← Джавами‘

Джавами‘ · id 37004

دروس للشيخ ياسر برهامي

ياسر برهامي

Полный текст (991 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

إبراهيم ﵇ والدعوة إلى الله إن إبراهيم ﵇ أمة وحده، اجتهد وجاهد في الدعوة إلى الله، دعا أباه وقومه إلى طريق النجاة بتوحيد رب الأرض والسماوات، خالطهم وصبر على أذاهم، ثم اعتزلهم وجفاهم بعد أن قذفوه في النار، فنجاه العزيز القهار، ولما تبين له أن باه عدو لله تبرأ منه، فإبراهيم أسوة حسنة لكل من جاء بعده لاسيما الدعاة إلى الله.

стр. 2

جهود إبراهيم ﵇ في دعوة أبيه إلى الله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد: فيقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم:٤١ - ٥٠]. فإذا اتخذت إلى الله سبيل الأنبياء والدعوة إلى الله ، فلا بد وأن تكون سائراً بطريقتهم وعلى منهاجهم، ومستعداً لعدم قبول دعوتك؛ فإن القلوب لا يملكها إلا الله، فهذا الخليل إبراهيم ﵇ استعمل أرفع الأساليب، واستعمل الحجج العقلية، والمؤثرات الوجدانية التي تربط بين الابن وأبيه، وأحسن الأدب مع أبيه، وترفق به أعظم ترفق، وترقق له وأحسن إليه، وأبوه آزر يصد عن ذلك كله، وقلبه مغلق لم ينفتح لأي حجة عقلية، كما في قوله: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢]. ولا لوجدانية عاطفية لما قال له: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم:٤٥]، يذكره برحمة الله، ويخوفه من عقاب الله، يرجيه ويخوفه ومع ذلك لا يتذكر، يخوفه من عاقبة طاعته للشيطان وعبادته له، وألا يقترب منه فيكون له ولياً، وبذلك يشقى الشقاء الذي لا سعادة معه ولا بعده أبداً. إن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء، كما قال النبي ﷺ : (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فأيما قلب يريد أن يقيمه أقامه، وأيما قلب يريد أن يزيغه أزاغه). فليس بالضرورة أن تظهر ثمرة الدعوة في استجابة المدعو مباشرة، ولا حتى بعد حين، ولو كان حتى من الأقربين، فالنور الذي عند إبراهيم ﵇ يكفي لهداية البشرية، وقد امتد نوره عبر الزمان والمكان، وانتشرت دعوة التوحيد التي جعلها الله منسوبة إليه، ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣] ومع ذلك لم يصل هذا النور إلى قلب أبيه، ولله الحكمة البالغة في ذلك، وكم من حكمة بالغة في عدم إيمان أبي إبراهيم؛ وذلك ليعلم العباد أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء.

стр. 3

قطع إبراهيم لعلاقات الولاء مع أبيه القلوب بيد الله يصرفها كيف يشاء، وأنه لا ينفع نسب ما لم يكن عمل، (فمن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، كما قال النبي ﷺ ، وكما قال: (ألا إن آل فلان ليسوا بأوليائي إن وليي الله والملائكة وصالح المؤمنين). وكذلك لتتحقق عقيدة الولاء والبراء اعتقاداً وعملاً وسلوكاً في موقف إبراهيم ﵇ من البراءة من أبيه في الدنيا والآخرة، كما قال : ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤]. وفي الآخرة يتبرأ منه أيضاً كما ثبت في صحيح مسلم (أن إبراهيم يلقى أباه آزر فيقول: يا أبت ألم أكن أنهك؟ فقال: يا بني إني لا أعصيك اليوم، فيقول إبراهيم: يا رب! إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أب أبعد، فيقول الله : يا إبراهيم إني حرمتها على الكافرين -أي: حرم الجنة على الكافرين- فينظر إليه فإذا هو ذيخ متلطخ -أي: فإذا هو قد مسخ ضبعاً متلطخاً بعذرته- فيؤخذ بقوائمه الأربع فيلقى في جهنم)، فيتبرأ إبراهيم ﵇ من أبيه في الآخرة كما تبرأ منه في الدنيا، ولقد جعل الله صورة أبيه المعذب في صورة ضبع متلطخ بنجاسته حتى لا يتأذى إبراهيم بصورة أبيه الذي يعرفه وهو يعذب في النار، نسأل الله العافية. فالله أعلم بالمهتدين، ولقد قدر الله أن يوجد في أسر كثير من الأنبياء من لا يؤمن، حتى تتحقق هذه القضية وغيرها من الحكم، فقضى بحكمته ألا يؤمن ابن نوح رغم أنواع الدعوة التي استعملها معه نوح ﵇ من الترفق له والدعوة باللين، والتذكير بالبنوة التي تربطه به، وتذكيره بالآخرة، ورؤيته للآيات الباهرة المعجزة الحسية الظاهرة، بالإضافة إلى الأدلة العقلية القاهرة لعقل أي مشرك معاند، ومع ذلك ما آمن ابن نوح وهو أحد أعمام هذه البشرية التي توجد الآن على ظهر الأرض؛ ومع ذلك فالكل يتبرأ منه، بل نوح ﵇ استغفر ربه من سؤاله عنه. وقدر الله أيضاً وجود امرأة نوح وامرأة لوط في أسرتين من أسر أنبياء الله ، وقدر ألا يؤمن أبو لهب وأبو طالب عما النبي ﷺ . وقدر الله أن يكون كثير من أقارب أهل الإيمان من الكافرين؛ لتنفصل الروابط الدنيوية وتبقى رابطة الدين، فإن الله سبحانه ما أذن لهم حتى في الاستغفار لذويهم، قال : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٣ - ١١٤]، وانفصلت وانقطعت وزالت روابط الأسرة الواحدة وبقي الإحسان. هذه الروابط التي تنفصل هي روابط المودة والموالاة، وهذه إنما تكون على الدين وطاعة الله واتباع أمره، وأما إذا لم يكن هناك هذا الدين الواحد الذي افترض الله على الخلق جميعاً أن يتبعوه؛ فلا بد من العداوة والبغضاء. قال : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤].

стр. 4

تهديدات الكافرين للدعاة إلى الله قال : ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ﴾ [مريم:٤٦]، بعد أن أعرض عن كل الحجج، بل صار منكراً على إبراهيم ﵇، اندفع يستنكر عليه: كيف يرغب عن آلهته التي يصنعها، وكان فيما يذكرون ينحت هذه الأصنام لقومه والعياذ بالله. فإبراهيم كان راغباً عن الآلهة التي تعبد من دون الله، والرغبة في الله لا تحصل إلا بالرغبة عن آلهة المشركين، وتوحيد الله لا يحصل إلا بالكفر بما يعبد من دون الله والبراءة منه، كما قال : ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦]، فلا يبنى الإسلام إلا على أنقاض الجاهلية والشرك، فلا بد أن تهدم هذه الجاهلية وهذه العقائد الفاسدة في النفوس كما تهدم في الواقع؛ ذلك أنه لا تتحقق دعوة التوحيد في قلب إنسان وهو يقر بعبادة غير الله. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٧]، وليس ولوده على ملة أخرى بمقتضٍ لصحة منهجه طالما كان يعتقد صحته كما يقول الزنادقة والمنافقون الذين يصححون مللاً غير ملة الإسلام، ويرونها حقاً كما أن الإسلام حق، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، يقول الله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، ويقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]. فهم أبو إبراهيم وأيقن أن إبراهيم راغب عن آلهته، فصار يتوعده ويتهدده: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم:٤٦]. قيل: لأشتمنك، وقيل: لأرجمنك بالحجارة، وهو أقرب إلى ظاهر اللفظ؛ ذلك أنه كان يؤذيه بالكلام، فالظاهر أنه كان يريد أن يزيد على تلك الأذية بالفعل، قال: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم:٤٦]، كما قالها قوم نوح ﵇ لنوح ﵇ حتى يترك الدعوة إلى الله ، وكما يقولها كثير من الآباء والأقارب وأهل القوم والوطن والجيران والمعاملين لمن يدعو إلى الله : ﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم:٤٦] ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء:١١٦]، وقالها قوم لوط: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء:١٦٧]، وقالها قوم شعيب لشعيب ﵇: ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [إبراهيم:١٣]، وقالتها الأقوام لرسلهم، فدائماً كانوا يهددونهم بالإخراج من الأرض، وغير ذلك من أنواع التهديد، وقالها فرعون لموسى حين قال له: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء:٢٩]، فلابد أن يتوقع الداعي إلى الله أنواع التهديد إذا استمر في طريق الدعوة، ولكن هذا لا يثنيه ولو فعلوا ما فعلوا؛ فإنه صاحب رسالة يؤديها، وهو متبع للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ويدعو إلى الله بكل ما استطاع، وبكل ما أمكنه، ولا يؤثر فيه هذا التخويف؛ لأنه يركز فكره في يوم القيامة، ويخاف وعيد الله أكثر مما يخاف وعيد الناس. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم:١٣ - ١٤]. فهذا التهديد والوعيد لا يوقف الداعي إلى الله ، وإن كان استعماله لوسائل الدعوة ولانتقائه للشخص والمكان قد يختلف، فقد يعرض عن قوم وينشغل بغيرهم، ويرحل عن بلد فيتجه إلى بلد أخرى، كما هاجر إبراهيم ﵇ وذهب إلى ربه، فأبدله الله خيراً من قومه، قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩]. واعتزلهم بعد حين بعد أن بلغ دعوة الحق، وهكذا هاجر رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، وتولى عنهم فما هو بملوم، كما أمره الله فقال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات:٥٤]. فمن أعرض عن ذكر الله ، وأصر على الإعراض، وذكر مرة بعد أخرى، فلينشغل الداعي إلى الله بغيره، وليبحث عن مكان آخر ينشر فيه دعوته إلى الله، إن عجز أن يقيمها وأن ينشرها في مكان ما. قال: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم:٤٦] أي: اهجرني طويلاً طالما بقيت على ذلك.

стр. 5

التلطف في الدعوة مع المدعوين أوذي إبراهيم باللسان مع التهديد بالأذى بالفعل، ولم يكن من إبراهيم ﵇ رد عليه، وهكذا يوطن الداعية نفسه أن لا ينتصر لنفسه ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم:٤٧]، ليس هذا من باب التحية ولكن من باب مقابلة الإساءة بالإحسان. أي: ستسلم مني وأنت مني في سلام، وليس معنى ذلك: التحية ولا أنه قصد التحية التي لا يشرع أن يبدأ بها الكافر، كما قال النبي ﷺ : (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام). وكان النبي ﷺ إذا راسل ملوك الكفار لم يبدأهم بتحية، وإنما يقول: سلام على من اتبع الهدى، وليست هذه بتحية لهم لأنهم ليسوا ممن اتبع الهدى، لأن التحية إكرام والكافر ينبغي أن يهان، بمعنى: ألا يعظم ولا يبجل ولا يوصف بالأوصاف التي فيها الثناء والتعظيم والمدح، وإنما يبين حقارة مذهبه، وبطلان طريقته، ولا يكون له التبجيل والتوقير، وإنما ذلك لأهل الإيمان؛ فلا يبدأ الكافر بالتحية، وإن بدأ هو بالتحية ردت عليه كما شرع الله : ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦]، قال النبي ﷺ : (إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم). أما أن يبدأهم بالتحية فلا، ولذا لم يكن هذا من باب التحية من إبراهيم، وإنما معنى الكلام جملة يخبر فيها إبراهيم أن أباه سيسلم منه، فلن يرد الأذى بأذى، ولن يرد الكلمة السيئة بكلمة مثلها، ولن يرد التهديد بالتهديد. وهكذا لا بد أن تفهم أيها الداعي إلى الله طريقك في الدعوة إلى الله، قال تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٥]. فهذه منزلة لا يلقاها ولا يوفق لها إلا ذو حظ عظيم، وهي أن يقابل الإساءة بالإحسان، وكما قال ربنا : ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩٦]، حتى يشرع الله الانتصار لدينه، ويمكن المؤمن من القيام بالحق الذي أمر الله به بالقوة التي شرعها الله ، فعند ذلك ينتصر لله لا لنفسه، وأما قبل ذلك فإنه يشرع الصبر والاحتساب، يشرع أن يصبر وأن يقابل الإساءة بالإحسان، وأن يقول لمن أساءوا إليه: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين، كما قال عن مؤمني أهل الكتاب: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥]، وقال سبحانه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]. فينبغي لك أيها المسلم أن تعامل الناس بذلك، وهذا من أعظم ما يكسبك قبول دعوتك الحق؛ بالسلوك الطيب في الناس، فإنك إذا واجهت كل إساءة لك بإساءة مثلها، وعاقبت دائماً بمثل ما عوقبت به لم يكن لك فضل على الناس، ولم يكن لك فيهم قبول مثل قبول من صبر واحتسب، ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣]. وقال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧]. فالله عزم على عباده المؤمنين في ذلك، وأكد عليهم، وأمرهم بالصبر والعفو والصفح، وجعل لهم في الأنبياء الأسوة الحسنة حتى يقتدوا بهم؛ في ألا يقابلوا الإساءة بالإساءة، ولكن يعفو ويصفح. ووصف النبي ﷺ في الكتب المتقدمة: (ولا يجزي السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح). ولقد كان النبي ﷺ هكذا حتى مع الكفرة قبل أن يسلموا، يعفو ويصفح ﷺ عنهم، فكيف بالمسلم، وكان ذلك من أسباب إسلام كثير منهم؛ فقد قال ﷺ لمشركي مكة وقد تمكن منهم، وهم الذي قاتلوه وجرحوه، وقتلوا أصحابه، وقتلوا أولياء الله وخيرة أهل الأرض، ومع ذلك فلما تمكن منهم قال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، وقال ﵌: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين). وكان من أسباب إسلام ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة: أن النبي ﷺ أحسن إليه، ومن عليه حين أسرته خيل المسلمين، وربطه النبي ﷺ في المسجد ثلاثة أيام متتابعة، (فقال: ما عندك يا ثمامة؟!) فقال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن تسأل المال تعط منه ما شئت، فيتركه النبي ﷺ ثلاثة أيام متتالية، ثم بعد ذلك يقول: (أطلقوا ثمامة)، فيطلق ثمامة وقد تحول وتغير وصار إنساناً آخر، فينطلق وهو سيد قومه، ومن حقه أن ينصرف إلى ما كان يريد، وإلى وجهته، فينطلق إلى أقرب بئر في حديقة، فيغتسل ويرجع، فيشهد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ في مسجد رسول الله ﷺ ، ويقول: والله يا رسول الله ما كان من وجه أبغض إلي من وجهك، وقد أصبح أحب الوجوه إلي، وما كان من دين أبغض إلي من دينك، وقد أصبح أحب الدين إلي، وما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، وقد أصبح أحب البلاد إلي. فانظر كيف يثمر الإحسان، وكيف يثمر العفو والصفح عن الناس، وكيف تثمر هذه المعاملة الحسنة الطيبة في أن تقد القلوب إلى الإيمان بفضل الله ، ويتأكد ذلك تأكيداً شديداً مع الوالدين، وذلك أنه لا يشرع في الإنكار على الوالدين التغليظ والتعنيف؛ فإن الله قال: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء:٢٣]، وهذا عام، ولذلك خصص العلماء به أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقالوا: لا يتجاوز مع الوالدين إلى درجة التعنيف والتغليظ، بل لا يزال في الدرجة الأولى من التعريف والنصح، والتخويف بالله . وقال : ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، فلم يجعل الكفر سبباً لنسخ الأمر بالإحسان بل الأمر بالإحسان للوالدين باق ومستمر حتى مع كفر الوالدين فضلاً عن فسقهما؛ فليعلم كل ابن وبنت وجوب بر الوالدين على الدوام، ووجوب الإحسان إليهما حتى ولو كانا كافرين أو فاسقين، أو أمرا بمنكر؛ فإنك لا تستجيب لهما طاعة لله وتعظيماً لأمره، ولكن في نفس الوقت لا تسيء المعاملة بل تحسن إليهما ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤].

