← Джавами‘

Джавами‘ · id 37004

دروس للشيخ ياسر برهامي

ياسر برهامي

Полный текст (991 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله السابق على وجود المخلوقات المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله الأول السابق على وجود المخلوقات، وهو علم الله الموصوف به أزلاً لأعمال الخلق قبل أن يخلقهم، فهو يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.

стр. 72

المرتبة الثانية: الكتابة والمرتبة الثانية: مرتبة الكتابة، فقد كتب الله مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وتبعتها كتابات، فمنها: الكتابة والتقدير قبل خلق آدم ﵇، بأن يكون آدم وذريته في الأرض، وقد كتب الله التوراة قبل خلق آدم بأربعين سنة، وكتب فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢١ - ١٢٢]. وكذلك: الكتابة يوم القبضتين والتقدير يوم القبضتين: يوم أخذ الله من ظهر آدم ذريته بيمينه وقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وقبض قبضة بشماله وقال: هؤلاء في النار ولا أبالي، وأخذ عليهم جميعاً العهد والميثاق ألا يشركوا به شيئاً. وتبعت هذه الكتابات كتابات أخرى، فمنها: الكتابة والإنسان جنين في بطن أمه، وذلك عندما يكون الإنسان في بطن أمه أربعين يوماً أو ثنتين وأربعين ليلة، وكذا عندما ينفخ فيه الروح بعد مائة وعشرين يوماً، فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أم سعيد، ومنها: الكتابة السنوية في ليلة القدر، ففيها يفرق كل أمر حكيم، وكذلك: الكتابة اليومية، فكل يوم هو في شأن، وكذلك: الكتابة التي سمعها الرسول ﷺ في المعراج حين صعد إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام، فهناك كتابات متعددة فالله لم يزل فعالاً لما يريد، وكل يوم هو في شأن، يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويعز ذليلاً، ويجبر كسيراً، ويعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويفعل ما يشاء.

стр. 73

المرتبة الثالثة: الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة والمرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر: مرتبة الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا تكون في هذا الكون حركة ولا سكون، ولا طاعة ولا معصية، ولا إيمان ولا كفر، ولا خير ولا شر إلا بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، فأمره نافذ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وكذلك قدرته على كل شيء، على أفعال العباد الاختيارية والاضطرارية، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤]، ومع ذلك أمر الله العباد بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وهو يحب المتقين، ويحب المقسطين، ويحب المؤمنين، ولا يرضى لعباده الكفر، وإن كان قد قدر الكفر والفسوق والعصيان، لكنه يحب الطاعة ويكره المعصية، فمحبته وكراهيته تابعة لأمره الشرعي ونهيه كذلك، فما أمر الله به وفعله العباد فهو يحبه، ويحب من فعل ذلك منهم، ومن عصى أمره وخالف شرعه فهو يكرهه، ويكره من فعل ذلك منهم، وكونه قدر وجود ما يكرهه شرعاً فلحكمته البالغة سبحانه.

стр. 74

المرتبة الرابعة: الإيمان بالخلق والبعث وأما المرتبة الرابعة من مراتب الإيمان بالقدر: فمرتبة الخلق والبعث، فالله خالق كل شيء، وهو خالق أفعال العباد، كما أنه خالق ذواتهم، وقد خلق قدرة للعباد، وخلق مشيئتهم، وخلق بها أفعالهم، فللعباد قدرة ومشيئة بها تقع أفعالهم، والله خالقهم وخالق أفعالهم وقدرتهم ومشيئتهم، ولا يعني إثبات خلق أفعال العباد إلغاء قدرتهم وإرادتهم في إيجاد تلك الأفعال، وإنما الله خالقهم وخالق قدرتهم ومشيئتهم، والعباد ميسرون لما خلقوا له.

стр. 75

الأدلة من الكتاب والسنة على مراتب الإيمان بالقضاء والقدر ونحن نريد أن نسمع هذه المراتب كأدلة من الكتاب والسنة؛ لأن سردها فقط لا يكفي ولا يؤثر في القلب ذلك التأثير العظيم الذي تؤثره تلاوة وبيان ما ذكره الله وذكره الرسول ﷺ ؛ لأن القرآن والسنة لم يذكرا هذه المراتب كعلم نظري أو فكر عقلي، وإنما كإيمان يحل في القلب ويتأثر به العمل، فإن الإيمان -كما نعلم- قول وعمل، فتلفت الطريقة القرآنية والنبوية أنظار العباد إلى أمور معينة لابد أن تلتفت لها القلوب لتحيا بالإيمان، وتمتلئ بالنور الذي أنزله الله ، قال في بيان علمه : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام:٥٩ - ٦٠]، هكذا تناولت هذه الآيات عدة مراتب للقدر، حيث ذكر الله علمه وكتابته للمقادير، ولكن انظر وتأمل كيف ذكر هذا الأمر؛ لتتفكر في سعة علم الله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام:٥٩]، والقرآن خير ما يفسر به القرآن، فقد قال في الآية الأخرى في بيان مفاتيح الغيب التي ذكرها في هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤]، فهذه خمس مفاتيح استأثر الله بهن، فلا يعلمهن ملك مقرب ولا نبي مرسل، فقد سأل جبريل النبي ﷺ عن الساعة في حديث جبريل المشهور في الإيمان والإسلام والإحسان فقال النبي ﵊: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن أحدثك عن أماراتها في خمس لا يعلمهن إلا الله، وتلا: ((إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ)) [لقمان:٣٤])، فبين الرسول ﷺ أن أعلى البشر قدراً ومنزلة هو النبي ﵊، وأعلى الملائكة قدراً ومنزلة هو جبريل ﵇، ولكنهما لا يعلمان شيئاً من هذه الخمس، ولكن أخبر النبي جبريل عن بعض أمارات الساعة: (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)، لكن ذلك لا يعني أن واحدة من هذه الخمس يعلمها الناس، ولكن أحدثك عن أماراتها في خمس لا يعلمهن إلا الله، ولو أخبرت ببعض المقدمات أو ببعض الأمور عن الساعة فلا تزال الساعة غيباً، أي: لا تزال الساعة من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، والخمس كلها كذلك، فلا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل، يقول تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ))، ونحن نقطع ونؤمن يقيناً بقيام الساعة، ولكننا لا ندري متى يقع ذلك، ولذلك إذا سمعت من يقول: الساعة تقوم يوم كذا وكذا، أو بقي على ظهور الدجال مثلاً سنتان أو ثلاث، أو بقي على نزول ابن مريم خمسة عشر سنة، أو حتى خمسمائة سنة، أو بقي من قدر الدنيا كذا سنة فاعلم أنه ضال وجاهل؛ لأنه لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله، والأمر نسبي في القرب والبعد، فمنذ زمن النبي ﵊ قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر:١]، بل هي أقرب من زمن أبعد من ذلك، ففي الحديث الصحيح في سنن أبي داود: (أن آدم ﵇ لما عرضت عليه ذريته أعجبه وبيص ما بين عيني رجل منهم من النور، فقال: من هذا؟ قال: هذا رجل أو نبي في آخر الزمان من ذريتك يقال له: داود)، فمن أيام سيدنا داود وهو آخر الزمان، فالأمر نسبي، والرسول ﷺ قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين) قال ذلك قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة، إذاً: فلا يستطيع أحد أن يعلم متى تقوم الساعة، لا بالتقريب ولا بالتبعيد؛ لأنه لا يعلم ذلك إلا الله، ولذلك لا تصدقن أحداً يقول لك: قبل أن تنتهي سنة كذا سوف تقع العلامات الكبرى التي هي ظهور الدجال أو نزول عيسى بن مريم، فكل هذا من الغيب؛ لأن ذلك مما يكسبه الناس غداً: ((وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا))، فلا يعلم ما في غد إلا الله، وكما تقول عائشة: من حدثكم أن محمداً ﷺ يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية. وهذه قضية عظيمة الأهمية؛ لأن البعض يظن أن الرسول ﷺ قال ذلك تواضعاً أي: أنه لا يعلم وقت الساعة تواضعاً، أو أنه لا يعلم الغيب تواضعاً، لكن الأمر ليس كذلك فالرسول ﵊ لا يعلم مفاتيح الغيب، ولكنه أخبر عن غيبيات، فلا تخرج مفاتيح الغيب الخمس عن كونها غيباً، وهذه المفاتيح الخمس استأثرها في علمه ، وقوله تعالى: ((وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ))، فوقت نزول الغيث لا يعلمه إلا الله.

стр. 76

التوقعات الجوية تحتمل الصدق والكذب إن حكم التنبؤات الجوية أي: التوقعات الجوية، والأنسب أن تسمى توقعات؛ لأنها مجرد ظنون، وأهل العلم بها يقولون ذلك، فالذين يعرفون حقيقة الأمر لا يجزمون، ولا يجزم بذلك إلا ضال جاهل، بل كما قال القرطبي: إن من جزم أن المطر ينزل غداً فقد كفر والعياذ بالله؛ لأن ذلك لا يعلمه إلا الله، وإنما أجرى الله سنناً نتوقع حصولها، ولكن كثيراً ما تخيب الظنون في أشياء كثيرة من ذلك، ونحن نعلم أن سنن الله الكونية الغالب فيها أن المطر ينزل في الشتاء، وأنه قد يكون في وقتٍ ما ريح فيها مطر، ولكن لا على سبيل الجزم والتحديد فإنه لا يعلم ذلك إلا الله، وقد يقولون: نحن بالأمطار الصناعية ننزل المطر، وهذا جهل عظيم يخدعون به الناس، كطريقتهم دائماً في التهويل والتضليل، فالأمطار الصناعية لا تغيث الناس، بل مثلها كمثل رجل صعد فوق سطح عمارة عالية والناس أسفل يحتاجون إلى قطرات من الماء فرش عليهم بعض القطرات، أفيقول هذا: قد أنزلت المطر؟ لا يمكن أن يقول ذلك، فما هذا إلا مجرد لاعب يريد أن يخدعهم إذا ظنوا أن هذا مطر، وإلا فما يفعله هؤلاء الكفرة المتمكنون فيما يظنون من توقعات في الأرض، وقد أخذت أرضهم زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها، فماذا هم صانعون إذا أتاهم إعصار مدمر؟ وماذا يصنعون إذا أصابهم القحط حتى جعل زروعهم وثمارهم تضمحل؟ الجواب يظلون منتظرين، وأنا رأيت بعيني حالهم في يوم من الأيام في مطاراتهم وشوارعهم عندما أتت عاصفة ثلجية، كل شيء قد توقف، وهم يقولون: إلى أن تتوقف العاصفة الثلجية، يقولون ذلك والبنزين يتجمد في السيارات، والمطارات تمتلئ بأمطار من الثلوج، والطائرات تتوقف، والسيارات تتوقف، وكل شيء يتوقف، فهم لا يستطيعون أن يواجهوا هذه العاصفة الثلجية بشيء، نتصل بالمطار فنقول: متى ستنطلق الطائرة؟ فيقولون: عندما يتوقف الثلج، بعد ساعتين أو عشر ساعات؛ لأنه لم يتضح في الموضوع شيء، فمن يقول: إنه يستطيع الجزم فهو يخدع الناس، وإنما لأهل العلم الحقيقي في هذه المسألة أن يقولوا: نحن جهلة في هذا الباب، فهذا مجرد توقع؛ ولذلك فالتوقعات الجوية إنما تذكر على سبيل الظن الذي يمكن أن يبنى عليه عمل إذا غلب، كأن نقول للصيادين مثلاً: يبدو أن الريح سوف تكون عاتية غداً فاحذروا أن تتوغلوا في البحر، أو أن هذا الإعصار ربما اتجه يميناً واتجه شمالاً فاحذروا ولا تخرجوا من بيوتكم أيها الناس! فمثل هذا يصح أن يبنى عليه عمل مع الجزم واليقين بأن هذا مجرد ظن، وأننا لا نعلم متى ينزل المطر الذي يغيث الناس، قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤].

