← Джавами‘

Джавами‘ · id 37003

دروس للشيخ عبد الله حماد الرسي

عبد الله حماد الرسي

Полный текст (1 664 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

هل تشهد جوارح التائب عليه ؟ السؤال فضيلة الشيخ: ذكرتم في معرض حديثكم أن الجوارح هي التي تتكلم عن صاحبها بأعماله الخبيثة يوم الحساب، هل جوارح التائب تتكلم مع أنه تاب قبل موته، أرجو الإجابة جزاكم الله خيراً؟ الجواب التوبة تجب ما قبلها، ومن تاب تاب الله عليه، يبدل الله سيئاتهم حسنات. ربنا رءوف رحيم، ربنا كريم جواد، ما عليك إلا أن تتقرب إلى الله وتلتجئ إليه، وهو أرحم بعباده من الأم بولدها، الله أكبر لو تمسككُ امرأة في السوق ومعها ابنها ضمته إلى صدرها وتقول لها: أعطيني إياه أدوسه بهذه السيارة، ماذا تعمل؟ تصيح بكل ما تجد من الصوت، كل ذلك فزعاً لابنها هذا، فكيف بربك يا عبد الله أرحم بك من أمك ﴿لله أرحم بعبده من أمه﴾ فعليك يا عبد الله أن تتقرب إلى الله، وأبشرك أن التوبة النصوح تجب ما قبلها، وربنا جل وعلا يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] هذا مرسومٌ ملكيٌ صدر منذ أربعة عشر قرناً أو تزيد، فعليك أن تبادر إلى الله بالتوبة النصوح والله غفور رحيم.

стр. 247

القنوط من رحمة الله السؤال إن بعضاً من الناس إذا فعل المعاصي قال: لن يغفر الله لي، أو هل يقبل الله توبتي؟ أو كيف أصبر عن أصدقاء السوء؟ فما رأيكم في هؤلاء، وإني مع العلم هداني الله وأنا أنوي أن أتعلم الرقصات الغربية وأنا مع أسوء الأصدقاء، ولكن كنت أعق والدي، ومات قبل التوبة، ماذا أفعل؟ الجواب بعض السؤال أجبنا عليه، أما بعض السؤال كذلك كما قلت من قبل أن من أراد أن يتوب ويصلح نفسه يخرج عن بيئة السوء، يا أخي! ادخل السجون واجلس معهم وتحدث، ماذا يقول؟ تجد أعصابه منهارة، وأفكاره منحطة، وأخلاقه مندثرة بسبب حشيشة أهداها إليه صديقه لا كثر الله أصدقاء السوء، نعم يا أخي أصدقاء السوء الذين لا يعينونك على طاعة الله ابتعد عنهم، رزقك على الله يا عبد الله ليس رزقك عليهم، أما عقوقك لوالديك، فعليك أن تستغفر لهم وتدعو لهم، لعل الله تعالى أن يتجاوز عنك ذلك السوء الذي فعلته بوالديك (والبر سلف) كما يقال، وكما تدين تدان، لكن على من أراد التوبة النصوح أن يخرج عن بيئة السوء ويهجر الأصدقاء هجراً تاماً، وإذا تقوى إيمانه وعرف الحق على بصيرة، فإنه ينبغي له أن يدعو أصدقاءه الذين كانوا منحطين، يدعوهم إلى الله لعل الله أن يهديهم على يديه، أما ما دام الإيمان لا زال على الصفر فلا يقرب الأصدقاء، نعم الأصدقاء وباءٌ خطيرٌ الآن، والله يا إخواني إذا دخلت السجون الآن إنه يشمئز القلب، ويندى الجبين، ويقشعر الجلد، إذا سألت طفلاً لا يتجاوز الثامنة، ما الذي أتى بك؟ فيقول: صديقي أعطاني حشيشة، أعاطني حبة، أعطاني كذا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقبل أن أختم هذه الكلمة أوصي أولياء أمور الأولاد أن يحافظوا على أولادهم، حافظوا على أولادكم يا إخواننا، اتقوا الله في أولادكم، الأولاد تُرك لهم الحبل على الغارب الآن، بعض الآباء لا يدري عن أولاده -نسأل الله العافية- نعم حتى أن شرطياُ سأل بعض أولياء الأمور، قال: أين ولدك؟ قال: لي يومين ما أدري أين هو؟ يا أخي لماذا لا تدري أين ولدك؟ هذا أمانة في عنقك سوف تسأل عنه يوم القيامة. أسأل الله أن يعينا على تربية أولادنا تربيةً صالحة، وأن نختار لهم معلمي خير يدلونهم على الخير ويحذروهم من الشر إنه على كل شيءٍ قدير.

стр. 248

والدي مقصر فماذا أفعل ؟ السؤال بادئ ذي بدئ أشهد الله على حبك، فضيلة الشيخ: سؤالي محزنٌ وواقع لكثيرٍ من الناس، وهو كون والدي مقصراً في أمور دينه، ونخشى أن يتوفاه الله وهو على هذه الحال، وعند التفكّر في حاله في القبر وفي عذاب يوم القيامة أكون حزيناً جداً، مع العلم أنني حاولت قدر المستطاع لإرجاعه إلى سبيل الرشاد، ولكن دون فائدة، ما هي نصيحتكم جزاكم الله خيراً؟ الجواب أحبك الله الذي أحببتنا فيه، وأسأل الله أن يثبتنا وإياك على قول الحق إنه على كل شيء قدير، واعلم يا أخي أن الهداية بيد الله ، قال الله : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] إبراهيم ﵇ بذل قصارى جهده مع والده، ولم يؤمن أبوه -نسأل الله العافية. الرسول ﷺ بذل جهده مع أبي طالب، لأن أبا طالب كان يحوطه ويحميه من أذى المشركين، وتعرفون حالة أبي طالب عند الوفاة لما دنا أجله جاء رسول الله ﷺ عند رأسه، وعنده صناديد قريش، فالرسول ﷺ يقول لـ أبي طالب: ﴿يا عم! قل لا إله إلا الله﴾ كلمة بسيطة، ولكنه لم ينطق بها ﴿يا عم! قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله﴾ فيقول قرناء السوء له: أترغب عن ملة عبد المطلب فيعيد عليه الرسول ﷺ ، ثم يعيدون عليه، ماذا قال في النهاية؟ قال هو على ملة عبد المطلب ملة الشرك والأوثان، فالرسول قال: ﴿لأستغفرن لك ما لم أنه عنك﴾ فنهاه الله، والله أنزل في ذلك آية: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]. أبو طالب كان يحوط الرسول ﷺ ، فقيل: ﴿يا رسول! نفعت عمك بشيء، قال: نعم. إنه أهون أهل النار عذاباً﴾ أتدرون ما هو أهون أهل النار عذاباً؟ من يلبس نعلين يغلي منهما دماغه، ما يرى أن أهل النار أشد منه عذاباً، فالهداية بيد الله، أنت يا أخي اجتهد، وادع الله لأبيك أن يهديه، فإذا هداه الله، فبها ونعمت، وإلا فأنت والحمد لله ليس عليك شيء. نسأل الله أن يهدي ضال المسلمين، اللهم اهد ضال المسلمين، اللهم اهد ضال المسلمين، وثبت مهتديهم يا رب العالمين، اللهم صل على محمد.

стр. 249

بعض مخالفات الناس السؤال فضيلة الشيخ! ذكرت في محاضرتك أنك ستذكر بعض المخالفات آمل ذكرها؟ الجواب ذكرتها يا أخي الرسول ﷺ يقول: ﴿ترد على الحوض ناس من أمتي، فتردهم الملائكة، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك﴾ يا أخي! هل الفيديو ظهر في عهد الرسول ﷺ ؟ هل هذه الملاهي بأنواعها ظهرت في عهد الرسول ﷺ ؟! لا. ولكن نحن ملأنا بيوتنا منها، نعم. وعصينا الرسول: حلقنا اللحى، وتركنا الشنبات عياناً بياناً قلنا: لا سمع ولا طاعة، نحلق اللحية ونترك الشنبات، أطلنا الثياب والرسول ﷺ يقول: ﴿ما أسفل من الكعبين ففي النار﴾ وهذا خلاف سنة الرسول ﷺ ، فالمخالفات كثيرة جداً، أسأل الله أن يردنا إليه رداً جميلاً.

стр. 250

حكم مجالسة المردان السؤال سائل يقول: إن بعض الناس في زماننا هذا يتساهلون بمجالسة المردان، لا سيما الشباب وقد افتتن بذلك الكثير من الشباب، فنرجو من فضيلتكم إسداء النصيحة والتحذير من مجالسة هؤلاء الأحداث، لأن الأمر مهم جداً؟ الجواب ليس هناك شك أن خطر المردان خطرٌ عظيم، بعض العلماء دخل عليه غلام في الحمام، قال: إني أرى مع المرأة شيطاناً، ومع الغلام بضعة عشر شيطاناً -نسأل الله العافية- فلا ينبغي للإنسان أن يتهاون في ذلك، فليحذر من ذلك أشد الحذر، أسأل الله أن يهدينا لما يحبه ويرضاه.

