
أمة الإسلام: صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم اشدد وطأتك على أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم مزقهم كل ممزق، اللهم شتت شملهم وفرق جمعهم واجعلهم غنيمة للمسلمين يا رب العالمين!
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم قيِّض لهم القرناء الصالحين، اللهم وفقهم للجلساء الصالحين الناصحين، الذين يعينونهم إذا ذكروا ويذكرونهم إذا نسوا يا رب العالمين!
اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلهم قرة أعين لنا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 1490
ماذا بعد الموت !
على المرء المسلم أن يعلم أنه عبد راجع إلى الله ، وأن يتزود من الصالحات؛ لأنه ليس هناك بعد الموت من دار إلا الجنة والنار.
وقد تطرق شيخنا في هذه الرسالة إلى وصف ماذا سيكون بعد الموت من حشر وأهوال عظام، وجنة ونار تلظى وغير ذلك من الأوصاف.
стр. 1491
أنذرتكم النار
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله تعالى ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣١ - ١٣٢] اتقوا النار بطاعة الله، وبامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه؛ فإنه لا نجاة لكم من النار إلا بامتثال أوامر الله واتباع أوامره واجتناب نواهيه.
عباد الله: اتقوا النار فإنها دار البوار، والبؤس والشقاء والخزي والعار، دار من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، دارٌ ساكنها شرار خلق الله تعالى من الشياطين وأتباعهم.
لعل البعض يقول: لماذا هذا المسكين يكرر ذكر الجنة والنار؟ فأقول: يا عبد الله: إن النار هي سجن لمن عصى الله، والجنة رحمة لمن أطاع الله، فلننظر في أعمالنا يا عبد الله، هل تتجدد أعمالنا باتباع أوامر الله واجتناب نواهيه؟! لا، والله.
بل نحن في انحطاط وابتعاد عن أوامر الله واجتناب نواهيه، لماذا؟ لأننا لا نزداد طاعة بعد طاعة على تجدد نعم الله علينا، نعم الله تدر علينا ليل نهار ولكن مع الأسف الشديد نقابلها بالمعاصي والنكران للجميل.
стр. 1492
وجوب شكر النعم قبل أن يحل عذاب الله
يا عبد الله: إن كان قلبك مؤمناً بالله ومصدقاً، فإذا سمع ذكر جهنم، يلين ويرعوي ويرجع إلى الله ، والنار موعد الشيطان الذي عصى وتكبر وطغى، ولكنه سوف يجتذب معه آخرين اتبعوا سنة الشيطان فعصوا الله وعصوا رسوله فموعدهم جهنم، يقول الله: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٤ - ٨٥] النار: السجن الذي توعد الله بها العصاة، دار فرعون وهامان، دار قارون وأبي بن خلف وغيرهم من بغاة الخلق وفجارهم، دار المنافقين وأحزابهم وإخوانهم، هؤلاء هم سكان جهنم، كفار فجرة وطغاة ظلمة، ومنافقون خونة، ولكن سار على نهجهم الأكثرون الآن، فالذي لا يصلي كافر، والمتخلف عن الصلاة والثقيلة عليه منافق ﴿أثقل الصلاة على المنافقين صلاة الفجر وصلاة العشاء، ولو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما ولو حبواً﴾ نعم.
ما أكثر الصفوف في غير الفجر والعشاء!
أين هم في الفجر يا عباد الله؟! أين هم في الفجر يا عباد الله؟! أكرر ذلك؛ لأني أخاف أن تزول عنا هذه النعم؛ ولأن ترك الصلاة كفر والعياذ بالله، وتارك الصلاة توعده الله بسقر، وما أدراك ما سقر! طبقة من طباق جهنم.
أما المتخلف عن الصلاة والذي يعتذر بالوظيفة يقول: إذا أتيت من العمل متأخراً وأذان العصر قد حان فأنا أريد أن آكل وأشرب، والصلاة سأقضيها بعد الفراغ، هذا إذا كان حريصاً أما الذي لم يكن حريصاً فإنه إذا أكل وشرب نام وترك صلاة العصر والمغرب حتى العشاء.
فيا عباد الله! إن هذه النعم سوف نحاسب عليها، ونخشى أن ينزل علينا من الله غضب ونحن غافلون، يقول بعض السلف: إذا رأيت الله يدر على عبده النعم وهو يعصيه فاعلم أن ذلك استدراج.
نعم -يا عباد الله- والعقاب لا يخص بل يعم، يقول ﷺ لما سألته إحدى زوجاته قالت: ﴿يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: نعم.
إذا كثر الخبث﴾
إذاً الخبث بأي شيء يغير يا عباد الله؟! يغير بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا لم نغير ولم نأمر بالمعروف ولم ننه عن المنكر فلا نأمن عقاب الله.
стр. 1493
وصف النار في السنة
نعم.
ما أشد عقاب الله! أشده جهنم وما أدراك ما جهنم! فإنها في أسفل السافلين وأبعد ما يكون عن رب العالمين، فهي دار عقاب لأعداء الله فأبعدت عن رحمة الله وعن دار أولياء الله، أما هي فيؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، أما حرها فهو شديد، وأما قعرها فبعيد، ولقد أخبرنا نبينا محمد ﷺ بقوله: ﴿ناركم هذه -ما يوقد ابن آدم- جزء واحد من سبعين جزءاً من نار جهنم﴾ الله أكبر يا عباد الله! ﴿ناركم هذه -ما يوقد ابن آدم- جزء واحد من سبعين جزءاً من نار جهنم﴾ قال الصحابة ﵃: يا رسول الله! إنها لكافية.
