← Джавами‘

Джавами‘ · id 37004

دروس للشيخ ياسر برهامي

ياسر برهامي

Полный текст (991 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

حكم قضاء الصوم لمن في صومه جهد ومشقة السؤال لي بنتان تصومان رمضان بجهد، فهل الأيام التي تفطران فيها بسبب الحيض يجوز لي الإطعام بدلاً عنهما، أم لابد من الصيام؟ الجواب ، لابد من صيامها طالما أنها تستطيع وليست مريضة مرضاً مزمناً لا يرجى برؤه، فيجب عليهما القضاء ولو في أيام الشتاء.

стр. 912

حكم أخذ الأموال من مكان الوظيفة كتعويض عند الاستقالة السؤال ما حكم الأموال التي تؤخذ من الشركات كتعويض للعاملين مقابل الاستقالة؟ الجواب إن كانوا هم الذين عرضوه نتيجة فسخ العقد أو إنهاء العقد فلا بأس بذلك، لكن لا توضع في بنك ربوي، بل يسعى إلى استغلالها في أي مشروع يكون أولى وأفضل، فإن أراد وضعها في بنك فلا يضعها إلا في بنك إسلامي ويتصدق بجزء من الربح.

стр. 913

تعصيب الأخوات للبنات في الميراث السؤال امرأة توفيت وعندها أربع بنات فقط، ميراثها يقسم على أولادها فقط أم أخوات هذه السيدة لهن نصيب؟ الجواب أخواتها لهن نصيب؛ لأن البنات الأربع يأخذن الثلثين، فإن كان منهن ذكراً فله الثلث الباقي؛ لقوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] وإن لم يكن مع البنات إلا أخوات الميتة فهن أيضاً عصبة في الثلث؛ لقول النبي ﷺ : (اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة).

стр. 914

بيان مكان إخراج الفطرة السؤال من ذهب لأداء العمرة في آخر شعبان وعاد في شوال فكيف يخرج زكاة الفطر؟ الجواب يخرجها في المكان الذي يفطر فيه، وإن أخرجها في بلده، أو وكل أحداً بإخراجها جاز ذلك.

стр. 915

حكم عمرة المرأة بدون محرم السؤال ذهبت أختي إلى العمرة ولم يكن عندها علم أنه يجب عليها أن تذهب مع محرم، فهل يتقبل الله منها بدون محرم؟ الجواب إذا كانت لا تعلم مع أنه كان يلزمها السؤال فنسأل الله أن يغفر لها، وأن يتقبل منها، والعمرة صحيحة وإن كانت تأثم لسفرها بدون محرم إلا أن مسألة الرفقة الآمنة فيها اجتهاد سائغ، وإن كنا نرجح عدم جواز السفر إلا بمحرم.

стр. 916

حكم أرباح أسهم الشركات السؤال أرباح الأسهم التي تكون في شركة أدوية أحرام هي أم حلال؟ الجواب طالما أن نشاط الشركة نشاط مباح، فالأرباح -إن شاء الله- تكون مباحة.

стр. 917

حكم شركات (بزناس) والاشتراك فيها السؤال هناك شركة ذهب تقوم بعمل قلائد بأحجام صغيرة لا تتعدى الخمسة جرام، وعملية التسويق تتم كالآتي: عندما يقوم شخص بالشراء من إحدى شركات السبائك لا يقبض الذهب ولكن يستلم شهادة للسبيكة، ويستلم كرتاً فيه رقم سري يتم تسجيله على موقع الشركة على الإنترنت، وبذلك يسجل المشرتي كعضو في الشركة، ويقوم العضو بعد ذلك بالتسويق للسبائك وله عمولة على ستة أفراد يشترون عن طريقه، وهؤلاء العملاء يأخذون عملة على غيرهم وهكذا، فما حكم ذلك؟ الجواب هذا نوع من الخداع، وهذه الأنظمة كلها أظن أنها أشياء وهمية مجردة، وأول خطأ في هذا الأمر أنه يجب على من اشترى الذهب أن يقبضه؛ لقوله ﷺ : (يداً بيد) فشراء الذهب لابد أن يكون حاضراً بحاضر، فهذا الموضوع خداع، وهو عبارة عن وهم، وهي نفس طريقة البزناس، لكنها هذه المرة على ذهب وهمي، وحتى لو كان حقيقياً فلابد من التسلم والاستلام، فمن يدخل في هذا يدخل من أجل العمولة التي هي في الحقيقة مبنية على احتمال أنه سيخدع قدراً كبيراً من الناس الذين سيخدعون غيرهم، إلى أن تصل الشركة إلى مرحلة معينة، فهذه الشركات الوهمية غالب ظني أنها لو كانت صحيحة فهي لا تجوز؛ لعدم التقابض.

стр. 918

قوة الشعوب والأمم في إيمانها لا في عدتها وعتادها السؤال الناس اليوم لا تعرف إلا رغيف العيش والحياة المستورة؛ لضغط الظروف الاقتصادية عليهم، فكيف نطلب ممن همه رغيف العيش أن يعمل للإسلام، وكيف نعالج من حاله: لا حياة لمن تنادي؟ الجواب أنا موقن أن هناك حياة في من أناديهم، وانظر إلى أصحاب رسول الله ﷺ ، إذ كانوا ثلاثمائة مع أبي عبيدة ﵁ في سرية زادها جرام تمر، ومصير كل واحد منهم وهم يذهبون إلى قتال الأعداء تمرة كل يوم، وفات أحدهم ذات يوم تمرته فوقع الرجل لعجزه عن الحركة حتى شهد له أصحابه أنه لم يأكل تمرته فأعطاها له، ونفد التمر حتى أخرج الله لهم حوت العنبر، فهؤلاء كانت عندهم همة للإسلام. وحديث صحيح يرويه ابن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى عيادة سعد بن عبادة ومعه خمسة عشر صحابياً تقريباً، وليس عليهم قمص، ولا عمائم، ولا أردية، ولا خفاف، ولا نعال، إلا الأزر، فهذا كان حال أهل الإسلام الأول، وهؤلاء هم الذين أدخلنا الله بهم في الإسلام، وهم الذين جاهدوا وتحملوا الصعاب حتى انتصر الإسلام، ورغيف العيش الذي تهمه وتقلله في نظرك يصبح بكثرة تذكر الآخرة، وبكثرة التذكر للقاء الله ، وبتعظيم ما عظمه الله من معاني الإيمان نعمة عظيمة، وتشعر بأنك قد أخذت كثيراً جداً، وحينها اعلم أن الله عليك بفهم آية؛ لأنك أغنى من كل أصحاب الملايين؛ ولأنك تذوقت طعم آية أو حديث عرفته عن رسول الله ﷺ ، أو ذقت حلاوة سجدة دعوت الله فيها صادقاًَ من قلبك. روى سهل بن سعد قصة زواج الواهبة نفسها للنبي ﷺ والصحابي الذي يريد أن يتزوجها وليس معه إلا إزار، فيقول سهل ﵁: ما له رداء، ويقول له رسول الله ﷺ : اذهب فالتمس شيئاً، فذهب يلتمس وأتى وقال: لم أجد شيئاً، فقال: اذهب فالتمس ولو خاتماً من حديد، فذهب يبحث ثم رجع ولم يجد خاتماً من حديد، قال: لكن يا رسول الله! هذا إزاري فلها نصفه، فقال النبي ﷺ : (ما تصنع بإزارك! إن لبسته لم يكن عليها منه شيء)، وتخيلوا أن الإنسان يتزوج ولا يجد شيئاً، إذ لو كان عنده نعل لأعطاه، ولو كان عنده رداء لأعطاه، فهو لا يجد في البيت شيئاً ولا حتى خاتماً من حديد، فهذه طبيعة الحياة التي عاشوها، فكانوا دعاة ومجاهدين لا يبالون بالدنيا، ولنقرأ كتاب فضل فقر الصالحين، ونتشبه بهم في الكماليات، ولسنا قادرين أن نستغني عنها، حتى أصبحت بالنسبة لنا ضروريات، وانظروا إلى من أراد أن يتزوج كيف يشترط عليه شروط، ويشترط عليهم شروطاً فوق طاقة الأب الذي سيزوج ابنته، وهذا مثال فقط حتى نرى ما نحن فيه من العبث.

стр. 919

فألقي السحرة ساجدين إن للحق نوراً يقذف في قلب صاحبه فيجعله يتحول من أسفل سافلين إلى أعلى عليين، وذلك ما يظهر بجلاء في سحرة فرعون حين سطع الإيمان في قلوبهم. وقصة سحرة فرعون ذات حكم وأسرار، إذ أنها كانت مناظرة تاريخية بين الحق والباطل، ولذا فإن الله ذكر تفاصيلها وكرر ذكرها؛ لأنها قصة نصر وعزة، وما كان كذلك فالقرآن يفصله أكثر؛ حتى تطمئن قلوب المؤمنين بالحق التي هي عليه.

стр. 920

حال السحرة قبل كفرهم الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ . أما بعد: فإن من بيان القرآن العظيم بيان ما يفعله الإيمان في شخصية الإنسان، وتحويله هذه الشخصية تحويلاً عجيباً في لحظات، فيرفع صاحبه من أسفل سافلين إلى أعلى القمم، وهذا ما نلحظه في حال السحرة، فلقد جاء السحرة من كل مكان ولهم هم واحد وهو المال، يسيل لعابهم للأجر الذي يتوقعونه من فرعون، وذلك مما يُشْعر بالجشع وحقارة النفس، وقد قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء:٤١ - ٤٢] أي: أنه زادهم أكثر من المال وهو التقريب من فرعون، فالتقرب منه له منافع عديدة عندهم، وسوف يؤدي إلى مصالح أكثر من الأموال بكثير، فيجدون أموالاً مستمرة، ووجاهة ومنزلة، وهكذا كانوا يرون قبل هدايتهم أن هذا الذل الذي هم فيه هو سعادتهم، مع أن فرعون كان يكرههم على السحر، لكنهم كانوا يرون أن هذه هي أنسب طريقة للبحث عن العلو في الأرض والكبرياء، وكان لديهم اهتمامات شيطانية وحيوانية والعياذ بالله، قال عنهم: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾ [طه:٦٣]، والعجيب أنه لم يحصل مرة أن سيدنا موسى طلب منهم أن يخرجوا من الأرض، ولكن فرعون اخترع هذا وافتراه، وأقنع به كل من حوله حتى صارت عندهم قناعة أن موسى يريد أن يخرجهم من الأرض، مع أن الطلب الذي يريده موسى هو أن يؤمنوا بالله وبرسله، أما خروجهم من مصر فلم يطلبه منهم، وإنما هذا كذب من فرعون، فتابعه قومه في غباء وجهل عظيم. قال تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه:٦٣] أي: أن الطريقة التي كانوا عليها يرونها أنسب طريقة، مع ما فيها من الخلل العقائدي والفكري والعملي والسلوكي، والتبعية المهينة والعبودية لفرعون، فكان يقول: أنا ربكم الأعلى، والناس قد تعودوا على الطاعة العمياء إلى درجة أنهم دخلوا البحر وراءه في مغامرة عجيبة والعياذ بالله، ومع ذلك يرون أنها الطريقة المثلى ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ [طه:٦٤] وهذا العلو من الاهتمامات الشيطانية التي كانوا يتمنونها.

