← Джавами‘

Джавами‘ · id 37004

دروس للشيخ ياسر برهامي

ياسر برهامي

Полный текст (991 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

التكاثر لا يغني عن الإنسان شيئاً بعد موته وأما التكاثر: فهو أن يكون أكثر من غيره، كالذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف:٣٤]، وشعور الإنسان بالكثرة ينافي حقيقته وقد خلق وحيداً، وقد خلق في بطن أمه لا يشعر بشيء مما حوله، ثم يدفن وحيداً يوم يوضع في قبره، فأي نفع بالكثرة وقد خلا كل إنسان ممن مضى في قبره الآن بالشقوة والسعادة، فحتى أقرب المقربين إليك ممن كنت تحبه وما زلت تحبه ممن رحل عن هذه الحياة، هل تستطيع أن تبقى حتى إلى جوار قبره ساعتين أو ثلاث ساعات من يومك؟ فأحسننا حالاً من يزوره كل مدة من الزمن؛ ليسلم عليه في دقائق أو ثوان ويدعو بدعوات ثم ينصرف، وكان ولم يزل حبيباً إلى القلب بلا شك، ولكنه خلا بما قدم وما أسلف. وهكذا في عموم جنس الإنسان كل منا يخلو وحده بعد ذلك، فما أحراه في حال الحياة أن يكون كذلك باحثاً عما يقدمه لنفسه، منفرداً يعامل ربه وحده، ولا يجعل كثرة المال والولد غاية مقصودة، ولا يجعل مكاثرته لهذه الدنيا هدفه المنشود، قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢]، فقد كانوا من كثرة تفاخرهم وتكاثرهم يذهبون إلى المقابر؛ ليعدوا أمواتهم؛ وليفتخروا بهم على عادة العرب في الجاهلية، وقيل: ((زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ)) معناه: أن الإنسان يبقى فيها مدة، ثم يرتحل عنها إلى الآخرة، فكأنها زيارة، والذي يظهر -والله أعلم- هو الأول، فإن عادة العرب التكاثر بمن مات، ولو كانوا من أزمنة بعيدة، وكان ذلك من عاداتهم المعروفة، قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:١ - ٥] أي: لما فعلتم ذلك؛ ولو علمتم علم اليقين لآثرتم الآخرة وتركتم الدنيا، ﴿لَتَرَوُنَ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:٦]، فأكد الله أن من ألهاه التكاثر فسوف يرى الجحيم، ثم يعذب به بعد ذلك، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوْنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٧ - ٨].

стр. 37

تشبيه الدنيا بغيث ينبت زرعاً ثم يصير حطاماً والله حين يخبرنا أن حقيقة الحياة التكاثر بينكم: ﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد:٢٠]، يرشدنا إلى ما ينبغي أن نعاملها به من التحقير، وعدم الاهتمام، والتضحية بها، وعدم الانشغال بها كمثل مطر أدى إلى إنبات الأرض، قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد:٢٠]، أي: أعجب الزراع نباته، فوصفهم في هذا الموضع بالكفار للمشابهة بينهم وبين من تعجبه الدنيا، فمن تعجبه الدنيا وينشغل بها هم الكفار الذين لم يشكروا نعمة الله بالإيمان، وإن كان في المثل المضروب: الكفار هم الزراع، لكن ما يراد به المثل هم الكفار الذين كفروا ولم يشكروا نعمة الله عليهم بالإيمان وبتوحيده وببعثة رسله، فأشركوا بالله ، وكفروا برسله قال: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ [الحديد:٢٠]. فهكذا الدنيا مثالها واضح، وإن كانت تأخذ في عمر الزرع أشهراً، وفي عمرنا نحن تأخذ سنوات طالت أو قصرت، ولكن في نهاية الأمر لابد من أن يكون الإنسان حطاماً، ويكون ما جمعه حطاماً، قال تعالى: ﴿وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ [الحديد:٢٠]، فهذا الذي يجب أن يعمل له المؤمن أن يفر من العذاب، ويطلب المغفرة والرضوان، قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور﴾ [الحديد:٢٠]، أي: المتاع الذي يغر ويخدع، فلا تنخدعوا به.

стр. 38

الأمر بالمسابقة والمنافسة على فعل الطاعات ثم بين ما ينبغي أن تكون فيه المسابقة والمسارعة والمنافسة، قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١]، وسابق بمعنى: أن تقصد أن تكون الأسبق، وأن تكون الأول وأن تأتي في المقدمة، وتستشعر أن هناك من يريد أن يسبقك وأنت تبذل كل ما في وسعك لكي تصل إلى الله ، وهذه المسابقة من أجل الآخرة هي علاج أنواع الأمراض القلبية التي يثمرها التنافس والتكاثر والتفاخر على الدنيا، إنَّ هذه الأمراض التي حقيقتها الكبر والحسد، والبغضاء، والكراهية تؤدي إلى أن ينقسم ذلك المجتمع أنواع الانقسامات، والتنافس على الدنيا يؤثر سلبياً على العلاقة بين أفراد المجتمع بأن يبغض بعضهم بعضاً، ويعتدي بعضهم على بعض بالألسنة والأيدي، في الأعراض والأموال والدماء، فيظل الناس في صراعاتهم إلى أن يموتوا والعياذ بالله.

стр. 39

الشح سببٌ من أسباب التنافس الذي أهلك الأمم والأفراد إن الشح -وهو: الحرص على ما في أيدي الناس أن يضمه إلى ما في يده- حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم، (أهلك من كان قبلكم) كما قال النبي ﵊، فالتنافس على الدنيا يزيد البغضاء والشحناء في القلوب، وأما التنافس على الآخرة فهو يزيد الود والحب رغم أنه تنافس. إن الإنسان يحرص على أن يكون هو المقدم، وهذا إذا كان في طاعة الله، ولم يخدع الشيطان صاحبه حتى يجعل له الدنيا وقد ألبسها صورة الطاعة، وهو ينافس على الدنيا في الحقيقة وإن كان بستار ولباس الدين، فإنه إذا كان التنافس على الآخرة حقيقة زاد الأمر وداً وحباً، وإذا وجدت التنافس يؤدي إلى البغضاء والكراهية فبالقطع واليقين أنَّ هذا ليس الذي أمر الله به؛ لأن ما أمر الله به يؤدي إلى ما يحبه ويرضاه، وهو لا يحب البغضاء حالقة الدين، كما أخبر بذلك النبي ﵊، فإذا كان يؤدي إلى الحسد فالله لا يحبه ولا يشرعه، كيف وقد هلك إبليس به، وهلك ابن آدم الأول به، نعوذ بالله. إذاً: إذا وجدت البغضاء والكراهية والحسد وإن كان فيما يبدو تنافساً على الدين فأيقن أنه ليس كذلك، وأيقن أن هذا ليس تنافساً على الدين، بل دخلت الدنيا حتماً واستقرت في القلوب، ثم لبست لباس الدين وفيما أُظهر الناس أنهم يتنافسون على مرضاة ربهم والحقيقة أنهم يتنافسون على المنازل في قلوب العباد وفي نظرهم نعوذ بالله من ذلك، وذلك كله راجع إلى شدة الانشغال بالدنيا والتكاثر فيها، ونسيان المغفرة والجنة، فكلما أكثرت الفكر في يوم القيامة، وفي الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض، وكلما تفكرت في الموقف، وفي الحساب والحشر وصفة القيامة، وكلما صغرت الدنيا في عينيك وفي قلبك، وكلما تنافست فعلاً على الآخرة، وهان عليك أن تخذل من الدنيا، وهان عليك وسهل أن تكون سمحاً في معاملتك، غير بخيل ولا آمرٍ الناس بالبخل، فلا بد أن تعرف أن طاعة الله لا تأتي إلا بالخير، ولذلك كان السباق على الآخرة لابد أن يأتي بالخير، فإذا وجدنا شراً فلنتهم أنفسنا، فإن الله لا يخلف الميعاد.

стр. 40

أمثلة في المسابقين إلى طاعة الله إن الله قد ضرب لنا الأمثلة في المسابقين إلى طاعته، والمتنافسين في مرضاته فيما جعل من أصحاب نبيه ﷺ من حبهم بعضهم لبعض مع تنافسهم على الطاعة، فهذا عمر يقول حين أمر النبي ﷺ بالنفقة: اليوم أسبق أبا بكر، فأتى بنصف ماله صدقة لله ، وقال للنبي ﷺ لما سأله: (ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم مثله، وعندما جاء أبو بكر بماله كله قال: ما أبقيت لأهلك؟ قال أبقيت لهم الله ورسوله، فيقول عمر: لا أسابقك إلى شيء أبداً)، ومع ذلك يظل على الحب والود، ويظل الناصح الأمين المخلص، وربما اختلف معه، لكن يظل الوئام والحب صادقاً في قلوبهم بين بعضهم بعضاً؛ ولهذا ولما حاول البعض أن يوقع بينهما عندما أمضى أبو بكر أمراً وكتب لبعض الناس به صكاً أو نحو ذلك، فقابل عمر فقطع ذلك الصك أو تلك الورقة، فذهب إلى أبي بكر يقول: أنت الأمير أم هو؟! فقال: هو لو أراد. فانظر إلى هذا الفقه العظيم! وكيف كان تنافسهم على الطاعة لا يثمر حقداً ولا ضغينة ولا بغضاء، هذا أبو بكر يوم السقيفة يقول للأنصار، وقد أرادوا أن يجعلوا أميراً منهم بالإضافة إلى أمير المهاجرين، وبين لهم أن هذا الأمر لا يصلح إلا لهؤلاء الملأ من قريش قال: وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين: عمر أو أبا عبيدة، وإذا بـ عمر يطلب من أبي بكر أن يبسط يده ليبايعوه، فيؤاثر ولا يؤثر إلا ما يعلم أنه الحق وأنه النصح للأمة، وأبو بكر كان صادقاً فيما نصح، وهو قد رضي لهم ذلك، وإن كان هو الأفضل رضي الله تعالى عنه، وعمر ﵁ له فضل عظيم في تقديم أبي بكر لهذه الأمة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. فهكذا كان السباق على الآخرة يؤدي إلى مزيد الحب ومزيد الود، وهكذا طبيعة حقيقة التنافس على مغفرة الله؛ لأن الإنسان المؤمن إنما يحب في الله، وهو إذا ظهرت طاعته في الأرض أحب ذلك حباً لله ، وحباً لظهور دينه، فكيف يمكن أن يكره ظهور الطاعة في الأرض لأجل أنها ظهرت على غير يديه، أو لأنها ظهرت من غيره، وأي عمل يعمله في الحياة إلا أنه يريد أن تظهر عبودية الله في الأرض، وأن يعبد الله ، فأما إذا كان يريد كبراً وعلواً فهذا الذي يشرق إذا ظهرت الطاعة على يد غيره، ولا يقبل ذلك ولا يستسيغ ذلك، فتجد الدنيا من وراء ستار الدين، نعوذ بالله من ذلك.

стр. 41

تفاوت الناس في الإيمان وتفاوت درجاتهم في الجنة قال الله : ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد:٢١]، فالدنيا صغيرة ضيقة لا تحتمل أن يكون الجميع فيها ملوكاً ولا رؤساء، ولذا كان التنافس على رئاستها أشقى أنواع التنافس؛ لأن الأرض لا تتسع إلا لعدد محدود من الكبراء والرؤساء والملوك، وأما الجنة فعرضها كعرض السماء والأرض، وأصحابها كلهم ملوك، قال : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان:٢٠]، وأدنى أهل الجنة منزلة من يسير في ملكه ألفي عام، فهو ملك الله ، وجعل أصحاب الجنة ملوكاً، وجعل لهم ملكاً كبيراً، فأدناهم منزلة: من له مثل عشرة أضعاف ملك من ملوك الدنيا، بل في الروايات الصحيحة أن له عشرة أضعاف الدنيا بأسرها، وهي لا تتحقق لملك من ملوكها. فانظر إلى هذا الملك العظيم، فهي جنة ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد:٢١]، فتحقيق الإيمان هو الذي يهدف له المؤمن، وهو الذي يسعى له بكل طريق؛ ليكون مؤمناً حقاً كما وصف الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٢ - ٤]. فالله جعل من المؤمنين من هو مؤمن حقاً، فدل ذلك على أن هناك من يقول: أنا مؤمن وليس مؤمناً حقاً كمسلمة الأعراب الذين قال فيهم: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]. فذلك أن الإيمان قول وعمل، ظاهر وباطن، وليس مجرد كلمة تقال، ولا إعلان يعلن، والالتزام حقيقة في الباطن والظاهر، وفي السلوك والعمل والعقيدة، فلابد أن يكون الإنسان مجتهداً في تحقيقه من جميع جوانبه؛ ليفوز بهذه الجنة، قال تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]، فاعلموا إذاً أنكم لن تنالوا ذلك إلا بالله ، واعلموا أنكم لن تنالوا هذا الفضل إلا من ذي الفضل العظيم وبمشيئته، فأيقنوا بقدره، وفروا من الله إليه، والجأوا إليه في أن يفضلكم على من سواكم من الخلق، فإن الله جعل اصطفاءه واختياره لأهل الجنة من عباده واحداً في الألف، كما قال النبي ﷺ في قول الله تعالى لآدم يوم القيامة: (يا آدم أخرج بعثا النار؟ فيقال: من كل كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون)، فحتى تكون أنت الواحد في الألف الذي ينجو إلى الجنة فاعلم أن ذلك لن تناله إلا بتوفيق الله ، فاضرع إليه أن يمن عليك بفضله، وأن يرزقك طاعته، وأن يعينك على عبادته، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