стр. 77

سعة علم الله تعالى فيما يتعلق بالجنين والله سبحانه يعلم كل شيء عما في الرحم قبل أن يوجد ويتكون، أي: فليس المقصود أنه من مفاتيح الغيب بعد أن يتكون، فإنه بعد التكون يكون أمراً نسبياً، لكن الناس يظنون أن العلم الحديث قد جعل مسألة العلم بهذا شيئاً قديماً، فالناس في هذا الوقت يعرفون تصور الجنين، ولكنهم لا يعرفون عنه كل شيء، وهذا من الجهل أيضاً؛ لأن علم ما في الأرحام ليس مقتصراً على كونه ذكراً أو أنثى، وإنما هو علم كل ما يتعلق بهذا الكائن من علم عمله وأجله ورزقه وشقي أم سعيد، وشكله وصفاته وأفعاله وحاله في البرزخ ومآله يوم القيامة، فالله سبحانه قد علم ما في الأرحام، وليس مجرد أنه ذكر أو أنثى فقط، فهذا من ضمن ما أحاط الله به علماً، ولكن علم الله السابق على وجود هذا المخلوق، وعلى وجود الأعضاء التناسلية لهذا الجنين، أما بعد تكون الأعضاء التناسلية فإنَّ ذلك يصبح من الغيب النسبي؛ لأنه من الممكن أن تشق بطن المرأة ويعرف ما في بطنها، فالملك الذي خلّق هذا الجنين قد علم بشأن هذا الجنين الذي خلّقه بأمر الله ، فالغيب النسبي هذا ليس هو المقصود بأنه من مفاتيح الغيب، فمفاتيح الغيب الخمس لا يعلمهن إلا الله، فمن الحقيقة أنه قبل أن تتكون الأعضاء التناسلية مثلاً للجنين من ذكر أو أنثى لا يمكن لبشر ولا لغيره أن يعلم ما شأن هذا الجنين، مع أنه من يوم تكون الجنين من بويضة ملقحة لابد أن يعرف نوعه في الأغلب أي: لابد أن يكون نوعه محدداً، فهم يقولون: إن التكون ناتج عن حيوان منوي ذكري أو حيوان منوي أنثوي، ومع ذلك فالأمر لا يزال محتملاً، فقد اكتشفوا في الطب مؤخراً منذ عشر سنوات تقريباً: أنه في أول الأسبوع السابع تتكون الأعضاء التناسلية للجنين؛ لأن الأعضاء التناسلية تبدأ في التشكل قبل هذا التاريخ بطريقة واحدة بالضبط، وتكون الذكر مثل تكون الأنثى تماماً، ثم في الأسبوع السابع يبدأ الافتراق، وهذه معجزة ظاهرة للنبي ﵊؛ لأن النبي ﷺ قبل ألف وأربعمائة سنة قال: (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة قال الملك الذي يخلقها: أي رب! نطفة علقة؟ مخلقة أم غير مخلقة؟ ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما عمله؟ ما أجله؟ ما رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك). فالرسول ﵊ يحدد فيقول: (ثنتان وأربعون ليلة)، أي: ستة أسابيع، فسبحان الله! والذكر مثل الأنثى تماماً، ثم في الأسبوع السابع يبدأ الافتراق؛ ولذلك فمن الممكن أن يقولوا في الجنين: هذا سيكون ذكراً أو هذا سيكون أنثى، ولكن بعد الأسبوع السابع، أما قبل الأسبوع السابع فهذا مستحيل، مع أنه من الممكن أن تتحلل الكروموسومات قبل هذا وينظر أن هذا الحيوان المنوي الذكري الذي لقح البويضة يكون من تلقيحه ذكر، ولكنهم يقولون: إنهم اكتشفوا في الأسبوع السابع أن هناك إنزيماً يطرأ في ذلك التوقيت، وهو الذي يتحكم في تشكيل الأعضاء، حتى ولو كان تشكيل الكروموسومات مختلفاً أصلاً، أي: من الممكن أن يكون تركيبه الجيني تركيب الكروموسومات ذكراً، لكن هذا الهرمون إذا نقص صارت الأعضاء التناسلية أنثى، ولو أن تركيبه أنثى كبداية خلايا وزاد هذا الهرمون أو الإنزيم في التوقيت، فإن الأعضاء التناسلية ستتكون ذكراً، فسبحان الله! ينتظرون حتى يتكون فيعرفوه، فمهما قالوا فهو احتمال غالباً، فهو إلى هذه اللحظة بأمر الله ، وهناك على هذا الباب كلام آخر وهو: أن الملك يكتب ما يأمره الله من عمله ورزقه وشقي أم سعيد، وهذا يكون قبل أن يقع هذا الأمر، ونحن نقول: إن مفاتيح الغيب الخمس لا يعلمهن إلا الله، ولا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل، فنحن نقول ذلك ونلتزمه ونقول: حتى إن علم هذا الملك مقيد بمشيئة الله ، فإن الكتابات اللاحقة على اللوح المحفوظ كتابات قابلة للمحو والإثبات، قال الله : ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، وقال ابن عباس ﵁: الكتاب كتابان: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. إذاً: فالكتاب الذي رفعت أقلامه، وجفت صحفه: هو اللوح المحفوظ. وأما كتب الملائكة فتظل رغم أنه لم يكتب فيها شيء؛ فمن الممكن أن تمحى ويكتب غير ذلك إذا شاء الله، إذاً: فعلم الملك مقيد بأن الله يشاء إمضاء هذا وإنفاذه، أو يشاء محوه، فلو شاء الله أن يمحو ما كتبه الملك لمحاه ، قال تعالى: ((يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ))، ولذلك نجد أن هذه الأمور التفصيلية يمكن أن يطلع عليها بعض المخلوقين، لكن لا على جهة الجزم والقطع، وإنما على جهة التعليق على مشيئة الله. كما أن النبي ﷺ أخبر ليلة بدر بمصارع بعض المشركين، فقد كان يمر على أماكن ويقول: (هذا مصرع فلان غداً إن شاء الله) فقد علقه النبي ﵊ على مشيئة الله، فما أخبر الرسول ﷺ أو ما علمه ملك أو أحد من خلق الله عن أمر تفصيلي في مفاتيح الغيب الخمس فسوف يكون معلقاً على المشيئة ليظل في خمس لا يعلمهن إلا الله، وما أخبر به من تفصيل دقيق فإنه يظل مجملاً في أجزاء أخرى كالتوقيت مثلاً، فالرسول ﵊ أخبر بتفاصيل ما يقع في أمر الدجال ونزول عيسى بن مريم، ولكن يبقى هذا الأمر إجمالاً وهو: زمن وقوع ذلك، كما أن تفاصيل ما في الجنة وما في النار وما في الساعة مقطوع بها، فلا نقول: إنه معلق على المشيئة إن شاء الله أمضاه وإن شاء لم يمضه، بل إن الله شاء ذلك قطعاً وجزماً، فهو شاء أن يبعث الناس يوم القيامة، وأن يحيي الموتى، وهذا مقطوع به وقد شاء الله فعله، وليس إن شاء؛ لأن لفظ (إن شاء) يعني: أنه من المحتمل أنه يفعل ذلك أو لا يفعل ذلك، لكن هذه الأمور ستحصل قطعاً، فلابد أن نجزم أن هناك جنة وناراً، وأن هناك قيامة وحساباً وسؤالاً وثواباً وعقاباً، وأن هناك ميزاناً وصراطاً، وهذا مقطوع به، لكن يبقى هناك إجمال من جهة التوقيت أو التفاصيل الكاملة، أي: أن الرسول ﷺ إما أن يخبر بأمور مجزوم بها لكن فيها إجمالاً من جهة، أو أن يخبر بتفاصيل دقيقة جداً فيبقى التعليق على مشيئة الله ، وبذلك تظل مفاتيح الغيب الخمس لا يعلمهن إلا الله، قال : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩].

стр. 78

مظاهر كذب الكهنة والعرافين ولابد أن نقطع بأن مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا الله؛ لأن كثيراً من الناس يظنون أن الأولياء يمكنهم أن يطلعوا على الغيب وينسبون لهم ذلك، ويظنون أنهم يعلمون ما في الغد والعياذ بالله، ومن الناس من يقول عن الكهنة ذلك وهذا أعظم وأقبح، فإذا كان الأنبياء لا يعلمون، والملائكة لا تعلم، والأولياء لا يعلمون، فكيف بالكهنة؟ ولذلك لا تسأل المنجمين أبداً؛ لأن الله وحده هو الذي يعلم الغيب، وهذا أمر عظيم الأهمية في سلوك المسلم، قال النبي ﵊: (من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)، ولماذا الناس يعيشون في هذا الضلال؟ يقال لهم: إن في سنة ثمانية وتسعين تجتمع ست كواكب مع بعضها البعض، وهذه الست الكواكب عندما تجتمع على خط واحد فإنه ستحصل أحداث رهيبة على وجه الأرض، وجاءت سنة ثمانية وتسعين ولم يحصل شيء، وهناك كتاب مكث خمسة عشر طبعة وهو كتاب: عمر أمة الإسلام، وهذا الكتاب يأتي بكلام المنجمين وأمثالهم، فلما أخذنا الكتاب والحمد لله، وجدنا أن ما فيه باطل، والتكهن فيه كثير جداً، ومن ذلك قولهم: سيحصل كذا وكذا، لأن المذنب الفلاني سيمر يوم كذا، سبحان الله! إذاً: فالمسلمون بهذه الإفتراضات الباطلة سيعرفون أموراً غيبية من القرآن العظيم ﴿لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩]، إذاً: أي شخص يقول لك: إنه سيحصل شيء في السنة الفلانية من غير أن يذكر شيئاً من الكتاب أو السنة فلا تصدقه، ولو ذكر تأويلاً للكتاب والسنة فاجزم له بأنه باطل، واجزم له أن هذا الشيء لم يتحدد في سنة معينة؛ لأن الرسول ﷺ لا يفعل ذلك، بل الأشياء التي حددها الرسول ﷺ في المستقبل وفي المكان علقها على مشيئة الله، فمن علامات وضع الحديث: أن يحدد مثلاً عمراً معيناً للأمة، فعندما تجد أن هناك تحديداً بالطريقة هذه: سنة كذا سيحصل كذا، فاعرف أن هذا حديث موضوع، ولو قيل لك: إن الدنيا ستفنى بعد كذا سنة، أو أنه قد مضى من الزمن ألفان أو خمسة آلاف وبقي ألفان فاعرف أن هذا الكلام كذب، ولا يمكن أن يكون في الحديث مثل ذلك؛ لأن في ذلك مخالفة للقرآن صراحة، فلقد قال النبي ﵊ حين سئل عن وقت قيام الساعة: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن أخبرك عن أماراتها في خمس لا يعلمهن إلا الله)، إذاً: فالرسول ﷺ أخبر بأن الغيب عند الله، فنحن نوقن أنه لا يعلم مفاتح الغيب إلا الله، فلماذا نذهب إلى الكهنة والعرافين الذين يسألون الشياطين والعفاريت والملبوسين ويتكهنون أنه: سيحصل كذا، وإذا لم تعمل له كذا فسيحصل كذا؟! وهذا بلا شك ادعاء باطل، فإن هذا الكلام يقوله الكفرة ولا يقوله المسلمون؛ لأن المسلم يعلم من كتاب الله أن الله وحده الذي استأثر بمفاتح الغيب الخمس، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام:٥٩].

стр. 79

القرآن يدعو إلى التفكر في مخلوقات الله وأماكن عيشها إن القرآن يبين لنا معاني معينة لابد أن تلتفت لها القلوب، ويدعوك إلى أن تتفكر فيما في البر، وأن تتفكر فيما في البحر، ولا يحيط بما في البر علماً إلا الله، فالنمل الذي يخرج من بيوته عندما تشتد حرارة الأرض، لا نعلم أين مكانه في هذا الوقت وكيف نجده، وإذا راقبناه وتبعناه فسنجده قد وصل إلى مكان معين، والحشرات المدفونة لا نعرف أين هي، وسبحان الله فهي موجودة في جحورها، وفي أماكن كثيرة، وتحت الأرض، فهذا عالم عجيب، فهو عالم تعيش فيه كائنات كثيرة جداً والله هو المحيط بها علماً. وما في البر من بذور النباتات وغاباتها: إذا ما دخلها إنسان أو دخل أجزاء منها يقول: يا للعجب! كل هذه منذ آلاف السنين موجودة، وبذورها تكبر وتنمو وتصبح بعد ذلك أشجاراً هائلة، وفي مناطق كثيرة هائلة من العالم والبشر لا يعلمون عنها شيئاً، بل وهناك أماكن غير مأهولة بالبشر، وكذلك الغابات الاستوائية: ففيها حيوانات لا يعلمها إلا الله، ومن العجيب أن رجلاً رأى قرداً مثل الأصبع، وفيه تفاصيل الخلق وله وجه وعينان وأذنان، وقد كان هذا بعد نموه وهو لا ينظر إلا في الظلام فقط، متعلق بذيله في الشجرة، وقد أتوا به ووضعوه في حديقة الحيوان بهذه الطريقة، وهذا شيء عجيب جداً، وتذكر هذا الرجل ما يكون في بطن الأم حين يخرج الإنسان جنيناً وفيه كل التفاصيل، وهذا شيء عجيب جداً، فسبحان الله! فالمخلوقات عجيبة الشأن لا يعلمها إلا الله ، قال تعالى: ((وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ)). وأما في البحر فأمر آخر عجيب، فالبحر هو أربع أخماس الكرة الأرضية، والأرض خمسها، وهذه الأرض لا يحيط بها علماً إلا الله، والبحر أعظم من الأرض، حيث أن أعماق البحار ظلمات بعضها فوق بعض، وأمواج تلو أمواج تجعل ما تحتها أشد ظلاماً من انكسار الأشعة، كما قال : ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ [النور:٤٠]، وهذه الظلمات الموجودة في البحر لم يدخلها إنسان، وإن دخلها فإنه يجد أعاجيب من المخلوقات، فلو أخذت قطرة من ماء من أي ممر مائي سواء كان ماء عذباً أو ماء مالحاً، ووضعت جزءاً منها على شريحة، ونظرت تحت الميكروسكوب، فإنك ستلاقي فيها كائنات عجيبة: طحالب ونباتات وبكتيريا وأشياء عجيبة جداً، فكل قطرة من الماء تتركب من ضوابط معينة ونسبة معينة من الأملاح، ولابد من هذه النسب المنضبطة وإلا فسيحصل خلل في حياة البشر، فلو أن الماء المالح صار عذباً والعذب صار مالحاً لحصل خلل في حياة البشر، فالتوازن هذا عجيب جداً، ناهيك عن الكائنات الكبيرة الهائلة. إن الإنسان عندما يفكر في هذه المخلوقات يطرأ على ذهنه أنه من الذي أحاط علماً بذلك؟ حتى إن أعظم وأعتى الدول التي تملك الكمبيوتر وكل المعلومات لا يحيطون علماً بذلك أبداً، بل يجب على الإنسان حين يعرف هذا أن ينكسر، ولابد أن يعرف أنه جاهل؛ لذلك فإن ابن مسعود ﵁ قال: من قال: أنا عالم فهو جاهل، ومن قال: أنا في الجنة فهو في النار. أي: أن الإنسان لا يقول أبداً: أنا عالم، كيف يقول: أنا عالم، وهو لا يعرف شيئاً، بل لا يعرف ما الذي بداخله، إن الذي بداخله إلى هذا اليوم عالم عجيب، عالم في كل وقت نكتشف منه شيئاً جديداً، وإن الله كلما أعطانا قدرة أكثر على النظر، كالميكروسكوب الذي يكبر صور الأجسام، فإننا نرى أنَّ الذي كنا نراه ثقباً أصبح ليس بثقب، كانوا يظنون وكنا نظن أن جدار الخلية ثقوب وهي ليست بثقوب، بل هي مواد مركبة بطريقة معينة من أجل أن تؤدي وظيفة معينة، فكلما عرفنا أكثر كلما عرفنا أننا قبل مدة كنا لا نفهم شيئاً، ونحن الآن لا نفهم شيئاً بالنسبة للعلم الكامل، ولذلك فإن هذا المعنى عظيم الأهمية في نفس المؤمن، كما قال الخضر ﵇ لموسى ﷺ : يا موسى! أنت على علم من علم الله علمكه لا أعلمه، وأنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه، وقد وقف عصفور على طرف السفينة فأخذ قطرة من ماء البحر، فقال: ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر، وهذا معنى عظيم، فلابد أن يحصل في قلب المؤمن أنه يصف نفسه بالجهل يوماً، فإن أعلم الخلق بالله هو رسول الله ﷺ فقد كان يقول في دعائه: (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري)، وهو أعلم الخلق بالله، ولكنه يقول ذلك، ويتوسل إلى الله بعلمه ، ويعلم أصحابه فيقول: (اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت). قال : ((وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا)). فهنا يرشدنا القرآن إلى التفكر في هذا الأمر العجيب، إلى سقوط ورقة من شجرة في غابة من غابات الأرض على الأرض، ففي أثناء سقوطها تتقلب عدة مرات وتستقر على أي وجه من وجوهها، ثم بعد نزولها في الأرض تغور منه سنين طويلة حتى تتحلل، فإذا تحللت صارت بعد بترولاً، وهذا البترول كان في باطن الأرض، وجد من مركبات هيدروكربونية مصدرها أصلاً من مواد حية، هي في الأصل: أوراق ونباتات وأشجار وكائنات حية استمر الدفن عليها في الأرض وبعد سنين طويلة تحولت إلى هذه المواد، فسبحان الله! لأن تركيبها هو تركيبة المواد الهيدروكربونية التي هي من المواد الحية، فلذلك لا أحد يستطيع أن يصنع وقوداً من عناصر الأنسجة هذه؛ لأن الوقود مصدره المادة الحية، فنحن لا نستطيع تركيب البترول، بل لابد أن يستخرج من باطن الأرض، وكذلك الغازات الطبيعية، فكلها في الأصل مواد، فعندما نزلت هذه الأوراق في باطن الأرض استمرت سنين طويلة حتى صارت بنزيناً والله هو الذي يعلم ذلك. إنَّ السلف يقولون: إن الله يعلم كم مرة تتقلب هذه الورقة، وفي أي زمن، وفي أي غابة، وفي أي مكان؟ فعندما يبدأ المرء في معرفة هذه المعاني فلابد أن ينكسر لله ، ولابد أن يقر على نفسه بالعجز والجهل. ((وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)). كذلك الفلاح حين يبذر بذرة في الأرض، وهذا من أجل أن نفكر في الرطب واليابس والحبات التي تزرع في الأرض، فإنه يعلم أنه يرزع أرزاً أو قمحاً أو شعيراً، ولكنه لا يمكن أن يعرف كم حبة في يده؟ ولا يعرف أي حبة ستنبت وأي حبة ستموت؛ لأن هذه الحبات لن تنبت كلها، بل بعضها يجف وبعضها ينبت، وبعضها يكون زرعاً وبعضها يكون سنابل، قال تعالى: ((وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ))، فكل ذلك كتب في الكتاب المبين في اللوح المحفوظ. هذا هو الإيمان بعلم الله وبكتابة المقادير، وعندما يوقن الإنسان بهذه المعاني فإنه لا يمكن أن يغتر بعلمه، بل يصف نفسه بالجهل؛ لأن الغرور بالعلم مرض العصر الحديث، وهو مرض الكفرة -والعياذ بالله- الذين وصفهم الله بأنهم: ﴿لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٦ - ٧]، وهذا الكلام كله في كوكب الأرض، فما بالك في الكواكب البعيدة الأخرى؟ وما بالك في هذه النجوم والمسافات الهائلة التي بيننا وبينها؟ فالله علم ما في السماوات والأرض؛ لأنه سبحانه ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام:٧٣]، لا يغيب عنا، وإنَّ ما فوق هذه السماوات، وهذه الأشياء كلها تجعل الإنسان لا يغتر بعلمه أبداً، لا بالعلم الديني ولا الدنيوي، وهذا العلم الدنيوي هو الذي جعله الكفرة إلهاً لهم في هذا الزمان يعبدونه من دون الله.

