← Джавами‘

Джавами‘ · id 37004

دروس للشيخ ياسر برهامي

ياسر برهامي

Полный текст (991 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وجوب الإعلام بالزواج السؤال إذا تزوج رجل بامرأة بولي وشهود وتوثيق، لكنه لم يعلن هذا الزواج أمام الناس، فهل زواجه صحيح؟ الجواب هذا خلاف السنة، ويمكنه أن يعلن في محيط آخر غير محيط الأهل وزملاء العمل، وذلك إذا خشى الضرر منهم. كأن يعلن وسط مجموعة أخرى من المسلمين، لكن لابد أن يحدث لهم من الإعلام، وأكثر العلماء لا يرون هذا واجباً، لكن الصحيح أن الإعلان واجب وليس بشرط في صحة النكاح، وإنما الشرط أنه لا بد من حضور الولي وشهود العقد، وأن يكون عن طريق ولي، وأن يحضره شاهدا عدل، ولكن الإعلام وسط الناس يمكن يكون في مكان بعيد عن أهله أو بناته أو عمله أو غير ذلك. وينبغي أن يكون الإعلان في المسكن الذي سوف يأتي إليه لزوجته الثانية، لئلا تتهمن، فلابد أن يعرف الناس أن هذا الذي يدخل عليها زوجها.

стр. 947

المفرط في المال ضامن السؤال رجل سُرِق منه مبلغ من المال كان موكلاً بتوزيعه في الصدقات والزكوات في شهر رمضان، حيث أنه وضع الكيس جوار مكتبه وذهب للرد على تلفون في مبنى آخر فرجع فلم يجده، فما حكمه؟ الجواب الظاهر أنه كان بتفريط منه، حيث كونه يضعه بجانب المكتب ويترك الباب مفتوحاً ويذهب إلى مكتب ثانٍ، فلا بد أن يكون ضامناً، ويلزمه أن يضمن هذا المال ويكون دين عليه، وحتى لو كان مستحق لهذه الصدقات والزكوات فلازم أن يخرجه.

стр. 948

إقامة الحجة شرط قبل تكفير أحداً من الناس السؤال هل يصح تكفير من يقاتل مع الكفار ضد المسلمين، أم أنه لابد من إقامة الحجة؟ الجواب لا بد من إقامة الحجة، فهي شرط عموم في التكفير.

стр. 949

معنى كلمة (العابدين) في قوله تعالى: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) السؤال ما معنى (العابدين) في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١]؟ الجواب أكثر المفسرين على أن العابدين بمعنى: الآنفين أي: يأنفوا من ذلك، وقيل: قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول من يعبده على أنه له ولد على مشهور كلمة العبادة، يعني: على معناها المعروف الذي هو الذل، فبمعنى أنه سوف يعبده على أن له ولد، وهذا مستحيل في حق الله .

стр. 950

حكم شراء البضاعة المستعملة المشكوك في أنها مسروقة السؤال ما الحكم في شراء بضاعة من سوق معروف أنه يباع فيه السلع المستعلمة، سواء كانت مستعملة أو جديدة؟ الجواب هو يخشى فقط من البضائع أن تكون من المسروقة في هذا المكان، فحسب غلبة الظن إذا كانت مستعملة وبسعر المستعمل المعروف أنها غالباً مباعة، ويغلب الظن على أنها غير مسروقة فلا بأس من الشراء، وأما ما كان مما يغلب على الظن أنها مسروقة، ككونها مثلاً جديدة جداً وبسعر بخس ومما يظن بها أنها مسروقة فلا يشتري.

стр. 951

نفي تعارض الشرع مع قول علماء الفلك: بأن القمر جسم معتم يستمد ضوءه من الشمس السؤال هل ما يقوله علماء الفلك من أن القمر جسم معتم يستمد ضوءه من الشمس يتعارض مع الشرع؟ الجواب لا يتعارض.

стр. 952

تحريم العمل في تصنيع أمواس الحلاقة السؤال هل يجوز العمل في المصانع التي تصنع أمواس الحلاقة؟ الجواب لا يجوز العمل فيها؛ لأن الأغلب استعمالها في حلق اللحية.

стр. 953

حكم الهدية التي قُدمت للمخطوبة من خاطبها قبل الفسخ السؤال خطب شاب فتاة وقدم إليها شبكة، وبعد فسخ الخطوبة لم يتقدم للمطالبة بالشبكة أو إرسال أحد من طرفه ليطالب بها، وقد مر حوالي سنة ونصف على فسخ الخطبة وما زالت الشبكة بأيدي أهل الفتاة، هل من الواجب شرعاً على أهل الفتاة إرجاع الشبكة إلى الخاطب حتى ولو لم يطلبها، أم يجوز لهم الانتفاع بها؟ الجواب إذا كان الفسخ من قبل الفتاة وأهلها ردوا هذه الهدية، وأما إذا كان من قبل الخاطب وهو الذي فسخ فهي لهم ويجوز لهم أن ينتفعوا بها.

стр. 954

علاج الوسوسة في الوضوء والصلاة وغيرها السؤال ما العلاج من أمراض الوسوسة في الوضوء وفي الصلاة وغير ذلك؟ الجواب يبدأ العلاج بمقاومتها وعدم الاستجابة لها، وعدم البناء على هذه الوسوسة، سواء في عدد المرات أو في المبالغة في غسل الأعضاء أو نحو ذلك، وصرف التفكير في شيء آخر إذا لم يستطع، وأعتقد أن العلاج الطبي قوي في هذا الباب، فيمكن أن يعالج هذا المرض النفسي.

стр. 955

الصدفة لا تنافي أنها من القدر السؤال هل هناك حرج شرعي بأن أقول: فعلت كذا صدفة، وقابلت فلان صدفة أم أن الأفضل أن أقول: قدراً، وما التعارض بين القدر والصدفة؟ أليست الصدفة من القدر؟ الجواب الصدفة من القدر، معناها: على غير ميعاد، فقد ورد حديث تميم الداري يقول: (فصادفنا البحر حين اغتلم) يعني: ركبوا البحر وهم لا يعلمون أنه سيكون هائج. فالصحيح أن كلمة صدفة لا تنافي أنها من القدر، ولا بأس أن يقولها الشخص.

стр. 956

إثبات صفة الغيرة لله تعالى السؤال هل يغار الله ؟ الجواب نعم، فقد جاء في الحديث: (إن الله يغار من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، وغيرة الله صفة لائقة بجلاله لا تشبه صفات المخلوقين.