стр. 251

حكم إيذاء الزوج السؤال فضيلة الشيخ: ما هو الوعيد الذي يقع على المرأة التي تؤذي زوجها بالدعاء عليه وسبه، ولو كان ظالماً، ولا يعطيها حقها، وهل يجوز لها أن تفعل ذلك، وما أجرها عندما تصبر، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب هذا السؤال للشيخ/ عبد العزيز يجيب عليه جزاه الله خيراً. الشيخ عبد العزيز: كل الأسئلة موجهه إلى صاحب الفضيلة، لذلك أنا أعتذر عن الرد عن أي سؤال، وفي شيخنا إن شاء الله تعالى الخير والبركة ونسأل الله أن يفتح عليه بكل خير، وبالمناسبة هذا السؤال وارد من أحد الإخوان ووالدته موجودة الآن في المسجد، ولعل السبب في إتيانه بها، لعلها تسمع هذه الموعظة ويكون لها أصداء في نفسيتها، نسأل الله أن ينفع بشيخنا الكريم. الشيخ عبد الله: لا شك أن للزوج حقاً على زوجته، وكذلك الزوجة لها حقٌ على زوجها، وينبغي لكل إنسان أن يعطي الآخر حقه، فالزوج يعطي الحق الذي عليه من كسوة، ونفقة، وما إلى ذلك؛ لأنه مسئول عن ذلك يوم القيامة، فالرسول ﷺ لما أتت زوجة أبي سفيان تشتكي أبا سفيان قال: ﴿خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف﴾. وحقوق الزوج كثيرة، فلا ينبغي للمرأة أن تطيل لسانها على زوجها، وكذلك يروى في الحديث أن الحور العين تدعو على الزوجة, زوجة الدنيا إذا كانت تؤذي زوجها في الدنيا، تدعو عليها وهي في الجنة وهذه في الدنيا، فينبغي على الزوجين أن يتعاونا على البر والتقوى، فالزوج يؤدي ما عليه حتى يكف عن نفسه الغيبة والملامة، والمرأة كذلك ينبغي عليها أن تؤدي ما عليها حتى ترضي الله ، وقد ورد في حديث: ﴿أن من صامت شهرها وصلت فرضها وأطاعت بعلها وماتت وزوجها عنها راضٍ، تخير من أي أبواب الجنة الثمانية﴾ أو في معنى الحديث، ينبغي للزوج والزوجة أن يتعاونا على التقوى، وكما يقول المتمدنون: إنها شريكة الحياة، فينبغي للإنسان ألا يؤذي هذه المرأة المسكينة، وكذلك الرسول ﷺ ورد في الأثر أنه قال: ﴿اثنين أنا خصمهم يوم القيامة: المرأة واليتيم﴾ أو قال: ﴿أحرج حق المرأة واليتيم﴾ فما بالك يا أخي؟! هل تخاصم الرسول ﷺ يوم القيامة؟! لا تستطيع ذلك، ولكن عليك أن تؤدي ما عليك من الواجب نحو هذه المرأة المسكينة؛ لأن المرأة ناقصة عقل ودين، ولا ينبغي لك أن تسيطر عليها، أو تجبرها إجبارات لا تستطيعها، فهذه نصيحتي لكل إنسان، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وهناك أشرطة للشيخ/ أحمد القطان اسمها لمسات مؤمنة، فهي أشرطة مفيدة تصلح للعائلة؛ لأنها تعالج مجتمع العائلة، وأسأل الله أن يجزيه عنا وعن المسلمين خيراً، وأن يكثر دعاة الخير إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.

стр. 252

تنبيه لجمع التبرعات للمجاهدين بالنسبة للأخ الكريم الذي طلب جمع تبرعات للإخوان الأفغانيين، وذكر أن معه تصريح من الإمارة، حبذا لو أتى به هنا، لأن عندنا تعميم من وزارة الحج والأوقاف بعدم الجمع، يعني نحن نعظ ونوجه الإخوان، لكن ما نجمع إنما نوجههم لمن يقوم بالجمع للإخوان. لا زال المجال مفتوحاً للمشاركة في الأعمال الخيرة التي هي الجمع للإخوان الأفغانيين، ولا شك أن الجميع يعرف ما يمر به المجاهدون في سبيل الله في العالم الإسلامي كله، ولا سيما في بلاد الأفغان، ولا شك أنكم تعلمون حاجتهم الماسة إلى المال، ونحن من باب التذكير نفتح المجال للإخوة الكرام لمن تجود نفسه، ولا شك أن كل واحد منكم سيكون سباقاً في هذا المجال الخير، فيتاح المجال بعد صلاة العشاء لجمع التبرعات، والأخ الكريم أتى بقسائم من فئات خمسين ريالاً وعشرة ريالات، ولستم بحاجة إلى التذكير بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي بينت فضل الإنفاق في سبيل الله، فأنتم لكتاب الله تالون ومتدبرون. نعود إلى عرض الأسئلة على شيخنا الكريم.

стр. 253

حكم مجالسة أهل السوء السؤال إن هناك بعض الشباب هداهم الله يكونون في أول الوقت مع الشباب الصالح، فإذا مضى زمن من الوقت تغيروا بسبب ذهابهم مع الشباب الطالح، نرجو منك أن تعظنا بنصيحة للشباب، وجزاكم الله خير الجزاء؟ الجواب أنا أكرر وأقول: الابتعاد عن بيئة السوء هو الالتزام بطاعة الله، إذا أراد الإنسان أن يلتزم بطاعة الله، فليبتعد عن بيئة السوء ويترك رفقاء السوء، فللأسف الشديد أنا أذكر أناساً ملتزمين، وخالطوا أناساً، يقولون: حتى ندعوهم، فما مرت أيام إلا وهم يشربون معهم الدخان ويتركون الصلاة -نسأل الله العفو والعافية- فينبغي للإنسان أن يبتعد عن هؤلاء الجلساء السيئين، يا أخي! إبراهيم ﵇ لما عجز عن أبيه، تركه وهاجر وابتعد عنه؛ فينبغي على الإنسان أن يبتعد عن قرناء السوء، ولست ملزماً بهم يا أخي. الآن ولله الحمد القرناء الطيبون الصالحون موجودون بكثرة، فعليك أن تزور إخوانك في الله، وتجدهم في كل مكان، نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه. وكذلك لا ننسى أن الإنسان دائماً يلتزم بطاعة الله، ومن الالتزام بطاعة الله كثرة تلاوة القرآن وتدبر معانيه، وكثرة قراءة أحاديث الرسول ﷺ ، وكثرة النوافل من العبادات مثل: الصيام، والصلاة، والصدقة؛ لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، فعلى الإنسان أن يبادر إلى طاعة الله ، ويبتعد عن قرناء السوء.

стр. 254

كلام مقدم الأسئلة جزاكم الله خيراً، في الحقيقة هذا السؤال هام جداً، والإجابة عليه من فضيلة الشيخ ذلك كما يذكر: السؤال متكرر، والإجابة متكررة، وفي الحقيقة هذه الحالة واقعة ومتكررة وبينة، إذ أن بعض الإخوان عندما يفتح الله على قلبه ويهديه ويدله إلى الصراط المستقيم يحصل عنده نوع من قصور النظر، فنجد لديه كما يقولون: ازدواج شخصية، يعني: أنه يجالس الطيبين ويجالس غير الطيبين أو الطالحين، وهذه من أخطر الأشياء على الإنسان، فالطيب الصالح يجب عليه أن يسير مع الطيبين ولا سيما إذا كان في أول الطريق؛ لأن بعض الناس الآن يكون عنده حماس وعنده غيرة، لكن لا يكفي هذا، فالحماس والغيرة لا تكفيان أبداً، فبعد أن يفتح الله عليه يكون عنده حرص على أن يهتدي إخوانه، لكن السلاح الذي معه يكون بدائياً، وكثيراً ما تردد عليه بعض الشباب وفقهم الله في مثل هذا السؤال، فرجل يدخل المعركة بدون سلاح هل يعقل هذا؟ لا يمكن أن يدخل الإنسان إلا ومعه سلاح، فتكون ثقافة هذا ضئيلة جداً، فقط عنده حب للخير، عنده حب للصالحين، إذا سمع بمحاضرة وبندوة سارع إليها، يسابق إلى المجالس الخيرة الطيبة ويظن أن هذا يكفي، لا يا إخوان، هذا فيه خطورة عليه، وهو أن هذا الشخص من الشباب المبتدئين ثم يأخذ في نقاش أناساً سيئين، هذا يخشى عليه أنهم قد يؤثرون عليه بدلاً من أن يؤثر عليهم، وعندئذٍ تحصل الانتكاسة والعياذ بالله. فالإنسان ينبغي أن يكون فطناً وحذراً من هذه المزالق، يعني: أن يجالس الطيبين الصالحين، هذا ما أحببت أن أنوه عليه، وإن كان حقيقة غير زيادة، إنما وجدت شيئاً في نفسي أردت أن أنقله إلى مسامعكم.