стр. 6

حكم الاستغفار للمشركين قال الله تعالى: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم:٤٧]، فلم يجابه السيئة بالسيئة بل بالحسنة، وزاد أنه استغفر له، ويجوز الاستغفار للكافر طالما كان حياً، وذلك أن الله إنما يغفر له بأن يهديه، ولذا قال إبراهيم: سأستغفر لك، وظل يستغفر له إلى أن مات على الكفر، كما قال ربنا سبحانه: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ [التوبة:١١٤] أي: بأن مات كافراً؛ ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤]. فهذا ليس فيه الأسوة في الاستغفار للمشركين؛ لأن قول إبراهيم لأبيه كان عن موعدة وعدها إياه، وكان في فترة حياته، فكان وفاءً للوعد، وكان في فترة الحياة، ويجوز الاستغفار لغير الأب من المشركين والكافرين كما حكى النبي ﷺ : (أن نبياً من الأنبياء ضربه قومه حتى أدموه، وجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون). فيجوز الدعاء للكفار وإن آذوا الأنبياء، وإن جرحوهم، وذلك من سعة الرحمة التي جعلها الله في قلوب الأنبياء، وهذا الاستغفار لا يحصل نفعه للكافر إلا إذا تاب وهداه الله ؛ فإنما يغفر للكافر بأن يتوب من الشرك، وأن يرزقه الله الدخول في الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. فأما إذا مات مشركاً لم يجز الاستغفار، ولم يجز الاسترحام له، ولا يشرع طلب الرحمة له وهو على كفره، وإنما ورد الاستغفار كما ثبت في الحديث الصحيح: (أن اليهود كانوا يتعاطسون عند رسول الله ﷺ رجاء أن يشمتهم بقوله: يرحمكم الله، فكان يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم). والاستغفار بمعنى طلب الهداية؛ ولذلك لا يشرع طلب الرحمة للكافر حال كفره ولو كان حياً، وإنما تطلب له المغفرة، لأن ذلك فيه إقرار بأنه على ذنب عظيم، وفيه تبيين أنه على خلاف الهدى، ولذا يدعى له بالهداية وبالمغفرة بأن يتوب الله عليه. ومن هذا قول إبراهيم ﵇: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦]. قال الله تعالى: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٧]، نجد في هذه الآية الكريمة استشعار إبراهيم ﵇ لمعاني صفة الله ، واستحضاره لنعمه عليه خاصة. وقال: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم:٤٧]، ولم يقل: ربك، أو ربنا، أو رب العالمين، وإنما قال: ربي، لشعوره بهذه الخصوصية بينه وبين الله . هذه الخصوصية بهذه العبودية الخاصة، وأنه كان به حفياً، أي: عوده الإجابة، والمؤمن إذا تذكر إجابة الله لدعواته التي دعا بها كان ذلك من أسباب مزيد الرجاء، وطلب مزيد الفضل من الله ، فإنه حفي بعباده المؤمنين، وهو سبحانه حفي بأنبيائه أعظم من غيرهم، فقد عودهم أن يجيبهم، وأن يصلح شأنهم وأمرهم، وأن يتولى أمرهم بنفسه ، فهو الذي امتن على عباده المؤمنين بذلك قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٧]. وهذا الاستحضار لمعاني الأسماء والصفات من أعظم أسباب إجابة الدعاء، وختم الدعاء بأسماء الله وصفاته في أدعية الكتاب والسنة من أعظم ما يبين لك أهمية هذه المسألة، وهو أن يكون العبد متعلقاً بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، متذكراً نعمته، مثنياً عليه سبحانه، مستحضراً خصوصية عبوديته لله ، وأن بينه وبين الله ما لا يعلمه الناس، كما قالها يعقوب ﵇: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٦٢]. وهكذا يتكرر هذا المعنى كثيراً في أدعية الأنبياء؛ لأنهم يعلمون من الله ما لا يعلمه الناس، ويستحضرون من معاني أسمائه وصفاته ما يحضر قلوبهم بين يديه ، مستشعرين عظمته وقوته، وتدبيره لهذا الكون، ولكل ما فيه علويه وسفليه، ظاهره وباطنه، غيبه وشهادته، ويستحضرون أن الأمر من عنده لا من عند الناس، ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٧]. سبحانك اللهم وبحمدك. اللهم اغفر لنا ولإخواننا، وللمؤمنين والمؤمنات. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه.

стр. 7

العزلة وضوابطها الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌. أما بعد: قال عن إبراهيم ﵇: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم:٤٨]، عندما تصل الدعوة إلى الله إلى مداها بأن تبلغ البعيد والقريب والقاصي والداني، وتقام الحجج ويستمر الكفرة على إعراضهم -وإبراهيم ﵇ دعا إلى الله حتى وصل إلى هذه الغاية- فعند ذلك يشرع الاعتزال. قال: ((وَأَعْتَزِلُكُمْ)) أي: يفارقهم، وكان ذلك بعد أن ألقوه في النار ونجاه الله منها، فإبراهيم دعا أباه وقومه، وبين لهم، وأقام عليهم الحجج، وما وجد منهم إلا التكذيب والأذى، والاضطهاد الفظيع، وألقوه في النار فعلاً، فكانت نجاته بأمر الله . فلما اكتمل هذا الأمر هاجر إبراهيم ﵇، واعتزال أهل الباطل واعتزال باطلهم سنة ماضية طالما وصلت الدعوة إلى الله إلى غايتها، وظلوا على إعراضهم، وهذه العزلة يجب منها قدر معين في كل وقت على كل مسلم، وهو ما يلزمه من اعتزال فعل الباطل وعقائده وسلوكه. فهذا قدر واجب على مر الزمن، فلا تبيح له قرابته، ولا مواطنته، ولا قوميته لقومه أن يشاركهم في باطلهم، وإنما أباح الله موافقة ظاهرة لأهل الباطل عند الإكراه فقط، وما أباح ذلك لمصلحة ولا لمداهنة ولا لأمور متوهمة، ولا لمجرد علاقات عائلية، أو روابط وطنية أو قومية أو غير ذلك، فما أجاز الله أن يوافق الإنسان على الكفر والباطل والمعاصي إلا لمن أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. قال : ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل:١٠٦]. فلا يجوز لمسلم أن يوافق أهل الباطل بزعم أنه يعيش وسطهم، وأن من عاش وسط قوم فلا بد أن يحترم قوانينهم، أو أوضاعهم، أو عاداتهم أو تقاليدهم، لا يجوز ذلك إلا عند الإكراه المعتبر شرعاً، وليس مجرد وجود الإنسان في مكان يجعله مضطراً لذلك إذا قرروا ذلك، بل لا بد أن يكون هناك إكراه مادي معتبر؛ بأن يوجد تهديد بقتل، أو قطع عضو من الأعضاء، أو تعذيب أو حبس وقيد أو إتلاف مال، أو نحو ذلك، مع تفاوت ما يكره عليه، فليس الإكراه المعتبر في نطق كلمة الكفر، كالإكراه المعتبر في قبول هدية أو نحوها. وإنما يعتبر ذلك بالنظر في أدلة الكتاب والسنة، فلا يعتبر السجن مثلاً إكراهاً على الزنا في حق الرجل ولا في حق المرأة، فلو حبس سنين على أن يزني مثلاً ما كان ذلك معتبراً شرعاً، وأما القتل والتهديد به، وغلبة الظن بحصوله، أو التعذيب الشديد، كما وقع لـ عمار فمبيح لذلك، فهذا قدر واجب من العزلة. فإذا لم يستطع أن يقيم دينه إلا بأن يفارق أهل الباطل ودارهم، وجب عليه ذلك، وكذا مفارقتهم حتى لا يتأثر بهم في سلوكه وعمله، فصحبة أهل الشر والسوء تجلب على الإنسان موافقتهم ومشابهتهم فيما هم فيه، وهذا واقع مشهود في كثير من الناس، فإن مصاحبته للكفرة والظلمة والعصاة والفسقة والمجرمين تهيئه وتقوده إلى فعل أفعالهم، وإلى موافقتهم من باطنه قبل أن يكون من ظاهره، والعياذ بالله من ذلك. فكثير من الناس يحب أهل الباطل لكثرة معاشرتهم، فمن وجد نفسه تقوده في خلطته لقرناء السوء إلى موافقتهم؛ وجب عليه فوراً مفارقتهم، بل لا يجوز له أن يقيم وسطهم إلا مع الإنكار عليهم، ودعوتهم إلى الله . ولهذا أقام الأنبياء في بلاد الكفر يدعون إلى الله ، وينكرون الشرك والكفر والفسوق والعصيان، ولا يجوز لمسلم أن يقيم في أرض يفعل فيها الكفر والفسوق والعصيان إلا لغرض شرعي صحيح، كالإنكار عليهم، أو إنقاذ مسلم من هلكة، أو لمصلحة شرعية أخرى، وأما أن يكون مقيماً لأجل دنيا يصيبها، أو أهل أو مال أو ولد، فهذا ممن يقال له: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء:٩٧]. طالما كان عاجزاً عن إقامة دينه متأثراً بحالهم، وهو لا شك يتأثر، فإن الإنسان إنما يتأثر بأصحابه وأصدقائه أعظم التأثير، كما قال النبي ﷺ : (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل). وقال ﵌: (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي)، والصداقة من معاني الموالاة فلا تصح لكافر، بل لا يجوز أن يصادق الفسقة والفجرة والظلمة، ولا يسكت عليهم حين يجلس معهم في مجالسهم، قال : ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٤٠]، وقال : ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود:١١٦]، فأنجى الله الذين ينهون عن السوء، ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٥]، ومن لم يتمعر وجهه في الله وهو يرى المنكرات أمامه، ولا يقيم لغرض شرعي صحيح، فهذا الذي يبدأ به، فإنه لم يتمعر ولم يتغير وجهه في الله ، ولا يكون صالحاً، وإن كان يظهر الصلاح، أو يفعل في نفسه الصلاح؛ فليوطن كل مسلم نفسه على أن يعتزل الباطل وأهله، يعتزل الباطل، فلا يفعله ولا يعتقده ولا يرضى به ولا يقره، وكذلك لا يصاحب أهله، ويعتزل أهله فيفارقهم إلا لغرض شرعي صحيح.

стр. 8

جلب الدعاء لأسباب السعادة ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم:٤٨] أي: ما يدعون من دون الله من آلهة باطلة، ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ [مريم:٤٨]، أفرده بالدعاء الذي هو العبادة، كما قال النبي ﷺ : (الدعاء هو العبادة). قال تعالى: ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم:٤٨]، والدعاء من أعظم أسباب السعادة، فمن دعا الله ، بأن دعاه إلهاً واحداً لا شريك له، ودعاه لقضاء حوائجه، وأثنى عليه بما هو أهله، فهذا يسعد في الدنيا والآخرة، وعسى: محققةٌ من الله تعالى، وهي على ألسنة أنبيائه منه . فلذا قال: ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم:٤٨]، وكما قالها زكريا ﵇: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم:٤]، فلا يشقى إنسان مع الدعاء، فالدعاء من أعظم أسباب الراحة والنجاة والسعادة والفوز والفلاح، فلا يتركه إلا جاهل، وهو السلاح الأعظم الذي ننتصر به، كما قال النبي ﷺ : (وهل تنصرون إلا بضعفائكم؟!). أي: بدعائهم، وتضرعهم، وانكسارهم، ومن حكم تقدير الله بالبلاء على المؤمنين: أن تنكسر قلوبهم له، ويستشعرون فقرهم وعجزهم وحاجتهم إلى الله ، فيكثرون من الدعاء، وهم مستشعرون أن ليس لهم إلا الله، ولا سبيل لهم إلا بالتوجه إليه ، وأن ليس لهم من دونه من ولي ولا نصير، وأنه مولاهم، ولا يوجد لهم مولى سواه، وأهل الأرض جميعاً قد تركوهم، بل قد اجتمعوا عليهم، ورموهم عن قوس واحدة، فقدر الله ذلك لتلتجئ القلوب إلى الله، وتصعد الأدعية إلى الله، ولا يشقى مع الدعاء أحد إلا من حرمه الله، ونسأل الله ألا يحرمنا دعاءه وإجابته بفضله . اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين. ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم نج المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين والدعاة إليك في كل مكان، اللهم مكن لكتابك ودينك وسنة نبيك ﷺ وعبادك المؤمنين. ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم إنا نسألك بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيينا ما علمت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما علمت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك نعيماً لا ينفد، ونسألك قرة عين لا تنقطع، ونسألك برد العيش بعد الموت، ونسألك الرضا بعد القضاء، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا. اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا.

