Полный текст (1 664 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
أسباب السعادة وأسباب الشقاء
إن هذه الحياة الدنيا دار ممر وعبور، ودار هموم وغموم، وإن السعادة الحقيقية هي في دار الاستقرار والخلود في جنات النعيم، ولكن إذا أردنا أن نعيش سعداء فلابد أن نعرف أسباب السعادة فنأتيها، وأسباب الشقاوة فنجتنبها، وقد تطرق الشيخ في هذا الدرس إلى أسباب السعادة وأسباب الشقاوة، وتكلم عن السعادة الحقيقية التي هي غاية كل المؤمنين في هذه الحياة الدنيا.
стр. 2
التقوى وأسباب السعادة
إن الحمد لله؛ نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
أما بعد:
أيها الأحبة في الله: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإنها وصية الله للأولين والآخرين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٣].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أيها الأحبة في الله: الله يحث على التقوى، وإذا وجدت عندك التقوى فإنك من السعداء كما يقول القائل:
ولست أرى السعادة جمع مالٍ ولكن التقي هو السعيد
التقي هو السعيد، السعادة كل السعادة، والخير كل الخير، والعز والشرف والرفعة في الدنيا والآخرة هي التقوى، ففيها راحة القلب، التقوى يا عبد الله فيها راحة القلب وسروره، التقوى بها تزول الهموم والغموم، إذا أتى الإنسان بعواملها الأربعة التي فسرها بها علي ﵁ حيث قال: [[التقوى هي: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والتزود ليوم الرحيل، والقناعة بالقليل]] سعد بها وأسعد غيره.
стр. 3
حفظ الرأس وما حوى
الخوف من الجليل: هذا الخوف يحمل من التزمه أي أنه إذا كان الإنسان يخاف الله في السر والعلانية فإنه يحفظ الرأس وما فيه من الحواس، فالرأس فيه دواهي إذا لم تحفظها دخل الشيطان معها، الشيطان يدخل من العينين، ويدخل من الأذنين، ويدخل من الفم، فتحفظ العين من النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، فإذا حفظت النظر صار عندك سببٌ من أسباب السعادة، وتحفظ الأذنين عن سماع ما لا يحل لك استماعه، تحفظ الفم عن الكلام بما لا يحل، لذلك يقول رسول الله ﷺ : ﴿من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة﴾.
اللسان الذي يوقع في المهالك، أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه وهو الخليفة بعد رسول الله ﷺ دخل عليه عمر ﵁ وهو ممسكٌ بلسانه، قال: [[مه يا أمير المؤمنين! ما هذا يا خليفة رسول الله؟ قال: هذا الذي أوقعني في المهالك]].
إذاً: في الرأس ثلاثة مداخل، إذا لم يحفظها الإنسان فإن الشيطان يدخل منها؛ العينان والأذنان والفم، نعم فاللسان تحفظه عن الكلام بما يضر في الدين والدنيا والآخرة.
стр. 4
حفظ الفرج
ثانياً: من الخوف من الجليل وهو من أسباب السعادة: أن تحفظ الفرج كما قال ﷺ : ﴿من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة﴾ أو كما قال ﷺ ، من أي شيء يحفظ الفرج؟ يحفظ من اللواط ومن الزنا، نسأل الله العفو والعافية.
الخوف من الجليل الذي يحمل الإنسان على أن يطلب الحلال، أكلاً وشرباً ولباساً، وأيضاً من السعادة أن يحفظ الإنسان بطنه لا يدخل فيه حراماً، ويحفظ جلده أن لا يلبسه حراماً؛ فإنه عند ذلك إن دعا الله استجاب له دعاءه، لكن إذا كان يأكل الحرام والعياذ بالله، فإنه لا يستجاب له دعاء، ﴿وأي جسمٍ نبت من سحت فالنار أولى به﴾.
стр. 5
المحافظة على الفرائض والنوافل
من أسباب السعادة الخوف من الجليل بالمحافظة على أداء الفرائض، والمبادرة إليها، وهي أحب ما يتقرب العبد به إلى ربه، كما قال ربنا جل وعلا في الحديث القدسي الذي يرويه لنا رسول الهدى محمد ﷺ : ﴿وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه﴾.
ثم من السعادة التي تقربك إلى الله زلفى المبادرة إلى النوافل حتى تكون من أحباب الله ، يقول في الحديث القدسي: ﴿ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه﴾ الله أكبر ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨].
стр. 6
القيام بأمور الدين وأركان الإسلام
من السعادة المبادرة إلى القيام بأمور الدين عموماً، وفي مقدمة ذلك أداء الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، فوالله ثم والله إنها لسعادة عظيمة أن يكون الإنسان موحداً لله يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
ثم من السعادة أيضاً أن يأتي بالركن الثاني: وهو الصلاة، والثالث: إيتاء الزكاة، والرابع: صوم رمضان، والخامس: حج بيت الله الحرام إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً، إذا التزم بهذه الأركان فإنه يعيش مسلماً، ويموت مسلماً، ويبعث مسلماً.
أيها الإخوة في الله: لا يحصل ذلك إلا بعد أن يحصل الإيمان، والإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقته الجوارح، فإذا حصل الإيمان حصلت المبادرة إلى الخيرات إلى رب العزة والجلال، الإيمان إذا رسخ في القلب لا تزلزله الجبال الراسيات، عند ذلك يتلذذ الإنسان بشرائع الإسلام التي جاءت في الكتاب والسنة، حيث قال رسول الله ﷺ لما سأله جبريل ﵇ قال: ﴿أخبرني عن الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً قال: صدقت، أخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن باليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، أخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه، فإنه يراك﴾ إذا التزمت بهذه الأركان فأنت مسلمٌ مؤمنٌ بالله .
стр. 7
طاعة الوالدين
ثم من أسباب السعادة بعد التوحيد أمرٌ عظيم وهو: بر الوالدين كما قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣] الأم والأب يوصي بهما رب العزة والجلال، وقرن حقهما بعد حقه ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤] الله أكبر هذه وصية من رب العالمين، الله أكبر يا عبد الله، قرن الله حق الوالدين بحقه .
стр. 8
صلة الأرحام وبذل المعروف
ثم من أسباب السعادة: صلة الأرحام، والإحسان إلى الأرامل والأيتام، والإحسان إلى الفقراء والمساكين، هذه كلها من أسباب السعادة التي تدخل تحت الخوف من الجليل، إذا عملها الإنسان خائفاً من الله راجياً لثوابه، فإن الله يجزيه أتم الجزاء.
أيضاً من أسباب السعادة: بذل المعروف يقول الرسول ﷺ : ﴿لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق﴾ ولكن كما قلت لكم في كثير من المناسبات أن المسلمين الآن أحوالهم يرثى لها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، المسلم إذا ركب بجوار أخيه المسلم سواءً في الطائرة، أو في القطار، أو في سيارة ولم يكن بينهما معرفة ماذا يفعل فكل واحدٍ منهما يعطي صاحبه الجنب، نعم، لا يحصل سلام، ولا يحصل تعارف.
أجل أين الأخوة يا عبد الله؟ والله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] كل المؤمنين إخوة، ﴿مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى﴾ طبقوا هذا أيها الإخوة في الله! يروى في الأثر أنه يقول: [[في آخر الزمان يكون السلام للمعرفة]] إذا عرفه سلم عليه، وإذا لم يعرفه لم يسلم عليه، والرسول ﷺ يقول: ﴿لا يحل لامرءٍ مسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام﴾ ثم يقول: ﴿إذا التقى المسلمان فتصافحا تحاتت عنهما ذنوبهما كما تحاتّ الشجرة ورقها أو يغفر لهما قبل أن يفترقا﴾ لما سمعها أحد السلف تعجب لها، قال له محدثه: كيف تعجب وربنا يقول: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣].
انظر بعد الفرقة في الجاهلية جمعهم الله تحت راية وتحت كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، فمن أسباب السعادة: إذا لقيت أخاك المسلم أن تسلم عليه وأن تلقاه بوجه طلق.
стр. 9
أداء حقوق المسلم
ومن أسباب السعادة: زيارة المريض، إذا زار المسلم أخاه المريض فإنه يقال له: ﴿طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً﴾.
أيها الإخوة في الله: لما كثرت الغفلة، وكثر الإعراض والصدود يمرض المريض ويموت وقريبه لا يعلم عنه، إنما إذا حصلت حاجة أو ألمت به ملمة ذهب يسأل عنه، أين فلان؟ فلان مات منذ ثلاث سنوات، مات منذ سنتين، الله أكبر هذا واقعنا أيها الإخوان الكرام.
