← Джавами‘

Джавами‘ · id 37003

دروس للشيخ عبد الله حماد الرسي

عبد الله حماد الرسي

Полный текст (1 664 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المبادرة بالتوبة النصوح أيتها المسلمة: الله الله في التمسك بدين الإسلام، الدين الحنيف الذي ختم الله به جميع الأديان، وبادري بالتوبة النصوح إلى الله إن صدر منك بعض المخالفات التي مر ذكرها، فتوبي إلى الله وارجعي إليه قبل أن ينزل بك هادم اللذات. واعلمن أيتها الأخوات في الله! أن الإنسان مهما عاش في هذه الحياة الدنيا فسوف ينتقل منها رغم أنفه، وسوف يهجم عليه هادم اللذات ومفرق الجماعات، وسوف يأخذه من قصره ومنزله ومن بين أهله وأولاده وأقاربه، ثم ينطرح جثة هامدة لا حراك فيها ولا إحساس، قال الشاعر: الموت في كل حين ينشر الكفنا ونحن في غفلة عما يراد بنا لا تطمئن إلى الدنيا وبهجتها وإن توشحت من أثوابها الحسنا أين الأحبة والجيران ما فعلوا أين الذين همُ كانوا لنا سكنا سقاهم الموت كأساً غير صافية فصيرتهم لأطباق الثرى رهنا أيتها الأخوات في الله: اعلمنَ علم اليقين أن التوبة إذا صحت بأن اجتمعت شروطها وانتفت موانعها قبلت بإذن الله تعالى، إذا وقعت قبل نزول الموت -مهما كان الذنب- وقبل طلوع الشمس من مغربها؛ قال رسول الله ﷺ : ﴿إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر﴾ أي: ما لم تبلغ روحه حلقومه، فإذا بلغت الروح الحلقوم؛ فعند ذلك لن تقبل التوبة ولا حول ولا قوة إلا بالله! وقد سمعت -أختي في الله- الآيات حول المفِّرط إذا نزل به الموت ماذا يقول؟: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] فهل يجاب على هذا المطلب؟ لا. لأن الله حدد لهذا الإنسان عُمْراً، فالعمر محدود والأنفاس معدودة، وقد خلقه الله لعبادته وطاعته، وأرسل إليه الرسل وأنزل معهم الكتب لئلا يكون له على الله حجة بعد الرسل، عند ذلك يطلب الرجعة ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] فكم من امرأة إذا نزل بها الموت سوف تقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت، لأن الأوقات ذهبت في السفور والتبرج، وفي المعاصي والسيئات، فهي تريد أن تصلح ذلك، ولكنَّ الله جل وعلا يقول: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠] فلن يجاب على هذا المطلب. فيا أمة الله: الله الله في التوبة النصوح والرجوع إلى الله .

стр. 212

قيام الليل أيتها الأخوات في الله: إن مما اتبلي به كثير من الناس في هذه الأزمان المتأخرة، هذا السهر الطويل المفرط، والسهر يضيِّع ويفوِّت خيرات كثيرة مع الأسف الشديد، فإذا سهر الإنسان فاتت عليه أوقات الفضائل، وقد كان من هديه ﷺ أنه كان أن يكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها، وأخبر ﷺ أن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله إلا أعطاه الله من خير الدنيا والآخرة، فإذا فوتنا هذه الأوقات في القيل والقال والأمور التي لا يرضاها الله فقد فوتنا على أنفسنا خيرات كثيرة، وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿إن أن الله جل وعلا ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا إذا بقي ثلث الليل الأخير فيقول: هل من سائل فأعطيه هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟﴾. أختي في الله: هل لك حظ من قيام الليل؛ لتدركين هذا الفضل العظيم، حتى تكوني من الذين مدحهم الله بقوله: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨]؟ هل لك حظ من قيام الليل؛ لتحوزي على الفضل العظيم الذي أخبر الله به في الحديث القدسي حيث قال: ﴿أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم يقول ﷺ : اقرءوا إن شئتم ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]﴾ وماذا كانوا يعملون؟ يا أمة الله! ارجعي إلى أول الآية وإذا ربنا يقول: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] فاحذري -يا أمة الله- من هذا السهر المفرط، وتوبي إلى الله ، واهتدي بهدي محمد ﷺ ، واجعلي لك نصيباً من الليل، قومي آخر الليل، وصلي في تلك الساعة المباركة ليحصل لك الفضل العظيم.

стр. 213

التوبة من الغيبة والنميمة ومما ابتليت به كثير من النساء: الغيبة في المجالس فتجدين بعض النساء ليس لها هم إلا الغيبة، وأكل لحوم الآخرين قال ﷺ : ﴿رأيت ليلة أسري بي أقواماً لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم﴾ وتحدثت عائشة ﵂ عند رسول الله ﷺ فقالت: [[حسبك من صفية أنها كذا وكذا]]. يقول بعض العلماء: إنها قالت: قصيرة فتغير رسول الله ﷺ وغضب أشد الغضب، وقال: ﴿يا عائشة! لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته﴾ أي: لغيرت لونه وريحه، فيا أمة الله! احذري من الغيبة فإن عاقبتها وخيمة، وإنها تقضي على الحسنات. واحذري يا أمة الله: من النميمة، فقد مر الرسول ﷺ بقبرين فقال: ﴿إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، بلى إنه لكبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله﴾ وأخبر ﷺ عن النمام فقال: ﴿لا يدخل الجنة نمام﴾.

стр. 214

التوبة من عقوق الوالدين وقطيعة الرحم واحذري -يا أختي في الله- من قطيعة الرحم، واحذري من عقوق الوالدين، واحذري من السباب والشتام، وعودي لسانك على كثرة ذكر الله والتسبيح والتهليل، ثم اسمعي إلى هذه الحالة التي ذكرها بعض الأطباء، يقول: كانت امرأة مريضة مرض القلب فدخل الطبيب يريد أن يأخذ الأجهزة التي عليها لأنها قربت وفاتها، وقرب وقت انتقالها من هذه الدنيا، فلما اقترب منها الطبيب وإذا هي تفتح عينيها وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ثم بعد ذلك فاضت روحها وماتت رحمها الله، فتعجب منها الطبيب! وخرج من الباب وإذا بزوجها يقابله عند الباب، فقال: ما هي الأحوال؟ قال: أحسن الله عزاءك، ولكني رأيت منها أمراً عجبت منه! قال: ماذا رأيت منها؟ قال: وأنا آخذ الأجهزة منها وهي في آخر رمق فتحت عينيها وقالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فتعجبت من ذلك! قال: لا تعجب -يا أخي في الله- فهي معي منذ خمسٍ وثلاثين سنة ما تركت قيام الليل إلا من عذر الله أكبر! فيا أمة الله: الله الله في تقوى الله، الله الله في طاعة الله ، حتى إذا نزل بك هاذم اللذات، وجاءك ملك الموت، وكانت معك أعمال صالحة ترضي الله . أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يرزقنا جميعاً توبةً نصوحاً، وأن يجعلنا جميعاً هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، اللهم أقر أعيينا وأفرح قلوبنا بصلاح أولادنا ونسائنا إنك على كل شيء قدير. اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا وقاداتنا، اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين، اللهم وفق من سعى في هذه السلسلة واجعلها سلسلة مباركة، اللهم اجعلها سلسلة مباركة لمن قرأها وحضرها وسجلها ودعا إليها إنك على كل شيء قدير. اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 215

التذكرة بحال الدنيا والآخرة لقد جعل الله هذه الحياة الدنيا داراً للابتلاء والامتحان، وحذَّر من الانغماس في ملذاتها والجري وراء حظوظها، وبيَّن حقارتها وسرعة زوالها، وأنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فعلى المرء المسلم ألا يغفل عما خلق له من عبادة الله تعالى، وعليه أن يكثر من التزود من الأعمال الصالحة، وأن يجعل الموت وقرب الرحيل نصب عينيه؛ فإن ذلك يعينه على التقلل من الدنيا والزهد فيها.

стр. 216

حقارة الدنيا وقصر الأعمار إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال وقوله الحق: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٦ - ١٧] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل: ﴿لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافراً شربة ماء﴾ أو كما قال ﷺ . اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله أن يجعلنا نتبادل هذه التحية بدار السلام في الفردوس الأعلى. أيها الإخوة في الله: لا يخفى عليكم أمر الدنيا وحقارتها، فهي حقيرة لا تزن عند الله جناح بعوضة ولو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة؛ ما سقى منها كافراً شربة ماء، ويبين ذلك قوله تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران:١٩٦ - ١٩٧] فهذه الدنيا وإن تمتعوا بها ليلاً ونهاراً فعمرها قليل، وإن أرغدت عليهم فستنقلب، ولكم في ذلك عبرٌ كثيرةٌ تمر ليل نهار عبر ما تشاهدون وتسمعون، ولكن كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]. ما أكثر المواعظ يا عباد الله! وما أكثر العبر! ولكن ينقصنا شيء وهو زيادة الإيمان، فإذا زاد الإيمان وتحقق في قلوبنا، عرفنا حقارة هذه الدنيا بقول رسول الله ﷺ : ﴿حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات﴾ وهو حديث صحيح يروى لنا عن رسول الله ﷺ ، وفي رواية: ﴿حجبت بالمكاره﴾. ثم يقول رسول الله ﷺ أيضاً: ﴿ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكبٍ قال تحت شجرة، ثم تركها﴾ هكذا الدنيا يا عباد الله! ألم تسمعوا أن رسول الله ﷺ ربط على بطنه الحجر من الجوع؟ أليس هذا من حقارة الدنيا؟ بلى. لأن رسول الله ﷺ كان أفضل الخلق عند الله على الإطلاق، فلو كانت الدنيا خيراً لما زواها عن رسول الله ﷺ ، يمر الهلال ثم الهلال ثم الهلال وما أوقد في بيوت رسول الله ﷺ نار، ويستضيف رسول الله ﷺ ضيفاً، ويرسل إلى إحدى زوجاته: هل عندك شيء؟ فتقول: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة وهكذا تسعة بيوت، كل واحدة تقول: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا الماء، هذا رسول الله ﷺ الذي هو أفضل الخلق على الإطلاق. ثم هو يقول لـ عبد الله بن عمر: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل﴾ ثم يقول هذا التلميذ الذي تتلمذ على يد رسول الله ﷺ : [[إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح]] وهذا يدل على أن عمر الدنيا قصير.

стр. 217

عمارة الدنيا لا تكون إلا بالأعمال الصالحة المطلوب من العباد أن يعبروا هذه الحياة الدنيا، ويعمروها بالأعمال الصالحة كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨] هل آمنا بهذا؟ إذا آمنا بهذا انكشفت عنّا الشكوك وانجلت عن قلوبنا، وما هي الشكوك؟ البعض من الناس يشك والعياذ بالله، فإذا قيل له: اتق الله، واعمر حياتك بطاعة الله، قال: أضيع المستقبل؟ ونحن نقول: هل عندك -يا أخي- قرارٌ معين يعين لك هذا المستقبل الذي سوف تعيشه؟ لا. ليس عندك هذا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ [لقمان:٣٤] فافهم يا عبد الله! واسمع قول الله : ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤] هل حققنا هذا؟ لا نقول: لا؛ لأن البعض فيه من الإيمان ما الله به عليم، أما البعض من الناس فلا حول ولا قوة إلا الله! ولقد سمعناهم يقولون: أثبتوا لنا وجود الله، فكيف صدرت منهم هذه الكلمة ولا حول ولا قوة إلا بالله؟! لقد صدرت بتأثر من أعداء الإسلام وأعداء المسلمين الذين يشنون على الإسلام والمسلمين حرباً شعواء، ولكن هل من مدَّكر يا عباد الله؟!