стр. 9

اجتماع الأحزاب يقف الكفار من دين الله تعالى موقف العداء والبغض والحقد على اختلاف ألسنتهم وألوانهم ومللهم، ويسعون جاهدين للمجادلة بالباطل ليدحضوا به الحق، وهم على مر الزمن لا يجدون فرصة للقضاء على دين الله إلا انتهزوها، بل لقد همت كل أمة منهم برسولهم ليأخذوه، والله تعالى لهم بالمرصاد، وهو ناصر دينه ومعز أوليائه، ولذا كان على المسلم أن لا يغتر بفتنهم وسلطانهم وتحركهم في الأرض، فإن ذلك كله بلاء، والمعتصم بربه مهدي إلى صراط مستقيم.

стр. 10

تعريف الله تعالى عباده ببعض صفاته العلى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فيقول الله تعالى: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ * مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر:١ - ٤]. إنه لا بد أن ينتبه أهل الإيمان إلى أن الله أثنى على نفسه، بأنه غافر الذنب وقابل التوب، وأنه شديد العقاب، لكي يرغب العباد إليه ويرهبوه. وأخبر أنه أنزل الكتاب من عنده، وأنه هو العزيز العليم . ورغب العباد في رحمته ومغفرته وتوبته عليهم إذا تابوا إليه، ورهبهم من عقابه، وامتن عليهم بفضله ومنه، لا إله إلا هو، أي لا معبود بحق سواه، فلا يعبد في الأرض ولا في السماء بحق سواه، ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٨٤] وهو العزيز العليم ، إليه مصير هذه الدنيا بأسرها، ومصير العباد كائن إليه ليحاسبهم، فمن أيقن بلقاء الله عمل لهذا اليوم.

стр. 11

مجادلة الكفار في آيات الله ونهي الله عباده عن الاغترار بهم ثم بين الله أن الكفار يجادلون في آيات الله، فهم يريدون رفضها وعدم العمل بها وعدم انتشارها. فالذين يحاربون الإسلام هم الكفرة المعرضون الذين يمنعون ظهور القرآن ولا يحبون انتصار آياته البينات، ويكرهون أن يعلو أمر الله في بقعة من الأرض، وأن يظهر أهل الإيمان الذين إذا مكنهم الله أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. ما أكثر من يكره التمكين لدين الله ! فيكره أن تقام الصلاة وأن تؤتى الزكاة، وأن يؤمر بالمعروف، وأن ينهى عن المنكر! فبين أن هؤلاء يتقلبون في البلاد، فلا يجوز أن يغتر الإنسان بهم، قال تعالى: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر:٤]. فلا يغررك تمكنهم وسلطانهم أيها العبد المكلف، والخطاب كان لرسول الله ﵌ وهو في مكة حين لم يظهر الإسلام في أرض من البلاد، ولم يتكون بعد ذلك المجتمع المسلم الذي تعلوه شريعة الله ويعظم فيه أمره وكلامه، ويقدم فيه هدي رسوله ﵌. فما أكثر من يغتر بتقلب الكفار في أنواع النعم في مشارق الأرض ومغاربها! وما أكثر من يرى الدولة لهم فيتابعهم على باطلهم فيكون -والعياذ بالله- واحداً منهم بموالاته لهم، ورضاه عنهم، ورغبته في ظهور كلمتهم، أو بمجرد متابعته لهم في المجادلة في آيات الله ، نعوذ بالله من ذلك. والذين يغترون بسلطان الكفار وتقلبهم في البلاد هم الذين خبثت قلوبهم، فأراد الله أن يميز الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم، كما قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦ - ٣٧]. هكذا قدر الله بعلمه وحكمته أن يميز أهل الإيمان وإن كانوا في فترة من الفترات فيما يبدو للناس لا يملكون الدفع عن أنفسهم، ولا يملكون أرضاً من البلاد يعلون فيها منهجهم ويظهرون فيها دينهم ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وهو ابتلاء من الله يقدره لكي يغتر من يغتر ولكي ينتبه من ينتبه ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر:٤].

стр. 12

تكذيب الأمم السابقة لرسلهم يقول الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [غافر:٥]. هؤلاء الأحزاب اجتمعوا وتألبوا وكانوا طوائف مختلفة، فاتفقت كلمتهم على محاربة دين الله ، فقوم لوط وقوم عاد وثمود والمؤتفكات هؤلاء الأحزاب اجتمعوا على رسلهم، وهكذا في كل زمان يقدر الله اجتماع أحزاب من أحزاب الكفر والضلال لكي يحاربوا دين الله سبحانه، وجعل رءوسهم من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين رغم اختلافاتهم الكثيرة، ورغم كونهم من ملل شتى ومن قوميات شتى وأجناس شتى، يجتمعون ويتحزبون.

стр. 13

تجمع الأحزاب لحصار الرسول ﷺ ومن معه ما أشبه الليلة بالبارحة! فانظر إلى الحصار الذي فرضه المشركون من قريش وغطفان ومن تابعهم من القبائل العربية المختلفة ومن ظاهرهم من يهود بني قريظة، ومن بقي من يهود بني النضير في خيبر ومن دعا منهم في جمعه هؤلاء الأحزاب، حتى اجتمعوا جميعاً لحصار المسلمين في المدينة وجاءوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، جاءوا حول المدينة من جهاتها، وعند ذلك اشتد الكرب ونجم النفاق وظن الناس الظنون المختلفة، فظن المنافقون أن الإسلام مستأصل، وأن الإسلام يزول، وظن المؤمنون بالله أن ينجز لهم وعده ، وأن يفي بوعده لهم ولنبيه ﵊، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]. اجتمع هؤلاء الأحزاب بمؤامرة اليهود كما اجتمعت الأحزاب من قبلهم على رسلهم، اجتمع هؤلاء الأحزاب رغم كونهم قبل ذلك كانوا لا يتفقون على رأي، بل كان بعضهم يقاتل بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً، حتى اليهود كانوا قبل الإسلام يتقاتلون ويتحاربون، كما قال عنهم فيما بين من فضائحهم بعد ذكر أخذ ميثاقهم: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٨٤ - ٨٥]. فبين أنهم كانوا يتقاتلون فيما بينهم، ولكن عندما جاء الإسلام اجتمعوا على حربه، وهكذا المشركون ما كان لبعضهم على بعض سيادة ولا إمارة، بل كانت العرب متفرقة على الدوام متقاتلة متحاربة؛ لكن عندما ظهر الإسلام اجتمعوا على حربه! وهكذا إذا نظرت فإنك تجد اليهود والنصارى أعداء على مر العصور، ولكنهم في زماننا يجتمعون وينفق بعضهم على بعض، ومعهم من لا دين لهم كذلك من بقايا الشيوعيين والمشركين عباد الأوثان، وعباد الشياطين والعياذ بالله من ذلك، فاجتمعوا كلهم على حرب الإسلام، ومعهم المنافقون، فكلهم أعداء، ومع ذلك يجتمعون إذا ظهر الإسلام. ألم تكن طوائف من المنافقين تتفاخر عبر عشرات السنين بأنها حرب على اليهود وعلى الاستعمار وعلى الغرب، ثم بعد ذلك تنحني الجباه وتركع الرءوس، وربما سجدوا لأعداء الله أو كادوا يفعلون، والعياذ بالله من ذلك. هكذا تجتمع الأحزاب ضد الإسلام وأهله، وتنفق الأموال ببذخ وسخاء، وتخرج الخزائن من هذه الأموال ممن لا يجدون طعاماً يأكلونه ولا ملابس يلبسونها، فإذا وجه أعداء الله رصاصهم وقنابلهم لأهل الإسلام أغدقت الأموال بما لا يحصيه أحد منا، ولا يراه، وإنما يحصيه رب العباد . فهكذا تتحزب الأحزاب وهكذا يكذبون الرسل. وقد قدر الله أن يكون هذا الاجتماع لحرب الدين يكاد يصل إلى غايته، ففي يوم الأحزاب أوشك الكفار أن تتم خططهم بنقض يهود بني قريظة العهد وباتفاقهم معهم على أن يقتحموا المدينة، ورسول الله ﷺ والمسلمون كانوا ثلاثة آلاف في أول حفر الخندق، ولكنهم نقصوا حتى وصلوا إلى سبعمائة بعد ذلك، وانسحب من في قلبه النفاق الأكبر، أو في قلبه شعبة منه، حتى وصف حذيفة ﵁ ليلة الأحزاب بأنها أشد ليلة عندما كانوا ثلاث مائة مقاتل مع النبي ﵊، فانخفض عدد المسلمين الثابتين مع رسول الله ﷺ إلى العشر.

стр. 14

قصة ليلة الأحزاب يقول حذيفة ﵁: نظر النبي ﷺ إلينا واحداً واحداً في ليلة ما رأيت أظلم منها ولا أبرد منها قط، والريح شديدة حتى كان أحدنا لا يكاد يرى أصبعه. قال حذيفة: فتقاصرت في الأرض كراهية أن أقوم. فلا يريد أن يظهر لكي يكلفه النبي ﷺ بعمل لشدة الجوع وشدة البرد، يقول: ليس علي ما أتقي به البرد إلا برد لامرأتي لا يبلغ ركبتي. وأرسل عثمان بن مظعون ابن أخته عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃ إلى الحصون ليأتي لهم من هناك بطعام وثياب، فيأمره النبي ﷺ أن من لقيت من أصحابي فأمرهم فليرجعوا، يقول عبد الله بن عمر: فما رأيت أحداً إلا أمرته بالرجوع، فلا يلوي أحد منهم عنقه. أي: كانوا لا يلتفتون إلى كلام عبد الله ولا يسمعونه، بل كل متجه إلى بيته لا يريد أن يكون مع الرسول ﵊. فعشر المسلمين فقط هم الذين ثبتوا وهم الذين بقوا مع رسول الله ﷺ ، هذه هي الخلاصة التي أعز بها الله الدين في المشارق والمغارب. وبعد ذلك صلى النبي ﵊ صلاة طويلة ثم قال: (قد حدث في القوم حدث، فمن يأتيني بخبر القوم وله الجنة) فضمن له ﷺ الرجوع ووعده بالجنة. ونحن نعلم حب الصحابة الشديد لرسول الله ﷺ وامتثالهم لما يرغب فيه قبل أن يأمر، ولكن كانت القلوب قد بلغت الحناجر، وكان الخوف والبرد الشديد والحصار والكرب في غايته، وكاد المشركون أن يصلوا إلى غايتهم، ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ [غافر:٥]. فلما طلب النبي ﷺ أن يأتيه رجل بخبر القوم على أن يكون رفيقه في الجنة ما قام رجل، فصلى النبي ﷺ هوياً من الليل ثم قال: (من يأتيني بخبر القوم ويكون رفيقي في الجنة) فلم يقم أحد ثم كرر الثالثة، ثم قال: (قم يا حذيفة) وذلك لثقته به، لأنه يعلم أنه لن يعصي له الأمر المباشر، وإن كان الأمر المستحب يحتمل أن يكون متروكاً عندهم. قال حذيفة: فما كان من طاعة رسول الله ﷺ بد، قال: (اذهب فأتني بخبر القوم ولا تحدث شيئاً حتى تأتيني)، وفي رواية مسلم: (فلا تذعرهم علي). فذهب حذيفة ﵁، وكان الرسول ﷺ قد دعا له بقوله: (اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته). قال: (فكأنما أمشي في حمام، وما خلق الله في قلبي من الخوف والقر قد خرج فلا أجد منه شيئاً). فدخل المعسكر ونظر إلى أبي سفيان يدفئ يده ويضعها على خاصرته ويقول للناس: لينظر كل أحد منكم من جليسه. وكأنه توقع أن يوجد في القوم من ليس منهم، فأخذ حذيفة ﵁ بيد جليسه وقال: (من أنت؟ فقال: فلان بن فلان فترك يده)، وذلك لكي لا يسبقه الرجل بقوله: من أنت. فقال لهم أبو سفيان: ما أنتم بدار مقام، إني مرتحل فارتحلوا. وذلك حين رآهم والريح تفعل بهم ما تفعل لا تترك لهم ناراً، ولا يستقر لهم قدر، ولا تقوم لهم خيمة، وجنود الله تفعل بهم ما ذكر الله سبحانه في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:٩ - ١١].

стр. 15

والعاقبة للمتقين وصلت المحنة إلى أن المشركين كادوا أن يفتكوا بالإسلام كله، كما قال تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ [غافر:٥]، وهكذا يقدر الله أن تجتمع أحزاب الكفر من المشارق والمغارب حتى ظن الكثيرون أن الإسلام مستأصل، وأن الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله ومن يهفوا إلى نصرة الدين مستأصل ذاهب لا يمكن أن تقوم له قائمة بعد ذلك اليوم ولكنها اللحظات التي تسبق نقطة التحول.