من حقوق المسلم على أخيه المسلم أن يزوره إذا مرض، ويتبع جنازته إذا مات، من حقوق المسلم على أخيه المسلم إذا عطس فحمد الله أن يشمته، يقول له: يرحمك الله، ثم يقول له: يهديكم الله ويصلح بالكم، هذه لا توجد عند كثير من المسلمين، حتى أن بعضهم إذا قلت: يرحمك الله، قال: عافاك الله أو يقول كلمات غير ذلك، فهدي الرسول ﷺ أنه إذا عطس وحمد الله أن يقال له: يرحمك الله، ثم يقول العاطس: يهديكم الله ويصلح بالكم.
وإفشاء السلام، ذكرت لكم السلام لكن نسينا أن نذكر كيف صيغة السلام التي ينبغي أن تكون بين المسلمين، صيغة السلام أن يقول المسلم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإن قال: السلام عليكم، كتب له عشر حسنات، وإن قال: السلام عليكم ورحمة الله كتب له عشرون حسنة، وإن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثون حسنة، فاغتنم هذا الفضل يا عبد الله، وخيركم الذي يبدأ بالسلام.
من أسباب السعادة، وهي التي تدخل تحت مرضاة الجليل جل وعلا: الوفاء بالعهود، أن يأتي الإنسان بالعهد حتى يدخل مع الذين مدحهم الله في قوله تعالى في سورة (المؤمنون) وفي سورة (سأل سائل).
стр. 10
أسباب أخرى للسعادة
стр. 11
العدل
أيها الإخوة في الله: من السعادة التي تدخل صاحبها تحت الخوف من الجليل العدل في القسمة، فإن الإنسان إذا عدل في قسمته عاش عيشة حميدة، وحياة سعيدة، أما إذا كان يجور في القسمة فالرسول ﷺ لما أتاه رجل يشهده على أنه منح أحد أبنائه منحة فقال: ﴿وهل ساويت بين أولادك؟ قال: لا قال: لا.
أشهد على هذا﴾ وفي رواية: ﴿أشهد على هذا غيري﴾ وفي رواية: ﴿لا أشهد على جور﴾ أو كما قال ﷺ ، وهذا كثير عند بعض المسلمين الذين عندهم تعدد في الزوجات، فإنهم لا يعدلون بين الزوجات ولا بين الأولاد فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولقد سمعنا من رجل له أولادٌ من زوجة أخرى يقول: أتمنى أن آخذ عقل فلان ابن الزوجة المطلقة وأجعله في ابن الزوجة التي في ذمتي، تعدى على الله ؛ لأن الله هو الذي منح ذلك العقل والبعض من الناس إذا كان له عدد من الزوجات فإنه يميل للبعض ويترك الأخر، وهذا -أيضاً- فيه وعيد، نسأل الله العفو والعافية، فلذلك هذا الذي حصل منه التنفير من بعض النساء عن التعدد لما حصل من بعض الجهال الذين لم يعرفوا كيف جاءت الشريعة الإسلامية، وكيف أمرت بالعدل، فعند ذلك صار التعدد عند بعض النساء أمرٌ عظيم يخيفهن نسأل الله العفو والعافية، كل هذا مما جنى به بعض الذين لم يرتووا من آداب الإسلام ولا من الشريعة الإسلامية، وإلا لو حصل العدل من الرجال، أو من بعض الرجال الذين حصل عندهم التعدد لما حصل ذلك النفور من بعض النساء، فعلى الإنسان أن يتقي الله ويعدل في قسمته؛ فإن ذلك من أسباب السعادة أيها الأخوة في الله! لأنك إذا عدلت بين الأولاد تكون بينهم محبوباً، ويجلونك ويوقرونك ويحترمونك، أما إذا وهبت بعضهم وتركت البعض فإنك تكون عند ذلك محزوناً ومهموماً لما ترى من بعضهم من العقوق نسأل الله العفو والعافية، فهذا ينافي الحياة السعيدة.
стр. 12
حفظ القلب
من أسباب الحياة السعيدة حفظ القلب الذي وصفه رسول الله ﷺ قال: ﴿ألا وإن في الجسد مضغة﴾ مضغة صغيرة، هذا القلب الذي بقدر ما يمضغ الإنسان قطعة اللحم ﴿ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله﴾.
بأي شيء يصلح هذا القلب؟
القلب يصلح إذا ملئ بالإيمان، إذا ملئ بذكر الله ، إذا استقام على طاعة الله ، ولا شك أن القلب هو الملك المسيطر على الأعضاء، القلب هو الذي تأتيه الإخبارية من العينين ومن الأذنين ومن اللسان، ثم القلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه نسأل الله العفو والعافية.
فالقلب يحتاج إلى حفظ، يحفظ من الشيطان؛ لأن الشيطان يدخل على القلب، الخناس قيل إنه مثل الحية يلتوي على القلب فإذا ذكر الله العبد انخنس أي: اختفى وابتعد عن القلب، أما إذا غفل فإن الغفلة تطم على القلب، وتزداد عليه الغفلة، وكذلك يطبع عليه ثم يكون من القلوب التي طُبع عليها في قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤].
المكاسب لها دخلٌ في القلب يا عبد الله، المكسب الحرام له دخلٌ في القلب، فعليك أن تطيب مكسبك حتى تستجاب دعوتك كما ذكرت لك في الكلام السابق.
أيضاً: القلب جوهرة عظيمة منحها الله لبعض العباد، وحفظ القلب والله إنه من السعادة؛ لأنك إذا دخلت فيمن مدحهم الله في كتابه، حيث قال: أولو الألباب، ومن الأمور التي مدح بها أولو الألباب أنهم كانوا يتفكرون في خلق السماوات والأرض، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩١].
أولو الألباب: القلوب النظيفة، قلوبهم تدلهم على عظمة الله وعلى وحدانيته، وعلى انفراده بالملك والخلق والإيجاد والتدبير ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية:٣٦ - ٣٧].
فهنيئاً للمتقين فهم السعداء الذين يعملون بالتنزيل وهو القرآن العظيم، يؤمنون أنه كلام الله وجل، منزل غير مخلوق، يعملون بالمحكم منه ويؤمنون بما تشابه منه، ويصدقونه على الوجه المطلوب، فهؤلاء يكونون من أهل السعادة؛ لأنهم التزموا بما التزم به أهل السنة والجماعة، مستسلمين ومنقادين لأوامر القرآن ولنواهيه استجابة لقول الحق جل وعلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣] ومستجيبين لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] ومعتصمين أيضاً بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٧ - ٧٨].
فالسعادة -أيها الإخوة في الله- كل السعادة في التمسك بكتاب الله جل وعلا، والاهتداء بهديه ﷺ .
стр. 13
القناعة والرضا بما قسم الله
ثم من السعادة التي تقر بها عين المؤمن: القناعة والرضا بما قسم الله له، فالمؤمن تجده قرير العين، لا يتطلب بقلبه أمراًَ لم يقدَّر له، بل ينظر إلى من هو دونه ولا ينظر إلى من هو فوقه، آخذاً بتوجيهات رسول الله ﷺ ، حيث قال ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم﴾ فيا لها من وصية نافعة، ويا لها من آدابٍ حميدة، فإن العبد إذا نصب بين عينيه هذا الملحظ الجليل؛ رآه يفوق خلقاً كثيراً في العافية وتوابعها، وفي الرزق وتوابعه، مهما بلغت به الحال، عند ذلك يزول القلق والهم والغم من قلبه، ويزداد سروره واغتباطه بنعم الله التي فاق فيها غيره.
أيها الإخوة في الله: في ذلك يقول ﷺ : ﴿انظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم﴾ فهذا مشاهد وصحيح لو أخذ به كل إنسان ما تحمل الديون، ولا تحمل أكل الربا ومؤاكلة المرابين؛ لأنه إذا رضي بالله رباً، وقنع بما آتاه الله كما يقول العامة: اجعل لحافك على قدر رجليك، وهذا ناصح يقول:
خذ القناعة من دنياك وارض بها لو لم يكن لك إلا راحة البدن
لذلك لو نظرنا إلى أحوال رسول الله ﷺ فهو القدوة ﷺ ، فرسول الله ﷺ كان يربط على بطنه الحجر من الجوع، ويمضي عليه وعلى أهله ثلاثة أهلة ما أوقد في بيوته نار، وينزل عليه ضيف ولا يجد في بيوته إلا ماءً ﷺ ، وقد خيره الله جل وعلا أن يجري له بطحاء مكة ذهباً فأبى وقال ﷺ : ﴿أشبع يوماً فأشكرك وأجوع يوماً فأذكرك﴾ فصلوات الله وسلامه عليه.
أيها الإخوة في الله: إن كنتم تريدون القدوة الحسنة فهذا رسول الله ﷺ ، وهذا هو منهجه باقٍ إلى يوم القيامة، رسول الله ﷺ يرفض الدنيا كارهاً لها، وابتعاداً عن الركون إليها، وقناعة بما آتاه الله؛ لأنه ﷺ حكم بالفلاح والفوز في الدنيا والآخرة للمسلم الذي رزق رزقاً حلالاً بقدر الحاجة وقنع به؛ فقال ﵊: ﴿قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه﴾.