стр. 42

من ثمار الإيمان: الرضا بقضاء الله وقدره وعدم الجزع عند المصيبة أو الفرح غروراً وكبراً إن من أعظم آثار الإيمان بحقيقة الحياة وأنها لهو ولعب وزينة، والإيمان بالآخرة وتحقيق الإيمان بالله ورسله من أعظم ثمار ذلك وآثاره في سلوك المؤمن في حياته عندما تصيبه المحن، وتصيبه المصائب فهو لا يجزع عند المصيبة، ولا يفرح عندما تأتيه الدنيا فرح الغرور والكبر، ولا فرح البطر والأشر الذي ينسب إلى نفسه الفضل، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢]، وذلك يتحقق بالنظر فيما قدر الله من المقادير، وهذا هو ثمرة الإيمان بالقدر، وثمرة الإيمان بما كتب الله من مقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض، قال النبي ﷺ (إن أول شيء خلقه الله القلم، فقال: اكتب، فقال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)، فجرى في تلك الساعة فيما هو كائن. وفي حديث أبي هريرة (يا أبا هريرة! جف القلم بما أنت لاق)، أي: جف القلم على علم الله ، كما قال النبي ﷺ لـ ابن عباس: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشي قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف). فاللوح المحفوظ قد جف قلمه، وطويت صحفه، وأما الكتب الأخرى فهي نسخ تقبل المحو والإثبات، أما اللوح المحفوظ فلا محو فيه ولا إثبات، قال تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، قال ابن عباس: الكتاب كتابان. فالله جعل في نفس المؤمن الإيمان بالقدر؛ لكي لا يأسى على ما فات، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]، أي: من قبل أن نبرأ الأرض، أو من قبل أن نبرأ النفوس، أو من قبل أن نبرأ المصيبة، أي: نخلقها، أو من قبل أن نبرأ الخليقة كلها، فيشمل التقديرات كلها، وهذا أحسن التفسيرات في هذا المقام، فقبل أن يبرأ الله كل ذلك، وقبل أن يوجده، قدر الله هذه المقادير، وذلك أن الذي يترك التنافس على الدنيا سوف يفوته منها، وأن الذي ينافس ويسابق على الآخرة سوف يصيبه من أنواع البلايا والمحن ما يصيبه، فلابد إذاً أن يكون مهيأ النفس مستعداً لتحمل ذلك بغير شقاء ولا تعاسة. إن المصائب تشقي الناس إذا لم يؤمنوا بالقدر، وإذا لم ينظروا إلى البداية والنهاية، وأما إذا أيقنوا بالنهاية هانت عليهم المصيبة، وإذا أيقنوا بالبداية نظروا إلى حكمة الله الذي علم وقدر وكتب، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى، ووضع الأشياء في مواضعها، وله الحكمة والملك والحمد، يحيي ويميت وهو على شيء قدير، فليس فقط له الملك بغير حمد حتى يتصرف في ملكه كما يتصرف أهل الدنيا ممن أعطاهم الله الملك؛ للشهوات والرغبات الدنيئة التي يستحقون عليها الذم، كما أنه ليس له حمد بغير ملك بل هو مع كمال ملكه يستحق أكمل أنواع الحمد، قال تعالى: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ [التغابن:١]، وأكثر الخلق إذا كان ملكاً تصرف على هواه، وكثير ممن له حكمة يتصرف بها لا يكون قادراً، ولا يكون ملكاً متصرفاً ليمضي الحكمة في مواضعها، والله له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. فإذا نظر الإنسان إلى البداية والنهاية فعند ذلك تهنأ نفسه بالحياة وتستقر، ويستقر قلبه ويسكن ولا يجزع عند المصائب، قال : ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢] أي: كتابة كل مقادير الخلائق على الله يسير، وفيه إثبات قدرة الله، وفيه إثبات أسمائه وصفاته ومعرفة علمه وفعله بالكتابة، حيث كتب المقادير وأمر بكتبها، ومعرفة مشيئته وقدرته، ومعرفة خلقه لأفعال عباده، هكذا أخبر الله ، قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد:٢٢ - ٢٣] أي: من الدنيا، فأنت إذا نافست على الآخرة فاتتك الدنيا وإذا زهدت في الدنيا، فاتك بالتأكيد من شهواتها، ومع ذلك لا تحزن ولا تأسَ ولا تغضب من أجلها، إنها تافهة يسيرة، إنها أقل من أن تغضب من أجلها أو تحزن على فواتها، قال تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ٍ﴾ [الحديد:٢٣]، وقرئت (بما أتاكم) أي: ما آتاكم من الدنيا، وأما قراءتنا ((آتَاكُمْ ٍ)) أي: بما أعطاكم الله منها. وأما هذا الفرح المذموم فليس مجرد السرور الذي يحصل للإنسان طبعاً وفطرة عند حصول ما يوافقه من أهل أو مال أو ولد، ولكن ذلك الفرح الذي حذر الصالحون من قوم قارون منه، حيث قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦]، فليس الفرح هو السرور، ولكن الفرح الذي هو الكبر والبطر والغرور بالنفس وأن يقول: هذا لي، كما قال قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]. فهذا الذي ينسب لنفسه الفضل، ويرغي ألسنة الناس بذلك مباشرة وبغير مباشرة، كأن يأمرهم أن ينادوا وأن يقولوا كما نادى فرعون في قومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥١ - ٥٢]، فأراد أن ينادي بذلك في أرجاء مملكته كما يفعل أكثر ملوك الأرض حين يسخرون من ينادون في الناس بملكهم وحكمهم، والثناء عليهم بفضائل ليست لهم، فسبحان الله هذا هو الفرح إذا فرح، فالإنسان لما أعطي فعلاً فرح الكبر والبطر، ومدح النفس والثناء عليها، وظن أن فضل هذا ليس من الله كان ذلك فرحاً مذموماً، فكيف بمن يفرح بما لم يؤت وبما لم يأته: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٨٨]. فالله لام من ينسب لنفسه الفضل فيما أُتي من الخير والحسنات، فكيف بمن ينسب لنفسه فضلاً ليس له؟ قال: ((لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ))، وهذا من أسباب الشقاء في الحياة.

стр. 43

الاختيال والفخر سببان في بغض الله سبحانه قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:٢٣]، الاختيال: هو الفخر، وهو من أعظم الأمراض التي تحصل للإنسان بسبب حصول شيء من الدنيا، فيفتخر على غيره ويختال، فينسب الخير لنفسه، ويتكبر به على من حوله، ثم هو لنظرته المعظمة للدنيا يبخل بها، ولكونه يشعر أنه هو الذي أتى بها يقول: جهدي ومالي كيف أعطيه لغيري؟! فهو يبخل، ولكي لا يذمه الناس في البخل وحده ويقال عنه بخيل يأمر الناس بالبخل؛ ليكون الناس كلهم كذلك، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء:٣٧]. فتأمل كيف انتظمت عقيدة القدر والإيمان بالله ورسله علاج كل هذه الأمراض القلبية المشقية للإنسان في دنياه وأخراه: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:٢٣]، ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء:٣٧]. فهذه ستة أمراض: مرض الأسى والحزن على الدنيا، ومرض الإعجاب بالنفس والثناء عليها، ومرض الاختيال، ومرض الفخر، ومرض البخل، ومرض أمر الناس بالبخل والعياذ بالله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحديد:٢٤]، فهو الغني الحميد، فله الغنى التام وعباده كلهم فقراء إليه، وله الحمد التام لا يحصي الخلق ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، فهذا الإيمان بأسماء الله وصفاته هو الذي يريح الإنسان أعظم راحة، وإذا تحقق هذا الإيمان في قلبه بمعرفة معاني أسماء الله وصفاته، والتعبد له بها؛ اكتمل إيمانه بإذن الله، فجميع أركان الإيمان نابعة من معرفة الله والإيمان به، ومحبته بمقتضى أسمائه وصفاته. نسأل الله أن يرزقنا الإيمان، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين ودمر اليهود والنصارى والمنافقين، وسائر الكفرة والملحدين أصحاب الضلالة وبضاعة السوء. اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين! اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصر المسلمين في فلسطين وفي الشيشان، اللهم احفظ المسجد الأقصى ورده إلى المسلمين. اللهم انصر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، وانصرنا على عدوك وعدونا. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط بذنوبنا من لا يرحمنا ربنا اغفر لنا ذنوبنا. وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 44

آلام المسلمين البلاء والمصائب والآلام النازلة بالمسلمين تصب كلها في قالب إظهار حكم الله تعالى في هذا الوجود، ويترتب على ذلك كله من المصالح ما الله به عليم، وعلى المسلم أن يعلم أنه يجب عليه يومها أن لا يفصل نفسه عن ذلك الجسد المبتلى، بل عليه أن يعيش قضايا إخوانه وهمومهم وكروبهم، وعليه أن يعلم أنه لن يخرجه الصراع والبلاء عن العمل لدينه، وحينها يلزمه أن ينهج منهج النبي ﷺ في الدعوة والعمل، أما إن كان غافلاً معنياً بشهوته، فقد حكم على نفسه بالموت وهو مسئول أمام الله تعالى عما يحدث لإخوانه بسببه، وكذا إن كان منفذاً لمخططات عدوه شعر أم لم يشعر، فقد ارتكب أكبر الوزر وأعظم الذنب، والويل له عند الله إن لم يتب.

стр. 45

واجب المسلم تجاه آلام أمته الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن آلام المسلمين كثيرة في المشارق والمغارب، وفي الشمال والجنوب، دماء تسفك، وأعراض تنتهك، وخوف ورعب، وبيوت تهدم، وأموال تغتصب، وأرض تسلب من المسلمين، وبلاد تؤخذ منهم، وقد كان يعلو فيها الحق بإذن الله ، فإذا بها يعلو فيها صوت الباطل والشرك والكفر والعياذ بالله! هذه الآلام الكثيرة كما سمعنا كانت -ولا تزال- عبر التاريخ موجودة، وإنما نذكر بعضها ونستحضر باقيها حتى نؤدي شيئاً من النصح للمسلمين، فإن من لم يشعر بآلام المسلمين، ولم يستحضر ما هم فيه من الهم والكرب والحزن والبلاء؛ يحكم على نفسه بالانفصال عن ذلك الجسد، أو أن هذا الجزء قد مات من ذلك الجسد، فالرسول ﷺ يقول: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) ومن النصيحة للمسلمين أن تتألم لآلامهم، وأن تفرح لأفراحهم، وأن تهتم لهمومهم، لا أن تجلس في بيتك مع أهلك وأولادك مطمئناً وتنسى آلام المبعدين الغرباء، وتنسى آلام المحرومين الجائعين العراة، وتنسى آلام المشردين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق أو أسروا بعيداً عن أهليهم وأحبتهم، وتنسى أولئك الخائفين الذين يأتيهم من أنواع الخوف والهلع ما الله أعلم به. إن ذلك ليقتضي منا بلا شك -على الأقل إذا عجزنا- أن نمد لهم يداًَ بالمساعدة، وألا تكون قلوبنا جامدة قاسية عن الشعور بآلامهم، علها تتحرك في صدق بالدعاء وطلب النجاة لهم من الله المؤمن المهيمن .

стр. 46

الحكم والغايات المحمودة من وراء مصائب أمة الإسلام

стр. 47

شهود الحكمة في أفعال الله وحمده تعالى عليها وسنتكلم في هذا الأمر ونبين أموراً وفوائد عجيبة، ومن جملة هذه الأمور أن نوقن بأن الله هو العليم الحكيم، فالله ما قدر هذه الآلام إلا لحكم وغايات محمودة، فهو العزيز الحميد ، ألم تسمع قول الله : ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨]؟ فهو العزيز رغم أن أولياءه قد قتلوا، وهو الذي قدر ذلك عليهم، وهو مستحق للحمد على ذلك، فله الحمد على كل حال، والحكم من تقدير البلايا والمحن تقتضي منا أن نسعى في تحصيلها؛ لأننا إذا حصلنا الحكم زالت عنا البلايا والمحن. إن الله ما قدر هذه الآلام على المسلمين إلا للخير الذي يريده ويحبه لهم ، وهكذا سنته في كل ما يقدر من الأمور المكروهة التي لا يحبها ولا يرضاها، فالله لا يحب الظالمين، ولا يحب الفساد، ويكره مساءة المؤمن، قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه : (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته)، فالله يكره مساءة المؤمنين، ومع ذلك قدر عليهم ما يكرهون ليجعل في ذلك خيراً كثيراً، كما قال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦]، فنحمد الله أولاً رغم الآلام، بل نحمده على الآلام ، فله الحمد على كل حال، وهو الحميد الذي له الحمد في الأولى والآخرة، وشهودنا لهذه الحكم شهود لاسمه الحكيم ، ولاسمه العليم .