стр. 921

تحول حال السحرة بعد إيمانهم تحول هائل قال : ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء:٤٦ - ٤٨]، وهذا تشريف عظيم لموسى وهارون ﵉، ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف:١٢٣]؛ لأنه تعود أن كل عمل يحتاج إلى إذن منه حتى الإيمان والعياذ بالله، فكأنه يقول: كيف تعملون هذا دون إذني، فقال تعالى: ﴿آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * الجواب =٦٠٠١٠٧٧> لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف:١٢٣ - ١٢٤]. وإن الذي يبحث على المال والقرب من فرعون، والعلو في الأرض، عندما تنزل عليه هذه العقوبة غير المحتملة فإنه سوف يدع الكل ويرجع ليركع مرة ثانية، ولكن إذا بالسحرة الذين صاروا مؤمنين ولم يعودوا سحرة كما كانوا، تغير حالهم كما قال: عنهم: ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ [الأعراف:١٢٥]، وأصبحت عندهم اهتمامات أخرى وهي: قضية الإيمان بالآخرة ولقاء الله ، والانقلاب والرجوع إليه : ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأعراف:١٢٥ - ١٢٦]، أي: أن حقيقة الأمر أنه لا يوجد مكر مكرناه، بل هو صاحب المكر، فهو الذي جمع السحرة من كل مكان، وحقيقة الأمر أنه ما نقم منهم إلا أنهم آمنوا وقالوا: ﴿وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ [الأعراف:١٢٦]، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨]. فواجهوه بهذا الدعاء، فإذا بهم يعرفون الله ، وأنه هو الذي يصبر عباده، وأنه هو الذي يتوفى من شاء على الإسلام، ويقلب القلوب : ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف:١٢٦]، وقد قال السحرة كما في سورة الشعراء: ﴿قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٥٠ - ٥١]، وهنا صارت لهم منافسات أخرى، فكان طمعهم في المال فصار طمعهم في مغفرة الخطايا، وهنا طلبوا أن يكونوا مقربين من الله، وأن يكونوا أول من آمنوا، وقبل هذا كان الذي يغريهم هو القرب من فرعون، وأرادوا الآن التنافس في أن يكونوا أسبق إلى الله: ﴿أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٥١].

стр. 922

صبر السحرة على الابتلاء قدر الله أن يسلط فرعون على أبدانهم، وأن يصلبهم ويقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أي: يقطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، أو الرجل اليمنى مع اليد اليسرى، ويصلبهم في جذوع النخل، ورغم هذه الهزيمة الفظيعة لفرعون، والتي كانت بالحجة إلا أن فرعون وجد من يطيعه ويفعل ذلك. قال ابن عباس عن السحرة: كانوا أول النهار سحرة وآخر النهار شهداء بررة. أي: أن هذه آية على حسن الخاتمة، وأن الله يهدي من يشاء، فإن هؤلاء الناس عاشوا حياتهم كلها في السحر والضلال، والتلبيس على الناس، وإعانة فرعون على باطله، إلا أن خمس أو ست ساعات جعلت نهايتهم أسعد النهايات. قال عن فرعون: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١]، والعجيب أن الله ساق على لسان فرعون ما يثبت به السحرة، لأنه لفت نظرهم فقال الله على لسانه: ((وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى))، إلى أنهم أيقنوا أن الله أشد عذاباً وأبقى، ومن أجل هذا استحضروا أنهم قادمون على الله، فصغرت الدنيا عندهم، وصغرت المدة التي يهددهم فرعون فيها بالتعذيب والنكال الفظيع، فأجرى الله على لسان فرعون ما ثبتهم الله به، وذلك أنهم عندما قارنوا -بدلالة أفعل التفضيل التي تقتضي التفاضل- بعذاب فرعون عذاب الله أيقنوا أن عذاب الله أشد، وفرعون يظن أنه هو الأشد عذاباً وأبقى والعياذ بالله، فلما قارنوا وكانت المقارنة محسومة: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢]، وهذا جواب على قوله: ﴿أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١]، ثم قالوا: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه:٧٣]، وهذا دليل أن بداية ممارستهم للسحر كان إكراهاً، فلما تعودوا على الإكراه واستمرءوا الأمر أصبحوا جنوداً لفرعون والعياذ بالله. وليس بعذر للمرء أن يختار الباطل إذا بُدئ بإكراه إذا لم يكن قلبه مطمئناً بالإيمان، فهم قالوا: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٣]، فأعلنوا أن الله خير ثواباً وأبقى . قال تعالى حاكياً قولهم: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى﴾ [طه:٧٤ - ٧٥]، هذا وعمرهم في الإيمان ساعتان أو ثلاث ساعات، ولكن -سبحان الله- لقد خرجت هذه الكلمات المنيرة التي خلدها الله بذكرها في القرآن العظيم منهم، وهذه الأقوال كانت مما يذكرهم بها سيدنا موسى ﵇، ولكنهم لم يكونوا متنبهين لها قبل ذلك، ولكن الإيمان هو الذي نقلهم إلى الإحساس بها والشعور بها فقالوا: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه:٧٥ - ٧٦]، فحسن التزكية وتطهير النفس، سبب في دخول الجنة

стр. 923

طريقة القرآن في تناوله لأحداث التاريخ إن مما جعل الله في القرآن أنه شفاء لما في الصدور وهدى ورحمه للمؤمنين، فالله يشفي به صدور المؤمنين من الآلام والهموم والأحزان، وذلك مما علمه النبي ﷺ للمهموم، فأمره أن يدعو فيقول: (اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي). ومن عظمة القرآن أنه عند طريقة تناوله لأحداث التاريخ، تشعر عند قراءتك له أنك تتجاوز الزمان والمكان، وتعيش في اللحظات المسعدة المبهجة، وكأنك واقع فيها؛ لأن الإنسان إنما يتألم ويحزن على الواقع المؤلم الذي هو فيه، وعلى قهر الرجال وغلبة الدين، وعلى الظلم والفساد، وعلى ضياع أشياء كثيرة جداً، وأهل الإيمان يكون من همومهم وغمومهم عدم التمكن من إقامة الدين، وتسلط الكفرة والمجرمين والظالمين، ولا شك أن هذا من أشد ما يؤلم أهل الإيمان، ويجعل في قلوبهم غيظاً، كما قال : ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة:١٤ - ١٥]، وهذا ألم يحتاج إلى شفاءً، وكما يجد كل مؤمن في زماننا هذا الألم مما يفعله اليهود والنصارى والمشركون بالمسلمين في أقطار الأرض ولا يجد له شفاء إلى الآن، فلم ير ما يشفي صدره، ولهذا فإن الناس يفرحون بأي مصيبة تنزل بالكفرة حتى ولو كانت فيها مفاسد أخرى، وهذا الغيظ هو مما يفعله الكفار، وتأمل طريقة القرآن لعلاج هذا الهم والحزن، فنجد أن القرآن يتحدث عن لحظات النصر والتمكين للمؤمنين في مساحة واسعة، ومذكورة بتفصيل رائع، حتى يأخذ القرآن القلب بعيداً عن الواقع المؤلم الذي يكون فيه، ويظهر ذلك في سورة الأعراف، وهي سورة مكية، ومثلها سورة يوسف، وسورة القصص التي تناولت قصة بني إسرائيل وقصصاً أخرى. فالقارئ تأخذه الآيات بعيداً عن هذا الواقع، وتجعله يعيش في لحظات انتصار الحق وكأنه حاضر تلك اللحظة، فهذا من أعظم أسباب السعادة وشفاء الغيظ والجرم والهم والحزن. وإننا نشهد عبر التاريخ انتصارات متعددة، ليست خيالاً بل حقيقة، ولحظات الابتلاءات رغم أنها طويلة الزمن، ولكنها تذكر في القرآن في كلمتين أو سطرين أو قريباً من ذلك، ولحظات التمكين والنصر والعز لأهل الإيمان، رغم أنها قد تكون ساعات أو لحظات معدودة، إلا أنها تفرد بمساحة واسعة، وتذكر بأدق تفاصيلها؛ ومنها: الموقف الذي وقع فيه نصر الله لموسى يوم الزينة، فيجد القارئ تفاصيل الموقف قد ذكرت في عدة مواطن من القرآن بأروع تفصيل؛ لتفاعل خلجات النفوس عند تفصيلها، كل لحظة بلحظتها.