стр. 218

من أسباب قسوة القلوب البعد عن القرآن البعض من الناس يقول: أنا لا يلين قلبي، ولا أخشع لسماع كلام الله ولا عند المواعظ، ثم نأتي نختبره ونقول: أين تقضي أوقاتك؟ فيقول: الظهر مع جريدتين، والعصر مع الكرة، وفي الليل عند التلفاز، وآخر الليل بقليل أو قبل أن يأتي النزول الإلهي عند الورقة، وهي التي تسمى"البلوت والكيكان" أجل فمن أين يأتي لقلبك الخشوع يا عبد الله؟! أما علمت أن أبعد القلوب من الله القلوب القاسية، وهي التي اشتغلت بغير ذكر الله ؟ عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه الخليفة الثالث بعد رسول الله ﷺ يخاطب من عنده ويقول: [[لو طهرت قلوبكم، ما شبعتم من كلام ربكم]]. وابن مسعود ﵁ وأرضاه لما سأله بعض الناس في زمانه، قالوا: إنا نريد أن نقوم الليل ولا نستطيع، قال لهم: [[قيدتكم معاصيكم، أو قيدتكم خطاياكم]] يقول بعض الصحابة الذين تتلمذوا على رسول الله ﷺ يخاطب من كان في زمانه في القرون المفضلة، ويقول: [[إنكم لتعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات]] ولو رأى هذا الصحابي ما نحن فيه الآن، فماذا سيقول ﵁ وأرضاه؟! في الحقيقة أن الكثير من المسلمين ابتعدوا عن تعاليم الإسلام، ابتعدوا عن القرآن، ابتعدوا عن سنة رسول الله ﷺ ، وعن سيرة السلف الصالح، فمن أين يكون الخشوع؟ من أين يكون الخشوع يا عبد الله وقلبك وأفكارك مزاحمةٌ بتلك المنكرات التي ابتدعها لك أعداء الإسلام، والتي حذَّر منها رسول الله ﷺ حيث خاطب الصحابة فقال: ﴿إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار﴾. إذا كان هذا قد بيَّنة رسول الله ﷺ قبل أربعة عشر قرناً، فمن أين لنا العذر يا عباد الله؟! إذا أردنا أن تحيا قلوبنا، وأن نتقرب من الله ، فما علينا إلا أن نبحث عن العلاج. والعلاج يوجد في صيدلية معروفة أسسها محمدٌ ﷺ فيها الشفاء من كل داء، ومن أعظمها وفي مقدمتها المعجزة الكبرى التي أنزلت على رسول الله ﷺ وهو القرآن العظيم يا عبد الله! فأين قراءة القرآن من المسلمين؟! كنا نسمع قبل عشرين أو ثلاثين سنة في البيوت قراءة القرآن، وذكر الله ، أما الآن ماذا نسمع في بيوت المسلمين؟! إنا لله وإنا إليه راجعون! أيها الإخوة في الله: علاج القلوب واضح وميسر وسهل ولله الحمد، ما عليك إلا أن ترجع إلا ربك وتقرأ القرآن، وتتدبر معانيه، وتقف عند آياته وتتفكر فيها، ثم تطبق ذلك في حياتك؛ في سلوكك، في آدابك، في أخلاقك؛ لتكون قدوة للآخرين؛ لتكون قدوة في أهل بيتك، في جيرانك، في أولادك، في أقاربك، ولا تضجر ولا تضق من الذين استعانوا بالشيطان على أن يحرفوك عن الطريق المستقيم. يوجد الآن بعض الآباء -هداهم الله وردهم الله إلى دينه الصحيح، وردهم الله إلى رشدهم- يعاتبون الأولاد، ويشددون على الأولاد إذا رأوهم يصومون الإثنين والخميس، أو رأوهم يقومون الليل، ويشهِّرون بهم بين الأقارب، ويقول الأب: إنَّ ابني فلاناً أخشى عليه أن يصبح مجنوناً أو موسوساً! لماذا؟ لأنه يصوم الإثنين والخميس ويقوم الليل، الله أكبر! صدق رسول الله ﷺ : ﴿بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء، قيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون عند فساد الناس، أو الذين يصلحون ما أفسد الناس﴾. لقد كان لبعض الصحابة عندما أسلم والدة، وتقول له: لا أذوق الطعام والشراب حتى ترجع عن دين محمد -وهذا في بداية الإسلام، في غربته الأولى- فقال هذا الابن جزاه الله جنة الفردوس الأعلى: [[كلي أولا تأكلي، فوالله لو كانت لك مائة نفس تخرج واحدة واحدة، ما تركت دين محمد ﷺ ]]. هذا الإيمان يا عباد الله! هذا الإيمان الصحيح الذي رسخ في القلوب، لا تؤثر فيه مؤثرات الحياة، لا كما يفعل بعض الناس يستقيم شهراً أو سنة، ثم يصحب بعض قرناء السوء فيقولون له: أنت موسوس، أنت متزمت، نخشى عليك أن يصيبك الجنون، فيعمد إلى اللحية ويحلقها، وإلى الثوب ويطيله ولا حول ولا قوة إلا بالله! هذا ما يحدث من بعض جلساء السوء في هذه الدنيا.

стр. 219

الدنيا دار بلاء وامتحان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:١ - ٢] ويقول أيضاً: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:١ - ٢] ما خلقت في هذه الحياة -يا عبد الله- إلا للابتلاء والامتحان، انظر إلى من قبلك من الأمم الذين ابتلاهم الله أما قرأت سورة البروج ثم رجعت إلى تفسيرها؟ تجد فيها حديثاً صحيحاً متفقاً على صحته، وفيه أنه كان للملك ساحر، وكان هذا الساحر قد كبر، فقال الساحر للملك: إنه قد كبر سني، وأريدك أن تبعث إليَّ غلاماً أعلمه السحر -وقصة الغلام طويلة- ولكنَّ الله جل وعلا أظهر هذا الغلام بقوة إيمانه حتى إن الملك بعثه مع رهط ليصعدوا به الجبل، فإذا وصلوا ذروة الجبل يلقوه منها، ماذا قال هذا الغلام؟ قال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فسقطوا من الجبل، وجاء يمشي إلى الملك، قال: أين أصحابك؟ قال: كفانيهم الله تعالى. ثم بعثه في قرقورة -سفينة صغيرة- مع جماعة أخرى، وقال لهم: إذا توسطتم البحر، فاقذفوه فيه، فلما توسطوا البحر وأرادوا أن يقذفوه، قال: اللهم اكفنيهم بما شئت، هذا الاتصال بالله ، لا يحتاج إلى مقدمات، ولا إلى واسطات، الله قريب، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]. فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانقلبت بهم السفينة وجاء يمشي إلى الملك، قال: أين أصحابك؟ قال: كفانيهم الله تعالى، فهذه قوة الإيمان يا عباد الله! ثم يؤتى بأناس آخرين قد آمنوا، فيقال لهم: ارجعوا عن دينكم وإلا فعلنا بكم كذا وكذا، فلم يرجعوا، ويوضع المنشار على مفرق رأس الواحد فيشق نصفين وما يرده ذلك عن دينه. أما بعض الشباب -هدانا الله وإياهم لطاعته، ووفقنا الله وإياهم لما يحبه ويرضاه- لم يعلموا إلى الآن أنهم وجدوا في هذه الحياة الدنيا للابتلاء والامتحان، بمجرد ما يقول له الزميل أنت موسوس، أو مجنون، أو متزمت، يعمد إلى هذه اللحية التي كرمه الله بها، ثم يحلقها نعوذ بالله من الانتكاسة. وهكذا ما يحدث من بعض النساء هدانا الله وإياهن لما يحبه ويرضاه، وأسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين أجمعين ذكوراً وإناثاً إنه على كل شيءٍ قدير.

стр. 220

دعوة للمرأة أن تكون عوناً على الدين ينبغي للزوجة المسلمة التي تؤمن بالله، وتؤمن برسول الله ﷺ ، آيات الله وتسمع أحاديث رسول الله ﷺ أن تكون عوناً لزوجها في هذه الحياة الدنيا، ليس عوناً له في جلب مصالح الدنيا فإن الرزق على الله، بل تكون له عوناً على طاعة الله تعالى، يقول رسول الله ﷺ في حديث معناه: ﴿رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى ما كتب له، ثم أيقظ زوجته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ثم قال: ورحم الله امرأة قامت من الليل، فأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء﴾ رحم الله رجلاً، ورحم الله امرأة، هذه دعوة من رسول الله ﷺ . والرسول ﷺ يقول: ﴿فاظفر بذات الدين تربت يداك﴾ ويقول ﷺ : ﴿الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة﴾ المرأة الصالحة التي تعينك على طاعة الله، تذكرك بالله، إذا ذكرت أعانتك، وإذا نسيت ذكرتك، تعينك على صلة الأرحام، تعينك على برِّ الوالدين وتذكرك بذلك، وترعى الأولاد وتربيهم تربيةً صالحةً إسلاميةً، حتى تكون أنت وهي في الجنة سواء، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١]. فينبغي للمرأة المسلمة أن تكون عوناً لزوجها على طاعة الله، وإذا رأت منه خللاً في بعض الأحيان كأن يميل إلى بعض المنكرات، تذكره بالله ، وتقول له: اتق الله، وإذا جن عليهما الليل، تقول: يا زوجي! يا زوجي! قم فأمامنا مفازةٌ طويلةٌ تحتاج إلى زاد، أمامنا سفرٌ بعيد يحتاج إلى زاد، قم -يا زوجي- لنصلي أنا وأنت حتى يذكرنا الله ويكتبنا مع الذاكرين الله والذاكرات، هكذا ينبغي للزوجة، وهكذا ينبغي للزوج أن يكون عوناً لزوجته على طاعة الله، والبعض من الناس يتعذر بأعذارٍ واهيةٍ، ويقول: أنا أعاني من المشاق، وأعاني من كذا وكذا، فهذا يدل على عدم صبرك يا عبد الله! والله يقسم فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣] هكذا ينبغي لك يا عبد الله! آمنوا، ثم اعملوا بطاعة الله، اعملوا الصالحات وتواصوا على ذلك بالحق، وتواصوا على ذلك بالصبر حتى تكونوا من الذين استثناهم الله من الخسران.