البعض من الناس لا يعرف هذه القناعة نسأل الله العفو والعافية، حتى إنه ذكر أن رجلاً من الذين يبيعون ويشترون يقول: يا ليت الليل لم يأتِ حتى يبقى في لهوه وغفلته، إنا لله وإنا إليه راجعون!
فالقناعة -أيها الإخوة في الله- كنز لا يفنى، لو قنع كل إنسان بما رزقه الله لارتاح قلبه، ولأقبل على الله بقلبه وقالبه، ولكن الآن انظروا كيف نأتي إلى الصلاة وقد تشعبت أفكارنا في أودية الدنيا، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا والله ينبئ أننا لم نقنع بالقليل، فنسأل الله أن يرزقنا القناعة إنه على كل شيء قدير.
أيها الإخوة في الله: إن من أعظم أسباب السعادة الإيمان والعمل الصالح قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧].
إن كان فقيراً، لكن حصل عنده الإيمان والعمل الصالح، فهو في نعمة وفي راحة بال وهدوء وطمأنينة، لذلك كانت الدنيا لا تزن عند الصحابة ﵃ جناحاً وطلب منهم رسول الله ﷺ أن يجودوا بشيء من أموالهم في غزوة تبوك، فأخذوا يتسابقون ﵃، أما أبو بكر الصديق فقد أتى بجميع ماله ﵁، وقال له رسول الله ﷺ : ﴿ما تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله﴾ وأما عثمان فجاء بألفي ناقة، وأما عمر بن الخطاب فجاء بنصف ماله ﵁، تتابعت التبرعات السنية من أولئك الرجال الذين تسكن في قلوبهم الدنيا، أما نحن إذا طلبت منَّا التبرعات فلا تسأل ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ كأننا نقطع من لحمنا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، لذلك عبد الرحمن بن عوف رضي الله كان يطوف بالبيت ويقول: [[اللهم قني شح نفسي، اللهم قني شح نفسي، اللهم قني شح نفسي ويسأله بعض الصحابة: أما تعرف غير هذا الدعاء؟ فيقول إذا وقاني الله شح نفسي فأكون من المفلحين كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]]].
أو كما قال ﵁ وأرضاه.
أيها الإخوة في الله: وعد الله من جمع بين الإيمان والعمل الصالح بالحياة الطيبة في هذه الحياة الدنيا، وبالجزاء الحسن في دار القرار والنعيم واللذة والبهجة والسرور، فالمؤمن يتلقى المحآبّ والمسارّ بقبولٍ لها وشكرٍ عليها، واستعمالٍ لها فيما ينفع، فإذا استعملها المؤمن على هذا الوجه أحدث له من الابتهاج بها، والطمع في بقائها على هذا الوجه سروراً؛ لأنه يعلم أنه إذا شكر الله فإن الله يزيده كما قال تعالى: ﴿ولَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧].
كذلك المؤمن يتلقى المكاره والمضار والهم والغم بالمقاومة لما يمكنه مقاومته، وتخفيف ما يمكنه تخفيفه، وكذلك الصبر لما ليس عنه بدٌ، ولذلك يحصل له من آثار المكاره والصبر واحتساب الأجر والثواب أمور عظيمة، تضمحل معها المكاره وتحل محلها المسار والآمال الطيبة، والطمع في فضل الله وثوابه، لذلك أخبر ﷺ وهذا خاص بالمؤمن -أيها الإخوة في الله- قال ﷺ : ﴿عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن﴾.
стр. 14
ذكر الله والتحدث بنعم الله
أيها الأحبة في الله: من أسباب السعادة الإكثار من ذكر الله ، وفي مقدمة ذلك تلاوة القرآن العظيم، الذي من قرأ منه حرفاً فإن الله يجزيه بعشر حسنات، القرآن يا عبد الله يقول النبي ﷺ : ﴿لا أقول الم حرف ولكن ألفٌ حرف، ولام حرف، وميمٌ حرف﴾ ثلاثة في عشرة بثلاثين حسنة، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.
في مقدمة الذكر تلاوة كتاب الله العزيز، فإن له نتائج كثيرة، يشرح الله بها الصدر، ويطمئن بها القلب كما قال الله تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
ومن أسباب السعادة الإكثار من التحدث بنعم الله جل وعلا، فإن ذلك يحث العبد على الشكر الذي هو أرفع المراتب وأعلاها، لذلك يقول ﷺ : ﴿إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها﴾ وهذا فضلٌ عظيم يا عبد الله، فالغنيمة الغنيمة، لذلك يقول محمد بن عبد الوهاب ﵀: أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة، وأن يجعلك ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر، ثم قال ﵀: فإن هذه الثلاثة عنوان السعادة.
стр. 15
تقوى الله وقصر الأمل في الدنيا
أيها الإخوة في الله: من أسباب السعادة: الاستعداد ليوم الرحيل وتقصير الأمل، ليس من السعادة الفرحة بالأموال وغيرها، لا.
السعادة كل السعادة هي التقوى، وإذا أردت أن تزداد في التقوى فقصر من أملك في الدنيا، يقول بعض الناس: لماذا تقول هذا؟ أقول: قال رسول الله ﷺ يوصي عبد الله بن عمر ﵁: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل﴾ وماذا يقول ابن عمر رضي الله؟ يقول: [[إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح]] لو أًخذنا بوصية رسول الله ﷺ لرقت القلوب، ولأقبلنا على طاعة الله ، ولكن لما امتلك حب الدنيا القلوب، وسكن فيها قست، والرسول ﷺ يقول: ﴿اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن دعاء لا يستجاب له﴾ من منّا يبكي إذا تليت عليه آيات الله؟ ندعو الله ، كم دعونا الله! وكم اسغثنا ولم يستجب لنا، لأننا منهمكون في حب الدنيا، وصار البعض منَّا لا يبالي ما أخذ؛ أمن الحلال أم من الحرام، أكثر ما استحوذ على الناس اليوم أكل الربا أيها الإخوة في الله! البعض من الناس يأخذ أجرة ولم يقابلها بعمل، فإنا لله وإنا إليه راجعون ﴿يأتي على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا والذي لم يأكله يأتيه من غباره﴾ أو كما قال ﷺ .
إذاً لو خلصنا قلوبنا من هذه الشوائب وأكلنا الحلال الطيب، ثم رفعنا أيدينا لرب العزة والجلال لاستجاب لنا؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:٥٥ - ٥٦].
وأي فسادٍ أكبر من إعلان الربا، أي فسادٍ أكبر من إعلان الأغاني في البيوت والشوارع، أي فسادٍ بعد إعلان التبرج من النساء في الشوارع، أي فسادٍ بعد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي فساد وأي فساد وأي فساد، ثم نخرج ونستغيث، وابن عباس ﵁ في القرون المفضلة يقول: [[أنتم تنتظرون المطر وأنا أنتظر حجارة تنزل من السماء]] الله المستعان! الله المستعان أيها الإخوة في الله! فما أكثر أسماء السعادة الآن، الحلاق كتب على دكانه عنوان: حلاق السعادة، لماذا؟ لأنه يفتخر بحلق اللحى، ويضع التوليت، ويضع حلاقة مايكل وما إلى ذلك من أسماء أعداء الإسلام التي دخلت علينا، أما المطاعم تجد عنوانه: مطعم السعادة؛ لأنه أعد فيه المأكولات، بايع أشرطة الفيديو تجده تسجيلات السعادة للفيديو كذا وكذا، وهو يروج سعادة الشيطان، يروج الأفلام الخبيثة، يروج أفلام الشر والعار فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 16
السعادة الحقيقية
كثرت أسماء السعادة، ولكن ما هي السعادة الحقيقية؟ السعادة الحقيقية هي: الفرح إذا قيل له يوم القيامة سعد فلان ابن فلان سعادةً لا يشقى بعدها أبداً، ثم ماذا يقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢١].
اسمع السعادة يا عبد الله! في قول الله: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:٢٢ - ٢٣] ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الغاشية:١٠ - ١١].
ثم ماذا يقال لهم في دار السعادة؟ ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤].
هذه السعادة يا عبد الله، هذه السعادة، سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، على رءوس الخلائق، كل الأولين قد جمعوا في يومٍ واحد، في صعيد واحد، وينادى على اسمك يا عبد الله هذه هي السعادة يا عبد الله، السعادة إذا قيل لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤].
فيا لها من سعادة إذا دخلوا ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [محمد:١٢] ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد:١٥] ليس اللبن الذي ببقالة السعادة الآن، لا، هذا يعتريه الحموضة ويعتريه الخراب والفساد وإنما هذا لبن في الجنة، ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد:١٥].
وخمر الجنة لا يذهب العقول، ولا يذهب الشرف، ولا يقضي على المروءة والشيمة، لا يحملها على أن يفعل بأمه أو محارمه، خمر الجنة خمر التلذذ والنعيم يا عبد الله قال تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً﴾ [محمد:١٥].