стр. 80

العقائد الفكرية الباطلة فيلسوف ألماني كافر اسمه: نكسن، يقول في فلسفته التي صيغت منها بعد ذلك نظريات كثيرة، وهو من أوائل الملحدين: إن هذا الزمان هو عصر مولد السوبرمان وموت الإله، والكلام هذا من مائتي سنة أو أكثر، أي: أنَّ علوم الثورة الصناعية مازالت في بدايتها، أي: أن الإنسان حسب زعمه في هذا الوقت هو القوي المسيطر على العالم فليس محتاجاً إلى إله في هذا الوقت! فموت الإله يعني: موته في نظرية الإنسان، أي: أنه غير موجود أصلاً، لكن الإنسان لما كان جاهلاً وضعيفاً كان يظن أن في الوجود إله، أما الآن فهو غير محتاج إلى ذلك، وليس المعنى أنه مات فعلياً، إنما هي الصياغات القذرة لهذه العقائد الكفرية والعياذ بالله، مثلما صيغت في رواية من الروايات المشهورة! رواية: (أولاد حارتنا)، فإنها تنصر هذه النظرية، وكذلك: الجبلاوي، ففي خطابه يرمز إلى الله، وتعالى الله عن قوله علواً كبيراً، ويقول: إنه جاء بعد الأنبياء شخص اسمه عرفة، هذا الشخص هو الذي قتل الجبلاوي، وعرفة هذا الذي يقول عنه أنه هو المعرفة العلم، هذا العلم الحديث كما يقول هو الذي قتل الجبلاوي، دخل عليه وسحره وهو غير منتبه له، وقتله، وخرج الناس وقالوا: إن جنازة الجبلاوي غداً والعياذ بالله. فهذه ثمرة الغرور والكبر والعياذ بالله. وكان فيما مضى أستاذ في الكلية قد مات والحمد لله، كان يقول للطلبة خرافات منها قوله: قريباً سيصنعون ذبابة، يعرض بقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣]، ولو اجتمعوا على ذلك ألف سنة لما استطاعوا أن يخلقوا ذبابة، فالناس يعلمون علم اليقين أن البشر لا يقدرون على ذلك، ولا يستطيعون أن يصنعوا جزئي بروتين فقط، فليس في قدرة الإنسان أن يصنع ذلك.

стр. 81

الاستنساخ وأطفال الأنابيب هل يعدان خلقاً إن هؤلاء المنحرفين يروجون الكلام على الناس الذين لا يفهمون، فيخدعونهم ويقولون لهم: نحن صنعنا الأولاد في الأنابيب، والناس يظنون أن أطفال الأنابيب يصنعون في المعمل، فمن يريد أن يكون له طفل عينه زرقاء فليذهب إلى هناك أي: هم يظنون ذلك، ولكن الكلام غير هذا نهائياً؛ لأن أطفال الأنابيب يتكونون من الحيوان المنوي الذي لا يستطيع تلقيح البويضة، وغير قادر أن يصل إليها نتيجة انسداد في القناة، فيأخذون الحيوان المنوي من الرجل ويأخذون البويضة من المرأة، ويحاولون أن يهيئوا ظروفاً مناسبة له كدرجة الحموضة والقلوية ودرجة الحرارة لمني الرجل متقنة، ويأخذون البويضة من المرأة ويحاولون أن يهيئوا ظروفاً مناسبة لها من درجة الحموضة والقلوية ودرجة الحرارة لبيوضة المرأة متقنة غاية الإتقان، ولو تغير أي شيء مع هذا فلن يحصل التلقيح، فلابد من إتقان تام للتلقيح في داخل جسم المرأة، فلا هي ولا الرجل ولا هم يحسون أنه قد تم تلقيح البويضة بالحيوان المنوي، والظروف غير مهيأة، فيحاولون أن يضعوها في المعمل عن طريق الأوزون، ثم يقولون: يمكن أن تنفع أو لا تنفع، فإن نفعت لقحها وتم التلقيح، ثم يأخذونها ويضعونها في رحم المرأة وينتظرونها، ويجعلون المرأة تستريح من أجل أن تنمو النمو الطبيعي، ولا يعملون لها شيئاً، حتى تلد، فيدعون أنهم صنعوا طفل أنابيب!، والذين لا يفهمون ذلك يعتقدون أنهم حقاً قد صنعوا ولداً في الأنابيب في المعمل، وليس الأمر كذلك نهائياً، وهي نفس فكرة الاستنساخ، فإن عملية الاستنساخ مثل التوأمة، وكأنه توأم للإنسان نفسه، فهم يأخذون من الشخص خلية من خلاياه ويجعلونها كبويضة ملقحة يضعونها في الرحم، وللإنسان تدخل في ذلك؛ لأن الغرض في الحيوانات المنوية أن تحملها امرأة، وبدل أن تحمل بويضة ملقحة تحمل خلية من الخلايا، فينمو كذلك ليصبح وكأنه شبيه بالأول تماماً، وإن كان هذا العمل لا يجوز في الإنسان، ولكن المقصود: أن هذا ليس صناعة للإنسان ولا خلقاً له، ولكن هذا هو الغرور بالعلم، فالإنسان عندما يؤمن بعلم الله لابد أن يقطع ويجزم بجهله وعجزه وألا يغتر بالعلم. فعلم الإنسان بالنسبة إلى علم الله جهل، كما أن عز الإنسان بالنسبة إلى عز الله ذل، كما أن غنى أي إنسان بالنسبة إلى غنى الله فقر، كما أن قوة أي إنسان إلى قوة الله ضعف، وكما أن قدرة أي إنسان إلى قدرة الله عجز، فلابد للإنسان أن يستحضر هذا المعنى جيداً.

стр. 82

علم الله محيط بما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون وكذلك علم الله بما كان وما سيكون، وما مضى وما سوف يأتي، وتفاصيل ذلك، وما لم يكن لو كان كيف يكون، فالأشياء التي لم تقع قد علم الله أنها لو كانت تقع على أي صورة لوقعت، كما قال : ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]، وقال : ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:٨٠ - ٨١]. إذاً: فقد علم الله أن هذا الغلام لو كبر لكان كافراً، فعلم الله ما لم يكن لو كان كيف يكون، ولذلك إذا حصل للإنسان شيء والناس ينزعجون من هذا الشيء فإنهم يقولون: يا أخي! لو كان كذا ما كان كذا وكذا، ولسنا الذين نعرف ما لم يكن لو كان كيف يكون، فالإنسان يفوض علم ذلك إلى الله ويقول: إن علم الله محيط بما لم يكن لو كان كيف يكون، ولا يقول: لو كان كذا لكان كذا وكذا؛ لأن لو تفتح عمل الشيطان، كأن يموت شخص فيقول الناس: لو أنه مات قبل هذا بقليل، لو أنه مات قبلنا أو مات بعدنا، لو أن الله عمل كذا، فلو قلنا له: لماذا تتكلم في هذا؟ أو لماذا تعترض على هذا؟ فإن هذا فتح لعمل الشيطان، فلو كان كذا فالله يعلم ما كان، وهو الذي يعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، فثمرة هذا في حد الإنسان ألا يعترض على الله، ولا يقترح على الله، ولا يقول: لم يغير الله هذا الشيء الفلاني؟ فلست أنت الذي تقول هذا الكلام؛ لأن المؤمن يفوض أمره ويفوض العلم إلى الله ، وكذلك يرد علم ما لا يعلم إلى عالمه، ولا يدعي علم ما لم يعلم، فقد عاتب الله موسى حين سئل: أي أهل الأرض أعلم؟ فقال: أنا، فعاتبه على ذلك إذ لم يرد العلم إليه، فقدر الله له أن يلقى الخضر حتى يعرفه أن هناك بعضاً من العلوم مما لا يعلمها، وأنَّ هناك من هو أعلم منه.

стр. 83

استحضار علم الله ومراقبته ثمرة من ثمار الخوف والتقوى لقد ساح سيدنا موسى ﵊ في الأرض من أجل أن يتعلم أشياء كثيرة، ومن أجل أن يتعلم أن العلم مردود إلى الله ، وسيدنا موسى كان يعلم من قبل ذلك، لكن لابد من استحضارها في كل لحظة من اللحظات، فإنه يجب أن يكون في كل دقيقة وفي كل موقف مستحضراً أن الله بكل شيء عليم . ولو استحضر العبد ذلك لصار في أفعاله نور، ولراقب الله أعظم مراقبة، فلو تربى الإنسان على ذلك لنشأ يراقب الله ويخافه في كل مكان في السر والعلن، كما ربى لقمان ابنه حين قال له: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦]؛ لأن (الخبير): من الأسماء الدالة على معنى علم الله ، وهو العلم المتقن، فالخبير: العليم التام علمه المتقن له، فـ لقمان يقول لابنه: إذا عمل عملاً أو معصية وكانت الفعلة مقدار ذرة أو خردلة وكانت في صخرة أو في السماوات أو في الأرض أو في صخرة مغلقة، فإن الله يأتي بها؛ لأنه لطيف خبير وهو يعلمها، ولذلك فأنت سوف تحاسب عليها، فلو أن الإنسان تربى على هذا المعنى بالتأكيد لتغير سلوكه، ولترك الغش عندما يكون لوحده وأمام الناس، ولكان أميناً صادقاً، وسوف يكون في كل أحواله متقياً لله ، وإذا علمت أن الله أحاط علماً بما يفعله الكفرة والظلمة والمنافقون وأعداء الدين، وأنه ليس بغافل عنهم ، واستحضرت مع ذلك كمال قدرته وأن الأمر بمشيئته وحكمته، وأنه لا يغيب عنه ذلك فستراقب الله وتخشاه أشد الخشية، كما قال سبحانه: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف:٧]، قال: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢]، فالغفلة نقص في العلم، وإذا كان العلم موجوداً في كل وقت صار كمالاً، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤] ، فإذا استحضر ذلك هان عليه ما يجد مما يمكرون ويفعلون، ويكيدون ويخططون؛ لأن الله قد أحاط به علماً، وهو سوف يتولى أمر خلقه بما شاء .

стр. 84

كتابة المقادير في ضوء الكتاب والسنة المرتبة الثانية من مراتب الإيمان بالقضاء والقدر: مرتبة كتابة المقادير، وقد ذكر الله هذه المرتبة في الآية التي ذكرنا: ((وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)). وقال : ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢]. وقال : ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢] أي: بين فيه كل ما يقع في هذا الوجود. وقال النبي ﵌: (إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فقال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة). وفي الحديث الآخر: (يا أبا هريرة! جف القلم بما أنت لاق)، فهذا الأمر عظيم الأهمية، قال النبي ﷺ : (كتب الله مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة)، وهذا المعنى العظيم من أهم معاني الإيمان بالقضاء والقدر، فقد بينه القرآن، وبين ثمرته العظيمة وارتباطها بالاعتقاد، قال : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحديد:٢٢ - ٢٤]، وهذه آيات عظيمة البيان، فهناك أمراض خطيرة تعالج بهذه الآيات الكريمة: ((مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا)) أي: من قبل أن نخلقها، فالكتاب: هو اللوح المحفوظ كما ذكرنا، والضمير في (نبرأها) يعود على الأرض أو على النفوس أو على المصيبة، أو كما رجح ابن كثير ﵀: في أنه يعود على الخليقة، أي: من قبل أن يخلق الله هذه الخليقة كلها من الأرض والنفوس والمصيبة، فإنها موجودة في اللوح المحفوظ وهو معنى صحيح، وقوله تعالى: ((إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)) أي: سهل على الله، فقد أمر الله القلم أن يكتب فكتب في تلك الساعة، وجرى في تلك الساعة بما هو كائن، وجف على ذلك، وطويت الصحف وجفت، ورفعت الأقلام، فلا زيادة في هذا الكتاب. وثمرة هذا قوله تعالى: ((لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ))، فلماذا تحزن على شيء فاتك؟ فلو استحضرت أنه مكتوب عليك من قبل، وأنه كان لابد أن يحصل هذا الأمر قبل خلق السماوات والأرض، وقبل أن توجد أنت على وجه الأرض، وقبل خلق الأرض نفسها، وأن هذا سوف يقع في اللحظة الفلانية، فلن تأسى على نفسك ولن تحزن.