стр. 16

منازلة اليهود من حصونهم إن هذا الابتلاء وتلك الزلزلة كانت هي اللحظات التي تسبق نقطة التغير التام، ففي تلك الليلة انصرف المشركون وانصرفت قريش وانصرفت غطفان وبقي يهود بني قريظة في الخوف والرعب، فأتاهم النبي ﷺ وحاصرهم، ثم أنزلهم الله من حصونهم على أمره فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم ونساءهم وأخذ أموالهم وأرضهم. وقال النبي ﵊ بعد انهزام الأحزاب (الآن نغزوهم ولا يغزوننا) وقد كان الأمر كما قال : ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا * وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب:٢٥ - ٢٦] فريقاً تقتلون من الرجال المقاتلين وتأسرون فريقاً من النساء والصبيان ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب:٢٧]. فمن كان يظن أن أهل المدينة في يوم من الأيام سيدخلون حصون بني قريظة المنيعة وسيطئون هذه الأرض مالكين لها؟! فذلك بفضل الله بسبب الغدر وبالتألب والتحزب الذي كان. إن الله سبحانه يجعل الكفرة ينقضون العهود والمواثيق التي عاهدوا المؤمنين عليها، كل ذلك يقدره الله بالحق، ويتركهم سبحانه يؤذون المؤمنين وينتهكون حرماتهم ويسفكون دماءهم وهي عند الله غالية وذات حرمة عظيمة، لكنه يتركهم يفعلون ذلك بعلمه وحكمته وتحت سلطانه وقدرته، وهو الملك، وهو الشهيد على ما يفعلون؛ وذلك لكي يزدادوا إثماً ويستحقوا أنواع العقاب بقدرته . وما أكثر ما كان يثني النبي ﷺ على الله بهزيمته الأحزاب وحده، فكان يقول: (وهزم الأحزاب وحده)، حيث إنه لم يتحرك المؤمنون لقتال يومئذ، وعندما رجع حذيفة ﵁ إلى رسول الله ﷺ رجع إليه القر والبرد والخوف كما كان، فوضعه بين رجليه وغطاه ببرد بعض نسائه ﵊ الذي كان يصلي فيه، فأخبره بخبرهم ورحيلهم.

стр. 17

مقاصد أهل الباطل ونتائج أعمالهم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وأشهد أن لا إله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌. أما بعد: فيقول الله : ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ * وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر:٥ - ٦]. يظن أكثر الناس أن الحق هو القوة، فيرون الباطل حقاً لأنه قوي ويرون الحق باطلاً لأنه ضعيف في نظرهم، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق من مكانه الذي يستحقه ويناسبه في الظهور. فيريدون إزهاق الحق وإبطاله، فاستعملوا كل الوسائل المادية، وكذا الإعلام، والجدال بالباطل ليصدوا الناس، وهموا بأن يأخذوا رسلهم ويزيلوا الحق بأخذ الرسول الداعي إلى الله ، وكذلك بالجدال بالباطل والكذب والزور وأنواع الشبهات الباطلة، فعندهم السلطان وعندهم من الشبهات ما يخدعون به من هو صال الجحيم، كما قال : ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:١٦١ - ١٦٣]. لا يفتنون إلا من كتب الله عليه أن يصلى الجحيم، ولا يهلك على الله إلا هالك، ولا يزيغ عن المحجة البيضاء في ظلمات الليل إلا هالك، لأن الرسول ﷺ تركنا على الصراط المستقيم وعلى المحجة البيضاء ليلها كنهارها. ويظهر الحق في فترات النور والانتصار والتمكين، فالحق واضح لمن طلبه والمجاهدون بالباطل يجاهدون ليدحضوا به الحق فيأخذهم الله، كما قال تعالى: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر:٥]. ولقد كان عقابه تعالى شديداً لمن خالفه وحاربه وحارب رسله وأولياءه وحارب دينه والحق الذي أنزله، وهكذا في كل زمان تتكرر هذه السنة، ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [غافر:٦]، فبالحق نزل بهم عذاب الله، وبالحق نفذ فيهم قدر الله، وبالحق نفذت كلمته . وكلماته الشرعية هي الحق، وكلماته القدرية هي التي تكون بها الأشياء ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وهي -أيضاً- الحق الذي لا باطل فيه ولا مرية فيه، ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر:٦]. وجبت هذه الكلمة بالحق، فبأعمالهم دخلوا النار، وبحصاد ألسنتهم وأيديهم كبوا على وجوههم، وصاروا من أصحاب النار بما جنت أيديهم وبما كانوا يكسبون، ﴿مَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١١٧].

стр. 18

الواجب على المسلمين في زمن الأحداث قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر:٦] فلنتعظ من ذلك، والمسلمون اليوم يواجهون حصاراً معنوياً وعسكرياً، ويواجهون عدواً كثيفاً متألباً متحزباً في كل مكان ليس فقط في الشيشان أو في فلسطين أو في كشمير، بل في مشارق الأرض ومغاربها، وهي عداوة شديدة لأهل الإسلام. بل إنَّ تحزب الأحزاب في زماننا ربما لم يسبق له مثيل في زمن العولمة الذي صار فيه العالم كقرية صغيرة، ربما لم يسبقه ذلك التحزب في الاجتماع والتخطيط اليهودي الماكر في المشارق والمغارب، والتعاون الوثيق على الإثم والعدوان، ذلك كله قبل نقطة التحول وقبل نقطة التغيير بإذن الله إلى ما فيه مصلحة المسلمين، وإذا كان من كانوا مع النبي ﵊ قد صاروا إلى العشر فما ظنك بمن هم دون ذلك وليس مجتمعهم كذاك المجتمع النقي الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃. فالثبات الثبات عباد الله، فهو الذي يثبت القلوب والأقدام، وإنما يلجأ إليه في الشدائد، وقد كان خير الخلق ﵊ يقول في دعائه: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) ويقول: (يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك). فهو الذي يثبت الأقدام ويثبت القلوب على الصراط المستقيم، كما يثبت على الصراط يوم القيامة أقدام المؤمنين ويجعلهم في زمرة الناجين بفضله ورحمته . وأما من غرته الحياة الدنيا بأن اشتغل فيها وغرق في فتنها ومشاغلها التي لا تنتهي وظل يسوف كل يوم فليعلم أن المشاغل لا تنتهي، ولا يخرج العبد منها إلا بأن يصير القلب أبيض مثل الصفا مستنيراً قوياً ثابتاً، لا تضره فتنة مادامت السماوات والأرض، وأما من يسوف الالتزام ومن يسوف العمل ومن يسوف العلم ويقول: غداً أفعل حين تنتهي مشاغلي، ويسوف الدارس إلى حين الفراغ من دراسته، والراغب في الزواج إلى حين الفراغ منه، ومن ليس عنده أولاد إلى أن يكون عنده أولاد، ومن عنده أولاد إلى حين تربية الأولاد، ومن كان عنده أولاد إلى رؤية أولاد الأولاد، فإن المشاغل لن تنتهي. وهذه طبيعة الدنيا، فمشاغلها لا تتوقف، فلا بد من المبادرة والمسابقة في كل لحظة من اللحظات، فبادر قبل أن يفوت الأوان، ففي الحديث: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل) هكذا أخبر نبيكم ﷺ ، فنعوذ بالله أن نبيع ديننا بعرض من الدنيا! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اليهود والنصارى والمنافقين وسائر الكفرة والملحدين. اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم انصر المسلمين في كل مكان، اللهم انصر المسلمين في الشيشان وثبت أقدامهم، اللهم سدد رميهم، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 19

استعينوا بالله واصبروا استحضار عظمة الله تجعل المؤمن واثقاً من نفسه؛ لأنه وضع عظمة الباري نصب عينيه فتلاشت واضمحلت كل أنواع عظمة المخلوقين، وهذا هو سبب ثبات الأنبياء والصالحين أمام أئمة الكفر والطغيان والعناد. وهذا الاستحضار لا يكون إلا بالإيمان بقضاء الله جل وعلا وقدره، فبهذا الإيمان وبهذا اليقين تهون المصائب، وتذل العقبات في سبيل نصرة هذا الدين وإعلاء رايته.

стр. 20

الحكمة من تسليط الله الكافرين على المؤمنين في بعض الأوقات إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فقد قضى الله بعدله وحكمته أن جعل الأيام بين الناس دولاً فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠ - ١٤١]، وجعل الله الأيام يتناوب الناس فيها باليسر والعسر، والعز والذل، والتمكين والاستضعاف، وقدر لأنبيائه ورسله وهم صفوته من خلقه، وقدر على أوليائه من أتباعهم أن تمر عليهم فترات من المحن والشدائد، وأن تمر عليهم فترات يستضعفون فيها في الأرض، ويكونون قلة أذلة، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال:٢٦]. فقدر الله ذلك مع كونه لا يحب الظالمين، ولا يحب الكافرين، وإنما سلطهم مدة وجيزة من الزمن على عباده المؤمنين ليستخرج من عباده المؤمنين أنواعاً من العبودية التي يحبها، ولا يمكن أن تظهر هذه الأنواع لو هدى الناس جميعاً، ولو شاء لهدى الناس جميعاً، وأمره لا يحتاج إلى تكرار وتثنية، قال سبحانه: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر:٥٠] مرة واحدة ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٥٠] فيقع ما أمر به ، وهو لا يعجزه أن يجعل الناس أمة واحدة على الإيمان، حتى أشد الناس كفراً وعداوة لله قادر أن يقلب قلوبهم ويجعلها على الهدى، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود:١١٨] لكنه قدر ذلك للحكم البالغة: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [القمر:٥]، فله الحمد عليها. لذلك عندما يجد المؤمن المسلمين يصابون بأنواع المصائب والمحن، ويضطهدون بأنواع الاضطهاد، ويجد الفساد ينتشر في مشارق الأرض ومغاربها، ويرى البلاء والمحن، ويرى أنواع الشدائد؛ فيجب أن يحمد الله ، ولا بد أن تقع في قلبه معان إيمانية ضرورية لكي يستفيد من هذه المرحلة التي قدرها الله ليظهر منه الخير، وليخرج من قلوب أوليائه ما يحب من الاستعانة به، والصبر على طاعته ، وعلى ما يصيب الإنسان في سبيله، وعلى ما يصيب الإنسان بسبب مخالفته لأهل الفساد والكفر والنفاق، وكذلك ليوقن المؤمنون بوعد الله ، ويستحضروا أن الله هو الذي أعطى، وهو الذي منّ، وهو الذي آوى؛ لأنهم سوف تأتي عليهم فترات يملكون فيها الناس، ويكونون فوق الخلق، ويتحكمون فيهم فيما يبدو لهم، فهل يكونون في ذلك كملوك الدنيا وأهل الدنيا يتحكمون فيهم لأنفسهم ولهواهم ويقولون: صنعنا، وانتصرنا، وغلبنا، وقهرنا، كقول قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [القصص:٧٨] ونحو ذلك مما قص الله علينا من كلام الكفرة والفسقة والفاجرين؟ أو أنهم سيعلمون أن الله سبحانه هو الذي أورثهم الأرض بمشيئته لا بقدرتهم، ولا بتخطيطهم، ولا بإعدادهم.