ولهم فيها من جميع الثمرات، يا لها من سعادة عندما يحلون فيها من أساور من ذهب، ويلبسون فيها ثياباً خضراً من سندسٍ واستبرق، فيا لسعادتهم وهم في تلك القصور المبنية بلبنة من ذهب ولبنة من فضة، ولهم فيها حورٌ حسان، اسمع يا عبد الله الحور الحسان نسأل الله الكريم من فضله أن يجعلنا من أهل الجنة إنه على كل شيء قدير، نسأل الله أن يزوجنا من تلك الحور الحسان التي ما عرفت الأسواق ولا تبرجت ولا ظهرت على الشاشة.
أيها الإخوة في الله: والله لو تصورنا تلك الحوراء لما نظرنا إلى نساء الدنيا، ما بالك بامرأة إذا تبسمت أضاء القصر من تبسهما، ما ظنك بزوجة تنظر إلى وجهك في صحن خدها، اللهم إنا نسألك من فضلك الله أكبر! لكن ما وضعت المكياج ولا الحاموراء تفتن الناس في الأسواق، لا.
﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] اللهم إنا نسألك من فضلك، المهر موجود في هذه الحياة الدنيا، لا يوجد أحد يقول: المهر صعب، في أمريكا في الاتحاد السوفيتي من أين نستورد وليس عندنا مال، لا.
مهرها العمل الصالح بعد أن يرضى الله عليك ويدخلك الجنة برحمته إنه أرحم الراحمين.
عند ذلك تتكئ مع تلك الزوجة على الأريكة سبعين عاماً وأنت سعيد، الله أكبر اللهم إنا نسألك من فضلك، ومع ذلك ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦] ومع ذلك لا تحيض، ولا يصيبها النفاس، ولا تمتخط ولا تبول، ولا يخرج منها غائط، نظيفة طاهرة عفيفة، إذا قمت منها عادت بكراً، ومع ذلك لا تحتاج إلى مقوي من الصيدلية، قد أعطاك الله قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع، لكن احفظ هذه القوة يا عبد الله، احفظها بطاعة الله حتى تتمكن من ذلك النعيم الذي لا يزول ولا يحول، أما الذين يذهبون الطيبات في حياتهم الدنيا، فلا تسأل عنهم في أي وادٍ يهلكون.
أيها الإخوة في الله: من السعادة الأبدية أن تكون بجوار رب العالمين في تلك الجنة، ما تسمع أخبار الحرب القنبلة الذرية التي يفجرونها في اليوم كذا، الصاروخ الذي يوجهونه إلى كذا، أبداً آمن في جنات النعيم في جوار أرحم الراحمين.
أيها الإخوة في الله: البدار البدار إلى ذلك النعيم إلى تلك اللذة في جوار أرحم الراحمين.
ثم أنت بصحبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، في تلك الجنة التي فيها مالا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر.
عبد الله تسمّع في دار السعادة إذا قيل هلموا إلى زيارة رب العالمين، ووضعت المنابر والكراسي، وجلست أدناهم وما فيهم دني؛ على كثبان المسك، فيا لها من فرحة وسرور إذا خاطبهم رب العزة والجلال في ذلك الوادي الأفيح! ثم يا لها من الفرحة والسرور إذا قيل لهم: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت؛ فإنها والله ثم والله هي السعادة، وليست السعادة كما يزعم البعض من الناس أنها بجمع الأموال، وبعضهم يراها في صحة البدن والأمن والاستقرار، وبعضهم يرى أن السعادة تكون في المساكن الواسعة، والمآكل اللذيذة، والزوجة الحسناء، وكل ذلك لا يمنع من التمتع بها إذا كانت حلالاً طيباً، ثم إذا استعان بها على طاعة الله.
стр. 17
أسباب الشقاوة
أيها الإخوة في الله: ننتقل إلى أسباب الشقاء ونسأل الله العفو والعافية قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] أخبر العاصي يا عبد الله، بقول الله : ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٥] لإعراضك عن الله وابتعادك عن ذكر الله، قال تعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ [الأعلى:١١ - ١٣].
стр. 18
عدم الخوف من الله والتكذيب بما جاء في القرآن
من أسباب الشقاوة أيها الإخوة في الله: عدم الخوف من الله جل وعلا، مثلما يعمل المنافقون تجدهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والعياذ بالله، الآن يوجد منافقون، لا تظنون أن المنافقين انتهوا؛ وأنه لا يوجد منافقون الآن، إذا جلسوا مع الناس أظهروا التنسك والعبادة، وإذا خلوا برب العالمين بارزوه بالمعاصي فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله.
من أسباب الشقاوة عدم الخوف من الله جل وعلا، لذلك الذي هذه حياته أورثه الله ضنكاً في الدنيا فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيقٌ حرج لضلاله وإن تنعم ظاهره، لبس ما شاء وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن الشقي قلبه قلق؛ لأنه لم يَخلص اليقين إلى قلبه فهو في شكٍ وفي ظلمات يتخبط بها، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.
من أسباب الشقاوة -أيها الإخوة في الله- التكذيب والإعراض عن اتباع ما جاء القرآن العظيم، قال الله تعالى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾ [طه:١٠٠ - ١٠١].
стр. 19
عدم الانتفاع بالأذان وارتكاب الكفر والمآثم والعظائم
أيضاً من أسباب الشقاوة: عدم الفقه بالقلب، ومن الشقاوة عدم النظر إلى آيات الله والاعتبار.
ومن الشقاوة أيها الأحبة في الله: عدم الانتفاع بالآذان فلما أضاعوا هذه الحواس واستخدموها في غير مرضاة الله توعدهم الله قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩].
من أسباب الشقاوة: ارتكاب الكفر والمآثم والعظائم التي توبق أهلها في نار الجحيم بإعراضهم عن آيات الله، وتكذيبهم بها، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٥] واسمعوا إلى عذرهم وهم في دركات الجحيم، قال الله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦] ثم هم ينادون في فجاج جهنم وهم يسحبون في أوديتها: يا ويل أهل الشقاوة، ينادون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧] يا لطول مكثهم، ويا لكثرة همهم وغمهم، ويا لكثرة بكائهم وارتفاع أصواتهم، وهم ينادون بأعلى أصواتهم ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧] فأي شقاءٍ أشد من شقائهم؟! وأي عناءٍ أشد من عناهم؟! وهم كما أخبر الله عنهم: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٦ - ١٧] وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ:٣٣] فلو رأيتهم والأغلال في أعناقهم يسحبون في نار جهنم قد اسودت عيونهم، طعامهم الزقوم والضريع، وشرابهم الحميم في الجحيم، أتظن يا عبد الله أن الشقاوة أمرها سهلٌ، بل أمرها عظيم، انظر إلى من أضاع الصلاة واتبع الشهوات، فسوف يلقى غياً، وما أدراك ما غيٌ، هو وادٍ في جهنم شديدٍ حره، وبعيدٌ قعره، منتنٌ ريحه، قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩].
يا تارك الصلاة! هل لك جلدٌ على سقر؟ إنها طبقة من طباق جهنم.
يا تارك الصلاة! ما بالك إذا مت من غير توبة، هل لك جلدٌ على سقر؟
стр. 20
الشرك بالله وارتكاب المعاصي والمحرمات
من الشقاوة الإشراك بالله، وقتل النفس وارتكاب الزنا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠].
ومن الشقاوة استماع الأغاني وضياع الأوقات بغير ذكر الله، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان:٦].
ومن الشقاوة: أكل الحرام، من الشقاوة: الغيبة، ومن الشقاوة: النميمة، ومن الشقاوة: الغش، ومن الشقاوة: أكل الربا، فهل لك على النار جلد يا عبد الله؟
فالحذر الحذر، من نارٍ وقودها الناس والحجارة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:٢ - ٧] هل يستوي ذلك يا عبد الله؟ و ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية:٨ - ١٦].
هل يستوي ذلك يا عبد الله؟ ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ [النازعات:٣٤ - ٣٥] يا لها من شقاوة، يا لها من شقاوة ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النازعات:٣٦ - ٣٨] أي: تمادى في الطغيان والشقاوة ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:٣٩ - ٤٠] أي: عمل بأعمال أهل السعادة ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤١].
اللهم اجعلنا من أهل الجنة ولا تجعلنا من النار، اللهم اجعلنا من أهل الجنة ولا تجعلنا من أهل النار؛ يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 21
إليك أختي المسلمة
على المسلم أن يؤمن بكل ما أخبر به الله في كتابه وما أخبر به رسول الله ﷺ في سنته من الأمور الغيبية، كالإيمان بما بعد الموت أو في حال الموت من السكرات التي تحصل لكل من أشرف على الموت والتي لم ينج منها أحد حتى رسول الله ﷺ ، وعلى المسلم أن يكثر من الأعمال الصالحة في الدنيا حتى يختم له بالخاتمة الحسنة، وحتى ينجو من أهوال يوم القيامة الذي تشيب لهوله الولدان، وتضع فيه كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى.