стр. 924

صورة من أسلوب القرآن في قصة يوسف ﵇ سيدنا يوسف من الابتلاء بمكان، حيث قد خلد الله في القرآن ذكره بأسلوب رائع، وذلك أنه بقي في السجن بضع سنين، ومضت المدة، وذكرت في جملة واحدة قال تعالى: ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف:٤٢]. ولكن نرى لحظات التمكين في هذه القصة ذكرت بتفصيل دقيق من قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ) [يوسف:٤٣] إلى قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥]، وكلها تفصيل دقيق، بحيث يعيش القارئ فترة من السعادة، فيوسف في السجن والناس يحتاجونه، فلما ذهبوا إلى السجن، وسألوه عن تفسير رؤيا الملك فأجابه يوسف بكل عزة وكرم، وما قال: صفني عند الملك، ولا أعطى له سيرة ذاتية، بل قال لهم ما يحتاجونه، وما قال للسائل: أنت نسيتني عند الملك، فلماذا لم تقل له؟ بل الرجل نفسه يقول له: فسر هذا لعلي أرجع إلى الناس، يعني: يرجع ويتركه في السجن، ولم يقل للملك: أخرجوا يوسف، وإنما قال الرجل: أرسلوني أنا، حتى يأخذ لنفسه مكانة، قال تعالى حاكياً عن الرجل: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ [يوسف:٤٥]، فذهب إليه، وأخذ من يوسف تأويل الرؤيا، ولكن ربنا قدر ذلك؛ لتكون هذه القضايا بمثابة سلالم ومراحل يرتفع بها سيدنا يوسف. وقد أساءوا إليه أعظم إساءة، وسجنوه سبع سنين أو خمس سنين ظلماً وعدواناً، على ما اتصف به من الطهارة والنقاء، وليس على جريمة ومع ذلك يؤول لهم شيئاً شغلهم، وليس فقط يؤول لهما الرؤيا، بل يحل لهم مشكلة اقتصادية سوف تحصل: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ [يوسف:٤٧]، إذاً فلم يخبرهم بالخطب فقط، بل أعطاهم الحل أيضاً: ﴿فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ [يوسف:٤٧] أي: لا تأكلوا كثيراً، بل كلوا قليلاً واتركوا الباقي في السنابل؛ لأن هذا سينفعكم. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف:٤٨] أي: ادخروا وتحصنوا، ثم زادهم فأخبرهم عن شيء لم يرد في الرؤيا: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ [يوسف:٤٩] وهذا مما جاءه من الوحي، ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف:٤٩] أي: سوف يأتي لكم فرج بعدها، والإنسان عندما يكون في بلاء ويتوقع فرجاً يكون أهون عليه، لكن لو لم يكن عنده أمل في الفرج ولا يعلم متى تنتهي مشكلته، سيكون في وضع يبقى صعب جداً، ويوسف ﵇ أخبرهم بأنه سوف يأتي فرج دون أن يطلبوا منه ذلك، فصلى الله وسلم على يوسف، ما أحلمه وما أكرمه! قال النبي ﷺ : (لو كنت مكانه لما أولت لهم الرؤيا -الحديث في معناه- حتى يخرجوه)، أي: حتى أشترط أن يخرجوني من السجن، والحديث فيه إرسال لكن معناه حسن، فانظروا لما كان الأمر فيه نعمة تكلمت عنه الآيات بتفصيل رائع جداً، وكلها ترفع من قدر يوسف ﵇. ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف:٥٠]، وهذه غير (ائتوني به) التي بعدها، لذا كان بقدرة سيدنا يوسف أن يخرج بشفاعة الخمار وأن يقول له: هناك شخص مسجون فأخرجوه، لكن الشيطان أنسى الفتى أن يذكر يوسف، وكان ذلك في الحقيقة لمصلحة يوسف، لأن خروجه بشفاعة الخمار غير خروجه بشفاعة الملك، ولذا فإن الملك بعدها قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يوسف:٥٤]، فارتفع يوسف أكثر بهذا الكلام، ولكنه مع ذلك يقول: (ارجع إلى ربك)، فأصبح السجن عنده ليس هماً أكبر، بل أكبر من ذلك طلب إثبات براءته، فكأنه يقول: إثبت براءتي قبل أن أخرج من السجن، وكان بإمكانه أن يقول: أخرجوني واعملوا الذي تريدونه، ولذا جاء في الحديث الصحيح: (لو كنت مكانه لأجبت الداعي) أي: داعي الخروج. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٠]، أي: أن ربك لا يعرف شيئاً، لكن ربي ((بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ))، ففي مملكة الملك تحصل أشياء لا يعرفها الملك، ولكن يسأل الملك ويتثبت فتفتضح امرأة العزيز بطريقة عجيبة، فعلاً إنها لحظات مبهجة للنفس، إذ أن الباطل يضمحل: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف:٥١]، ويأتي الملك بالناس والنسوة كلهن، وكأن يوسف سيدخل تهمة فظيعة: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف:٥١]، فسأل وعرف قبل أن يواجه الجميع؛ لأنه يقرر حقيقة وهي أنكن راودتن يوسف عن نفسه ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ [يوسف:٥١]، سبحان الله! وتنزيه لربنا أن يحصل ذلك من شخص بهذه المثابة، ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ [يوسف:٥١] وهذه تبرئة عظيمة جداً ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف:٥١] وهذه تبرئة أكبر ليوسف ﵇، فهذه امرأة العزيز برأته، والنسوة برأنه، وثبتت براءته عند الملك، ولك أن تتخيل هذه الفضيحة للنسوة، وقد أنزل الله بهن جزاء وفاقاً؛ لأنهن راودن يوسف عن نفسه وكدن به، وهو قد دعا فقال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ [يوسف:٣٣]، فافتضحن أمام الملك وأمام أزوجهن، وتخيل زوج كل منهن ماذا سيكون موقفه، ولكنهم هم السبب؛ لأنهم أزوجهن الذين أدخلوا يوسف السجن وليس النساء، فكان ذلك موقفاً مخزياً للباطل ومظهراً للحق، فقارئ هذه الآيات يلاقي شيئاً جميلاً، فيجعله يستريح وهو جالس في أي مكان ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف:٥١]، يا للذل! إن المرأة نفسها تخجل أن تقول لزوجها مثل هذا الكلام، بل المرأة الحقيقة قد تخجل من هذا الكلام فيما بينها وبين زوجها، فضلاً عن أن تقوله أمام الناس، بل الأدهى أن تقول ذلك عن شخص أجنبي وأمام كل الملأ: ﴿أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف:٥١]، فهذا ذل، وقد قالت من قبل: ﴿وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف:٣٢] فمن الذي صغر هنا؟! إنها هي التي صغرت صغاراً عجيباً.

стр. 925

صورة من أسلوب القرآن في قصة فرعون مع موسى وبني إسرائيل إن فرعون قد امتد تعذيبه لبني إسرائيل من قبل ولادة سيدنا موسى إلى بعد وجود سيدنا موسى، فهو الذي يقول: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف:١٢٧]، وهذا كان بعد واقعة السحرة بزمن، أي: أقل تقدير فيه أربعون سنة، والموجود في التوراة نقلاً عن بعض أهل العلم أن المدة أربعمائة سنة والله أعلم، وأعتقد أنها مدة طويلة جداً، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٤]، وذلك التسلط والبلاء الذي لم يوجد مثله قط في التاريخ، صورة غير محتملة من التعذيب، والناس يحزنون لأنهم يدخلون السجن خوفاً من الضرر، والطفل الذي يولد يقتل ويذبح أمام أمه، بل ﴿وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص:٤] أي: للخدمة، فتخيل اليوم الكفرة عندما يقتلون أولاد المسلمين خوفاً منهم، أو يأخذون بعض النساء كالعراقيات أو الفلسطينيات في إسرائيل ليخدموا من في بيوت اليهود، ويقيدونهن في بيوتهم، أيضاً المسلمون في معظم البلاد الإسلامية يتعرضون لانتهاكات كثيرة، وفرعون كان يقتل أولادهم الذكور، ولم يقل: هذه السنة سوف نعفي الناس من ذلك، وكلمة (ويذبح) أشد من يقتل؛ لأن في الذبح تعذيب للنفس الإنسانية، ويصعب على الشخص أن يرى ابنه يذبح، وسيدنا موسى جاء الذباحون معهم السكاكين، ولهذا فإن أم موسى ألقته في اليم، وكان ذلك أهون عليها من أن تراه يذبح أمامها. ومكث فرعون على ذلك مدة طويلة، ولكن الله ذكرها في جملتين، وأما لحظات النصر من أولها تطول وتكرر، وأسرار التكرار في القرآن شأنها عجيب جداً؛ لأن كل موضع مختلف عن الموضع الثاني، فيأتي لك بأجزاء من القصة، بحيث تجد فيها تفصيلاً غير التفصيل الآخر، فتعرف في النهاية مجمل المسائل التي حصلت. قال تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه:٥٩] فحدد ذلك التوقيت، وهو يوم الزينة عند اجتماع الناس في وقت الضحى. قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾ [طه:٦٠]، وتخيل الموقف إذ فرعون آتٍ بأبهة وغرور، فحضر الملك والجنود والسحرة والوزراء وكل الناس ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:٣٩]، وهناك إعداد نفسي: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء:٤٠] أي: هم الذين سيغلبون فنتبعهم، وقد جاء الحوار في سورة طه وفي غيرها، وتفاصيل هذا اليوم مذكورة بالتفاصيل؛ لأنه يوم نصر وعزة ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [طه:٦١]، فكرر عليهم هنا موسى الدعوة مرة أخرى، وهذا هو المقصود أصلاً من الدعوة إلى الله ، وإن كان جمع الناس ليبين لهم معجزة مادية، ولكن قبل ذلك لا بد من الكلام المعنوي المهم، وهو التذكير بمعاني الإيمان والدعوة إلى الله : ﴿وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [طه:٦١ - ٦٢]. فلمجرد أخذ رأي ثان ترددوا قليلاً، وفي هذا دليل على أن الباطل ليس مستقراً، بل هو مزعزع؛ لأنه دائماً يسير في طريق القطيعة، ويتبعه ضعفاء الإيمان الذين تقال لهم الكلمة فيذهبون وراءها دون عقيدة راسخة. قال تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى * قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى * فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ [طه:٦٢ - ٦٤]. ومثله في سورة يونس: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ) [يونس:٧٨]. فسيدنا موسى يريد أن يقول: هل تتخيلون أن الناس كلهم مثلكم، وأن القضية بالنسبة لهم: من الذي له الكبرياء؟ أو من هو المستعلي على الآخر؟ وكان سيدنا موسى يمكن أن يتهمهم كما يتهمون أهل الإيمان دائماً أنهم يريدون الرياسة والملك، ولا يريدون الدين، أو أنهم يريدون الكبرياء في الأرض، ويريدون أن يتفضلوا على الناس. ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه:٦٥]، فقال: (بل ألقوا). وفي سورة الأعراف قال : ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف:١١٣ - ١١٥]. وهذا دليل على أنهم بمجرد ما سمعوا من فرعون ذلك الوعد استعدوا للمواجهة، وقالوا: ألق يا موسى! ونحن سنلقي: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا﴾ [الأعراف:١١٥ - ١١٦] وهذا أمر، وفى سورة طه: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ [طه:٦٦] ففي الآية الأولى: (ألقوا) أي: أنتم، وهذا استهانة بهم وتحقيراً لشأنهم. وتلك لحظات عظيمة جداً أفردت بمساحة واسعة جداً في الذكر؛ حتى تشفي صدور المؤمنين من فرعون، فهو الظلم الغشوم، وهو إمام يدعو إلى النار، والرسول ﷺ قد قال عن أبي جهل: (هذا فرعون هذه الأمة) أي: أن كل أمة لها فرعون، ففرعون شخصية طاغية متكررة الأوصاف قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص:٤١] أي: بسلوكه وعمله، أما هو فقد مات، لكن طريقة فرعون ومنهجيته في الظلم مسجلة في التاريخ، ولها أناس يمشون عليها، وسيغرقون نفس غرقه والعياذ بالله من الهلاك. فمن شفاء القرآن لما في الصدور أن اللحظات العظيمة تذكر بالتفصيل، وهذا يبهج النفوس المؤمنة، ويذكرها بأيام الله قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم:٥]، فالتذكير بأيام الله من أعظم أسباب الثبات على الحق؛ لأنه هناك لحظات من أيام لله قد ينطفئ فيها الإيمان وتمكث مدة طويلة، حتى إن الأمة تضجر، وتقول: متى تأتي لحظة الفرج؟ فعندما تتذكر أمثالها من أيام الانتصار والفرج تهون مصائب الطريق، ويهون البلاء، ويمر سريعاً دون أن يؤثر في النفس المؤمنة. وقصص الأمم السابقة التي أخبر الله عنها لم تكن عربية، وإنما الخطابات في القرآن هي ترجمة أو لمعاني كلامهم بأدق شيء، وهذا من إعجاز القرآن، فهذه الكلمات التي وقعت وعبر عنها بهذه الدقة البالغة، فالمعاني كانت موجودة في ألسنتهم لكن لا يوجد أحد يترجمها من البشر بهذه الطريقة القرآنية أبداً، فذكرت هذه الألفاظ لبيان تلك المعاني بأكمل وجه. وتفاصيل القرآن للقصة الواحدة في عدة مواطن له حكم وفوائد وأسرار عظيمة، فهي ليست مجرد تكرار عادي، وفي بعض المواطن تكرار ظاهري فقط، فمثلاً: السحرة كانوا عدة آلاف، وقد يكون بعضهم قالوا: (أئن لنا مرة)، ومرة أخرى قالوا: (إن لنا) فكل هؤلاء يريدون أن يظهروا تبعيتهم لفرعون، ولا مانع أيضاً أن يكون بعضهم قال: (رب موسى وهارون) وبعضهم الآخر قال: (آمنا بربنا) فحكى الله القولين. وبعضهم قال أيضاً: (رب هارون وموسى) فبعضهم قدم اسم موسى وبعضهم قدم هارون، فمن قال: (هارون وموسى) فهو قاله مراعاة لسيدنا هارون، لأن سيدنا هارون أكبر في السن، ومن قال: (موسى وهارون) راعى موسى من جهة الدين.