стр. 48

ثبات الإيمان في قلوب أهله إن البلايا والمحن لها حكم عظيمة لمصلحتنا، وذلك لكي تصدر منا أعمال معينة أهمها الإيمان، فإن الله تعالى قدر المداولة للأيام بين الناس ليقع منا الإيمان، قال الله : ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩ - ١٤١]، فأول الحكم هي في قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران:١٤٠]. والإيمان -كما نعلم- قول وعمل، فقدر الله سنة المدافعة بين الناس صلاحاً للأرض وأهلها، كما قال : ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١]، وذلك أن الإيمان بدون مواجهة مع الكفر والطغيان والظلم والباطل يضعف في نفوس الناس تدريجياً، وهذا -والله- أمر ملحوظ تجده عند المترفين، وتجده عند من لا قضية لهم، وعند من لا يستشعرون أنهم في معركة من أجل الإسلام، فتجد إيمانهم يضمحل تدريجياً ويضعف، ولا يجد الواحد منهم نفسه متأثراً حين يقرأ تلك المعاني العظيمة في القرآن، وتلك الآيات التي وقعت في قلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم يوم نزلت، ولا يستشعر العبادات القلبية الواجبة التي لابد من تحصيلها حتى تزول الآلام والمحن.

стр. 49

ظهور الصدق مع الله فالله قدر هذه الآلام والمحن لكي نؤمن ونصدق مع الله ، ولكي نكون صادقين في قولنا: (آمنا) كما قال الله : ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣]، ونحن نعلم أنه يعلمهم كل شيء قبل خلق هذا الوجود كله، فصفة العلم صفة أزلية من صفات الله ، فالعلم الأول ثابت قبل وجود المخلوقات، فالله كان بكل شيء عليماً، ولم يزل عليماً بكل شيء، ولكن ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين علماً يحاسبهم عليه، فيعلمه علم شهادة بعد أن علمه علم غيب، ليرى أنه قد وقع منهم، والله يحب أن يرى منا الصدق، كما قال ابن عباس: ليرى الذين آمنوا أو ليرى الذين صدقوا. فالله يحب منا الصدق، والصدق ليس فقط في الكلام، بل قد قال الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]، وقد نزلت هذه الآية في مثل أنس بن النضر رضي الله تعالى عنه، وفي إخوانه الذين صدقوا في العمل بعد أن صدقوا في القول رضي الله تعالى عنهم. والله يحب أن يوجد من المؤمنين من يبذل نفسه وماله وكل شيء عنده في سبيله ، ويحب كذلك هذه الدماء التي تراق في سبيله؛ لأنها أريقت حباً من أصحابها له ، ونصرة لدينه، وهو يتقبلها منهم، (ويبعثهم يوم القيامة وجراحهم لونها لون الدم، وريحها ريح المسك)، كما أخبر النبي ﵌، لذلك قدر الله أن يتسلط الكفار على المسلمين، ليستشهد من يستشهد، وليظهر المنافقون والبخلاء والجبناء، كما قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [آل عمران:١٦٧].

стр. 50

الصبر والاحتساب والله يحب منا عبادة الصبر، بل هي المفتاح الذي إن وجد مع التقوى غير الله ما بنا، ورد الله كيد أعدائنا، فالمشكلة عندنا هي عدم الصبر والاحتساب ورجاء الفرج من عنده ، فهو يفرج كربات المسلمين، وإنما قدر الكربات ليصبروا، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان:٢٠]، وهو البصير سبحانه قبل أن يصبروا وبعد أن يصبروا، ولكنه يحب أن يرى صبرهم ويحب أن يثيبهم عليه. والله قدر أن يُبتلى المؤمنون بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وليس ذلك جارياً عليهم بكيد أعدائهم، وإنما يجري عليهم بتقدير الله ، فالله تعالى قال: ((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ))، ولم يقل: وليصيبنكم، وإنما قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧] فكيف تحصل الصلوات؟! وكيف تحصل الرحمة؟! وكيف يحصل الصبر؟! وكيف يشهد المؤمنون أنهم ملك لله يفعل بهم ما يشاء وأنهم إليه راجعون فيحققون الإيمان باليوم الآخر؟! وكيف يحدث ذلك بغير آلام؟! إن ولادة المولود لابد من أن تسبقها آلام المخاض، وهكذا ولادة التمكين لأمة الإسلام لابد من أن تسبقها تلك الآلام وهذه الدماء إلى أن يولد ذلك الذي كتب الله حياته، فالمجتمع المسلم لا يموت بإذن الله ﵎ إلى يوم القيامة، كما قال النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى تقوم الساعة). فإن ماتت طائفة وسفكت دماؤها وانتهكت حرماتها ولدت من بعدها طائفة أخرى، ولكن مع آلام الأولى والثانية، إلى أن يأذن الله بالنصر والتمكين.

стр. 51

حصول الضراعة إلى الله تعالى والاستغاثة به كذلك قدر الله الآلام لأنه يحب أن يسمع تضرعنا ودعاءنا واستغاثتنا، وهكذا أخبر حين قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام:٤٢ - ٤٣]، فهذا التضرع يحبه الله ، أن تقوم القلوب قبل الأقدام ذليلة لله منكسرة له، فقيرة إليه، تعلم أنَّه لا ناصر لها في الأرض سواه، وإن اجتمعت الأمم من أولها إلى آخرها على أهل الإسلام فالله نعم المولى ونعم النصير، فمن أيقن بذلك قام لله داعياً متضرعاً مستغيثاً راجياً يتشبه بقيام رسول الله ﷺ ليلة بدر وهو يرى قريشاً معها إبليس قد جاءت بحدها وحديدها وأشرافها وكبرائها يحادون الله ورسوله، فما نام رسول الله ﷺ تلك الليلة، وإنما ظل يصلي ويبكي ويتضرع إلى الله . يقول علي رضي الله تعالى عنه: ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ . وفي ذلك أنزل الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]، فالله يحب أن نستغيث به، فعزته وجلاله لن يغيثنا سواه ، ولا ملجأ لنا إلا إليه، وتضرعنا بين يديه من أعظم أسباب كشف الكرب والهم، فهو الذي وعدنا الإجابة، بل وأخبر أنه يجيب دعاء عباده فقال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ [النمل:٦٢]، وإذا تأملت هذا الترتيب العجيب وجدته وسيلة المسلمين بإذن الله، فالعبد إذا شعر بالاضطرار والخوف الشديد شعر بالاضطرار والتضرع إلى الله، فيكشف الله السوء، وبعد كشف السوء وزواله يستخلفنا الله ، كما قال تعالى: ((وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ)). فهو يحب أن يسمع التضرع والدعاء، وينزل السكينة على ذلك، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، فهو الذي قدر المواجهة مع الكفر لكي يلجأ إليه المؤمنون فينزل السكينة في قلوبهم ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، وهو تعالى يحب ذلك، ومن أجل ذلك قدر المحن، وقدر الآلام، وله الحمد على ذلك كله. وعندما يزداد الكرب والخوف والألم، وعندما يكون هناك رد فعل طبيعي منا إن كنا صادقين، فنتشبه برسول الله ﷺ حين صلى في ليلة الأحزاب، ليلة الريح الشاتية الباردة المطيرة، الليلة المظلمة التي لم يبق معه ﵊ فيها حول الخندق إلا قلة من أصحابه الكرام، فقد رحل كثيرون وقالوا: إن بيوتنا عورة، ورسول الله ﷺ في سكينة عجيبة، يصلي من الليل ثم يقول لأصحابه: (من يأتيني بخبر القوم ويكون رفيقي في الجنة؟) فمن شدة الجوع، ومن شدة الجهد والتعب والإرهاق، وشدة الخوف والظلمة والريح الباردة لم يتحرك أحد، وفي القوم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وباقي أولئك الأفذاذ رضي الله تعالى عنهم، فلا يلتفت إليهم رسول الله ﷺ معاتباً لأحد، بل يلجأ إلى الله، ويصلي كثيراً، فصلى من الليل يتضرع إلى الله في هذه الزلزلة التي قال عنها: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١١]. وعندما نرى أحزاب الدنيا قد اجتمعت علينا من يهود ونصارى وملاحدة ومشركين ومنافقين من جميع أرجاء الأرض فإننا نتذكر يوم اجتمعت أحزاب العرب على رسول الله ﷺ ، والمقاييس في ذلك الوقت لا يمكن أن تكون بميزان الناس في صالح أهل الإسلام أبداً، فعشرة آلاف في مواجهة قلة بقوا وثبتوا مع النبي ﵌، فماذا يفعل النبي ﵊؟ ولم يستجب أحد من صحابته لترغيبه حين انتدب من يأتيه بخبر القوم قبل الأمر؛ لأنهم لم يكونوا يخالفون طلبه، فصلى مزيداً من الصلاة، وكرر الترغيب مرة ثانية فقال: (من يأتيني بخبر القوم ويكون رفيقي في الجنة؟) فلم يقم منهم أحد، فيتركهم ﵊ ويصلي من الليل، ثم يقول في الثالثة: (من يأتيني بخبر القوم ويكون رفيقي في الجنة؟) فلم يقم أحد، فيقول: (قم يا حذيفة!)، والصحابة ﵃ أجمعين لا يمكن أن يخالفوا أمره ﵊، وإنما لم يتحركوا عندما كان الأمر مستحباً؛ لأنه كان ترغيباً دون عزيمة في الطلب، ولكن لما قال: (قم يا حذيفة) ما كان له من القيام بد، فقام حذيفة ﵁ وذهب إلى القوم ينظر كيف تفعل بهم الريح، وكيف تفعل بهم جنود الله، فقد كانت الريح تكفئ قدورهم، وتقلع خيامهم، وكان أبو سفيان يقول: النجاة النجاة إني مرتحل. فترحل قريش، وترحل غطفان بدعاء النبي ﵊، فالأمور العظمى تتقرر في الصلاة يا عباد الله! فبدعوة صادقة أثناء العبادة وأثناء التضرع تنكشف البلايا والمحن. ويعود حذيفة رضي الله تعالى عنه، وقد ذهب وكأنه في حمام وعاد وكأنه في حمام إلى رسول الله ﵊، فوجده يصلي ﵊. وهكذا كان ﵊ على الدوام متضرعاً إلى الله مسبحاً ذاكراً، فالتضرع إلى الله من الحكم البالغة التي من أجلها قدر الله وجود البلايا والمحن.

стр. 52

صدق التوكل على الله وكذلك صدق التوكل على الله ، وحسن تفويض الأمور إليه والثقة الكاملة به، كما قال عن النبي ﷺ : ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، وقال : ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢]. وقال : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٥]، فالمطلوب إفراد الله بالخوف والرجاء، وأن تنتظر من الله الفرج لا من سواه، فـ (حسبنا الله ونعم الوكيل) قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها النبي ﷺ حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم.

стр. 53

التمحيص للمؤمنين وإظهار المنافقين والتمحيص لعباد الله المؤمنين من أجل الحكم وأنفعها، ليظهر النفاق ظاهراً علانية بعد أن كان مستكناً في القلوب، فلا يتولى المنافقون أمراً للمسلمين بعد ذلك، ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤١] فهو يريد أن يمحقهم بعدله، فهذه كلها حكم ومصالح من تقدير البلايا والمحن.