стр. 221

الحذر من الانغماس في الحياة الدنيا واعلم أن من آثر الحياة الدنيا، فإن له وعيداً شديداً، وقبل أن نقرأ هذا الوعيد الشديد يقول البعض من الناس: أتريدنا أن نلزم المساجد، ونقضي وقتنا في ذكر وقراءة قرآن ونموت جوعاً، فإن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه يقول: [[إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضةً]]. نقول لك: أنت أفتيت نفسك جزاك الله خيراً، صحيح أن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه قال: [[السماء لا تمطر ذهباً ولا فضةً]] وأمرت ببذل الأسباب، ولكن الذي أريد منك، وأريد من نفسي المقصرة الأمارة بالسوء أن نقتصد في طلب الدنيا، وأن نجعل الدنيا في أيدينا ولا نجعلها في قلوبنا، وإلا فما مرضت القلوب وقست إلا لأن الدنيا نزلت فيها، وصارت الآخرة في أيدينا. نعم. ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٦ - ١٧] فعليك -يا عبد الله- أن تستعين بالله ، وأن تفعل الأسباب، وأن تطلب الرزق الحلال كما قال بعض السلف رحم الله: خذ القناعة من دنياك وارض بها لو لم يكن لك إلا راحة البدن ثم يقول الشافعي ﵀: وما هي إلا جيفةٌ مستحيلةٌ عليها كلاب همّهنَّ اجتذابها فإن تجتنبها كنت سلماً لأهلها وإن تجتذبها نازعتك كلابها هذه الدنيا عرف قدرها السلف الصالح رحمة الله عليهم، فلماذا عمر ﵁ وأرضاه يأكل خبز الشعير مع الزيت وهو الخليفة الراشد الذي مفاتيح خزائن بيت مال المسلمين بيده؟ ولماذا رسول الله ﷺ مات وما شبع من الدقل يوماً؛ وهو رديء التمر؟ لماذا مات رسول الله ﷺ ودرعه مرهونةٌ على شعير عند يهودي؟ كل هذا لعدم الاعتناء بالدنيا، وهل ماتوا جوعاً قبل أن يأتيهم الأجل؟ لا. والله ما ماتوا جوعاً قبل أن يأتيهم الأجل، لو كان الجوع يميت أحداً لمات أبو هريرة ﵁ وأرضاه، يقول: [[كنت أخر صريعاً من الجوع، ويطوى عنقي ويحسبون أن بي جنوناً ووالله ما بي إلا الجوع]]. الله أكبر! الله أكبر يا عباد الله! ومع هذا فتحوا الفتوحات وحفظوا لنا ميراث رسول الله ﷺ ، أما نحن ولا حولا ولا قوة إلا بالله! مع كثرة ما بسط لنا من زينة الحياة الدنيا تجدنا مقصرين في طاعة الله ، فهذا رسول الله ﷺ يقوم حتى تتفطر قدماه، وتقول له عائشة ﵂: ﴿لمَ تفعل هذا، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك، وما تأخر؟ فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً﴾ ثم يقول ﷺ في موعظة: ﴿لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً﴾ وأيضاً يقول ﷺ : ﴿كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر﴾ أي: متى يؤمر بنفخ الصور. فيا عبد الله: قدر لهذه الدنيا قدرها، وأخرجها من قلبك، واحتقرها، واجعلها في يديك، واعمل واكتسب الأرزاق بقصدٍ، واعقد النية في عملك هذا أن تستعين به على طاعة الله . يقول البعض من الإخوان: لقد كان بعض الصحابة أغنياء، فلماذا تُحذِّرون من الدنيا؟ فنقول له: تعال -يا عبد الله- لنجلس قليلاً حتى نرى ما هي حالة الصحابة ﵃، هذا عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه أتته قوافلٌ كثيرةٌ من العراق، وقد أصاب المدينة مجاعةٌ عظيمةٌ، فأتاه التجار يريدون أن يشتروها منه بثمنٍ كثير، فقال: قد بعتها، ويريد أنه باعها من الله ، الذي من تاجر معه ربح، هؤلاء الصحابة ﵃، أما نحن، فأغنياؤنا يتحيَّنون فرص الغلاء فيدخرون ما عندهم حتى يحتكروه ويضيقوا الخناق على الآخرين، والبعض من الأغنياء يحارب الله ورسوله علانيةً بالربا، كل ذلك حباً للدنيا والدينار -نسأل الله العفو والعافية- ونسي قول رسول الله ﷺ : ﴿ومن فرَّج عن مسلم كربة من كرب الدنيا، فرَّج الله عنه كربة من كرب الدنيا والآخرة﴾ أو كما قال ﷺ ، ونسي قوله ﷺ : ﴿ومن يسر على معسرٍ، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة﴾. فهل تحققنا ذلك يا عبد الله؟ لو تحققنا ذلك وآمنا وملأ الإيمان قلوبنا لاشتقنا إلى الآخرة، واشتقنا إلى جنة عالية قطوفها دانية، والرسول ﷺ يقول: ﴿لا تنسوا العظيمتين﴾ وهل العظيمتان أمريكا والروس كما يزعم الناس؟ لا. العظيمتان: الجنة والنار يا عبد الله! تذكر الجنة والنار، تذكر إذا انصرف الناس هل يؤخذ بك ذات اليمين إلى الجنة، أو يؤخذ بك ذات الشمال إلى النار تذكر يا عبد الله!

стр. 222

التفكر في الموت يزهّد في الدنيا ولن تتذكر ذلك حتى تتذكر هاذم اللذات، وتعرف أن الموت لا يستأذن على أحد، يأتيك على غرة وعلى حين غفلة، تجدك جالساً مع أهلك وأولادك متكئاً على الأريكة، فإذا بهاذم اللذات ينزل عليك، وتجمد العينان، ويشخص البصر وهيهات وحالك: ادع الطبيب، ولم أرَ الطبيب اليوم ينفعني، نعم يا أخي! أين فلان وأين فلان؟ فلان خرج في الصباح للعمل، وقد تجهز ولبس ما عنده من الزينة، ولما سار في الطريق، وقبل أن يصل العمل، وإذا بسائق طائش يجتاز الإشارة، ويصطدم به وإذا بالهاتف يرن: ألوه! أبوكم في الثلاجة، الله أكبر! كيف في الثلاجة، هل أبونا مات؟! نعم مات سبحان الله العظيم مات! والآخر بات في الليل وقد سمر مع الأصحاب وأكل وشبع، وأرادوا أن يوقظوه لساعة العمل، وإذا هو جثة هامدة مات فلان؟ مات فلان، يا أخي! إن الموت لا يعطي إنذارات، بل يأتيك على غرة. هل أنت شاكٌ في ذلك؟ اسمع قول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء:٣٥] هذا كلام الله ، هذا مرسومٌ رسمه ربنا جل وعلا، وجاء به محمد ﷺ وهو موجود إلى الآن: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء:٣٥] نعم نموت، ولو كُنا في فلل ورفعنا السور، وأعمقنا للقواعد، ورفعنا القصور، نموت، وهذا من قول ربنا جل وعلا: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] فلماذا لا نستعد لهذا؟ ولماذا لا نعتبر؟ الرسول ﷺ يقول: ﴿زوروا القبور، فإنها تذكركم بالآخرة﴾ قف على القبر الذي جلس عنده رسول الله ﷺ وبكى حتى بل الثرى، وقال: ﴿هنا تسكب العبرات﴾. المهم -يا عبد الله- أنه مطلوب منك أن تستعد لهادم اللذات ومفرق الجماعات، وميتم الأطفال ومرمل النساء. قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] جاء ملك الموت لموسى كليم الرحمن فلطمه موسى ففقأ عين ملك الموت، فرجع الملك إلى الله ، فقال: إن عبدك موسى فقأ عيني، فقال الله: اذهب إلى عبدي موسى، ومره يضع يده على جلد ثور، فله بعدد الشعر سنين، أو كما ورد في الحديث الصحيح، ثم قال موسى: وبعد ذلك أموت؟ قال: نعم تموت ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة:٢٥ - ٢٧] احضروا الطبيب، اذهبوا به إلى البلدة الفلانية، اذهبوا به بطائرة خاصة، ولكن هيهات، ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٧ - ٢٩] مات فلان، مات فلان، جمدت العينان، سكت القلب، شخص البصر، ثم يستعدون به ويأتون بالمغسل والمكفن. ومع الأسف الشديد لقد سمعنا خبراً محزناً أن بعض المغسلين الثقاة لما أراد أن يغسل شاباً، يقول: انقلب أسود اللون، كان قبل أن يغسله أبيض فانقلب أسود اللون، وسأل والده عن ذلك، فقال: إنه لا يصلي. ثم يذكر لنا هذا الثقة أنه أراد أن يقبر شيخاً كبيراً -أي كبيراً في السن- وفي ساعة متأخرة من الليل، ولم يجدوا إضاءة يستضيئون بها حتى يدخلوه في اللحد، فلما كشف عن وجهه، سطع القبر نوراً، ورآه من كان خارج القبر، انظروا إلى الفرق يا عباد الله! كلهم عباد الله، وأن الله جل وعلا ليس يبنه وبين خلقه نسباً ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]. ثم يوضع هذا في القبر، وهذا القبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، ثم هذا في قبره قد فتح له باب إلى الجنة، وهذا فتح له باب إلى النار، هذا فرش له من فرش الجنة، وهذا فرش له من فرش النار، هذا عنده شاب حسن الثياب طيب الريح، وهذا عنده كريه المنظر خبيث الرائحة، فانظر الفرق -يا عبد الله- ووازن بينهما.

стр. 223

تذكر الآخرة يحث على العمل الصالح ثم بعد هذه المدة التي يعلمها الله ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات:٣٤ - ٣٦] اسمع الفرق يا عبد الله، وهذه الحياة التي قضاها في الدنيا انظر إلى عاقبتها في الآخرة: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٣٧ - ٣٩] وانظر على الآخر: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١] ويكون ذلك إذا انتهت مدة الحياة، وأذن الله في خراب هذه الحياة الدنيا؛ لننتقل منها إلى دار الآخرة. ثم يقول الله جل وعلا في محكم البيان: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج:١] أي: اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، اتقوا ربكم: تقربوا إلى الله بطاعته، أطيعوا الله، وعظموا أوامره، واجتنبوا نواهيه. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج:١] لأن أمامكم هولاً عظيماً ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢]. عباد الله: إنها لحظات عظيمة، في ذلك الموقف العظيم يقول تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر:٢٣] وجهنم يقول عنها ﷺ : ﴿يؤتى بجهنم يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها﴾ اضرب -يا عبد الله- سبعين بسبعين ألف، الله أكبر! إنها نار وقودها الناس والحجارة، في يوم القيامة في ذاك الموقف العظيم الرهيب، الذي يحتاج الناس إلى من يشفع لهم عند ربهم جل وعلا لينزل الله ﷻ ليقضي بين العباد، ليستريحوا من ذلك الموقف. ولكن تلك الشفاعة يعتذر عنها ويبتعد عنها أولوا العزم من الرسل، كلهم يقول: نفسي نفسي، ثم يرجع الأمر إلى محمد ﷺ ، وفي ذلك الموقف العظيم أناس اختصهم الله بكرامات عظيمة، أتدري ما هي يا عبد الله؟ هي أن يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، الله أكبر! ولكن أسفٌ على الشباب الذين يضيعون هذه الفرصة، وهم الذين عدَّهم الرسول في الدرجة الثانية بعد أن قال: ﴿إمام عادل﴾ ثم قال: ﴿وشاب نشأ في طاعة الله﴾ فيا أيها الشاب! لا تضيعوا هذه الفرصة. نعم. إنهم سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ثم يأتينا تحذير بيّنه لنا رسول الله ﷺ في سنته المطهرة يقول: ﴿يَرِدُ أقوام من أمتي الحوض، ثم تردهم الملائكة فأقول: أمتي أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك﴾.