стр. 22
الحاجة إلى الموعظة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٣].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٨ - ١٩].
أما بعد:-
فإن أصدق الحديث كلام الله, وخير الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
أيها الإخوة في الله: أحييكم بتحية الإسلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم، أن يجعل هذه الندوة مباركة على من سعى فيها, وعلى من اجتمع فيها, وعلى من سعى إلى الوصول إليها, وأسأل الله رب العرش العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن نسمع بمثلها في جميع بلادنا, وجميع بلاد المسلمين, وأسأل الله رب العرش العظيم أن ينفع بها وأن يوقظ بها القلوب النائمة, وأن يعزز بها الأقدام العاثرة, إنه على كل شيء قدير, وأن يجعلها زيادة في تثبيت المهتدين إنك على كل شيء قدير.
أيها الإخوة في الله: يقول الصحابي الجليل ﵁: ﴿وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب, وذرفت منها العيون, فقلنا: يا رسول الله! كأنها وصية مودع -أو كما قال ﵁ فأوصنا يا رسول الله! قال: عليكم بالسمع والطاعة ثم قال ﷺ : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة﴾.
أيها الإخوة في الله: ما أحوجنا إلى أن نتعظ, وبأي شيء نجد المواعظ, مهما بحثنا، ومهما ذهبنا وجئنا، لن نجد ذلك إلا في القرآن العظيم، الذي هو كلام رب العالمين، الذي أنزله على رسوله الأمين ليبلغه، فصلوات الله وسلامه عليه, ما مات حتى بلغ الرسالة, وأدى الأمانة, ونصح الأمة, وتركها على البيضاء ليلها كنهارها, ثم أنزل الله -جل وعلا- عليه قبل أن يموت ﷺ في آخر لقاء لقي فيه المسلمين في حجة الوداع, أنزل الله عليه قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣].
فيا ويل من ابتغى غير الإسلام ديناً, اسمع ماذا قال الله جلَّ وعلا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
стр. 23
سكرات الموت وحسن الخاتمة
أيها الإخوة في الله: أسأل الله أن ينمي شجرة الإيمان في قلوبنا، حتى نتصف بهذه الصفات، التي ذكرها الله في كتابه, في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال:٢ - ٣] ثم ختم الله لهم بهذا الختم فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ [الأنفال:٣] نسألك اللهم من فضلك, اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين, نؤمن بالأمور الغيبية، التي ذكرت لنا ولم نرها حقيقة، ولكن نؤمن بها وأننا سوف نعاينها, ومن ذلك -أيها الإخوة في الله- هادم اللذات, كم ذكر لنا مما فيه من السكرات, ومن الغصص التي ذاقها رسول الله ﷺ , وسوف نذوقها إذا انطرحنا على الفراش، وأصبحت الأيدي تقلبنا يميناً وشمالاً، ولا حول لنا ولا قوة, قد أغرورقت العينان بالدموع, ويبس اللسان, فلا تسأل عن أحوالنا في تلك الأحوال: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩].
أعطونا الطبيب، أعطونا المداوي، أعطونا الراقي: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠] فهنيئاً لمن كان آخر كلامه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] إن المؤمن إذا قيل له: قل لا إله إلا الله, يبتسم وتظهر على وجهه البشرى، ويقول: لا إله إلا الله؛ لأنه أحب لقاء الله, فأحب الله لقاءه, قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] ثم استقاموا على طاعة الله, ما جزاؤهم عند الوفاة، قال تعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت:٣٠] يا لها من بشرى! ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١] ورب العزة أيضاً يقول في الحديث القدسي: ﴿أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر﴾.
فالبدار البدار -أيها الإخوة في الله- إلى هذه المنازل العالية, قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية:٨ - ١٦] هذا الذي في الجنة -يا عبد الله- لا سخط ولا إزعاج, نسأل الله الكريم من فضله.
أيها الإخوة في الله: المؤمن عند حالة الاحتضار له حالات طيبة، منهم من يقرأ كتاب الله, ومنهم من يكرر كلمة التوحيد: لا إله إلا الله, ومنهم من يؤذن: الله أكبر، ولكن المصيبة الذي يختم له بسوءٍ والعياذ بالله, الذي يقول عند الموت: تانا لاتانا تانا!! الذي عاش مع الأغاني, أو الذي يقول: تتنٌ حار تتنٌ حار الذي أتعب نفسه مع شرب الدخان, أو الذي يقول: ناولونا الكأس ناولونا الكأس أو الذي عاش مع المخدرات، أو الذي عاش يغازل النساء، كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀: أن رجلاً خرجت روحه وهو يكرر بيتاً من الغزل والعياذ بالله, قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢ - ٤] انظر الفرق -يا عبد الله- وفرق يا أخي بالجوهرة التي رزقك الله إياها بهذا العقل، بين أولئك وبين هؤلاء: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:٢ - ٧] نسأل الله العفو والعافية, هذا والله الفرق أيها الإخوة في الله.
стр. 24
سبب خلق الله للعباد
نحن الآن في زمن الإمكان، في دار المزرعة في هذه الدنيا, والله خلقنا لأمر عظيم، خلقنا لعبادته, قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨] خلقنا في هذه الدنيا لنعمل الصالحات، ثم وُكِل بنا ملائكةٌ كرام عن اليمين وعن الشمال قعيد قال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٧ - ١٨] هذا يكتب الحسنات وهذا يكتب السيئات, ثم إذا متنا وانتهينا من هذه الدنيا ووضعنا في القبور؛ ففريق في روضة من رياض الجنة, وفريق في حفرة من حفر النار, هؤلاء ينعمون في تلك الحفرة، وهؤلاء يعذبون.
ثم إذا أراد الله لهذا العالَم انتهاءً كلياً أمر إسرافيل ﵇ أن ينفخ نفخة الصعق؛ فيموت من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ثم يموت ملك الموت الذي وُكِل بقبض الأرواح يموت ولم يبق إلا الله, ثم ينادي رب العزة والجلال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ﴾ [غافر:١٦] ذهبت الملوك والوزراء والأمراء والرؤساء: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ﴾ [غافر:١٦] ثم يجيب نفسه بنفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] ثم يأمر إسرافيل ﵇ فينفخ في الصور، فتخرج منه الأرواح تتوهج وتذهب إلى أهلها، ليبعث الله من في القبور قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس:٥١] ثم قمنا ننفض التراب عن رءوسنا, لا إله إلا الله: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٣] أين آلاف السنين التي مضت عليكم؟ ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣] ثم يقول الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] تعالى الله أن يخلق الخلق عبثاً.
стр. 25
أهوال يوم القيامة
ثم يبعثهم ليوم القيامة وذلك اليوم العظيم فيه أمور عظيمة، وشدائد وأهوال: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ [النازعات:٣٤ - ٣٥] يتذكر ما سعى في هذه الحياة الدنيا.
الله أكبر -يا عباد الله- يا ويل من أضاع هذه الحياة الدنيا باللهو والغفلة والإعراض, وهنيئاً لمن اشتغل في طاعة الله وفي ذكر الله وخاف مقام رب العزة والجلال, هنيئاً لمن اتقى الله .
أيها الإخوة في الله: اسمعوا ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٣٤ - ٣٩].
стр. 26
الوقوف بين يدي الله
اسمعي أيتها الأخت المسلمة! اسمعي يا أختي في الله! إن أمامكِ أمر عظيم، سوف تخرجين من القبر حافية، عارية، أنت والرجال جميعاً في موقف واحد, فاتقي الله وخافيه أيتها المرأة فإنك سوف تقفين في يوم عظيم، بين يدي رب العزة والجلال, كما وصف الله حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١] متى؟ ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ [الحج:٢] يا له من يوم عظيم, الله أكبر لو نتفكر في ذلك اليوم العظيم: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ [الحج:٢] والله ما بهم سُكَار، والله ما فيهم من سكارى ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢].
عباد الله: تذكروا ذلك الموقف العظيم, عندما تخرجون من القبور, حفاة عراة غرلاً, قالت عائشة ﵂: ﴿يا رسول الله! الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: الأمر أشد من أن يهمهم ذلك﴾ إي والله إن الأمر أشد من أن يهمهم ذلك, كيف ينظر بعضهم إلى بعض؟! وقد خشعت الأبصار للحي القيوم, كيف ينظر بعضهم إلى بعض والشمس قد نزلت عليهم كمقدار ميل؟ كيف ينظر بعضهم إلى بعض والعرق بلغ منهم مبلغه, والعرق ذهب في الأرض سبعين ذراعاً؟ كيف ينظر بعضهم إلى بعض وقد جيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها؟ كيف ينظر بعضهم إلى بعض وقد أحاطت بهم الأملاك سبعة صفوف؟ ونزلت الملائكة ليحيطوا بأهل الموقف فأين المفر؟ أين المفر يا عبد الله وأنت على صعيد مستوٍ, ليس فيه جبال ولا وهاد, أين المفر يا عبد الله؟ لا إله إلا الله, اللهم ارحم ضعفنا, إذا وقفنا حفاة عراة وقد خشعت منا الأبصار في ذلك اليوم العظيم, اللهم ارحم ضعفنا يا رب العالمين، اللهم ارحم ضعفنا يا أرحم الراحمين.