стр. 21

معان إيمانية وهناك معان إيمانية لا بد أن يستحضرها المؤمن عندما يمر بظروف تشبه الظروف التي مر بها أنبياء الله من قبل، وأول هذه المعاني: أن يشهد المؤمن قضاء الله وقدره وحكمته وعدله ، ويشهد أن الأمور كلها بقضائه سبحانه، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وهذا من أعظم ثمرات الإيمان. وأن يشهد خلق الله لأفعال العباد، وأنه هو الذي جعلهم كذلك؛ ليستحضر عظمة ملك الله، وليستحضر عزته وقهره ، فانظر وتأمل في قول موسى ﷺ وهو يدعو ربه : ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٨٨] فإن موسى ﵊ لم يستحضر في هذه اللحظة أن فرعون عنده كذا وكذا من المال والجنود والملك والسلطان، وإنما استحضر أن الله آتاه فقال: (ربنا إنك آتيت) فلم يستحضر إلا أن فرعون آلة لنفوذ قضاء الله وقدره، وهذا من أعظم الأمور أهمية، وهو أن يرى العبد أن من يواجهه من الكفرة والظلمة وأعداء الإسلام أضعف وأذل من أن يرجوهم أو يخافهم، أو أن يظن أن الأمور بأيديهم، وعدم استحضار هذا المعنى يجعل الناس يسيرون في ركب الظالمين، ويداهنون الكافرين، ويوالونهم، وقد ذكر الله عن المنافقين ذلك؛ لأنهم يخشون أن تكون الدولة للكافرين والظالمين، وأن تكون الغلبة لهم، ويخشون أن تكون هناك مرحلة أخرى فهم يعدون العدة لذلك، وحينما يكون الأمر للكفرة والظلمة فإن أكثر الناس يتبعونهم؛ وذلك لأنهم استحضروا أن الملك لهؤلاء كما قال : ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ [النساء:١٣٨ - ١٣٩] فقد فضحهم الله وبين حقيقة ما في قلوبهم، فهم يتولون الذين كفروا؛ لأنهم يبتغون عندهم العزة، ويعاونونهم على الفساد؛ لأنهم يريدون من المفسد مكانة ومنزلة، ولو استحضروا أن الملك لله، وأن الله هو الذي آتى فرعون وملأه ﴿زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس:٨٨]، وأنه سبحانه هو الذي قدر أن يوجد من يضل عن سبيله، وفي قدرته أن يمحوهم في لحظة، وفي قدرته أن يزيلهم من على وجه الأرض، ومع ذلك قدر أن الكافرين يضلون عن سبيله؛ لأن هناك قلوباً خبيثة، وهناك نفوساً قبيحة، فلا بد أن يخرج ما فيها من الخبث، كالمغناطيس يجذبها إلى أمثالها كما قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦ - ٣٧]. فالله جعل الكفار ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، مع أن إنفاقهم سيكون بعد ذلك عليهم ((فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ)) أي: يتحسرون؛ لأنهم لا يجدون ثمرة لما يفعلون، بل يجدون عكس ما يريدون من صد الناس عن سبيل الله، وفي نهاية الأمر ((ثُمَّ يُغْلَبُونَ)) وتأمل ذكر (ثم) في هذا الموضع وهي للتراخي؛ ولكي لا تستعجل، ولكي تطمئن ويسكن قلبك، وتعلم أن الأمور كلها بمقدار، وأن لها موعداً محدداً، ولا تقل: لماذا لم يأخذهم الله الآن؟ لماذا تركهم الله يفسدون في الأرض؟ ((ثُمَّ يُغْلَبُونَ)) فسوف يأتي زمن يطول أو يقصر؛ ولذلك قال الله لنبيه ﵊: ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف:٣٥] فإياك أن تستعجل، واعلم أن كل شيء قُدر لحكمة من الله الملك الحق المليك المقتدر . فهو الذي آتى ((فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)) ثم قال: ((لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ)) ولكي يستجيب أصحاب القلوب الفاسدة كما بين ذلك في آيات كثيرة ومن ذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام:١١٢ - ١١٣] فتأمل هذه الكنوز القرآنية. ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا)) فالله الذي جعل، وهو أول ما ينبغي أن تلحظه في هذه الآية فقال: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا)) ولم يقل: كذلك كان لكل نبي، وإنما قال: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا)) فالله هو الذي خلق في قلوبهم ذلك: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ)) وبدأ بشياطين الإنس قبل شياطين الجن؛ لأن خطر شياطين الإنس أشد؛ ولأنهم يضلون الناس أكثر من شياطين الجن. ((يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ)): يشير بعضهم على بعض، ويأمر بعضهم بعضاً، وينصح بعضهم بعضاً بالفساد والكفر والنفاق. ((زُخْرُفَ الْقَوْلِ)) وهو القول المزخرف الذي يحسبه سامعه حقاً وهو باطل، وأكثر الناس ليس عندهم التمييز والقدرة العلمية على معرفة النافع من الضار. ((زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا)) أي: ليغروهم به. ((وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ)) واستحضر هذه جيداً، وهو أن هذا الأمر حدث بمشيئته في قوله: ((وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ)) إذاً: بإذنه تم ذلك، ولحكمته وقع ما أراد ، فهو الذي قدر وجود الأعداء، وكيد الأعداء، وكل ذلك لهوانهم عليه؛ ولذلك قال لنبيه ﵊: ((فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ)) وهذا نوع احتقار، أي: لا تعبأ بهم، ولا تقلق، ولا تضطرب منهم، والخطاب في حقيقة الأمر لكل مؤمن؛ ولذلك قال : ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ [آل عمران:١٩٦] فهم أهون على الله من أن يجعل لهم منزلة وقدراً، قال ﷺ : (لو كانت الدنيا -بأسرها- تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) ولو أن الدنيا بأسرها كانت تساوي عند الله شيئاً ما مد عمر إبليس بطول عمر الدنيا منذ خلق الله آدم وأمر ملائكته بالسجود وأبى إبليس ذلك، وإبليس مخلوق قبل آدم، وقد طلب ذلك إبليس فأجابه الله له. انظر لتعرف حقارة وتفاهة هذه الدنيا؛ وذلك لأن الله أعطاها لإبليس اللعين حين سأله إياها؛ لأنها أتفه ما يكون؛ ولذلك استحضر أن ذلك بمشيئته : ((وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ)) هم يكيدون كيداً والله يكيد كيداً ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق:١٧]. قال : ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ [القلم:٤٤ - ٤٥] أي: يمد لهم ، لكنهم مربوطون فيما أراد الله أن يكونوا فيه، فهم مقيدون بمشيئته ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٥] لمتانة كيده أملى لهم، وفتح عليهم أبواب كل شيء. قال : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٢ - ٤٥]. قال الله : ((وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ)) أي: لزخرف القول الغرور ((وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ)) فمن حكمته أنه جعل قلوباً تميل إلى هذا الباطل، وتقبله، وتحبه، وترضاه، وتعين وتساعد عليه، وتسعى إلى نشره في الأرض، وهو باطل مر قبيح ولكن كثير جداً من النفوس تميل إليه بسبب انعدام الإيمان ((وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ)) أي: لتميل إلى هذا القول المزخرف الغرور الباطل، وهي قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ((وَلِيَرْضَوْهُ)) أي: وليرضوا بالباطل ((وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ)) أي: ليكتسبوا ما هم مكتسبون، ولتكون نهايتهم وعاقبتهم كما كانت عاقبة من قبلهم؛ لذلك إذا استحضرنا أن الله هو الذي آتى، وأن الله هو الذي قدر أن يوجد من يضل عن سبيله، فستعرف أن الله يجعل هذا في النهاية مطموساً، ولا يثمر الثمرة التي رجاها أصحابه منه؛ ولذا دعى موسى ﵇ ربه: أن يطمس على أموال آل فرعون قائلاً: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس:٨٨ - ٨٩] وبعض أ

стр. 22

مراتب الناس في الاستعانة وقد جعل الله الناس مراتب وأنواعاً في هذا: فمنهم من يستعين بالله سبحانه على قضاء مصلحة دنيوية فهو يتوكل على الله في أمر الرزق، وفي أمر الأولاد، وفي أمر الوظيفة، وفي أمر العمل وغير ذلك، وهذا وإن كان حسناً إلا أنه ليس هو المطلوب فقط. وكثير من الناس يستعين بالله ويدعوه لنيل المحرم والعياذ بالله، فهو يتوجه إلى الله وليس في باله أن يطيع الله ، فربما وجدت من يخرج لأكل الربا ويقول: توكلت على الله، وما أكثر ذلك، وهناك من يخرج لظلم الناس ويقول: توكلت على الله، وتجده فعلاً يسأل الله التوفيق في ذلك العمل؛ لأنه حصل له الجهل المركب والعياذ بالله ولم يعبأ ببحثه عن الشرع، ولم يتعلم شرع الله ؛ ولذلك ظن الجاهل أنه يتوكل على الله في نيل معصيته وربما حصل له ذلك، فإبليس لم يتوجه لغير الله في طلب المد في عمره قال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦] فقد سأل ربنا ، وأعطاه الله ما سأل، لكي يستعين إبليس بهذا العمر الطويل على إضلال الناس ومحاربة الله، أفيظن أن الله لا يدري، ولا يعلم ما في نفسه؟! حتى إنه كتم هذا الأمر إلى أن تأكد أن الله أنظره، ثم قال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:٣٩ - ٤٠]، لكنها نوعية عجيبة وغريبة من المخلوقات، فهي تستعين بالله على الكفر به ومعاداته ومعصيته، وتطلب منه ما تستعين به على ذلك، لكنها موجودة بالفعل. وأعلى الناس قدراً في أمر الاستعانة هو من يستعين بالله على عبادته، وعلى طاعته؛ لأنه يعلم أنه لا يقدر على الطاعة إلا بتوفيق الله .

стр. 23

مقام الصبر وأنواعه ثم ينتقل بعد ذلك إلى مقام الصبر بأنواعه الثلاثة، وهي مجتمعة فيمن يطيع الله في فترات الشدة والمحن؛ لأن الصبر: صبر على الطاعات، وهو أعلى أنواع الصبر. وصبر عن المعاصي وحبس النفس عنها. وصبر على أقدار الله المؤلمة. والإنسان قد تصيبه أشياء مؤلمة على أي الأحوال، فالحياة لا تخلو من الألم، فمنذ نزول آدم ﵇ والإنسان يشقى، كما قال : ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه:١١٧] هي الدنيا ضنك، وألم لابد منهما، ولكن من الناس من يجري عليه الألم وهو في معصية الله. وهناك من يجري عليه الألم بغير طاعة ولا معصية، وإنما هي مصيبة تصيبه. وهناك من يجري عليه الألم وهو من الكفار فتصيبهم آلام يعذبون بها وهم في الكفر والعياذ بالله، أترون مثلاً من يحاربون المسلمين في كل المشارق والمغارب، ألا يصيبهم من الجراح والقتل والمتاعب والشقاء الشيء الكثير؟ ومع ذلك فهم على ما هم عليه من الكفر. يقول لي أحد الإخوة: كنت أعرف رجلاً من قبل شهر ونصف في كمال القوة والعافية، وكان من عادته أن يظلم كثيراً من الناس فيقول: مررت به الأسبوع الماضي وقد أصيب بورم سرطاني، فأُخذت حنجرته كلها، وأصبح في هزال شديد، وهذا كله في خلال شهر ونصف فقط. وهكذا أي إنسان، حتى لو كان إنساناً طيباً وعلى حاله ولا دخل له بشيء فإنه يصيبه المرض، فمن ذا الذي لا يصيبه المرض؟ بل قد يقوم الواحد من النوم فيجد شيئاً يؤلمه، فالآلام لا بد أن توجد. لكن هناك من يجيء له الألم بسبب طاعته لله ، وهذا في الحقيقة في حلاوة. وأنواع الصبر الثلاثة: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على أقدار الله المؤلمة مجتمعة فيمن يطيع الله في فترات الشدة؛ لأن الطاعة أثناء الشدة تحتاج إلى صبر مضاعف، فالكل يريد أن يبعدك عن الطاعة، وقد يقال لك: ابتعد عن هذه الطاعة حتى تسير حياتك بسهولة، لا والله! الحياة لا تسير بسهولة بغير طاعة، وإن ظن الناس أنهم يعيشون حياة سهلة. وانظر إلى متاعب الناس الذين ابتعدوا عن الإسلام، وابتعدوا عن الدين: هل يعيشون حياة سهلة أم ضنكا؟ والله أنهم يعيشون حياتهم في ضنك وشقاء بأنواعه حتى الأغنياء منهم، وحتى الملوك والرؤساء والكبراء، وحتى السادة المبرزين والمشهورين، فإن حياة الضنك لا تفارقهم كما توعد الله فقال: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٣٢ - ١٢٦]. ولو لم يكونوا في ضنك فلماذا يشربون الخمر؟! ولماذا يدخنون المخدرات؟! ولماذا يريدون أن يسيحوا في الأرض وينطلقوا بحثاً عن اللذات؟! فلو أن هذا الإنسان سعيد لما بحث عن مصادر السعادة الأخرى، ولما أراد أن يغيب عقله بالمسكرات أو المخدرات. فشعوب الغرب والشرق لا تستغني عن الخمر لحظة، ولابد أن يشربوها كل يوم، فشرب الخمر عندهم كشرب الماء عندنا، والمرفهون عندنا يضعون المياه الغازية، وعندهم يضعون الخمرة، حتى في احتفالاتهم وبروتوكولاتهم فلابد من الخمرة، فلا يستغنون عنها، فلو أنهم سعداء في حياتهم فلماذا يشربونها؟! ولماذا يريد الإنسان أن يغيب عنه العقل؟ لماذا يريد أن يعيش في حياة أخرى غير التي يعيشها؟ الجواب لأنه تعيس في حياته، وانتشرت فيهم المخدرات بأنواعها المختلفة وهم الذين يصدرونها لنا، ويسعون في نشرها للناس. فمن أراد النزهة الحقيقية فليذهب للصلاة أو العمرة، أو ليصم يوماً، أو ينفق في سبيل الله، أو يطعم مسكيناً، فسيحس بفسحة فعلاً في صدره، لأن الانشراح والضيق شيء في داخل قلب الإنسان قبل أن تكون من خارجه؛ ولذلك سوف يستريح بهذه الأعمال، وربما كان يراه الناس في ضيق، فضلاً أن أكثر شعوب الأرض تعيش في ضيق دنيوي أيضاً، فوعد ربنا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤] والعياذ بالله من ذلك. ولذلك نقول: إن الصبر على الطاعة في فترات الشدة يكون أعظم؛ لإنك تجد الناس يقولون: ابتعد عن الطاعة حتى تعيش حياة سهلة، وهم لا يعيشون أيضاً حياة سهلة، ولكن أكثر الناس يستجيبون لذلك، فلذلك كان الصبر على الطاعة في فترات الشدة أهم وأوجب وأعظم. أما الصبر عن المعاصي فالكل يدعوك إلى المعاصي، وانتشار الفساد يجعل المعصية سهلة، ويجعل المعاصي في متناول كل إنسان. فإذا أراد شاب مثلاً أن ينال من فتاة شيئاً، فهل يصعب ذلك عليه في وسط هذا الكم الهائل من المعاصي؟! ولذلك فالصبر في هذا المقام أعظم من الصبر عن هذه المعصية في مجتمع مسلم كل الفتيات فيه محجبات، والرجال فيه رجال يمنعون نساءهم من الاختلاط المحرم الفاسد، ويمنعون بناتهم وأخواتهم من ذلك، والمجتمع كله يذم من يزني، ويذم من ينظر، ويذم من يعاكس ويتوعده بالعقاب، أي الصبرين أعظم؟ مع أنه لو صبر في المجتمع المسلم وهو مأمور بالصبر لكان ثوابه عظيم، فكيف لو صبر في وسط الفساد المنتشر في الأرض، والمبثوث في كل مكان الذي يسهل معه أن ينال ما يريد إذا لم يتقِ الله ؟ أما الصبر على أقدار الله المؤلمة فإنما يعيبه بسبب طاعته؛ لأنه يتوعد ويخوف كما قال تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦] وقد يصيبه من ذلك ما يصيبه، ويحتسب عند الله ، ويصبر ويكون بذلك قد حصل أعظم أنواع الصبر قال تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ [الأعراف:١٢٨]. فإن الله سبحان وتعالى يورث الله الأرض لعباده المتقين، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] فاليقين بوعد الله ، والصبر على دينه في فترات الشدائد، كل ذلك من أعظم الواجبات، واليقين بوعد الله من أعظم مقامات العبادة والإيمان، فتوقن: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف:١٢٨] وتوقن أن العاقبة للمتقين، فلا تغتر بما ترى من بدايات؛ وأن الموازين لصالح أهل الكفر، وأن القوة في العالم بأسره بأيدي المشركين، فوالله أن ذلك اختبار لك؛ لكي تستحضر ما أخبر الله به من أن المؤمنين هم المنتصرون، وتتذكر ذلك لتزداد يقيناً بوعد الله، هذه الآية الكريمة من المبشرات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]، وقد قال في معنى هذه الآية آيات كثيرة لكي نستيقن بوعد الله ، قال : ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٥ - ١٠٦]. ((وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ)) أي: في جنس الكتب المنزلة على الأنبياء وهي الكتب التي تزبر، أي: -تكتب- ((مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ)) أي: من بعد الكتابة في اللوح المحفوظ: ((أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)). إذاً: فعليك أن تحقق الصلاح، وتجتهد في العبودية لكي تكون ممن يرث الأرض: (إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين) إذاً: فنحتاج في هذا المقام إلى الاجتهاد في العبادة، إلى أن نكثر من الصلاة والصيام والدعاء والتضرع لله ، وخصوصاً إذا خوفت كما قال : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٥] ولذلك أنت تحتاج إلى أن تتبع رضوان الله، فافعل ما يرضي الله، وأكثر من الطاعة، وأكثر من العبادة، ومن الذكر، ومن الدعاء فإن ذلك من أعظم ما يعينك على الثبات على دين الله . ومن أعظم ما يحتاج إليه المؤمن في الإعانة على الثبات كذلك: أن يكون مع إخوانه في الله، يوثق علاقته بهم، ويتعاون معهم على نصرة الدين وإقامة شرع الله في الأرض ولا يبتعد عنهم. فنحن كركاب السفينة الكبيرة التي غرقت وبقيت قوارب نجاة يجتمع فيها بعض الركاب، وأسماك القرش في البحر المتلاطم الأمواج تحيط بقوارب النجاة من كل جانب وتنهش في جوانبه، وهي قوارب ليست كالسفينة في شدتها بل هي مطاطية، فأسماك القرش ربما تأخذ من جوانبها وتفزع كل من فيها، ومع ذلك أتظنون أن عاقلاً يقول: إن أسماك القرش تحيط بالقارب فسأنقذ نفسي بإلقائها في البحر، أيكون مثل هذا عاقلاً؟! فهذا الذي يلقي بنفسه إلى أسماك القرش ويترك قارب النجاة الوحيد لا شك أنه هالك. وأما العاقل فهو يسعى إلى سد ثغرات القارب، ونزح المياه التي تأتي إليه من البحر، وهناك أشياء يأتي منها الخطر فلا بد أن نسدها، ولا بد أن نتعاون على حفظ القارب سليماً. المجتمع الذي كان في يوم من الأيام مجتمعاً مثالياً يعيش الناس فيه بالإسلام منذ مئات السنين غرق تدريجياً إلى أن صار بعيداً عن حقيقة الالتزام بالإسلام، وبقيت فيه قوارب النجاة وهي من يدعو إلى الله من أهل المساجد، ومن أهل الخير، وممن يسعون إلى إقامة دين الله فهؤلاء هم قوارب النجاة، وأسماك القرش التي من حولك هم دعاة الفتن الذين يقولون لك: ابتعد عن هؤلاء