стр. 224

نصيحة في المداومة على العمل الصالح وترك البدع فيا عبد الله: ويا عباد الله جميعاً! إياكم ومحدثات الأمور! واللهَ اللهَ في طاعة الله، فوالله إن عمر الدنيا قصير، فلماذا لا نشغل أوقاتنا بقراءة القرآن، وطلب العلم النافع، وذكر الله ، ونوافل العبادات؟ لماذا لا نملأ هذه الخزائن التي سوف نجدها يوم القيامة؟ إما أن تجد في هذه الخزائن خيراً، وإما أن تجد فيها شراً يا عبد الله! يقول: الرسول ﷺ : ﴿من صلى لله في اليوم والليلة اثنتي عشرة ركعة تطوعاً من غير الفريضة، بنى الله له بيتاً في الجنة﴾ فكيف تضيع هذا الفضل يا عبد الله؟! ومع الأسف الشديد نرى من الناس الذين يصلون، يقولون: نريد إماماً يعجل في الصلاة، لماذا؟ لأننا نضيق في المسجد، نريد إماماً يقيم في المكبِّرة حتى نأتي ونصلي هذه الفريضة ونخرج، الله أكبر يا عبد الله! ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] أجل -يا عبد الله- إنك لم تخلق عبثاً ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] خلقك الله لطاعته، خلقك الله لعبادته، وقد تكفل برزقك ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦] فلماذا -يا عبد الله- هذا الانشغال في الدنيا؟ اثنتا عشرة ركعة تطوعاً من غير الفريضة، يبنى الله لك بها بيتاً في الجنة. ثم يقول في حديث، قال عنه رواة الحديث: إنه حسن صحيح: ﴿من حافظ على أربعٍ قبل الظهر، وأربع بعدها، حرمه الله على النار﴾ الاثنتا عشرة ركعة هي: أربع قبل الظهر وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء ركعتان قبل صلاة الغداة، يعني: قبل صلاة الفجر. واعلم -يا عبد الله- أن ركعتي الفجر التي هي النافلة خير من الدنيا وما فيها، فهاتان الركعتان تقرأ فيهما (قل يا أيها الكافرون) (وقل هو الله أحد) فهما خير من الدنيا وما فيها، فلماذا -يا أخي- نضيع هذا الفضل؟! ثم إن البعض من الناس لا يهتم بالصف الأول الذي حث عليه رسول الله ﷺ ، والبعض من الناس لا يهتم بكثرة الخطى إلى المساجد، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة يا عبد الله! يرفع لك بالأولى درجة، ويحط عنك بالثانية خطيئة. يا أخي: إذا أردت أن يحيا القلب وينتفع بالمواعظ، فبادر بالأعمال الصالحة؛ لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، انظر إلى بعض الناس عندما يستقيم، في البداية تجد عنده رغبة وتجد عنده اشتياقاً لطاعة الله ، لكن ينبغي -يا عبد الله- أن تبادر إلى طاعة الله . أسأل الله أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والتمسوا لهذا الفقير المسكين إلى الله، التمسوا له عذراً لقلة علمه وقلة تعبيره، فالمؤمن مرآة أخيه يستر على أخيه العيوب، ولا يفشيها ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، وأسأل الله أن يجمعنا جميعاً في جنات الفردوس الأعلى إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 225

الأسئلة

стр. 226

أسباب تقوية الإيمان السؤال فضيلة الشيخ! ما هي الأسباب التي تقوي الإيمان؟ الجواب بسم الله الرحمن الرحيم، وقد أعلنت قبل هذا في جلسة مع الإخوان أني لست مفتياً، ولكن هذا السؤال مرَّ بنا كثيراً ونسمعه من بعض العلماء جزاهم الله خيراً، وقد سمع السائل هذا -جزاه الله خيراً- الإجابة عليه في أثناء الكلمة التي مضت، ويعرف أن العلماء ﵏ يقولون: الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وهذا شيء مجرب ومعروف، انظر الآن -كما قلت لكم سابقاً- أول ما يستقيم الإنسان تجد عنده رغبة؛ لأن الإيمان عنده قوي، فعنده رغبة، ويبادر إلى الأعمال، ثم لا يزال بمقارنة بعض الناس -نسأل الله العافية- الذين لا يعينونه على طاعة الله، يقولون له: يا أخي! الدين يسر، صحيح -والحمد لله- الدين يسر، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فيقولون له: يا أخي! الدين يسر، صيام وصلاة وقيام، الحمد الله، فالله فرض علينا الفريضة، وإذا أدينا الفريضة يكفي، سبحان الله العظيم! ثم هذا المسكين ينحط عزمه ويترك ما كان يعمل، تجد له في الصباح ورداً يقرأ القرآن، ويذكر الله ويسبح ويهلل ويحمد الله، وتجد بعض الإخوان أول ما يستقيم لا يخرج من المسجد إلا إذا طلعت الشمس، ثم يهون عليه هذا المسكين، ثم تجده في نهاية الأمر يتخلف شيئاً فشيئاً، ثم يعتذر بالجواب الذي أعطاه له السابق، ويقول له: يا أخي! الحمد لله الدين يسر. وكما قلت لكم: إن الدين يسر ولله الحمد؛ لكن يا أخي أننا لا نرى في الصف الأول في بعض المساجد من أهل الخير الذين نحسن الظن بهم نعم، لا نجد هذا غالباً؛ إنا لله وإنا إليه راجعون! فلماذا؟ لأن بعض الإخوان يأتيه الشيطان يقول له: احذر الرياء! لأن الرياء يدخل وأنت لا تعرف، ثم المسكين يترك النوافل يقول: أخشى من الرياء، فترك العمل من أجل هذا القائل، وترك العمل للناس رياء والعياذ بالله فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. وبعض الناس يتصور في صورة شيطان والعياذ بالله ويقف حجر عثرة في طريق من أراد أن يهتدي، أو من أراد أن يلتزم الطريق المستقيم، ثم يأتيه بحجج واهية والعياذ بالله، ويبعده عن صراط الله المستقيم، أو يجلب عليه من أقاربه، ويقول: افطنوا لفلان ربما يوسوس، أو يصيبه خبل، إني أراه يجلس في المحاضرات، إني أراه يصوم الإثنين والخميس، حتى إن شاباً أتى إليّ وقال: إن أبي يضربني، لأني أصوم الإثنين والخميس، إنا لله وإنا إليه راجعون، يضربه حتى يفطر ولا يصوم الإثنين ولا الخميس. فهذا -يا إخواني- من الردى والعياذ بالله، ومن عدم التعاون على البر والتقوى، فيجب على المسلمين جميعاً أن يتعاونوا على البر والتقوى، وإذا رأوا من التزم الطريق، يقولون له: يا مسكين! ما بلغت ما بلغ السلف الصالح ولو قليلاً، لو نرجع إلى سيرة السلف الصالح رحمة الله عليهم، لرأينا الفرق بيننا وبينهم واسع، فبيننا وبينهم بونٌ عظيم، أعندما تتقدم للمسجد أو تقرأ شيئاً من القرآن تكون متزمتاً أو متجمداً؟! هذا والله من أسباب الخذلان والتخاذل والعياذ بالله، فيا أخي! لا تلتفت إلى دعاة السوء، ولا تلتفت إلى المعرضين الذين يريدونك أن تكون معهم في الانحطاط والعياذ بالله، بل شمِّر في طاعة الله ، واستعن بالله، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. لو أمرك أبوك، أو أمك أن تعصي الله، وأن تبتعد عن طاعة الله، فلا تطعهما، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة في المعروف، فعليك يا أخي! بمجالسة الصالحين والبحث عن حلق الذكر، والإكثار من قراءة القرآن، والإكثار من نوافل العبادات، والإكثار من ذكر الله ، وسوف تجد لذلك إن شاء الله ثمرةً طيبةً ويحيا قلبك بإذن الله؛ لأن الإيمان في القلب مثل الشجرة إذا تواصل عليها الماء، حيت هذه الشجرة ونمت، وإذا انقطع عنها الماء يبست، فعليك بما ينمي هذه الشجرة من مجالسة الصالحين، ومن حلق الذكر وكثرة القرآن، واحذر أن تجالس الذين قست قلوبهم، والذين لا هم لهم إلا النكت وكثرة الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله يقسِّي القلوب، وأبعد القلوب من الله القلوب القاسية، أسأل الله أن يقوي إيماننا إنه على كل شيء قدير.

стр. 227

الطريقة المثلى للوصول إلى الخشوع السؤال هذه أسئلة أصحابها يقولون: إنا نحبك في الله يا شيخ/ عبد الله، وكلهم يسألون عن الطريقة المثلى للوصول إلى الخشوع في الصلاة؟ الجواب أحبكم الله الذي أحببتموني فيه، وأسأل الله أن يظلنا تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله إنه على كل شيء قدير، وأسباب الخشوع في الصلاة هو أن يفرِّغ الإنسان قلبه قبل الدخول في الصلاة، يفرغ قلبه من الشواغل، ويقبل على الله بقلبه وبقالبه، ويتدبر القرآن، ويصغي قلبه وسمعه لآيات الله إن كانت الصلاة جهرية، وإن كانت الصلاة سرية فهو أعرف بذلك كيف يتدبر معاني الآيات ويحضر قلبه عند الآيات التي يقرؤها وعند ذلك إن شاء الله يحصل الخشوع بإذن الله ويستعين بالله على ذلك.