стр. 27
الشفيع يوم القيامة
عباد الله: تذكروا إذا ماج الناس في ذلك اليوم العظيم, إذا اختلطت الأقدام, واشتد الزحام, وقالوا: ﴿انظروا إلى من يشفع لنا عند ربنا, الله أكبر الله أكبر -يا عباد الله- تذكروا عندما يأتي الناس إلى آدم ﵇ فيقولون: يا أبا البشر ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: لست لها لست لها اذهبوا إلى غيري فيعتذر آدم, ويعتذر نوح, ويعتذر إبراهيم, ويعتذر موسى, ويعتذر عيسى ويقول لهم عيسى: اذهبوا إلى محمد فإنه قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر, فيأتون إلى رسول الله محمد ﷺ ، اللهم لك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد, اللهم اجعلنا من أمة الإجابة, الذين أجابوا داعي الله, اللهم اجعلنا ممن يقتدي على أثره إلى أن يلقاه على الحوض يا رب العالمين، ثم يأتون إلى رسول الله فيقولون: يا محمد! ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ اشفع لنا إلى ربك، اشفع لنا إلى ربك، فيقول: أنا لها، أنا لها، أنا لها ﷺ , فيخر تحت العرش ساجداً ويقول الله له: ارفع رأسك يا محمد! -يا لها من فضيلة, يا لها من نعمة يا أمة الإسلام، اعرفوا قدر هذا الإسلام, اعرفوا قدر هذا النبي الكريم محمد ﷺ وقل يسمع, وسل تعط, واشفع تشفع, ماذا يقول ﷺ ؟ فيرفع رأسه فيقول: يا رب! أمتي أمتي -هنيئاً لأمة محمد ﷺ , عندما يقول: يا رب! أمتي أمتي - فيقول الله : يا محمد! أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من باب الجنة الأيمن﴾ الله أكبر نسأل الله الكريم من فضله, أو كما ورد في الحديث الصحيح.
ولكن المصيبة -يا عباد الله- والكسر الذي لا يجبر، الذي ابتعد عن هدي الرسول ﷺ , الذي عصى ولم يطع ويمتثل أوامر الرسول ﷺ , ماذا يقال له إذا ورد الحوض؟ ﴿يرد أناس من أمته الحوض، فتردهم الملائكة -تذودهم-, فيقول: يا رب! أمتي أمتي، فيقول: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك, إنا لله وإنا إليه راجعون, فيقول: سحقاً سحقاً﴾ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 28
المرور على الصراط
عباد الله: تذكروا الصراط إذا نصب على متن جهنم, ثم تذكروا الأنبياء وهم على جنبتي الصراط, ودعاؤهم يومئذ: اللهم سلم سلم, ثم تذكر يا عبد الله ممن أنت؟ هل من الذين ينجون كالبرق الخاطف, أو كأشد الرجال عدواً, أو كأشد الرحال, أو ممن يزحف زحفاً, أو يهوي في نار جهنم وبئس المصير, هل تدري من ينجو يا عبد الله على ذلك الصراط؟ هم المتقون, قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧١ - ٧٢] اللهم اجعلنا من المتقين.
стр. 29
نصائح للنساء
أيها الإخوة في الله: الله الله في طاعة الله, أيتها الأخت المسلمة، أحذركِ بحديث ورد عن رسول الله ﷺ , أحذركِ مما ورد في هذه الأزمنة المتأخرة, من التشبه بالكافرات العاهرات، حديث وصفه لنا رسول الله ﷺ ، وقد ظهر لنا رأي العين في هذه الأزمنة المتأخرة، يقول فيه ﷺ : ﴿صنفان من أهل النار وذكر من هذا الصنف: نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة, لا يدخلن الجنة, ولا يجدن ريحها, وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا﴾ كاسيات عاريات: يلبسن الثياب الضيقة التي تصف أحجام المرأة, أو يلبسن الثياب الشفافة التي تصف ما تحتها.
أيتها المرأة: اتقِ الله , وكوني داعية إلى الله, وأنا إن شاء الله واثق بالله ، ثم بك يا من جئتي إلى هذه الندوة المباركة أنك لست من الذين يلبسون هذه الثياب، ولكن أقول لك: قد سمعت هذا الحديث فبلغيه أولئك اللواتي هن في الليل والنهار في الأسواق متبرجات متعطرات فاتنات مفتونات, أخبريهن بهذا الحديث, أسأل الله ألا يحرمنا الجنة ولا والدينا, ولا والد والدينا.
أيتها المرأة: أخبرك أن رسول الله ﷺ قال: ﴿أيما امرأة باتت وزوجها عليها ساخط، لعنتها الملائكة حتى تصبح﴾ فالله الله أطيعي زوجك, وأرضيه إلا إذا أمركِ بمعصية؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق, واحذري من كثرة الخروج إلى الأسواق, ولا تغتري بتلك السائبات اللواتي لا يرتحن إلا في الخروج إلى الأسواق, فإنهن كما ورد ﴿إذا خرجت المرأة متعطرة وشمها الرجال فإنها زانية﴾ والعياذ بالله, فأحذركِ أيتها الأخت في الله من كثرة الخروج إلى الأسواق, ومن التبرج.
اللهم وفقنا جميعاً لما تحبه وترضاه, وجنبنا ما تبغضه وتأباه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 30
وقاية الأسرة من النار
لقد أكثر الله في كتابه العزيز من الحث على التقوى في أكثر من موضع، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ وهذا نداء تشريف ينادي الله به عباده المؤمنين؛ ليجعلوا بينهم وبين النار وقاية بفعل الأوامر واجتناب النواهي وأن يهتموا بتربية الأولاد والأهل، وتذكر الآخرة والاستعداد للسؤال بين يدي الله.
стр. 31
قوا أنفسكم وأهليكم ناراً
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، صلوات الله وسلامه عليه، ترك أمته على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله عن أمته خير ما جزى به نبياً عن أمته، اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بكرمك وجودك يا أكرم الأكرمين.
أما بعد:
فيا أيها الإخوة في الله: حياكم الله في بيت من بيوت الله، ومع آية في كتاب الله العظيم، يقول الله فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
يا أيها الذين آمنوا! هذا النداء من الله جلَّ وعلا، نداء من الكريم سبحانه وبحمده، ينادي به المؤمنين، وهذا النداء نداء تشريف ينادي به المؤمنين سبحانه وبحمده فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] أي: اجعلوا بينكم وبين هذه النار وقاية بفعل الأوامر واجتناب النواهي.
ولذلك فإن الله ، أكثر من الحث على التقوى في عدة آيات من القرآن العظيم؛ لأن تقوى الله فيها السعادة، والفلاح، والنجاح، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] هذا النداء من الله، يا أيها الذين آمنوا.
يقول ابن مسعود ﵁: [[إذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا، فأرع لها سمعك -أصغ لها سمعك- إما خيراً تدعى إليه أو شراً تحذر عنه]] أو كما قال ﵁ وأرضاه.
والنداءات التي فيها الحث على تقوى الله كثيرة في القرآن منها قوله جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٣] ومنها قوله جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].
стр. 32
فوائد التقوى
من اتقى الله فليبشر بالخير الكثير، يجعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب، كما قال الرب جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
أيضاً من يتقِ الله ييسر الله أموره، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٤].
أيضاً من يتق الله يكرمه الله بكرامة لا تنال بحسب ولا بنسب ولا بكثرة أموال، يقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣] لتعارفوا لا ليفخر بعضكم على بعض، ولا ليتكبر بعضكم على بعض ﴿كلكم لآدم وآدم من تراب﴾ لكن الله جل وعلا الحكيم العليم، الخبير البصير فصلها، وقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] الله أكبر! إن أكرمكم عند الله أتقاكم.
ثم يا إخواني في الله! من يتق الله جل وعلا يرزقه الله علماً نافعاً، يفرق بين الحق والباطل، يعرف الحلال من الحرام، يقول الله جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].
اتقوا الله، افعلوا الأوامر، واجتنبوا النواهي؛ ينور الله قلوبكم وبصائركم بالعلم النافع الذي تعرفون به الحق من الباطل، وتفرقون وتميزون به بين الحلال والحرام، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].
وما أحوج الأمة في هذه الأزمنة إلى العلم الشرعي -يا أمة محمد ﷺ الذي أخبر الرسول ﷺ أنه يقبض العلم الشرعي في آخر الزمان ويكثر الجهل ويظهر -نسأل الله العفو والعافية- ويقول الرسول ﷺ : ﴿إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً من العباد، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقِ عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا﴾ إنا لله وإنا إليه راجعون! اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا.