يعنون نار الدنيا، قال ﷺ : ﴿إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلهن مثل حرها﴾.
وسمع الصحابة ﵃ صوت وجبة - أي: شيء سقط- فقال النبي ﷺ : ﴿أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: حجر أرسله الله في جهنم منذ سبعين خريفاً -سبعين سنة- فالآن حين انتهى إلى قعرها﴾ رواه مسلم.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿يقال لليهود والنصارى: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا ربنا فاسقنا.
فيشار إليهم: ألا تردون، فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضاً؛ فيتساقطون في النار﴾ قال الله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم:٨٦].
стр. 1494
وصف النار في القرآن
عباد الله! يقول بعض العلماء: ما ظنكم بقوم قاموا على أقدامهم خمسين ألف عام لم يأكلوا فيها أكلة، ولم يشربوا فيها شربة، قد تقطعت أكبادهم جوعاً، واحترقت أجوافهم عطشاً، ثم سحبوا إلى النار وهم يطمعون في الشراب فلا يجدون إلا النار يُلقون فيها! ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾ [الملك:٧] يقول ابن عباس ﵁: تفور: [[أي لها شهيق مثل شهيق البغلة إذا رأت الشعير]].
هذه نار جهنم، إذا أقبلوا بالعصاة إليها يسحبونهم الزبانية ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾ [الملك:٧] تفور فوراناً تقلبهم كما تقلب الحبة في المقلى، نار قد ملأها الله غيظاً وحنقاً عليهم ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك:٨] انظروا يا عباد الله! جهنم غاضبة لغضب الله ، تكاد تميز من الغيظ على عصاة الله، يلقون فيها أفواجاً أفواجاً، يقابلون بالتقريع والتوبيخ ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨] هل ينكرون؟! لا.
﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِير﴾ [الملك:٩] فماذا عملتم؟ ﴿فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك:٩] يقولون ذلك لأنبياء الله ورسله، ثم يعودون باللوم على أنفسهم ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ [الملك:١٠ - ١١] يعترفون في جهنم، ولكن هل يفيدهم هذا الاعتراف؟! لا والله لا يفيدهم ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١١] هذا ما يقابلون به عند دخولهم النار، توبيخ وتقريع وإهانة وتنديم فتنقطع قلوبهم أسفاً، وتذوب أكبادهم كمداً وحزناً، ولكن لا ينفعهم ذلك.
فإذا دخلوها فما أعظم عذابهم، وما أشد عقابهم، يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم، يقول الله جل وعلا: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر:١٦] ولئن سألتم عن طعام أهل النار وشرابهم ما هو؟ فهو الزقوم.
وما هو الزقوم؟ الزقوم: شجر خبيث، مر الطعم، نتن الريح، كريه المنظر، يتزقمونه تزقماً لكراهته وقبحه، ولكن يلجئون إلى ذلك لشدة جوعهم فلا يسمنهم ولا يغني من جوع، في الحديث عن النبي ﷺ قال: ﴿اتقوا الله حق تقاته، فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معيشتهم﴾ قطرة من قطرة الزقوم الذي يشربونه في نار جهنم!
فإذا ملئوا بطونهم من هذا الطعام الخبيث الذي لا يسمن ولا يغني من جوع التهبت أكبادهم عطشاً، فلا يهيئ لهم الشراب وإنهم ليستغيثون ولكن بماذا يغاثون؟ ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف:٢٩].
ما هو المهل يا عباد الله؟ المهل: هو الرصاص المذاب يشوي الوجوه من شدة حره وبئس الشراب كما قال الله جل وعلا ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف:٢٩] يشربونها على كره واضطرار شرب الهيم وهي: الإبل العطاش التي لا تروى من الماء.
فإذا سقط في أجوافهم ماذا يعمل؟! يقطع أمعاءهم فهو كالمهل في حرارته وكالصديد في نتنه وخبثه! قال الله تعالى: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٥] أسأل الله العافية في الدنيا والآخرة!
يا عباد الله! ما هذه المواعظ التي تتلى علينا ولكن أين القلوب؟ هل ماتت القلوب يا عباد الله؟! لا نرانا نزداد في طاعة الله أبداً ولا حول ولا قوة إلا بالله! وكالعادة نأتي إلى المساجد ونخرج، ولا حول ولا قوة إلا بالله! اسمعوا يا عباد الله: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٥ - ١٧] ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ [طه:٧٤] إنا لله وإنا إليه راجعون! ويل لمن كانت جهنم مسكنه يا عباد الله!
ثم إن سألتم عن لباسهم؛ فهو لباس الشر والعار ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج:١٩] ما بالكم بجسم مسيرته ثلاثة أيام، وضرسه مثل جبل أحد!! هذه أجسام أهل النار، ثم تقطع لهم هذه الثياب ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج:١٩] على قدر أبدانهم، ولا تقيهم حر جهنم بل تزيدها حرارة واشتعالاً، ولئن سألتم عن المدة فعذابهم مستمر دائم يقول الله: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٥] أبلسوا من رحمة الله، نسأل الله العفو والعافية!