стр. 926

فتنة بني إسرائيل بعد أن من الله على بني إسرائيل بأن أنقذهم من فرعون أمر الله موسى أن يخرج بهم جميعاً لوعد الله، فتقدم موسى وكلمه ربه، فكان سيدنا موسى في قمة السعادة وهو يسمع كلام الله ، ومن شدة الشوق إلى الله سأل الله النظر إليه وقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُر إِلِيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، ومكث سيدنا موسى أربعين ليلة يصوم نهارها ويقوم ليلها، وتخيل سيدنا موسى ﵇ الذي أنزل الله عليه الوحي ويصوم النهار ويقوم الليل ماذا سيفعل الأربعين يوماً فيه؟! بلا شك أن الإنسان سيجد في نفسه اختلافاً عند صيام النهار وقيام الليل، فوجد في نفسه حالة عظيمة جداً من الشوق إلى الله ، إضافة إلى ذلك أنه يسمع كلام الله، فلم يتحمل موسى لترك هذا الطلب مع أنه طلب، ولكنه من شدة الشوق قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] قال ذلك شوقاً إلى الله وحباً له ، ونتيجة للعبادة العظيمة المتواصلة أربعين يوماً، وعجل سيره ليرضى الله عنه، وإذا به يسمع هذا الخبر المؤلم؛ والله يبتلي عبادة بما شاء، فهذا ليس منافياً لكرامة سيدنا موسى عند ربنا، لكن الله سبحانه غضب؛ لأن أتباع موسى وقعوا في الفتنة.

стр. 927

غضب موسى من ضلال قومه قال تعالى: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه:٨٥] وإذا بسيدنا موسى يصاب بحالة غضب وأسف، وحزن شديد جداً، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٥٠]، والعجيب أنهم ما كانوا متمسكين بالعقيدة كتمسكهم بسيدنا موسى، فأخذ سيدنا موسى العجل وحرقه ونفثه في البحر، وهم سامعون مطيعون، وسيدنا هارون قد قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه:٩٠]، وكادوا يقتلونه والعياذ بالله وقالوا: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه:٩١] وإذا بسيدنا موسى من شدة الغضب يريد أن يعمل شيئاً، فأمسك بأخيه هارون؛ لأنه كان في ظنه أن هارون مقصر، ولم ينصح القوم مع أنه نبي مثله ورسول، فألقى الألواح ليتفرغ لذلك، ولم يلقها إهانة لها، بل ألقاها كشخص في يده شيء، ويريد أن يتخاصم مع شخص فيرى ما في يده، وما فعله موسى كان غضباً لله ، كيف أن سيدنا هارون تركهم، (وأخذ بلحيته) وكان سيدنا موسى قوياً، فإذا به يجره إليه من شدة غضبه لله ، وسيدنا هارون أكبر منه سناً، لكن من شدة الغضب لله ، فعل ذلك ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه:٩٢ - ٩٣]، وسيدنا هارون كان لديه طريقة جميلة للرد (قال يبنؤم) أي: أنه ابن أبيه وأمه، ولكن تذكيره له بصلة الرحم من جهة الأم هنا أنسب؛ لأن الأم الرقيقة الحنونة التي رعت سيدنا موسى وضحت من أجله، وفي سورة الأعراف: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:١٥٠]، فكان بهذه الطريقة أن سكن غضب موسى، ودعا واستغفر لأخيه: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾ [الأعراف:١٥١]، فبدأ بنفسه؛ لأنه هو الذي أخذ أخاه وجره إليه، وقد قال له هارون: ((قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي)). وأتى له بعدة أعذار منها: أنهم كادوا أن يقتلوه ((إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي))، ومنها: لكيلا يشمت به الأعداء ((فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ)) ومنها: عملك هذا سوف يجعلهم يقولون: إني ظالم، وأنا لم أظلم، ((وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) فلا تعاملني معاملة الظلمة، ومنها كما في سورة طه: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه:٩٤] فموسى لو كان مكان هارون فسوف يأخذ المؤمنين ويترك الكفرة، فرأى سيدنا هارون أن المصلحة تقتضي أن يجعل بني إسرائيل في مكان واحد، لا أن يتفرقوا، وهو قد دعاهم إلى الله، والله قد شهد له أنه بلغ، كما قال: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ﴾ [طه:٩٠]، فهو لم يقصر في الدعوة، ولا في إنكار المنكر، ولكنهم لم يستجيبوا له، ولديهم تبعية عجيبة لسيدنا موسى، وتبعية لما يقولونه حيث يسمعوا كلامه في قتال الجبابرة، فسيدنا هارون أتى بحجج متعددة: عدم استجابة بني إسرائيل، وأنه مستضعف، وأنهم كاد أن يقتلوه، وأنه قد بلغهم فعلاً ولم يكن من الظالمين، وأنه يجوز إشمات الأعداء به، فهنا لان موسى ﵊، وخصوصاً عندما ذكره أنه ابن أمه، وهذه طريقة جميلة لتسكين غضب الأخ.

стр. 928

استشكال وجوابه قد يقول قائل: ما هو الفرق بين طلب بني إسرائيل رؤية الله وبين طلب سيدنا موسى لذلك؟ و الجواب أن الفرق بينهما كالفرق بين الثرى والثريا، فهؤلاء أناس قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:٥٥] أي: أنهم ليسوا بمؤمنين والعياذ بالله، بل يستحقون نزول الصاعقة عليهم، ومع ذلك يشترطون لإيمانهم بالله رؤيته. أما طلب سيدنا موسى فكان من شدة الشوق والحب لله ، وطلبه ليس مشروطاً لإيمانه بل هو مؤمن، ولكنه يريد الدرجة الأعلى، وإلا فكمال الحب كيف يوجد مع الشك أو عدم الإيمان؟! فالذين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) [البقرة:٥٥] فد كفروا بعبادة العجل وليسوا كلهم عبدوا العجل، فقوله: ((فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ)) أي: بعض قومك، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ﴾ [الأعراف:١٥٢]. إذاً: هناك أناس اتخذوا العجل، وهنا أناس ليسوا كذلك، وقوله تعالى: (اقتلوا أنفسكم) أي: اقتلوا الذين عبدوا العجل، وإن كان هذا الخطاب عاماً في ذم بني إسرائيل؛ فهو يتناول الأغلب الأعم، ويعد في التاريخ من فعل بني إسرائيل، وذلك يعم الموجودين أيام النبي ﵊، ويعم الموجودين في أيامنا ممن يعملون هذه الكفريات، فيقال لهم: أنتم الذين عملتم؛ لأنكم أنتم راضين بهذا أو بمثيله، أو عملتم مثيله. ولما أمر الله موسى ﵇ للخروج مع رجال معه إلى ميقات الله تعالى اختار رجالاً وكان ذلك بانتقاء، لأنه لا ينفع العدد الكبير، فاختار موسى سبعين رجلاً هم قادة الأمة، واختار الأمثل فالأمثل. إن من أهم الأشياء عمل القلب، والسحرة قالوا لفرعون: إنا آمنا. والإيمان هو: قول وعمل في القلب، فهم تركوا الباطل وصروا على إيذائهم كما قالوا: ((رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا)) وهذا عمل، ((وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ)) ونطقوا بالشهادة وهذا عمل، وهذا إيمان وعمل عظيم جداً ليس له نظير من كثير من الناس. وسبب كثرة تكرار هذه القصة في القرآن: أن هذه قصة بناء أمة ليس لها نظير في الأمم السابقة، وأشبه سيرة بسيرة النبي ﷺ في الناس، فكانت هذه السيرة بمثابة الوقود والنور الذي يبين للنبي ﷺ ولأصحابه الكرام ما يلزم فعله في مواجهة الباطل، وسوف تبقى عبر العصور كذلك؛ لأن هذه السيرة أكثر قصة تكررت في القرآن من قصص الصراع بين الحق والباطل بوضوح وجلاء بين، فيحتاج المسلمون أن يعرفوا تفاصيل هذا الصراع لكي يستفيدوا منه. ثم إن الصفات القبيحة التي وقعت من بني إسرائيل أراد الله بذكرها في القرآن تحذيراً للأمة، أن لا تعمل مثلهم، وهذه الصفات القبيحة ذكرها الله أيضاً لكي نعرف عدونا الذي سوف يستمر معنا بمعرفتنا صفاته عبر التاريخ.

стр. 929

إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين يبين الله في آيات محكمات من سورة آل عمران أن الهزيمة التي وقعت للمسلمين في غزوة أحد إنما كانت بسبب ذنوبهم، ومخالفتهم لأمر رسول الله ﷺ ، لكنه تلطف بهم، وصد المشركين عنهم، وقذف في قلوبهم الرعب، وأزال من رءوسهم فكرة استئصال المسلمين.

стр. 930

أمراض الشعوب المهزومة التي حذرنا الشرع منها

стр. 931

مرض الضعف والوهن الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فيقول الله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ * سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ * وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩ - ١٥٢]. قال ابن القيم ﵀ في فوائد هذه الآيات والدروس المستفادة من قصة غزوة أحد: لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم، وأن الشيطان إنما يستزلهم ويهزمهم بها، وأنها نوعان: تقصير في حق، أو تجاوز لحد، وأن النصرة منوطة بالطاعة ((قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا))، ثم علموا أن ربهم ﵎ إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يقدروا هم على تثبيت أقدام أنفسهم، ولم ينتصروا، فوفوا المقامين حقهما، مقام المقتضي وهو التوحيد والالتجاء إلى الله ، ومقام إزالة المانع من النصرة وهي: الذنوب والإسراف. ثم حذرهم سبحانه من طاعة عدوهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾! فحذرهم سبحانه من طاعة عدوهم، وأخبر أنهم إن أطاعوهم خسروا الدنيا والآخرة، وفي ذلك تعريض بالمنافقين الذين أطاعوا المشركين لما انتصروا يوم أحد. وهنا قضية عظيمة الأهمية في هذه المواقف وفي أمثالها عبر العصور؛ وذلك أن الأمراض التي تصيب الأمم المهزومة في معاركها العسكرية، هي أمراض خطيرة مدمرة، بها تزول حضارات الأمم، وبها تضمحل مناهلهم. ومن هذه الأمراض: مرض الضعف، وهو أن يضعفوا في القيام بالحق الذي معهم نتيجة الهزيمة، ويتركوا القيام بما أوجبه الله عليهم. وكذلك مرض الوهن، وهو التعلق بالأرض وحب الدنيا وكراهية الموت، وهذا يسلط العدو أكثر حين ينشغل الناس بدنياهم، وحين تكون قضيتهم في الحياة هي الرواتب التي لم تصرف، والأطعمة التي توزع، والملابس التي يكتسون بها ويكسون أولادهم، حين تصبح قضيتهم هي قضية الصراع على الدنيا يزداد العدو تسلطاً، ويأكل الثروات ويلقي بالفتات ولا حول ولا قوة إلا بالله، والشعوب المغلوبة المقهورة حين تضيع قضيتها تصبح كذلك فيصيبها الضعف والوهن.