стр. 24

حياة القلوب فيما أنزل الله وصية أخرى نختم بها كلامنا: وهي أن أعظم ما يحيي القلوب هو ما أنزله الله روحاً من عنده وهو كتاب الله ، فلا بد أن نستمد منه الحياة كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣] ولا أعني بذلك مجرد تصحيح اللسان وحفظ الحروف والكلمات، وإن كان ذلك هو الخطوة الأولى اللازمة، لكن لا بد له من تدبر وإمرار على القلوب قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] وليكن تصحيحك للحروف والكلمات وسيلة إلى تدبر قلبك لها كما قال أبو موسى الأشعري للنبي ﷺ : (لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيراً) لزينت لك القرآن بصوتي تزييناً، فأنت إنما تريد بتصحيح الكلمات والحروف أن تتفهم القرآن أكثر؛ لأن من لا يحسن القراءة ربما يفوت عليه خير كثير من التدبر بسبب عدم إتقانه له. وأنا أقول لكم كتجربة شخصية: إن السورة التي أبذل مجهوداً في مراجعتها ولا أحسن حفظها؛ لأني حفظتها على كبر، إذا وقفت لأصلي بها أو أتلوها أظل مشغولاً بألفاظها وحروفها فيضيع معظم التدبر، أما ما حفظته صغيراً فهو مستقر في النفس فأجد السبيل إلى التدبر أسهل وأيسر مفتوحاً بإذن الله ﵎. فنصيحتي إلى إخواني الشباب وأبنائي الشباب أن يستغلوا هذه الفرصة، فأنت في مرحلة التمكن من الحفظ، ولكن لا يكن همك أنهم سيقولون عليك: متقن، أو ستعطى إجازة تفتخر بها وتعلقها على الجدران، أو تعمل بها في أوقات تحتاج إلى العمل بها، لكن اجعل ذلك وسيلة إلى الغاية المقصودة؛ فإنما أنزله الله للتدبر قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]. نسأل الله أن يجعلنا منهم، ونسأل الله مقلب القلوب أن يثبت قلوبنا على دينه، اللهم! يا مصرف القلوب! صرف قلوبنا على طاعتك.

стр. 25

إصلاح القلوب إن أول صفة يجب على المكلف أن يحرص عليها هي: سلامة القلب من أمراض الشرك والكبر والعجب والغرور وغيرها من الأمراض التي تفسد القلب، وخير علاج للقلوب المريضة هو مداواتها بمراقبة الله، وإخلاص العبادة له، وتوحيده وتذكر الموقف بين يديه .

стр. 26

إصلاح القلوب سبب للتمكين وللنجاة يوم القيامة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: يقول الله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ * أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ * أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ * وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ * وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:١ - ٤٥]. عباد الله! لقد خوفنا الله سبحانه تعالى بوعيده، وأخبرنا رسول الله ﷺ بقرب الساعة، فقال: (بعثت أنا والساعة كهاتين، وإن كادت لتسبقني). فقد بُعث رسول الله ﷺ بين يدي الساعة، فهل أعددنا لهذه الساعة العمل الذي يناسبها؟ وهل أعددنا العمل الذي أمرنا الله به؟ وهل هربنا من وعيد الله وخفنا من عقابه؟ اعلموا أنه لا ينجو بين يدي الله يوم القيامة إلا من أتى الله بقلب سليم، قال الخليل إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في دعائه: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٧ - ٨٩]، فسلامة القلب هي أول صفة يجب على المكلف أن يحرص عليها، والحقيقة أن الإيمان الكامل الواجب لا يكون إلا مع سلامة القلب مما لا يحبه الله ولا يرضاه من أمراض الشبهات والشهوات، تلك الأمراض التي أمر الله العباد أن يعالجوا ويداووا أنفسهم منها، حتى لا تستفحل فتقضي على ما في القلب من إيمان. فالشرك -والعياذ بالله- من أعظم الأمراض خطراً، وكذا الكبر والعجب والغرور، وسائر أمراض النفس التي ينشأ عنها الصراعات بين الناس، وينشأ عنها الشرك والعناد، وينشأ عنها الكفر والنفاق، وسبب ذلك أن الإنسان لم يداوِ نفسه، ولم يسعَ إلى علاج ذنبها وظلمها، فالإنسان ظلوم جهول إلا من علمه الله ، فجعل في قلبه العدل بدل الظلم، والعلم بدل الجهل. وقد أمر الله عباده بأن يداووا أنفسهم، وأخبرهم بأنه هو الذي يشفي هذه القلوب، وأنه هو الذي يحييها بعد موتها، وهو يفعل ذلك بأسباب يبذلها العبد، كما هو الحال في كل قضاء قدره، فأمر العباد أن يزكوا أنفسهم، وأن يداووا أمراضهم وهم موقنون مع ذلك أن الله وحده هو الشافي، وأنه لا شفاء إلا شفاءه، فيجب علينا أن نسعى في الأرض وأن نأخذ بالأسباب في علاج أمراض النفوس، وفي تسليم القلوب لله مع اليقين وبأن فضل الله أكبر، وأنه هو الذي يزكي نفوسنا، وهو خير من زكاها، وقد كان ﵊ -وهو العبد الشكور- يقول في دعائه: (اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها). إن الله هو الذي يزكي النفوس، وقد أفلح من زكى الله نفسه، وخاب من دس الله نفسه، وهذه التزكية والدرس هما محض عدل من الله أو فضل، ففضل الله سبحانه يناله الذين اصطفاهم الله لذلك، وعدل الله يقع على من يستحقه، نسأل الله العفو والعافية. إذاً: يجب علينا أن نسعى إلى سلامة القلوب وإصلاحها، وذلك لا يكون إلا بفضل وعون من الله ، وسلامة القلوب وصحتها من الأمراض سبب لنجاة العبد يوم القيامة، وسبب في تمكين الله للطائفة المؤمنة في الأرض، فإن الله إنما يغير موازين الكون وسننه التي يسير عليها من أجل الطائفة المؤمنة القليلة المستضعفة، هذه الطائفة التي ليس عندها من أسباب القوة أو العُدَد والعدة، وذلك لا يتحقق إلا إذا سلمت قلوبها، فالله سوف يعطيهم رقاب العباد والبلاد، وأما إذا كانت النفوس لم تتزك بعد، ولم تصبر بعد، فإنها إذا تمكنت أوشكت أن تجعل العباد عبيداً لها من دون الله، وترى في ذلك كمال عزها مجدها، وهذا الذي صنعته لنفسها يضمحل معه سعيها في سبيل الله؛ لأن الله لا يقبل من السعي إلا ما كان خالصاً لوجهه، وأما ما كان من عجب وغرور وكبر -والعياذ بالله- وما كان من عمل لغير وجهه فإنه مضمحل باطل لا يقبله الله ، فإذا تمكنت هذه النفوس وهي لم تزل بعد متعلقة

стр. 27

الإخلاص دليل سلامة القلب فالغاية المقصودة: أن يعبد الناس ربهم وحده لا شريك له، وهذا هو الإخلاص لله -وهو علامة سلامة القلب- وهو الذي أُمرت به الأمم من قبلنا، قال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [البينة:٥]، وقال لنبيه ﵊: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:١٤ - ١٥]. والإخلاص عزيز ونادر لا بد للإنسان أن يحرص عليه، وفي نفس الوقت لا بد أن يعلم أنه لا ينال إلا بالمجاهدة المستمرة، ولا ينال إلا بمراقبة نفسه ونيته، فلا يتركها هكذا بغير مراقبة؛ لأن أيسر شيء على الشيطان هو الدخول على النية، وأيسر شيء عليه أن يغير الأمر بعد استقراره، وهذا أمر عظيم الخطر، فلا بد للإنسان إذاً أن يراقب نفسه على الدوام، ومن هنا فاز السابقون، وانتصر المجاهدون على أنفسهم، وكان لهم عند الله المنازل العالية بالمراقبة الدائمة، ومحاسبة النفس على ما أرادت، ولماذا عملت؟ وكيف أدت هذا العمل؟ قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٨ - ١٩].

стр. 28

نسيان الله تعالى دافع إلى الأمراض والآفات إن نسيان الله إنما يحصل إذا انشغل الإنسان بحظ نفسه ونصيبها، وهذا الذي يدفعه إلى مراقبة الناس، فينسى ربه وينسى نفسه والعياذ بالله، فلا بد أن يكون وراء كل عمل يعمله، وأن يكون في فكره دائماً موقفه بين يدي الله ، وبما سوف يجيبه على ما سيسأله ربه . نسأل الله ألا نناقش الحساب؛ فإنه من نوقش الحساب عذب كما أخبر بذلك الرسول ﵌، ولذلك نقول: إن العبد الذي يكون مع الله هو العبد المخلص الذي يراقب نفسه ولا يتركها تطمح وتطمع فيما عند الناس وفيما يقوله الناس، فهذا هو الذي ينجو بإذن الله ﵎، وهو الذي لا ينظر إلى مدح الناس وذمهم، ومدح الناس هو الذي يسعى إليه أكثر الخلق إلا من رحم الله، ومن هنا كان هلاكهم نعوذ بالله من ذلك. وهذا الذي دفع أناساً إلى الحسد، وإلى الكفر، وإلى العناد، رغم علمهم بأنه هو الحق، فما الذي دفع كفار قريش إلى أن يكفروا بمحمد ﵊؟ ألم يكن ذلك ما يقوله المشركون: أن بني هاشم سبقوا بأن كان فيهم نبي، فمن أين يكون لنا نبي؟ ولذلك قالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، فهذا هو الذي يخافون منه ويرجونه، ألم يكن سبب كفر فرعون هو الكبر والعياذ بالله، ورؤية كمال النفس التي هي في الحقيقة من أفقر وأضعف المخلوقات، ولكن الشيطان هو الذي يغذي هذا الأمر في نفس كل إنسان، فمن قاوم هذا الداء أفلح ونجح، ومن ترك نفسه على ما يغذيها به الشيطان كأن يقول له: إنك أنت الأفضل، وأنت الأحسن، وأنت الأعلى، فهذا الذي يغلبه شيطانه، وهو الذي دفع كبر فرعون إلى أن يقول لقومه: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥١ - ٥٢]، فهذه هي المشكلة الواضحة عند فرعون، وهي: هل هو أفضل أم موسى؟ والعقدة في نفسه أن موسى أفضل منه أم هو أفضل؟ فكان كفره بسبب هذا الكبر والعياذ بالله، ولذا قال النبي ﵊: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر). والكبر هو الذي أدى بإبليس إلى الكفر والعياذ بالله ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧٦]، والنظر إلى النفس بعين الكمال ينافي حال الأنبياء والصالحين، فكيف ينظر إنسان عاقل إلى نفسه على أنه الأكمل وعلى أنه الأحسن، وهو يعلم أن رسول الله ﵌ أكمل الخلق على الإطلاق، وأعلاهم عند الله منزلة، ومن كمال خلقه أنه يقول في دعائه: (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطأي وعمدي وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت)، فهو يستشعر التقصير في السر والعلن، ويستشعر ذلك فيما قدم وفيما أخر من النقص والذنب والخطيئة، وبعد هذا كله يقول: (وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير). فإذا كان هذا هو حال رسول الله ﷺ القائل للناس: (يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إلى الله في اليوم أكثر من سبعين مرة)، وهو المعصوم ﵊، الذي لا يتعمد مخالفة أمر الله ومعصيته عمداً بإصرار أو بمعرفة قبل ذلك، وإنما ذنبه ﵊ خطأ أو نسيان، أو ترك لبعض الأولى، أو فتور عن بعض المستحب، وهو مع ذلك يقول هذا الكلام، فكيف بمن هو دونه؟ وهذه نظرة المؤمن دائماً إلى نفسه، أن يرى أنه هالك إلا أن يرحمه الله ، وليس عنده عمل يستحق أن يُقبل إلا أن يتفضل الله عليه، ولسان حاله يقول في خطابه لربه: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف:٨٨]. فما الذي أطمع إخوة يوسف في أن يطلبوا من يوسف هذا الطلب وهي البضاعة المزجاة، أي: البضاعة البائرة التي لا تروج ولا تقبل، ومع ذلك كانوا طامعين في كرمه، وقالوا له: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف:٨٨]، فهم يرجون مع بضاعتهم المزجاة كرمه، وأن يوفي لهم الكيل، ولسان حال المؤمن في معاملته لربه أن يكون على هذا الحال، وأن يرى نفسه أنه هو المقصر الذي لا يستحق أن يقبل له عمل، ولكنه يطمع في فضل الله وفي رحمته، ألم يقل النبي ﵊: (واعلموا أنه لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته)؟ فانظروا فيما كان الرجاء؟ وعلى ما كان التوكل؟ وبم تكون الاستعانة؟ ليس بالعمل -مع كونه في غاية الكمال بالنسبة إلى البشر- ولكنه فيما بينه وبين الله ، وهذا لكمال النقص في الحقيقة؛ ولأنها حققت ما ينبغي أن يكون عليه العبد من العبودية والذل، والاستكانة والإنكسار بين يدي الله، فهو لكمال هذه العبودية رأى النقص والتقصير، ورأى أنه لم يحقق ما عليه. نسأل الله أن يجعلنا من عباده المخلصين.