стр. 255

شاب نشأ في طاعة الله السؤال فضيلة الشيخ! في حديث الرسول ﷺ : ﴿سبعة يظلهم الله في ظله﴾ ذكر شاباً نشأ في عبادة الله، هل يدخل في ذلك من هداه الله وفتح عليه بعد أن كان عاصياً، أم الذي نشأ عليها منذ الصغر، أفيدونا جزاكم الله خيراً؟ الجواب إن شاء الله إذا نشأ في طاعة وفي عبادة الله يكون منهم.

стр. 256

كشف وجه المرأة السؤال حيث توجد ظاهرة كشف الوجه عند النساء في هذه الآونة، فنرجو نصيحتهن بعدم التبرج الذي يخالف القرآن وسنة رسول الله ﷺ ؟ الجواب نصيحتي لكل مسلمة إذا كانت تقرأ القرآن، أن تقرأ قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ [الأحزاب:٥٩] البعض من الناس يقول: هذا خاص بزوجات النبي ﷺ ، فإن كانت من المؤمنات، فلتكمل الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب:٥٩] هذا كتاب الله واضح لا يحتاج إلى تفصيل، فينبغي للمسلمة التي تريد وجه الله والدار الآخرة أن تحتشم من أعداء الإسلام، الذئاب الضارية الذين يريدون أن يفترسوها، تحتشم وتحترز منهم بالحجاب وبكل ما أوتيت من ستر حتى لا تكون من اللواتي حرم الله عليهن الجنة، حيث قال ﷺ : ﴿صنفان من أهل النار لم أرهما -وذكر الصنف الأول ثم قال-: ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مائلاتٌ مميلاتٌ لا يرحن رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة كذا وكذا﴾ فلتحذر المرأة المسلمة التي تؤمن بالله وبرسوله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، تحذر من أعداء الإسلام ومن أزيائهم الخبيثة هم وسمومهم المنغومة التي يدسونها لها صباحاً ومساءً قاتلهم الله، وأبعدهم الله، وأعمى أبصارهم عن بلاد المسلمين، نعم فهم أعداء الإسلام، وأعداء الفضيلة والآداب والأخلاق، يريدون المرأة المسلمة المتحشمة أن تخرج من حشمتها وأن تكون مثل المرأة الغربية سلعةً يديرونها في المسرحيات وفي التمثيليات وغيرها. فعليك أيتها المسلمة أن تحافظي على أخلاقك ودينك، وعلى مروءتك وكرامتك حتى تلقي الله وهو راضٍ عنك، والله ولي التوفيق، وصلى الله على محمد.

стр. 257

الروافض وخطرهم على العقيدة السؤال اشتد خطر الروافض في هذه الأيام بشكل واسع، ما واجبنا ودورنا تجاه هذه الفرقة الخطرة وجزاكم الله خيراً؟ الجواب الأمر هذا خطير ينبغي أن يرفع فيه إلى الشيخ عبد العزيز بن باز حتى يرفع فيه إلى ولاة الأمور، نعم وخطرهم معروف، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: أشر من وقع على الحصى الروافض، أو كما قال ﵀، فينبغي للمسلمين أن يحذروهم، فيرفع إلى ولي الأمر بذلك، والمسلمون إذا لم يتمسكوا بدين الله وبالتوحيد والعقيدة، فسوف يفرخ عندهم الخميني، الآن الخميني يريد أن يمسك التوحيد ويمزقه بيده، لكن الحمد لله بقية التوحيد والعقيدة هذه ترد كيدهم في نحورهم بفضل الله وإحسانه، فينبغي على المسلمين أن يرتووا من العقيدة الصحيحة، وأن يحذروا من أعداء الإسلام في كل وقت، وفي كل زمان.

стр. 258

حكم قول المصلي: (جل وعلا) بعد تكبيرة الإحرام السؤال يقول: أخي في الله بعض الناس يقول بعد تكبيرة الإحرام: جل وعلا، فما الحكم؟ الجواب هذه لم ترد عن الرسول ﷺ ، وهذه أخطاء يقع فيها الكثير من الناس مثل قولهم إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة: أقامها الله وأدامها، واكفنا اللهم شر الحسرة والندامة، فهذه زيادات لم ترد عن الرسول ﷺ ، والرسول ﷺ يقول: ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ فالذي ورد: أنه إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، تقول: أقامها الله وأدامها، وتسكت، وكذلك البعض من الناس يزيد في الاستفتاح، يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ولا معبود سواك، فهذه زيادة أيضاً لم ترد عن الرسول ﷺ ، وزيادات كثيرة، وبعضهم إذا سلم الإمام، قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أدخلنا الجنة بسلام إلى غيرها، هذا لم يرد عن الرسول ﷺ ، الذي ورد عن الرسول ﷺ أنك تقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. وبعضهم يقول: أستغفر الله العظيم الجليل التواب الرحيم، هذه كلها زيادات ما وردت عن الرسول ﷺ ، فابحث عن الذي ورد عن الرسول ﷺ ، وإياك ومحدثات الأمور، الشيطان يحسن البدع للإنسان عن طريق الدين، مثل الوضوء، يأتي للإنسان يقول: أحسن الوضوء، أغسل من أصابع رجليك إلى الركب، ومن أصابع يديك إلى إبطك، وغسل سبع ثمان تسع -نسأل الله العافية- تفوته الصلاة وهو في الحمام -عزنا الله وإياكم- فهذا كله من الشيطان فينبغي للإنسان أن يبحث عن الدين الصحيح، وإياكم أن تأخذوا كل ما ورد في الكتب!! وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 259

النفس الأخير إن الله جل وعلا خلق الكون وجعل له نهاية حتمية، وكل إنسان لابد أن يمر بالنفس الأخير الذي ليس بعده إلا الموت، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾. وفي هذا الدرس حديث عن الموت وسكراته وعن أحوال بعض المحتضرين من السلف الصالح ومن هذا العصر.

стр. 260

الإكثار من ذكر الموت وثمرته ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ [الإسراء:١١١] و ﴿َسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم:١٧ - ١٩]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله بشيراً ونذيراً, وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده صلوات الله وسلامه عليه, أما بعد: أيها الأحباب: أوصيكم ونفسي بتقوى الله , فهي وصية الله للأولين وللآخرين, نسأل الله أن يرزقنا الهدى والتقى والعفاف والغنى, اللهم اهدنا وسددنا, اللهم إنا نسألك الهدى والسداد, اللهم اهد قلوبنا وسدد ألسنتنا واسلل سخائم صدورنا يا رب العالمين. أيها الأحباب: إن الله جل وعلا في كثير من آيات القرآن يحثنا على التقوى ومع ذلك ينادي باسم الإيمان , لذلك بعض السلف يقول: إذا سمعت الله يقول: [[يا أيها الذين آمنوا فَاْرع لها سمعك, فهو إما خير تدعى إليه وإما شر تنهى عنه]] أو كما قال رحمه الله تعالى, فالله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ويقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] وقال عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨]. أيها الأحباب: إن أصدق الحديث كلام الله ، الذي لو أنزله على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله, وكفى بالقرآن واعظاً, ثم إن خير الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار. أيها الأحباب: الموضوع هو حالة المحتضرين أو بعض حالات المحتضرين نسأل الله جل وعلا أن يحسن لنا ولكم الخاتمة إنه على كل شيء قدير, فحالة الاحتضار سوف تمر بنا كلنا, ولكن السعيد من خرجت روحه على توحيد الله , على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, نسأل الله حسن الختام. الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف:٣٠] ويقول جل من قائل عليماً: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦] فالله هو الحكيم , قال بعض العلماء: إن من عاش على طاعة الله ومات على طاعة الله؛ فإنه يبعث على طاعة الله , ومن مات على ذلك؛ فإنه كما قيل: يبعث على ما مات عليه, نسأل الله العفو والعافية. إذاً الموت هو نهاية كل إنسان، فعلينا أن نتق الله لعل الله جل وعلا أن يختم بالصالحات أعمالنا, كيف لا ورسول الله ﷺ يقول: ﴿أكثروا من ذكر هادم اللذات﴾ قال لي بعض الإخوان: أنت تكثر دائماً من هذه المواضيع: الموت, القبر, الجنة والنار, هل لا يوجد في هذا الوقت إلا هذه المواضيع؟! ويقول: الناس محتاجة لتبين تحريم الظلم, تحريم أكل الربا, تحريم الزنا, تحريم اللواط, تحريم التبرج, تحريم شرب الدخان وعدد أموراً كثيرة. فقلت له: يا أخي! إذا حصلت عندنا الموعظة، وتذكرنا الموت، وعرفنا أننا سوف ننتقل من هذه الدنيا, وسوف نوضع أو سوف نجعل في تلك القبور التي ليس معنا فيها إلا العمل, ثم سوف نقف بين يدي الله جل وعلا, ثم في النهاية إما إلى الجنة وإما إلى النار, إذا عرفنا هذا فبإذن الله سوف تنكف الجوارح عما حرم الله جل وعلا, نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من المتعاونين على البر والتقوى ومن المتناصحين في الله امتثالاًَ لأمر رسول الله ﷺ حيث قال: ﴿الدين النصيحة قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم﴾ والله جل وعلا يقول: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥] وقال سبحانه: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ [الأعلى:١٠ - ١٣].