стр. 957

وجوب القضاء على من أفطر في رمضان عامداً السؤال هل يجب قضاء رمضان على من أفطر بالطعام والشراب في النهار متعمداً؟ الجواب نعم، ولا يقاس على عدم قضاء الصلوات؛ لأن عندنا نص في المسألة، وهو حديث قضاء الكفارة، وهو أن النبي ﷺ أمر الرجل المجامع في نهار رمضان بقوله: (واقض يوماً مكانه) والقضاء يجب بأمر جديد، وقال النبي ﷺ : (من أفطر في رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة)، مفهوم المخالفة: أن من أفطر عامداً فعليه القضاء والكفارة.

стр. 958

كفارة الغش في الامتحان السؤال ما كفارة الغش في الامتحان؟ الجواب كفارة الغش في الامتحان يتوب إلى الله ولا يغش مرة ثانية.

стр. 959

بيان متى يكون الإنسان متألياً على الله السؤال كيف يكون الإنسان متألياً على الله؟ الجواب الذي قال: والله لا يغفر الله لفلان، ووالله ربنا سيدخل فلاناً النار، فهذا هو المتألي على الله.

стр. 960

من أدرك من الصلاة الركوع فلا ركعة له السؤال هل إذا حضرت صلاة الجماعة في الركوع هل أحتسب ركعة أو لا؟ الجواب قولان لأهل العلم أصحهما إن شاء الله: أنه لا يحتسب بها ركعة حتى يقرأ الفاتحة؛ لقول النبي ﷺ : (لا صلاة إلا بأم الكتاب).

стр. 961

جواز صلاة ركعتي المسجد والإمام يخطب السؤال إذا حضرت صلاة الجمعة والإمام يخطب هل يصح أن أصلي ركعتين؟ الجواب صل ركعتين؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فلا يجلس حتى يصلي ركعتين).

стр. 962

العلاج من مرض العجب والرياء السؤال كيف يعالج الإنسان نفسه من داء العجب وكذا الرياء؟ الجواب يدعو الله أن ينجيه من هذه الأمراض، وينظر في عيوب نفسه الكثيرة، ويطالع هذه العيوب بصدق ويفتش فيها جيداً، وينظر في عيوب نفسه حتى يرى النقص فيها، ويقارن بينه وبين الصالحين، ويقرأ سير الصالحين ليعرف أنه لا يساوي شيئاً. وأما الرياء: فجاهد نفسك في كثرة التفكر في القيامة، والموقف بين يدي الله جل وعلا، والجنة والنار، واقرأ كثيراً في ذم الرياء وخطره، وادع الله وقل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه. وعليك بكتاب: (تهذيب وموعظة المؤمنين) فهو كتاب جيد في هذا المقام.

стр. 963

حكم صيام من دخل البلغم فمه السؤال هل البلغم إذا دخل الفم يبطل الصيام؟ الجواب إذا وصل إلى تجويف الفم وكان على طرف اللسان ثم ابتلعه فهذا فيه قولان: الراجح أنه يفطر؛ لأنه يمكن الاحتراز منه، لكن الشخص الذي يحصل عنده باستمرار من غير ما يخرجه إلى فمه ليس عليه حرج، وما لا يمكن الاحتراز منه لا يفطر به.

стр. 964

جواز قضاء الرواتب للمداوم عليها السؤال هل يجوز قضاء السنن المؤكدة في الصلاة كلها بعد العشاء إذا كان معتاد المواظبة عليها، ولكنها فاتته؟ الجواب نعم، إذا فاتته وهو معتاد المواظبة عليها، فالأفضل أن يقضيها.

стр. 965

حكم استعمال السبحة السؤال ما حكم استعمال السبحة في الذكر؟ الجواب بعض العلماء يقول: هي بدعة، والراجح عندي أنها خلاف الأولى، ولكن ليست بدعة طالما لم يعتقد أنها سنة.

стр. 966

وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة السرية والجهرية السؤال هل لابد من قراءة الفاتحة في الصلاة السرية بنفسي؟ الجواب في السرية والجهرية لا بد من قراءة فاتحة الكتاب؛ لعموم قول النبي ﷺ : (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب).

стр. 967

حكم عملية إصلاح غشاء البكارة السؤال ما حكم عملية إصلاح غشاء البكارة لمن وقعت في خطيئة؟ الجواب لا تجوز، لأنها عملية خداع ومكر.

стр. 968

واجعلوا بيوتكم قبلة قسم الله العطايا والأرزاق بكل أنواعها بين عباده؛ لكي يعبد بكل أنواع العبادة، وأعطى أعداءه سلطاناً يتسلطون به على المؤمنين؛ ليعبدوه على صدق، ولنا في قصة موسى مع فرعون وقومه آيات وعبر، فإن المحبة والتآلف، وإعمار البيوت بعبادة الله والصلاة من أسباب النصر على الأعداء وتفريج الهموم واستجابة الدعاء، وقد أمر الله بتبشير المؤمنين حتى لا يدخل اليأس في قلوبهم.

стр. 969

تكليف الله عباده بجميع أنواع العبادة بتقسيمه بينهم الأرزاق والعطايا بأنواعها إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله وعليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فقد خلق الله الخلق لعبادته، وقسم الأرزاق والعطايا، والسعة والضيق، والسرور، والحزن بينهم، وأنواع الأرزاق كلها؛ لتتنوع عبودية أهل الإيمان، فالله يحب أن يعبد بأنواع العبادة كلها، وجعل في الأرض من يفسد فيها، ويسفك الدماء، ومن يخالف شرعه، ويكفر ويصد عن سبيله؛ ليحقق أهل الإيمان أنواع العبودية لله على كل حال، وفي كل حين. وقدر أن يعطي أعداءه سلطاناً ظاهراً مدة من الزمن، يتسلطون خلاله وبه على عباده المؤمنين؛ ليصبر أهل الإيمان، ويتعبدوا لله باليقين في وعده، وإن بدت الأمور كلها على خلاف ما يظهر، وإن بدت الأمور كلها على خلاف هذا الوعد، ولكنهم يوقنون بوعده فيصيرون أئمة بذلك.