стр. 85

خمسة أمراض يشقى بهن الفرد والمجتمع إنَّ مرض الحزن هذا مرض مدمر للإنسان وهو من الشيطان، ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة:١٠]، فالنجوى شقاء للإنسان، فمن علامات الشقاء للإنسان أنه دائماً يقول: إن المصيبة التي حصلت لي آلمتني، ولماذا حصل كذا؟ وهل كان يحصل غير كذا؟ فيمكث في تخيل هذه الأفكار من أجل أن يتألم ويشقى، والشيطان يوسوس له، لكن لو أن هذا الإنسان استحضر كتابة المقادير قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة فلن يحصل له ذلك، كما قال النبي ﵊: (ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك)، إذاً: فقد حصل الأمر وقدَّر الله وما شاء فعل، وهذا يريح الإنسان راحة عظيمة، قال: ((وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)) أي: بما أعطاكم من الدنيا، ولا من الدين حتى لا تغترون، والفرح ليس معناه السرور؛ لأن السرور يكون بنعمة الله : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١]، لكن المقصود بالفرح هنا: الفرح المذموم: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [غافر:٧٥]، ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ [القصص:٧٦] أي: لا تفرح فرح الغرور، إذ ننسب الفضل إلى النفس، وقد كنا عندما كتبت هذه المقادير عدماً، وكل شيء كان عدماً عدا ما خلق الله من القلم والكتاب، إذاً: فينبغي للإنسان أن لا ينسب الفضل إلى نفسه، ولا يقولن: هذا لي، وهذا بجهدي وعملي، وإلا كان مثل قارون في هذه الطريقة، فهو الذي قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]؛ لأن الكبر قد أعماه والعياذ بالله، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص:٧٨]، والعياذ بالله من ذلك، فلا يكونن كمن وصفه الله بقوله: ﴿هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت:٥٠]، فيظن أنه لابد أن يأخذ شيئاً في الآخرة؛ لأنه أخذ في الدنيا، فإذا استحضر الإنسان ذلك لم يغتر، فإن الغرور والكبر من صفات إبليس صاحب هذا الطريق، فهو الذي قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف:١٢]، وهذا هو نسبة الفضل إلى النفس، فالإنسان المؤمن لا ينسب الفضل إلى نفسه في الدين أو الدنيا، في المال أو الملك؛ لأن الملك ملك الله ، والمال مال الله، قال تعالى: ﴿آتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣]، وقال: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧]، إذاً: فعندما يستحضر الإنسان ذلك فلا يقول: إن هذا حقي، فإنه سيذهب ويكون مالكه قد أخذه، ولا يقول: أنا الذي عملته، لكن يقول: هذا من فضل الله علي؛ ولذلك لما حصلت لـ أم سليم واقعة موت ابنها ﵂ استحضرت هذا المعنى، وقالت لـ أبي طلحة: يا أبا طلحة! أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت، فأرادوا أخذ عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، فابنك هذا كان عارية عندنا، أي: أن الله أعطاه لنا ثم أخذه، فالملك ملكه ، إذاً: ينبغي للمرء أن لا يحزن ولا يغتر بما عنده، فإياك أن تقول: هذا لي، أو هذا ملكي، فإن هذا الشيء لم يكن لك، ولابد أن تستحضر أنك أنت والمصيبة والنعمة والخير والشر كنتم لحظة كتابة المقادير عدماً، فإن ذلك يزيل الفرح والغرور، قال تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:٢٣]؛ لأن الاختيال والفخر أمراض إبليسية مدمرة للإنسان، فلو أن الإنسان استحضر ذلك القدر السابق لما حصل له اختيال على الخلق، وبماذا تفتخر عليهم وليس لك من نفسك شيء؟ وكذا العلم الديني والعمل الديني والطاعات كلها هبة من الله كتبت لك قبل أن تولد وتوجد، فإياك أن تقول: أنا عالم، وإياك أن تقول: أنا مجاهد، وإياك أن تقول: أنا داعٍ إلى الله، وإياك أن تقول: أنا زاهد، أنا مصلٍ وصائم بمعنى الافتخار، فنحن نعلم أننا بلا شك نعبد الله ، فإياه نعبد وبه نستعين، لكن لا تنسب الفضل إلى نفسك، فكلنا مفتقر إلى الله ، ولذا قال الذي كفر عندما دخل جنته: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف:٣٥ - ٣٨]، فالإنسان لابد له أن يستحضر فقره إذا تذكر هذا الأزل البعيد حين لم يكن شيئاً مذكوراً، كما يقول ابن القيم ﵀: فمن ذا الذي شفع لك في الأزل حيث لم تكن شيئاً مذكوراً حتى سماك باسم الإسلام، ووسمك بعلامة الإيمان، وجعلك من أهل قبضة اليمين، وأقطعك في ذلك الغيب عمالات المؤمنين، أي: أعمال المؤمنين ولذلك يقول المؤمنون: والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا وهذا توفيق من الله ، فالله هو الذي منَّ عليهم بذلك، وما الذي يفتح للقلب هذا الباب؟ إنه رؤية كتابة المقادير في ذلك العهد البعيد، وما كان من مقادير قبل وجودك حتى تستيقن أنَّ الله هو الذي من عليك، ليس بعلمك، ولا بعملك، ولا التخطيط وحسن العلم والعمل، وإنما هو توفيق من الله ، فهو الذي أراده لك ، ومن به عليك؛ لذلك فإن من الأمراض: الاختيال والفخر، وهذان مما يخاف منهما على الصالحين في أمر العلم والعمل، والدعوة والجهاد، فإن أول من تسعر بهم النار الذين رغبوا في أن يقال عنهم ذلك لينسب لهم، فالذي جاهد ليقال: جريء، والذي تعلم وقرأ القرآن ليقال: قارئ وعالم، والذي أنفق ليقال: جواد فهؤلاء أول من تسعر بهم النار؛ لأنه يريد أن ينسب له ذلك، فالإيمان بأن كل ذلك قد كتب في كتاب قبل أن يبرأ الله الخليقة يزيل عن الإنسان الفخر والاختيال على الخلق، وكذلك يزيل عنه البخل؛ لأنه يظن أن هذا المال له، فيخاف أن ينقص لو أنفق، فإذا استحضر العبد أنها ملك لله ، وأن الله هو الذي كتبها ولم تكن له، لمْ يبخل حين يأمره الله بالنفقة، ولم يخف على المال من النقص؛ لأنه يعلم أنه راحل عنه قطعاً، وأن الرزق مقدر؛ لذلك يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء:٣٧]، إذاً: الإيمان بكتابة المقادير يزيل عن الإنسان هذه الأمراض الخمسة: الحزن، والفرح الذي هو الغرور والكبر والإعجاب بالنفس، والاختيال، والفخر، والبخل، فهذه أمراض تشقي الإنسان وتشقي من حوله، وتخلق مشاكل لا حصر لها بين الناس، فالإنسان عندما يؤمن بالقدر وبكتابة المقادير تزول عنه هذه الأمراض، والنبي ﵊ بين كتابة المقادير والإنسان جنين في بطن أمه، فقال ﵊: (يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه ملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بكتب أربع كلمات، بكتب: أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد، فو الذي نفسي بيده إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، ففي هذا الحديث ثمار مهمة عظيمة الأهمية في مقام كتابة المقادير من هذا الحديث من كتب العمل والأجل والرزق والشقاء أو السعادة، فإذا علمت أن أجلك مكتوب فلا تخف الموت حين يأمرك الله بالإقدام، ولا يكن حب الحياة معلقاً بقلبك إلى هذا الحد، ولا تحرص عليها لدرجة أن تبيع دينك من أجل عرض من الدنيا، وإذا كان الرزق مقدراً لك قبل أن تولد فلا تخف على لقمة العيش ولا تقل: أريد أن آكل فاتركوني وشأني؛ خوفاً من المشاكل، فالمشاكل هي مقاومة الشر والفساد، هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو أن المرء موقن أن الرزق الذي سيأكله مكتوب له من قبل أن يولد، وأن أولاده كذلك مكتوب لهم الرزق الذي سيأكلوه، لما داهن في دين الله ولما خاف ورجا الناس، ولما باع دينه من أجل مصلحة دنيوية، أو باع طاعة الله ، قال رسول الله ﷺ : (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا).

стр. 86

الحث على طلب الرزق الحلال والإجمال في الطلب والإنسان إذا آمن بالرزق أنه مكتوب لم يبع دينه بعرض من الدنيا، ولم يقل: أنا أعمل بغير إرادتي ولم أجد إلا الحرام -والعياذ بالله- ولم أجد غير الرشوة، ولم أجد غير الربا، فإن ذلك لا ينبغي، كما قال النبي ﵊: (إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها كما تستوفي أجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم) إذاً: لابد أن تتقي الله؛ ليجعل لك مخرجاً ويرزقك من حيث لا تحتسب، ولا تقلْ: إني لا أجد غير الحرام، ولكن اطلب الطلب الجميل، واطلب الرزق، فإن الرسول ﷺ نهى عن القعود في البيت والركون إلى الغير والتقاعس عن الطلب فقال: (أجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم)، وهذا أمر عظيم الأهمية في حياة الإنسان، وتأمل كيف ربى النبي ﷺ ابن عباس على مثل هذا المعنى، مرتبطاً بقضية القضاء والقدر، قال: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، إذاً: فالمعتقد الصحيح أن الناس لا يملكون ضراً ولا نفعاً، فلماذا يداهنهم ويرائيهم ويسمع لهم؟ فسيصغرون في نفسه ويرتفع عن الأرض بآيات الله ومعاني الإيمان العظيمة، فلا يهمه الناس ولا يعبأ بهم رضوا أو سخطوا، كما قال ابن مسعود: إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله، إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا ترده كراهية كاره. فمن ضعف اليقين بالقدر أن تذم الناس على ما لم يؤتك الله، تقول: فلان أمره إلى الله لأنه جعل هذا الشيء لا يصلني، إذاً: لماذا تذمه؟ هل هو يظن أنه هو الذي أغلق عليك باب الرزق؟ بل هذا أمر الله ، وكذلك قول بعض الناس: أنت سوف توقف رزقي، فهل الرزق يقف؟ إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا ترده كراهية كاره، ولا يوجد أحد يوقف رزق أحد، وإذا كان هو اغتصب حقك فلن يأكل رزقك؛ لأن رزقك من عند الله، وإن ظلمك وأكل مالك، وإن كان رزقه حراماً، لكنه رزق كذلك، لكن لا تقلْ: أكل رزقي، فاتق الله ولا تظنَّنَّ أن الناس يملكون لك ضراً أو نفعاً.

стр. 87

عدم صحة الاحتجاج بالقدر على المصيبة إلا بعد التوبة النصوح وإذا أيقنت أن عملك مكتوب أيضاً فانظر إلى الطاعات واعلم أنها فضل من الله ، وانظر إلى المعاصي وتب منها إلى الله ليصح لك احتجاجك بالقدر، ولا تقل: أن الله كتب علي المعاصي قبل أن أولد، بل قل الكلام الطيب أولاً من أجل أن تقبل هذه الحجة، فإن سيدنا آدم عندما قال الكلام الطيب بعدما تاب قبلت توبته، كما قال النبي ﵊: (احتج آدم وموسى عند ربهما فقال موسى: أنت آدم أبو البشر خيبتنا ونفسك، وأخرجتنا ونفسك من الجنة، فقال آدم: أنت موسى اصطفاك الله على الناس برسالته وكلامه، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن يخلقني؟ قال: بأربعين سنة، قال: فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١]؟ قال: نعم، قال: فكيف تلومني على عمل كتبه الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال النبي ﷺ : فحجَّ آدم موسى، فحجَّ آدم موسى، فحج آدم موسى) حُجَّ أي: غلبه، وهو حديث متفق على صحته، وهذا الحديث عظيم القدر؛ فهو يدلنا على الزمن الذي يصح الاحتجاج فيه بالقدر على المصيبة، فنزول الإنسان إلى الأرض كان مصيبة، وسيدنا آدم لم يختبره، ولكنه تسبب فيه بالتأكيد بالمعصية التي عملها، وسيدنا موسى كان يلومه على المعصية التي ترتبت عليها المصيبة، لكن سيدنا آدم ليس له دخل في المصيبة وليس هو الذي اختار هذه العقوبة، وقد تاب إلى الله من المعصية، فصارت المعصية بعد التوبة بمنزلة المصيبة، فللإنسان أن يحتج بالقدر على المصائب لا المعائب، أما أن يموت قبل التوبة فلن يقبل منه الاحتجاج بالقدر ولو احتج خمسين مرة؛ لأنه يريد أن يلغي مسئوليته ولن تلتغي المسئولية، فالقدر لا يلغي المسئولية؛ لأن الله قدر أن تكون لك مسئولية، فالذي يعمل معصية يقول: لو أن الله يريد أن يهديني لهداني، ادع لنا أن يهدينا الله يا شيخ! فهذا يحتج بالقدر من أجل أن يقول: أنا خالي المسئولية، أنا لا دخل لي في ذلك، وهذا مكتوب علي، صحيح أنه في الحقيقة مكتوب عليك، لكنك تعمله بإرادتك، مكتوب عليك وأنت تعمله بمسئوليتك وبقدرتك التي خلقها الله لك، فأنت تريد أن تلغي المسئولية، وهذه في الحقيقة كلمة حق يراد باطل، فالمشركون قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] والله قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام:١٠٧]، فقد رد الله عليهم كلمتهم؛ لأنهم أرادوا بها عدم الالتزام بالدين، أرادوا بها عدم الإيمان، ويقولون: إن ربنا راضٍ بهذا، لا، فربنا لا يرضى بذلك، ومن أجل ذلك قلنا في المرتبة الرابعة في أول الكلام: إن مع كونه قدر المقادير وأراد وجود الخير والشر فقد أمر العباد بطاعته ونهاهم عن معصيته، وهو يحب الإيمان ويحب المتقين ويحب المؤمنين ولا يرضى لعباده الكفر، إذاً: فهناك أمر شرعي غير الأمر الكوني، وليس شرطاً أن يجتمعا، بل يجتمعان ويفترقان، فلذلك المحبة والرضا من الله تابعة للأمر الشرعي، فالذي يلتزم بالأمر الشرعي يحبه الله، والذي يخالف الأمر الشرعي يبغضه الله ويكرهه ويسخطه، وكونه قدره فلأن كل شيء بقدر، ولكن لا تحتج بالقدر على ذنب أو معصية لم تتب منها، لكنك إذا تبت إلى الله فقد ألغيت عنك المسئولية فعلاً؛ لأن النبي ﷺ قال: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، ثم يأتي بعد التوبة الصادقة الخوف من الله جل وعلا، لأن التوبة لا تكون توبة نصوحاً ومقبولة مع وجود التقصير، فإذا كانت توبة نصوحاً ومقبولة فلك أن تحتج بالقدر إذا لامك أحدهم، لكن الكفار احتجوا بالقدر في الدنيا، فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]، واحتج إبليس كذلك بالقدر، ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩] ولم ينفعه الاحتجاج، بل كان ﴿مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف:١٨] فإياك أن تكون مثل إبليس في الطريقة، وانتبه فإنك ستحتج ولن يقبل منك احتجاجك، كذلك الحال في من يجيب في الامتحان إجابة خاطئة ويقول: هذا قضائي، فحاله كحال المحتج بالقدر في عمل المعصية وهو لا يريد أن يتوب منها، فإن مصيرها هو السقوط لا محالة، كما قال : ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٤ - ٥٦] فالندم لا ينفع إلا في الدنيا، كما قال النبي ﷺ : (الندم توبة)، لكنك ستتحسر يوم القيامة إن لم تكن توبة مقبولة، ولذلك بادر بالتوبة قبل الغرغرة، يقول تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦]، ولن تنفع هذه الحجة، فالتوبة في هذا الوقت لا تنفع، ثم يحتج بحجة ثانية، يقول تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٧]، وهذه الحجة لن تقبل كذلك، ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٥٨] وهذه الحجة لن تقبل أيضاً، ولن ترجع إلى الدنيا، فالله يقول: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٥٩]، والعياذ بالله، إذاً: فانت حين ترى العذاب وتحتج بالقدر فلن يقبل منك هذا الاحتجاج، وستسألهم الملائكة عند دخولهم النار كذلك ولن يقبل منهم الاحتجاج بالقدر، كما قال : ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الملك:٨]، وقال : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر:٧١] فالملائكة تحتج عليهم بالشرع، ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١]، فالكافرون يحتجون بالقدر وهو قولهم: إنَّ ربنا قدَّر علينا العذاب فوجب ذلك علينا، فيقال لهم: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٧٢] أي: يذكرونهم بأوصافهم وأعمالهم، وتكبرهم، وهم مازالوا يحتجون بالقدر ويقولون: ((حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ)) إذاً: فأنت تدخل النار وهو مكتوب عليك ذلك، لكنك ستدخلها وأنت مذموم؛ لأنه ليس من الحجة أن يظل الإنسان على المعصية ويقول: إنه القدر، وهم في النار يحتجون بالقدر مع ذلك، كما قال : ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٦]، أي: أن الشقوة التي كتبتها علينا غلبت علينا، ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١١٠]، فالله أحضر لهم عملهم، فقد لامهم وذمهم على الأعمال السيئة مع أنهم يحتجون بالقدر ويقولون: ((غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا)) ولا ينفع ذلك، ولن تقبل هذه الحجة، إذاً: فعندما يؤمن الإنسان بأن عمله مكتوب فإنه ينظر نظرتين: نظرة في العمل الصالح فينظر إلى فضل الله عليه بذلك، وأن الله هو الذي من عليه، وأنه كان عدماً، وإرادته كانت عدماً، وعلمه كان عدماً، فلا يغتر بعلمه أو عمله، والنظرة الثانية: في المعاصي، فيبادر إلى التوبة منها حتى يقبل احتجاجه بالقدر السابق المكتوب عند الله ، وإلا فلو احتج به مائة مرة على الذنب بعد أن يموت فلن يقبل منه هذا العذر؛ لأن الله إنما يقبل الاحتجاج بالقدر ممن أخلى مسئوليته عن الذنب، ولن تخلي مسئوليتك عن الذنب الذي قد مضى إلا بعد أن تندم قبل الغرغرة، وقبل أن تطلع الشمس من مغربها، وقبل أن ينزل العذاب بالناس.