стр. 228

أسباب الانتكاسة السؤال ما أسباب انتكاس الشباب؟ الجواب أسباب انتكاسة الشباب كثيرة، وهذه هي التي أشغلتنا الليل والنهار؛ نفكر فيها ونبحث عن العلاج، ولكن أنا أضرب لكم مثلاً: بعض القلوب الآن مثل خزان الماء الذي ترك بالفلاة مدة، ترك في البر، فهذا يأتي ويرمي فيه عجلة سيارة، وهذا يأتي ويرمي فيه (خيشة) وهذا يأتي ويرمي فيه جيفة، وهذا يأتي ويرمي فيه كذا، هذه القلوب الآن مثل الخزان، فيها التمثيليات والأفلام والمجلات والجرائد، هذه مثل جيفة، ومثل (الخيشة) ومثل عجلة السيارة، وغيرها وضعت في هذه القلوب، وصارت القلوب والعياذ بالله مزدحمةٌ بهذه البلوى، ولا تحمل شيئاً من ذكر الله، ولا من آيات الله، لقد اتصل بي شاب -وأبشركم أنه اهتدى ولله الحمد- يقول: كنت منذ التاسعة من عمري وأنا أجلس عند الأغاني، يقول: ولما بلغت الثامنة عشرة من عمري، كنت إذا سمعت الأغنية، صار عندي قشعريرة وبكاء وخشوع والعياذ بالله وإذا دخلت المسجد، يقول: أضيق حتى أخرج من المسجد أحياناً. صدق ابن القيم وابن تيمية رحمهما الله يقولان: لا يجتمع القرآن والغناء في قلب المؤمن، فقلبك هذا وعاء يا أخي! نعم. عندك الآن قدر تضعه على النار تأتي بقالب ثلج وتضع ماء تنضج لك قطعة لحم، متى تنضج هذه اللحمة يا عبد الله؟ إذا كان هذا قالب ثلج، وهذه لحمة ما تنضج، هذا يضاد هذا، والغالب يطرد هذا، إما أن الثلج يغلب على هذه اللحمة ولا تنضج أو العكس. فيا أخي: تعاهد قلبك بالقرآن، واحفظ سمعك ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] أنا أحذركم ونفسي من مشاهدة الأفلام، ومن مشاهدة التمثيليات، وأحذركم ونفسي من استماع الغناء، ومن قراءة المجلات الخبيثة التي رسموا عليها الفتاة الصناعية؛ ليجتذبوا بها قلوب بعض الناس والعياذ بالله. انظر أعداء الإسلام من الذي يساعدهم ويخطط لهم؟ إنه الشيطان وهو الذي أخرج أبانا من الجنة، وأبونا تاب الله عليه ومرجعه إلى الجنة، ولكن هذا الخبيث الذي أخرج من ملكوت السماء وطرد منها مآله إلى النار، فهو حاقد علينا يريد أن يدخلنا معه في النار، فهو إذاً يخطط لأعداء الإسلام تلك المخططات التي تأتي لنا ليلاً ونهاراً، وملأت البيوت، فإذا أردنا أن تنظف قلوبنا، ننظف الخزان -الذي قلت لكم- من هذه الشوائب نزيل (الخيشة) وعجلة السيارة والجيفة، وهي المجلة والتمثيلية والفيلم، ثم إن شاء الله تصبح القلوب واعية، وتستقبل ما يلقى إليها من المواعظ. وأخبركم أن الشاب الذي ذكرت لكم في التاسعة عشرة من عمره -انظروا كيف هداه الله، الله قادر ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء- يقول: دخلت في مجال عملي أراود امرأة فلبينية، يقول: أريد أن أفعل بها جريمة الزنا، يقول: ولما أقبلت إليها متحمساً، أريد أن أقول لها، وإذا هي تقول: فلان! أريد أن تشرح لي عن الدين الإسلامي، الله أكبر! يقول: وإذا أنا أصدم بصدمة، فأنا أريد أن أراودها للزنا وهي تقابلني وتقول: أريدك أن تشرح لي عن الدين الإسلامي، سبحان الله العظيم! الله أكبر! وإن من العصمة ألا تقدر على المعصية، الحمد لله، يقول: بينت لها الذي أعرف، يقول: أنا لا أعرف شيئاً كثيراً، أنا درست في الابتدائية أركان الإسلام، وعرفت لها شيئاً، لأنه يجيد اللغة، يقول: واشتاقت إلى الإسلام، وانظروا يا إخواني! إنما الأعمال بالنيات، هو يقول: حتى أنا فرحة فرحت مع الخجل، أنها قالت: اشرح لي عن الإسلام، يقول: وبينت لها عن الإسلام، واشتاقت إلى الإسلام، وأعلنت إسلامها ولله الحمد، والآن هو ولله الحمد يبحث في الطرق الخيرية، وهو الآن يجمع من الكتب الدينية، وأخبركم أنه في إقبال على طاعة الله. أسأل الله أن يثبتنا وإياه يقول: إذا ذكرت حالتي الأولى، جعلت أبكي، فالحمد لله، وهذا من فضل الله ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥] الله أخبرنا وهو لا يخلف الميعاد: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥]. يقول بعض الناس: أنا أريد الله أن يهديني، نقول له: حسناً! ابحث -يا أخي- عن طرق الهداية، إذا مرض عندك مريض هل تتركه في البيت؟ لا. بل تقوم وتذهب به إلى الطبيب الفلاني، ثم يذكر لك طبيب في البلد البعيد، يقول: هيا أعطنا تذكرة إلى البلد الفلاني، كل هذا لماذا؟ تبحث عن العافية من الله ، ثم من الطبيب لهذا المريض، فأنت لماذا لا تبحث عن الهداية يا عبد الله؟ توجد عند الله ، ولكن لها أسباب، ومن أسبابها: أن تبحث عن حلق الذكر، وعن مجالسة الصالحين، وعن الإكثار من قراءة القرآن، وترجع إلى سنة رسول الله ﷺ ، وتكثر من ذكر الله ، ومن الاستغفار. يقول بعض الناس: أنا عشت مدة طويلة مع الأفلام، فلذلك أضيق أحياناً لماذا؟ نقول له: ارجع إلى قول الله : ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] ارجع إلى ذكر الله ، ولقد ذكر لنا أن رجلاً لا ينام إلا على المخدرات، لا ينام إلا بالحبوب المخدرة، وبعضهم بمجرد ما يضع رأسه على الوسادة، ويقول: بسم الله ويسبح ويهلل، وإذا النوم داخل عيونه، ثم أتى إليهم، وقال: لماذا أنتم تنامون وأنا لا أنام إلا بحبوب مهدئة؟ أولاً: دعوه إلى الإسلام، وهداه الله ، وأخبروه بالأدعية التي ذكرها رسول الله ﷺ عند النوم كالتسبيح والتحميد والتكبير يسبح الله ثلاثاً وثلاثين ويحمد الله ثلاثاً وثلاثين، ويكبر الله أربعاً وثلاثين، فجعل يعمل بهذا، فما يكملها إلا وهو نائم، انظروا يا عباد الله! كان قبل لا ينام إلا بالمخدرات -نسأل الله العافية- والآن لما رجع إلى الله ، وإلى ذكر الله الذي تطمئن به القلوب، صار ينام على مجرد ذكر الله . فأسأل الله أن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه إنه على كل شيء قدير.

стр. 229

الطريقة في التخلص من الوسوسة السؤال كيف أستطيع أن أتخلص من وساوس الشيطان في الأعمال، حيث يوسوس لي بأن في عملي هذا رياءً أو سمعة؟ الجواب يا أخي! والرسول ﷺ قال قبل ذلك: ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾ فأنا أخبرك بطريقة إن شاء الله إذا سلكت هذه الطريقة؛ سلمت من الرياء بإذن الله. أولاً: تدعو بالدعاء الذي أخبر به رسول الله ﷺ : ﴿اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلمه وأستغفرك لما لا أعلمه﴾. ثم يا أخي! لا تنظر في أعمالك إلى مدح الناس ولا إلى ذمهم، بل يكون عندك المادح والذام سواء؛ لأنك تعمل هذا العمل لله ، إذاً لا يضرك الناس، ولا ينفعونك، فأقول لك يا أخي: الطريقة أنك تعيِّن لك قراءات مثل: أن تقرأ قبل أن تدخل المسجد بعض الإخوان يقولون: بدعة، الإخوان جزاهم الله خيراً يريدون العثرات ويريدون العيوب نسأل الله أن يهدينا وإياهم، فأنا بمجرد اجتهادي إن شاء الله، وليس أقول طريقة، أو سنة فأنا أعرف كثيراً من الإخوان جزاهم الله خيراً يريدون العثرات، ويبحثون عن عيوب إخوانهم نسأل الله العافية، فأنا أنصح إخواني المسلمين، أقول لهم: إذا رأيتم من أخيكم نقصاً أو عيباً فاتصلوا به سراً، وأخبوره ولا تشهروا به على رءوس العالمين، أو في المجالس: إن فلاناً قال كذا، وقال كذا، ثم والعياذ بالله تكون بغضاء وشحناء بين الناس، فتكون نماماً والعياذ بالله، والنمام لا يدخل الجنة. أحذرك يا عبد الله! من هذا، كلٌ يخطئ ويصيب، فأقول لك الطريقة أنك إذا أردت أن تدخل المسجد تعين أنك إن شاء الله تصلي أربع ركعات، تقول: أقرأ في الركعة الأولى مثلاً تبارك، والثانية نون، والثالثة الحاقة، والرابعة سأل سائل، فأنت تقوم في صلاتك عندما ابتدأت الركعة بقراءة تبارك، فلو جاءك الشيطان، وقال لك: إن فلاناً ينظر إليك ويقول: والله هذا مطوع يطول بصلاته، ارجع إلى نيتك الأولى وهي أنك نويت أن تقرأ سورة تبارك، أو جاءك الشيطان يقول لك: لا تراءِ الناس انظر إلى نفسك وارجع إلى نيتك الأولى أنك أردت أن تقرأ سورة تبارك، فعند ذلك بإذن الله مع هذه المجاهدة يحصل لك ما أردت، ولا تلتفت إلى أحد أبداً ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] وإنما الأعمال بالنيات. إنما المصيبة يا عبد الله! هي أنك إذا دخلت المسجد، وبدأت في النافلة ثم كبرت تريد أن تقرأ (والضحى والليل إذا سجى) إذا بجانبك رجل ترى أن عنده نوعاً من التوظيف، ثم تقول: هذا ينظر ويقول: هذا يطِّول في الصلاة، ثم يقرأ من الضحى إلى سورة عمَّ، فهذا هو الرياء والعياذ بالله نعم، هذا هو الرياء فقد تحولت نيتك من هذا إلى هذا، فاحذر هذا! واعمل بالأسباب التي إن شاء الله ينجيك منها، والله أعلم بنية عبده. أحد الإخوان جزاه الله خيراً علق على شريط هادم اللذات، وقال إن فيه كذا وكذا، وأنا لا أدافع عن الشريط، ولا أتعرض لأخي جزاه الله خيراً بكلمة، ولكن المشايخ جزاهم الله خيراً يقولون: إن الشريط عرض على الشيخ ابن جبرين جزاه الله خيراً، وسمعه من أوله إلى آخره، وقال: ليس به بأس، ومن قال فيه شيء فليتصل به، وأنا أخبره، وكذلك عرض على الشيخ/ عبد العزيز جزاهما الله خيراً وقال: لا بأس به، ولقد صارت ضجة عند مسجدنا لما تكلم هذا الأخ وكادوا يقتتلون والعياذ بالله، هذا يقول كذا، وهذا يقول كذا، لأن الأخ جزاه الله خيراً شهَّر بهذا الشريط، وصارت فوضى، فالأخ جزاه الله خيراً، لو كان -مثلاً- اتصل بتسجيلات التقوى وتفاهم معهم حتى يقنعوه، أو يقنعهم هو وتكون المسألة سراً ودعوة إلى الله . ثم يا أخي! الناس فيهم بلاء أكثر من هذا الشريط، لماذا لا نبين لهم الفيلم الفلاني الذي يحارب الله ورسوله ويحارب حدود الله، لماذا لا نقول لهم إن هذا الفيلم فيه كذا وكذا، والتمثيلية فيها كذا وكذا، والأغنية الفلانية فيها كذا وكذا؟ هذه التي تضر المسلمين، أسال الله أن يهدي ضال المسلمين.

стр. 230

حول صيام شهر شعبان السؤال هل ورد عن الرسول ﷺ أنه صام شهر شعبان؟ الجواب ما ورد عنه أنه استكمل شعبان، ولكنه صام أكثره ﷺ ، أما هو لم يستكمله ﷺ ، ومع الأسف الشديد ما تسمعون في هذه الأيام الرجبية -نسأل الله العافية- فهي بدعة محدثة لم يفعلها رسول الله ﷺ ، فأسأل الله جل وعلا أن يبصر المسلمين في دينهم، وأن يردهم إليه رداً جميلاً، وتسمعون في إذاعات بعض المجاورين لنا ما يقيمونه من الاحتفالات في المساجد بالاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ثم إذا انتهوا من أحاديثهم ومن قصائدهم يقولون: تغنيكم المغنية فلانة، ثم تأتي بموسيقيتها وصوتها ولا حول ولا قوة إلا بالله، الله المستعان! الله المستعان! الله المستعان! اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، فاحذروا -يا إخواني- هذه البدع وفقني الله وإياكم لما يحبه ويرضاه.