стр. 54

ظهور آثار أسماء الله الحسنى وصفاته العلى ومن أعظم ذلك وأهمه: ظهور آثار أسماء الله الحسنى وصفاته العلى لعباد الله المؤمنين في هذا الوجود، فالله تعرف إلى عباده بأسمائه وصفاته في كتابه، وتعرف إليهم بآثارها في هذا الكون الواقع المشهود، فالله يريد أن يظهر لنا نفاذ إرادته ، فإرادته نافذة، ومشيئته نافذة، ويريد أن يظهر منته على المستضعفين، وإرادته في كسر الجبارين المتكبرين، ولن يقع ذلك إلا بوجود الاستضعاف أولاً، ثم المن على المستضعفين ثانيا، كما قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:٥ - ٦]، فالله فعال لما يريد، فهو يظهر للناس ذلك بوجود هذه البلايا والمحن وهذه الآلام ليظهر بعد ذلك أنه العزيز وأنه ذو انتقام، وأنه المنان، وليظهر ملكه ، فقد كان لا بد من إعزاز وإذلال، ولابد من تقليب الممالك ليعلم الناس أن الملك لله وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٢٦ - ٢٧]، فلابد من تداول الملك، فيوم لنا ويوم علينا، ويوم نساء ويوم نسر، ولابد من أن يحدث الإعزاز والإذلال لنعلم أن الله وحده هو المعز المذل، وأنه وحده هو الخافض الرافع، ولابد من محن وآلام ليعلم الناس أن الله وحده هو سبحانه الذي يكشف الكرب ويذهب الغم، فاللهم كاشف الغم ومذهبه، مجيب دعوة المضطرين، رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما ارحمنا رحمة تغنينا بها عن رحمة من سواك. ومن ذلك: إظهار أنه المولى والنصير، وأنه العزيز، قال : ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران:١٥٠]، وقال : ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال:٤٠] ، فكيف يحدث ذلك إذا انتصر المسلمون بقوتهم أو إذا انتصروا بعدتهم؟! فهم إنما ينتصرون بنصر الله وتوفيقه ، فالله مولى الذين آمنوا والكافرون لا مولى لهم. فيظهر ذلك عندما تحدث هذه الآلام والبلايا والمحن ثم ينصر الله عباده المؤمنين رغم ذلك كله ليظهر أنه مع المؤمنين، وتظهر آثار معيته التي يستحضرها أهل الإيمان الذين يظنون أنهم ملاقوا الله، قال : ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩ - ٢٥١]. والأمر أمره سبحانه، فهو تعالى يقلب القلوب كيف يشاء، ولولا أنه أزاغ قلوب من شاء ثم هداهم لما علمنا ذلك، أما دعا الرسول ﵊ على أقوام فقال: (اللهم العن فلاناً وفلاناً، اللهم العن رعل وذكوان وعصية عصت الله ورسوله)، ثم أنزل الله عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨]؟! ولقد كان عكرمة وسهيل بن عمرو وأمثالهما ممن سماهم ﵊ في دعائه، فتاب الله عليهم لنعلم أنه وحده الذي له الأمر، وأنه وحده مقلب القلوب، ولنلتجئ إليه في تثبيت قلوبنا ودوام الهداية علينا، فالله هو الذي هدى وهو الذي يمن باستمرار الهداية، ولذا كان يقول الصحابة: والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا وكان الرسول ﷺ يقول معهم: إن الألى قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا ويمد صوته بها كما يمدون؛ لأنهم يلجئون إلى الله ويعلمون تقليبه للقلوب وللأقدام، فهو الذي يثبت من يشاء ، ليرينا أنه الغالب على أمره، فلولا بيع إخوة يوسف له لما كان له من السلطان عليهم بعد ذلك، ولولا دخوله السجن لما كان له الملك بعد ذلك ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، فهو ما شاءه كان وما لم يشأ لم يكن، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٦]، قال : ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١]. كل هذه أسماء وصفات وأفعال لله يرينا آثارها بوجود تلك الآلام، ولا يمكن أن تظهر لنا إلا من خلال هذه الآلام والمحن، ليرينا أنه يمهل ويحلم، فيمد للظالم مدة من عمره يمهله فيها ويأتيه من نذر الله ما يأتيه، فإذا تاب إلى الله غفر الله له، كما قال ﷺ : (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بعباد يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم)، ألم تسمع لقوله تعالى بعد أن ذكر إجرام المجرمين في قصة أصحاب الأخدود وقتلهم أولياءه : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠]؟ قال الحسن: انظروا إلى هذا الكرم! قتلوا أولياءه ثم يدعوهم إلى التوبة. فهو سبحانه يتوب على من يشاء، وربما نرى في أعدائنا من يتوب الله عليه بعد ذلك. وكذلك يرينا ربنا قدرته وإملاءه لمن لم يتب منهم، قال سبحانه: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣]، ليظهر لنا متانة كيده ، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٧]، وقد نزلت هذه الآيات ورسول الله ﷺ في مكة محاصر مستضعف، ونفذ ما أراد الله في سنوات معدودة كما وعد ، فهو الذي يكيد، ويستدرجهم من حيث لا يعلمون، ولا تظن أنه غافل، بل هو على كل شيء شهيد، وهو لا يغيب عن خلقه ولا يغيبون عنه ، فهو على كل شيء شهيد ، أي: لا يغيب عن تدبيره وملكه، وإلا فهو حجابه النور كما قال ﵊. فكل أسمائه وصفاته لها آثارها في هذا الوجود، ولابد من أن تظهر، وهو يحب أن يتعرف إلى عباده من خلال أفعاله ومقاديره ، فمن أجل ذلك قدر الآلام التي هي كثيرة ومؤلمة لنا.

стр. 55

نتائج النظر إلى حكم المصائب والآلام لكن لو نظرنا إلى هذه المصالح والحكم ونظرنا إلى أسمائه وصفاته التي من مقتضياتها تقدير هذه الآلام لذابت الآلام، ولكانت حلاوة محبة الرحمن وحلاوة الإيمان به والشوق إليه والرضا به وتفويض الأمور إليه مذهبة لآلام المسلمين كلها، وعندما تظهر لهم الحكم أو يظهر لهم من الحكم يوم القيامة ما لم يكن قد ظهر قبل ذلك يود هؤلاء المعذبون المستضعفون أن لو سحبوا من يوم ولدتهم أمهاتهم -بل من يوم خلقت الدنيا- إلى يوم القيامة على وجوههم في الله ، أما ورد في الحديث الصحيح ما يدلنا على ذلك؟! فإنه قد جاء في الحديث أنَّ الشهداء الذين قتلوا يوم أحد طلبوا من ربهم حين اطلع عليهم اطلاعه، وسألوه أن يعودوا إلى الدنيا ليقتلوا فيه مرة أخرى. ألم يجد عبد الله بن حذافة ﵁ حلاوة البذل وحلاوة الإيذاء؟! عجب -والله- أن يقال: حلاوة الإيذاء، لكنها القلوب المؤمنة التي بعين البصيرة رأت ما وعدها الله . فـ عبد الله بن حذافة حين رفع ليلقى في قدر من نحاس كان يغلي فيه الماء رأى عظام بعض أصحابه تلوح فبكى فظنه ملك الروم قد فزع من الموت، فلما سأله قال: أبكي لأن لي نفساً واحدة تلقى في هذه القدر ساعة في الله ، ولقد وددت لو أن لي بعدد شعر رأسي أنفساً يفعل بها ذلك في الله ، فالحمد لله على هذه المحبة التي قذفها في قلوب أوليائه وجعلهم بها لا يرون تلك الآلام، بل يستعذبونها في الله ، ويود أهل العافية في الآخرة حين يرون أجور البلاء أن لو قرضت جنوبهم بالمقاريض في الله ، ونسأل الله العافية، ونسأله الإعانة وحسن عبادته . كل ذلك نقوله مقدمة لكي لا نيأس من الآلام الكثيرة، وإن كان غرضنا في الحقيقة أن نبحث في تقصير الأبناء بعد أن سمعنا كيد الأعداء، ونريد أن نتعلم ما يلزمنا، ونريد أن نعرف واجبنا من تقصير أبناء هذه الأمة الذي أدى إلى وجود الآلام؛ لكي ندعو كل المقصرين -ونحن من أولهم- إلى التوبة من التقصير والعودة إلى الله ، فإن أبناء الأمة في التقصير على درجات متفاوتة، والحقيقة أن التقصير هو المؤلم لصاحبه قبل أن يكون جالباً للآلام إلى غيره، والبعد عن الله هو الجالب لألم الخوف والرعب، فإن الأمن والإيمان قرينان كما أن الظلم والخوف قرينان. فنسأل الله المؤمن المهيمن أن يؤمننا في بلادنا وأوطاننا، وأن يؤمن المسلمين في المشارق والمغارب، فالله هو وحده الذي بيده الأمر كله، فاللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا.

стр. 56

موقف المنتسبين إلى الإسلام من دينهم

стр. 57

منفذو مخططات عدو الإسلام عن علم أو عن جهالة إنَّ فريقاً من أبناء هذه الأمة تقصيره أعظم التقصير، وبه نبدأ؛ لأنه أحوج الناس إلى التوبة إلى الله ، فهذا الفريق تقصيره ليس تقصيراً عادياً، إن هذا الفريق باع نفسه لعدوه والعياذ بالله؛ لأنه رأى الدولة للكفرة والظلمة والمجرمين، فباع نفسه لهم، وباع دينه بعرض من الدنيا فصار لمخططات الأعداء منفذاً، ولمكرهم يداً قذرة نجسةً تطبق ما يريد الأعداء، وجعل من لسانه لساناً للعدو ينشر به الأباطيل والضلالات التي يريد العدو نشرها في المسلمين ليتمكن من ذلك الجسد الواحد؛ لأن أعداءنا يعلمون أنهم لا يقدرون على المسلمين وجسدهم حي ومجتمعهم موجود وإسلامهم في قلوبهم، لا يقدرون على المسلمين إلا إذا كانوا مخدرين، وانتشرت الأمراض في ذلك الجسد، لذا أحبوا نشر البدع والضلالات والكفريات، وبدلاً من أنه كان في غابر الأزمان يتكلم الكفار ويطعنون في الإسلام جاء أناس من أبناء جلدتنا يتكلمون بألسنتنا، قلوبهم قلوب شياطين في جثمان إنس يتكلمون بما يريد الأعداء حتى طعن منهم من طعن في وجود الله وبقائه وحياته، وطعن منهم من طعن في كتابه وكلامه، وأرادوا تصويبه بالقلم الأحمر خسئوا وخابوا والعياذ بالله، ووجد منهم من يطعن في شرع الله ويصفه بالتخلف والرجعية والعياذ بالله، ووجد منهم من يطعن في أحكام الله ويتركها ذاهباً إلى ما أوجدته زبالة الأذهان وسخافة العقول الأرضية البشرية الوضعية، ووجد في المسلمين من أراد آباؤهم أن يكونوا مسلمين بالفعل، ودليل ذلك أن الأب حين سمى ابنه محمداً أو أحمد أو غير ذلك من الأسماء الإسلامية كان يريد له أن يعبد الله ، وما تصور في يوم من الأيام أن يكون حرباً على الإسلام والعياذ بالله من ذلك، فوجد من يصد عن سبيل الله، ووجد من يحارب الإسلام، وهذه الفئة منها من يفعل ذلك على بصيرة، وهو يعلم أنه ينفذ مخططات الأعداء الذين يريدون الصد عن سبيل الله ويريدون أن ينقلب الناس على أعقابهم، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٩]، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٠٠]، فعلموا أن الأعداء يريدون ذلك فطبقوا، وسعوا في نشر ما يحبه الأعداء من نشر الفاحشة، فهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، ويكرهون أن ينتشر القرآن والصلاة والحجاب، ويكرهون أن تنتشر دعوة الله، فهؤلاء الواحد منهم على بصيرة، ويعلم أنه جندي ذليل خبيث لأعداء الله ، باع كل شيء علناً والعياذ بالله، وقديماً كان يستتر، وإذا به الآن يعلن أنه قد باع كل شيء ليكون أذل من كلب عندهم، نعوذ بالله من ذلك. هذا الصنف من الناس هو -والعياذ بالله- في أسفل الدركات إن لم يتب إلى الله ، وقد دعاه الله إلى التوبة، بل إن هذا الصنف يكون مع أعداء الإسلام في الدركات السفلى؛ لأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وقد قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]، لذلك نقول لهؤلاء: دعاكم ربكم إلى التوبة فلا تحاربوا دينه أبداً؛ فإنكم لستم تطيقون حرب الله ، فالله ناصر دينه مهما حدث، كما أخبر بقوله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٨ - ٩]. وهناك صنف من هذا النوع أيضاً ليس على تلك البينة، لكنه متابع لأهل الباطل، متابع لأعداء الإسلام ينفذ مخططاتهم وينفذ ما يريدون، وهذا الصنف نوجه له قول الله : ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان:٢٤] لأننا ما زلنا نعده من أبناء الأمة وإن كان مخدوعاً، لكن تيقن -أيها المخدوع- المنفذ لمخططات أعداء الله المعين لهم على ما يريدون من أذية المسلمين وآلامهم وذبحهم وانتهاك حرماتهم وإذهاب دعوة الحق من بينهم أنك إن استمريت على ذلك فمصيرك مصيرهم، وإن كنت لا تريد أن تفتح عينيك على هذا المصير فإنا نوجه لك قول النبي ﵌: (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها)، وتعلم من ذلك أن أهل هذا الشر نوعان: النوع الأول: الدعاة، والنوع الثاني: المستجيبون لهؤلاء الدعاة على أبواب جهنم. والحال أن من أجاب الدعاة إلى جهنم قذفوه فيها. فاحذر على نفسك أن تكون جندياً لأعداء الله، فإن الله لا يرضى إلا بأن يجعل مصير الأتباع كمصير السادة والكبراء، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٦٧ - ٦٨]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:١]، وهذا هو الخطر العظيم، وهذا هو أعظم التقصير، وهؤلاء يتحملون أوزار الدماء المسفوكة من الأرواح التي أزهقت بغير حق، والأعراض المنتهكة في المشارق والمغارب، في البوسنة، وفي كوسوفا، وفي كشمير، وفي فلسطين، فكل هذه الحرمات المنتهكة إنما يكون على هذا الصنف من المقصرين أكبر الوزر منها، يسائلهم الله عنها يوم القيامة لأنهم كانوا السبب الأول في هذه الآلام والمحن وشاركوا وأعانوا.