ثم تلك الجلود كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب الأليم، وكل ما خبت تلك النار زادها الله سعيراً، يرتفع بهم اللهب إلى أعلى جهنم ثم يعودون إلى قعرها ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة:٢٠] ثم يطلبون الراحة من جهنم، ثم يقولون لخزنة جهنم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٩] فلا تجيبهم الملائكة إلا بالتوبيخ، ثم تقول لهم الملائكة: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر:٥٠] هل يكذبون؟ لا.
ويقولون: بلى.
قد جاءتنا رسل ربنا، والقرآن، والسنة، والمرشدون والواعظون؛ ولكن ما لقلب بميت إيلام قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] جاءت الرسل بالأدلة الواضحات فيقولون: بلى.
فتقول لهم الملائكة: ﴿فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٥٠] فلا يستجاب لهم، ولا يسمع لهم دعاء لأنهم لم يستجيبوا للرُسل حين دعوهم إلى الله وإلى عبادته في الدنيا، فإذا لم يجابوا وهم يتعاوون ويصطرخون ويدعون بالويل والثبور تمنوا الموت حينئذٍ فقالوا: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] يطلبون الموت راحة لهم مما هم فيه من العذاب، فيرد عليهم خازن النار: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧].
ثم يتوجهون إلى رب العالمين ذي العظمة والجلال والعدل في الحكم والفعال فيقولون: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٧] فيقول لهم أحكم الحاكمين: ﴿اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨].
لقد أخبرنا نبينا محمد ﷺ : ﴿أن أهون النار عذاباً من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل -أي القدر- ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً وإنه لأهونهم عذاباً﴾.
ويقول ﷺ : ﴿يؤتى بأنعم أهل الدنيا -الذي كان يأكل ويشرب وينام مثل البهائم- من أهل النار فيصبغ في النار صبغة -أي: يغمس فيها- ثم يقال: يا ابن آدم! هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب﴾ الله أكبر! نسي المأكل والمشرب والمنام والغفلة، أجل -يا عباد الله- إنه نسي كل نعيم مر به في الدنيا وقد غمس في النار غمسة واحدة فكيف به وهو مخلد فيها أبداً.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [النساء:١٦٨ - ١٦٩] ويقول ربنا جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [الجن:٢٣] متى هذه الأخبار؟ هل تقال لنا يوم القيامة؟ لا.
هذه موجودة في القرآن الآن، في رمضان نقرأ القرآن من أوله إلى آخره، ونسمع هذه الإنذارات، وتقرأ في فرائض الصلوات هذه الإنذارات ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [الجن:٢٣].
وأيضاً يقول رب العالمين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [الأحزاب:٦٤ - ٦٥] لا يجدون واسطة يخلصهم من الحجرة أو من السجن، يدخل في الليل ويخرج في النهار لا.
﴿لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [الأحزاب:٦٥] متى ذلك؟ ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [الأحزاب:٦٦] يا رب! يا رحمن! رحمتك يا كريم! النار يا عباد الله! اهربوا من النار، اهربوا من النار إن كانت لكم قلوب واعية ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [الأحزاب:٦٦] ماذا يقولون؟ ﴿يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:٦٦] ثم قالوا: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ [الأحزاب:٦٧ - ٦٨].
اللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام نجنا من النار، اللهم أيقظنا من غفلاتنا، اللهم أيقظنا من رقداتنا، اللهم صحنا من سكراتنا سكرات الدنيا حتى نستيقظ لما أمامنا يا رب العلمين.
اللهم إنا نسألك أن ترزقنا صالح الأعمال التي ترضيك يا رب العالمين وتخلصنا بها من النار إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
اللهم ارحمنا، فإنه لا طاقة لنا بجهنم يا رب العالمين، اللهم لا تجعل إلى النار مصيرنا، اللهم إنا نعوذ بك من نار جهنم فإنه لا طاقة لنا بنار جهنم يا رب العالمين، يا أرحم الراحمين، يا أكرم الأكرمين، يا من هو أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا، يا من هو أرحم بنا من أنفسنا، لا تجعل إلى النار مصيرنا، اللهم لا تجعل إلى النار مصيرنا، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد.
стр. 1495
دعوة إلى محاسبة النفس قبل الفوات
الحمد لله الذي حذرنا من النار في محكم التنزيل فقال: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى﴾ [الليل:١٤] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا رب لنا سواه، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خاتم النبيين وأفضل المرسلين، المبلغ عن ربه شرعه المبين، والناصح لأمته حيث يقول: ﴿أنذرتكم النار! أنذرتكم النار! أنذرتكم النار!﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله واحذروا من أسباب سخطه وعقابه، واعلموا أنكم لم تخلقوا عبثاً ولم تتركوا سدىً، وإن لكم معاداً ينزل الله فيه للفصل بين العباد ويميز فيه بين المطيعين والعصاة، فالمطيعين سوف يساقون إلى جنة عرضها السماوات والأرض، والعصاة سوف يسحبون إلى النار وبئس المصير، فاتقوا الله عباد الله قبل نزول الموت وانقضاء الآجال، ثم تندمون حينئذٍ ولات حين مندم، فبادروا بالتوبة النصوح.
عباد الله: تزودوا من الأعمال الصالحات فإنكم غداً يوم القيامة سوف توقفون بين يدي الله ثم تسألون عن أعمالكم وتحاسبون عليها، ثم تجزون عليها الجزاء الأوفى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] وصلوا على رسول الله، صلوا على الناصح الأمين الذي ترككم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، صلوا عليه امتثالاً لأمر رب العالمين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم اشف أمراض قلوبنا، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.