стр. 231

سبب ذهاب الحماس بعد الموعظة السؤال فضيلة الشيخ! عندما تتكلم يأتينا حماس للعمل والجد والاجتهاد، وعندما نخرج من المحاضرة نتقاعس، فما العلاج؟ الجواب السبب هو أننا لا نواصل مجالس الذكر، فأضرب لك مثلاً يا أخي: اغرس نخلة واسقها أول مرة، ثم اتركها أسبوعاً، تجدها يابسة، ولا تستفيد هذه النخلة، والوعظ للقلب مثل الغيث للأرض بإذن الله، الغيث إذا نزل على الأرض أنبتت، وأحياها الله بهذا الغيث، فكذلك الوعظ ينبغي لك يا أخي أن تتعاهد قلبك، وإذا غفلت فأكثر من الاستغفار؛ كما هي سنة رسول الله ﷺ ، يقول: ﴿والله إني لأستغفر الله في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة﴾ فهذا رسول الله ﷺ ، يستغفر في اليوم أكثر من سبعين مرة، فكيف نحن يا عبد الله؟ فعليك -يا أخي- أن تتعهد قلبك بالمواعظ، ومجالسة الصالحين، عليكم بحلق الذكر، ابحثوا عن حلق الذكر جزاكم الله خيراً ووفقني الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، أحيوا هذه السنة التي اندثرت من بعض المساجد، فإنها لا توجد إلا قليلاً، نشطوا أئمة المساجد ليقيموا حلق الذكر. والله إني سألت رجلاً وهو من أهل نجد، قلت له: كم أركان الإيمان؟ قال: والله لا أعرف، رجل من أهل نجد، هذه التي كانت تُدَّرس في المساجد قبل سنين قليلة وهذا يقول: لا أعرف كم أركان الإيمان، فإنا لله وإنا إليه راجعون! وهذا يدل على بعد الناس وانشغالهم بالدنيا ولا حول ولا قوة إلا بالله! فينبغي لنا -يا إخواني- أن نقلل من الإقبال على هذه الدنيا، ونقبل على الله ، ونثق تمام الثقة أن الأرزاق بيد الله ، ثم نثق أن رزق الله لا يأتي به حرص حريص، ولا ترده كراهية كاره، ثم نؤمن بوعد الله وبوعد رسوله ﷺ أننا إذا عملنا كذا؛ فلنا من الأجر كذا وكذا، إذا آمنا بهذا وصدقنا، فإنه يكون عندنا الحماس والمبادرة إلى العمل. إن الرسول ﷺ يقول: ﴿من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة كأنه أعتق عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة، وكان في يومه في حرزٍ من الشيطان، ولم يأت أحد يوم القيامة أفضل منه إلا إنسان قال أكثر منه﴾ هذا فضل عظيم يا عبد الله! وهي لا يحتمل وقتها خمس عشرة دقيقة. ثم في حديث صحيح أيضاً: ﴿من قالها عشر مرات، فكأنما أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل﴾ أو كما ورد عن رسول الله ﷺ ، ثم سبحان الله وبحمده مائة مرة، تغفر لك خطاياك وإن كانت مثل زبد البحر، ثم الذكر بعد الصلوات. المهم -يا عبد الله- أن تؤمن بوعد الله وبوعد رسوله، ولا تنس العظيمتين، لا تنس الجنة والنار، لا تنس المنصرف الأعظم الذي لما دخل عمر بن عبد العزيز من صلاة العشاء وجلس في محرابه سمع له بكاء، واشتد بكاؤه حتى بكى أهل بيته، ثم بكى الجيران، فدخلوا عليه وسألوه: لماذا تبكي يرحمك الله؟ قال: ذكرت منصرف الناس يوم القيامة فريق في الجنة وفريق في السعير، فجعلت أبكي؛ هذا أمرٌ عظيم يا أخي! فريق في الجنة وفريق في السعير. نسأل الله أن يجعلنا من أهل الجنة، وألا يجعلنا من أهل السعير، وأسأل الله أن يرزقنا إيماناً دائماً كاملاً يباشر قلوبنا ويقيناً صادقاً، ويرزقنا إخلاص العمل لوجهه الكريم، اللهم ارزقنا إخلاص العمل لوجهك الكريم، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 232

أثر الإيمان بالله واليوم الآخر الإيمان هو بلسم الحياة، ولاشك أنه يترك آثاراً إيجابية في حياة الفرد والمجتمع، وينال الإنسان أعظم ثماره في الآخرة. والشيخ في حديثه هنا عن الإيمان عموماً وعن الإيمان بالآخرة خصوصاً يذكر مراتب الدين ومنها الإيمان، ويتحدث عن صفات ذلك اليوم الآخر وأحوال الناس فيه. وفي إجاباته عن الأسئلة يطرق عدداً من المواضيع يغلب عليها حديثه عن المعاصي والتوبة.

стр. 233

مراتب الدين إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: أيها الإخوة في الله! أحييكم بتحية الإسلام؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يجعلنا نتبادل هذه التحية في دار السلام. أيها الإخوة في الله! وفي بيتٍ من بيوت الله لنتذاكر ركناً عظيماً ألا وهو الركن الخامس من أركان الإيمان الذي قال فيه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: مراتب الدين ثلاثة: الإسلام، الإيمان، الإحسان. وكل مرتبةٍ لها أركان، فأركان الإيمان ستة، وأركان الإسلام خمسة، والإحسان ركنٌ واحد، أخذها من حديث رسول الله ﷺ الذي جاء به جبريل وبحضرة الصحابة الكرام ﵃، ولما انتهى جبريل ﵇ من سؤال رسول الله ﷺ عن هذه المراتب المهمة، قال للصحابة: ﴿أتدرون من هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم أمور دينكم﴾. فينبغي للمسلم أن يحرص كل الحرص على تعلم هذه المراتب التي بينها شيخ الإسلام المجدد/ محمد بن عبد الوهاب ﵀ برحمته الواسعة، وأسكنه فسيح جناته إنه على كل شيء قدير حيث بين ذلك، ولقد حصل لي في مجلس أن سألت عنها بعض الإخوان، ومع الأسف الشديد فكل منهم يعتذر أن يعرف كم أركان الإيمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اعتذر أن يجيب عن هذا السؤال، ويقول: عذره هذه الغفلة، وهذه الدنيا شغلتنا، فهل هذا العذر يفيده أمام رب العالمين يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون؟ لا. والله لا يفيده ذلك، والمجال مفتوح، والعلماء بكثرة -ولله الحمد- في كل مسجد من مساجد المملكة، كلها تزخر بالعلماء الذين تعلموا العلم، وهذه يعرفها أبناؤنا الصغار الذين يدرسون في الرابعة الابتدائية، فلو سئل أحدهم عنها لأجاب إذا كان متربياً على الدين، أما إذا كان متربياً على الملاهي مثل: الأفلام والتمثيليات، والشوط الأول والشوط الأخير، فإنه ربما يتلعثم ولا يجيب. وهذه مصيبة يا عباد الله! أصيب بها المسلمون من وجود آلات اللهو في البيوت، حيث أعرض الكثيرون عن ذكر الله، صدتهم عن ذكر الله وعن القرآن العظيم، فنسأل الله بمنه وكرمه أن يردنا إليه رداً جميلاً.

стр. 234

صفات اليوم الآخر أيها الإخوة في الله! لقد جمعت في وريقات صفةً لليوم الآخر، وقد طلب مني بعض الإخوان أن أقرأها على نمط آبائنا الأولين فأريد أن أقرأها عليكم قراءة تليق بالموعظة، أسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. يا عباد الله! هل تدرون ما اليوم الآخر؟ هو يا عباد الله يوم القيامة ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً * وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً * وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً﴾ [النبأ:١٨ - ٢٠] إنه يوم القيامة ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً * ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً * إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ [النبأ:٣٨ - ٤٠].

стр. 235

نفخة الصعق ونفخة البعث يوم القيامة، يوم تشقق فيه السماء بالغمام، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان:٢٥ - ٢٦] الذي قال وقوله الحق: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] ثم يأمر الله جل وعلا إسرافيل فينفخ في الصور نفخة الصعق، وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله، حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد إله الأولين والآخرين الحي الذي لا يموت أبداً ينفرد بالديمومة والبقاء، وهو القائل جلت قدرته: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] ثم يقول ﷻ : ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦] ثم يجيب نفسه بنفسه، فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] ثم يحيي ربنا جلا وعلا إسرافيل، ويأمره أن ينفخ في الصور نفخة البعث التي قال الله فيها: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]. تذكر يا عبد الله! إذا قمت من قبرك تنفض التراب عن رأسك مجيباً لداعي الله ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٣ - ٤٤].

стр. 236

أحوال الناس في المحشر إنه يوم القيامة الذي قال الله فيه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ [طه:١٠٨] إنه يوم القيامة، يوم الطامة الكبرى، يوم الصاخة، يوم القارعة، يوم الحاقة، يوم الزلزلة، يوم الواقعة، يوم الكرب والغم، يومٌ تشقق فيه السماء وتنتشر فيه الكواكب، يومٌ تطمس فيه النجوم، فيذهب ضوؤها وتفجر البحار، يومٌ يقول فيه رسول الله ﷺ : ﴿يحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غرلاً، قالت عائشة: النساء والرجال جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال ﷺ : يا عائشة! الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض﴾. إنه موقفٌ عظيمٌ طويلٌ يقول رسول الله ﷺ : ﴿يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم﴾ في ذلك اليوم العظيم، يقول فيه رسول الله ﷺ : ﴿تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه, ومنهم من يكون إلى حقويه, ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً﴾. ولكن في ذلك اليوم العظيم، في ذلك اليوم الرهيب سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين ﴿سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمامٌ عادل، وشابٌ نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه، ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجلٌ دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجلٌ تصدق بصدقة فأخفاها؛ حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه﴾. أيها المسلمون! سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله في ذلك اليوم العظيم، ما هو ذلك اليوم العظيم؟ اسمع يا عبد الله! قال فيه رسول الله ﷺ : ﴿يؤتى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام؛ مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها﴾ في ذلك اليوم الرهيب تذهل كل مرضعةٍ عما أرضعت. كرر يا عبد الله اسم هذا اليوم إنه يوم القيامة، يوم الطامة الكبرى، يوم الصاخة ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] يوم القيامة ﴿يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً﴾ [المزمل:١٧] يوم القيامة يوم ينقلب فيه العالم ويتغير ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨]. اسمع يا أخي: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٣٠] ولكن لا يفيدها الندم يوم القيامة.

стр. 237

نطق الجوارح ونصب الموازين يوم القيامة، يوم تخرس فيه الألسن، وتنطق فيه الجوارح، نعوذ بالله من الخزي والندامة، ما بالك إذا نطق الفخذ ونطقت القدمان، ونطقت اليدان، ونطق الجلد، وقالت: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾ [فصلت:٢١]. عباد الله! تفكروا في الميزان حين ينصب، وتشخص الأبصار ينادي بلسان طلق: هذه حسنات فلان بن فلان، وهذه سيئاته، لسان الميزان يميل إلى جانب الحسنات، أو إلى جانب السيئات، ثم تفكروا في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٤] ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:٧ - ١١].

стр. 238

توزيع الشهادات في ذلك اليوم العظيم يعطى كل إنسان كتاباً يقرؤه وفيه إما الفرحة والسرور، وإما الندم والخزي، فمن أخذ الكتاب باليمين فهنيئاً له الرضا من رب العالمين، ومن أخذه بشماله فيا لها من ذلةٍ وندامة ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩] ماذا يقال لهم: لا ترحموه ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣١].