стр. 261

كفى بالموت واعظاً كفى بالموت واعظاً, كيف لا والرسول ﷺ فيما يروى عنه يقول: ﴿أكثروا من ذكر هادم اللذات﴾ إي والله إنه هادم اللذات، ومفرق الجماعات، وميتم الأطفال, ومرمل النساء, هادم اللذات الذي يدخل بدون استئذان, ويأتي بدون إنذار, نسأل الله حسن الختام إنه على كل شيء قدير. فالله تعالى يقول: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء:٧٧] ثم يقول جل من قائل عليماً: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] ويقول أيضاً : ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] ويقول : ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠] ويقول : ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٨٥] ثم فصل الله جل وعلا أولئك الذين يموتون على تلك الأحوال قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٨٦ - ٩٦]. فيا عبد الله: فكر في هذه الآية وممن تكون أنت، هل تكون من الصنف الأول أم من الصنف الثاني أو من الصنف الثالث, يقول الله جل وعلا: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩].

стр. 262

قصص وعبر من حال المحتضرين الآيات كثيرة في ذكر الموت وحلول الأجل, فلنعتبر بذلك ولنستعد لهادم اللذات, الذي نزل برسول الله ﷺ , يكفي والله بذلك عبرة. إذا تذكر الإنسان رسول الله ﷺ عندما نزل به، الموت ﷺ وعنده ركوة فيها ماء، كان يأخذ الماء ويمسح به وجهه ويقول: ﴿لا إله إلا الله إن للموت لسكرات﴾ ذاقها رسول الله ﷺ , فإن للموت لسكرات، والله لو جلسنا عند المحتضرين، وشاهدنا تلك الأحوال عندما تخرج الروح؛ لرأينا أمراً عظيماً, ولانت القلوب ورجعت, ولكن إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله. كلنا والله نشكو من قسوة القلوب, لماذا؟ لأننا لا نحضر المحتضرين، وماذا يحصل لهم من الأمور العجيبة, فالله الله لنحرص على حضور المحتضرين عند حالة خروج الروح لنرى ماذا يحصل لهم.

стр. 263

احتضار عمر بن عبد العزيز هذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى لما حضرته الوفاة أخرج من كان عنده, قال: اخرجوا عني، إني أرى أناس لا هم جن ولا إنس -أو كما روي عنه ﵀ فلما خرجوا من عنده سمعوه يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣] ولما دخلوا عليه فإذا هو ميت رحمه الله تعالى.

стр. 264

احتضار رجل في مستشفى الرياض هل يستوي هذا وحادثة حصلت في مستشفى الرياض في الرياض يقولون: إن رجلاً عندما نزل به الموت, كان عنده أولاده يقولون: يا أبت قل: لا إله إلا الله , ولكن الأمر صعب؛ لأن الأب كان مشغوفاً بحب الأغاني والعياذ بالله, فلما كرروا عليه قل: لا إله إلا الله, فجعل يتلفظ بأغنية يقول: حامض حلو يا لومي يا لومي نسأل الله العافية، وخرجت روحه على تلك الحال, هل يستوي هذا ومن يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]. رجل آخر -أيها الأحباب- في المستشفى يقول: لما نزل به الموت ماذا قال لمن حوله؟ قال: أشعلوا لي سيجارة يريد دخان والعياذ بالله, يقول: فلما آذى المرضى بصوته أخذ بعض الحضور ورقة ولفها وجعلها في فمه ومات والعياذ بالله, نسأل الله العافية وحسن الختام.

стр. 265

حادثتان وقعتا في القويعية وآخر لما مات بحادث وانقلب اسود وجهه وصرف عن القبلة, وهذه الواقعة وقعت في القويعية , ويذكرها لنا أحد الإخوة الثقات وهو من الذين يغسلون الموتى, يقول: والله ما استطعنا أن نغسل صفحة العنق لأن وجهه منصرف عن القبلة, يقول: وسألنا ما حاله؟ قالوا: إنه مات بحادث وهو سكران, فانظروا أيها الأحباب كيف انقلب لونه إلى اسوداد، وصرف وجهه عن القبلة, نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. ويقول لنا هذا الرجل: وأوتي بثلاثة وقع عليهم حادث، اثنين كهول -أي: تعدى سنهم الثلاثين- أما الثالث فهو شاب لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره, يقول: فلما أردنا أن نغسل الاثنان وإذا كل واحد منهما يرفع أصبعه يتشهد, يقول: ومات وأصبعه واقف بالتشهد, فغسلناهما, أما هذا الشاب فكلما أردنا أن نفتح درج الثلاجة لنخرج هذا الشاب وإذا هو يزداد نوراً وبياضاً, يقول: فلما رآه أحد إخوانه -وكان يبكي- سر بمنظره الطيب وأصبح يضحك، يقول: فأخرجناه وغسلناه وكلما غسلناه ازداد بياضاً ونوراً، لا إله إلا الله، نسأل الله حسن الختام. فيا إخواني! حالة المحتضرين أمرها عظيم, ولها شأن عظيم, فما الذي يغفلنا عن هذا؟ يقول بعض القائلين: الموت في كل حين ينشر الكفنا ونحن في غفلة عما يراد بنا لا تطمئن إلى الدنيا وبهجتها وإن توشّحت من أثوابها الحسنا اسمع يا أخي لا تغتر بهذه الخوّانة, لا تطمئن إلى هذه الشمطاء. لا تطمئن إلى الدنيا وبهجتها وإن توشّحت من أثوابها الحسنا أين الأحبة والجيران ما فعلوا أين الذين هم كانوا لنا سكنا سقاهم الموت كأساً غير صافية فصيرتهم لأطباق الثرى رهنا والموت -يا إخواني- يأتي في لحظة, قبل ثلاثة أسابيع، كان هناك ثلاثة في مكتب يتحدثون, فسقطت المروحة من السقف وضربت أحدهم فقطعت وريده، سبحان الله العظيم! وكأنها تذبحه بسكين, ومات بأقرب وقت, والثاني ضربته في يده ولكن الله كتب ألا يدنو أجله, أما الأول كأنها مرسلة إليه وضربته فمات مباشرة, سبحان الله العظيم! انظروا يا إخواني قرب الموت, نسأل الله حسن الختام. أين الأحبة والجيران ما فعلوا أين الذين هم كانوا لنا سكنا

стр. 266

تحذير الله ورسوله من الاغترار بالدنيا عندما نرجع إلى هدي نبينا محمد ﷺ ولعلنا إذا ذكرنا هديه ﷺ خفف عنا من وطأة الدنيا -لأنه هو القدوة, وهو الذي أمرنا أن نقتدي به قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] ولكن لمن؟ قال الله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] فهو القدوة ﷺ , وهو الذي قال: ﴿اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة﴾ وهو الذي ربط الحجر على بطنه من الجوع صلوات الله وسلامه عليه, هو الذي يمر عليه الهلال ثم الهلال ثم الهلال وما أوقد في بيته ناراً, وهو رسول الله أفضل الخلق على الإطلاق, وأحب الخلق إلى الله محمد ﷺ . رسول الله ﷺ ينزل عليه ضيف ويرسل إلى زوجاته: هل عندكن شيء؟ وكل واحدة تقول: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء, اللهم صلِّ على محمد, فيأتي أحد الأنصار ويستضيف ضيف رسول الله ﷺ .

стр. 267

تحذير الله من الاغترار بالدنيا الله جل وعلا حذرنا من الدنيا ومن الاغترار بالدنيا فأسأل الله أن يفتح مسامع قلوبنا لقبول الحق إنه على كل شيء قدير, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر:٥] هذا كلام الله جل وعلا, هذا كلام ملك الملوك, هذا كلام الذي بيده أزمّة الأمور, هذا كلام من بيده مقاليد السماوات. وهذا رسول الله ﷺ يقول: ﴿إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله تعالى مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون, فاتقوا الدنيا واتقوا النساء﴾ انظروا لما انفتحت علينا الدنيا، وترك الحبل على الغارب لكثير من النساء, انظروا ماذا حصل أيها الإخوة في الله! نسأل الله أن يردنا إليه رداً جميلاً إنه على كل شيء قدير. إخوتي في الله: احذروا من الدنيا, لا تنخدعوا بما فيها من الزخارف البراقة، التي هي عن قريب تزول وتضمحل، ويكفي بها ذماً ما ضربه الله لها في القرآن العظيم, فالله جل وعلا يضرب لها الأمثال في القرآن فيقول جل وعلا: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ [الكهف:٤٥] استمعوا -يا إخواني- لهذه الآية، افتحوا مسامع قلوبكم لتعرفوا أن الدنيا والله لا تساوي عند الله شيئاً، فهذا المثل يضربه الله للدنيا. ثم قال جل وعلا بعد ذلك: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف:٤٦] ومتى نلقى جزاء ذلك يا عباد الله؟ كل هذا في سورة واحدة يذكرها الله, قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف:٤٧ - ٤٨] كما خرجتم من بطون أمهاتكم حفاة عراة غرلاً, الآن تبعثون حفاة عراة غرلاً لتجزون على أعمالكم, فهنيئاً والله لمن أكثر من الباقيات الصالحات, أما من أضاع عمره في غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه, نسأل الله العفو والعافية.