اللهم أصلحنا وأصلح ولاة أمورنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، نأمر بالمعروف ونفعله وننهى عن المنكر ونجتنبه، اللهم أصلحنا وأصلح بنا، اللهم أصلح أولاد المسلمين أجمعين ذكورهم وإناثهم يا رب العالمين، اللهم أقر عيون والديهم بصلاحهم يا رب العالمين، اللهم رد شاردهم، وثبت مهتديهم، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عنا وعن جميع المسلمين عامة يا رب العالمين، وأستغفر الله العلي العظيم.
стр. 1496
لا تأمنوا
إن العبد المؤمن في هذه الحياة الدنيا لا يأمن مكر الله وعقابه وسخطه حتى يضع أول قدم في الجنة، والعبد الفاجر والملحد يتمادى في المعاصي والذنوب، ولا يذكر أن هناك حساباً وعذاباً، ولا يخاف من مكر الله جل وعلا.
стр. 1497
موت القلوب وغفلتها
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يزل بصفات الكمال متصفاً، وبآثار ربوبيته وآلائه إلى عباده متعرفاً، أحمده وأشكره، ولا أحصي ثناءً عليه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله .
عباد الله: لقد استولت على القلوب الغفلة؛ حتى أمرضتها، بل أماتت بعض القلوب، فأصبحت لا تخشع عند ذكر الله ولا تلين ولا تعتبر فيما يحدث في هذا الكون من العبر والمحن، فإن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار.
عباد الله: ألا نعتبر بهذه الرياح التي تهب؟ فإنها تكون على بعض الناس نقمة، وتكون لبعضهم رحمة.
ألا نعتبر بهذه الأمطار التي تنزل من السماء بقدرة الله ؟ فإنها تكون على بعض الناس نقمة، ولبعضهم رحمة من الله تعالى.
هل نعتبر بذلك يا عباد الله أم نقول: فيضانات، وغيرها من التعبيرات التي أماتت القلوب، ولا حول ولا قوة إلا بالله؟!
هل نعتبر بكسوف الشمس وبخسوف القمر؟ إن الشمس لا تَكْسِف عبثاً، ولا القمر يخسف عبثاً، بل سوف يأتي يوم ينخسف القمر والشمس فلا يريا بعد ذلك اليوم.
يا عباد الله: كل ذلك فيه عبرة لمن يعتبر، كنا إذا رأينا الأموات قبل سنين أصابنا الرعب، وانصرفت هِمَمُنا عن الأكل والشرب؛ لما نرى من هذه الجثث الهامدة التي ارتحلت عن الدنيا وانتقلت.
لما كانت القلوب واعية تعتبر وتبصر، كنا إذا رأينا الميت، هلَّت العيون بالدمع، وشعُر القلب بالحزن، وجعل البعض يقول، بل كلنا: نسترجع، ونحوقل، إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أما الآن لما قست القلوب، بل مات بعضها، صار البعض من الناس يأخذ تلك الأعضاء -الرأس، والأيدي، والأرجل من ناحية في تلك الحوادث التي تقع كل حين بعد حين- ولا تلين القلوب، ولا تعتبر، ونخرج الأموات من سلة الثلاجة في المستشفى، ولا نعتبر بذلك يا عباد الله، لماذا؟
لأن القلوب مرضت وغفلت وابتعدت عن الله ، وأبعد القلوب من الله: القلب القاسي.
عباد الله: كيف لا تحزن القلوب ولا تدمع العيون إذا رأت تلك الجثث الهامدة، بينما كانت في صحة متمتعة، فرحة بقوتها وشبابها، لا يخطر لها الضعف على قلب، ولا الموت على بال إذ هجم عليها المرض، وجاء الضعف بعد القوة، وحل الهم من نفسه محل الفرح، والكدر محل الصفاء، ولم يعد يؤنسه جليس، ولا أهل ولا أولاد ولا مال ولا آلات لهو من أغانٍ وغيرها مما كان يفكر فيه ويرغبه في أيام الصحة والفراغ.
ثم بعد تلك الصحة والفرح ينزل به هادم اللذات، ثم يكون جثة هامدة، يفقد القوى، ويفقد الصحة، ولا يستأنس بأحد: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩].
نعم.
ألا تخشع القلوب، ألا تَهْمُل العيون بالدمع وهي ترى إنساناً قد استفحل به المرض، ولم يعد الطبيب والدواء يفيد به؟ ترى ذلك عند قرب الموت، يستشعر الندم على ما مضى وفات من التفريط والإهمال، وقد نزل به ملك الموت وتغير اللون وغارت العينان ومال العنق والأنف، وذهب الحُسن والجمال، وخَرُس اللسان، وصار لا ينطق بالكلام، وصار بين أهله وأصدقائه ينظر ولا يفعل، ويسمع ولا ينطق، إنها جثة هامدة.
كيف لا تخشع القلوب ولا تدمع العيون ونحن نرى تلك الجثث يا عباد الله؟! صار يقلب بصره في من حوله من الأولاد والأهل والأقارب؟ ألا ترحمه يا عبد الله! وهو يقلب بصره فيمن حوله من الأهل والأولاد، وهم كذلك ينظرون ما يقاسيه من كرب السياط، وشدة السكرات؟ ولكنهم عن إنقاذه عاجزون، يقول تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٨٥].