стр. 58

الغائبون عن ميدان الصراع أما الصنف الثاني من أبناء المسلمين المقصرين: فهم من غابوا عن الوعي وليست لهم قضية، فقضيتهم -في الحقيقة- أن يأكلوا ويشربوا ويمرحوا ويلعبوا ويلبسوا ويكونوا في المظاهر أمام الناس، هذا هو أكبر الهم ومبلغ العلم عندهم، ولك أن تبحث عن قطاع كبير من شباب المسلمين ورجالهم ونسائهم، ولتسأل عن همه وعن رغبته، فماذا يريد؟ يريد الشريط الجديد، والأغنية الجديدة، والفيلم الجديد، والصورة العارية الجديدة، والجريدة القذرة، والمجلة النجسة، والصديقة العاهرة، والعياذ بالله من ذلك، فليس له هم إلا ذاك. وهذا هو ميدان العمل لأعداء الله ، وهو حقل الزراعة الذي يزرع فيه الأعداء بذور الانحطاط في أمة الإسلام، وبذور الانهزام، وبذور الوهن، وبذور الانكسار، وبذور الذل لأعداء الله ، وهؤلاء هم الذين يريد أعداء الله أن يوجد فيهم الوهن، وأن يوجد فيهم الحزين على ما أنفق في سبيل الله، وأن يوجد فيهم الذليل المنكسر المستكين لعدو الله ، فهم البيئة المناسبة الذين يحبون الدنيا، فليست لهم قضية في نصرة الإسلام ولا في العمل به ولا في تعلمه، فليسوا بأعداء له لكنهم ليسوا بجنود له ولا عاملين به، وهذا قطاع للأسف كبير جداً، وعندما نحاول حصره نجده أنه ربما جاوز التسعة والتسعين في المائة من واقع المسلمين ومن مجتمعات المسلمين، وهذا خطر عظيم، وإن كان الأعداء يتربصون بمن يتعاطف فقط من هؤلاء دون أن يستجيب مع من يدعو إلى الله ، ويتربصون الدوائر ليصدوا كل هؤلاء عن الالتزام، ولذلك تجد هذا الصنف تتوجه إليه كل وسائل الإفساد من العالم كله، من الأقمار الصناعية، ومن قنوات البث، ومن المجلات والكتب، ومن وسائل التعليم والإعلام، ومن كل شيء يفسده، لتشيع فيه الفاحشة والفساد والمنكر، ويمنع من وصول الخير إليه، وهؤلاء -أيضاً- مقصرون أكبر تقصير؛ لأنهم لم يشعروا بآلام المسلمين، وقد حكموا على أنفسهم بالغيبوبة عن ذلك الجسد، أو حكموا على أنفسهم بأنهم ليسوا منه إن لم يتألموا لآلام المسلمين بالكلية، فهم إما في غيبوبة وإما في موت، ولذا يجب أن يفصل هذا الجزء وإلا أفسد باقي الجسد، ولا نود ذلك أبداً؛ فإنهم منا، ومن أبنائنا وإخواننا وفي كل مكان من مجتمعاتنا، ولذا نوجه لهم نصيحة بالتوبة والعودة إلى الله ، وأن يستشعروا أن الله من عليهم منة عظمى، فليشكروا نعمة الله بهذا الدين، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤]. فيا عباد الله! إن في أيديكم جوهرة ثمينة يريد الأعداء أن يسرقوها لكي تكونوا مثلهم بلا جوهرة، وهي جوهرة الإيمان والإسلام والإحسان، وقد حرم أعداء الإسلام منها، فليس عندهم إلا نجاسة وقذارة، ولذا يحقدون علينا، وكثير من أبناء المسلمين صارت ورقة الجوهرة عندهم مظلمة معتمة، فنسوا أن معهم جوهرة فتركوها، وأوشك بعضهم أن يسلمها للأعداء ليلقيها في بحر الظلمات. فاعرف قدر هذه الجوهرة، وهي منة الله عليك بالإسلام، وارجع إلى الله لتعمل بالإسلام ولتعمل من أجله ناصراً داعياً إلى الله وجندياً من جنود الله.

стр. 59

أبناء الصحوة الإسلامية وبيان واجبهم وأما الفريق الآخر الثالث من أبناء المسلمين فهم الذين نسبوا أنفسهم إلى الدعوة إلى الله وإلى الالتزام بالدين في أوجه مختلفة متباعدة عن بعضها كثيراً، وهم الذين سموا أنفسهم -أو سماهم الناس- أبناء الصحوة الإسلامية، وهؤلاء منهم المقصرون؛ لأن منهم من سلك في سبيل العمل بالإسلام وفهمه، أو الدعوة إليه والعمل من أجل نصرته سبيلاً غير شرعي، فانحرف عن منهج الحق منهج أهل السنة والجماعة أي: ما كان عليه رسول الله ﷺ وصحابته الكرام في الفهم، فقبلوا بدعوات الضلالات، وربما نشروها وأعانوا على نشرها، وربما رضوا بها وقبلوها، وهم على درجات متفاوتة مختلفة، فكان الانحراف في المنهج من أعظم أسباب تسليط الأعداء، وكان ظهور البدع والمنكرات فينا -أبناء الصحوة الإسلامية- من أعظم أسباب التفرق والاختلاف الذي أدى إلى ما نرى من الآلام والمحن. لذلك لابد من أن يكون هناك منهج واحد صحيح، وهو منهج هذه الطائفة الظاهرة المنصورة إلى قيام الساعة، طائفة أهل السنة والجماعة، نجتمع عليه ونتآلف ونتكاتف وننسى حظوظ أنفسنا وما نريده لها في هذه الدنيا من وجاهة وسط الناس، ومن أن يقال: فلان عالم، وفلان قارئ، وفلان داعية، وفلان كبير، وفلان زعيم؛ لأنه السبب في هذا البلاء وهذه المحن، ونريد أن نجتمع على منهج واحد، ونسير على سبل شرعية، ولا نطبق هذا المنهج بغير ما طبقه به الرسول ﵊، ولا نفقد في غمار حماستنا الحكمة والبصيرة في دعوتنا إلى الله ، فكم من تطبيق خاطئ للمنهج ولو كان أصحابه ينتسبون إليه حين دعوا إلى الله وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر بغير معروف، بل بالمنكر بغير فقه ولا علم، وبغير مراعاة للحكمة والمصلحة، وبغير مراعاة لسنن الله الكونية والشرعية، فترتب على ذلك من سفك الدماء وانتهاك الحرمات ما الله أعلم به، وترتب على ذلك تضييع خطوات قد سبقت على طريق إظهار دين الله . لذلك نقول: لابد من أن نسير على منهج واحد ونطبقه كذلك تطبيقاً صحيحاً، وأن نسير عليه بالبصيرة والحكمة والعلم والفقه، ولا نفعل كما فعل المتعجلون الذين ضيعوا الثمرة حين أرادوا قطفها قبل الأوان؛ لأنهم لم يراعوا سنة الرسول ﵊، وسائر المرسلين في الدعوة إلى الله ، وفي السير على سنن الله الكونية والشرعية للوصول إلى الغايات المطلوبة. فنحن من المقصرين تقصيراً شديداً، ونريد أن نتوب إلى الله من ذلك التقصير، ذلك أننا ما تعلمنا منهجنا كما ينبغي، ولا طبقناه كما ينبغي، بل تركنا لأمراض القلوب مساحة واسعة منها دخلت الأحقاد، ودخل الحسد، ودخل الغرور، ودخل الكبر والعجب، ودخل الرياء والعياذ بالله من ذلك، ودخل سوء الظن، ودخل التنافس على الدنيا، ودخلت أمراض كثيرة بيننا، ومن ألسنتنا أيضاً دخلت أمراض كثيرة؛ لأننا تركنا مساحة واسعة من ألسنتنا لتغتاب وتنم، ولتكذب، ولتقول الباطل، ولتفجر في الخصومة، وتركنا أوقاتاً طويلة لا نعبد الله فيها ولا نذكره، وننام عن الصلوات، وننام عن دروس العلم، ونتأخر عما أحبه الله منا، بل لو قلت عما أوجب الله علينا لما أبعدت كثيراً. لذلك نقول: نحن في ضمن المقصرين وإن كنا نزعم أننا نسير على الطريق، لكن لسنا نسير بالقوة المطلوبة، فهناك وهن، ولذلك نوجه الكلام لأنفسنا ولغيرنا لقول الله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣]، فنريد أن نكون أقوياء، فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. فنحن نريد أن نكون أقوياء في علمنا، ونريد أن نكون أقوياء في عبادتنا، ونريد أن نكون أقوياء في دعوتنا، ونريد أن نكون أقوياء فيما نتعامل به مع الله ، ونريد أن نكون أقوياء في علاقتنا ببعضنا، وفي حبنا لبعضنا، وفي تماسكنا، وفي صدقنا مع ربنا ؛ لأن ذلك هو الذي يذهب الله به ما بنا. فالآلام كثيرة، وما زال التقصير شديداً وبأنواع مختلفة من أبناء أهل الإسلام، والكلمة الأخيرة التي نوجهها لأنفسنا ولإخواننا ولمن كانوا منا ثم فارقونا، أعني لمن كانوا من أبناء الإسلام ثم ارتموا في أحضان أعداء الإسلام وساروا على مخططاتهم، تلك الكلمة الأخيرة: هي النداء بالتوبة الذي وجهه الرسول ﷺ للناس، فقال: (يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه؛ فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة) ﷺ . اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا، اللهم فرج كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين، اللهم كف أيدي الذين كفروا فأنت أشد بأساً وأشد تنكيلاً، اللهم كف بأسهم عن المسلمين فأنت أشد بأساً وأشد تنكيلاً، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين، اللهم اغفر لنا وارحمنا، وتب علينا واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم انصرنا ولا تنصر علينا، اللهم امكر لنا ولا تمكر بنا، اللهم اهدنا واستجب لنا، اللهم اجعلنا لك شكارين، لك ذكارين، لك رغابين رهابين، إليك منيبين مخبتين، اللهم تقبل توبتنا، واغفر حوبتنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، واسلل سخائم صدورنا، اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين، ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 60

الانكسار إلى الله إن من حكم الله الكونية: أن جعل كل بني آدم خطاء، ولا معصوم إلا الأنبياء حتى يكون لهم الكمال في الدعوة إلى الله ، ولو كان الناس لا يذنبون لذهب الله بهم، وأتى بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم، لأن في ارتكاب الذنب الذي يتبعه رجوع إلى الله تحقيقاً لمعاني الذل والانكسار بين يدي الله سبحانه، واعتراف من العبد لله بمعاني العزة والرحمة والمغفرة، وإعلام للعبد بقدر نفسه، فلا يعتريه الغرور والفخر، ولا يعتلجه العجب والتعظيم لنفسه، فيتكبر على الله بتركه الذل بين يديه، ويتكبر على الخلق بادعاء الكمال لنفسه.