стр. 88

ثمرة الإيمان بأن السعادة والشقاوة مكتوبتان وإذا آمن الإنسان بأن الشقاوة والسعادة مكتوبتان فسيؤمن كذلك بأن الألم والتلذذ مكتوبان، وعندها فلن يخاف من ألم يصيبه أو لذة تفوته ما لم يكتب الله له ذلك، وهذا يدفعه إلى أن يستغني بالله عن الخلق، وإذا علمت أن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، فلن تغتر، ولن تأمن سوء الخاتمة، بل ولن تظن أن عملك سيفيدك، كما يقول بعض الجهلة: إنك ستدخل الجنة حتماً، فلا ينبغي لك أن تقول ذلك عن نفسك؛ لأنك تخاف على نفسك سوء الخاتمة؛ فأنت لا تأمن مكر الله، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، وإذا كان الصديق يقول: لا آمن مكر الله ولو كانت إحدى قدمي في الجنة، فأنت أولى بذلك، ولذلك قال الطحاوي ﵀: والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، أي: الأمن من مكر الله، واليأس من رحمة الله، ففي هذا الجانب تسأل الله حسن الخاتمة، وتسأل الله أن يتوفاك على عمل صالح، وتسأل الله كما قال النبي ﵊: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك). وأما في الجانب الآخر: فإذا وجدت من يعمل المعاصي ومن يعمل بعمل أهل النار، وعلمت أن من هؤلاء من يكتب الله له النجاة في آخر لحظة فلن تجعل الناس ييئسون من رحمة الله، ولن تنزلهم جنة أو نار، فلست أنت الذي تقول: والله لا يغفر الله لك، ولست ممن يضع نفسه في موضع أرفع منه، وليس لك رفع نفسك فوق مرتبة العبودية، مع أنه كان يعمل الصالحات بخلاف أخيه الغارق في السيئات، فقد قال له مرة: (اتركني وربي، أبعثت علي رقيباً؟ فقال ذلك الرجل الذي كان يعمل الصالحات: والله لا يغفر الله لك، فقال الله : من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان، قد غفرت له وأحبطت عملك) والعياذ بالله؛ لأن الكبر في الإنسان مذموم، فالإنسان لا يتكبر بالعمل الصالح؟ فقد يغفر له في لحظة أنت لا تعرفها، فقد ذكر أن رجلاً قتل مائة نفس فكتب الله له الهداية قبل أن يموت ومن غير أن يعمل عملاً صالحاً، ولذلك ينبغي لك ألا تلزم الناس بجنة أو نار، وألا تضع نفسك في موضع المحاسب والحاكم على البشر، وألا تقول: إن هذا الذي ظلمني لابد أن الله سينتقم منه، بل ليس لازماً أن ينتقم منه، بل من الممكن أن يرزقه الله التوبة، قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠]، قال الحسن: انظروا إلى هذا الكرم! قتلوا أولياءه ثم هو يدعوهم إلى التوبة؛ لأن الله قال: ((ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا)) أي: أنهم لو تابوا لما عذبهم، سبحان الله! قال النبي ﷺ : (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل فيستشهد، ثم يتوب الله على القاتل فيقاتل في سبيل الله فيقتل ويستشهد، فيدخلان الجنة معاً)، إذاً: فنحن ليس لنا من الأمر شيء، فلا ينبغي أن تقول للناس: أنت تدخل النار أو أنت تدخل الجنة، فأنت توقن بما أخبر الله به ورسوله ﷺ في الكتاب والسنة عن أهل الجنة وأهل النار، ولكن أين أنت من ذلك؟ فإذا كنت ترجو وتخاف فلا تيئس الناس من رحمة الله، ولا تتكبر عليهم، فإنك لا تعرف ماذا يختم الله لهم به من أجل عمل عملوه ربما يكون صغيراً في نظرك، ويكون عند الله مقبولاً كبيراً، فرب عمل بسيط يغفر الله به ذنوباً كثيرة، فإن الله شكور .

стр. 89

المبادرة إلى التوبة قبل الموت وقد ذكر أن بغياً من بغايا بني إسرائيل، بُغي أي: مدمنة على الزنا، يعني: فاجرة كما نسمع الآن مثلاً بالنساء الفاجرات، فالشاهد: أنها مرت بكلب يأكل الثرى من شدة العطش، والله يعلم أن في قلبها رحمة بهذا الكلب، فنزلت فملأت موقها من الماء وسقت هذا الكلب، فشكر الله لها فغفر لها، سبحان الله! فما بالك بإنسان يعمل المعاصي، لكن عنده رحمة ببعض خلق الله ؟! فقد يغفر الله له هذه الذنوب الكثيرة، فلا تقل: فلان هذا لابد أن يدخل النار أو هذا لابد أن يدخل الجنة، فإنَّ الله يفعل في خلقه ما يشاء، وبالعدل يفعل، ولا يظلم الناس شيئاً، فالناس بين الفضل والعدل، ففضله على أهل الإيمان، وعدله مع أهل الكفر والفسوق والعصيان. نسأل الله أن يعاملنا بفضله، وأن يجعلنا من أهله ، وهو الحكم العدل يفعل ما يشاء، فلا تقنط من رحمة الله، وإذا كنت صاحب ذنب فبادر بالتوبة الآن؛ لأنك لا تدري متى يختم لك، وإذا تبت إلى الله قبل الموت فقد تبت من قريب، فالله يغفر لمن عمل السوء بجهالة ثم تاب من قريب، وكل من عصى الله فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب، لكنك لا تدري متى ستموت وبأي أرض؛ لأن الله هو الذي يعلم بأي أرض تموت النفس، فبادر بالتوبة واترك التسويف. فمن ثمرات الإيمان بعلم الله أيضاً: أن تعلم أن الله هو الذي يعلم متى تموت النفوس؛ لأن ذلك من مفاتيح الغيب الخمس فلا تسوف؛ لأنك لست ضامناً لعمرك، فمن الناس من يقول: سأتوب بعد سنة أو بعد سنتين، ومنهم من يقول: سأتوب غداً، أو سأعمل الصالحات غداً، وما يدريه أنه سيعيش إلى غد؟ فالله هو الذي يعلم ذلك. فهذه من ثمرات الإيمان بكتابة المقادير، فقد كتب للإنسان وهو جنين في بطن أمه الأجل والرزق والعمل والشقاوة والسعادة وكذا الخواتيم التي يختم بها للإنسان؛ ولذلك فإن الرسول ﵊ لما أخبرهم بالكتاب قال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، ولذلك فعندما نسأل: هل الإنسان مسير أم مخير؟ نقول: إنه ميسر، كما قال النبي ﵊: (ميسر لما خلق له)، وميسر هذه تثبت له إرادة وقدرة، وتثبت أن إرادة الله فوق إرادته ومشيئة الله فوق مشيئته، وهذا الأمر يكون الحديث عنه في قضية أثر الإيمان بالقدرة والإرادة الإلهية، وأثر الإيمان بخلق الله لأفعال العباد. أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم.

стр. 90

الخير والشر عبر التاريخ إن الخير لا يعرف إلا بمعرفة الشر، وبضدها تتميز الأشياء، وإن من أعظم أسباب الفتنة والضلال اختلاط الشر بالخير، وتزيين أهل الباطل دعوتهم بشيء مما يظن أنه حق وخير، فما أوقع الكثيرين في البدع إلا حب التقرب إلى الله، فظنوا أنهم بذلك على خير، وهكذا فإن الشيطان يزين باطله بشيء من الخير، ويفتح للعبد باباً من الطاعة ليوقعه في الهلكة والمعصية.

стр. 91

سنة الله في دحض الشر وأهله إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ * أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ * أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ * وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ * وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:١ - ٤٥]. إن الله أرسل رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ليهدموا الباطل ويقيموا الحق، فإن الحق لا يكون قائماً إلا إذا هدم الباطل، أرسل الله رسله صلوات الله وسلامه عليهم. أجمعين ليقاوموا الشر وينشروا الخير؛ فإن الخير لا يكون خيراً إلا إذا انتفى من الشر وقاومه وأبطله، فإن الاختلاط بين الخير والشر من أعظم الأمور خطراً على المخلوقين وعلى الإنسانية كلها، بل إن إبليس لعنه الله عنده هذا الاختلاط، فهو يقر بأن الله خلقه وخلق آدم، ويقر بيوم البعث، وبأن الله هو الذي يُنظر، وهو الذي يحيي ويميت، فقال: (خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، وقال: ﴿رَبِّ فأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف:١٤]، وكل هذا لم يجعله في عداد المؤمنين، وإنما هو أكبر الكافرين بالله ؛ لأن من لبس إيمانه بظلم -وهو الشرك الأكبر- فإن إيمانه قد بطل، كما قال عن هؤلاء: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، وقال عن إبراهيم: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨١ - ٨٢]، فتبين بذلك أن من لبس إيمانه بالشرك الأكبر فإن إيمانه يضمحل ويزول، ولا ينفعه إقراره بوجود الله، ولا بأنه الرب الخالق ؛ لأنه أشرك بالله ما لم ينزل به سلطاناً. ومن ظلم نفسه بظلم العباد، أو من ظلم نفسه بالذنوب التي هي دون الشرك، فإنه ينقص من إيمانه وأمنه بقدر ما ظلم نفسه، وإنما يتحصل الأمن، والالتجاء التام بالإيمان الكامل الذي ليس فيه ظلم، أو الذي تاب الإنسان فيه من ظلمه لنفسه، فلقي الله وقد بدل الله سيئاته حسنات، سواء كان ذلك من الظلم الأكبر أو الأصغر، فإن الله يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب إليه ورجع واستغفر وأناب، ولما كان الله يقبل التوبة عن عباده، كان الإيمان بالله مستلزماً للكفر بالطاغوت، وكانت معرفة الشر ضرورية كمعرفة الخير حتى يتجنب الإنسان الشر.

стр. 92

معرفة الشر طريق إلى الخير قال حذيفة رضي الله تعالى عنه: كان الناس يسألون رسول الله ﵌ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. فتنوعت أسئلة الناس للنبي ﷺ ليصل الحق إلى الجميع، فيُعرفُ الخير عن طريق البعض، ويعرف الشر عن طريق البعض الآخر ليجتنبه الناس، وليعرفوا الحلال والواجب فيأتوه، ويعرفوا الحرام والباطل والمنكر فيجتنبوه، وحذيفة ممن انتبه إلى خطر الشر، فكان يسأل عن الشر مخافة أن يدركه؛ لأنه وجد كثيراً من الناس منصرفين عن السؤال عن الشر، فسأل رسول الله ﷺ عنه فقال: (يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فأتانا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: فهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهتدون بغير هديي، ويستنون بغير سنتي، تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله! صفهم لنا. قال: هم من جلدتنا يتكلمون بألسنتنا -وفي رواية لـ مسلم: قلوبهم قلوب شياطين في جثمان إنس. - قال: فما تأمرني؟ قال: الزم جماعة المسلمين وإمامهم. قال: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة فتموت وأنت عاض عليه). وهذا الحديث الجليل رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وهو يبين ما جرى ويجري للناس من قبل بعثة النبي ﷺ وبعد بعثته، فإن الناس كانوا في جاهلية وشر.

стр. 93

صور الشر في الجاهلية ومعرفة صفات الجاهلية مما يجعل المؤمنين يدركون قدر نعمة الله عليهم بالإيمان والإسلام، ويتمسكون به، ويزدادون حرصاً عليه، ويعضون عليه بالنواجذ، ويأبون أن يرجعوا إلى أي مظهر من مظاهر الجاهلية، سواء كان ذلك في العقيدة: وهو ظن الجاهلية، أو كان في الحكم: وهو حكم الجاهلية، أو كان في المعاملات المالية: وهو ربا الجاهلية. أو كان في وضع المرأة: وهو تبرج الجاهلية، أو كان في الولاء والحمية: وهي حمية وعصبية الجاهلية، أو كان في أي مظهر من مظاهر الجاهلية المختلفة التي يعيش فيها أكثر الخلق إلا من رحم الله ، فقد كان الناس في هذه الجاهلية وهذا الشر، وبقدر قرب الإنسان من معاني الجاهلية بقدر ما يكون فيه من الشر، وبقدر بعده عنها يكون اقترابه من الدين الحق الذي جاء به النبي ﵌. قال حذيفة: (فأتانا الله بهذا الخير)، يعني: بعثة النبي ﵌، وما كان فيها من هداية وتوحيد لله ومعرفته ومحبته، وعبادته وحده لا شريك له، وترك ظن الجاهلية، وحكم الجاهلية، ودماء الجاهلية، وعصبية الجاهلية، وتبرج الجاهلية، وحمية الجاهلية، وربا الجاهلية، فقد تركوا ذلك كله إلى دين الحق، والحمد لله رب العالمين.

стр. 94

أول شر بعد عصر النبوة قال حذيفة: (فهل بعد هذا الخير من شر؟)، وهذا هو الذي كان يخافه حذيفة، فأخبره النبي ﷺ أنه سوف يوجد بعد هذا الخير شر، وهذا باتفاق أهل العلم هو ما وقع من فتنة في أواخر عصر الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكان بداية ذلك قتل عثمان، وأما قتل عمر رضي الله تعالى عنه فقد فتح باب الفتن فعلاً، ولكنه ما كان بأيدي المؤمنين، وإنما كان بأيدي من لا ينطق بالشهادتين، فكان قتل عثمان بيد بعض المنتسبين إلى الإسلام من دعاة الفتنة، وما جر ذلك بعده من الفتن التي وقعت، والاقتتال الذي حصل بسبب أهل الفتنة بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأوقعوا فيه رغم أنهم كانوا يحرصون على البعد عنه، لكن قدر الله وما شاء فعل، وهو بالنسبة إلى ما سبقه من الخير يعتبر شراً، والأمر في ذلك بلا شك أمر نسبي، أي: بالنسبة إلى ما كان في عهد رسول الله ﵌، وما كان عليه الصحابة من ائتلاف الكلمة، والحب العميق، والارتباط الوثيق، وعدم الاختلاف على الإطلاق، وبينهم رسول الله ﷺ يحل لهم مشاكلهم، ويفصل بينهم في نزاعاتهم، فكان بالنسبة إلى ما سبقه شر.

стр. 95

اجتماع الخير على دخن فيه قال حذيفة: (فهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن)، وكان هذا هو اجتماع المسلمين بعد مقتل علي رضي الله تعالى عنه رابع الخلفاء الراشدين على معاوية رضي الله تعالى عنهم إماماً للمسلمين جمعاً للكلمة بعد أن تنازل السيد الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه، حيث قال النبي ﷺ فيه وهو ما زال طفلاً صغيراً: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين)، فتنازل هذا السيد الجليل الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه عن الخلافة لـ معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما من أجل جمع كلمة المسلمين، فسمي عام أربعين للهجرة: عام الجماعة؛ لاجتماع كلمة المسلمين، ولم يكن هذا بالنسبة إلى ما سبقه من الخير الأول خيراً محضاً، وإنما كان بدخن فيه، وهو دخن ما جرى من بعض الأمراء خاصة بعد زمن معاوية رضي الله تعالى عنه، وما جرى بعد ذلك في زمن بني العباس وغيرهم من دخن كثير، وذلك ما وصفه النبي ﵌ بقوله (تعرف منهم وتنكر، قوم يهتدون بغير هديي، ويستنون بغير سنتي) فهذا الدخن شيء من الشر مدخول في هذا الخير، لكنه خير بالجملة، فقد كان الجهاد في سبيل الله في هذه الفترة قائماً لإعلاء كلمة الله . ورغم ما وقع من الفتن والمنكرات ما كان أعداء الإسلام ليصلوا إلى المسلمين، ولا كان يخطر ببالهم أن يفكروا في أذيتهم؛ لأنهم يعلمون شدة بأسهم، وفي هذا العام فتحت بلاد كثيرة، ووصل الإسلام إلى أقاصي الأرض شرقها وغربها، واستمرت الفتوحات إلى أن وصلت بحمد لله ﵎ إلى حدود فرنسا، وفتحت الأندلس، وأقيمت دولة الخلافة واحدة في الأرض كلها من حدود الصين شرقاً إلى الأندلس غرباً، والحمد لله رب العالمين. وكان الحق ظاهراً -بحمد لله ﵎ في أكثر الأحوال، وهو بالنسبة إلى ما يأتي بعده من الشر خيرٌ لكنه خير فيه دخن لعدم الاقتداء بسنة رسول الله ﷺ ، وعدم الاهتداء بهديه، وكما قال ﵊: (تعرف منهم وتنكر)، ففيهم المعروف وفيهم المنكر، والمعروف موجود وظاهر، يوجد من أهل العلم من ينكره بلسانه أو بيده على حسب الشروط الشرعية والضوابط التي بينها رسول الله ﵌.