ويقول أيضاً: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [المدثر:٢٦ - ٢٧] ائتونا بالطبيب، ائتوا بالأطباء جميعاً، احملوه إلى بلد غير بلده، ابحثوا عن الأطباء ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] ويقول تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٧ - ٣٠].
ألا تخشع القلوب يا عباد الله؟ ألا تَهْمُل العيون بالدمع من هذا المنظر الفظيع، من إنسان يعالج سكرات الموت، ثم لا يزال يعالج سكرات الموت وشدائده حتى يتتابع النَّفَس، ويختل نبض القلب، ويتعطل السمع والبصر، ويحلُّ الأجل، وينفذ القضاء، وتفيض الروح إلى السماء، خرجت الروح إلى السماء من ذلك الجسد، ثم صار جثة هامدة، وجيفة بين أهله وعشيرته.
قبل أن تخرج روحه يعاني مما حصل منه في حياته، إن كان مرابياً محارباً لله ولرسوله، يعاني من ذلك، ويقول: يا ويلتاه يا ويلتاه مما أمامي من الحساب والعذاب الشديد، يا ويلتاه من عناء تلك الأموال التي جمعتُها من الربا.
إن كان غاشاً، إن كان مخادعاً، إن كان حلاَّفاً فإنه يقول كذلك، نسأل الله العفو والعافية.
إن كان من الذين أدخل على أهله الملاهي، فهو يتوجع في حال موته، يريد أن يقول لأهله: أخرجوا هذه الملاهي التي فتنتكم بها عن بيتي؛ ولكنهم لا يفقهون ذلك، ثم يموت، ويكون وزره مثل أوزارهم، باستعمالهم تلك الملاهي، والعياذ بالله.
стр. 1498
لابد أن نعد للسؤال جواباً
يا عبد الله: أعد للسؤال جواباً أمام رب العالمين، أنت أدخلتَ الفيديو وما فيه، أفسدتَ النساء، أفسدتَ أخلاق النساء، جعلتهن في محل دعارة وهن في بيت حصين، تذكر -يا عبد الله- أن بيتك بوجود الفيديو صار بيت دعارة، صار بيت زنا وأنت لا تدري؛ ولكن هل تدري متى تدري؟ تدري إذا نزل بك هادم اللذات، وصرتَ تقلب بصرك في نواحي البيت.
تريد أن تقول: أخرجوا الفيديو، أخرجوا الفيديو، أخرجوا الفيديو؛ ولكن هيهات لك من مجيب! هيهات لك أن تنطق، وقد نزل بك هادم اللذات! تريد أن تقول: أخرجوا الخادمة، أخرجوا الخادمة التي جئتُ بها، وجعلتُها بين الشباب في بيتي، يعتقبون عليها طول الليالي يزنون بها؛ ولكن لا تستطيع أن تقول ذلك.
تريد أن تقول: أخرجوا الطباخ، أخرجوا السائق من بيتي، الذي ربما زنا بزوجتك وبالبنات؛ ولكن لا تستطيع أن تقول ذلك.
فمتى يا عباد الله؟ متى نستيقظ هل إذا حل بنا هادم اللذات؟
نعم.
لا يفيدك الكلام يا عبد الله! إذا لم تأخذ الأُهْبَة وتستعد له قبل أن ينزل بك، ثم بعد ذلك صرتَ جيفة هامدة، بين الأهل والعشيرة، قد استوحشوا من جانبك، بعدما كانوا يتواعدون للجلوس معك، صاروا يقولون: ائتونا بغاسل يغسله حتى ندفنه بالتراب، وتباعدوا من جنبك، ومات اسمك فلان بن فلان، الذي كانوا يعرفونك به، كما مات شخصك الذي كانوا يأنسون به، وأصبحوا وقد خيم الحزن عليهم، وضاقوا به ذرعاً.
فأسرعوا إلى المغسل، وقد جاءوا بالمغسل يا عبد الله، وجردك من الثياب، وصار يقلبك عرياناً، وقد كنت تستحي من قبل أن تُرى عورتُك.
ثم أدرجك بالأكفان، وحنطك بالحنوط، واحتملك الرجال على أكتافهم سراعاً، ثم صلوا عليك صلاة لا ركوع لها ولا سجود.
ثم حملوك على أكتافهم إلى مثواك قبل الأخير، إلى قصرك الذي عمرته، إن كنتَ عمرته بالأعمال الصالحة، فهنيئاً لك قصراً مشيداً وسيعاً فسيحاً، وإن كنت عمرته بالأعمال السيئة، فيا ويلك من حفرة ضيقة مظلمة موحشة.
ثم تذكر يا عبد الله! إذا صفوا عليك اللبنات، وأهلوا عليك التراب، وقَفَّوا من عندك، وأنت تسمع قرع نعالهم، وقد جاءك منكر ونكير.
تذكر ما هو الجواب يا عبد الله! تذكر إذا جاءك منكر ونكير، هل تجيب، وتقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد؟ أم تقول: هاه هاه لا أدري، ولا يستويان!
فإن كان الجواب الأول: يقال لك: أبشر، فهذا منزلك من النار قد أبدلك الله به منزلاً من الجنة، ويأتيك عملك الصالح شاب حسن الثياب، طيب الريح.
وإن كان الجواب الثاني: هاه هاه لا أدري، فيقال لك: انظر إلى مقعدك من الجنة قد أبدلك الله به مقعداً من النار، ويأتيك عملك السيء الخبيث.