стр. 61

الذنوب والمعاصي وعلاقتها بالانكسار لله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨]. أما بعد. فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فاعلموا -عباد الله- أن الله قد تفرد بالكمال، وأنه سبحانه له الأسماء الحسنى، أسماؤه كلها حسنى تدل على معاني الكمال والجلال، فهو ذو الجلال والإكرام، وكتب النقص والتقصير على كل من سواه، فأفضل الخلق محمد ﵌ كان يقول في دعائه: (فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، أنت إلهي لا إله إلا أنت)، فكيف بمن دونه؟! وإذا كان قد تفرد بالكمال وحده لا شريك له فقد جعل كل بني آدم خطاءين كما قال النبي ﵊: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، ليس ذلك من وراثة الخطيئة كما يعتقد الكفرة النصارى الذين ينسبون إلى الله ظلماً وزوراً وعدواناً وبهتاناً: أن بني آدم ورثوا خطيئة أبيهم آدم؛ ولذا لا يقبل منهم شيئاً إلا بالغداء، فيزعمون أنه لابد أن يكون ذبيحة إلهية تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وإنما خطيئة بني آدم من أفعالهم وكسبهم، فإن الله قدر ذلك وابتلاهم؛ لأنه هو التواب الرحيم؛ ولأنه غافر الذنب وقابل التوب؛ ولأنه يحب أن يغفر، فقدر بعلمه وحكمته على العباد أن يذنبوا بالليل والنهار؛ ليستغفروه فيغفر لهم؛ ليشهدوا نقصهم وعجزهم وفقرهم وحاجتهم إلى الله ، فكما كسرهم بالحاجة والفقر إلى الربوبية في خلقهم، ورزقهم فهم فقراء إلى الله في بداية أمرهم وفي نهايتهم، وفيما بين ذلك، فهم ما أوجدوا أنفسهم، ولا شهدوا خلقها، ولا خلق السماوات والأرض، وما أعانوا على ذلك، قال تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف:٥١]، بل هو تفرد بخلقهم ورزقهم فكانوا لذلك أذلة لربهم، يرى هذه الذلة وهذه الحاجة كل من طالع وشاهد بقلبه طبيعة الإنسان في كونه يحتاج إلى نفس يتنفسه، وليس بيده أن يأتي به، ولا أن يصرفه في بدنه، فهو يحتاج إلى ربه في طعامه وشرابه ونومه ويقظته، وفي كل لحظات عمره وأنفاسه. فكذلك كسرهم بما يبتليهم بأنواع المحن والبلايا ليعلمهم ضعفهم وعجزهم، وكسرهم بالذنوب لكي يعرفوا أيضاً عجزهم ونقصهم وتقصيرهم، ويذلوا له ذلة العبد المنكسر الذي يعلم أنه لا ملجأ له إلا أن يعود إلى ربه ومولاه وسيده الحق ، رب العباد الذي أوجب على العباد جميعاً أن يتوبوا ويقروا، وأن يعترفوا بالذنوب، وإنما يكمل الإنسان بذلك كما أخبر النبي ﵌ في حديث الشفاعة أن الناس بسبب ما أصابهم من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون يذهبون إلى الأنبياء واحداً بعد واحد، يذهبون إلى آدم ثم إلى نوح ثم إلى إبراهيم ثم إلى موسى ثم يأتون عيسى ﵇، فيقول: لست لها، ولكن ائتوا محمداً ﷺ عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فبكمال تعبده لله وتوبته واعترافه ﷺ بذنبه -وهو المعصوم- كمل عند الله ؛ لأن من مراتب العبودية: مرتبة الاعتراف بالذنب وشهود النقص والتقصير. وأما شهود كمال النفس، وأنه هو الذي قام بأنواع الخير وصفات الكمال فهي نظرة إبليسية -نعوذ بالله منها- سببها العجب والكبر والغرور والعياذ بالله من ذلك، فإبليس هو الذي قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، فلم ينفعه إقراره بأن الله هو الذي خلقه وخلق آدم؛ لأنه لم يعترف ولم يعرف لله الفضل، وإنما نسب الفضل إلى نفسه، وشهد كمالاً وهمياً لنفسه وزكاها، والله هو الذي يزكي من يشاء، فكان في ذلك العجب المهلك والكبر المطغي الذي يزري بصاحبه ويصغره عند الله . فإذا وجدت نفسك تعترف بالذنب ولم تصر على ما فعلت فأبشر، فإن الله غفار ﴿لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]، وأما إذا كنت ترى من نفسك صفات الكمال، وترى أنك أعلى من غيرك وفوقهم؛ فهذا هو الخطر العظيم، وما أصابنا ما أصابنا من أنواع الكسر والذل إلا بظهور هذه الأمراض نعوذ بالله منها، ولابد للعبد المؤمن أن يكون على الدوام تواباً، معترفاً بذنبه، كما قال : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]، والعبد إذا أذنب ذنباً فقال: رب إني أذنبت ذنباً فاغفره لي يقول الله : (علم عبدي أن له رباً يأخذ بالذنب ويغفر الذنب، قد غفرت لعبدي-حتى يفعل ذلك ثلاثاً ويقول الرب في الثالثة: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء)، وقال النبي ﷺ : (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وأتى بعباد يذنبون فيستغفرون؛ فيغفر الله لهم)، وهذا إنما يحصل بالانكسار والذل لله بشهود المعاصي والذنوب، وربما كان العبد بالانكسار لله بسبب الذنوب والإزراء على نفسه وشهود نفسه ظالماً أكمل حالاً منه قبل أن يذنب الذنب، وذلك أن الندم والتوبة والرجوع إلى الله يرتفع العبد بها في مقامات العبودية التي يحبها الله سبحانه، وليس معنى ذلك أن يقدم على الذنب متجرئاً، فإن هذا في ذاته قادح في عودته وندمه، وقادح في انكساره، والذي يستهين بالذنب ويقدم عليه يحرم هذا الأمر غالباً إلا حين ينكسر لله .

стр. 62

قصة يوسف وما فيها من الانكسار والتوبة تأمل في قصة يوسف ﵇ وإخوته حين قال إخوة يوسف في بداية عزمهم على الذنب والجريمة التي ارتكبوها: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف:٩]، فقد عزموا على التوبة ولكنهم لم يرزقوها، ولم يتب الله عليهم سنين طوالاً أكثر من أربعين عاماً أو نحواً من أربعين عاماً؛ لأنهم لم ينكسروا لله، وإنما رزقوا التوبة لما ذلوا ذلاً شديداً، حتى أوقعهم الله في ذل المسألة والحاجة، ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ * فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ [يوسف:٧٨ - ٨٠]، فكانت بداية التوبة، فهذا الذي أصابهم حين شعروا بأنهم فرطوا في حق يوسف، وقبل ذلك كان الحقد يملأ قلوبهم، وكانوا ما زالوا يحقدون على يوسف حتى قالوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:٧٧]، لكن لما يئسوا من أن ينجو أخاهم وقد أخذ أبوهم عليهم موثقاً من الله وانكسروا كان ذلك بداية التوبة. ثم زادت الكسرة بغضب أبيهم وحزنه حتى ابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم، وخشوا عليه الهلاك، وشعروا بمدى التقصير، وزاد الأمر بالفقر وشدة الحاجة حتى قالوا: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف:٨٨]، كلها أنواع من الانكسار، وشعروا بعزة هذا العزيز فخاطبوه بهذه الكلمة: ((يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ))، وشعروا بذل الضر الذي أصابهم، ((مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ))، وذل الأهل ذل إضافي إلى حاجة النفس وضرورتها ((وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ))، ليس عندنا ما يقابل عطاءك، وإنما يسألون عطاءً بلا مقابل، بضاعتهم بائرة لا تنفق في السوق، ولا تباع إلا بالبخس، مثل غروب وحبال ودلاء، وليس عندهم شيء يبيعونه ولا يستبدلونه حتى يأتون بالطعام، وإنما يرجون الكرم؛ ولذا قالوا: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾، ذل المسألة والحاجة لينكسروا؛ فلما وقع ذلك تاب الله عليهم، فكان هذا بداية الفرج عليهم، وكان ذلك سبب توبة الله عليهم بالإضافة إلى الاعتراف، ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٨٩ - ٩٢]، وكانت هذه التوبة بعد مدة طويلة؛ لذا نقول: إن الذي يتجرأ على الذنب ويقول: سوف أتوب بمجرد أن أفعل الذنب هذه المرة ثم أتوب، غالباً لا يرزق التوبة، وإنما يرزق التوبة من شهد انكساره وذله وضعفه أمام نفسه الأمارة بالسوء، وشهد عزة مولاه وكماله وغناه، وأنه لا يحتاج إلى طاعته، قد مضت ركائب المطيعين وهو المتخلف، وقد عبد الله العابدون وهو النائم الكسلان، وقد أطاع الله الطائعون وهو الذي ترك هذه الرفقة الصالحة، فعندما يرى نفسه كذلك يعترف بذنبه، فعند ذلك يقبله الله ، فإنه : ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢].

стр. 63

انكسار النبي ﷺ بين يدي الله نبينا محمد ﷺ هو المعصوم ﵊، وذنوبه إنما هي نسيان أو فتور في الذكر عن القدر المستحب في حقنا، أو إنها خطأ في الاجتهاد أو ترك للأولى، هكذا كانت ذنوبه ﵊، ومع ذلك يقول: (فاغفر لي ما قدمت وما أخرت)، والعبد يشهد تقصيره مقدماً ومؤخراً، يشهد تقصيره في أول عمره وفي آخره، يشهد العبد المؤمن ذنوبه قد أحاطت به من قبل ومن بعد، فيقول: فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، فأنت بين ذنب وبين ذنب، إلا أن يتوب الله عليك، وستهلك إلا أن يتوب الله عليك، فالنبي ﷺ يشهد أن ذنوبه مقدمة ومؤخرة فيقول: (فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت)، فهو بين سر وعلن، ذنوب بينه وبين الله، وذنوب بينه وبين الناس، بمعنى أنه في السر أذنب وفي العلن أذنب، ثم يقول بعد ذلك: (وما أنت أعلم به مني)، هذا الانكسار العجيب الذي يحصل للمؤمن -إذا صدق في قوله- يرفعه منازل عالية عند الله ، وليس مجرد ترديد باللسان كمتواضع ليس عنده التواضع، وإنما يقول ذلك وهو يرى أنه ما أذنب في الحقيقة، وأن الأمر كان من غيره، وأن التقصير كان من سواه، وربما لام بعضهم قدر الله وقال: هو الذي قدر علينا ذلك، فعلام اللوم؟! وعلام نعذب أو نعاقب؟! وكثير جداً من الناس يقول: لماذا فعلت بنا يا ربنا هذا؟ ماذا أذنبنا حتى تفعل بنا ذلك؟! نعوذ بالله من هذا القول، وهذا كله لأنهم لم يشهدوا حقيقة العبودية بالانكسار، وأن العبد لا يزال مقصراً في حق ربه ، وقد قدر الله على أبينا آدم الخطيئة، وكتبها عليه، ورزقه الاعتراف بالذنب والاستغفار، فقال هو وزوجه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]، فقارن بين الحالين: إبليس احتج بالقدر وعاتب ربه فقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩]-نعوذ بالله من ذلك! وحاج ربه فقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٦ - ١٧]، وهذه خطة إبليسية يسير عليها كثير من الناس، ينسبون إلى الله أنه ظلمهم، وأنه الذي قدر عليهم، ويستمرون في محادة الرب ومخالفة أمره، فتجد أحدهم يترك الطاعات ويفعل المعاصي والمحرمات وربما الشركيات، وينسى الآخرة، ويقبل على الدنيا، ولا يشكر نعمة الله، تجد هذه طريقة إبليسية يسير عليها كثير من الناس، وإذا عوتب عاتب ربه ، فمن شابه إبليس فهو معه، (ومن تشبه بقوم فهو منهم)، ومن شابه أباه فما ظلم. فإذا اعترفت بالذنب، ورأيت التقصير والنقص والعيب الذي عندك، كان ذلك من أسباب رفعتك عند الله ، وإنما تكمل النفس الإنسانية برؤية تقصيرها وعيبها، وإنما تهلك وتمرض وتموت برؤية كمالها وفخرها وغرورها والعياذ بالله من ذلك! لذلك كان النبي ﷺ يكرر هذا المعنى في مجالسه كلها، وهو معنى الاستغفار الذي هو جالب لأنواع الخيرات والرزق والبركات من الله ، كما قال ابن عمر ﵁: (كنا لنعد في المجلس الواحد لرسول الله ﷺ : اللهم اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم، أكثر من سبعين مرة)، وقال النبي ﷺ : (يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه؛ فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة)، ويقول ﵊: (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني)، فأعلم الخلق بالله ﷺ وقد قال: (والله إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية)، قال ذلك ليعلمنا منزلته الواجبة، والتي يجب علينا أن نعتقدها له ﵊، وهو مع ذلك يقول: (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي)، وكلما كان الإنسان معترفاً بجهله ناظراً إلى سعة علم الله كان عالماً بالله كما في قصة الخضر ﵇ مع موسى ﷺ -وهو الذي أمره الله أن يصحبه فيتعلم منه، وعلمه ثلاث مسائل في رحلة طويلة- فعندما وقف عصفور على جانب السفينة فأخذ قطرة من البحر الخضر قال: (يا موسى! أنت على علم من علم الله علمكه لا أعلمه، وأنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه، وما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر) فهذه النظرة تجعل العبد يكون صادقاً، (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري). وعندما تنظر إلى عظمة الله وحقه ونعمه، وما يستحقه من الحب والخوف والرجاء وكمال كل أنواع العبودية، وتعلم ما أنت فيه مقصر عند ذلك تكون صادقاً. قوله: (وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني)، أي: اغفر لي إسرافي في أمري، فأنا أسرفت على نفسي، وأنا قصرت تقصيراً أنا أعترف به، فهذا الذي يرفع قدر العبد عند الله . (فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر)، الله يقدم من شاء، ويؤخر من شاء، هكذا شهد النبي ﷺ أن الفضل بيد الله، وأنه هو الذي يرفع درجات من يشاء، وأنه يهب لمن يشاء الطاعات فيجعله مقدماً عنده، ويؤخر من شاء حتى يؤخر في النار والعياذ بالله، الله يقدم من شاء في أمر الدين والدنيا، ويؤخر من شاء في أمر الدين والدنيا. (أنت إلهي)، وهذا المعنى شمل كل ما سبق في هذا الدعاء العظيم الجامع الذي هو من جوامع كلمه ﷺ ، وذكر اسم الألوهية مضافاً إلى ضمير المتكلم المفرد (أنت إلهي) لتكميل هذه الخصوصية، فهو يستشعر أنه مع ربه ، ومع إلهه الذي يعبده ويحبه ويخضع له ويذل له، وقد كملت عبوديته بالاعتراف بالذنب بعد كمال الإسلام والإيمان والتوكل والإنابة: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، أنت ربنا وإليك المصير، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، أنت إلهي لا إله إلا أنت)، فهناك خصوصية في قضية العبودية، بمعنى أنها سر بينك وبين الله فيما تختص به من عبادته مما لا يعرفه الناس. وتأمل في قوله: (أنت ربنا)، وفي قوله: (أنت إلهي)، لتعلم حاجة العباد جميعاً إلى الله ، وفقرهم إليه، ولكل عبد مؤمن صادق مع الله نصيب من قوله: (أنت إلهي).