стр. 268

تحذير النبي ﷺ من الاغترار بالدنيا أيها الأحباب ومما يدلنا على أن الرسول ﷺ لم يرفع للدنيا رأساً, ولم ينظر لها بعين التقدير, هذا الحديث الذي تذكره لنا عائشة ﵂ قالت: [[توفي رسول الله ﷺ وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير]] هذا رسول الله ﷺ يتوفى ولم يوجد في بيته إلا شطر شعير, تقول عائشة ﵂: [[فأكلت منه حتى طال عليّ، فكلته ففني]]. وهذا عمرو بن الحارث ﵁ يقول: [[ما ترك رسول الله ﷺ عند موته ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا أمة ولا شيئاً إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة]] ﷺ . وهذا ابن مسعود ﵁ تلميذ من تلاميذ رسول الله ﷺ يصف لنا هذا المشهد فيقول: ﴿نام رسول الله ﷺ على حصير وقد أثر على جنبه قلنا: يا رسول الله! لو اتخذنا لك وطاءً. قال ﷺ : ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت ظل شجرة ثم راح وتركها﴾ وأيضاً يقول ﷺ محقراً للدنيا وذاماً لها: ﴿لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء﴾ لذلك يقول ﷺ : ﴿قد أفلح من أسلم ورزقه الله كفافاً وقنعه بما آتاه﴾ وسوف تأتي قصيدة فيها كلام لـ زين العابدين ﵀ يقول فيها: خذ القناعة من دنياك وارض بها لو لم يكن لك إلا راحة البدن

стр. 269

حال السلف وموقفهم من الدنيا عند الاحتضار ثم نرجع إلى أحوال بعض السلف ﵏. احتضر بعض السلف -أي: نزل به الموت- فقال: ما تأسفي على دار الهموم -يعني الدنيا- والأنكاد والأحزان والخطايا والذنوب, وإنما تأسفي على ليلة نمتها، ويوم أفطرته، وساعة غفلت فيها عن ذكر الله، ولما قال هذه الكلمات مات رحمه الله تعالى, الله أكبر! سبحان الله العظيم! ما أجمل الهمم إذا كانت متعلقة بالله! ما أجمل الهمم إذا كانت عالية تنظر إلى المستقبل الحقيقي وإلى جنة عرضها السماوات والأرض.

стр. 270

إبراهيم النخعي حال الاحتضار لما حضرت إبراهيم النخعي الوفاة بكى, وقيل له في ذلك، فقال: إني أنتظر رسولاً يأتيني من ربي لا أدري هل يبشرني بالجنة أو النار. الله أكبر! لا إله إلا الله، الله سبحانه أخبر في محكم البيان في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] يا لها من بشارة! ما ظنك يا عبد الله إذا نزلت عليك هذه البشارة, نسأل الله جل وعلا أن يختم بالصالحات أعمالنا.

стр. 271

سلمان الفارسي حال الاحتضار اسمعوا إلى سلمان الفارسي ﵁ لما حضرته الوفاة بكى, فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: فوالله ما أبكي جزعاً من الموت ولا حرصاً على الدنيا، ولكن عهد عهده إلينا رسول الله ﷺ قال: ﴿ليكن بلاغ أحدكم كزاد الراكب﴾ انظروا لما مات ﵀ ورضي الله عنه وأرضاه ما الذي وجدوا عنده وهو يبكي؟ في جميع ما ترك فإذا هو ثلاثون درهماً، وكان أميراً على المدائن , وبعض الناس الآن عنده ملايين، وعنده عمال يموتون جوعاً, يظلون ستة أشهر أو أربعة أشهر لم يعطيهم الراتب, وإذا قيل له: يا فلان اتق الله! قال: لا. يهتز الرصيد ﴿كفى بالمرء إثماً أن يمنع قوت من يعول﴾ والله وجد هذا -يا إخواني- مسلم سقط مغمياً عليه من الجوع قيل له: كم لك؟ قال: لي ثلاثة أيام ما ذقت الطعام, قيل لكفيله: لماذا؟ قال: أنا ما أصرف له حتى تصرف لي الوزارة التي تعطيني الراتب, يا أخي اتق الله أما عندك شيء؟ قال: عندي إلا أنني لا أريد أن يهتز الرصيد, ويذهب ويتركه, كيف لو مات هذا العامل جوعاً؟! إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فهذا سلمان الفارسي يحمل هماً لأنهم وجدوا عنده ثلاثون درهماً, فكيف الآن بأهل الأموال الطائلة الذين لا يعرفون ولا يزكون نسأل الله العافية, كيف بهم لو كويت بها جباههم وجنوبهم وظهورهم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة, نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. فأكرر قصة سلمان الفارسي: أُُحتضر سلمان الفارسي ﵁ فبكى, فقيل له: ما يبكيك؟ فقال والله ما أبكي جزعاً من الموت ولا حرصاً على الدنيا ولكن عهد عهده إلينا رسول الله ﷺ قال: ﴿ليكن بلاغ أحدكم كزاد الراكب﴾ فلما مات نظروا في جميع ما ترك فإذا هو ثلاثون درهماً, وكان أميراً على المدائن.

стр. 272

أبو هريرة حال الاحتضار ولما حضرت أبو هريرة الوفاة ﵁ الذي كان يلازم الرسول ﷺ ، وحفظ كثيراً من أحاديث رسول الله ﷺ , لما حضرته الوفاة بكى, فقيل له: ما يبكيك؟ ليس كبعض الناس الذين يقولون: أنا ملتزم أنا ملتحي أنا مقصر الثوب انظر للصحابة الذين جاهدوا في سبيل الله ﵃، على قلة من العيش، وعلى ما فيهم من الحاجة والفاقة، وهو يقول هذا الكلام, فأنا لا أريد أن أسمعها من كثير من الإخوان, بعض الإخوان يقول: أنا ملتزم، الله أكبر! سبحان الله العظيم! الله تعالى يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢] , ويا أخي كيف ملتزم وأنت في زمن الفتن! الرسول ﷺ كان يقول: ﴿يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك﴾ محمد ﷺ أفضل الخلق على الإطلاق, الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يدعو بهذا الدعاء، وبعض الناس يقول: أنا ملتزم وتفوته صلاة الفجر الله المستعان! كيف التزمت وصلاة الفجر تفوتك، نسأل الله أن يرحمنا وإياكم بواسع رحمته، وبعضهم يقول: أنا ملتزم ولكني مفتون بسماع الأغاني! أقول: اسمع الرجال، اسمع أحوال الرجال، هذا أبو هريرة تلميذ من تلاميذ الرسول ﷺ , حفظ كثيراً من أحاديث الرسول ﷺ , ولما حضرته الوفاة جعل يبكي ﵁, فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: [[يبكيني بعد المفازة، وقلة الزاد، وضعف اليقين، والعقبة الكؤود، التي المهبط منها إما إلى الجنة وإما إلى النار]] يا لها من أحوال!

стр. 273

حذيفة بن اليمان حال الاحتضار ولما حضرت حذيفة بن اليمان ﵁ الوفاة قال: [[اللهم إني كنت أخافك، وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء]] اسمعوا أيها الأحباب، اسمعوا هذا الصحابي الجليل ماذا يقول-[[يقول: إني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، وقيام الليل، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء في حلق الذكر]] لا إله إلا الله، مطالب جيدة، مطالب طيبة، يقول: إنما أحببت البقاء لظمأ الهواجر، فقد كان يصوم وقت الحر, وبعض الناس إذا جاء رمضان في الصيف قال: أذهب إلى بريطانيا , وإذا ذهب إلى بريطانيا قال: نحن مسافرون نؤخرها إلى السنة القادمة! الله المستعان! اللهم لا تحرمنا فضلك يا رب العالمين! [[ولكن لظمأ الهواجر، وقيام الليل، ومكابدة الساعات]]. قيام الليل. نسأل الله أن يوقظنا من رقدة الغفلة إنه على كل شيء قدير، بعض الناس لا يعرف قيام الليل إلا في رمضان وربما كلنا نسأل الله أن يرحمنا بواسع رحمته, إنه على كل شيء قدير [[وقيام الليل، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء في حلق الذكر]] ولما اشتد به النزع جعل كلما أفاق من غمرة فتح عينيه وقال: [[رب اشدد شدتك واخنق خنقتك فوعزتك إنك لتعلم أني أحبك]].