стр. 932

مرض الاستكانة لغير الله تعالى والمرض الثالث: مرض الاستكانة، وهو: الخشوع والخضوع والذل للعدو، ومظهر ذلك: طاعته التي أتت الآيات تحذر منها تصريحاً ونصاً، فالله ابتلانا بالهزائم والانكسار لننكسر له ، ولنلتجئ إليه، ولنتضرع إليه، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام:٤٣]، والله ذم من لم يستكن له، ومن لم يتضرع له، قال : ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون:٧٦]. فتبين أن في هذا المقام نوعان من الاستكانة: استكانة محمودة، وهي استكانة لله ، وشعور بالانكسار لله ، والضعف والعجز وطلب القوة منه ، والشعور بالضعف والعجز وأنه لا قوة له إلا بالله، وأنه لا يثبت إلا أن يثبته الله، وهذا مقام أهل الإيمان الذين امتدحهم الله حين قال: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٧] وهذه الاستكانة المحمودة. أما الاستكانة المذمومة، فهي التي قال الله نافياً إياها عن المؤمنين من أتباع الأنبياء: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦] وهذا المقام، وهذه الأحوال نصيبها وحظها من العبودية عبودية الصبر، وعدم الاستكانة للعدو، والاستكانة للعدو قد تقع للإنسان وهو في الظاهر ممكن ومتسلط على غيره، وكبير يفعل في قومه ما يشاء، وهذه هي التي تحصل من المنافقين الذين يبتغون العزة بموالاة الكافرين، ويتابعونهم على باطلهم، ويطيعونهم في أوامرهم التي هي حرب للدين، والتي هي بغض لما أنزل الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٦] فيكون هذا الأمر موجباً لارتدادهم عن الدين على أدبارهم، نعوذ بالله من ذلك، وموجباً لحبوط أعمالهم؛ فإن موالاة الكافرين وطاعتهم تجلب الخسران وتجلب الضياع والعياذ بالله، وتجلب ضياع الدنيا والآخرة، وكما ذكرنا يلقي العدو الفتات ويأخذ حتى دنيا هؤلاء القوم، ولا يترك لهم شيئاً، فلا يظفرون لا بدين ولا دنيا، وإنما يبوءون بالذل والهوان والخسران المبين نعوذ بالله من ذلك. هذه الاستكانة للعدو قد تقع لإنسان يكون في الظاهر على أنه حر طليق، وكبير وزعيم، وملك على قومه، ولكنه في الحقيقة في منتهى المهانة، وذلك أنه يستمر على الباطل، فيطيع بالمنكر ويطيع في الكفر والنفاق، وينشر ما يريده الأعداء والعياذ بالله، فيترك منهجه ودينه والتزامه، ويطيع في الكفر والفسوق والعصيان، نعوذ بالله من ذلك. والاستكانة مرض من أمراض الشعوب المهزومة، والتي غالباً ما تقع عقب الهزائم العسكرية، وربما تقع بعد مدة، بعد عدة أجيال أو عدة سنوات، أو ربما بعد العشرات من السنين، فيخرج من يتكلمون باسم الناس وهم في الحقيقة يتكلمون بلسان العدو والعياذ بالله. وقد وقع هذا في تاريخ المسلمين مرات عديدة عندما تقع هزيمة، ثم يقع بعد ذلك من يخرج ويروج لفكر ومناهج وحضارة الأعداء، وفي نفس الوقت ربما يزعم معاداة الأعداء، حتى يكون له منزلة لدى قومه، وحتى يتصدر ويرأس عليهم، ثم بعد ذلك يسوم قومه سوء العذاب، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فهذه الاستكانة المذمومة، وهذه الطاعة المحرمة التي حذر الله منها.

стр. 933

صور لأصحاب العزة وقد يكون الإنسان أسيراً في الظاهر ذليل مهان، ولكنه لا يرضى أن يتكلم بالباطل، ولا أن يقر بالمنكر، ولا يرضى بما يريده الأعداء، فهو في الحقيقة عزيز كريم. ومن أمثال هؤلاء: خبيب رضي الله تعالى عنه وهو مصلوب عند قريش، وهم يريدون أن يحصلوا منه على كلمة يقدح فيها بمحمد ﷺ ، حتى ولو تمنى أن يكون مكانه، قال أبو سفيان: أتتمنى أن تكون في بيتك وأن يكون محمداً ﷺ مكانك؟ فيقول: لا أتمنى أن أكون في أهلي وفي بيتي ومحمد ﷺ تصيبه شوكة فما فوقها، فكان موقفاً عزيزاً، يدل على عزة وعدم استكانة، رغم أنه مصلوب، فيتركه المشركون يصلي ركعتين، فيصلي ويطيل، ويقول: لولا أن يظنوا أنه جزع من الموت لأطال، ثم يقول وهو مقبل على الموت: اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً. يقول: ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع عزة عجيبة الشأن. وهذا النبي ﷺ عندما يفر أصحابه عنه في غزوة حنين فينزل من على بغلته ويقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)، فهو يعرف الناس بنفسه، فمن أراد أن يناله بسوء فليأت إليه. وكان النبي ﷺ وكل الأنبياء والرسل في فترات الاستضعاف أعزة، رغم أنهم غير ممكنين، ورغم أنهم كان ينالهم من الضرب والجراح، والأذى والشتم والسب، وأحياناً الحبس والسجن، وأنواع البلاء المختلفة: كالإلقاء في النار والقتل، ولكنهم ثابتون لا يركنون إلى الذين ظلموا، ولا يقبلون باطلهم، ولا يرضون بمنكراتهم، وهذه قضية عظيمة الأهمية في حياة المؤمن. فليس العز والذل مرتبط ببدن الإنسان، ولكنه بروحه وثباته على دينه ومنهجه وعقيدته، فكم من أحرار الأبدان أسرى الأرواح، وكم من أسرى الأبدان أحرار الأرواح، أرواحهم طليقة حرة، حررها التزامها بشرع الله من عبودية البشر، ووجدت سعاة عظيمة هائلة في القرب من الله ، فتجاوزت حدود هذه الأرض بما فيها من قوة ظاهرة للكفرة والظلمة، تجاوزتها وارتفعت، ورأتها ذرة صغيرة في كون واسع فسيح لا ملك فيه إلا لله ، حقيقة يقينية قطعية، ما أن ترتفع الأنظار عن الأرض إلا وتراها بينة جلية. لكن أكثر الناس أبدانهم وأرواحهم حبيسة الأرض، فأخلدوا إلى الأرض واتبعوا أهواءهم، وتسلط الشيطان عليهم حتى جعلهم لا يرون إلا موازين الكرة الأرضية، رغم أن الموازين في داخل هذه الكرة الأرضية -عند حقيقة التأمل- ليست ملك البشر، ولكن أكثرهم لا يرون إلا ما يحسون من شهوات، من أموال ومن أمور ظاهرة. ولكن أرواح المؤمنين انطلقت فوجدت كوناً فسيحاً واسعاً، وترسخت في قلوبهم أن الله هو الملك، فقالوا: ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، فهو سبحانه الملك الحق، ولذا لم يخضعوا لغيره، ولم يذلوا ولم يستكينوا إلا له ، وأبوا أن يستكينوا للعدو، وأبوا أن يقولوا باطلاً، وأن يعاونوا العدو على منكره وكفره وشركه، وأن ينافقوا كما نافق المنافقون، فاللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على دينك، واللهم يا مصرف القلوب! صرف قلوبنا على طاعتك. قال : ((وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ)) أي: وكم من نبي وهم كثير، ((قَاتَلَ مَعَهُ)) وفي قراءة أخرى (وقُتِلَ) والقراءتان متواتران، وكلاهما لهما معنى صحيح واجب التدبر، فقد قاتل الأنبياء طوائف وجماعات كثيرة، وقتل منهم جماعات، وقُتل بعض الأنبياء، وقتلت جماعات من المؤمنين الذين معه، ((قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ)) وفي قراءة أخرى (وقُتِلَ معه ربيون كثير) قُتِل هو أي النبي، وكان معه ربيون قتلوا وبقيت جماعة: ((فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا))، ما وهن المقتولون عند ملاقاة القتل، بل تلقوه بالاستبشار والترحيب به، ولسان حالهم يقول: فزنا ورب الكعبة، وقالوا: اليوم نلقى الأحبة محمداً وصحبه. فكانوا يقبلون عليه، وما وهنوا عند الموت وما ضعفوا وما استكانوا، وما وهن الباقون، وما تعلقوا بالدنيا، وما ضعفوا في القيام بالواجب عليهم من الالتزام بشرع الله ، وما استكانوا لعدوهم، ((وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ))، والمؤمنون دائماً ما يسألون ويبحثون عما يحبه الله، فإذا علموا ذلك طاروا إليه. فأعظم ما يأخذ بقلوبهم إلى الله أن يعلموا أن الله يحب من يفعل أفعالاً معينة، فهو يحب المتقين، ويحب الصابرين، ويحب المحسنين، وانظر وتأمل جمع الله بين الصبر والإحسان في قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦ - ١٤٨]. فالصبر والثبات هو الذي يحرك قلوبهم، والصبر في هذا المقام صبر يجمع كل أنواع الصبر: صبر على الطاعة، وصبر على المعصية، والتي هي: موالاة أهل الكفر وطاعتهم، وهو مقام يقع فيه الكثيرون من الذين يبيعون دينهم، ويصيرون من جنود الكفار، فبالأمس كانوا جنوداً -فيما يبدو- للحق، ثم لما انتصر الباطل صاروا جنوداً له، وكم من الناس مستعد أن يكون كذلك، وأن يطيع الكفرة إلى درجة الحرب في صفهم ولا حول ولا قوة إلا بالله، ودائماً يظهرون وخصوصاً بعد الهزيمة ونعوذ بالله. فلذلك المؤمنون صبروا على المعصية، وعن هذا الضلال والكفر والنفاق. وصبروا على الأقدار المؤلمة، وعلى ما يصيبهم من آلام في مقام نصرة الدين وفي سبيل الله، وخصوصاً عند حصول الهزيمة، فإنها تصيب الناس بأنواع من الآلام الكثيرة، ومجرد رؤية البلاد والعباد يسقطون في أيادي الأعداء هو أمر في غاية الألم وغيظ للمؤمنين.