стр. 970

آيات وعبر من قصة موسى مع فرعون وقومه واستضعاف فرعون لبني إسرائيل لقد جعل الله في قصة موسى ﵊ آيات وعبر يتعظ بها أهل الإيمان على الدوام، قال الله : ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس:٨٧ - ٩٢]. يخبر الله عن أمره لموسى وهارون بعدة أوامر تحتاجها الطائفة المؤمنة حين يتسلط عليها عدوها، وحين تكون مستضعفة في الأرض، وما جعل الله ذلك إلا خيراً لهم، قال رسول الله ﷺ : (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له). ولم يقدر الله أن يتسلط فرعون على بني إسرائيل، ولا أن يتسلط كل ظالم وكافر على أهل الصلاح والإيمان إلا لأجل أن يزدادوا إيماناً وتسليماً؛ لأنه يحب ذلك، والكفرة أهون على الله من الجعلان، والدنيا بأسرها أهون على الله من جناح بعوضة، ولو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها كأساً، وكيف لا، وقد مد الله عمر أعتى أعدائه إبليس مدة الدنيا بأسرها، لا يموت فيها إلى يوم يبعثون؟ فإذا وجدت من يمد في عمره وسلطانه سنين، فلن يكون شيئاً بالنسبة إلى عمر إبليس، وإبليس أشد عداوة، وهو مصدر الكفر والشرك، والظلم، والفساد في الأرض بوسوسته لبني آدم، فإذا رأيت ذلك علمت أن الله لهوان الدنيا عليه، وهوان الكفرة والمجرمين من أعدائه عليه، أعطاهم ما أعطاهم، وهو قدر ذلك لتنفذ أوامره عن طريق أهل الإيمان، ليقتربوا من الله أكثر. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ [يونس:٨٧] أي: اتخذا بيوتاً لقومكما، واعلما مواقع هذه البيوت، وذلك حتى تبقى هذه الرابطة بين النبي وبين أتباعه وبين أهل الإيمان بعضهم بعضاً، وذلك أن هذه الرابطة القوية والأخوة في الله ، رابطة الحب في الله، هي من أعظم ما يهون على المؤمنين البلاء الذي يصيبهم في مرحلة استضعافهم.

стр. 971

معنى قوله: (واجعلوا بيوتكم قبلة) قال كثير من المفسرين في قوله : ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس:٨٧] أي: اجعلوا بعضها يقابل بعضاً، وذلك حتى يقترب بعضهم من بعض، وتتوثق العلاقة فيما بينهم، وتباعد القلوب هو من أعظم أسباب تسلط الأعداء، وإذا اقتربت القلوب كان ذلك من أسباب النصر بإذن الله ﵎، ونهى الله عن التنازع والفشل، إذ هو سبب الخسران والهزيمة بلا شك. ونحن نرى أثر ذلك في أمة الإسلام في زماننا هذا وقد بلغت أكثر من ألف مليون إنسان، ومع ذلك يتسلط عليها عدوها لما افترقت كلمتهم، وتباعدت قلوبهم، ولا شك أن التقاء الأبدان على طاعة الله سبب لاجتماع القلوب بإذن الله، ولو عجزوا عن أن تجتمع أبدانهم، إلا أن الرابطة الإيمانية التي بينهم، إذا قويت وتمكنت، كانت بإذن الله ﵎ سبباً لنصرتهم على عدوهم. قال : ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٢ - ٦٣]. فجعل النصرة قرينة الألفة، حيث جعل نصرته لنبيه صلى الله وعليه وسلم قرينة تأليف القلوب بين المؤمنين، بعد أن كانوا أعداء، كما ذكر ذلك في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران:١٠٣]. فالأخوة التي يحبها الله هي الأخوة فيه ولأجله، والتحاب فيه موجب لمحبته، كما قال النبي ﷺ : (قال الله : حقت محبتي للمتحابين في، حقت محبتي للمتجالسين في، حقت محبتي للمتباذلين في، حقت محبتي للمتناصحين في)، أو كما قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه . وهذه الأخوة التي يحبها الله من أعظم أسباب تهوين ما يحصل لأهل الإيمان في فترة بلائهم، وامتحانهم بتسلط عدوهم. والتفسير الثاني في قوله : ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس:٨٧] أي: صلوا في بيوتكم، وذلك إذا عجزوا بسبب تسلط آل فرعون عليهم من أن يصلوا في أماكن عبادتهم في مساجدهم، وذلك أمر عظيم الأهمية، وهو أن تكون البيوت محل العبادة، فإذا عمرت بعبادة الله وذكره، كان ذلك من أعظم أسباب سكينة القلوب، ومن أعظم أسباب نزول النصر من عند الله . ولا بد أن تكون الأحوال الإيمانية لأهل الإيمان مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتصورهم عما يقع لهم في ميزان القوة والضعف مع عدوهم. فكلما اقتربوا من الله بصلاتهم وصيامهم وذكرهم وتلاوتهم قواهم الله ، واقترب ما وعد الله من الوعد الحق بنصرة الحق وأهله بإذن الله. وإذا نقص الإيمان والإسلام في قلب العبد، أو في قلوب الطائفة المؤمنة كان ذلك إيذاناً بطول فترة المحنة والبلاء. نسأل الله العافية.

стр. 972

النهي عن جعل البيوت قبوراً لا يُصلَّى فيها وفضل صلاة الرجل للنافلة في بيته لا شك أن الصلاة في المساجد أفضل من الصلاة في البيوت في الفريضة، وهذا الذي يؤمر به في الفرائض كلها إذا أمكن ذلك، ولكن قال النبي صلى الله وعليه وسلم: (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً). فالبيت الذي ليس فيه صلاة كالقبر لا يصلى فيه؛ لأن القبور لا يصلى فيها، فينبغي لأهل الإيمان أن يكثروا من الصلاة في بيوتهم، وقد قال النبي ﷺ : (صلاة الرجل في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة). وإذا كنت أيها المسلم تتشوق إلى الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ ، وشد الرحال للصلاة هناك، فهي عبادة وقربة لله إذ (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، -قال النبي ﷺ ومسجدي هذا). فإذا كان الإنسان يشد الرحال والمسافات البعيدة، ليصلي في مسجد رسول الله ﷺ ، فإنه يمكنه أن يحصل على أفضل من صلاته في مسجد النبي ﷺ في أمر النافلة، وهو أن يصلي في بيته، حيث ذلك أقرب إلى الإخلاص، وإلى الخشوع، وإلى أن ينزل الله السكينة على أهل البيت، ويدفع عنهم السوء، وتتربى الأمة تربية عبادية تختلف عن تلك التربية التي يكون الناس فيها أمام بعضهم بعضاً، فكلنا يحتاج إلى ذلك بلا شك، قال تعالى: ((وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً))، وكلا التفسيرين معناه صحيح، والأمر الذي دل عليه وهو: اجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضاً لتتوثق العلاقة بينهم، وتزداد الأخوة فيما بينهم، وأن يصلوا في بيوتهم، ويكثروا من العبادة، كلا الأمرين من أعظم أسباب إزالة سلطان الكفرة والمجرمين وأعداء الدين. فهذه واجبات مرحلة الاستضعاف التي قدر الله أن يمر بها أهل الإيمان، وأن تمر بها الطائفة المؤمنة وذلك لحكمته البالغة؛ لكي يتعبد أهل الإيمان بأنواع العبادات، ولكي يتضرعوا إلى الله ، ولكي يخلصوا له وحده، ولكي تتعلق قلوبهم به دون من سواه، ولكي تنقطع الأسباب أمامهم فلا يجدون مفراً ومهرباً إلا إلى الله ، قال تعالى: ﴿لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [التوبة:١١٨].