стр. 96

شر دعاة جهنم على الأمم قال حذيفة رضي الله تعالى عنه: (فقلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبوب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها) فهؤلاء ممن دعوا إلى البدعة والضلال والكفر والنفاق والزندقة والانحلال، ممن وصفهم أهل العلم كالخوارج في العهد الأول، وكالباطنية الذين أسسوا الدولة المسماة بالفاطمية، وكغيرهم ممن يبقى إلى يوم القيامة يدعو إلى الكفر والانحلال، وإن كانوا كما وصفهم الرسول ﷺ : (من جلدتنا يتكلمون بألسنتنا)، فهم ليسوا من الأجانب الأغراب، وليسوا ممن ينطق بالكفر الصراح، وإنما يتكلمون بألسنتنا، ويشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويزعمون أنهم منتسبون إلى الأمة، ولكنهم في حقيقتهم كما وصفهم النبي ﵊: (قلوبهم قلوب شياطين في جثمان إنس، دعاة على أبواب جهنم) فهم كل من دعا إلى الضلال، ونبذ شريعة الله، وحارب الإسلام وأهله، ونبذ السنة حتى وإن لم تكن رغبته في الملك فقط كما كان الدخن الأول، فقد كان صراعاً على الملك والسلطان، ولم يكن قط إرادة لانتهاك حرمات الله، ولا حرباً للدين، ولا إبطالاً لعقائد المسلمين، ولا موالاة للكافرين، ولا تبديلاً لشريعة الله ، فكان بعد ذلك من الشر ما كان، حيث ظهر هؤلاء الدعاة على أبواب جهنم، وما زالوا يظهرون، وهذا هو الخطر العظيم، فكل من دعا إلى الضلال من البدع القديمة أو المعاصرة، وتمكن من أن يكون قائداً للناس، إماماً لهم يدعوهم إلى جهنم، فهذا من الشر الثاني الذي هو أشر بكثير من الشرور التي سبقت إلا أن يكون شر الجاهلية الأولى فهو مثلها إن لم يكن شراً منها لأجل النفاق والزندقة، فهؤلاء دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، وهذا دليل على أن من اتبعهم، وسار خلفهم، وقبل باطلهم، وأجاب دعوتهم، فهو منهم ومعهم، ومن جنودهم الذين يسيرون في ركبهم؛ فيكون معهم في النار. وهؤلاء من المنافقين الذين قال الله عنهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء:١٤٥]، فهذا من كان يعلم فعلاً أنه حرب على الإسلام وأهله، وكان غير ملبس عليه، وأما من لبس عليهم في ذلك فهم في جهنم أيضاً ولا ينجو منهم بعد دخولهم النار إلا القليل؛ لأن من استجاب لداعي الباطل غالباً ما يموت على الكفر والعياذ بالله، كما بين ذلك النبي ﷺ عندما وصف حوضه، وأخبر بأن طوله شهر، وعرضه شهر، وماؤه أبيض من الثلج، وأحلى من العسل، وعدد آنيته كعدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، ثم قال ﷺ : (يحال بيني وبينهم بعد أن أعرفهم، فأقول: أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: إلى أين؟ فيقول: إلى النار، فأقول: لم؟ فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، والعياذ بالله، قال النبي ﷺ (فلا ينجو منهم إلا مثل همل النعم)، أي: إلا المهمل من الأنعام، وهذا هو النزر القليل ممن كان فعلاً ملبساً عليه، وما درى أنه يحارب دين الله ، فهذا مستحق أن يكون معهم، ولكنه ينجو بعد أن يؤخذ إلى باب الشمال، وهذا يدلنا على خطر متابعة الشر والباطل، وإن كان الإنسان قد يكون ملبساً عليه، لكن الواجب عليه أن يتعلم ويستبصر، ولا يجوز له أن يتابع على الباطل، فإن الله حذر من المتابعة على الباطل؛ لأن غالب ذلك يؤدي إلى الكفر، قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٦٤ - ٦٨]، وقال : ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ [ص:٦١]، وقال : ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨]، فبين سبحانه أن الأتباع يسألون مضاعفة العذاب للكبراء والرؤساء، فيضاعف الله العذاب للفريقين، ولا ينجو منهم إلا القليل ممن مات على التوحيد، وما أبعدهم عن التوحيد؛ لأنهم أطاعوهم في معصية الله بل في الكفر والزندقة والنفاق، ومن عمل ذلك فهو على شاكلة من تبعه. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص:٨]، وهذا عدل من الله سبحانه؛ فإن فرعون لا يكون فرعون إلا بقارون وهامان وجنودهما، ولا يكون فرعون إلا إذا كان معه من يعضده على كفره وضلاله وزندقته وانحلاله، فناسب أن يكون من أجاب الدعاة على أبواب جهنم قذفوه فيها، ولذلك كان واجباً على الإنسان أن يحذر على نفسه من الشر والبدع قديمةً كانت أو حديثة، ومن البعد عن شرع الله ، وموالاة الكافرين والتسوية بين الإيمان والكفر، والزعم بأن الله يقبل ملة سوى ملة الإسلام، وتحكيم غير شرع الله في أنفس الناس وأعراضهم وأموالهم. ولاشك أن هذا من الدعاة على أبواب جهنم، وهو -والعياذ بالله- من الكفر والنفاق الذي لا يرضاه الله أبداً ولا شرعه، وهو من الشر الثاني.

стр. 97

الأمر بلزوم الجماعة عند الفتن ثم قال حذيفة: (فما تأمرني؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) وهذا أمر عظيم الأهمية، فإن الإنسان بارتباطه بأهل الخير غالباً ما ينجو من الشر وأهله بإذن الله، ومن خرج بنفسه يظن أنه بعيد عن أهل الباطل فإنه في الغالب يقع في أسرهم، فعليكم بالجماعة؛ فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، والشيطان ذئب الإنسان، فإذا كان الإنسان بعيداً عن أعوان الخير منفرداً بطريق نفسه أدركه أعداؤه وأسروه وأخذوه معهم، ولهذا أمر النبي ﷺ بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم. والإمام: هو الخليفة إن وجد، وإلا فإن وجدت الجماعة دون وجود الخليفة فليلزم أهل العلم منهم، وليكن معهم؛ فإن هذه الأمة لا ينقطع منها الخير، كما قال النبي ﵌: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى تقوم الساعة)، وقال ﷺ : (لا تزال عصابة من أمتي تقاتل عن هذا الدين حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، أو حتى تقوم الساعة)، وقال: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله حتى يقاتل آخرهم الدجال). وقد أتت أحاديث متواترة أن الخير لا ينقطع من الأمة، وأنه لا تزال طائفة منها على الحق، فإن فقد فقدت الخلافة -كما هو واقع- فإن أهل السنة بحمد الله لا ينقطعون من الأرض كلها. وإذا فقد أهل السنة أئمتهم من الخلفاء وجب عليهم أن يرجعوا إلى أئمتهم من العلماء، إلا أن يجد الإنسان نفسه في أرض جذعاً، ولا يجد أعواناً على الخير، فهنا سأل حذيفة فقال: (فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟)، واشترط شرطين: ألا يكون لهم جماعة، وألا يكون لهم إمام، فهذا الذي قد يحصل لبعض الأفراد لا أنه يقع للمسلمين ككل؛ لأن الرسول ﷺ أخبر أنه: (لا تزال طائفة تقاتل عن الإسلام)، (ولا تزال طائفة قائمة بأمر الله من أمته)، وإنما يقع للبعض حين لا يجد في بلد أو في مكان ما أعواناً على الخير، ولا يجد إلا دعاة على أبواب جهنم من الفرق الضالة؛ فإن لم يجد إلا أحزاب الضلالة فلا يجوز له أن ينتسب إليهم، أو يكون معهم مدعياً أنه على الخير الذي عندهم مما يظهرون من أنهم يتكلمون بألسنتنا، وأنهم من جلدتنا، وأنهم في جثمان إنس، فلا ينفعه ذلك ولا يقبل منه، بل لابد أن يعتزل الشر وأهله، وهذه مرتبة واجبة لا بد منها للمؤمن؛ حتى يكون بعيداً عن متابعة أهل الباطل، ولو كان ذلك بأن يعتزل في الصحاري، وأن يعض على أصل شجرة فيموت وهو عاض عليه خير له من أن يتبع واحداً منهم. إننا نحتاج إلى معرفة ما جاء به النبي ﷺ من الخير والشر حتى لا نقع فريسة للدعاة على أبواب جهنم، وحتى نعرف أن من سبل نجاتنا التقارب مع أهل الحق، ومن قوة الرابطة بين المؤمنين ومن وحدتهم ومن بيان ما يلزمهم: أن يكونوا على منهج الحق الذي كان عليه النبي ﷺ ، فإن أئمة العلم أجمعوا على لزوم اتباع ما كان عليه صحابة رسول الله ﷺ ومن تبعهم بإحسان لما شهد القرآن لهم بذلك، كما قال : ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا﴾ [البقرة:١٣٧]، وقال : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة:١١٧]، وقال : ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه ُ) [التوبة:١٠٠]. وهذا المجمع عليه بين أهل العلم من لزوم اجتماع الناس على ما كانت عليه الجماعة الأولى هو سبب النجاة، كما قال النبي ﵊ (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: ومن هم؟ قال: هم الجماعة)، وفي الرواية الأخرى: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، وهي صحيحة المعنى بلا شك. نسأل الله أن يعيذنا من الشر، وأن يوفقنا للخير، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 98

درجات اعتزال الشر الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن اعتزال الشر درجات: الدرجة الأولى: اعتزال الشر نفسه، بألا يأتيه المسلم، وأعظم الشر: هو الشرك بالله بأنواعه المختلفة التي هي ظلمات بعضها فوق بعض، والمعاصي من الكبائر الظاهرة والباطنة، والبدع الكبيرة والصغيرة، كل ذلك يعتزله المؤمن ويبتعد عنه، فيتوب إلى الله من ذلك، وهذا الذي أمر الله به لما قال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]، فالتوبة إلى الله هي: ترك الشر واعتزاله؛ لذا قال النبي ﷺ عن الهجرة: (الهجرة أن تهجر ما نهاك الله عنه)، أو كما قال ﵌: فالهجرة أن تهجر السوء وتتركه فلا تفعله، وألا تعاون عليه، وألا تشارك فيه، وألا تكون جندياً من جنود الشر. الدرجة الثانية: اعتزال أهل الشر، بألا يجلس معهم وهم يخوضون فيه حتى ولو لم يشاركهم، فإن الله يقول في كتابه: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء:١٤٠]، وقال : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨]، فلا يجوز للإنسان أن يشهد الشر إلا بغرض شرعي صحيح كأن ينكر عليهم، فإما أن يزول عنه، وإما أن يزيله، أو يسعى في إزالته، فأما من كان باقياً في مكان الشر ساكتاً عنه فهو من أهل الشر وإن زعم أنه لم يرتكبه؛ فإن الإنسان المسلم لا يجوز له أن يبقى في بلاد يُجهر فيها بمعاصي الله، ويسب فيها السلف. كما قال الإمام مالك: لا يحل لأحد أن يبقى في أرض يسب فيها السلف، فكيف إذا كان يسب فيها دين الله، أو يسب فيها الله سبحانه، ويستهزأ بآياته، ويسخر من العقائد التي أنزلها في كتابه، وجاء بها رسول الله ﷺ من عقائد الغيب، فلا يجوز أن يقيم الإنسان مع أهل الشر إلا أن يكون له غرض شرعي صحيح كالإنكار عليهم، أو إنقاذ مسلم من هلكة، فإن وجد أنه لا فائدة لدين الله في بقائه معهم فليرحل عنهم وليعتزلهم، وإن لم يجد إلا أن يعتزل في الصحاري والجبال، فهذا خير له من أن يكون مقيماً للأكل والشرب وسط أهل الباطل والضلال ساكتاً على شرهم، راضياً بدنياهم. فلا بد أن يترك الإنسان أصدقاء وقرناء السوء، فلا يصاحبهم، كما قال النبي ﷺ (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي)، وقال : ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، فالواجب على المؤمن أن يبحث عن قرناء الخير، ويعتزل قرناء الشر، قال النبي ﷺ : (مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك - أي: يعطيك مجاناً- وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيباً، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة)، فإن لم يجد الإنسان بداً من أن يكون مع أهل السوء، فإما أن يأمرهم وينهاهم، وإما أن يهاجر في سبيل الله، وكما تهاجر نفسه يهاجر بدنه، ولا يجوز له أن يبقى معيناً على الباطل أو ساكتاً عنه، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:٩٧]. ولا بد للإنسان أن يكون واضحاً في انتمائه لأهل الخير، فيبتعد عن أهل الشر، ويتبرأ من أفعالهم، ويتبرأ منهم إذا بلغوا درجة الكفر والنفاق.