فيا عباد الله! علينا جميعاً أن نستعد لهذا الموت الفاجع، والخطب الفادح؛ فإنه يأتي على غرة، وبدون سابق إنذار، فاعتبروا بمن اخترمتهم المنية من الشيوخ، والكهول، والشباب، والأطفال، والملوك، والمملوك، والغني، والفقير، كلهم يموتون، قال الله فيهم: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] وقال تعالى: ﴿قل إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨].
فاستعدوا يا عباد الله! وتوبوا إلى الله، جددوا توبة نصوحاً ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠].
وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1499
معنى شهادة أن محمداً عبد الله ورسوله
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلِّم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
يا أيها الناس: اتقوا الله .
عباد الله: استعدوا لهادم اللذات، استعدوا للموت؛ فإنه يأتي على غرة، أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، واعلموا أن بطاعة الله ورسوله الفلاح والسعادة والأجر في الدنيا والآخرة، يقول الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠].
ويقول جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣١ - ٣٢].
ويقول جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧].
عباد الله: في هذه الآيات الكريمة يتبين لنا معنى شهادة: أن محمداً عبده ورسوله، وهي: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يُعبد الله إلا بما شرعه محمدٌ ﷺ ، فهو خاتم الأنبياء والمرسلين، ورسالتُه خاتمة الرسالات، وهو الذي بُعث إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار.
стр. 1500
من طاعة النبي اجتناب المحرمات والمعاصي
أجَل يا عباد الله! أجَل يا أمة الإسلام! كم نسمع من التحذير من ارتكاب جريمة الربا، وأنها محاربة لله ولرسوله؟!
كم نسمع من جريمة الزنا وأنها تجر الويلات والدمار، وأنها تخرب البلاد العامرات؟!
كم نسمع من جريمة اللواط، وأنها عارٌ مستطير، قد حلَّت بأمم عيَّرهم الله في القرآن, وأنزل بهم عقوبة لم يعاقب بها مثلهم أمة من الأمم؟!
كم نسمع من الغش، والخداع والحلف الكاذبة، التي عمَّت المسلمين إلا من شاء الله؟!
كم نرى ونسمع من الذين يحلقون لحاهم، ويعتذرون بأعذار واهية ليس لهم بها حُجة ولا مخرج من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ ، إن حلق اللحية حرام يا عباد الله! إن حلق اللحية حرام شاءوا أم أبوا.
إخوتي في الله: ويقترن مع حلق اللحية أمر عظيم وجريمة كبيرة تفشت بين الناس ولم يعتبروها جريمة، إلا من جعل الله في قلبه إيماناً، أتدرون ما هي يا عباد الله؟! هي الإسبال، جر الثياب والمشالح والسراويل من الرجال، واسمعوا يا عباد الله النهي الشديد من رسول الله ﷺ عن ذلك، اسمع يا من تخشى أن تموت وأنت على تلك الحال، فتب إلى الله ولن يقع عليك هذا الوعيد الأكيد وهو قول رسول الله ﷺ : ﴿لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطراً﴾ حديث متفق عليه.
ويقول رسول الله ﷺ أيضاًَ: ﴿ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم﴾ ثم يكرر ﷺ ويقول: ﴿ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم﴾ ثم يكرر الثالثة ﷺ ويقول: ﴿ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم قال أبو ذر: خابوا وخسروا! من هم يا رسول الله؟! قال: المُسْبِل، والمنَّان، والمنفق سلعتَه بالحلف الكاذب﴾ رواه: مسلم.
يا عبد الله: اسمع -أيضاً- من رسول الهدى ﷺ ، حيث قال: ﴿أزرة المسلم إلى نصف الساق، ولا جناح فيما بينه وبين الكعبين، فما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، ومن جر إزاره بطراً لم ينظر الله إليه﴾ حديث صحيح رواه أبو داود.
وعن ابن عمر ﵄ قال: مررتُ على رسول الله ﷺ وفي إزاري استرخاء، فقال: ﴿يا عبد الله، ارفع إزارك فرفعتُه، ثم قال: زد فزدتُ، فما زلتُ أتحراها بعدُ، فقال بعض القوم: إلى أين؟ فقال: إلى أنصاف الساقين﴾ رواه: مسلم.
عبد الله! هل بعد هذا البلاغ من رسول الله ﷺ عذر للمعاندين الذين اعتادوا أن يسحبوا الثياب؟ هل لهم عذر إذا وقفوا بين يدي الله ؟ لا.
إن البعض من المعاندين يقولون: لم نجره خيلاء ولكن زينة، فنقول لهم: ليست الزينة ولا الجمال فيما حرم الله ورسوله، مثل الذين إذا قيل لهم اتركوا اللحية، قالوا: (النظافة من الإيمان) والله إنها لمقالة شنعاء، كذبوا بها على الله ورسوله ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف:٥] يقولون: (النظافة من الإيمان) مع الأسف أصبح تغيير سنة الرسول ﷺ من الإيمان؟ بل أنت ناقص الإيمان عندما غيرت سنة رسول الله ﷺ .
البعض من الناس إذا قيل له: لا تجر الثوب، قال: أنا لا أجره خيلاء ولا بطراً؛ ولكن أجره زينة، فنقول له قول الرسول ﷺ : ﴿ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار﴾ حديث صحيح رواه البخاري.