стр. 934

الدعاء من أقوى الأسلحة قال تعالى: ((وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا)) فالدعاء من أمضى وأقوى الأسلحة، وكذلك التضرع إلى الله بأسمائه وصفاته وخاصة الربوبية منها، والاعتراف بالذنوب؛ فإنها عمل صالح؛ لأنهم يحاسبون أنفسهم، ولأنهم ليسوا كالذين يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون، فكم من المحن تنزل، ولكن الكثير من الناس لا يعي ولا يتوب ولا يتذكر إلا من رحم الله. وليسوا كالذين دائماً ينظرون إلى جانب الكمال في أنفسهم وما هو بكمال، بل هي نقائص وأمراض، ومع ذلك يرون أنفسهم أكمل الناس وأفضل الناس، وأعلمهم بالدين والدنيا ونعوذ بالله من ذلك، فهذا أمر في غاية الخطورة. أفلا نعي الدروس؟! ألا نستفيد من المحن؟! ألا نستفيد من البلايا؟! ألا نراقب الله ونراجع أنفسنا؟! ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة:١٢٦]، وهذا هو حال المنافقين نعوذ بالله من النفاق، أما أهل الإيمان فإنهم راجعوا أنفسهم، والله لم يقدر تخطيط الأعداء ومكرهم إلا لنرجع إليه، ولذلك بادروا وأقروا على أنفسهم بالإسراف، وإياك أن تظن بنفسك أداء الحق وأنت لم تؤد حتى عشره، وهذا موطن خطير جداً، عندما يتأمل كل واحد منا في نفسه ولا يراها مقصرة، ويجلس وحيداً بعيداً عن الناس، ثم يسأل نفسه: هل تؤدي ما عليك فيما بينك وبين الله؟ وفيما بينك وبين الناس؟ وفي أداء الواجبات؟ وفي ترك الذنوب؟ وفيما أوجب الله عليك من نصرة الدين؟ فإذا حدثتك نفسك وقالت لك: أنا أديت ما علي، والتقصير إنما هو من غيري، والناس هم السبب، والبلايا والمحن جاءت من غيري، فتأكد أننا لن نتغير، وأن الواقع يحتاج منا إلى عمل طويل الأمد، في داخل النفوس قبل أن يكون في خارجها، ولابد أن تكون صادقاً في قولك: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا))، ولابد أن تعترف فعلاً بينك وبين الله ، ليس على سبيل التواضع وهضم النفس وأنك تراها مستحقة لغير ذلك، ولكنك تعترف من باب الاقتداء بالمؤمنين الذين قالوا ذلك، أو الترديد باللسان لهذه الأدعية، ولابد أن تكون صادقاً حين تقول: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا))، ولا بد أن تستشعر أن الأمة أُتيت من قِبلك، ومن ناحيتك، ومن الثغرة التي أنت عليها، وأنت على ثغرة بلا شك، فكل واحد منا على ثغرة من ثغرات العمل من أجل الإسلام، وإذا وجدت أن نفسك تقول لك: أنا أفضل وغيري هو المقصر، فاعلم أننا ذاهبون إلى مزيد من البلايا والمحن ونسأل الله العافية، وإنما كان قول المؤمنين كما قال الله: ((وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا)) توسل إلى الله بالربوبية، وتوسل إلى الله بالاعتراف بالذنب، وقد ورد في الحديث: (أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت). فالذنوب هي التي هزمتنا، وهذا أمر حقيقي واقع، وكل منا له ذنوب وتقصير وإسراف على نفسه، وأكثر الناس يجود بعمره ووقته ويسرف على نفسه، ويسرف على شهواته ورغباته، فيجود بالزمان وبالوقت ليضيعه في معصية الله، ولو كان في المباحات لكان بخساً على الإنسان، فكيف بمن ينفق عمره وساعاته في معصية الله ؟ فهذا هو حقيقة الإسراف، وهذا هو التقصير الحقيقي. قوله تعالى: ((وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا)) المقصود بتثبيت الأقدام: حسي، ومعنوي. فالحسي في معركة القتال، والمعنوي على الصراط المستقيم، حتى لا تزل القدم في أهواء مضلة، وحتى لا ينحرف الإنسان إلى الهاوية، إما إلى شبهات مضلة وإما إلى شهوات مغوية، والمسلم محتاج إلى التثبيتين، فكم من إنسان عنده معرفة نظرية وعندما تأتي لحظات المواجهة والشدة لا يثبت، بل ينهار تماماً رغم أنه كان على علم، فليس العلم هو العلم الذي على اللسان، إنما العلم النافع هو العلم الذي في القلب، وهذا يظهر في فترات الشدائد والمحن، وفي مثل هذه اللحظات من الهزيمة. ((وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا)) يعلمون أن الله هو الذي يثبت القلوب والأقدام، وأنه إن لم يثبت أقدامهم لم يثبتوا، والإنسان يلحظ في قوله تعالى: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا)) التزام بالشرع وإيمان به وانقياد له، وفي قوله: ((وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا)) إيمان بالقدر، وتحقيق لقوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وأما قوله: ((وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا)) دليل على معرفة العبد المؤمن بأن الله هو الذي يثبت قلبه ويثبت قدمه على الصراط المستقيم، حتى لا ينحرف ولا يزل ولا يضل ولا يكون غاوياً نعوذ بالله من ذلك. ففيه إيمان بالقدر ولجوء إلى الله، وهذا مقام التوحيد كما ذكر ابن القيم ﵀، مقام الصبر، ومقام اللجوء إلى الله والتضرع إليه، والتوسل إليه بأسمائه وصفاته، والتوسل إليه بأعمالنا الصالحة، من الاعتراف بالذنوب وطلب قضاء أعظم الحاجات، وهي الثبات على الصراط المستقيم. قوله تعالى: ((وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)) وهذه هي التي يرجوها أهل الإيمان، وليس هذا لتحقيق نفع دنيوي، وإنما لإبطال الكفر، ولذا وصفوا قومهم بالكافرين في هذا المقام، وقد كان النبي ﷺ والصحابة -في غزوة أحد- يحاربون قريشاً، وقريش هي التي تحاربهم وهم من نفس القبيلة، ومن نفس الوطن، ومن نفس القومية، وعلى الرغم من ذلك وصفوهم بالقوم الكافرين؛ لأنهم إنما يريدون نصرة الدين، فهم لا يقاتلون لأجل منصب، ولا يقاتلون لأجل قومية أو قبلية أو وطنية أو غير ذلك، وإنما يقاتلون لأجل الدين، فكيف بمن صار لا يقاتل لا حمية ولا شجاعة ولا نصرة للدين ولا لقومية ولا لوطنية؟ أصبحت أمور عجيبة في زمننا هذا نسأل الله العافية، وصار الناس يقاتلون لأجل ألا تباع أوطانهم، وألا تهدم قومياتهم، وصار من ينادي الآن بالقومية أقرب حالاً نسأل الله العافية، فأي بلاء هذا الذي نزل بنا؟ مهانة عجيبة، لكن أهل الإيمان إنما يقاتلون لكي يبطل الكفر. فهم وصفوا قومهم في هذا المقام بالقوم الكافرين، لكي يؤكدوا البراءة منهم وأنهم يريدون إبطال كفرهم، وإبطال شركهم، وألا يظهر كفرهم على وجه الأرض، والنصر من عند الله اعتقاد يقيني لأهل الإيمان.

стр. 935

الخسران المطلق لمن أطاع أعداء الله قال : ((فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ)) جمع الله لهم الدنيا والآخرة، فأتتهم الدنيا وهي راغمة؛ لأن الله أمرها أن تأتي إليهم، آتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، وتأمل هذا الجمال أن الله لم يقل في (ثواب الدنيا) حسن ثواب الدنيا؛ وذلك أن الدنيا وإن كان فيها نعيم فإنها لا تكمل لأحد، وليست خالصة بل لابد أن تشاب، وأما ثواب الآخرة فهو الثواب الحسن، وهو الذي يستحق أن يوصف بالحسن؛ ((وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ)) فهو عاملهم الله بأحسن ما عملوا، وآتاهم أحسن الثواب بفضله : ((فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ)). وأما من أطاع الكفار فإن الآيات تبين أنه خسر ((فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ))، الخسران المطلق، وهذا يشمل خسران الدنيا وخسران الآخرة، ونعوذ بالله من ذلك، والله ما ينالون دنيا ولا ينالون آخرة هؤلاء الذين أطاعوا الكفرة. قال عن المؤمنين: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وهذا الإحسان في هذا المقام هو إحسان فيه عبادة الله ، وهو كما فسره النبي ﷺ في قوله: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، ((وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) والإحسان الذي يحبه الله هو الإخلاص، والتوكل على الله، واللجوء إلى الله ، والتضرع لله ، والصبر، وعدم الوهن، وعدم حب الدنيا، وعدم الضعف في طاعته، وعدم الاستكانة للعدو، والتحمل في سبيل الله ، فإذا حققت عبادات القلب صرت محسناً، والإحسان في عبادة الله -فيما بينك وبين الله- يثمر، وينعكس الإحسان إلى الخلق من الإحسان في عبادة الله ، فإذا أحسنت في عبادة الله وفقك الله للإحسان إلى الناس، فأحبك الله وأحبك الناس، ومن أحبه الله قذف محبته في قلوب الخلق، ونادى جبريل في أهل السماء: (إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض)؛ وذلك أن الله أحبه، فأحبه جبريل وأحبه أهل السماء وأحبه أهل الأرض، والمؤمنون الصادقون هم علامة أو خلاصة أو حقيقة أهل الأرض. أما الذين يعيشون على وجه الأرض كالأنعام بل هم أضل، فإنه لا قيمة لحبهم ولا بغضهم ولا أثر له، وإنما علامة حب المؤمنين بأن يوضع له القبول في الأرض، فترى قلوب المؤمنين تفد إليه بأنواع البر والإحسان والحب والقبول، فهم شهداء الله في أرضه. وأما إذا وجدت الكفار يحبون -مثلاً- زعيماً لهم؛ لأنه سلطهم على من خالفهم، أو لأنه خدعهم بأنواع الخداع مثلاً، فأحبوه أكثر، فليس هذا بالأمر المعتبر، فهم لا قيمة لهم ولا عبرة بهم وليسوا بشهداء الله في أرضه. إذاً: فالحشيش مثلاً والزروع هي أحب شيء؛ لأن الأبقار والأغنام تأكل ذلك، فهؤلاء كالأنعام بل هم أضل، فلا عبرة بحبهم وبغضهم، وإنما يعرف ذلك بمحبة أهل الإيمان وبغض أهل الإيمان، والمفتاح العظيم لجذب قلوب المؤمنين هو تحقيق الإحسان، وتحقيق الصبر، وترك الوهن وترك الضعف، وترك الاستكانة للكفار، وترك موالاتهم وطاعتهم، قال : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) فكشف لنا حقيقة ما يريدون، حتى لا يقول قائل: هم لا يحاربون الإسلام! وهم لا يريدون أن نترك الدين! فالله قد بين لنا ما يريد الكفرة من المشركين وأهل الكتاب، ولفظة (المشركين) عند إطلاقها يقصد بها: عباد الأوثان وغيرهم ممن ليسوا بأهل كتاب، ويدخل فيهم أهل الكتاب الكفرة في الحقيقة، لكن يخصوا بذلك، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠٠ - ١٠١]. فالكفار بأنواعهم المختلفة يريدون إبعادنا عن الدين، ويريدون ردة المسلمين، ويريدون أن يردونا على أعقابنا، فماذا بعد أن بين الله نيتهم؟ وماذا بعد أن كشف الله خبايا ضمائرهم؟ فهل نقول بعد ذلك هم لا يريدون ذلك؟ وهم لا يحاربون الإسلام؟ فمن قال: إن الكفرة لا يريدون منا عدم الالتزام بالدين، وإنما يريدون تعليمنا الحضارة والديمقراطية، وتعليمنا ما ينبغي أن نتعلمه من التقدم، فهو يخدعنا من يقول ذلك، وهم والله لا يريدون إلا حرب الإسلام، وهذه قضية مكشوفة في القرآن، وبينها تمام البيان، فهم لا يريدون بنا خيراً قطعاً، ومن ظن غير ذلك فهو واهم أو مخدوع، أو هو في الحقيقة مخادع وهو لا يظن غير ذلك، بل يعلم، ولكن يشارك في الجريمة ونعوذ بالله. فالقضية قضية واضحة، كما بينها الله جل وعلا في قوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ))، النتيجة: ((فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ)) أي: من انقلب على عقبيه، أو من ارتد عن الدين ولو كان بالنفاق، فليس لازم أن يقول: إنه شخصياً ترك الإسلام، ولا أنه لا يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، فهم الآن ليس من مصلحتهم أن يتنكر الناس لهاتين الكلمتين؛ لأنه سوف يفقد رصيده في عامة المسلمين، وهم لا يريدون ذلك، والأمور ستهيج، إلا أن يكون المتسلط من جلدتنا ويتكلم بلساننا، فهذا هو الذي يحقق المكاسب الكبيرة لأعداء الله، ولذا نجد ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية -كما سنذكره- يقول: ينهى الله المؤمنين عن طاعة الكفار والمنافقين. ويقول أيضاً: يحذر الله تعالى عباده المؤمنين من طاعة الكافرين والمنافقين، ولفظة (المنافقين) ليست موجودة في الآية، لكنها دخلت تحت قوله: ((إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا)) فلذلك ذكر ابن كثير ﵀ ذلك ليس سبق قلم منه، والله تعالى أعلى وأعلم. يقول: يحذر الله تعالى عباده المؤمنين من طاعة الكافرين والمنافقين؛ فإن طاعتهم تورث الردى في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٩ - ١٥٠]. مشكلة صعبة تواجه أهل الإيمان ييسرها الله ، ويبين علاجها؛ ذلك أنه إن لم نطع الكفار ماذا نصنع والأمور بأيديهم؟ والموازين موازين القوة المادية، وهي في صالحهم، فأكثر الناس يقول: لابد أن نسير في ركبهم، لابد أن نقبل هذا الواقع، ونردد ما يقولون وننفذ ما يريدون -ونعوذ بالله من ذلك- وحتى لو كانت حرباً على الإسلام، وصرف الناس عن دين الله ، وصدهم عن سبيل الله ، ونسأل الله العافية. وهذا ليس في زماننا فقط، بل عبر التاريخ تجد عقب الهزائم دائماً يقع ذلك والعياذ بالله، طوائف تنقلب خاسرة، فتردد هذه الكلمات الخبيثة: أننا لابد أن نطيع الكافرين، فعلى المؤمنين في هذه الحالة -وليس بأيديهم شيء- أن يتوكلوا على الله، ((بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ)) أي: أن الله ناصركم، فالله هو الذي يتولى أمركم بالإصلاح، فتوكلوا على الله في دفع أذاهم، وفي دفع مكرهم. قال تعالى: ((وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ)) أي: خير من ينصر عباده المؤمنين، وليس لكم نصير من الأرض، لكن لكم خير الناصرين وهو الله .