стр. 99

اختلاط الخير بالشر سبب للفتنة والضلال فالمسلم صادق في قضية الولاء والبراء، ولا يمكن أن ينتهي إلى الباطل وأهله، والتساهل في هذه القضية من أعظم أسباب انتشار الفتنة بين المسلمين، ومن أعظم الخطر عليهم، فإن اختلاط الخير بالشر مما يلبس فيه على الكثيرين، ومما تقبل به دعاوى أهل الباطل من أجل ما عندهم من الحق، وقد خرج أبونا آدم من الجنة بقسم باطل؛ لأنه ظن أنه لا يقسم أحد بالله كاذباً، فغره الشيطان بالله ، قال : ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١]، فلما وجده يقسم بالله ظن فعلاً أنه ناصح، وذلك تعظيماً من آدم لأمر الله سبحانه، ونسي ما أخبره الله : ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه:١١٧]، ولا يقبل قول ناصح قط إلا بشيء من الحق معه، وإلا فالناس قد فطروا على قبول الحق ورد الباطل كما فطروا على حاجتهم إلى الماء والهواء. والشرك والباطل يدخل إلى الأمم من اختلاط الخير بالشر، فقوم نوح ظهر فيهم الشرك بسبب أمرين: الأول أمر من الخير وهو حب الصالحين ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، والثاني: البدعة الضلالة من اتخاذ التماثيل تذكاراً لهم، ثم كان بعد ذلك عبادتها من دون الله حباً لهم، وعلى أنهم وسطاء بينهم وبين الله ، وهكذا كانت عبادة اللات والعزى على أنها ملائكة الله التي تشفع لهم عند ربهم، وهم يتقربون بعبادتها إلى الله ، فقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]. فظهر بذلك أنهم يريدون التقرب إلى الله ولكن ما نفعهم ذلك، فتبين أن ما يدعو إليه الشيطان من الشرك يكون عن طريق النفاق الذي يظهر أصحابه الشهادتين، ولكنهم يدعون إلى أنواع الكفر والضلال، وكذا أنواع الشرك كعبادة القبور فإنه يسول لهم أن في هذا حباً للصالحين، وحباً لأهل البيت، وهذا حق لاشك فيه، كما أن عبادة غير الله شر لاشك فيه، وكذلك يزين الشيطان للكثيرين الوقوع في البدع بزعم حب التقرب إلى الله وحب رسول الله ﷺ ، وإذا جابه إنسان واحداً من أهل البدع وقال له: كيف تقع في هذه البدعة ولم يفعلها النبي ﷺ ؟ زعم أنك لا تحب رسول الله ﷺ ، أو لا تحب أهل البيت، أو أنك تكره الصالحين وتعاديهم، فهكذا يكون اختلاط الخير بالشر سبباً لضلال الإنسان؛ فإن الشيطان لا بد أن يضع في السم شيئاً من العسل وإلا ما استساغ مرارة السم أحد. نسأل الله أن يعافي المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأن يحفظ عليهم الإسلام نقياً صافياً حتى يلقوا ربهم وهو راض عنهم. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اليهود والنصارى والمنافقين وسائر الكفرة والملحدين أصحاب الضلالة ودعاة السوء. اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين. اللهم نج المستضعفين من المؤمنين والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم فرج كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين. اللهم نج المستضعفين من المؤمنين والمسلمين في كل مكان، اللهم انصر المسلمين في البوسنة والهرسك، اللهم انصر المسلمين في فلسطين، اللهم انصر المسلمين في الهند وبورما وكشمير والفلبين وأرتيريا ومصر والجزائر، اللهم انصر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، وانصرنا على عدوك وعدونا، واهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، واجعلنا هداة مهتدين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. اللهم أنزل بأعداء المسلمين بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم لا تجعل لهم على المؤمنين سبيلاً، اللهم فك شرهم عن المسلمين فأنت أشد بأساً وأشد تنكيلا، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين والمسلمين. ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

стр. 100

الدعاء سلاح المؤمن الدعاء له منزلة عظيمة في الإسلام، فبالدعاء يستجلب النصر، ويستقى الغيث، ويدفع الضر، وتعم البركات؛ والدعاء أعظم سلاح يتسلح به المؤمن، وأعظم قوة يتقوى بها الضعيف، ولما كان الدعاء بهذه المنزلة الرفيعة كان هو العبادة. فعلى المسلم أن يلجأ إلى الله بالدعاء في سره وجهره وعسره ويسره وفي شأنه أجمع.

стр. 101

مكانة الدعاء وفضله إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فلقد أخبر الله عباده المؤمنين أنه قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، قال : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]، وقال : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]، وقال : ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الشورى:٢٦]، وقال النبي ﷺ : (الدعاء هو العبادة). وكان النبي ﵌ يستعمل الدعاء في كل أحواله، ويذكر الله على كل أحيانه وفي كل المواقف خصوصاً في مواقف الشدائد، حيث كان يلجأ إلى الله ويتضرع إليه، ويستغيث به فيغيث الله أمته بأسرها، كما قال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]، وكانت استغاثة النبي ﷺ مستمرة ومتتابعة بالليل وبالنهار، فقد كان طول الليل قائماً تحت شجرة في بدر وفي النهار في أول المعركة ظل يناشد ربه، ورفع يديه حتى سقط رداؤه من على منكبيه حتى اعتنقه أبو بكر صاحبه الرفيق الشفيق الرقيق رضي الله تعالى عنه من خلفه وقال: يا رسول الله! بعض مناشدتك ربك؛ فإن ربك منجز لك ما وعدك، فمن شدة الاجتهاد أشفق عليه الصديق رضي الله تعالى عنه، ومن كثرة التضرع أيقن أبو بكر أن الله منجز له ما وعده فقال له: (بعض مناشدتك ربك)، أي: يكفيك أن تدعو جزءاً من هذه المناشدة أو خفف من هذه المناشدة بعض التخفيف، فيكفيك جزء منها. فانظر إلى حال النبي ﷺ كيف غيرت دعوته ﵊ وجه الحياة على ظهر هذه الأرض، فلو لم ينتصر المسلمون في غزوة أحد، ولو هلكت تلك العصابة لما عبد الله في الأرض بعد ذلك اليوم، كما قال النبي ﷺ : (اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض بعد اليوم)، فاستجاب الله سبحانه هذه الدعوة المباركة، وهذه المناشدة المستمرة، وهذا التضرع الأكيد الذي لم يفتر حتى حقق الله وعده، وحقق نصره لعباده المؤمنين، وكان النبي ﵌ يدعو في مقابلة أعدائه بدعاء هو من معجزاته الظاهرة. فما أحوج المسلمين في مواجهتهم لأعدائهم، وقد تكالبوا عليهم واجتمعوا من أجل إطفاء نور الله أن يتدبروا هذا الدعاء، وأن يستعملوه، وأن يكثروا من اللهج به؛ عسى الله أن يفرج كرباتهم. فقد كان النبي ﷺ بعد أن يذكر أصحابه بالصبر والثبات ويأمرهم أن يسألوا الله العافية ويخبرهم أن الجنة تحت ظلال السيوف يقول: (اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب)، وفي رواية (سريع الحساب اهزمهم وزلزلهم وانصرنا عليهم) ثم يتقدم المسلمون فينتصرون بفضل الله منزل الكتاب.

стр. 102

أسباب النصر ونحن نحتاج إلى أن نتدبر هذا الدعاء؛ حتى نستعمله للقوة المطلوبة، وحتى تحضر القلوب؛ فإن القلوب إذا امتلأت بمعرفة الله وأسمائه وصفاته واستحضرت عظمته وقدرته وقوته وعزته وأنه سبحانه القيوم بأمر السماوات والأرض ثقلت الكفة، وتغيرت الموازين، وتزلزلت الأرض، واهتزت من تحت أقدام المشركين، ووقع الرعب في قلوبهم، ونصر الله عباده المؤمنين بأيسر الأسباب.

стр. 103

التوسل سبب من أسباب النصر وهذه الأسباب هي: أولاً: التوسل إلى الله بالإلهية، كما في قوله ﷺ : (اللهم منزل الكتاب) وهذا التوسل إلى الله يكاد يكون في أكثر أدعية النبي ﷺ ، وكذا في أدعية الأنبياء جميعاً، وذلك أن دعوة الأنبياء هي دعوة التوحيد: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، فيستحضر أن الله إلهه الذي يعبده والذي يتوجه إليه بالإخلاص والصدق والتوكل والاستعانة وبكل أنواع العبادات.

стр. 104

التوسل إلى الله بإنزاله الكتاب ومن أجل قيام الصراع ناسب جداً أن يبدأ هذا الدعاء بالتوسل إلى الله بأنه منزل الكتاب، ولذا قال: (اللهم منزل الكتاب)، فالله أنزل الكتب من عنده، وخاتمتها القرآن العظيم، فهو خاتمة الكتب المنزلة من عنده التي تضمنت أحكامه وشرعه، وأنزل الله الكتاب؛ ليقوم الناس بالقسط، قال : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا * وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:١ - ٥]. فالله أنزل الكتاب لتكون الحياة على وجه الأرض غير الحياة التي يريدها أولياء الشيطان، أنزله الله مستقيماً قيماً لا اعوجاج فيه؛ وذلك ليقوم الناس بالقسط وبالعدل الذي شرعه الله، وليتذكروا اليوم الآخر بدلاً من أن ينشغلوا بدنياهم، فإن فكر الناس واعتقادهم وما يفكرون فيه وما ينشغلون به قضية عظيمة الأهمية، فتأمل فيما يشغل أولياء الشيطان الناس به؛ إنهم يشغلونهم بالشهوات الحقيرة الدنيئة، ويشغلونهم بالطعام والشراب، والجاه والملك والوجاهة واللعب واللهو، ولا يكادون يذكرون القيامة، ولا يكادون ينذرون الناس البأس الشديد الذي من عند الله الذي ينتظرهم، مع أنهم يرون كل يوم لحظة الفراق التي هي من أشد اللحظات التي هي سكرات الموت، فكم من الناس يرحلون! فالضعف الذي يكون فيه الإنسان والألم الذي يعتصره والذي ينبئ عما يحل به بعد ذلك أمر جليل وخطير ينتظر الناس، فالكتاب أنزله الله لينذر بأساً شديداً من لدنه، ولينذر ما الناس مقدمون عليه بدلاً من أن تكون صبغة الحياة هي الجري ورائها بهذه الطريقة التي لا يعرف الإنسان فيها معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه، ولا يعرف إلا المال والجنس والملك والرئاسة والصراع على ذلك بكل أنواعه، بل توظف العقائد والأديان والملل من أجل هذه الصراعات الدنيئة الحقيرة. وقوله: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف:٤]، ففي هذه الآية أن الله أنزل الكتاب ليبطل العقائد الفاسدة التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي هي مسبة لله ، كما قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه : (يقول الله : شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، قال: وأما شتمه إياي فقوله: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا)، فالله يغضب لذلك، وذكر أن هذه الكلمة عظيمة، فقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٥]. وقال : ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٥]، وكذلك نزل الكتاب ليبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم أجراً حسناً، وهذا هو الذي ينبغي أن يطلب، وهذا هو الذي ينبغي أن يبحث عنه. أنزل الله الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وذلك أن الله سبحانه ما أنزل الكتاب ليكون مجرد شيء يتزين به في صدور المجالس أو على الأرائك والمكاتب، وإنما أنزله ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. فهذه قضية عظيمة الأهمية، ومن أجلها يدور الصراع حقاً، فالكفرة والمنافقون أولياؤهم لا يريدون أن يكون الكتاب الذي أنزله الله هو الذي يفصل بين الناس ويحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، وإنما يريدون أن يكون حكم الجاهلية وآراء الرجال وما اشتهوه من الباطل والأهواء السخيفة المنكرة هي الحكم الذي يتحاكمون إليه، فالله أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزل الله الكتاب والعدل الذي يكون عليه بناء الأمور على كتاب الله، فالكتاب معه الميزان، ومعه القياس الصحيح، فكما أن في المحسوسات ميزان فكذلك في الاعتقادات والأعمال والأقوال ميزان، وهذا الميزان توزن به الأشياء بكتاب الله . إن هذا الصراع الذي قام به النبي ﷺ وقام به أولياء الله عبر العصور إنما كان لأجل أن يكون الكتاب الذي أنزله الله هو القائم بين الناس، وهو الحكم وهو القسط، وهو العدل الذي يحبه الله، وأن يوزن كل شيء بهذا الكتاب وأن ينظر إلى الحياة الدنيا والآخرة من خلال هذا الكتاب. فكتب الله كلها حق؛ أنزلها الله متضمنة كلامه، وجعل القرآن مهيمناً عليها وشاهداً لما فيها من الحق ومبيناً ما زاده أهلها فيها من الباطل والتحريف والتبديل الذي صنعوا، وكذلك مبيناً ما نسخ منها مما كان مشروعاً في وقت وزال تشريعه لحكمة الله في ذلك. وبذلك كان من أعظم ما يتوسل به إلى الله في مواجهة الأعداء قول: (اللهم منزل الكتاب)، فالله الذي أنزل الكتاب هو الذي وعد بأن يعم حكمه الأرض، وأن يظهر الدين الذي أنزله فيه على كل الأديان، كما قال : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٢ - ٣٣]. فالنور الذي أنزله الله هو هذا القرآن العظيم، قال : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة:١٥]، فهو الذي أوحاه إلى رسوله ﵌، وأوحى إليه مثله معه، فكان النبي ﷺ هو السراج المنير، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦]، وإنما كانت الحكمة التي أوتيها النبي ﷺ منبعها من الكتاب، وحقيقتها تفصيل الكتاب وليست خارجة عنه، قال : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. فالنبي ﷺ لا يأتي بشيء من عنده، وإنما هو يبين حقيقة الكتاب، ويبين تطبيقه العملي، وكان الكفار لا يقبلون ذلك، وكانوا يعارضونه ويريدون أن يطفئوا هذا النور، وأنى لهم أن يطفئوا نور الله ؟! وهكذا ترى أمة الإسلام عبر العصور، فقد حاول أعداؤها أن يصرفوها عن القرآن العظيم، وأن يبعدوا كتاب الله عن حياة الناس، ومع ذلك فشلت المحاولات، وإن هلك في أثناء ذلك من هلك حين قبل الباطل وابتعد عن الكتاب، سواء ابتعد عنه بالكلية، كمن كفر به وحاربه، أو لم يبتعد عنه بالكلية، ولقد مرت ببعض بلاد المسلمين أوقات كان وجود القرآن فيها جريمة عظمى، وكان وجود القرآن لدى إنسان في بيته معناه أن يسجن حتى يموت أو ينفى في مجاهل البلاد التي يهلك فيها من الصحاري والجليد وغير ذلك، ولقد مضت مدة من الزمن كان الناس لا يتعلمون فيها القرآن إلا سراً، وأدرك من ذلك بعض من يعيش اليوم، فقد كان القرآن في كثير من البلاد تهمة عقوبتها الإعدام، ومع ذلك إذا بهؤلاء يذهب الله بهم ويدمرهم تدميراً ويبقى القرآن العظيم. وهكذا لو تأملت تاريخ المسلمين في كثير من محنهم لعلمت كيف كانت المحاولات بصرف الناس عن كتاب الله، ولإطفاء هذا النور الذي لا يطفأ بإذن الله ، ولذا كان تمسك المسلمين بالكتاب حفظاً وتلاوة واتباعاً وعملاً ودعوة هو سبب نصرهم، فبقدر تمسكهم بهذا الكتاب بقدر ما ينزل الله عليهم من النصر، وبقدر ما ينزل على أعدائهم من العذاب، ويلقي في قلوبهم الرعب والزلزلة ويهزمهم ، فحاجتنا هي أن نتمسك بالكتاب الذي أنزله الله، وحاجتنا هي أن نتعلم آياته آية آية، ونمرها على القلوب ونتدبر ما فيها ونعمل بها، ونكثر استعمالها، لا أننا نغيب القرآن عن حياة الناس أو عن الدعوة أو عن البيان. فمثلاً: أنت إذا قلت للناس: هذا الشيء حرام، قالوا: ليس بحرام، وإذا قلت لهم: هذا الشيء منهي عنه، وهذا الأمر لا يجوز، قالوا: بل يجوز، وليس بمنهي عنه، أما لو كنت على بينة من أمر الله ، وقلت لهم: قال الله كذا، فسوف تجد أمراً آخر، وسوف تجد تغيراً في استقبال الناس لهذه الدعوة، ولذا كان من سمات منهج السلف رضوان الله ﵎ عليهم كثرة الاستدلال بالآيات القرآنية كما أنهم كانوا يكثرون الاستدلال بالأحاديث النبوية، وهي ليست بخارجة عن كتاب الله، بل هي مثله في التحليل والتحريم، وكذا بعده في البيان والإرشاد، وهي تتضمن معنى النور الذي فيه، وتبينه وتوضحه للناس، كما قال : ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]. فنحن نحتاج إلى أن نتلو آيات الله في كل المواطن، وبدلاً من أن تقول رأياً أو تعضده بقول فلان أو تقول: العالم الفلاني أفتى بكذا، هذا الأمر ليس بالقوي في النفوس، وسوف يُعارض بأيسر طريق، أما