فيا أمة محمد ﷺ ! علينا أن نغتنم الفرصة في طلب العلم النافع والتفقه في دين الله، يقول الرسول ﷺ : ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾ ويقول ﷺ : ﴿ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة﴾ فإذا أردنا أن نحصل على العلم النافع، علم الشرع الذي تستنير به القلوب، فعلينا بتقوى الله ، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] .
إخواني في الله: أيضاً بتقوى الله جل وعلا، ينال العبد محبة الله ، يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٤] نسأل الله من فضله.
ما ظنك إذا أحبك الله جل وعلا؟ ما ظنك إذا أحبك الله يا عبد الله؟ يقول الرسول ﷺ : ﴿إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض﴾ والحديث متفق عليه، وفي رواية لـ مسلم: ﴿وإذا أبغض الله عبداً -نسأل الله العافية- نادى جبريل: يا جبريل إني أبغض فلاناً فأبغضه فيبغضه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ثم توضع له البغضاء في الأرض﴾.
ويخبر الرب جل وعلا في الحديث القدسي الذي يرويه رسول الله ﷺ ، يقول الرب جل وعلا: ﴿وما تقرب عبدي إليَّ بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه﴾ فضل عظيم لمن أحبه الله جل وعلا.
إخواني في الله: من فوائد تقوى الله -أيضاً- أن الله سبحانه وبحمده يكون مع العبد، وإذا كان الله معه فلن يهزم، ولن يغلب، ولن يضام، يجعل له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، وييسر أمره، ويكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجراً، نسأل الله التوفيق والسداد، يقول الرب جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٩٤] ويقول سبحانه وبحمده: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨].
إذاً: فعليك بتقوى الله مجيباً لداعي الله سبحانه وبحمده: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:٢٧٨].
أيضاً يقول الرب جل وعلا مخبراً أنه إنما يتقبل من المتقين، قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧].
стр. 33
الطرق التي أرشد إليها الإسلام للوقاية من النار
ثم يقول سبحانه وبحمده: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] إذا اتقيت الله أيضاً عليك بهذا المسئولية العظيمة، ليس الأمر يقتصر على النفس، لا.
قوا أنفسكم وأهليكم أيضاً، احرصوا على وقاية الأهل والأولاد من هذه النار التي وصفها الله بهذا الوصف الفظيع -نسأل الله العفو والعافية- ﴿نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] تقيهم من هذه النار بالنصح والإرشاد وتوضيح طرق الخير لهم، لكن قبل كل شيء -من باب الفائدة- إذا أراد الإنسان أن يوفق أيضاً بهذا الفعل الطيب وهو وقاية نفسه وأهله من النار عليه أولاً أن يسلك الطرق التي أرشد إليها الإسلام:
стр. 34
اختيار الزوجة الصالحة
أولاً: اختيار الزوجة ذات الدين، يقول الرسول ﷺ : ﴿تنكح المرأة لأربع: لجمالها ولمالها ولحسبها ولدينها -ثم قال ﷺ فاظفر بذات الدين تربت يداك﴾.
ويقول ﷺ : ﴿الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة﴾ وأول الطريق أن تختار الزوجة الصالحة ذات الدين التي تعينك على طاعة الله .
стр. 35
الذكر عند الجماع
ثانياً: الأخذ بالإرشاد الآخر الذي أرشد إليه الرسول ﷺ وهو: إذا أراد الإنسان أن يجامع أهله أن يقول: ﴿باسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان﴾ الله أكبر! فإذا صار البيت فيه زوجة ديّنة، ثم رزقك الله بأولاد لم يضرهم الشيطان، تكون الحياة سعيدة بإذن الله تعالى، ويكون البيت عامراً بطاعة الله، وأسس على ما أرشد إليه الرسول ﷺ .
ثم أيضاً تذكر حديث الرسول ﷺ حيث قال: ﴿إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له﴾.
стр. 36
العمل بأسباب التوفيق والهداية
ما الذي يصلح الأولاد بعد توفيق الله ؟ التوفيق بيد الله جل وعلا، والهداية بيد الله ، لكن على العبد أن يفعل الأسباب.
فما الذي يصلح الولد بعد توفيق الله ؟ هل يصلح الولد تركه كسائمة الأنعام يهيم في أودية الغي والضلال؟ في المقاهي والمسارح وعند الأفلام والمسلسلات والدخان والمخدرات والمسكرات! هل يصلح إذا ترك له الحبل على الغارب؟
لا.
بل يضيع، ثم تكون المسئولية أعظم عند الله ؛ لأن الأب لم يفعل الأسباب، ولو فعل الأسباب وبذل جهده وأخذ بإرشاد الرسول ﷺ لحصل الخير الكثير بإذن الله تعالى، والهداية بيد الله جل وعلا.
وإنما عليك أن تفعل الأسباب والهداية بيد الله، أما أنك تترك الحبل على الغارب للأولاد ولا تسأل عنهم، وهذا طريق كثير من الناس -نسأل الله أن يعفو ويسامح- يترك الحبل على الغارب للأولاد، لذلك إذا مررت بالمقاهي في آخر الليل الساعة الواحدة والثانية من الليل تجد غلماناً صغاراً من العاشرة، إلى الثانية عشرة إلى الرابعة عشرة في المقاهي، تجده ممسكاً بالشيشة وعيونه طائرة بالأفلام والمسلسلات، فأين الآباء يا أمة محمد ﷺ ؟! إنا لله وإنا إليه راجعون! فعند ذلك يصبح عضواً فاسداً وفاشلاً في المجتمع، بسبب تضييع الأب، لكن إذا فعل الأب أسباب وقايته من النار، وهي بنصحه وإرشاده وتوجيهه بعد توفيق الله .
يكون عضواً ناجحاً فعّالاً في بناء المجتمع.
وللأسف تجد البعض من الآباء يدخل آلات اللهو ويتعذر والعذر أقبح من الفعل، تقول له يا أبا فلان هذه الآلة تدمر الأخلاق والآداب والعفة والشرف، قال: والله أنا لا أود أن يذهب الولد إلى الجيران ويؤذي الجيران، ثم يأتي هذا الأب بماله الذي سوف يسأل عنه يوم القيامة ويدخل هذه الآلة، ويفسد بها البيت -نسأل الله العفو والعافية- إنا لله وإنا إليه راجعون!
ماذا تكون الأحوال إذا نشأ الأولاد على هذه الآلات؟ والمصيبة يا إخواني هي الإناث، المصيبة كل المصيبة الأنثى، المرأة المسكينة، هذه الأمانة التي هي آخر وصية رسول الله ﷺ ، يوم أن قال وهو يلفظ آخر أنفاس الحياة: ﴿وما ملكت أيمانكم﴾ عندما أوصى بالصلاة قال: ﴿الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم﴾ هذا المرأة التي أؤتمنت عليها، أمانة في عنقك سوف تسأل عنها يوم القيامة.
ما ظنك إذا نشأت هذه البنية على مشاهدة الأفلام، وهذه الأفلام تعلم الحب والغرام، وأحياناً ينشر فيها فضائح لا يعلمها إلا الله يخبر عنها من يشاهدها ممن ابتلي بها -نسأل الله العفو والعافية- ناهيك عن تلك الأفلام التي تنشر -أيضاً- تعليم السرقة والسطو والقتل ودعايات للمخدرات والمسكرات، وقنواتنا الآن التي تبث في هذا الدش -الغش- وتشكك في عقائد المسلمين -مع الأسف الشديد- كيف ينتج الابن والبنت إذا عاشوا على هذه الأفلام؟ إنا لله وإنا إليه راجعون!
أين أسباب الوقاية يا عباد الله؟! ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] ولذلك الآباء نسوا أو تناسوا تلك المسئولية التي علقها عليهم رسول الله ﷺ ، لا تظن أخي في الله أن المسألة زواج وإنجاب أولاد ثم تترك لهم الحبل على الغارب، لا، المسئولية عظيمة، يقول الرسول ﷺ : ﴿كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والراجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته﴾ ثم قال ﷺ : ﴿ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته﴾.
стр. 37
التفكر في عظم المسئولية
الأمر عظيم يا إخواني! فهي مسئولية، لكن تفكر فإن الله أعطاك العقل وميزك وأكرمك بهذا العقل، ميز وتذكر متى تكون المسئولية ومن الذي سوف يلقي عليك السؤال؟ لا إله إلا الله! أما المسئولية تكون يوم القيامة ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] يوم القيامة، يوم الطامة الكبرى، قال الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ [النازعات:٣٤ - ٣٥] ومتى سعى هذا السعي؟ سعيه في الدنيا ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ [النازعات:٣٥] ثم المصيبة الكبرى والعظمى ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات:٣٦] النتيجة؟ ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٣٧ - ٤١].
المسئولية يوم القيامة: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٣٠].