واسمعوا يا عباد الله! قال رسول الله ﷺ : ﴿من جر ثوبة خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقالت أم سلمة ﵂: فكيف تصنع النساء بذيولهن، قال: يرخين شبراً قالت: إذاً: تنكشف أقدامهن، قال: فيرخينه ذراعاً ولا يزدن﴾ رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
عباد الله: لقد عَظُمَت المصيبة، وكلنا نرى في هذا الزمان الذي انعكس الأمر فيه وانتكس، فالمرأة هي التي قصرت ثيابها، وكشفت عن مفاتنها، والرجل حل محلها، فأسبل الثياب، وستر القدمين، فلا يظهر منه إلا الوجه، وأطراف القدمين، فما نقول إلا لا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 1501
عاقبة من عصى النبي ﷺ
يقول الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥].
هل لديك طاقة يا عبد الله بجهنم؟! ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥].
فما ظنكم يا عباد الله بأناس يرون أولادهم يجرون الثياب وهم يصبون لهم القهوة، ويقدمون لهم الطعام، ولا يغيرون هذا المنكر العظيم؟!
ما ظنك ببعض الآباء وأولاده يقفون أمام الخياط ليأخذ مقاساتهم والولد ويوصيه أن يجعل الثوب أو الإزار طويلاً يلامس الأرض، ولا ينكر عليه هذا؟! فهذا -والله يا إخواني- من عدم الغيرة الإيمانية، ومن عدم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فلا حول ولا قوة إلا بالله! أسأل الله أن يحيي قلوبنا بالإيمان، وأن يغيثها بالإيمان، وأسأل الله أن يشفي مرض قلوبنا، وأن يردنا إليه رداً جميلاً، إنه على كل شيء قدير.
عباد الله: صلوا وسلموا على الناصح الأمين، امتثالاً لأمر الله ربكم، حيث يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
ويقول ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة، صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، الذي ترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك ﴿ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، عاجلاً غير آجل.
اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين.
اللهم انصر المجاهدين من المسلمين في سبيلك، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك من المسلمين، في مشارق الأرض ومغاربها، يا رب العالمين.
اللهم أيدهم بتأييدك، وانصرهم بنصرك، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أصلحنا، وأصلح لنا، وأصلح بنا، اللهم أصلحنا وأصلح ولاة أمورنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم اجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم ارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين، اللهم ارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين، الذين يذكرونهم إذا نسوا، ويعينونهم إذا ذكروا، يا رب العالمين.
اللهم رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار.
اللهم اشف مرض قلوبنا، اللهم اشف مرض قلوبنا، اللهم اشف مرض قلوبنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم, واجمعنا والمسلمين في جنات النعيم.
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣].
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩٠ - ٩١].
واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 1502
من أسباب دخول النار
إن النار دار قد خص أهلها بالإبعاد، وحرموا لذة المنى والإسعاد، وبدلت وضاءة وجوههم بالسواد، وضربوا بمقامع أقوى من الأطواد، عليها ملائكة غلاظ شداد، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
لذلك كله كان لا بد من معرفة أسباب دخولها حتى يحذر منها.
стр. 1503
وصف النار
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله حق تقاته, أيها المؤمنون الذين يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر، ويؤمنون بالقدر خيره وشره، ويؤمنون بالنعيم والعذاب, ويؤمنون بالجنة والنار, نعم -أيها المؤمنون بالله حقاً- إن القرآن دائماً في وعده ووعيده، دائماً يكرر: يا أيها الذين آمنوا، ينادي باسم الإيمان, فعليك أيها المؤمن أن تصغي لها سمعك, فإن بعد هذا النداء الجليل إما خيراً تدعى إليه, وإما شراً تحذر منه.
أجل -يا عباد الله- لقد وصف الله نار جهنم، ووصف أهلها وأحوالهم وأعمالهم في القرآن العظيم, ووصفهم رسول الله ﷺ , قال بعض العلماء في وصف النار: "إنها دار قد خص أهلها بالإبعاد, وحرموا لذة المنى والإسعاد, بدلت وضاءة وجوههم بالسواد, وضربوا بمقامع أقوى من الأطواد, عليها ملائكة غلاظ شداد, لو رأيتهم في الحميم يسرحون وعلى الزمهرير يطرحون، وحزنهم دائم فما يفرحون, مقامهم محتوم فما يبرحون, أبد الآباد في نار جهنم، عليها ملائكة غلاظ شداد, توبيخهم أعظم من العذاب, تأسفهم أقوى من المصاب, يبكون على تضييع أوقات الشباب, وكلما جاء البكاء زاد, هذه جهنم عليها ملائكة غلاظ شداد، يا حسرتهم لغضب الجبار! يا محنتهم لعظيم البوائق! يا فضيحتهم بين الخلائق على رءوس الأشهاد! أين كسبهم للحطام؟! أين سعيهم في الآثام؟! كأنه كان أضغاث أحلام، ثم أُحرقت تلك الأجسام، وكلما أُحرقت تعاد في جهنم عليها ملائكة غلاظ شداد".
نعم -يا عباد الله- هل على هذه النار نستطيع أن نصبر؟! هل على جهنم نستطيع أن نصبر؟! أم هل على هذه النار جلد؟ يا عباد الله: الأجسام رقيقة وضعيفة.
عباد الله: لنرجع إلى القرآن، ثم لنسمع قول المولى جلَّ وعلا، لنسمع قول الحق ﵎ الذي لا مرية فيه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
стр. 1504
الأسباب التي توجب دخول النار
عباد الله: إن الله لما أخبرنا عن النار في القرآن العظيم, وحذرنا منها أخبرنا بالأعمال التي توصل إليها، حتى لا يكون لأحد على الله حجة يوم القيامة, وكذلك أخبرنا رسول الله ﷺ في سنته المطهرة.