стр. 973

الخشوع في الصلاة سبب للفلاح ومفتاح لنصرة الأمة على أعدائها لإقامة الصلاة أمر عظيم الأهمية في حياة المسلم، إذ الصلاة صلة بينه وبين الله ، وذلك بأن يقيم ركوعها وسجودها وخشوعها، حتى يحصل على الفلاح وتطمئن نفسه وتقر عينه، فإن الطمأنينة وقرة العين في الصلاة، كما قال النبي ﷺ : (وجعلت قرة عيني في الصلاة). (وكان النبي ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة). (وكان يقول: أرحنا بها يا بلال)، وذلك إذا حصل الخشوع، ولم تكن ثقيلة على الإنسان، قال : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:٤٥ - ٤٦]. وإنما تكون الصلاة ثقيلة إذا لم يجد الإنسان لها طعماً لعدم خشوعه فيها، فتصير تحريك عضلات، وقياماً على الأقدام، وكلفة بلا طعم، فلا تكون مؤثرة أثراً إيجابياً في حياته، فينصرف منها كما دخل فيها، فإنه لا يكتب للمرء من صلاته إلا ما عقل منها. ونسأل الله العافية. قال النبي ﷺ : (ينصرف المرء من صلاته وليس له إلا نصفها، ثلثها، ربعها، خمسها) وعد النبي ﷺ حتى ذكر عشرها. فانظر يا عبد الله، ماذا يكتب لك من صلاتك؟ فإن صلاتنا مفتاح نصرنا، وإنما ننصر بالصلاة والدعاء، والتضرع إلى الله ، والله أمر بإقامة الصلاة في كل المواضع ولم يقل: صلوا وإنما قال: ((وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ)) وهذا أمرٌ إضافيّ زائد على مجرد الصلاة، وهو قوله تعالى: ((وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ)) وليس في موضع من القرآن: (وصلوا) وإنما أمر بإقامة الصلاة، والله أعلى وأعلم. وذلك لأن حضور القلب فيها سبب أساسي لتأثيرها المطلوب، وحضور ذكر الله في القلب هو أعظم غايتها، كما قال لموسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤]. وكما قال : ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٢ - ٤٣].

стр. 974

ذكر الله في الصلاة أكبر من النهي عن الفحشاء والمنكر قال : ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥]. فالصلاة تتضمن نهياً للإنسان عن الفحشاء والمنكر، وما فيها من ذكر الله أكبر من النهي عن الفحشاء والمنكر، وذلك أن النهي عن الفحشاء والمنكر هو من باب العلاج، وذكر الله هو من باب غذاء القلوب التي لا تحيا إلا به، فإنّ فعل المأمور وهو ذكر الله به حياة القلوب، والذي به تستنير، وترى حقائق الوجود، والذي به تحيا من بعد موتها، وتطمئن إلى الله ، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، فالذكر أعظم مقصود؛ ولذا كان ذكر الله أكبر.

стр. 975

من منافع ذكر الله في الصلاة تفريج الهموم واستجابة الدعاء ذكر الله في الصلاة أكبر مما تضمنته من أنواع المنافع الأخرى، وذلك أن ذكر الله هو سبب السبق، كما قال النبي ﷺ : (سبق المفردون، قيل: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات)، وليس الذكر مجرد تحريك اللسان بهذا الذكر المأمور به، بل الذكر حضور المذكور في قلب الذاكر، ثم التعبير عن ذلك باللسان، وإذا صحت صلاتنا وأقمناها كان ذلك من أعظم أسباب تفريج الكربات، وزوال الهموم، بل لا نبعد إذا قلنا: إنّ الأمور العظمى التي غيرت وجه الحياة على وجه الأرض، إنما أعطيها أهل الإيمان من الأنبياء والأولياء في الصلاة، ففي ليلة غزوة بدر عبد الله بها في الأرض النبي ﷺ طول الليل وهو قائم يصلي ويبكي ويستغيث بالله وفي ذلك أنزل الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٩]، فكانت هذه نقطة التحول التي انقلب فيها الأمر على المشركين، والتي تغيرت بها موازين القوى على ظهر الأرض إلى يوم القيامة، وخسر إبليس أعظم خسارة، لم يُر في صورة أدحر، ولا أصغر، ولا أذل منه يوم بدر، وإنه يرى يوم عرفة في أدحر صورة وأذلها، لكنه في يوم بدر رئي في صورة أذل، فقد أعطي النبي ﷺ النصر في تلك الليلة بدعائه وتضرعه بالدعاء إلى الله . وكما أعطى الله عباده المؤمنين ما أعطاهم وهم في محاريبهم وعبادتهم، فدعوة صادقة في ركعة خاشعة، وفي سجدة يقترب الإنسان بها من الله، تنقلب بها موازين الأرض والسموات بإذنه سبحانه. أما علمنا دعوة نوح ﵇ كيف تغيرت لها الأرض والسموات، حين سمع الله دعاءه ففتح السماء قال تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر:١٢ - ١٣]. فقد استجاب الله دعوته، وكذلك الأنبياء، بل لا نبعد إذا قلنا: إن سبحانه يبتلي عباده المؤمن بما يكرهه ، فإنه يكره مساءة المؤمنين كما قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض عبد مؤمن يكره الموت وأكره مساءته). فالله يكره مساءة المؤمن، ولا بد له من الموت، ولذا قدره ، فإذا كانت هذه المساءة يكرهها الله لأنه يحب عبده المؤمن، فكيف بما يحصل من أمور عظيمة من الفساد وانتهاك الحرمات، وسفك الدماء في الأرض ظلماً وعدواناً وطغياناً من الكفرة؟ فإن الله يكره ذلك، ومع ذلك قدره، وما تردد فيه تردده في قبض عبده المؤمن، وذلك لأن الله يحب أن يسمع تضرع المؤمنين، فهل نستفيد مما قدر الله علينا من الآلام والمحن؟ فلنعلم أنه ما قدرت هذه الأمور إلا ليسمع الله تضرع المحبين ودعائهم، ويرى تقلبهم في الساجدين، كما كان النبي ﵊ يدعو ربه ويقوم، كما أخبر الله : ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٩] فالله يراه وهو يتقلب في الساجدين من أمته صلى الله وعليه وسلم، وهو أولهم وأعظمهم قدراً، فالله قدر ذلك لنقيم الصلاة ونسعد ونتضرع، قال : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٢ - ٤٣]. فنسأل الله أن يعافي المسلمين في كل مكان.