стр. 239

شفاعة الرسول ﷺ ثم تفكروا في الصراط الذي يؤتى به فيجعل بين ظهراني جهنم، ويمر الناس عليه وهو أدق من الشعرة وأحد من السيف، وعلى الصراط خطاطيف مأمورة، فمن الناس من ينجو، ومنهم من يُخدش، ومنهم الموبق بعمله، وفي ذلك اليوم العظيم يحتاج الناس إلى من يشفع لهم عند ربهم، فينطلقون يلتمسون الأنبياء والمرسلين لعلهم يشفعون، فإذا بكل رسول منهم يقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى فلان، حتى يؤتى محمداً ﷺ ، ويقول: ﴿أنا لها، أنا لها﴾ يقول رسول الله ﷺ : ﴿يأتوني ويقولون: يا محمد! أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك﴾. إنه موقفٌ عظيم يا عباد الله! أطيلوا التفكير في ذلك اليوم ﴿اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا، قال ﷺ : فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجداً لربي، ثم يفتح الله عليَّ ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه، ثناءً لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، سل تعط واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأقول: يا رب أمتي أمتي﴾ اسمع يا مسكين! يا من أضعت الطريق المستقيم! وابتعدت عن طريق محمد ﷺ . ما هذا الإعراض يا عبد الله ورسول الله أول ما يرفع رأسه يقول: ﴿يا رب أمتي أمتي﴾؟! ألا ترحم نفسك يا عبد الله! ألا تبتعد عن المخالفات التي سوف أخبرك عنها بعد قليل! ﴿فيقال: يا محمد! أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب﴾ اسمع ماذا يقول رسول الله: ﴿والذي نفس محمدٍ بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى﴾.

стр. 240

الورود على حوض النبي ﷺ ثم تذكروا حوض نبيكم ﷺ ، الذي من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً، ولكن هذا الحوض سوف يردُّ عنه أناس؛ لأنهم نكصوا على أعقابهم وغيروا بعده ﷺ ، وما أكثرهم! رجعوا القهقرى بعد رسول الله ﷺ . يا عبد الله! في يوم القيامة يردّون عن حوض رسول الله ﷺ ؛ بسبب ما جنوا على أنفسهم؛ وبما أحدثوه من البدع والضلالات، فاحذر يا عبد الله من مضلات الفتن، فكيف بك يا عبد الله في ذلك اليوم، وقد لفظك القبر بعد طول بلاء، فنظرت في عملك الذي قدمت، فهنيئاً لك إن كان العمل صالحاً، وإن كان غير ذلك فيا ويلك، ثم يا ويلك. اللهم اجمعنا في دار كرامتك، اللهم قَوِّ إيماننا بك وبملائكتك وبكتبك وبرسلك وباليوم الآخر، واجعلنا هداةً مهتدين، اللهم ارزقنا القول والعمل، وارزقنا الإخلاص في أقوالنا، وفي أعمالنا، وثبتنا على قولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 241

الأسئلة

стр. 242

عقوبة تارك الصلاة والمقصر فيها السؤال ما هو العذاب الذي يتعرض له تارك الصلاة، أو المتهاون بها، أو الذي يجتهد في رمضان وبعده يترك الصلاة، أو يتهاون بأدائها جماعة، أفتونا مع الأدلة من القرآن والسنة؟ الجواب بسم الله الرحمن الرحيم، في الحقيقة أني لست أعلم من الشيخ جزاه الله خيراً، ولكن هذا من تواضعه جزاه الله خيراً، أما المتهاون في الصلاة، فله وعيدٌ شديدٌ كما أخبر الله تعالى في قوله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥] قال بعض العلماء: لأنهم يؤخرونها عن وقتها سماهم مصلين، ولكنهم لما تهاونوا بها وأخروها عن وقتها توعدهم الله بويل، وويل كما قال بعض العلماء: هو شدة العذاب في النار، وقال آخرون: هو وادٍ في جهنم، وأيضاً في قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩] كذلك هذا الغي وادٍ في جهنم لمن تهاون في الصلاة -والعياذ بالله- هذا الذي يتهاون بالصلاة، أما الذي يترك الصلاة، فقد توعده الله بسقر! وما أدراك ما سقر؟ هي طبقة من طباق النار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:٤٢] * ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٣] وقال رسول الله ﷺ : ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر﴾. مع الأسف الشديد بعض الناس الآن لا يصلي إلا في رمضان، ثم بعض الأوقات يتركها، فالعلماء يقولون: من ترك فريضة واحدة متعمداً فقد كفر -نسأل الله العافية- إذا تركها متعمداً، فكيف بمن لا يصلي إلا في رمضان، ثم بعد رمضان يترك السنة كلها حتى يأتي رمضان -نسأل الله العفو والعافية- وبعضهم لا يصلي إلا يوم الجمعة، فأخذوا ببعض الحديث وتركوا بعضه، قوله ﷺ : ﴿رمضان إلى رمضان﴾ ومعنى الحديث أن رمضان إلى رمضان، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر، ولكنهم تركوا باقي الحديث ﴿والصلوات الخمس﴾ هذا الذي يحضرني من هذا الحديث، ولا شك أن ترك الصلاة كفر، فينبغي للإنسان أن يبادر إلى الله بالتوبة النصوح قبل أن يحل به الموت وينتقل إلى البرزخ، فالقبر يا إخواني أول منزلة من منازل الآخرة، إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، نسأل الله العفو والعافية.

стр. 243

الواجب على من التزم وترك المعاصي السؤال أنا شابٌ متزوج ولدي أطفال سافرت خارج البلاد، إلى البلاد المبيحة للفساد، وعملت بعض المعاصي وكنت في طيش في الشباب، وتهاونت في أداء الصلاة، وكنت قبل السفر أصلي، وبعد السفر تركت الصلاة، وبعدما رجعت من السفر أمضيت مدة وأنا لا أصلي، ثم بدأت أندب نفسي لترك الصلاة وفعل المعاصي، والآن أحمد الله أني التزمت وأصلي وتركت المعاصي، ماذا يجب عليَّ أفيدونا جزاكم الله خيراً؟ الجواب يجب عليك أن تتوب إلى الله وتسأل الله الثبات (يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك) تسأل الله الثبات، واعلم يا أخي ما مصيرك لو مت على تلك الحالة -نسأل الله العفو والعافية- ما مصيرك لو وافاك الأجل وأنت في تلك البلاد الفاسدة، فكر في نفسك يا أخي، ولكن ينبغي لك أن تكثر الآن من البكاء ندماً على ما فات منك، وعلى تقصيرك الذي قصرت به، ولا شك كما قلنا إن ترك الصلاة كفر، ولكن يا أخي كما قال الله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] والرسول ﷺ يقول: ﴿إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل﴾ فبادر بالتوبة النصوح، واحذر يا أخي من عدوك الشيطان أن تتردى بالمعاصي والذنوب بعد أن هداك الله خشية أن ينزل بك هادم اللذات وأنت مصر على هذه الذنوب والمعاصي. نسأل الله العفو والعافية، ونسأل الله أن يطهر قلوبنا وقلوبكم، وأن يثبتنا وإياكم على القول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

стр. 244

قسوة القلب بعد لينه السؤال يقول السائل: إنني ألحظ على نفسي أنني عندما أستمع الخطبة، أو الموعظة أجد نفسي متأثراً مدةً من الزمن، وبعد ذلك أعود على ما كنت عليه من المعاصي، فنرجو من فضيلتكم التكرم بوصف الداء والدواء والدعاء لنا بالهداية، جزاكم الله خيراً؟ الجواب هذا يا أخي يرجع إلى بيئتك، البيئة الخبيثة، لو كانت صالحة ما رجعت لأعمالك الخبيثة، فالرجل الذي قتل تسعة وتسعين وجاء يستفتي الراهب، قال: أنا قتلت تسعاً وتسعين نفساً، فهل لي من توبة؟ قال: لا. ما لك من توبة، فكمل به المائة، فذهب إلى عالم، وسأله: هل لي من توبة؟ قال: ومن يحول بينك وبين التوبة، ولكن عليك أن تخرج من بلدتك هذه فإنها بلدة سوء، فلما تاب وأقلع وأناب إلى الله، وخرج فاراً من بلدة السوء إلى البلدة الصالحة، فوافاه الأجل في الطريق -كما تعرفون الحديث الصحيح هذا- فنزلت ملائكة العذاب وملائكة الرحمة يختصمون فيه، ملائكة العذاب تقول: ما عمل خيراً قط، وملائكة الرحمة تقول: تاب وأقبل على الله ، فكل واحد منهم يريد أن يأخذه، فنزل عليهم ملك بصورة آدمي وحكم بينهم، فقال: قيسوا ما بين القريتين، فإلى أيها كان أقرب فهو منها، فقاسوا، فإذا هو إلى الأرض الصالحة أقرب، فقبضته ملائكة الرحمة. فكثير من الإخوان يستقيم ويتوب ويرجع، ولكن بمجرد ما يجلس مع الزميل والصديق، فإنه ينعكس عليه الأمر -نسأل الله العفو والعافية- هذا يقول له: موسوس، بمجرد ما يأتي الصباح متأثراً بالخطبة، وإذا بشيطان الإنس واقفٌ له عند الباب: هاه أراك وسوست يا فلان، أراك قصرت الثوب، وتركت اللحية أو ما وجدت أمواساً، ثم المسكين يصدم ويرى أن التمسك بالدين عيب لأن الإيمان ما تمكن من قلبه، وإلا لو تمكن الإيمان من قلبه لصبر على هذه الفتنة ودعا هذا العاصي إلى الله ، فإن أجاب فقد هداه الله على يده، وقد أقسم الرسول ﷺ لـ علي ﵁ وأرضاه: ﴿فوالله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ ولكن هذا المسكين لم يفهم، فبمجرد سماع خطبة الجمعة، وبعد جلوسه مع هذا الزميل الخبيث ينحرف قبل أن يمضي عليه يوم. فهذه يا إخواني بيئة السوء، وهذا الذي يضر الكثير الآن، الآن بعض الآباء يضرب ابنه إذا رآه يصوم الإثنين والخميس، والله إن شاباً أتاني يبكي يقول: انظر إلى ثوبي قصرته وضربني أبي حتى أطلت الثوب، بعض الآباء نقمة -نسأل الله العافية- يا أخي! الإنسان يتمنى ويتمنى أن الهداية تُشترى، اشتراها بعض الناس بدراهم، وبعض الآباء يقف حجر عثرة في طريق الأولاد سواءً كانت أنثى أو كان ذكراً، حتى بعض البنات تجدها ملتزمة -نسأل الله أن يثبتنا وإياهن- فيجدن مضايقة من أهلهن في البيوت: الموسوسة المجنونة المتزمتة، وقد ورد في الأثر أنه في آخر الزمان يعير الرجل بدينه كما تعير الزانية بزناها فينبغي للإنسان إذا هداه الله أن يلتزم الصراط المستقيم، وأن يراقب الله . يا أخي من تعصي أنت؟! أنت تعصي الله ، لا تنظر إلى عظم الذنب، ولكن انظر إلى عظم من عصيت، إلى عظمة الله ، أو إذا أردت أن تعصي الله، فاخرج من بلاد الله، ولا تأكل من رزق الله، ولا تستظل بالسماء التي بناها الله، ولا تجلس على الأرض التي بناها الله، اخرج من أرض الله إن كان لك مخرج ومفر، وإلا فاعلم أنك في قبضة الله، وأنك لا تغيب عن الله طرفة عين، فاحذر أن يراك الله على ما يكره، وحاول وجد واجتهد على أن يراك على ما يحب، يا أخي هذه نصيحتي لك، ولا تلتفت لشياطين الإنس الذين هم عثرة في طريق المهتدين. أسأل الله أن يهديهم، أو يبعدهم عن ديار المسلمين.