стр. 1505
من أسباب دخول النار: الشرك بالله
فأما النوع الأول الذي يدخل النار ويخلد فيها: الشرك بالله, بأن يجعل لله شريكاً في الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات, فمن اعتقد أن مع الله خالقاً مشاركاً، ولو كان يعتقد انفراد الله بالخلق, أو اعتقد أن مع الله إلهاً يستحق أن يعبد أو عبد مع الله غيره، فصرف شيئاً من أنواع العبادة إليه, أو اعتقد أن لأحد من العلم والقدرة والعظمة ونحوها مثل ما لله ، فقد أشرك بالله شركاً أكبر واستحق الخلود في نار جهنم، قال الله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢].
اسمعوا يا من تأتون إلى الكهان والعراف والسحرة والمنجمين, اسمعوا هذا الوعيد الشديد: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] ليسمع الذين يعتقدون أن الأولياء والصالحين والأنبياء والملائكة وغيرهم أن لهم قدرة على الأشياء، أو أنهم يعلمون الغيب، فإن علمهم هذا باطل, إذا استغاثوا بهم، أو استعانوا بهم، أو طافوا بأضرحتهم, أو توسلوا بهم, فإن عملهم هذا باطل, وليسمعوا إلى هذا الوعيد: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢].
إذاً هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد, الحي القيوم, الذي لا يستعان إلا به, ولا يستغاث إلا به, ولا يدعى إلا هو, ولا يقضي الحاجات إلا الله, ولا يفرج الكربات إلا الله, لا إله إلا الله ولا رب سواه.
اسمع يا من غره أولئك المشعوذون, أولئك أهل الخزعبلات, أولئك أهل الخرافات الذين يقولون: إذا نزلت منزلاً جديداً فأتِ بالذبيحة واذبحها عند الباب تكون لك تقرباً إلى الجن, ويندرءُ بك شر الجن, فهذا شرك -يا عباد الله- لأنه ذبح لغير الله, ورسول الله ﷺ يعلن ذلك ويقول: ﴿لعن الله من ذبح لغير الله﴾ لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من ذبح لغير الله، فهل بعد هذا البيان بيان؟!
стр. 1506
من أسباب دخول النار: الكفر بأركان الإيمان
أمة الإسلام: النوع الثاني من الكفر الذي يدخل النار: الكفر بالله أو بملائكته أو كتبه أو رسله أو اليوم الآخر أو قضاء الله وقدره, فمن أنكر شيئاً من ذلك تكذيباً أو جحداً أو شكاً فيه فهو كافر مخلد في النار, قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ [النساء:١٥٠ - ١٥١].
стр. 1507
من أسباب دخول النار: إنكار ركن من أركان الإسلام
النوع الثالث: من أنكر شيئاً من أركان الإسلام الخمسة, فمن أنكر توحيد الله أو الشهادة لرسوله ﷺ بالرسالة, أو عمومها لجميع الناس, أو أنكر فريضة الصلوات الخمس, أو أنكر فريضة الزكاة, أو أنكر صوم رمضان, أو أنكر الحج, فهو كافر؛ لأنه مكذب لله ولرسوله, وإجماع المسلمين، وكذلك كل من أنكر تحريم الشرك، أو قتل النفس التي حرم الله، أو أنكر تحريم الزنا، أو أنكر تحريم اللواط، أو أنكر تحريم الخمر، أو غيرها مما تحرمه الشريعة الإسلامية وهو ظاهر صريح في كتاب الله، أو في سنة رسوله ﷺ , من أنكر ذلك أو أحل شيئاً مما حرمه الله فهو كافر؛ لأنه مكذب لله ولرسوله ﷺ .
стр. 1508
من أسباب دخول النار: الاستهزاء بالله أو بدينه أو برسوله ﷺ
النوع الرابع: الاستهزاء بالله ، أو بدينه أو برسوله ﷺ ، قال الله تعالى مصرحاً بكفر من فعل ذلك في كتابه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] وهذه هي المصيبة العظمى التي وقع فيها كثير من الناس في هذا الزمان.
الاستهزاء هو: السخرية، وهو من أعمال المنافقين الذين وعدهم الله هذا الوعيد، فاسمعوا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة:٦٨].
стр. 1509
من أسباب دخول النار: سب الله تعالى
والنوع الخامس: هو سب الله تعالى, ومن يجترئ أن يسب الله؟! ومن يجترئ أن يسب الله الخالق الرازق المدبر؟! ومن يجترئ أن يسب رب العالمين، الذي بيده ملكوت كل شيء؟! ولكن بعض الناس يتجرأ على الله الذي خلقه من نطفة من ماء مهين، فيسب الله تعالى أو يسب الدين أو يسب الرسول ﷺ , وهذا هو القدح والعيب, وذكرهم بما يقتضي الاستخفاف والانتقاص، كاللعن والتقبيح ونحو ذلك، فمن فعل ذلك فهو كافر, وقد توعده الله بقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة:٦٨].
стр. 1510
من أسباب دخول النار: الحكم بغير ما أنزل الله
والنوع السادس: الحكم بغير ما أنزل الله معتقداً أنه أقرب إلى الحق وأصلح للخلق, فمن حكم بغير ما أنزل الله معتقداً ذلك فهو كافر, لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤].
следующие страницы →