стр. 274

محمد بن المنكدر حال الاحتضار ولما نزل الموت بـ محمد بن المنكدر بكى, فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: [[فما أبكي حرصاً على الدنيا، ولا جزعاً من الموت، ولكن أبكي على ما يفوتني من ظمأ الهواجر، وقيام ليالي الشتاء, نحن الآن نفرح بطول ليالي الشتاء]] نسأل الله أن يردنا إليه رداً جميلاً، ولعله -إن شاء الله- ليس فينا من فيه تلك الخصال. أيها الأحباب: لعل البعض مبتلى إما بجار أو بقريب -نسأل الله العافية- طوال الليل مع الأفلام والتمثيليات والبلوت والكنكان, وهذا يسب هذا وهذا يشتم هذا فأي أحوال أشرُّ من هذه الأحوال؟ نسأل الله حسن الختام، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. يقول بعض السلف: من يرد ملك الجنان يدع عنه التواني وليقم في ظلمة الليل إلى نور القران وليصل صوماً بصوم إن هذا العيش فانِ اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا.

стр. 275

أبو عطية والفضيل حال الاحتضار ولما احتضر أبو عطية أي: حضره الموت، جزع فقالوا له: أتجزع من الموت؟ فقال: وما لي لا أجزع وإنما هي ساعة فلا أدري أين يسلك بي. ولما حضرت الفضيل بن عياض الوفاة غشي عليه، ثم أفاق وقال: يا بعد سفري وقلة زادي, السفر إلى الآخرة, والقبر أول منازل الآخرة, إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار, فرحمهم الله, رحم الله أولئك الرجال, استعدوا لتلك المواقف العظيمة فنسأل الله أن يوقظنا من رقدة الغفلة، ونستعد لما استعدوا له فنقدم الزاد, يقول بعض السلف: إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي سكنا جعلوها لجّة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا

стр. 276

ذم الذين يركنون إلى الدنيا وبالعكس من أولئك, أناس جهال عمي البصائر، لم ينظروا في أمر الدنيا، ولم يكشف سوء حالها ومآلها, برزت الدنيا لهم بزينتها, ففتنتهم فإليها أخلدوا، وبها رضوا، ولها اطمأنوا، حتى ألهتم عن الله تعالى، وشغلتهم عن ذكر الله وطاعته, قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩]. يقول الشافعي في أبيات له -ولكن نقتصر على بيتين منها- ﵀ في ذم الدنيا: وما هي إلا جيفة مستحيلة عليها كلاب همّهنَّ اجتذابها فإن تجتنبها كنت سِلماً لأهلها وإن تجتذبها نازعتك كلابها أيها الأحباب: والله تعالى ذم الذين يركنون إلى الدنيا ويطمئنون إليها، فقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس:٧ - ٨] اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا. أيها الأحباب: والله ما هناك ناصح أنصح من رسول الله ﷺ ؛ لأن الله جل وعلا بعثه بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً, فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة, فاسمعوا إلى هذا النصح من رسول الله ﷺ حيث يقول لأحد الصحابة: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل﴾ قال ابن عمر ﵁: [[إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح, وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء, وخذ من صحتك لمرضك, ومن حياتك لموتك]]. فنهاية الدنيا الموت الذي يهجم على الإنسان وبدون إنذار, فالموت -يا إخواني- خطب فادح, نسأل الله حسن الختام إنه على كل شيء قدير.

стр. 277

وصف الموت وسكراته يقول بعض السلف يصف حالة الموت: "إنه الموت إذا نزل فلا تسأل عن كربه وآلامه، حتى قالوا: إنه أشد من ضرب بالسيوف، ونشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض, والسبب أنه لا يقدر على الصياح مع شدة الألم لزيادة الوجع والكرب" لماذا؟ لو ترك له المجال ما وقف إلا في آخر الدنيا إذا نزل به الموت, ولكن الموت قهر كل قوة, وضعف كل جارحة, فلم يبق له قوة, أما العقل فقد غشيه وشوّشه, وأما اللسان فقد أبكمه, وأما الأطراف فقد خدّرها وضعّفها, فإن بقيت فيه قوة سمعت له خواراً وغرغرة من صدره ومن حلقه حتى يبلغ بها الحلقوم, فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها, والله كم هناك من يريد أن يقول: أريد أن أفعل كذا وأفعل كذا ولكن هيهات فقد نزل به الموت, فكم من مفرط سوف يقول: ﴿ربِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] ولكن والله لا يجاب على هذا. أيها الأحباب! لما قال الرسول ﷺ : ﴿أكثروا من ذكر هادم اللذات﴾ قال بعض الناصحين ﵏: من أكثر ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء: "تعجيل التوبة, وقناعة القلب، والنشاط في العبادة" والمصيبة من نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: "تسويف التوبة، وعدم الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة".

стр. 278

قصيدة في وصف الموت وما بعده إخواني: لنسمع هذه القصيدة وهي تصف لنا حال الإنسان, يقول ﵀: ذنوبك يا مغرور تحصى وتحسب وتجمع في لوحٍ حفيظٍ وتكتب وقلبك في سهوٍ ولهوٍ وغفلةٍ وأنت على الدنيا حريصٌ معذب تباهي بجمع المال من غير حله وتسعى حثيثاً في المعاصي وتذنب والله هذا واقع فيه كثير من الناس, جَمَع المال لا يبالي من أي وجه دخل عليه, وإذا قيل له: يا أخي اتق الله! إن هذا المدخل حرام قال: مازلتم تعلمونا، مازلتم توعظونا، نعم, قال تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٥] انته إذا جاءتك الموعظة من الله، لا تعاند يا عبد الله! اتق الله نسأل الله أن يبصرنا في ديننا, وأن يرزقنا التفقه في الدين إنه على كل شيء قدير, يقول ﵀: تباهي بجمع المال من غير حله وتسعى حثيثاً في المعاصي وتذنب أما تذكر الموت المفاجئك في غد أما أنت من بعد السلامة تعطب أما تذكر القبر الوحيش ولحده به الجسم من بعد العمارة يخرب أما تذكر اليوم الطويل وهوله وميزان قسطٍ للوفاء سينصب تروح وتغدو في مراحك لاهيا وسوف بأشراك المنية تنشب ثم يذكر حاله وهو في حالة النزع نسأل الله حسن الختام, فيقول ﵀: تعالج نزع الروح من كل مفصل فلا راحمٍ ينجي ولا ثَم مهرب وغمضت العينان بعد خروجها وبسطت الرجلان والرأس يعصب وقاموا سراعاً في جهازك أحضروا حنوطاً وأكفاناً وللماء قربوا وغاسلك المحزون تبكي عيونه بدمع غزير واكف يتصبب وقد نشروا الأكفان من بعد طيها وبخَّروا منشورهن وطيبوا سبحان الله العظيم! يا لها من مواقف يا إخواني، بعد ما كان واقفاً تفصل له وتقاس عليه الملابس، صار الآن يلبس آخر كسوة من الدنيا, يلف بهذه الخرقة, الله أكبر، لا إله إلا الله، اللهم أيقظنا من رقداتنا يا رب العالمين, والله إن الموت أمره عظيم, والله لو تذكرنا دائماً الموت ما كان حالنا هكذا وما أكثر التذكار بالموت، ولكن إنا لله وإنا إليه راجعون. بعض الناس يقول: الآن الطب الحديث تطور, ولكن يا ليته ينظر إلى الموت الآن, الموت الآن يأخذ بالكمية نسأل الله حسن الختام، والله لو كانت القلوب واعية، والقلوب حية؛ لكفاها ما ترى في تلك الطرق, أحياناً تجد عائلة بأكملها يختلط الرجال والنساء لحومهم وعظامهم سواء, فأين الاعتبار؟ أحياناً يلتقط من الطريق جثث هامدة, اللهم اشف مرض قلوبنا يا رب العالمين. كنا قبل سنين إذا رأينا الجنازة طار عنا النوم, وتكدر علينا الطعام والشراب ثلاثة أو أربعة أيام، والآن إنا لله وإنا إليه راجعون, في المقبرة الآن تجد هذا يشعل السيجارة وهذا يتحدث كم طول الأرض؟ وماذا فعلت اليوم وماذا حصل لك وماذا قالت الجريدة والمجلة؟! وهو في المقبرة! وهو والله لا يدري أيخرج منها أو يدفن بجوار من جاء يشيعه, نسأل الله حسن الختام. فيا إخواني! علينا أن نتذكر هذه المواقف, يقول ﵀: وقد نشروا الأكفان من بعد طيها وبَّخروا منشورهن وطيبوا وألقوك فيما بينهنَّ وأدرجوا عليك مثاني طيّهن وعصّبوا وفي حفرة ألقوك حيران مفرداً تضمك بيداء من الأرض سبسب إذا كان هذا حالنا بعد موتنا فكيف يطيب اليوم أكل ومشرب وكيف يطيب العيش والقبر مسكنٌ به ظلمات غيهب ثم غيهب وهول وديدان وروع ووحشة وكل جديد سوف يبلى ويذهب فيا نفس خافي الله وارجي ثوابه فهادم لذات الفتى سوف يقرب