стр. 64

انكسار الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وهكذا قد تكرر مثل هذا المعنى على ألسنة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، في شهودهم معاني الأسماء والصفات الدالة على الحب والود والرحمة الخاصة لعباده المؤمنين الذين يعبدونه، كما قال شعيب ﵇: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود:٩٠]، فحين أمرهم بالاستغفار ذكرهم باسم الربوبية مضافاً إلى ضمير جمع المخاطبين: ((وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ))، ثم ذكر الود والرحمة، وهذا أمر خاص إنما يشهده من أخلص لله واقترب منه ، فيشهد من آثار وده وحبه ما يجعله يعرف خصوصية عباد الله المؤمنين بذلك، وللأنبياء أعظم الخصوصية، فيقول: ((إِنَّ رَبِّي))، فذكر ربه هنا منسوباً، ومضافاً إلى ضمير المتكلم، وكما قال صالح ﵇: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود:٦١]، فهو قريب من عباده المؤمنين، مجيب لهم دعاءهم، ما لا يقرب من غيرهم ولا يجيب غيرهم، فهو أكثر قرباً لعباده المؤمنين؛ لأنهم أخلصوا له الألوهية والعبادة فهو أكثر إجابة لهم، وهو قد يجيب الكفرة كما أخبر عنهم أنهم إذا مسهم الضر في البحر ضل من يدعون إلا إياه، لكن إجابته للمؤمنين أمر آخر، فلابد إذاً أن يكون بينك وبين الله عمل كما كان السلف يدخرون أعمالهم الصالحة، ويسرون بها كما يسر الناس الذنوب. فالناس يستخفون بالذنوب حتى لا يفضحوا، وأهل الإيمان والصلاح يستخفون بالعمل الصالح؛ لأنه الذي يبقى لهم مضموناً أو يرجون أن يكون باقياً لهم عند الله ، أو هو أقرب إلى القبول من ذلك الذي في العلن، فإن العبودية التي في العلن تقترن بها كثير من الآفات، وغالباً ما تفسد على كثير من الصالحين أعمالهم-ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأما التي بينك وبين الله فهي التي إذا صدقت في قولك: (أنت إلهي) تبقى لك عند الله، ولقد رئي بعض من كان مقدماً في العلم في المنام بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: ذهبت هذه الشطحات والأفكار ولم يبق إلا ركعات في جوف الليل، فنفعه عند الله ما أخفاه عن الناس، وهذا هو السر في أن يذكر الإله في هذا الموطن -والله أعلى وأعلم- منسوباً مضافاً إلى ضمير المتكلم، (أنت إلهي)، فهو كذلك إلهه ولو لم يعبد الله أحد، فهو يستحضر أنه سوف يعبد الله وحده مهما كان من حوله بعيداً عن هذه العبودية، فهو لا يحتاج إلى أن يكون مع الناس ليعبد ربه، فهو يعبد الله ولو كان وحده، ولو لم يوجد من الناس من يعبد الله، ولو كان يسير وحده غريباً في طريقه إلى الله؛ لأن الله إلهه، فالعبادة بينه وبين ربه أمر لا يحتاج إلى معين عليه، ولذا يقول يعقوب ﵇: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٦]، وإنما يحصل ذلك بشهود أسمائه وصفاته، واستحضار معاني كماله وعظمته ، ويعرف فيما بينه وبين ربه بسبب أنواع العبادة الخاصة ما يرفع قدره عند الله، ويجعله مقرباً منه . أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 65

قوة الله لا يغلبها شيء الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﵌. أما بعد: فختم هذا الدعاء المبارك العظيم بقوله ﵌: (لا إله إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك) فهو تأكيد على ذلك المعنى المتكرر الذي تكرر مرات في هذا الدعاء وفي غيره: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، (لا إله إلا أنت) تحقيق العبودية، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] بمعنى (لا حول ولا قوة إلا بك)، عليك توكلت وإليك أنبت، ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد:٣٠]، وغير ذلك كثير في آيات القرآن، ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨]، حتى يكون العبد شاهداً بأنه لن يحقق العبودية لله إلا بإعانته، (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة) كما قال النبي ﷺ ، وكما أوصى إبراهيم أمة محمد ﷺ بأن غرس الجنة: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، فلا يتحول أحد من حال إلى حال إلا بالله ، ولا قوة للعباد إلا به ، وفي هذا إثبات قدر الله وقدرته، وإثبات أن العباد يجعل الله سبحانه لهم قوة وقدرة، فهو لم يقل: لا قوة إلا لله والقوة لله جميعاً، وإنما قال في هذا الموضع: إلا لله . والمعنى الأول ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:١٦٥] معنى حق قد ثبت في الكتاب والسنة؛ وذلك لأن الله هو القوي، لكن لا حول ولا قوة إلا بالله، يتضمن معنى إضافياً، وهو: أن العباد يجعل الله لهم قوة من عنده سبحانه، وهذا عبد يقويه الله على طاعته، وذاك عبد يقويه على كسب الدنيا، وذاك عبد يقويه على ظلم الآخرين، وذاك عبد يقويه على الشرك والعياذ بالله من ذلك، وهو لا قوة إلا به ، فهو الذي قدر ذلك، وإذا أمر أن تنزع القوة -قوة أي مخلوق- نزعها ، ويبقى هو المتفرد بالقوة والعزة والقهر والجبروت، وهو: ﴿الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩] . وإذا شهد العبد ذلك فإنه يطلب تحول حاله من السيئ إلى الأحسن، وتحول حال قومه وأمته إلى ما يحب مستعيناً بالله ، وفيما يرى من تقلب أحوال العالم من حوله، وتقلب الملك والسلطان والجاه والغنى والفقر والموت والحياة شاهد على الله ، يشهد أن الأمر كله من عنده، ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، وكما قال : ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٢٣]، وإذا شهد المؤمن ذلك كان الناس في عينه وفي قلبه صغاراً، كما هي حقيقتهم في هذا الوجود زماناً ومكاناً، لا يملكون من الأرض ولا من السماء شيئاً، وما هم بمعجزين في الأرض ولا في السماء، قال تعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ [الفرقان:٣]. يشهد المؤمن أنه لا قوة إلا بالله، فلم يشهد الحول والقوة بالناس، فلا يغتر إذاً بما عليه الذين كفروا، ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر:٤]، ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران:١٩٦ - ١٩٧]، وكذلك لا يغتر بما رزقه الله كالذي: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا﴾ [الكهف:٣٥ - ٤٣]. وهذا المثل ضربه الله لكل أحد اغتر بقوته أو اغتر بماله أو اغتر بسلطانه، ومآله إلى ذلك قطعاً وحتماً، فمن الناس من يريهم الله ذلك في حياتهم كمن ضاع ملكه بعد ملك طويل وسلطان عريض، وتأله وتجبر، ثم يصير إلى الذل والهوان والانكسار والأسر وأنواع الإهانات المختلفة، وهذه آية من آيات الله العظيمة، وهذه سنة ماضية كما سئل الإمام مالك عمن خرج على الظالم فقال: دعه ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم منهما جميعاً ، فالله يسلط بعض الظالمين على بعض، ويولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون، والله حين يجعل بعض أهل الطغيان عبرة للناس، يريهم آيات قدرته حتى يعلموا أن من سار على ركبهم فهو إلى مصيرهم ومآلهم، وإن كان الذي يظلمه، وإن كان الذي يهينه أشد جرماً وكفراً منه، فإنه أجدر بنفس المصير، وكثير من الناس لا يرى تلك اللحظات التي يرحل فيها الأغنياء والملوك والكبراء والرؤساء الذين ملئوا الدنيا بأنواع التفخيم لأنفسهم، وأنواع الفخر والاختيال على الخلق، وأنواع الكبر والغرور، لكنها تمر عليهم لحظات الرحيل أحياناً في صمت بعيداً عن الأضواء، بعيداً عن أن تصور صورهم، وهم في ذل الموت وغمراته وسكراته، وما يصيبهم من هوان القبور أعظم، ولو فتحت قبورهم لرأى الناس لحومهم بالية بعد أن كانوا ملوكاً أعزة، ولرأى الناس الدود في أبدانهم وقد كانوا منعمين مترفين قد مروا بتلك اللحظات جميعها. أين ملوك الأرض -عباد الله- منذ آلاف السنين وقد ملئوا الدنيا في زمانهم؟ أي من كان يصيح: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١]؟ فأين هو الآن؟! أين أغنياء العالم منذ مائتي سنة؟ لا يوجد أحد منهم على ظهر الأرض، بل كما قيل: ماتوا جميعاً ومات الخبر، لا يوجد من يخبر عنهم، ماتت أخبارهم، انشغل الناس بغيرهم، فلا قوة إلا بالله! الله هو القوي، وهو العزيز، وهو الذي يحول البشر من حال إلى حال، ولا حيلة للبشر إلا بالله ، فلا تشهد قدرة نفسك، ولكن اشهد قدرة الله ، وإذا فعلت شيئاً فإنما فعلته بالله ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]، ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر:٥٦]، فإذا وفقت لطاعة وجعل الله لك القوة في طاعتك، فاشهد أن ذلك بالله لا بنفسك، وإذا وقعت في معصية الله سبحانه فافزع إليه، وفر إليه، واسأله ألا يجعل قوتك في مخالفة أمره، وتدبر في حال من جعل الله كل حياتهم وقوتهم في محادة أمره، كإبليس وفرعون والكفرة والظلمة، وأعداء الإسلام دائماً يحاربون الله بكل قوتهم، ويحاربون رسوله ﷺ ، وقد جعل الله قوتهم في ذلك نسأل الله العافية، تأمل في ذلك لتعلم أن الأمر بيد الله، ثم يأخذهم العزيز المقتدر ، إذا كان الأمر كذلك صغرت الدنيا في عينك، ولجأت إلى الله ، وتضرعت وانكسرت إليه، إن هذا الدعاء العظيم المبارك الذي يبدؤه العبد بالحمد، ويختمه بالاعتراف بالحول والقوة، ويدعو فيما بين ذلك بأنواع من معاني الإيمان المختلفة؛ والله إنه لمعجزة من معجزات النبي ﷺ لمن تدبره، كيف جمع -في موقف واحد لا يستغرق أكثر من دقيقتين- بين كل هذه المعاني الرائعة, (اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيام السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمد ﵌ حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، أنت ربنا وإليك المصير، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، أنت إلهي لا إله إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك). صدق النبي ﷺ حيث قال: (أوتيت جوامع الكلم)، فاللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم ارزقنا مرافقة نبيك ﷺ في الجنة، ومرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. اللهم إنا نسألك من فضلك ورحمتك فإنه لا يملكها إلا أنت. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين

стр. 66

الإيمان بالقدر وأثره في السلوك الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان لا يصح إيمان مؤمن إلا به، والإيمان بالقضاء والقدر له ثمار يجدها المؤمن في حياته، فلابد أن يطمئن إلى قضاء الله وقدره ويرضى به؛ فهو يعلم أنَّ ما أصابه من شر أو من خير فكله من عند الله، وليس معنى ذلك أن يجعل القدر حجة له في اقتراف الذنوب؛ لأن الإنسان ميسر لما خلق له، فلابد أن يبادر بالتوبة إلى الله قبل إغلاق بابها.