стр. 976

أمر الله بتبشير المؤمنين أمر الله موسى وأخاه هارون بتبشير المؤمنين فقال: ((وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ))، وذلك بقرب النصر والفرج، وعظيم الأجر والثواب عند الله . فالأمور لا تقف عند طريقة واحدة، بل كلها تتقلب في أمور الدنيا، كلها تتقلب موتاً وحياةً، وقوةً وضعفاً، ورفعاً وخفضاً، وعزاً وذلاً، فالله هو الذي يملك ذلك، وهو الذي يدبر، وهو الذي وعد المؤمنين بخير الدنيا والآخرة، فلا بد ألا يستطيل أحد فترة البلاء والمحنة، وهذا الأمر تبشير المؤمنين حتى لا تيئس النفوس، فإن اليأس من طول فترة البلاء ربما يدخل إلى القلوب، كما قال الله عن الرسل وأتباعهم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]. قال ابن عباس: كانوا بشراً، قال : ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠]. حتى الرسل أتتهم مثل هذه الخواطر من شدة البأس الذي أصابهم، فكان لا بد من البشارات التي يبشر الله بها أهل الإيمان، وهذا التبشير إنما يكون بوعد الله، وذلك الذي يوقظ معاني الإيمان في قلب المؤمن، فيؤمن بأن الله حق، وقوله حق، ووعده حق . فلذلك إذا سُمِعت آيات الله يُسْتَبشَر بها، وتذهب هذه الخواطر التي تقع في نفس الإنسان بوسوسة الشيطان، أو بوسوسة نفسه كذلك، فإن الرسل وقع في قلوبهم شيء من ذلك، ولكنه في حقهم كالبرق الخاطف، وسرعان ما يزول، ويعود إليهم الطيب النافع من الخير، وتعود الحياة، ويعود إليهم ما كانوا عليه من اليقين بوعد الله ، وقدر الله ذلك ليكونوا أسوة للبشر فيما إذا أصابهم شيء من ذلك أن يفزعوا إلى حقائق الإيمان، وإلى تلاوة آيات الله التي فيها الحكم القاطع، والنصر الجازم، لأن النصر آت من عند الله قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣]. وقال : ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]. وهذا متكرر في كل الكتب السماوية، قال : ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٥ - ١٠٦]. والزبور: اسم جنس للكتب التي تزبر، أي: تكتب من عند الله من بعد الذكر الأول الذي هو اللوح المحفوظ، فلقد كتب الله في اللوح المحفوظ أن الأرض يرثها عباده الصالحون، وكتب ذلك في الكتب المنزلة من عنده إخباراً عما كتبه في اللوح المحفوظ، وفي الكتاب الأول وفي الذكر الذي فيه كل شيء آت، وكل ما علم الله وقوعه وهو واقع قطعاً. فهذه البشارة تحيي في قلب المؤمن معاني الإيمان، وتجددها وتصقلها، وتؤكدها وتذهب عنه وساوس الشيطان والنفس الأمارة بالسوء التي تقول له: لست على شيء، وإن كان الأمر قد يزداد مع بعض الناس على حسب درجة الإيمان، وكلما اقتبس الإنسان من نور الأنبياء زال عنه سريعاً ما يلقيه الشيطان في نفسه، أو تلقيه نفسه الأمارة من يأس، أو استبطاء لوعد الله ، وتعجل لإجابة دعوته، فالله نهانا عن الاستعجال، فقال لنبيه ﷺ : ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف:٣٥]. وقال: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤]. وذلك بأنه كيده متين ، فلا نستبطئ وعد الله ، وذلك لأن القلوب تنمو وتكبر من خلال وقاية لها في فترات البلاء، والبلاء للمؤمن كقشرة البيضة للفرخ الذي يحيا به بعد مدة يسيرة بإذن الله، ولو أن الفرخ كسر قشر بيضته قبل اكتمال نموه لهلك، ولكن حين أحياه الله سبحانه باكتمال سمعه وبصره وقلبه وحياته في داخل القشرة، نقرها نقرتين، فانفضت كأن لم تكن، وخرج شيئاً جديداً بعد أن كان في صفرة وبياض، وصار حياً ناطقاً سميعاً بصيراً فسبحان الله! فكذلك قلب المؤمن يحتاج إلى أن ينمو ويكبر، والبلاء كالقشرة له، والبعض يظنه هلاكاً له، وليس كذلك، بل هو لحمايته، ولحفظه واكتمال نموه، فإذا جاء الحين الذي قدره الله، وليس ذلك إلى الفرخ، وليس إلى الناس، ليس إلا إلى الله، فالله هو الذي يقدر متى ينكسر ذلك القشر لمصلحة ذلك الفرخ، فكذلك البلاء قدره الله للمؤمن لمصلحته ولمنفعته وتكميل عبادته وكمال حياة قلبه وسمعه وبصره، ووعيه وعقله وإدراكه لحقائق هذا الوجود، فعلى ذلك يقدر الله ذلك البلاء ثم ينكسر في لحظة، ويتحول الأمر إلى شيء آخر بقدرته . لهذا كان لزاماً على المؤمنين أن يستبشروا بوعد الله، قال تعالى: ((وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ))، وأن يبشر بعضهم بعضاً، وأن يستبشروا باليقين بوعد الله، وهذا الذي تنال به الإمامة في الدين، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]. نسأل الله أن يجعلنا من الصابرين الموقنين.