стр. 105

التوسل إلى الله بإجرائه السحاب الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: فقد كان من دعاء النبي ﷺ : (اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، سريع الحساب اهزمهم وزلزلهم وانصرنا عليهم). فقوله: (مجري السحاب) فيه توسل إلى الله بشئون فعله وتدبيره لأمر السماوات، فالله يجري السحاب الذي لا يستطيع أحد من الناس أن يدعي أنه هو الذي يصرفه في الناس أو بينهم، ويصرف ما يحتويه من أرزاق للعباد، أو ما يحتويه من عقوبات؛ فهذا السحاب قد يكون فيه العذاب الأليم، كما قال قوم عاد عندما رأوا السحاب: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف:٢٤]، قال : ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف:٢٤ - ٢٥]. فتأمل هذا السحاب الذي لا يكاد ينظر إليه أحد في زحمة الحياة، وتأمل كيف يُصرف وُيجرى، وكيف تتغير أشكاله! وكيف يُساق من أبعد البلاد في لحظات بأمر الله ، وتتغير أحوال الناس على ظهر الأرض بناءً عليه، وكيف أنه لو أنزل الله جبال البرد من السماء الذي تتضمنها السحاب على الناس لهلكوا جميعاً! فكيف ستفعل فيهم العواصف الترابية والعواصف الثلجية! وكيف ستفعل بهم الأعاصير، فلو أذن الله لها أن تخرج هل يملك أحد دفعها من البشر على ضعفهم وعجزهم وعلى تكبرهم وعنادهم؟ فهذه ريح عاد قال الله عنها: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [فصلت:١٦]، وقال: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٦ - ٨]. ولو حرم الله العباد من الرزق الذي ينزله من السحاب فكيف ستجري الأنهار؟! وكيف ستمتلئ العيون؟! وكيف ستزرع الحقول وتسقى الأشجار؟! سوف تمتنع حياة البشر، فالله له ملك السماوات والأرض، وما أجمل وما أحسن وما أعظم أن تتوسل إلى الله بشهود ملكه للسماوات التي لا ينازعه فيها أحد، ولكن أكثر الناس في غفلة؛ وذلك أنهم ينشغلون بالملك البائد في الأرض ويظنون أن الملك للناس، ولو تأملوا لعلموا أن السحاب يجري كل يوم وكل لحظة بأمر الله، فلا يستطيع أحد أن يجريه، ولا أن يصرفه في الاتجاهات المختلفة، ولا أن يحمله بشيء يريده أو يمنعه من شيء لا يريده، ولو تأملوا ذلك لأيقنوا أن البشر لا يملكون شيئاً ولا يقدرون على شيء، وأن الله سبحانه هو رب السماوات والأرض، وأنه لو شاء سبحانه أن يسقط السماء على الأرض لأهلك الناس، ولو شاء أن يقذفهم بكسف من السماء لدمرهم تدميراً، كما قال عن قوم شعيب: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء:١٨٩]. فالله على كل شيء قدير، وهو مجري السحاب الذي يدبر الأمر كله، وهو الذي إليه يرجع الأمر كله، وعلى المؤمن أن يتوكل عليه. واستحضار معنى الربوبية في إجراء السحاب يجعل العبد يستحضر معاني التوحيد مجتمعة في الألوهية أولاً، وفي إنزال الكتاب منه ثانياً، وفي ربوبيته سبحانه التي يدل عليها إجراؤه للسحاب ؛ وهذا يجعل المؤمن يتعلق بالله .

стр. 106

التوسل إلى الله بهزيمته للأحزاب وقوله: (هازم الأحزاب)، هذا توسل ثالث أو رابع إذا عددنا لفظ (اللهم) توسلاً إلى الله بألوهيته، ففيه التوسل إلى الله بأنه هازم الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ ؛ فإنه قد هزم كل الأحزاب الذين تحزبوا على الأنبياء ليأخذوا الأنبياء، وليوقفوا دعوتهم، كما قال : ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر:٥]. فالجزاء من جنس العمل، وذلك أنهم أرادوا أخذ الرسل، وإيقاف دعوتهم وإهلاكهم، وأرادوا أن يضمحل هذا الدين، واستعملوا في ذلك وسائل البطش ووسائل الجدال بالباطل ليدحضوا به الحق، ووسائل الإعلام الفاسد بالإضافة إلى القوة والبأس، فاستعملوا ذلك حتى أوشكوا أن يأخذوا الرسل، وأن يقتلوهم، قال : ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]. ويكادون يصلون إلى غايتهم التي يظنون أنهم واصلون إليها، وفي اللحظة الأخيرة تتغير الأمور، ويظل الأمر يسير رويداً رويداً كما سار فرعون رويداً رويداً خلف موسى ومن معه، إلى أن تراءى الجمعان، وكما دبر إبليس مع المشركين خطة قتل رسول الله ﷺ قبيل الهجرة مباشرة، وأحاطوا بالبيت فعلاً، وخرج النبي ﷺ يتلو قول الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩]، فكما لم تبصر قلوبهم الحق الذي بعث به، كذلك لم تبصر أبصارهم جسم رسول الله ﷺ وهو خارج وهم يستعدون للفتك به، قال : ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر:٥]. فالله يأخذ من أراد أخذ ما جاء به الأنبياء؛ فإنه هازم الأحزاب. ولنتأمل هذه الغزوة العظيمة التي جعل الله فيها من آياته ما يتوسل به المؤمنون في مواطن مختلفة من دعائهم، فقد كان النبي ﷺ يكثر من استعمال ذكر هزيمة الأحزاب، ويتوسل إلى الله بذلك، كما كان يقول في هذا الدعاء: (هازم الأحزاب)، وكان ﷺ يقول في دعائه على الصفا والمروة: (لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)، فهو لم يهزمهم من خلال المؤمنين، وإنما هزمهم وحده بآياته . فكل من تحزب على الأنبياء وعلى دعوة الحق فهو من الأحزاب، كما قال عن قوم ثمود وفرعون وعاد ولوط: ﴿أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ * إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ [ص:١٣ - ١٤]، فالله جعل من تحزبوا ضد الإسلام واجتمعوا عليه رغم تفرقهم في غير ذلك مهزومين بقدرته ، فغزوة الأحزاب غزوة مليئة بآيات الله سبحانه، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا * قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا * قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا * وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا * وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب:٩ - ٢٧]. فاللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، سريع الحساب، اهزم أعداء الإسلام وزلزلهم وانصرنا عليهم. اللهم انصرنا على القوم المفسدين، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين. ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم نج المستضعفين من المسلمين في كل مكان. اللهم فرج كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، وارفع الظلم عن المظلومين. اللهم انصر الدعاة إليك والمجاهدين في سبيلك في كل مكان. اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، وانصرنا على عدوك وعدونا. اللهم اهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، واجعلنا هداة مهتدين. ربنا أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغوا علينا. اللهم اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، لك مطواعين، لك أوابين، لك مخبتين، إليك أواهين، وتقبل توبتنا، واغسل خبثنا، وثبت حجتنا، وأجب دعوتنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، وسل سخائم صدورنا. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا. اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 107

الرحمة الرحمة في قلوب الخلائق عطية من الله الرحيم، ولولاها لفسدت حياة الناس؛ لأن كل إنسان يريد أن يكون وحده ذا ملك ومال وما إلى ذلك، ولولا الرحمة لما استعدت الدجاجة الضعيفة للموت دون صغارها! ولذلك من لا يرحم الناس، فلا يحرص على هدايتهم، وجلب المنافع لهم، يكون بغيضاً عندهم، ولو كان من أقواهم بدناً، وأكثرهم مالاً، وأفصحهم لساناً.

стр. 108

تحقيق العبودية الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ . أما بعد: قال ابن القيم ﵀: غنى القلب: ما يناسبه من تحققه بالعبودية المحضة، التي هي أعظم خلعة تخلع عليه، وأعظم هبة توهب له، وأعظم عطية تعطى للعبد: وهي أن يتحقق قلبه بالعبودية المحضة لله ، فيستغني حينئذٍ بما توجبه له هذه العبودية من المعرفة الخاصة -أي: بالله عن علمه بالله وأسمائه وصفاته، والمحبة الناصحة الخالصة: أن يكون محباً صادق المحبة، ناصحاً في محبته، مخلصاً لها من كل شوائبها، يحب الله من كل قلبه. وفي حديث ضعيف: أن النبي ﷺ أول ما أتى المدينة قال: (أحبوا الله من كل قلوبكم)، وهذا المعنى ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن، فأول وصية في التوراة، وأول وصية قالها المسيح ﵇: الرب إلهنا، رب واحد، رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أن تحب الرب إلهك من كل عقلك وقلبك وفكرك. يقول ابن القيم: تستغني حينئذٍ بما توجبه هذه العبودية من المعرفة الخاصة، والمحبة الناصحة الخالصة، وبما يحصل من آثار الصفات المقدسة الإلهية، فإذا استحضر -مثلاً- اسمه السميع، وصفة السمع، واستحضر استماع الأصوات كلها له كصوت واحد وأنه يسمعها جميعها من أدناها إلى أقصاها على اختلاف اللغات، وتباين الألسنة، وتفاوت الحاجات، وهو يسمع ما خفي منها وما ظهر، وما أسر وما أعلن فإن ذلك يجعله معظماً لربه ، ويجعله مراقباً له في كلامه، ويلتفت إلى كل كلمة يقولها؛ لأنه يستحضر أن الله يسمعها، ويستحضر كذلك أنه سميع الدعاء، كما قال إبراهيم ﵇ منكراً على قومه عبادة من لا يسمع الدعاء: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ [الشعراء:٧٢]. فيستحضر في نفسه كم مرة دعا الله فسمع الله دعاءه، واستجاب له، وفرج كربه، وقضى حاجته؟ ويوقن بأنه إن لم ير له إجابة فهو إما قد صرف عنه من السوء مثلها، وإما قد ادخر له عنده من الفضل ما يتمنى يوم القيامة أنه لم يكن استجيب له شيء من الدعاء في الدنيا؛ لما يرى من الفضل، وهكذا في كل الصفات يحصل له من آثار شهود ملكوت السماوات والأرض، فإن الله هو المليك المقتدر، فيشهد القدرة والعزة، وأنه هو الذي أقدر العباد على ما بأيديهم، وأنهم لا يقدرون على شيء، وأنه على كل شيء قدير، فهو قدير على ذوات العباد وقلوبهم وأحوالهم وأفعالهم الاضطرارية والاختيارية، وهو قادر على الإحياء والإماتة، والإسعاد والإشقاء، وتفريج الكربات، فهو يفعل ما يشاء.

стр. 109

تأملات في آثار صفة الرحمة ومن يتدبر آثار الصفات في الكون، ويتأمل صفة الرحمة، وأن رحمته قد وسعت كل شيء، ويتدبر الرحمة المخلوقة التي يرى آثارها في هذا الوجود، فمثلاً: يرى رحمة الدابة التي ترفع حافرها عن ولدها، ويتدبر رحمة الأم لأولادها، فمثلاً: تجد البقرة في حنان عجيب على ولدها بعد ولادتها، وتأمل كل أم آخذة ابنها تحضنه وتحميه، بل ومستعدة أن تعمل كل ما تستطيع عمله لأجل وليدها، وتأمل كيف أن كل أب أيضاً عنده رحمة عجيبة بأبنائه، ثم تخيل أن كل الرحمات هذه التي بين الوحش والحيوانات الأليفة وغير الأليفة، وبين البشر منذ خلق آدم إلى يوم القيامة، وما سوف يأتي من رحمة في هذه الأرض كلها، كل ذلك أجزاء من الرحمة الواحدة التي أنزلها الله!! فالله جعل هذه الرحمة المخلوقة بين الخلق في هذه الحياة ليتراحموا بها، قال النبي ﷺ : (إن الله جعل الرحمة مائة جزء، فأنزل منها جزءاً، فبها تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، وادخر تسعة وتسعين ليوم القيامة)، فكم من الرحمة مدخرةً! بل كيف بالرحمة التي هي صفته ، أما هذه الرحمة المخلوقة فهي من آثار اسمه الرحمن، وتصور الرحمة الخاصة بعباده المؤمنين، وكيف أنه رحمهم حتى أخذ بقلوبهم إليه، وجعلهم يحبونه، وجعل في قلوبهم من المعرفة والأنس به والشوق إليه ما لا يدركون معه فضلاً أعلى من ذلك؟ وانظر إلى رحمة الله بإرسال الرسل، وما أنعم به عليهم من الصفات الطيبة، وجعلهم رحمة للعالمين. وتأمل في قول جبريل ﵇ لمريم وهو يتكلم عن عيسى ﵇ كما حكى الله ذلك بقوله: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٢١]، فالمسيح ﵇ رحمة عظيمة جداً رحم الله بها أهل زمانه من القساوة التي كانوا فيها، ومن الغلظة والغضب الذي حل على بني إسرائيل، وعدم استجابتهم ليحيى ﵇ وقتلهم إياه، فهم الذين تسببوا في قتل يحيى -كما يذكرون في قصصهم- من أجل امرأة زانية. وتأمل كيف أن سيدنا يحيى ﵇ صاحب الحنان والتقوى والنقاء يلقى في السجن مدة طويلة -وهو العبد الحصور التقي البر- من أجل امرأة بغي، ويقتل من أجلها بعد ذلك! فكان سيدنا عيسى ﵇ رحمة للعالمين، ورحمة للأرض مدة طويلة جداً، وقروناً متعددة، ولم يزل ﵇ رحمة؛ وذلك بسبب بركة دعوته إلى الإسلام عندما ينزل في آخر الزمان فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويخلص الأرض من شر المسيح الدجال، ويخلص الأرض من شر أتباعه اليهود، ولا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فمن لم يسلم في زمنه قتل، ولا يقبل الجزية، وترد البركة إلى الأرض، ويهلك الله بدعوته يأجوج ومأجوج، ويقال للأرض: ردي بركتك، وأنبتي ثمرتك، وهذا الخير العميم يكون بتطبيقه لشرع الله في زمنه.

стр. 110

رحمة الله للمسلم والكافر بإرسال رسول الله ﷺ وتأمل رحمة الله بأهل الأرض بإرسال الرسول ﷺ الذي قال الله فيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، فهو ﷺ رحمة للمؤمن وللكافر، فهو رحمة للمؤمن لأنه يجد ما لا يمكن أن يوصف بالقرب من الله ، والعبودية له ، وهذه الشريعة العظيمة هي أعظم نعمة ينعم بها على مخلوق، ورحمة للكافر لأن الكفرة يتعذبون بمخالفتهم الشرع، ولذلك فهم يشقون أعظم شقاء في دنياهم لعدم اختيارهم الإسلام، لكنهم عاشوا في ظله في عدالة وإنصاف، وانظر إلى البشر يوم أن تسلط عليهم أهل الإسلام، وكيف حصل لهم الخير العميم؛ ولهذا أسلم أكثر هؤلاء الكفرة، ودخلوا في دين الله أفواجاً، ولم تقهر هذه الأمم التي غلبت على الإسلام، وإنما كان هذا الدين زوالاً للحجب عنها، ولذلك فقد أسلمت عامة هذه الشعوب، وظلت مئات السنين مسلمة، فلما كان يومنا هذا بدأ الكفار يزعزعونهم عن الإسلام بكل وسيلة، حتى إنه يقتل الملايين منهم والناس لا تتزعزع عن الإسلام ولله الحمد إلا ما ندر، فالذي حصل مثلاً في الدول الشيوعية من مذابح بالملايين قتل فيها المسلمون وبعد كل هذا نجد المسلمين اليوم في هذه الدول ما زالوا على دينهم آية من آيات الله، ولذا نقول: إن الرسول رحمة للعالم كله.
следующие страницы →