المسئولية يوم القيامة ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ:٤٠] ومن الذي سيلقي عليك السؤال؟ الله ﷻ .
يقول الرسول ﷺ : ﴿ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان﴾ هناك أربعة أسئلة: ﴿لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسمه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به﴾ مسئولية يا أمة محمد ﷺ !
يقول بعض العلماء: على العاقل أن يتذكر ذلك الموقف إذا وقفت الزوجة والابن والبنت كل منهم يدلي بحجته يقول: يا رب! خذ مظلمتي، لا إله إلا الله الزوجة تقول: يا رب! خذ مظلمتي من زوجي، والابن يقول: يا رب! خذ مظلمتي من أبي، البنية تقول: يا رب! خذ مظلمتي من أبي، لا إله إلا الله، حتى الجار كما يروى في الحديث: ﴿الجار يقف يخاصم جاره يقول: يا رب! خذ مظلمتي من جاري، رآني على المنكر ولم ينهني ولم يأمرني﴾ إنا لله وإنا إليه راجعون! يا رب! الطف بنا بلطفك.
стр. 38
ظاهرة السهر الطويل
الأمر جد عظيم يا عباد الله! قال الله: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] قبل سنين كنا لا نعرف الأفلام والمسلسلات يوم كنا لا نسهر طول الليل، يجلس الأب مع أولاده يعلمهم، يا ولدي! من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ يا بنت! يا زوجة! كم أركان الإسلام؟ كم أركان الإيمان؟ كم أركان الإحسان؟ ما هو أكبر شيء أمر الله به؟ وما هو أعظم شيء نهى الله عنه؟ فيتفقّهون في البيت على العقيدة، ويحصل الخير الكثير وهم لا يشعرون، الملائكة تحفهم، ورب العالمين يذكرهم فيمن عنده ، وتنزل السكينة، وتغشاهم الرحمة، لماذا؟ لأنهم في مجلس علم وذكر.
يا إخواني في الله: ما يضرك أن تجلس مع أولادك وتعلمهم، من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ كم أركان الإسلام؟ كم أركان الإيمان؟ كم أركان الإحسان؟ ما هو أول شيء أمر الله به؟ وما هو أعظم شيء نهى الله عنه؟ فيعرفون ذلك ويتفقّهون في دين الله .
لكن الآن كيف أحوال بيوت المسلمين؟ مع ما أحدث الناس من هذه البدعة الشنعاء ألا وهو السهر الطويل الذي يخالف هدي الرسول ﷺ ، ثم إن هذه بدعة تشتمل على أمور أيضاً محرمة عند الكثير، لا نقل عند القليل من الناس بل والله عند الكثير.
أولاً: إن السهر بدعة ابتدعها الكثير من الناس؛ لأنها مخالفة لهدي الرسول ﷺ ، وهديه ﷺ كان يكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها، ثم جاء أقوام فأحدثوا هذا السهر وناهيك عن هذا السهر بماذا يقرأ؟ إذا قضى هذا السهر مع الأفلام والمسلسلات والأغاني الماجنات والبلوت والملاهي وغيرها كيف تكون الأحوال يا أمة محمد ﷺ ؟
ويا ليت هذا الذي يقضي ليله مع هذه المصائب والمعائب يا ليته يفكر ولو قليلاً، ويتفكر من الذي يكتب هذه المجالس وما فيها؟ وهو يؤمن إيماناً لا شك فيه أن الله وكل به ملك عن اليمين وملك عن الشمال، هذا يكتب الحسنات وهذا يكتب السيئات، من الذي يكتب تلك الجلسات -يا أمة محمد ﷺ مع الأفلام والمسلسلات والبلوت والقيل والقال حتى ينتهي الليل، من الذي يكتبها يا إخواني في الله؟ هل يكتبها ملك اليمين أو يكتبها ملك الشمال؟ يكتبها ملك الشمال، وهل توضع في ميزان الحسنات أو توضع في ميزان السيئات؟ والله إنها توضع في ميزان السيئات -إي والله- إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً سبحانه وبحمده.
ملك اليمين لا يكتب والله جلسة مع المسلسل ولا مع التمثيلية ولا مع الأغنية ولا مع البلوت ولا مع الكنكان ولا يكتب الغيبة والنميمة، فكل هذه يكتبها ملك الشمال.
يقول ابن مسعود ﵁: [[ويلٌ لمن غلبت آحاده عشراته]] السيئة بواحدة والحسنة بعشر أمثالها، لكن الآن أكثر الأعمال بالسيئات -مع الأسف الشديد- إنا لله وإنا إليه راجعون!
فيا أمة محمد ﷺ ! انظروا الآن إلى أحوال المسلمين، الكثير من نساء المسلمين لما ترك لهن الحبل على الغارب ينظرن إلى هذه الأفلام والمسلسلات! انظر كيف حالهن؟ هل نساؤنا في هذه الأعوام المتأخرة مثل نساء المسلمين قبل ثلاثين سنة أو خمس وثلاثين سنة؟ لا والله يا أمة محمد ﷺ ، قبل ثلاثين سنة أو خمس وثلاثين سنة لا ترى هذه العباءة الخفيفة، ولا ترى العباءة توضع على الكتف، ولا ترى هذا البرقع الفاسد الذي يظهر نصف الخدين، ولا ترى هذه الملابس المشقوقة عن اليمين والشمال والأمام، لا ترى هذا المظهر الفاضح، الذي أظهر العنق والذراعين واليدين والشعر، إنا لله وإنا إليه راجعون!
هل سمعنا يا إخواني بعدسات زرقاء وعدسات حمراء وخضراء وبيضاء؟!
هل سمعنا بها قبل سنوات؟! هل سمعنا بقصة الإفرنج تعملها المرأة المسلمة؟! لا والله ما سمعنا بهذا، ما الذي حلّ بالناس؟ لما رأوا هذه الأفلام والمسلسلات بدأ الكثير من الناس يجرون وراءها -نسأل الله العفو والعافية- إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا.
لذلك أخبر الرسول ﷺ كما في الحديث الصحيح، قال: ﴿صنفان من أهل النار لم أرهما، رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا﴾ والله لقد شاهدنا هذا يا أمة محمد ﷺ ! لكن أخي في الله! اعمل جهدك لتقي زوجتك وابنتك من هذه النار: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦].
بيِّن لها يا أخي في الله! تجلس مع أهلك كما كان الآباء يجلسون مع أهلهم وأولادهم قبل سنين، اجلس يا أخي واعقد جلسة، اقطع العلاقات مع ذلك الجهاز الخبيث الذي أغفل الكثير من الناس، اقطع معه المجلس، وأتِ بكتاب من كتب أهل العلم واقرأ على الأهل والأولاد حتى يعمر البيت بذكر الله ، وتهرب منه الشياطين نسأل الله التوفيق والسداد.
ماذا فوت هذا السهر على الكثير من الناس من الخير؟! فوت عليهم فضائل عظيمة، يقول الرسول ﷺ : ﴿إن في الليل ساعة لا يوافقها عبدٌ مؤمن يسأل الله إلا أعطاه الله من خير الدنيا والآخرة﴾ نسأل الله التوفيق والسداد.
وأخبر الرسول ﷺ أن الله ينزل إلى السماء الدنيا إذا بقي ثلث الليل نزولاً يليق بجلاله وعظمته فيقول: ﴿هل من سائل فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه﴾ من يغتنم هذا يا إخواني في الله؟ من يحوز على هذا الفضل العظيم يا أمة محمد ﷺ ؟ الليل له فرسان يمشون على طريقة محمد بن عبد الله ﷺ مستضيئين بنور القرآن الكريم، وفرسان يقودهم الشيطان في غياهب الهواء والضلال، نسأل الله العفو والعافية.
أما الفرسان الذين اهتدوا بهدي رسول الله ﷺ ، فهم الذين قال الله عنهم: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذريات:١٧ - ١٨] وقال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ [السجدة:١٦] أما الفرسان الذين يقودهم الشيطان فهم الذين يتابعون تلك الأمور الفظيعة، نسأل الله العفو والعافية.
стр. 39
أسباب الوقاية من النار
فيا أمة محمد ﷺ ! ألا نستثير الهمم ونعرف قيمة الوقت -يا أمة محمد ﷺ الذي والله سنسأل عنه يوم القيامة فإنه مسطر علينا ومسجل يا أمة محمد ﷺ ! وسوف نسأل عنه يوم القيامة قال الله: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦].
تكون الوقاية بعدة أمور:
стр. 40
اتباع هدي النبي ﷺ
أولاً: نأخذ بهدي الرسول ﷺ ، نترك هذا السهر، ننام مبكرين ونجعل لنا ساعة نقوم بها آخر الليل -نسأل الله التوفيق والسداد- يا ألله نسألك من فضلك.
الله أكبر إذا قام الرجل وأيقظ أهله وصليا ما كتب الله لهما، كُتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، وحازا على ذلك الفضل العظيم الذي أخبر به الرسول ﷺ .
следующие страницы →