стр. 977

من أسباب إجابة الله تعالى للدعاء اختيار الألفاظ الحسنة في الدعاء ذكر الله أمراً آخر قام به موسى وهارون ﵉، وذكر موسى تشريفاً وهارون كان مؤمناً على دعائه، قال : ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٨٨ - ٨٩]. الدعاء سلاح المؤمن، قال النبي ﷺ : (الدعاء هو العبادة)، وتأمل في هذه التوسلات التي توسل بها موسى صلى الله وعليه وسلم في دعائه، قال: ربنا، فالتوسل إلى الله بالربوبية فيها شهود تدبير الخلق كله خلقاً وإيجاداً، ورزقاً وإعطاءً وقسماً وتنويعاً للعطايا والأرزاق بين البشر والرب المالك لكل ذرات هذا الوجود، والمالك لكل ما سواه، وهو السيد الآمر الناهي المطاع قال تعالى: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤]. عندما تقول: يا رب، أو تقول: ربنا، أو تقول: ربي، فإذا استحضرت هذه المعاني كان ذلك من أعظم أسباب إجابة الدعاء، ثم التوسل إلى الله بشئون تدبيره وعطائه ومنعه، فإن موسى ﵇ ورحمة الله وبركاته قال: ((رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ))، ولم يقل: يا رب فرعون عنده كذا، ولم يقل: فرعون له من السلطان والأموال كذا، وإنما قال: إنك آتيت، فالله هو الذي يؤتي، وإنها لحقيقة جلية ظاهرة، مع أنها تشبه الموت في كون أكثر الناس يشكون في أن الله هو الذي آتى من آتى ملكاً ومالاً وزينة وسلطاناً، مع أنها حقيقة قاطعة لا يشك فيها عاقل إذا تدبر بداية الإنسان ونهايته، وإذا تدبر أن كل من أعطي مالاً ولد من عدم، وولد بعد أن كان في بطن أمه لا يملك شيئاً، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨]. أين كانت أموال الأغنياء منذ مائة سنة؟ كانت في أيدي غيرهم، أين السلطان الذي بيد أهل السلطان اليوم؟ أين كان قبل مائة سنة، أو قبل مائة وخمسين سنة؟ هل كان لأحد منهم ذرة سلطان على وجه الأرض؟ وهل كان يملك أحد منهم أن يوجد نفسه فضلاً عن أن يعطيها شيئاً من العطايا؟ لا، هو الذي ولد وأعطي السمع والبصر والفؤاد، وكان في قدرة الله ولم يزل أن يحرم العبد ذلك وهو يكفر بالله، ويشرك به ويظلم، ويفسد في الأرض، ولا يحرمه من يده ورجله، ولا يحرمه من سمعه وبصره، ولا يحرمه من عقله وفكره، أليس في كل يوم يولد على وجه الأرض أعمى أو أصم أو متخلف عقلياً؟ أليس يولد من الناس من لا تبطش يده، ولا تتحرك رجله؟ أليس في قدرة الله أن يحرم الظلمة والكفرة والمجرمين والمنافقين من هذه العطايا كلها حتى لا يكفرون؟ فالله هو الذي يؤتيه ذلك ويحرمه. وهذه قضية يقينية لا يشك فيها عاقل، أنهم ما أعطوا وما أتوا به من قبل أنفسهم، والذين في قلوبهم مرض يشكون في هذا، بل ربما جزموا بضعف عكسها، جزموا بأن السلطان بأيدي البشر، وجزموا بأن المال هو من كدهم وصنعهم دون أن يكون عطية من الله، ولذا تجدهم يرجون ويخافون غير الله، ويعملون حساب الزينة والأموال في الحياة الدنيا. وأما موسى فيتوسل إلى الله بشهوده فعل الله ، قال تعالى: ((وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا))، ويشهد أمراً آخر فقال: ((رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ)). تأمل هذا الأمر العظيم الأهمية والعجيب، أنَّ الله هو الذي أعطاهم ليضلوا عن سبيل الله، فالله لو شاء لهدى الناس جميعاً، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس:٩٩].

стр. 978

إضلال الله للكفرة ليضلوا عن سبيله سببٌ في كمال أهل الإيمان وزيادة إيمانهم قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود:١١٨]، وهو الذي قدر سبحانه أن يضلوا عن سبيله ابتلاءً وامتحاناً، وكما ذكرنا أنَّ اكتمال عبودية أهل الإيمان بأن خلق الله الكفرة لكي يتمموهم عبوديتهم لله، فأوجد الله من يضل عن سبيله ، ليعلم المؤمنون أنه كفى بالله هادياً ونصيراً، وليعلم أهل الإيمان أن الله بيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، وله غيب السموات والأرض، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٢٣]. فالله هو الذي قدر أن يوجد من يضل عن سبيله، ولو شاء لجعلهم جنوداً له ، ولكنهم هانوا عليه وصاروا في أحقر صورة، فجعل الله حياتهم لغيرهم، قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩]، وجعل الله إضلالهم عن سبيل الله سبباً لكمال أهل الإيمان، وزيادة إيمانهم وتسليمهم بقدرته وعلمه وحكمته وعدله ، فهو ما وضع هذه الأشياء إلا في مواضعها، وهو ما قدر إضلالهم عن سبيل الله، وجعلهم يضلون عن سبيل الله إلا أن ذلك يناسبهم، وهم قد فعلوه بأنفسهم، وهذا فيه شهود القدر، فموسى ﵇ يشهد القدر في العطايا والأموال والزينة، ويشهد القدر في أفعال العباد، يشهد عطية الله في الأموال والزينة، ويشهد أنه هو الذي قدر أن يوجد من يضل عن سبيله سبحانه قال تعالى: ((رَبَّنَا لِيُضِلُّوا)) أي: أعطيتهم ليضلوا، وهي حكمة بالغة له . وكان فرعون قد بلغ في الإجرام والعتو ما جعل موسى يدعو عليه ألا ينتفع بالآيات، وذلك لخبثه، ولربما يكون قد أوحي إليه أن فرعون لن يؤمن؛ ولذلك دعا عليه، وإن كان الله قد اختار لنبيه ﷺ مثل ما اختار لإبراهيم ﵇ في أن يتأنى ويرجو أن يخرج الله من أصلاب الكفرة من يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ولكن موسى دعا دعوة مشروعة على فرعون وملئه في أن يطمس على الأموال، فلا ينتفع بها، قال تعالى: ((رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ))، حتى تقسوا والعياذ بالله، والقسوة من شدة الظلم والعدوان، تحصل للإنسان بالتدريج ثم تصل إلى درجات أقسى من الحجارة وأشد والعياذ بالله، وعند ذلك لا تنتفع بالموعظة، ولا تشهد آية، ولا تؤثر فيها معجزة، ويرون الآيات وهم عنها معرضون غافلون. نعوذ بالله. قوله تعالى: ((وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ)) أي: القسوة والعياذ بالله، فشيء فظيع إذا أصاب القلب الإنساني ما يدمره تدميراً، يشد عليه فلا ينتفع بشيء. قوله تعالى: ((رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ)) أي: فلا ينتفعوا بها، ((وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ))، فأجيبت دعوة موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام، وهلك فرعون وآله عدلاً منه وحكمة . نسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يذل الشرك والمشركين، وأن يدمر أعداء الدين، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره واجعل تدميره في تدبيره واجعل الدائرة عليه يا رب العالمين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا، وأبصارنا، وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا. ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين. اللهم نجِّ المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك والدعاة إليك في كل مكان. ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.

стр. 979

من ترك شيئاً لله لقد جعل الله تعالى أنبياءه ورسله أسوة حسنة في البذل والتضحية في سبيل الله، والصبر على ما يصيبهم في جنب الله تعالى؛ ولذلك فإن الله سبحانه جعل لهم من الكرامة والمكانة العظيمة في الدنيا والآخرة، ففي قصة إبراهيم مع أبيه وقومه أعظم وأبرز شاهد ودليل على البذل والتضحية في ذات الله تعالى، فعلى العلماء والدعاة أن يقتدوا بأنبياء الله ورسله، ويستشعروا الأجر العظيم الذي سيحصلون عليه مقابل ذلك، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.