стр. 29

كيفية مداواة القلوب لا شك أن هذه القلوب تحتاج دائماً إلى مداواة لأمراضها، وهذا ينبني على تذكر الموقف بين يدي الله، وعلى معرفة الآخرة، وعلى معرفة صفات الله ، ومعرفة الكمال فيها، ومعرفة عجز البشر ونقصهم وضعفهم وخطيئتهم وذنوبهم، وأنه مهما كان حال العبد فإنه لا يمكن أن يصل إلى ما ينبغي عليه أن يكون، فإن الله لو عذب أهل سمواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من عملهم، وهذا عدل منه . نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 30

بالإخلاص تقبل الأعمال الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. أما بعد: فالله أغنى الأغنياء، كما أخبر النبي ﵊ فيما يرويه عن ربه : (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه). ولذا كان العمل الذي يكون فيه نية إرادة الناس مع إرادة وجه الله غير مقبول عند الله، كما سئل النبي ﵊: (أرأيت الرجل يقاتل يلتمس الأجر والذكر؟ قال: لا شيء له) فالله هو الغني الكريم، وهو الغني الحميد، ومن غناه أنه لا يقبل إلا ما كان خالصاً لوجهه، ولا يقبل شريكاً معه في عمل من الأعمال، ولذا كان على الإنسان أن يراقب نيته، وأن يكون مع الله دون النظر إلى الناس، وعندما ينظر إلى نفسه بعين التقصير والنقص سوف يكون في معاملته مع الناس، وكذلك لا يرى لنفسه حقاً على الناس، ولا شك أن هذا من علامات كمال النفس، وأنها استغنت بالله أن يكون الإنسان في معاملته للناس لا يرى نفسه صاحب حق، ولا صاحب منزلة، ولا يرى نفسه أكمل منهم، وأنهم لا بد أن يعطوه حقه، وأن هذا فضل الله عليه، فليس له من الخير نصيب، وإنما هو الذي يجري على ألسنتهم أو أيديهم ما يكون فيه مصلحته وخيراً له، فكيف يطلبه منهم؟ فيكون العبد بهذا عنده من الجود والكرم والسماحة ما يستغني به عن الانتقام لنفسه كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (وما انتقم رسول الله ﵌ لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله فينتقم لله . فرسول الله ﵌ في معاملته مع الناس لا يراعي حق نفسه، والله لم يضعه أبداً، ولم يجعل أحداً من الناس يناله بالسوء والأذى، فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، بل جعل قلوب أصحابه أسبق شيء إلى معرفة قدره، وإلى تعظيم حقه، ومراعاة منزلته ﵊، مع أنه هو ﵊ لم ينتقم لنفسه قط، وما طلب لنفسه حقاً، وإنما جعل الله قلوب الناس هي التي تفيء إليه بالحق، وهي التي تعطيه هذا الحق امتثالاً لأمر الله من غير طلب منه، وهذا هو الجود والكرم. فالإنسان الذي لا يرى لنفسه حقاً، ولا يرى أنه قد قصر في حقه هذا هو الذي قد استغنى بالله ، فكان مع الخْلق بلا نفس يراعي حظها ويراعي نصيبها، وأصبح لا يطالبهم بما له عندهم، ولذلك كان هذا من المرحومين، كما قال النبي ﵊: (رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى)، وقال ﵊: (كان فيمن كان قبلكم رجل كان من خلقه الجواز، وكان يعامل الناس، وكان يدينهم، فكان يقول لصبيانه أو لغلمانه: يسروا على الموسر، وأنظروا المعسر -أو ضعوا عن المعسر- فقال الله : نحن أولى بذلك منه، تجاوزوا عنه)، ولم يكن له من عمل صالح كما قال ﵊ إلا الجواز، إلا أنه من خلقه التجاوز والتسامح والعفو والصفح، وهكذا كان رسول الله ﵌.

стр. 31

الغني من استغنى بالله ألم تعلموا وتسمعوا قصة ابن عم النبي ﵊ وهو الحارث بن عبد المطلب، والذي كان من أشد الناس عداوة للنبي ﵊، ومن أشد الناس تحريضاً عليه، وكان ينبغي له أن يكون من أشد الناس حرصاً على النبي ﵊، فلما فتح الله لنبيه مكة وأسلم الحارث كان النبي ﷺ يعرض عنه؛ لما كان يتذكر من أذاه له، ومن شدته عليه حال الجاهلية، فاشتكى إلى علي رضي الله تعالى عنه ما يجد من رسول الله ﷺ ، فقال له: ائته من قبل وجهه، وقل له: تالله لقد آثرك الله علينا، وإن كنا لخاطئين، فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن مردوداً منه، فجاءه من قبل وجهه وقال له: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، فالتفت إليه النبي ﵊ وقال: (((لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ))). وبهذا كان أحسن مردوداً كما كان يوسف ﵇؛ وهذا لأنه استغنى بالله ، واستغنى بعبوديته لله سبحانه، فاضمحل ما في يد الناس في نظره، ولم يلتفت إليهم قط، فإن عملوا شيئاً فهم يعاملون الله به، وإن قصروا في شيء لم يشعر بهذا التقصير ولم يلتفت إليه، فكان الجود والخلق الحسن من أخلاق النبيين، وكان ﵊ يحسن استقباله بعد ذلك ويرى فيه بديلاً عن حمزة رضي الله تعالى عنه، فمن استغنى بالله بافتقاره إليه دون سواه أغناه الله عن كل ما سواه، وجعل نفسه كريمة فيها الجود والسماحة وسهولة التعامل، وهكذا تضمحل الأمراض الأخرى مثل: الحسد، والتباغض، والتنافس على الدنيا، وحب الشهرة والرئاسة على الخلق، والملك والسلطان، وهل ترون العالم كله يسعى إلى الدمار وإلى الهلاك وإلى الحرب وإلى القتل وسفك الدماء وانتهاك الحرمات إلا من أجل ذلك؟ فمن استغنى بالله أغناه وجعله في غنى عن الناس، وفي غنى عن أن يطلب منهم شيئاً، ومن افتقر إلى الخلق أفقره الله ؛ لأن النفس خلقت فقيرة إلى الله وحده، فهي تميل إلى أن تذل وتخضع لله وحده، فمن كان فقره إلى الله كان أسعد السعداء، ومن ظن أنه يستغني بشيء من المخلوقات مالاً كان أو جاهاً أو سلطاناً أو وجاهة عند الخلق فإنه لا يزال في فقر ولا يزال في ضنك وضيق؛ لأنه لم يخلص لله ، فالقلوب إذا سلمت لله وأخلصت له استغنت به عما سواه، وتذللت وانكسرت.

стр. 32

العبودية الكاملة لله تعالى لا تحصل إلا بالانكسار والذل والخضوع له ﵎ إن الانكسار بين يدي الله، والشعور بالعجز والضعف، وضيق ذات الحال، وأن الإنسان لا يملك شيئاً هو من أعظم أسباب حب الله ، فالعبد الذي ينكسر لله، ويرى نعمه عليه، ويرى عجزه وضعفه هو أقرب إلى أن يحب الله ثم ينال درجة المحبوبية، وهل العبودية إلا حب وانكسار، وبذلك يرتفع الإنسان، ويعلو شأنه، ويكون قد حقق التوحيد وأخلص لله، ولم يشرك بالله شيئاً، فيستحقون إن كانت طائفة أن يمكن الله لها: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥]. فهذه العبودية الكاملة لله لا تحصل إلا بالانكسار والذل والخضوع لله ، ولا يحصل ذلك مع العجب والكبر والرياء وطلب مدح الناس أو الخوف من ذمهم. اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين، اللهم ارزقنا الإخلاص في أعمالنا كلها، واجعل أعمالنا كلها صالحة، واجعلها لوجهك خالصة، ولا تجعل لأحد فيها شيئاً. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اليهود والنصارى والمنافقين، وسائر الكفرة والملحدين، أصحاب الضلال ودعاة السوء. اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين. اللهم انصر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم انصر المسلمين في فلسطين، اللهم انصر المسلمين في البوسنة والهرسك، اللهم انصر المسلمين في كل مكان. اللهم نج المستضعفين من المؤمنين والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم اجعل بأس الظالمين عليهم، وكف بأسهم عن المسلمين فأنت أشد بأساً وأشد تنكيلاً، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

стр. 33

اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو إنَّ من ثمار الإيمان بالله واليوم الآخر معرفة أن هذه الدنيا حقيرة وفانية، وأن مآل الإنسان إما إلى جنة وإما إلى نار، فالمؤمن يسابق إخوانه في فعل الطاعات، وهو بذلك يرجو مغفرة الله سبحانه وجنة عرضها السماوات والأرض. والمؤمنون الصادقون متفاوتون في درجاتهم في الجنة حسب درجات إيمانهم، فتراهم مؤمنين بقضاء الله وقدره، فلا يجزعون عند المصيبة، ولا يفرحون بما أعطاهم الله من فضله، بخلاف ذلك المتكبر المختال ضعيف الإيمان الذي يبخل ويأمر الناس بالبخل.

стр. 34

تأثير إيمان المؤمن وعلمه في فهمه لحقيقة الدنيا وحقارتها الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ * سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحديد:٢٠ - ٢٤]. إن نظرة المؤمن إلى حقيقة الحياة وإلى صغر مدتها إنما تنبع من إيمانه بالبداية والنهاية التي بينها لنا ربنا ، وإنَّ هداية هذا الخلق بيد الله الذي قدر وجوده، وكتب مقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وهو جعل وجودنا على الدنيا مروراً عابراً، فنأتي على ظهر الأرض سنوات، ثم نبقى ما شاء الله في باطنها، ثم بعد ذلك نبعث ليوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم بعد ذلك نهاية في نعيم أبداً أو في عذاب أبداً، قال تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]، فنظرة المؤمن لحقيقة هذه الحياة التي نعيشها على ظهر الأرض وصغرها وحقارتها، وما أخبر به النبي ﵌ عنها: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، يؤثر ذلك في سلوكه تأثيراً بالغاً في سلم أولوياته في الحياة، وما يقدم وما يؤخر، وما يعظم وما يحقر، وما ينفق فيه الوقت والعمر، وما يبخل به، وما يبخل بالوقت والعمر عن أن ينفقه فيه، وكذلك يؤثر على سلوكه فيما يسابق إليه وينافس عليه، وفيما يسعى إلى التقدم فيه، وكذلك يؤثر على سلوكه فيما يصيبه من مصائب ومحن، ويؤثر على سلوكه في معاملته لغيره، وأصل ذلك الإيمان والعلم بما أمرنا الله أن نعلمه، قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ [الحديد:٢٠].