стр. 936

الرعب للكافرين بما أشركوا مقابل الأمن للمؤمنين قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:١٥١]. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: ثم أخبر سبحانه أنه مولى المؤمنين، وهو خير الناصرين، فمن والاهم فهو المنصور، ثم أخبرهم أنه سيلقي في قلوب أعدائهم الرعب، الذي يمنعهم من الهجوم عليهم والإقدام على حربهم، وأنه يؤيد حزبه بجند من الرعب ينتصرون به على أعدائهم؛ وذلك الرعب بسبب ما في قلوبهم من الشرك بالله، وعلى قدر الشرك يكون الرعب، فالمشرك بالله أشد خوفاً ورعباً، والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بالشرك لهم الأمن والهدى والفلاح ((لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ))، والمشرك له الخوف والضلال والشقاء. قسمة عدل من الله ، فتجد الكافر عنده من أنواع القوة المادية كثرة هائلة، ومع ذلك هو في رعب عجيب، تلحظه في عيونه، وفي فلتات لسانه، واعترافاته، والأمراض النفسية التي تظهر فيه، والمسلمون لا يبلغون معشار معشار قوة الكفرة، ومع ذلك -ولو كانوا في أنواع المخاطر، وسط النيران، ووسط أنواع الفتن والمحن- تجد عندهم سكينة وأمن، يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، والظلم الأصغر يحقق قدراً من الرعب والخوف بقدر ما ظلموا، والظلم الأكبر -الذي هو الشرك- يزيل الأمن بالكلية في الدنيا والآخرة كما قالها إبراهيم ﵇: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨١ - ٨٢]. فالشعور بالخوف شعور مشقي للإنسان، وهو من أعظم ما يتعب الإنسان، ولا يجعله يستمتع بأكل ولا بشرب ولا بنوم، ولكن الله ابتلاهم الله بشيء من الخوف، وانظر إلى التقليل في قوله تعالى: ((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ))، فتأمل وقارن بين حالي القلبين: حال قلب المؤمن، وحال قلب الكافر، قال تعالى في الكافر: ((سَنُلْقِي)) فيحس المستمع بقوة شديدة، ولذلك تجد ردود الأفعال عنيفة جداً بدار الإسلام وأهله، ولكن الحقيقة أنهم هم الذين يشقون، وأهل الإيمان رغم أسباب الخوف المجتمعة إلا أن عندهم من الإيمان مما يؤمنهم، فالله يؤمنهم بإيمانهم قال تعالى: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس:٩]. قال تعالى في المؤمنين: ((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ)) فيحس المؤمن كأن هناك شيئاً يلمسه من بعيد، وأما الكفار فيحس بشيء يلامس قلبه ويجعله يغرق والعياذ بالله. قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة:١٥٥] ومعه الدواء: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٥] دواء الصبر: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧]. فهذا عبد الله بن الزبير ﵁، والحجاج يرمي الكعبة بالمنجنيق، فأُلقي حجر من أحجار المنجنيق بجواره مباشرة وهو ساجد يصلي، وأحرق جزءاً من ثيابه، وما شعر به، ولم يحس بما حدث، ولذلك ما قتل إلا لأنه كان يطلع لوحده، والناس تفر من حوله من أجل المال، ومن أجل الجاه المنتظر! فالمؤمن في أمان بإذن الله ﵎ كما كان النبي ﵌ -في غزوة الأحزاب- في أمان عجيب، وكما كان إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وكما كان موسى ﵊ في مواجهة فرعون، وفي كل المواقف مثبت من عند الله، قال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه:٦٧] أوجس شيئاً خفيفاً جداً من أجل أن نعلم أنهم بشر، ومن أجل أن نقتدي بهم إذا أصابنا ذلك. فطمأنه الله تعالى بقوله: ﴿قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾ [طه:٦٨]، ولذلك تغير موسى ﷺ في التو واللحظة، وواجه القوم قبل أن يلقي عصاه، قال: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس:٨١ - ٨٢] ومعنى (سيبطله) أي: لم يحصل بعد، ولما رمى عصاه أبطل الله سحرهم وكيدهم: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء:٤٥]، ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف:١١٨ - ١١٩]. فكل مؤمن هو الأعلى؛ لأن الله يقول: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]. إذاً: نحتاج إلى معالجة لأحوال القلب، فلو امتلأ إيماناً امتلأ أماناً، ولو امتلأ ذنوباً امتلأ خوفاً، فكلما تبعد عن الإيمان ينقص الإيمان، فيحصل الخوف، ويحصل القلق، ويحصل الاضطراب، والكافر والظالم أشد الناس اضطراباً وقلقاً ورعباً وخوفاً، فهناك كثير جداً من الظلمة -رغم كل الحراسات والأسلحة وغير ذلك- لا ينامون إلا بالمنومات، ولا يجدون للنوم مهنأً، وهذا من آيات الله ، وكلما أشرك كلما ظلم، وكلما أفسد في الأرض كلما كان الأمر أشد، نسأل الله العافية. ((سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ)) والرعب هو: أشد الخوف، فهم يخافون من المرض، ويرتعبون من الموت رعباً عجيباً جداً، ويخافون من الفقر وإن كان بعيداً عنهم، ولذلك يطلب مالاً أكثر، ويكسب من الحرام ولا يشبع أبداً، فيصيبهم من الكآبة والحزن بما ظلموا، كلما ازدادوا ظلماً كلما ازدادوا خوفاً ورعباً، ولذا قال: ((وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ)) فالشرك والظلم قرينان، والظلم الأصغر يقود صاحبه إلى الظلم الأكبر، والظالم أقرب الناس وقوعاً في الشرك والعياذ بالله، فالذي يظلم ظلماً ولا يتوب منه على خطر عظيم، إذ أنه بتأسيس ظلمه وترسيخ مكانته يسهل عليه أن يبيع دينه بعرض من الدنيا.

стр. 937

النصر لزيم الطاعة قال ابن القيم ﵀: ثم أخبرهم أنه صدقهم وعده في نصرتهم على عدوهم، وهو صادق الوعد، وأنهم لو استمروا على الطاعة ولزوم أمر الرسول ﷺ لاستمرت نصرتهم، ولكن انخلعوا عن الطاعة، وفارقوا مركزهم، ففارقتهم النصرة، فصرفهم على عدوهم عقوبة وابتلاء، وتعريفاً لهم بسوء عواقب المعصية وحسن عاقبة الطاعة: ((وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ)) وتنازعتم في الأمر بين الرماة، وعصيتم حين تركتم أماكنكم أيها الرماة، ((مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ))، أي: نصرتكم على عدوكم، وقتل أصحاب لواء المشركين، وجري نساء المشركين هاربات.

стр. 938

عفو الله عن المؤمنين يتمثل في صرف عدوهم عنهم قال تعالى: ((وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ)) يقول ابن القيم: ثم أخبر أنه عفا عنهم بعد ذلك كله، وأنه ذو فضل على عباده المؤمنين، قيل للحسن: كيف يعفو عنهم وقد سلط عليهم أعداءهم حتى قتلوا منهم من قتلوا، ومثلوا بهم، ونالوا منهم ما نالوه؟ فقال: لولا عفوه عنهم لاستأصلوهم، ولكن بعفوه عنهم دفع عنهم عدوهم بعد أن كانوا مجمعين على استئصالهم. فهو جعل في قلوب المشركين الانصراف، مع أن لحظات الهزيمة كانت لا تمنع من شيء، وكان من الممكن أن يدخلوا المدينة فعلاً؛ لأنه ليس هناك من يدفع أو يقاتل، فقد كان حول النبي ﷺ عدداً قليلاً جداً يدافع عنه، ويقاتل قتالاً مستميتاً كما يقولون، وقد قتل بين يديه سبعة للدفاع عنه ﵊، وغير ذلك ممن قاتل حتى أوجب في يوم واحد، كـ طلحة استوجب الجنة في قتال يوم أحد ﵁، فكان الأمر أمراً عظيماً، ومع ذلك صرف الله المشركين عفواً عن المؤمنين. قال ابن كثير ﵀: لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، وقتل من قتل منهم نادى الشيطان: ألا إن محمداً قد قتل، ورجع ابن قمئة إلى المشركين فقال لهم: قتلت محمداً، وإنما كان قد ضرب رسول الله ﷺ فشجه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس، واعتقدوا أن رسول الله ﷺ قد قتل، وجوزوا عليه ذلك كما قد قص الله عن كثير من الأنبياء ﵈ أي القتل، فحصل ضعف ووهن وتأخر عن القتال، ففي ذلك أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ : ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)) فإنه له أسوة بهم في الرسالة، وفي جواز القتل عليه، وأن القتل ليس مما يعصم منه الأنبياء. قال ابن أبي نجيح عن أبيه: أن رجلاً من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان! أشعرت أن محمداً ﷺ قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، جزاء ما وهنوا عند القتل، فقد قتل ولكنه ليس عنده وهن، وإنما يأمر غيره بالثبات فنزل: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)) رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة. ثم قال تعالى منكر على من حصل له ضعف: ((أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) أي: رجعتم القهقرى كما ذكرنا أن الانقلاب هو ترك الواجب، إما بترك الدين بالكلية كالمنافقين، وإما بترك بعض الواجب كالقتال. قال تعالى: ((وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)) أي: الذين قاموا بطاعته وقاتلوا عن دينه واتبعوا رسوله ﷺ حياً وميتاً، وكذلك ثبت في الصحاح والمسانيد والسنن وغيرها من كتب الإسلام من طرق متعددة تفيد القطع، وقد ذكر ذلك في مسندي الشيخين أبي بكر وعمر ﵄ أن الصديق ﵁ تلا هذه الآية لما مات رسول الله ﷺ . روى البخاري عن عائشة: أن أبا بكر أقبل على فرس من مسكنه بالسبح، فكان في أطراف المدينة ضاحية من ضواحي المدينة، حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فيمم رسول الله ﷺ ، أي: قصد رسول الله ﷺ وهو مغشى بثوب حبرة، أي: مغطى ﷺ بثوب، فكشف عن وجهه ثم انكب عليه وقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها. وقال الزهري: حدثني أبو سلمة عن ابن عباس: أن أبا بكر خرج وعمر يحدث الناس فقال: اجلس يا عمر! فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله تعالى: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)) إلى قوله: ((وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)) قال: فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم فما سمعها بشر من الناس إلا تلاها. قال: وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت -وقع في الأرض- حتى ما تقلني رجلاي وحتى هويت إلى الأرض. وقال أبو القاسم الطبراني بسنده عن ابن عباس أن علياً كان يقول في حياة رسول الله ﷺ : ((أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، ووالله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، والله إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه فمن أحق به مني؟ يقصد -إن صح الأثر وإلا ففيه ضعف- وارثه أي: وارثه في العلم، فالعلماء ورثة الأنبياء، وأخوه في الله في الإسلام ﷺ ، ورضي عن علي، ووليه قريبه، وابن عمه ﵁.