стр. 980

إكرام الله لإبراهيم لمفارقته لوطنه وقومه إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. من ترك شيئاً لله أعطاه الله خيراً منه، ومن ضحى بشيء في سبيل الله فلابد أن يجزيه الله حياة طيبة في الدنيا، وثواباً آجلاً يوم القيامة. ولقد جعل الله أنبياءه ورسله الأسوة الحسنة في البذل والتضحية في سبيل الله ، وفي اللجوء إلى الله ، والرضا به مدبراً ومعيناً، وجعلهم قدوة للعباد في الصبر على ما يصيبهم في سبيل الله، وبين الله ما فعل بهم من الكرامة في الدنيا والآخرة، قال الله عن إبراهيم ﵇ في محاورته لأبيه: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم:٤٨ - ٥٠]. هاجر إبراهيم ﵇ بعد أن استنفد أغراض الدعوة إلى الله في قومه، بأن أقام عليهم الحجة وهدى الله به من شاء، هدى به لوطاً ﵇، قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦]، وهدى به سارة وصارت امرأته، وكانت فيما يذكرون ابنة أحد ملوكهم أو أمرائهم أو كانت ابنة عمه، فالله أعلى وأعلم، لكنها كذلك آثرت أن تهجر قومها وأن تهاجر في سبيل الله. هاجر إبراهيم ﵇، وترك الأهل والمال والوطن لله وذهب إلى ربه ، وذهب إلى الأرض المقدسة، وسكن في ديار لم يسكنها من قبل، ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩]. ولما فارق أهله لله عوضه الله خيراً منهم، وأي صحبة أحسن من صحبة الأنبياء، وأي صحبة أحسن من صحبة الأهل والأبناء الذين يعبدون الله ، فهذه هي الصحبة الحسنة التي عوضه الله بها عن مفارقته لقومه، وكذلك كل من يترك شيئاً لله فإن الله سبحانه يأتيه بما هو خير منه. والخير الكثير في صحبة أهل الخير والإيمان، وصحبة الأنبياء سعادة بالغة عظيمة، فالنبي ﷺ وهو بالمحل الأعلى وهو أفضل خلق الله كان يقول في مرض موته: (في الرفيق الأعلى). والله قد أمر بصحبة الصالحين، فقد أمر من هو أفضل منهم بصحبتهم، فقال لنبيه ﵊: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]. فلما اعتزل إبراهيم ﵇ داره وأهله وقومه، وترك كل ذلك لله؛ آتاه الله الذرية الصالحة إسحاق ويعقوب، ولم يذكر الله في هذا الموضع إسماعيل مع أنه الابن البكر لإبراهيم؛ وذلك لأنه إنما ذكر ذلك في مقام الامتنان عليه بالصحبة، ولقد كان إسماعيل ﵇ بعيداً عن صحبته إذ جعله الله مع أبيه إبراهيم سبباً لتعمير بيت الله الحرام، فكان في مكة المكرمة مع أمه هاجر، وإنما ذكر الله إسحاق وابنه يعقوب عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام؛ لأنهما اللذان صحبا إبراهيم ﵇، ولا شك أن هذا فيه من النعمة على إبراهيم ﵇ ما يجعلنا ننتبه إلى هذه المسألة المهمة، وهي نعمة صحبة أهل الخير والإيمان، ونعمة صحبة الصالحين والبحث عنهم، ومفارقة أهل السوء واعتزالهم ومخالفتهم رضاً بما أمر الله .

стр. 981

إكرام الله لإبراهيم بالذرية الصالحة إبراهيم ﵇ إنما وهب ذلك الولد وولد الولد بعد عمر طويل، كما قال عنه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم:٣٩]، ونتبين بذلك أن الله قد يؤخر إجابة دعوة عبده المؤمن وهو قد قضاها، ولكنه يؤخر ظهورها فترة من الزمن لحكم بالغة، وليوقن المؤمن رغم مرور الزمن بأن الله يجيب دعوته، فإبراهيم ﵇ لم يقنط من رحمة ربه أبداً، رغم ما بلغه من الكِبَرِ، وتعجب حين بلغه نبأ وبشارة ولادة إسحاق ﵇، وقالت له الملائكة في بشارتهم: ﴿بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٥ - ٥٦]، فهو على الكبر لم ييئس من رحمة الله، وكان يعلم أن الله يجيب دعوته، فقد قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠] فبشره الله سبحانه بإسماعيل أولاً ثم بإسحاق ثانياً وبعد إسحاق يعقوب بن إسحاق، وكل ذلك من فضل الله ، فلا نستعجل في الدعاء، ولا نقول: دعونا فلم يستجب لنا؛ فإن الله لم يجعل للمؤمن شقاء مع الدعاء، ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم:٤٨] فإذا دعا العبد ربه فقد كسب في دنياه وآخرته، وقد حصل على ما يريد أو أفضل مما يريد، فإما أن يستجيب الله دعوته، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، وإما أن يدخر له يوم القيامة من الثواب ما يتمنى معه أن لو لم يكن قد استجاب الله له شيئاً من دعائه في الدنيا، وإلا فكل دعواته مجابة، قال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وقال : ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشورى:٢٦]، فهو يستجيب دعاء المؤمنين ولكن بما هو خير لهم، وبما لا يحسن المؤمن تصوره، وربما ظن خيراً في أمر ويجعل الله في غيره خيراً منه لعبده المؤمن، فالله يدبر أمر عباده المؤمنين بعلمه وحكمته وفضله ورحمته ، فعلى العبد أن يرضى بما قضاه الله ، ويوقن بوعد الله، ويوقن بإجابة الدعوات، وعليه أن يظل متضرعاً منكسراً لله ، ولا يشك في وعد الله، فإن الله لا يخلف الميعاد: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]. فالله وعد عباده المؤمنين بالإجابة وهو أكبر وأكثر فضلاً، وإذا أكثروا من الدعاء أكثر الله عليهم من العطاء، وكلما تضرع الإنسان إلى الله وانكسر جبره الجبار بفضله ورحمته، فعلينا أن نكثر من الدعاء دائماً ولا نستعجل ولا نقول: دعونا فلم يستجب لنا، فإبراهيم ﵇ هاجر بعد دعوته إلى الله ، وبقي بأرض فلسطين مدة طويلة من الزمن إلى أن وهبه الله إسحاق ويعقوب، قال تعالى: ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ [مريم:٤٩ - ٥٠]، فالله يهب من رحمته بالهداية وبالإيمان وبالتوفيق للعمل الصالح بأن جعلهم أئمة يهدون بأمره، فهذه الرحمة الخاصة -الرحمة بالدين وبالعمل الصالح- أكبر وأعظم أثراً من الرحمة العامة التي يرحم بها المؤمن والكافر بالطعام والشراب والنفس والنعم الدنيوية، إن الرحمة الباقية هي الرحمة التي سببها عطاء الله وتوفيقه بالعمل بطاعته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٣] فهذا معنى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ [مريم:٥٠]. فهي الرحمة التي يخص الله بها عباده المؤمنين، وهي التي تبقى وتستمر معهم، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦]، وذلك أنه إذا ﵀ بطاعته كان ذلك سبباً لرحمته المستمرة المستقرة التي لا عذاب معها ولا شقاء أبداً، وذلك أن تكتب له الرحمة في الآخرة. قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ [مريم:٥٠] فكل من وهب الله له نعمة الإيمان ووهب له نعمة العمل الصالح ووفقه للعمل بطاعته فقد قسم الله له من رحمته ما لم يقسم لغيره؛ فليشكر نعمة الله بالثبات، وليشكر نعمة الله بمزيد الطاعة والخير، وهداية الناس إلى صراط الله المستقيم بأمر الله ، ومزيد العبودية لله : ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٣].