стр. 35

النهي عن التفاخر وضرره على إيمان المسلم إن هذه الشهوات نوع من اللهو اللعب، قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الأنعام:٣٢]، فهذه الحياة التي من أجلها ينفق الناس كل أوقاتهم، ومن أجلها يسفكون دماءهم ويستحلون محارمهم، ومن أجلها كفر من كفر، ونافق من نافق، وظلم من ظلم، والعياذ بالله من ذلك كله، هي لعب ولهو وزينة، فهي زينة يتزين الناس بعضهم أمام بعض فيها، ويفتخرون بما يتزينون به، ومن أجل ذلك عبدوا الدراهم والدنانير والقطيفة والخميصة، فتعسوا في هذه الحياة مصداقاً لما أخبر به النبي ﵊: (تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، إن كان في الساقة كان في الساقة، وإن كان في الحراسة كان في الحراسة، إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع)، فهذا الذي زهد في أعظم ما يتنافس الناس فيه من التفاخر في الدنيا والوجاهة فيها، هذا عبد زاهد. (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله)، فإن أمر أن يكون في الساقة -وهي مؤخرة الجيش- لم يأب ذلك، بل كان فيها مؤدياً دوره، ولا يقول: إن لم تصدروني في الصفوف الأول، وإن لم تعطوني صدور المجالس؛ فلا أكون معكم، ولا أنفذ ما تأمرونني به، وإنما هو مغمور في وسطهم، مذكور عند الله في الملأ الأعلى، لا يعرفه أهل الأرض ولكن يعرفه أهل السماء، وهو إن كان في الحراسة -أي: أمر بأن يكون في الحراسة- كان في الحراسة، فلا يستنكف أن يكون حارساً لغيره ممن له عند الناس منزلة أكبر، وتكون حياته أهم من حياة هذا الحارس، فلا يستنكف عن ذلك طالما أن ذلك في سبيل الله، فهو يبذل ولا يشترط منزلة معينة ولا مكانة معينة، وعلامة ذلك أنه إن استأذن لم يعرف، ولذلك لا يؤذن له، ولا منزلة له عند الناس تجعلهم إذا شفع يشفعونه، قال ﷺ : (إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع)، فطوبى لهذا العبد، بخلاف ذاك العبد الأول الذي عبد الدرهم والدينار، وعبد المظاهر وتفاخر بها، وعبد القطيفة والخميلة والخميصة، وعبد الوجاهة لدى الناس، ومن الناس من يكون في عبوديته هذه مشركاً بالله الشرك الأكبر، ومنهم من يكون على أدنى من ذلك -أي: مشركاً شركاً أصغر- على حسب تعظيمه لهذه الشهوات، فمن عبد الدرهم والدينار والقطيفة والخميلة والخميصة بحيث يبيع دينه بالكلية من أجلها، فهو مستعد لأن يبيع دينه بعرض من الدنيا، فإذا أمسى مؤمناً وعرض عليه في الليل شيئاً من الدنيا على أن يبيع دينه باع فيصبح كافراً، وإذا أصبح مؤمناً وعرض عليه في أثناء يومه أن يبيع دينه بشيء من هذه الدنيا باع فيمسي كافراً والعياذ بالله. فهذه فتن مظلمة تطغى على هذا العبد، وإن سعى إلى السعادة في ظنه فهو تعيس لخبر النبي ﷺ ، أو أن الرسول ﷺ دعا عليه بالتعاسة، فهو مستجاب الدعوة ﵊، سواء كان خبراً أو دعاء فهو على أي الوجهين شقاوة ما بعدها شقاوة. وأما إذا كان يقدم هذه الشهوات على طاعة الله لكن لا يقدمها على توحيده، لا يقدمها على الدين كله، ولا على إيمانه، فإنه يكون فيه من عبودية هذه الأشياء ما يجعله مشركاً شركاً أصغر، وإن لم يصل إلى الشرك الأكبر والعياذ بالله، والحديث يشمل النوعين، فالتفاخر هذا الذي يسعى أكثر الناس إليه ويحرصون عليه نهى عنه النبي ﷺ ، حيث قال: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا؛ حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد)، وقال النبي ﷺ في تحقيق التواضع: (الناس لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى)، وإن كان الإنسان من ذوي النسب والشهرة والمنزلة، فليس له عند الله إلا عمله الذي يستحقُّ به مرضات الله، قال ﷺ : (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، فالتفاخر الذي يكون بالوجاهة لدى الناس وبالرئاسة والملك ذلك الذي يتنافس الناس فيه ومن أجله تقام الحروب، ومن أجله يقتل الملايين، ومن أجله تنتهك الحرمات، وتنفق الأموال، وتسفك الدماء فهذا حذرنا القرآن منه، فنعوذ بالله أن يفخر بعضنا على بعض.

стр. 36

التكاثر لا يغني عن الإنسان شيئاً بعد موته وأما التكاثر: فهو أن يكون أكثر من غيره، كالذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف:٣٤]، وشعور الإنسان بالكثرة ينافي حقيقته وقد خلق وحيداً، وقد خلق في بطن أمه لا يشعر بشيء مما حوله، ثم يدفن وحيداً يوم يوضع في قبره، فأي نفع بالكثرة وقد خلا كل إنسان ممن مضى في قبره الآن بالشقوة والسعادة، فحتى أقرب المقربين إليك ممن كنت تحبه وما زلت تحبه ممن رحل عن هذه الحياة، هل تستطيع أن تبقى حتى إلى جوار قبره ساعتين أو ثلاث ساعات من يومك؟ فأحسننا حالاً من يزوره كل مدة من الزمن؛ ليسلم عليه في دقائق أو ثوان ويدعو بدعوات ثم ينصرف، وكان ولم يزل حبيباً إلى القلب بلا شك، ولكنه خلا بما قدم وما أسلف. وهكذا في عموم جنس الإنسان كل منا يخلو وحده بعد ذلك، فما أحراه في حال الحياة أن يكون كذلك باحثاً عما يقدمه لنفسه، منفرداً يعامل ربه وحده، ولا يجعل كثرة المال والولد غاية مقصودة، ولا يجعل مكاثرته لهذه الدنيا هدفه المنشود، قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢]، فقد كانوا من كثرة تفاخرهم وتكاثرهم يذهبون إلى المقابر؛ ليعدوا أمواتهم؛ وليفتخروا بهم على عادة العرب في الجاهلية، وقيل: ((زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ)) معناه: أن الإنسان يبقى فيها مدة، ثم يرتحل عنها إلى الآخرة، فكأنها زيارة، والذي يظهر -والله أعلم- هو الأول، فإن عادة العرب التكاثر بمن مات، ولو كانوا من أزمنة بعيدة، وكان ذلك من عاداتهم المعروفة، قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:١ - ٥] أي: لما فعلتم ذلك؛ ولو علمتم علم اليقين لآثرتم الآخرة وتركتم الدنيا، ﴿لَتَرَوُنَ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:٦]، فأكد الله أن من ألهاه التكاثر فسوف يرى الجحيم، ثم يعذب به بعد ذلك، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوْنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٧ - ٨].

стр. 37

تشبيه الدنيا بغيث ينبت زرعاً ثم يصير حطاماً والله حين يخبرنا أن حقيقة الحياة التكاثر بينكم: ﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد:٢٠]، يرشدنا إلى ما ينبغي أن نعاملها به من التحقير، وعدم الاهتمام، والتضحية بها، وعدم الانشغال بها كمثل مطر أدى إلى إنبات الأرض، قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد:٢٠]، أي: أعجب الزراع نباته، فوصفهم في هذا الموضع بالكفار للمشابهة بينهم وبين من تعجبه الدنيا، فمن تعجبه الدنيا وينشغل بها هم الكفار الذين لم يشكروا نعمة الله بالإيمان، وإن كان في المثل المضروب: الكفار هم الزراع، لكن ما يراد به المثل هم الكفار الذين كفروا ولم يشكروا نعمة الله عليهم بالإيمان وبتوحيده وببعثة رسله، فأشركوا بالله ، وكفروا برسله قال: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ [الحديد:٢٠]. فهكذا الدنيا مثالها واضح، وإن كانت تأخذ في عمر الزرع أشهراً، وفي عمرنا نحن تأخذ سنوات طالت أو قصرت، ولكن في نهاية الأمر لابد من أن يكون الإنسان حطاماً، ويكون ما جمعه حطاماً، قال تعالى: ﴿وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ [الحديد:٢٠]، فهذا الذي يجب أن يعمل له المؤمن أن يفر من العذاب، ويطلب المغفرة والرضوان، قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور﴾ [الحديد:٢٠]، أي: المتاع الذي يغر ويخدع، فلا تنخدعوا به.

стр. 38

الأمر بالمسابقة والمنافسة على فعل الطاعات ثم بين ما ينبغي أن تكون فيه المسابقة والمسارعة والمنافسة، قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١]، وسابق بمعنى: أن تقصد أن تكون الأسبق، وأن تكون الأول وأن تأتي في المقدمة، وتستشعر أن هناك من يريد أن يسبقك وأنت تبذل كل ما في وسعك لكي تصل إلى الله ، وهذه المسابقة من أجل الآخرة هي علاج أنواع الأمراض القلبية التي يثمرها التنافس والتكاثر والتفاخر على الدنيا، إنَّ هذه الأمراض التي حقيقتها الكبر والحسد، والبغضاء، والكراهية تؤدي إلى أن ينقسم ذلك المجتمع أنواع الانقسامات، والتنافس على الدنيا يؤثر سلبياً على العلاقة بين أفراد المجتمع بأن يبغض بعضهم بعضاً، ويعتدي بعضهم على بعض بالألسنة والأيدي، في الأعراض والأموال والدماء، فيظل الناس في صراعاتهم إلى أن يموتوا والعياذ بالله.

стр. 39

الشح سببٌ من أسباب التنافس الذي أهلك الأمم والأفراد إن الشح -وهو: الحرص على ما في أيدي الناس أن يضمه إلى ما في يده- حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم، (أهلك من كان قبلكم) كما قال النبي ﵊، فالتنافس على الدنيا يزيد البغضاء والشحناء في القلوب، وأما التنافس على الآخرة فهو يزيد الود والحب رغم أنه تنافس. إن الإنسان يحرص على أن يكون هو المقدم، وهذا إذا كان في طاعة الله، ولم يخدع الشيطان صاحبه حتى يجعل له الدنيا وقد ألبسها صورة الطاعة، وهو ينافس على الدنيا في الحقيقة وإن كان بستار ولباس الدين، فإنه إذا كان التنافس على الآخرة حقيقة زاد الأمر وداً وحباً، وإذا وجدت التنافس يؤدي إلى البغضاء والكراهية فبالقطع واليقين أنَّ هذا ليس الذي أمر الله به؛ لأن ما أمر الله به يؤدي إلى ما يحبه ويرضاه، وهو لا يحب البغضاء حالقة الدين، كما أخبر بذلك النبي ﵊، فإذا كان يؤدي إلى الحسد فالله لا يحبه ولا يشرعه، كيف وقد هلك إبليس به، وهلك ابن آدم الأول به، نعوذ بالله. إذاً: إذا وجدت البغضاء والكراهية والحسد وإن كان فيما يبدو تنافساً على الدين فأيقن أنه ليس كذلك، وأيقن أن هذا ليس تنافساً على الدين، بل دخلت الدنيا حتماً واستقرت في القلوب، ثم لبست لباس الدين وفيما أُظهر الناس أنهم يتنافسون على مرضاة ربهم والحقيقة أنهم يتنافسون على المنازل في قلوب العباد وفي نظرهم نعوذ بالله من ذلك، وذلك كله راجع إلى شدة الانشغال بالدنيا والتكاثر فيها، ونسيان المغفرة والجنة، فكلما أكثرت الفكر في يوم القيامة، وفي الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض، وكلما تفكرت في الموقف، وفي الحساب والحشر وصفة القيامة، وكلما صغرت الدنيا في عينيك وفي قلبك، وكلما تنافست فعلاً على الآخرة، وهان عليك أن تخذل من الدنيا، وهان عليك وسهل أن تكون سمحاً في معاملتك، غير بخيل ولا آمرٍ الناس بالبخل، فلا بد أن تعرف أن طاعة الله لا تأتي إلا بالخير، ولذلك كان السباق على الآخرة لابد أن يأتي بالخير، فإذا وجدنا شراً فلنتهم أنفسنا، فإن الله لا يخلف الميعاد.

стр. 40

أمثلة في المسابقين إلى طاعة الله إن الله قد ضرب لنا الأمثلة في المسابقين إلى طاعته، والمتنافسين في مرضاته فيما جعل من أصحاب نبيه ﷺ من حبهم بعضهم لبعض مع تنافسهم على الطاعة، فهذا عمر يقول حين أمر النبي ﷺ بالنفقة: اليوم أسبق أبا بكر، فأتى بنصف ماله صدقة لله ، وقال للنبي ﷺ لما سأله: (ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم مثله، وعندما جاء أبو بكر بماله كله قال: ما أبقيت لأهلك؟ قال أبقيت لهم الله ورسوله، فيقول عمر: لا أسابقك إلى شيء أبداً)، ومع ذلك يظل على الحب والود، ويظل الناصح الأمين المخلص، وربما اختلف معه، لكن يظل الوئام والحب صادقاً في قلوبهم بين بعضهم بعضاً؛ ولهذا ولما حاول البعض أن يوقع بينهما عندما أمضى أبو بكر أمراً وكتب لبعض الناس به صكاً أو نحو ذلك، فقابل عمر فقطع ذلك الصك أو تلك الورقة، فذهب إلى أبي بكر يقول: أنت الأمير أم هو؟! فقال: هو لو أراد. فانظر إلى هذا الفقه العظيم! وكيف كان تنافسهم على الطاعة لا يثمر حقداً ولا ضغينة ولا بغضاء، هذا أبو بكر يوم السقيفة يقول للأنصار، وقد أرادوا أن يجعلوا أميراً منهم بالإضافة إلى أمير المهاجرين، وبين لهم أن هذا الأمر لا يصلح إلا لهؤلاء الملأ من قريش قال: وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين: عمر أو أبا عبيدة، وإذا بـ عمر يطلب من أبي بكر أن يبسط يده ليبايعوه، فيؤاثر ولا يؤثر إلا ما يعلم أنه الحق وأنه النصح للأمة، وأبو بكر كان صادقاً فيما نصح، وهو قد رضي لهم ذلك، وإن كان هو الأفضل رضي الله تعالى عنه، وعمر ﵁ له فضل عظيم في تقديم أبي بكر لهذه الأمة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. فهكذا كان السباق على الآخرة يؤدي إلى مزيد الحب ومزيد الود، وهكذا طبيعة حقيقة التنافس على مغفرة الله؛ لأن الإنسان المؤمن إنما يحب في الله، وهو إذا ظهرت طاعته في الأرض أحب ذلك حباً لله ، وحباً لظهور دينه، فكيف يمكن أن يكره ظهور الطاعة في الأرض لأجل أنها ظهرت على غير يديه، أو لأنها ظهرت من غيره، وأي عمل يعمله في الحياة إلا أنه يريد أن تظهر عبودية الله في الأرض، وأن يعبد الله ، فأما إذا كان يريد كبراً وعلواً فهذا الذي يشرق إذا ظهرت الطاعة على يد غيره، ولا يقبل ذلك ولا يستسيغ ذلك، فتجد الدنيا من وراء ستار الدين، نعوذ بالله من ذلك.
следующие страницы →