стр. 279

حال الإنسان عند خروج الروح أيها الأحباب: في الختام أسأل الله أن يختم بالصالحات أعمالنا, ونختم بحديث روي عن رسول الله ﷺ ، حديث صحيح يبين لنا حالة الإنسان عند خروج الروح, يقول ﷺ : ﴿إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال على الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه, كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة, وحنوط من حنوط الجنة, حتى يجلسوا منه مد البصر, ويجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه, فيقول: أيتها النفس الطيبة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان, قال: فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من فيِّ السقاء فيأخذها, فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن, وفي ذلك الحنوط, ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض. فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان, بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا, حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له, فيفتح له فيشيّعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها, حتى يُنتهى بها إلى السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين, وأعيدوه إلى الأرض في جسده. فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان: من ربك؟ فيقول: ربي الله, فيقولان: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام, فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: رسول الله ﷺ , فيقولان: ما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقته, فينادي مناد من السماء, أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة, وافتحوا له باباً إلى الجنة, فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره, ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك, هذا يومك الذي كنت توعد, يقول له: من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح, فيقول: رب أقم الساعة, حتى أرجع إلى أهلي ومالي. وإن العبد الكافر أو الفاجر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة نزل إليه ملائكةٌ سود الوجوه, معهم المسوح, فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه, فيقول: أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلى سخط من الله وغضب، فتتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول, فيأخذها, فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح, ويخرج منها كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض. فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا فيستفتح فلا يفتح له, ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠] , فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجيل في الأرض السفلى ثم تطرح روحه طرحاً, ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] فتعاد روحه في جسده. ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ها ها لا أدري, فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ها ها لا أدري, فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: ها ها لا أدري, فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فأفرشوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار, فيأتيه من حرها وسمومها, ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه, قبيح الثياب، منتن الريحة, فيقول: أبشر بالذي يسوءك, هذا يومك الذي كنت توعد, فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه القبيح الذي يجيء بالشر, فيقول: أنا عملك الخبيث, فيقول: يا رب لا تقم الساعة﴾. نسأل الله حسن الختام. إخواني الخلق ليس بينهم وبين الله نسباً، من أطاعه أدخله الجنة ومن عصاه أدخله النار, فنسأل الله جل وعلا أن يعيننا على طاعته.

стр. 280

قصيدة زين العابدين في الموت وما بعده ولعلكم تسمحوا لي لأني وعدتكم في بداية الكلام أن أذكر لكم قصيدة زين العابدين بن علي بن الحسين فأذكرها لكم الآن, يقول ﵀: ليس الغريب غريب الشام واليمن إن الغريب غريب اللحد والكفن تمر ساعات أيامي بلا ندم ولا بكاء ولا خوف ولا حزن سفري بعيد وزادي لا يبلغني وقسمتي لم تزل والموت يطلبني ما أحلم الله عني حيث أمهلني وقد تماديت في ذنبي ويسترني أنا الذي أغلق الأبواب مجتهداً على المعاصي وعين الله تنظرني يا زلةً كتبت يا غفلةً ذهبت يا حسرةً بقيت في القلب تقتلني دع عنك عذلي يا من كان يعذلني لو كنت تعلم ما بي كنت تعذرني دعني أنوح على نفسي وأندبها وأقطع الدهر بالتذكار والحزن دعني أسح دموعاً لا انقطاع لها فهل عسى عبرة منها تخلصني ما كان عنده أفلام ولا عنده تمثيليات, كيف لو رأى الآن أحوال بعض المسلمين التي يرثى لها؟ إنا لله وإنا إليه راجعون, كيف لو رأى أحوال نسائنا في الشوارع متبرجات سافرات فاتنات مفتونات؟! وكيف إذا نظر أحوال الناس وهم يحلقون اللحى، ويقصون قصة الهر والأسد وغيرها؟! كيف لو نظر أحوال الناس وهم يسبلون الثياب في هذه الأزمان؟! كيف لو نظر أحوال الناس وهم لا يعرفون صلاة الفجر إلا في رمضان؟! كيف لو نظر أحوال الناس وهم يتسابقون على الربا يحاربون الله ورسوله علانية؟! كيف لو نظر إلى الناس وهم يتساقطون صرعى سكارى فدية للمسكرات والمخدرات؟! فيقول: دعني أنوح على نفسي وأندبها وأقطع الدهر بالتذكار والحزن دعني أسح دموعاً لا انقطاع لها فهل عسى عبرةٌ منها تخلصني ثم يصف لنا الحالة التي سوف تمر بنا جميعاً, ويقول: كأنني بين تلك الأهل منطرحاً على الفراش وأيديهم تقلبني وقد أتوا بطبيب كي يعالجني ولم أر الطب اليوم ينفعني واشتد نزعي وصار الموت يجذبها من كل عرق بلا رفق ولا هون واستخرج الروح مني في تغرغرها وصار في الحلق مراً حين غرغرني وغموضني وراح الكل وانصرفوا بعد الإياس وجدوا في شرا الكفن وقام من كان أولى الناس في عجل إلى المغسِّل يأتيني يغسلني وقال يا قوم نبغي غاسلاً حذقاً حراً أديباً أريباً عارفاً فطن فجاءني رجل منهم فجردني من الثياب وأعراني وأفردني وأطرحوني على الألواح منفرداً وصار فوقي خرير الما ينظفني وأسكب الماء من فوقي وغسلني غسلاً ثلاثاً ونادى القوم بالكفن وألبسوني ثياباً لا كموم لها وصار زادي حنوطاً حين حنطني وقدموني إلى المحراب وانصرفوا خلف الإمام فصلى ثم ودعني صلوا علي صلاة لا ركوع لها ولا سجود لعل الله يرحمني وأنزلوني إلى قبري على مهل وأنزلوا واحداً منهم يلحّدني فقام محتزماً بالعزم مشتملاً وصفف اللبن من فوقي وفارقني وقال هلّوا عليه الترب واغتنموا حسن الثواب من الرحمن ذي المنن في ظلمة القبر لا أم هناك ولا أب شفيق ولا أخ يؤنسني وهالني صورة في العين إذ نظرت من هول مطلع ما قد كان أدهشني من منكر ونكير ما أقول لهم إذ هالني منهما ما كان أفزغني فامنن عليَّ بعفو منك يا أملي فإنني موثق بالذنب مرتهني ثم قال ﵀: تقاسم الأهل مالي بعدما انصرفوا وصار وزري على ظهري فأثقلني وزر الربا, والغش, والخداع, والمساهمات الربوية, وأشرطة الفيديو, وأشرطة الكاسيت الأغاني, وكتب الزندقة والإلحاد, والجرائد والمجلات صارت على ظهره، والورثة يأخذون الأموال, اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا, ثم يقول ﵀: فلا تغرنَّك الدنيا وزينتُها وانظر إلى فعلها في الأهل والوطن وانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الزاد والكفن خذ القناعة من دنياك وارض بها لو لم يكن لك إلا راحة البدن يا نفس كفي عن العصيان واكتسبي فعلاً جميلاً لعل الله يرحمني ثم أيضاً أذكر البيتين لبعضهم, وهو يذكرنا ما الذي يحصل بعد الموت, يقول ﵀: يوم القيامة لو علمت بهوله يا إخواني! لو أن النهاية بالموت كان الأمر بسيط، لكن بعد الموت أمور عظيمة, القبر والوقوف بين يدي الله. يوم القيامة لو علمت بهوله لفررت من أهلٍ ومن أوطاني يوم تشققت السماء لهوله وتشيب منه مفارق الولداني ثم يقول الآخر: وإذا الجنين بأمه متعلق خوف الحساب وقلبه مذعور هذا بلا ذنب يخاف لهوله كيف المقيم على الذنوب دهور اللهم ارزقنا الإيمان بعذاب القبر ونعيمه, وارزقنا الإيمان بيوم البعث والنشور, واجعلنا ممن يساقون إلى جنة عرضها السماوات والأرض يا رب العالمين. اللهم اجعل اجتماعنا اجتماعاً مرحوماً, وتفرقنا من بعده تفرقا ًمعصوماً, ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً, اللهم أحسن ختامنا, اللهم اجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, وتوفنا وأنت راضٍ عنا غير غضبان يا رب العالمين, اللهم اجعل قبورنا روضة من رياض الجنة, ولا تجعلها حفرة من حفر النار يا رب العالمين. اللهم اجمعنا ووالدينا ووالد والدينا وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات في جنات الفردوس الأعلى يا أرحم الراحمين, اللهم لا تفرق جمعنا هذا إلا بتوبة نصوحاً يا رب العالمين, اللهم ارزقنا توبة نصوحاً تطهر بها قلوبنا وتمحص بها ذنوبنا وتحصن بها فروجنا يا رب العالمين, اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك, وأغننا بفضلك عمن سواك, اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا, ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا, اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا, اللهم أصلحنا وأصلح أولادنا وزوجاتنا وإخواننا وأخواتنا, واجعلنا جميعاً هداة مهتدين, ندعو إلى سبيلك بالحكمة والموعظة الحسنة، نأمر بالمعروف ونفعله وننهى عن المنكر ونجتنبه, إنك على كل شيء قدير. اللهم أغث قلوبنا بالإيمان, وأغث أوطاننا بالقطر النافع يا رحمن, اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً سحاً غدقاً نافعاً غير ضار, اللهم سقيا رحمة لا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار, سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 281

عذاب القبر ونعيمه التقوى جماع للأعمال الصالحة، وهي سبب للنجاة في الدنيا والآخرة، وسبب للرزق الحسن. وعن التقوى وأهميتها استهلَّ الشيخ حديثه هذا، ثم دلف إلى موضوع نعيم القبر وعذابه مقتبساً ما يناسب المقام من نصوص الكتاب الخالد، ومن كلام النبي الخاتم ﷺ . وقد تحدث عن الاحتضار وحياة البرزخ ويوم البعث وأوصافه. ووجه رسالة هامة إلى المرأة المسلمة محذراً إياها من فتن العصر التي لم يعرفها السابقون.