стр. 67

الطمأنينة والسعادة في الإيمان بالله عموماً والقدر خصوصاً الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن الإيمان هو الركن الركين الذي يستند إليه المؤمن خصوصاً عند الأزمات، فعندما يشتد الضيق يكون الحصن الحصين الذي يلجأ إليه هو الإيمان بالله وأسمائه وصفاته، وربوبيته وألوهيته، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان بالقضاء والقدر، فإذا تحقق في الإنسان الإيمان ووهبه الله ذلك هان عليه كل ما يجده من ضيق، وسهل عليه كل ما يجد من عسر، ويسر الله له سعادة الدنيا قبل سعادة الآخرة، وإن كانت الدنيا قد ضاقت عليه بأسرها، وإن أحاط به أعداؤه وأعداء دينه من كل جانب، فإنه يجد في هذا الضيق أعظم السعة، وهذا إذا تحقق الإيمان، والإيمان بالقضاء والقدر خصوصاً في هذا الباب من أعظم أسباب السعة التي يوسع الله بها على المؤمن الضيق، ويهون عليه كل مصيبة، ويبعد عنه مرض الأسى والحزن، وإنما يستحضر قوته بالله ؛ لأن القوة لله جميعاً، ويستحضر أن الأمر أمره ، وأنه خلق كل شيء بقدر، فهذا يغير سلوكه في معاملة الواقع تغييراً جذرياً.

стр. 68

طريقة الكتاب والسنة في الإيضاح والتبيين إن طريقة الكتاب والسنة هي الطريقة الميسرة؛ لأن الله يسر القرآن والسنة بياناً، ولم يجعل هذا التيسير في طرق المعارف البشرية الأخرى، فلم يجعل هذا التيسير مثلاً في علم الكلام أو الفلسفة أو النظريات العقلية، ولا في المباحث التجريبية، وإنما جعل الله التيسير في كتابه، وبهذا يجد المؤمن أن طريقة القرآن وسنة الرسول ﵊ تتضمن أجل المعارف والعلوم، وأحسن الطرق وأيسر السبل إلى الفهم والعمل الصحيح، فتجد في هذا الطريق العقيدة الصافية النقية، كما تجد فيه الحالة القلبية الإيمانية، وتجد فيه السلوك العملي بالجوارح كذلك، فكل ذلك مرتبط في نسيج واحد، بطريقة عجيبة لا نظير لها في الحقيقة.

стр. 69

مسألة القضاء والقدر وقضية القضاء والقدر من أكبر المسائل التي حيرت عقول البشر، حين ابتعدوا عن مصدر الوحي وما أتت به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فتاهوا في الحيرة والضلال، وأعياهم فهم هذه المسألة، حتى كفر البعض بوجود الله من أجل هذه المسألة، فهؤلاء الماركسيون إنما كفر إلههم ماركس بسبب هذه المسألة، فهو الذي يصف أنه لو كان هناك رب فاعل فكيف ستجتمع مع فعله أفعال العباد ومسئوليتهم عن أفعالهم؟ فإذا كانت له قدرة فلابد أن تنعدم قدرتهم، وإذا كانت للعباد قدرة -وهذا هو المحسوس عنده فقط- فلا معنى لوجود الإله، فهو الذي تسبب في إنكار وجود الله ؛ لعدم فهمه لمسألة القدر وهذا ضلال عظيم، فضلاً عن وجوه الانحراف الكبرى التي وقعت فيها الفرق الضالة بين الجبر والاختيار، وهي مسألة العجيب فيها أنها تشغل شأن كل إنسان، فالفطرة الإنسانية تسأل دائماً هذا السؤال ما هي العلاقة بين فعل العبد وفعل الرب؟ ومع ذلك تجد أكثر الناس لا يطلبون الإجابة الصحيحة من مصدرها الوحيد، من الوحي المنزل من عند الله ، وإنما تتخبط عقولهم يميناً وشمالاً وتجد أعاجيب الأقاويل التي خرجت من اللسان بسبب الخذلان؛ وذلك أن الله لم يوفقهم لذلك، فلذلك نقول: إن طريقة الكتاب والسنة هي أعظم طريقة في البيان، وفي العمل والسلوك كذلك.

стр. 70

مراتب الإيمان بالقضاء والقدر ولنذكر شيئاً من هذا في قضية القضاء والقدر بمراتبها الأربعة التي بينها أهل العلم من أهل السنة والجماعة: في أن الإيمان بالقدر في الحقيقة إيمان بصفات الله وأفعاله ، فهي إيمان باسمه العليم، وباسمه القدير، وباسمه الفعال لما يريد، وباسمه الخالق البارئ المصور، وبفعله أنه كتب مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فجملة الإيمان بالقدر في الحقيقة إيمان بالله ، ولذا فمن أحسن الأقوال في هذا الباب قول الإمام أحمد ﵀: القدر قدرة الله؛ وذلك أن مرجع الإيمان بالقدر هو الإيمان بصفات الله كما ذكرنا، مع بيان علاقة أفعال الرب بأفعال العباد من خلال الآية الكريمة: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر:٥٥ - ٥٦]. وقد بين أهل العلم أن مراتب الإيمان بالقضاء والقدر أربع مراتب:

стр. 71

المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله السابق على وجود المخلوقات المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله الأول السابق على وجود المخلوقات، وهو علم الله الموصوف به أزلاً لأعمال الخلق قبل أن يخلقهم، فهو يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.

стр. 72

المرتبة الثانية: الكتابة والمرتبة الثانية: مرتبة الكتابة، فقد كتب الله مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وتبعتها كتابات، فمنها: الكتابة والتقدير قبل خلق آدم ﵇، بأن يكون آدم وذريته في الأرض، وقد كتب الله التوراة قبل خلق آدم بأربعين سنة، وكتب فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢١ - ١٢٢]. وكذلك: الكتابة يوم القبضتين والتقدير يوم القبضتين: يوم أخذ الله من ظهر آدم ذريته بيمينه وقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وقبض قبضة بشماله وقال: هؤلاء في النار ولا أبالي، وأخذ عليهم جميعاً العهد والميثاق ألا يشركوا به شيئاً. وتبعت هذه الكتابات كتابات أخرى، فمنها: الكتابة والإنسان جنين في بطن أمه، وذلك عندما يكون الإنسان في بطن أمه أربعين يوماً أو ثنتين وأربعين ليلة، وكذا عندما ينفخ فيه الروح بعد مائة وعشرين يوماً، فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أم سعيد، ومنها: الكتابة السنوية في ليلة القدر، ففيها يفرق كل أمر حكيم، وكذلك: الكتابة اليومية، فكل يوم هو في شأن، وكذلك: الكتابة التي سمعها الرسول ﷺ في المعراج حين صعد إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام، فهناك كتابات متعددة فالله لم يزل فعالاً لما يريد، وكل يوم هو في شأن، يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويعز ذليلاً، ويجبر كسيراً، ويعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويفعل ما يشاء.

стр. 73

المرتبة الثالثة: الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة والمرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر: مرتبة الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا تكون في هذا الكون حركة ولا سكون، ولا طاعة ولا معصية، ولا إيمان ولا كفر، ولا خير ولا شر إلا بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، فأمره نافذ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وكذلك قدرته على كل شيء، على أفعال العباد الاختيارية والاضطرارية، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤]، ومع ذلك أمر الله العباد بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وهو يحب المتقين، ويحب المقسطين، ويحب المؤمنين، ولا يرضى لعباده الكفر، وإن كان قد قدر الكفر والفسوق والعصيان، لكنه يحب الطاعة ويكره المعصية، فمحبته وكراهيته تابعة لأمره الشرعي ونهيه كذلك، فما أمر الله به وفعله العباد فهو يحبه، ويحب من فعل ذلك منهم، ومن عصى أمره وخالف شرعه فهو يكرهه، ويكره من فعل ذلك منهم، وكونه قدر وجود ما يكرهه شرعاً فلحكمته البالغة سبحانه.

стр. 74

المرتبة الرابعة: الإيمان بالخلق والبعث وأما المرتبة الرابعة من مراتب الإيمان بالقدر: فمرتبة الخلق والبعث، فالله خالق كل شيء، وهو خالق أفعال العباد، كما أنه خالق ذواتهم، وقد خلق قدرة للعباد، وخلق مشيئتهم، وخلق بها أفعالهم، فللعباد قدرة ومشيئة بها تقع أفعالهم، والله خالقهم وخالق أفعالهم وقدرتهم ومشيئتهم، ولا يعني إثبات خلق أفعال العباد إلغاء قدرتهم وإرادتهم في إيجاد تلك الأفعال، وإنما الله خالقهم وخالق قدرتهم ومشيئتهم، والعباد ميسرون لما خلقوا له.

стр. 75

الأدلة من الكتاب والسنة على مراتب الإيمان بالقضاء والقدر ونحن نريد أن نسمع هذه المراتب كأدلة من الكتاب والسنة؛ لأن سردها فقط لا يكفي ولا يؤثر في القلب ذلك التأثير العظيم الذي تؤثره تلاوة وبيان ما ذكره الله وذكره الرسول ﷺ ؛ لأن القرآن والسنة لم يذكرا هذه المراتب كعلم نظري أو فكر عقلي، وإنما كإيمان يحل في القلب ويتأثر به العمل، فإن الإيمان -كما نعلم- قول وعمل، فتلفت الطريقة القرآنية والنبوية أنظار العباد إلى أمور معينة لابد أن تلتفت لها القلوب لتحيا بالإيمان، وتمتلئ بالنور الذي أنزله الله ، قال في بيان علمه : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام:٥٩ - ٦٠]، هكذا تناولت هذه الآيات عدة مراتب للقدر، حيث ذكر الله علمه وكتابته للمقادير، ولكن انظر وتأمل كيف ذكر هذا الأمر؛ لتتفكر في سعة علم الله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام:٥٩]، والقرآن خير ما يفسر به القرآن، فقد قال في الآية الأخرى في بيان مفاتيح الغيب التي ذكرها في هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤]، فهذه خمس مفاتيح استأثر الله بهن، فلا يعلمهن ملك مقرب ولا نبي مرسل، فقد سأل جبريل النبي ﷺ عن الساعة في حديث جبريل المشهور في الإيمان والإسلام والإحسان فقال النبي ﵊: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن أحدثك عن أماراتها في خمس لا يعلمهن إلا الله، وتلا: ((إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ)) [لقمان:٣٤])، فبين الرسول ﷺ أن أعلى البشر قدراً ومنزلة هو النبي ﵊، وأعلى الملائكة قدراً ومنزلة هو جبريل ﵇، ولكنهما لا يعلمان شيئاً من هذه الخمس، ولكن أخبر النبي جبريل عن بعض أمارات الساعة: (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)، لكن ذلك لا يعني أن واحدة من هذه الخمس يعلمها الناس، ولكن أحدثك عن أماراتها في خمس لا يعلمهن إلا الله، ولو أخبرت ببعض المقدمات أو ببعض الأمور عن الساعة فلا تزال الساعة غيباً، أي: لا تزال الساعة من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، والخمس كلها كذلك، فلا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل، يقول تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ))، ونحن نقطع ونؤمن يقيناً بقيام الساعة، ولكننا لا ندري متى يقع ذلك، ولذلك إذا سمعت من يقول: الساعة تقوم يوم كذا وكذا، أو بقي على ظهور الدجال مثلاً سنتان أو ثلاث، أو بقي على نزول ابن مريم خمسة عشر سنة، أو حتى خمسمائة سنة، أو بقي من قدر الدنيا كذا سنة فاعلم أنه ضال وجاهل؛ لأنه لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله، والأمر نسبي في القرب والبعد، فمنذ زمن النبي ﵊ قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر:١]، بل هي أقرب من زمن أبعد من ذلك، ففي الحديث الصحيح في سنن أبي داود: (أن آدم ﵇ لما عرضت عليه ذريته أعجبه وبيص ما بين عيني رجل منهم من النور، فقال: من هذا؟ قال: هذا رجل أو نبي في آخر الزمان من ذريتك يقال له: داود)، فمن أيام سيدنا داود وهو آخر الزمان، فالأمر نسبي، والرسول ﷺ قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين) قال ذلك قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة، إذاً: فلا يستطيع أحد أن يعلم متى تقوم الساعة، لا بالتقريب ولا بالتبعيد؛ لأنه لا يعلم ذلك إلا الله، ولذلك لا تصدقن أحداً يقول لك: قبل أن تنتهي سنة كذا سوف تقع العلامات الكبرى التي هي ظهور الدجال أو نزول عيسى بن مريم، فكل هذا من الغيب؛ لأن ذلك مما يكسبه الناس غداً: ((وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا))، فلا يعلم ما في غد إلا الله، وكما تقول عائشة: من حدثكم أن محمداً ﷺ يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية. وهذه قضية عظيمة الأهمية؛ لأن البعض يظن أن الرسول ﷺ قال ذلك تواضعاً أي: أنه لا يعلم وقت الساعة تواضعاً، أو أنه لا يعلم الغيب تواضعاً، لكن الأمر ليس كذلك فالرسول ﵊ لا يعلم مفاتيح الغيب، ولكنه أخبر عن غيبيات، فلا تخرج مفاتيح الغيب الخمس عن كونها غيباً، وهذه المفاتيح الخمس استأثرها في علمه ، وقوله تعالى: ((وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ))، فوقت نزول الغيث لا يعلمه إلا الله.
следующие страницы →