стр. 245

توبة مرتكب الكبائر السؤال إني أحبكم في الله وبعد: إني شابٌ عرفت طريق الحق، وصرت ملتزماً ولله الحمد والمنة، ومع ذلك فإني أقع في كبائر الذنوب، وكلما تبت، عدت مرةً أخرى، فهل إذا تبت ورجعت إلى الله توبةً صادقةً تقبل توبتي؟ هل أكون ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله مع ما ارتكبت من الذنوب والمعاصي؟ الجواب أحبك الله الذي أحببتني فيه، ثانياً: أنت ما استقمت الآن يا أخي ما دام أنك تمارس الكبائر، لأن الاستقامة والتوبة الصادقة أن يعزم الإنسان على ألا يعود إلى المعاصي، ويندم على ما فات، ويقلع، أما أنك تتوب النهار ثم إذا جلست مع أهل البلوت والكينكان والذين عندهم خادمة -نسأل الله العافية- أو مع أهل الحبوب والمخدرات انزلقت معهم، فهذه ليست توبة، هذه توبة الكذابين، ما بالك إذا هجم عليك الأجل! لو نفكر بالموت يا عباد الله دائماً، لكن نحن الآن مستبعدين للموت، نقول: ست سنوات في الابتدائي، وثلاث سنوات في المتوسطة، وثلاث سنوات في الثانوية، وأربع سنوات في الجامعة، ثم أتخرج، ثم نتطور، ثم نفسد في أرض الله، ثم نأتي ونتوب، من أين لك الأمل يا عبد الله؟ هل لك صك في هذا، والله لا نعلم هل نخرج من هذا المكان بعد أن نصلي فريضة العشاء، أم لا، والله لا ندري هل نصبح أم لا، الرسول ﷺ يضرب على منكب عبد الله بن عمر ويقول: ﴿يا عبد الله! كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل﴾ ماذا يقول هذا التلميذ المجيد؟ يقول: [[إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت، فلا تنتظر المساء]] هؤلاء الرجال، أما نحن فعندنا أمل طويل طويل، وهذا هو الذي أنسانا الموت، وإلا إذا زرنا المقابر امتثالاً لقول الرسول ﷺ : ﴿زوروا القبور، فإنها تذكركم بالآخرة﴾ زر الثلاجة في المستشفى يا عبد الله تجد فلاناً خرج الصبح وذهب إلى المكتب وإذا هو يصطدم بالسيارة، وإذا هم يتصلون بأهله ويقولون: أبوكم في الثلاجة، وهذه نهاية الإنسان يا عبد الله، لكن النهاية نهايتين: ١ - نهاية على حسن عمل، وعلى حسن خاتمة، فهذا يبشر برضوان الله . ٢ - ونهاية على سوء خاتمة، وعلى أعمال خبيثة، فيا ويله مما أمامه. فعليكم يا إخواني بالتوبة النصوح والمبادرة إلى الله ، أسأل الله أن يرزقنا توبةً نصوحاً إنه على كل شيءٍ قدير.

стр. 246

هل تشهد جوارح التائب عليه ؟ السؤال فضيلة الشيخ: ذكرتم في معرض حديثكم أن الجوارح هي التي تتكلم عن صاحبها بأعماله الخبيثة يوم الحساب، هل جوارح التائب تتكلم مع أنه تاب قبل موته، أرجو الإجابة جزاكم الله خيراً؟ الجواب التوبة تجب ما قبلها، ومن تاب تاب الله عليه، يبدل الله سيئاتهم حسنات. ربنا رءوف رحيم، ربنا كريم جواد، ما عليك إلا أن تتقرب إلى الله وتلتجئ إليه، وهو أرحم بعباده من الأم بولدها، الله أكبر لو تمسككُ امرأة في السوق ومعها ابنها ضمته إلى صدرها وتقول لها: أعطيني إياه أدوسه بهذه السيارة، ماذا تعمل؟ تصيح بكل ما تجد من الصوت، كل ذلك فزعاً لابنها هذا، فكيف بربك يا عبد الله أرحم بك من أمك ﴿لله أرحم بعبده من أمه﴾ فعليك يا عبد الله أن تتقرب إلى الله، وأبشرك أن التوبة النصوح تجب ما قبلها، وربنا جل وعلا يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] هذا مرسومٌ ملكيٌ صدر منذ أربعة عشر قرناً أو تزيد، فعليك أن تبادر إلى الله بالتوبة النصوح والله غفور رحيم.

стр. 247

القنوط من رحمة الله السؤال إن بعضاً من الناس إذا فعل المعاصي قال: لن يغفر الله لي، أو هل يقبل الله توبتي؟ أو كيف أصبر عن أصدقاء السوء؟ فما رأيكم في هؤلاء، وإني مع العلم هداني الله وأنا أنوي أن أتعلم الرقصات الغربية وأنا مع أسوء الأصدقاء، ولكن كنت أعق والدي، ومات قبل التوبة، ماذا أفعل؟ الجواب بعض السؤال أجبنا عليه، أما بعض السؤال كذلك كما قلت من قبل أن من أراد أن يتوب ويصلح نفسه يخرج عن بيئة السوء، يا أخي! ادخل السجون واجلس معهم وتحدث، ماذا يقول؟ تجد أعصابه منهارة، وأفكاره منحطة، وأخلاقه مندثرة بسبب حشيشة أهداها إليه صديقه لا كثر الله أصدقاء السوء، نعم يا أخي أصدقاء السوء الذين لا يعينونك على طاعة الله ابتعد عنهم، رزقك على الله يا عبد الله ليس رزقك عليهم، أما عقوقك لوالديك، فعليك أن تستغفر لهم وتدعو لهم، لعل الله تعالى أن يتجاوز عنك ذلك السوء الذي فعلته بوالديك (والبر سلف) كما يقال، وكما تدين تدان، لكن على من أراد التوبة النصوح أن يخرج عن بيئة السوء ويهجر الأصدقاء هجراً تاماً، وإذا تقوى إيمانه وعرف الحق على بصيرة، فإنه ينبغي له أن يدعو أصدقاءه الذين كانوا منحطين، يدعوهم إلى الله لعل الله أن يهديهم على يديه، أما ما دام الإيمان لا زال على الصفر فلا يقرب الأصدقاء، نعم الأصدقاء وباءٌ خطيرٌ الآن، والله يا إخواني إذا دخلت السجون الآن إنه يشمئز القلب، ويندى الجبين، ويقشعر الجلد، إذا سألت طفلاً لا يتجاوز الثامنة، ما الذي أتى بك؟ فيقول: صديقي أعطاني حشيشة، أعاطني حبة، أعطاني كذا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقبل أن أختم هذه الكلمة أوصي أولياء أمور الأولاد أن يحافظوا على أولادهم، حافظوا على أولادكم يا إخواننا، اتقوا الله في أولادكم، الأولاد تُرك لهم الحبل على الغارب الآن، بعض الآباء لا يدري عن أولاده -نسأل الله العافية- نعم حتى أن شرطياُ سأل بعض أولياء الأمور، قال: أين ولدك؟ قال: لي يومين ما أدري أين هو؟ يا أخي لماذا لا تدري أين ولدك؟ هذا أمانة في عنقك سوف تسأل عنه يوم القيامة. أسأل الله أن يعينا على تربية أولادنا تربيةً صالحة، وأن نختار لهم معلمي خير يدلونهم على الخير ويحذروهم من الشر إنه على كل شيءٍ قدير.

стр. 248

والدي مقصر فماذا أفعل ؟ السؤال بادئ ذي بدئ أشهد الله على حبك، فضيلة الشيخ: سؤالي محزنٌ وواقع لكثيرٍ من الناس، وهو كون والدي مقصراً في أمور دينه، ونخشى أن يتوفاه الله وهو على هذه الحال، وعند التفكّر في حاله في القبر وفي عذاب يوم القيامة أكون حزيناً جداً، مع العلم أنني حاولت قدر المستطاع لإرجاعه إلى سبيل الرشاد، ولكن دون فائدة، ما هي نصيحتكم جزاكم الله خيراً؟ الجواب أحبك الله الذي أحببتنا فيه، وأسأل الله أن يثبتنا وإياك على قول الحق إنه على كل شيء قدير، واعلم يا أخي أن الهداية بيد الله ، قال الله : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] إبراهيم ﵇ بذل قصارى جهده مع والده، ولم يؤمن أبوه -نسأل الله العافية. الرسول ﷺ بذل جهده مع أبي طالب، لأن أبا طالب كان يحوطه ويحميه من أذى المشركين، وتعرفون حالة أبي طالب عند الوفاة لما دنا أجله جاء رسول الله ﷺ عند رأسه، وعنده صناديد قريش، فالرسول ﷺ يقول لـ أبي طالب: ﴿يا عم! قل لا إله إلا الله﴾ كلمة بسيطة، ولكنه لم ينطق بها ﴿يا عم! قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله﴾ فيقول قرناء السوء له: أترغب عن ملة عبد المطلب فيعيد عليه الرسول ﷺ ، ثم يعيدون عليه، ماذا قال في النهاية؟ قال هو على ملة عبد المطلب ملة الشرك والأوثان، فالرسول قال: ﴿لأستغفرن لك ما لم أنه عنك﴾ فنهاه الله، والله أنزل في ذلك آية: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]. أبو طالب كان يحوط الرسول ﷺ ، فقيل: ﴿يا رسول! نفعت عمك بشيء، قال: نعم. إنه أهون أهل النار عذاباً﴾ أتدرون ما هو أهون أهل النار عذاباً؟ من يلبس نعلين يغلي منهما دماغه، ما يرى أن أهل النار أشد منه عذاباً، فالهداية بيد الله، أنت يا أخي اجتهد، وادع الله لأبيك أن يهديه، فإذا هداه الله، فبها ونعمت، وإلا فأنت والحمد لله ليس عليك شيء. نسأل الله أن يهدي ضال المسلمين، اللهم اهد ضال المسلمين، اللهم اهد ضال المسلمين، وثبت مهتديهم يا رب العالمين، اللهم صل على محمد.

стр. 249

بعض مخالفات الناس السؤال فضيلة الشيخ! ذكرت في محاضرتك أنك ستذكر بعض المخالفات آمل ذكرها؟ الجواب ذكرتها يا أخي الرسول ﷺ يقول: ﴿ترد على الحوض ناس من أمتي، فتردهم الملائكة، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك﴾ يا أخي! هل الفيديو ظهر في عهد الرسول ﷺ ؟ هل هذه الملاهي بأنواعها ظهرت في عهد الرسول ﷺ ؟! لا. ولكن نحن ملأنا بيوتنا منها، نعم. وعصينا الرسول: حلقنا اللحى، وتركنا الشنبات عياناً بياناً قلنا: لا سمع ولا طاعة، نحلق اللحية ونترك الشنبات، أطلنا الثياب والرسول ﷺ يقول: ﴿ما أسفل من الكعبين ففي النار﴾ وهذا خلاف سنة الرسول ﷺ ، فالمخالفات كثيرة جداً، أسأل الله أن يردنا إليه رداً جميلاً.

стр. 250

حكم مجالسة المردان السؤال سائل يقول: إن بعض الناس في زماننا هذا يتساهلون بمجالسة المردان، لا سيما الشباب وقد افتتن بذلك الكثير من الشباب، فنرجو من فضيلتكم إسداء النصيحة والتحذير من مجالسة هؤلاء الأحداث، لأن الأمر مهم جداً؟ الجواب ليس هناك شك أن خطر المردان خطرٌ عظيم، بعض العلماء دخل عليه غلام في الحمام، قال: إني أرى مع المرأة شيطاناً، ومع الغلام بضعة عشر شيطاناً -نسأل الله العافية- فلا ينبغي للإنسان أن يتهاون في ذلك، فليحذر من ذلك أشد الحذر، أسأل الله أن يهدينا لما يحبه ويرضاه.
следующие страницы →