стр. 282

عاقبة التقوى وأهميتها إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: أيها الإخوان في الله! وأيتها الأخوات في الله! أحييكم جميعاً بتحية الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأوصيكم بتقوى الله ، التي هي وصية الله للأولين والآخرين، فإن تقوى الله هي الأساس وهي التي تتقدم الإنسان، وهي الزاد في مسيره من بعد موته إلى أن يبعث يوم القيامة، ولن ينجو إلا المتقون كما قال الله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٣]. التقوى يا عبد الله! -قبل أن ندخل في موضوع نعيم القبر وعذابه- حثنا عليها رب العزة والجلال فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ [النساء:١] ثم يكرر ربنا جل وعلا في صدر هذه السورة الأمر بالتقوى ويقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. التقوى يا عبد الله! زادك في الحياة الدنيا وفي القبر ويوم يقوم الأشهاد، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] فبالتقوى تصلح الأعمال وتغفر الذنوب وتكفر السيئات، وبالتقوى تحصل الخيرات بأجمعها، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال:٢٩] وبالتقوى يحصل الفرقان بين الحق والباطل، فمن اتقى الله بفعل الأوامر واجتناب النواهي، وفق لمعرفة الحق من الباطل؛ فكان ذلك سبباً لنجاته في الدنيا والآخرة، ويقول الله جل وعلا حاثاً على التقوى لما فيها من الفضل العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٢٨] ويقول الله أيضا حاّثاً على التقوى لما يحصل فيها من الخروج من كل ضيق، ومن تيسير الأمور، وتفريج الكروب -ولعلكم تذكرون حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، فكل واحد منهم تقرب إلى الله وتوسل إليه بصالح عمله ففرج الله عنهم، وتلك عاقبة التقوى يا عباد الله- قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] ويقول الله أيضاً: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٤] ويقول جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ [الطلاق:٥]. نعم. إذا حصلت التقوى؛ حصل الإيمان، والإيمان بماذا يزيد؟ يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان.

стр. 283

حال المؤمن والكافر عند الاحتضار عليكم إخوتي في الله أن تؤمنوا بكل ما جاء في الكتاب والسنة، من آيات وأحاديث تبين حالة المحتضر عند خروج الروح من الجسد، فالمؤمنين لهم حالة، والكافرين لهم حالة، فالمؤمن عند خروج الروح من جسده له أحوال طيبة يستبشر بها ويفرح بها، قال رسول الله ﷺ : ﴿من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، قالت إحدى زوجاته: يا رسول الله! إنا لنكره الموت، قال: ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه؛ فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حُضر -أي حضره الموت- بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه؛ فكره لقاء الله فكره الله لقاءه﴾ رواه البخاري ومسلم وهذا لفظ البخاري. وأيضاً عند خروج روح المؤمن تنزل عليه البشرى من السماء مع رسل الله من الملائكة، فاسمع يا من تريد ذلك فاستقم على طاعة الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] ما موقفك يا عبد الله! إذا أتتك هذه البشارة، وأنت في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة، هذه ملائكة الرحمن، أرسلهم إليك وفوداً من السماء لتبشرك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] ثم تقول لهم الملائكة أيضاً: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١] لأن الإنسان إذا فارق الأهل والأولاد عند ذلك يحزن الله أكبر! في الجنة يا عبد الله! ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣١ - ٣٢] أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يبشر بهذه البشارة. ولكن الكافر فإنه عند خروج الروح تنزل عليه ملائكة العذاب، يضربون وجوههم وأدبارهم، واسمعوا وصف الله تعالى لحالهم: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال:٥٠] ثم يقال لهم بعد هذا الضرب: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال:٥١] إذا عرفنا هذا؛ فعلينا أن نستعد للموت؛ ونسأل الله حسن الخاتمة؛ ونحسن الظن بالله ، فقد قال رسول الهدى ﷺ : ﴿لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله﴾ رواه مسلم.

стр. 284

حال المؤمن والكافر في القبر إخواني: لقنوا من حضرتهم الوفاة لا إله إلا الله برفق، فقد ورد في الحديث: ﴿من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة﴾ ثم بعد ذلك تخرج الروح، وبعد الفراغ من التجهيز والحمل على الأكتاف تقول هذه الجنازة إن كانت صالحة: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟! يسمع ذلك كل شيء إلا الثقلين الجن والإنس، وقبل أن يوضع في الحفرة يتبعه ماله وأهله وعمله، ثم يرجع أهله وماله، ولا يبق إلا العمل، ثم يوضع في تلك الحفرة وتنصب عليه اللبنات ويحثى عليه التراب. كان عثمان ﵁ إذا وقف على القبر بكى حتى تبتل لحيته من الدموع ﵁، الله أكبر! ويقولون: لماذا تبكي يا عثمان؟ فيقول: كيف أتذكر الجنة والنار ولا أبكي!! فالقبر يا إخواني أمره عظيم. يقول رسول الله ﷺ : ﴿إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد ﷺ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك إلى النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة، فيراهما جميعاً﴾ قال: قتادة ﵀: [[وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعاً، ويملأ عليه خَضِراً إلى يوم يبعثون]] ثم رجع إلى الحديث السابق قال في تكملته: ﴿وأما المنافق والكافر، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقوله الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة؛ فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين -يعني الإنس والجن-﴾ وهذا حديث صحيح متفق على صحته. فهنيئاً لمن أطاع الله ورسوله وقام بما أوجب الله عليه، فإن القبر يكون عليه برداً وسلاما وروضة من رياض الجنة، ويقال له: نم نومة العريس، الذي لا يوقظه إلا أحب الناس إليه، فتصور نفسك يا عبد الله! إذا قدمت إليك هذه البشارة، وأتاك عملك الصالح في صورة شاب حسن الثياب طيب الريح. تذكر يا عبد الله! ذلك القبر الفسيح، إن كنت ممن أنعم الله عليهم بذلك القبر فجعله عليهم من رياض الجنة.

стр. 285

صور من عذاب البرزخ وأما من فرط وتعدى الحدود؛ فإنه يكون له حفرة من حفر النار، فويلٌ لمن أضاع الصلاة واتبع الشهوات، كيف حاله إذا ضغطه القبر وأقبل عليه منكر ونكير، ما الجواب يا من أضعت الصلاة! وأخرتها عن أوقاتها؟ كيف حالك إذا صرت بعد القبر في سقر مع الكافرين؟ كيف حالك يا من تكذب كلما غدوت؟! كيف حالك يا من اعتدت الكذب إذا صرت في البرزخ؟! أيها الكذاب! يا من تقول: هذه كذبة سوداء، وهذه كذبة بيضاء، كيف حالك إذا صرت في البرزخ مستلقٍ لقفاك، وإذا آخر قائمٌ عليك بكلّوب من حديد، وإذا هو يأتي إلى إحدى شقي وجهك فيشرشر شدقك إلى قفاك ومنخرك إلى قفاك، وعينك إلى قفاك؟! فهذا عذاب الكذاب في البرزخ. ويل لمن ارتكب الزنا من الذكور والإناث، فإن عذابهم في البرزخ في تنور أسفله واسع، وأعلاه ضيق، لهم فيه أصوات ولغط لما يذوقون فيه من أليم العذاب. ويل لأكلة الربا، فإن آكل الربا في البرزخ يسبح في نهر أحمر مثل الدم، وعلى شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفتح له فاه فيلقمه حجراً، يا ويله من ذلك العذاب إلى يوم يبعثون. ثم يا ويلك يا من تأكل لحوم الناس! ويل لمن اعتاد أكل لحوم الناس، فإنهم في البرزخ لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم. عباد الله! وكذلك من أسباب العذاب في البرزخ عدم التنزه من البول، والمشي بالنميمة، قال رسول الله ﷺ لما مر بقبرين: ﴿إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله﴾. عباد الله! ويلٍ لمن مات وهو يرتكب الجريمة الشنعاء جريمة اللواط، التي عذب الله بها قوم لوط، فقلب عليهم ديارهم بسبب هذه الجريمة الشنعاء، يا ويل من مات من غير توبة وهو يرتكب جريمة اللواط، فإنه بذلك أحل بنفسه سخط الله ومقته، فقد روى عن ابن عباس ﵄: [[أن اللوطي إذا مات من غير توبة فإنه يمسخ في قبره خنزيراً]] والعياذ بالله!
следующие страницы →