стр. 982

إكرام الله لإبراهيم وأهله بالثناء الحسن عليهم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٠] لقد جعل الله لإبراهيم ولإسحاق وليعقوب ولآل إبراهيم جميعاً لسان صدق في الآخرين، وذلك أن الناس تثني عليهم، واجتمعت الأمم على مباركتهم والدعاء والثناء لهم، كما أخبر الله عن دعوة إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٣ - ٨٤]، واللسان الصدق هو الثناء الحسن من أهل الإيمان، وهذا هو المقصود، وهو لسان علي رفيع القدر؛ لأن أهل الإيمان إذا أثنوا على أحد فإن الله يوجب له الخير، وليس هناك اعتبار إلا بثناء أهل الخير والإيمان؛ فإنهم شهداء الله في أرضه، كما في الحديث: (مر بجنازة فأثنوا عليها خيراً فقال ﵊: وجبت وجبت، ثم مر بجنازة فأثنوا عليها شراً فقال: وجبت وجبت، فسألوه عن ذلك، فقال: هذه أثنيتم عليها خيراً فوجبت لها الجنة، وهذه أثنيتم عليها شراً فوجبت لها النار، ثم قال: أنتم شهداء الله في أرضه). فالمعتبرون في الثناء والمدح والذكر الحسن هم أهل الإيمان، وأما أهل الباطل فمدحهم وذمهم لا قيمة له: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤]، فهم يمدحون الباطل ويذمون الحق، فلا اعتبار بهم ولا تقبل شهادتهم عند الله.

стр. 983

قصة إبراهيم مع أبيه وقومه ودعوته لهم ذكر الله في مواضع أخرى دعوة إبراهيم ﵇ لقومه بالتفصيل، قال : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام:٧٤ - ٨٤]. قال الله مبيناً في هذه الآيات دعوة إبراهيم لأبيه وقومه، وقص علينا في سورة مريم قصته مع أبيه، وفي هذه الآيات قصته مع قومه كذلك، فهو يدعو القريب والبعيد إلى الله ، وبدأ بالأقرباء ولم يترك الآخرين، بل دعا إلى الله كل من لقيه، فهكذا المؤمن الداعي إلى الله يدعو كل من لقيه إلى الله ، فليست الدعوة إلى الله محصورة في طائفة معينة من الناس لا تتعدى إلى غيرهم، أو في قومية معينة أو وطن معين، بل المؤمن يدعو إلى الله القريب والبعيد، ويبدأ بأهل بيته وأهل بلده.

стр. 984

دعوة إبراهيم لأبيه قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام:٧٤] وهذا فيه بيان أن آزر هو أبو إبراهيم، وليس كما يقول من ينقل عن أهل الكتاب: إنه عمه؛ فراراً من أن يقال: إن أبا إبراهيم مات كافراً، وهذا كلام باطل مخالف لنصوص الكتاب والسنة؛ فإن النسب لا ينفع إذا لم يكن هناك إيمان ولم يكن هناك طاعة، قال النبي ﷺ : (ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) وإنما يغالي في أمر الأنساب من لا يفقه حقيقة النسبة التي جعلها الله بين عباده المؤمنين، وهي نسبة الدين، فهي أغلى وأعلى قدراً من أمر النسب، ولذلك يتكلمون كثيراً في أقارب النبي ﷺ ، فإذا احتج عليهم بأن أبا إبراهيم بنص القرآن مات كافراً، قالوا: كان هذا عمه، وليس ذلك بصحيح إنما هو أبوه، كما قال الله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام:٧٤]، وهذا الاستفهام للإنكار عليه وعلى قومه، ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٧٤] أي: ضلال بين، إن الأدب مع الوالد وغيره لا يعني كتمان الحق، ولا يعني تلبيس الحق بالباطل، ولا وصف الباطل بأنه حق أو الضلال بأنه هدى، بل الأدب أمر يستعمل في الألفاظ وطريقة الحوار، لكن لا يعني ذلك أن تنقلب الحقائق، ولا أن يجامل على حساب الدين، ولا أن يداهن في قضية الاعتقادات والأعمال والمبادئ التي بعث بها الأنبياء.

стр. 985

دعوة إبراهيم لقومه ومناظرته ومحاججته لهم بالآيات المشهودة إن عبادة أحد من دون الله هو الضلال بعينه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضلْ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦]، والذي يظهر أن قوم إبراهيم إنما كانوا يعبدون هذه الأصنام على أنها ترمز للنجوم التي جعلوها آلهة، ولذا ناقشهم إبراهيم وجادلهم بهذه الحجج العقلية الواضحة، وقد أراه الله الأدلة المرئية في ملكوت السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام:٧٥] وكان ذلك في أول نشأته، كما قال : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥١]، وكانت هذه الأقوال التي قالها إبراهيم على سبيل المناظرة لقومه، أي: فلنفترض أن هذا الكوكب رب، أو لننظر هل يصلح هذا القمر أن يكون رباً أو نحو ذلك، كما في صحيح مسلم أن إبراهيم ﵇ في يوم القيامة يقول: (إني كذبت ثلاث كذبات: ثنتان منهما في ذات الله، وعد منهما: قوله عن الكوكب: هذا ربي). فهذه من كذباته في ذات الله سبحانه، أي: لإقامة الحجة. فقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام:٧٥] أي: ليرى منها كيف يحتج على الكفرة والمشركين، وكيف يحصل له اليقين بآيات الله التي يشاهدها، كما يؤمن بآيات الله التي يسمعها إذا أنزلها الله عليه. والآيات المرئية المشهودة والآيات المسموعة المنزلة كلاهما تدلان على شيء واحد: هو حقيقة ملك الله ، وأنه المتفرد بالربوبية والألوهية وبكمال أسمائه وصفاته ، وكل ذلك أمر يشهده كل ذي عقل لمن تدبر هذا الملك الواسع.
следующие страницы →