стр. 939

الموت لا يأتي إلا بعد استيفاء الأجل وقوله تعالى: ((وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا)) فلا يموت أحد إلا بقدر الله، وحتى يستوفي المدة التي ضربها الله له، ولهذا قال: ((كِتَابًا مُؤَجَّلًا)) كقوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر:١١]. وكقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام:٢]، وهذه الآية فيها تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال؛ فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه، كما روى ابن أبي حاتم عن حبيب بن صهبان قال: قال رجل من المسلمين وهو حجر بن عدي: ما يمنعكم أن تعبروا هذه النطفة إلى العدو -يعني دجلة- يسمى النهر نطفة تصغير لدجلة: ((وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا))، ثم أقحم فرسه في دجلة، فلما أقحم أقحم الناس بعده، فلما رآهم العدو قالوا: مجانين فهربوا، إنهم يركبون النهر كالجن، ولا يساعدهم أي شيء فهربوا، سبحان الله! وعبروا دجلة فعلاً -في حروب الفرس- على خيولهم بفضل الله ، واليقين بالقدر يغير الله به الأسباب المادية.

стр. 940

الأعمال بالنيات وقوله: ((وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا)) أي: من كان عمله للدنيا فقط نال منها ما قدره الله له، ولم يكن له في الآخرة نصيب، ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها مع ما قسم له في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠]. وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٨ - ١٩]. وهكذا قال: ((وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ)) أي: سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم.

стр. 941

معنى قوله تعالى: (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير) ثم قال تعالى مسلياً للمؤمنين عما وقع في نفوسهم يوم أحد: ((وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ)) قيل: معناه: كم من نبي قُتِل معه ربيون من أصحابه كثير، وهذا القول هو اختيار ابن جرير؛ فإنه قال: وأما الذين قرءوا: (قُتِلَ معه ربيون كثير) فإنهم قالوا: إنما عني بالقتل النبي وبعض من معه من الربيين. قال: ومن قرأ (قاتل) فإنه اختار ذلك؛ لأن الباقين هم المقاتلين الذين ليس في قلوبهم وهن؛ لأنه قال: لو قتلوا لم يكن لقول الله: ((فَمَا وَهَنُوا)) وجه معروف؛ لأنه يستحيل أن يوصفوا بأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا بعدما قتلوا، وفي نظر الكلام هذا له وجه معروف، وأنهم استقبلوا الموت بقوة وجرأة، وساعة الموت يعني حين قتلوا بشجاعة. يقول: ثم اختار قراءة من قرأ: (قُتِلَ معه ربيون كثير)؛ لأن الله عاتب في هذه الآيات والتي قبلها من انهزم يوم أحد، وتركوا القتال لما سمعوا الصائح يصيح بأن محمداً ﷺ قد قتل، فعذلهم الله على فرارهم، أي: عاتبهم على تركهم القتال، وقال لهم: أفائن مات أو قتل أيها المؤمنون! ارتدتم عن دينكم؟ انقلبتم على أعقابكم؟ وقيل: وكم من نبي قتل بين يديه من أصحابه ربيون كثير، وليس النبي الذي قتل، إذاً: قتل ربيون، إذاً: قتل معه جماعات كثيرة قتلوا بين يديه. وكلام ابن إسحاق في السيرة يقتضي قولاً آخر، قال: أي: وكأين من نبي أصابه القتل ومعه ربيون، أي: جماعات، فما وهنوا بعد نبيهم، -وهذا القول في الحقيقة شبيه جداً بقول ابن جرير - فما وهنوا بعد نبيهم وما ضعفوا لعدوهم، وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن الله وعن دينه؛ فجعل قوله: ((مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ)) حالاً، وقد نصر هذا السهيلي وبالغ فيه وله اتجاه في قوله: ((فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) الآية. وهكذا حكاه الأموي في مغازيه عن كتاب محمد بن إبراهيم، ولم يحك أحد غيره. وقرأ بعضهم: ((قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ)) قال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود: ربيون كثير أي: ألوف. قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والسدي، والربيع، وعطاء الخراساني: الربيون الجموع الكثيرة. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن: ربيون كثير أي: علماء كثير. فسرها بمعنى رباني، ولكن هذا تفسير مرجوح. يقول: وعنه أن معنى ربيون: علماء صُبُر أبرار أتقياء. وحكى ابن جرير عن بعض نحاة البصرة: أن الربيين هم الذين يعبدون الرب ، قال: ورد بعضهم عليه فقال: لو كان كذلك لقيل: الرَبيون بفتح الراء. وقال ابن زيد: الربيون الأتباع والرعية، والربانيون: الولاة الأولياء، والله أعلم. وقول جمهور العلماء: الربيون أي الجماعات.

стр. 942

شجاعة رغم الإشاعة ((فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا)). قال قتادة والربيع بن أنس: وما ضعفوا بقتل نبيهم وما استكانوا، فما ارتدوا عن نصرة دينهم أن قاتلوا حتى لحقوا بالله، وما ارتدوا عن نصرتهم للدين ولا عن دينهم، ألم نقل: إن الاستكانة قد تكون بالردة الكاملة، وقد تكون بترك الواجب. وقال ابن عباس: ((وَمَا اسْتَكَانُوا)): تخشعوا. وقال السدي وابن زيد: وما ذلوا لعدوهم. وقال محمد بن إسحاق والسدي وقتادة: أي: ما أصابهم ذلك حين قتل نبيهم. ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٧] أي: لم يكن لهم هجيراً إلا ذلك، أي: ليس لهم كلام يرددونه على الدوام ويكررونه إلا ذلك. ((فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا)) أي: النصر والظفر والعاقبة. ((وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ)) أي: جمع لهم الثوابين، ((وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)).

стр. 943

الأسئلة

стр. 944

ذكر أن هدف أعداء الله اجتثاث الإسلام السؤال قلتم في أثناء الكلام ما معناه: إن نظرية المؤامرة على الإسلام وأهله هي تدمير الإسلام واستئصال شوكته فهل يفهم من ذلك أنه وجد ذلك في بروتوكولاتهم منذ أن وضع إلى اليوم والنصارى تجعل المسلمين حسب تلك الخطة؟ الجواب هذه ليست نظرية، بل هذا هو كلام ربنا، فهو يخبرنا أن الكفرة يريدون اجتثاث الإسلام وأهله، وليس صحيحاً أن هذا على حسب بروتوكولاتهم، فهذه البروتوكولات قد تكون مخترعة، وقد تكون صحيحة، وليس لازماً أن هذا محقق الوقوع.

стр. 945

جواز الدعاء في السجود بآيات من القرآن السؤال هل يجوز الدعاء بآيات القرآن في السجود، مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]؟ الجواب نعم، يجوز ذلك.

стр. 946

وجوب الإعلام بالزواج السؤال إذا تزوج رجل بامرأة بولي وشهود وتوثيق، لكنه لم يعلن هذا الزواج أمام الناس، فهل زواجه صحيح؟ الجواب هذا خلاف السنة، ويمكنه أن يعلن في محيط آخر غير محيط الأهل وزملاء العمل، وذلك إذا خشى الضرر منهم. كأن يعلن وسط مجموعة أخرى من المسلمين، لكن لابد أن يحدث لهم من الإعلام، وأكثر العلماء لا يرون هذا واجباً، لكن الصحيح أن الإعلان واجب وليس بشرط في صحة النكاح، وإنما الشرط أنه لا بد من حضور الولي وشهود العقد، وأن يكون عن طريق ولي، وأن يحضره شاهدا عدل، ولكن الإعلام وسط الناس يمكن يكون في مكان بعيد عن أهله أو بناته أو عمله أو غير ذلك. وينبغي أن يكون الإعلان في المسكن الذي سوف يأتي إليه لزوجته الثانية، لئلا تتهمن، فلابد أن يعرف الناس أن هذا الذي يدخل عليها زوجها.

стр. 947

المفرط في المال ضامن السؤال رجل سُرِق منه مبلغ من المال كان موكلاً بتوزيعه في الصدقات والزكوات في شهر رمضان، حيث أنه وضع الكيس جوار مكتبه وذهب للرد على تلفون في مبنى آخر فرجع فلم يجده، فما حكمه؟ الجواب الظاهر أنه كان بتفريط منه، حيث كونه يضعه بجانب المكتب ويترك الباب مفتوحاً ويذهب إلى مكتب ثانٍ، فلا بد أن يكون ضامناً، ويلزمه أن يضمن هذا المال ويكون دين عليه، وحتى لو كان مستحق لهذه الصدقات والزكوات فلازم أن يخرجه.

стр. 948

إقامة الحجة شرط قبل تكفير أحداً من الناس السؤال هل يصح تكفير من يقاتل مع الكفار ضد المسلمين، أم أنه لابد من إقامة الحجة؟ الجواب لا بد من إقامة الحجة، فهي شرط عموم في التكفير.

стр. 949

معنى كلمة (العابدين) في قوله تعالى: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) السؤال ما معنى (العابدين) في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١]؟ الجواب أكثر المفسرين على أن العابدين بمعنى: الآنفين أي: يأنفوا من ذلك، وقيل: قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول من يعبده على أنه له ولد على مشهور كلمة العبادة، يعني: على معناها المعروف الذي هو الذل، فبمعنى أنه سوف يعبده على أن له ولد، وهذا مستحيل في حق الله .

стр. 950

حكم شراء البضاعة المستعملة المشكوك في أنها مسروقة السؤال ما الحكم في شراء بضاعة من سوق معروف أنه يباع فيه السلع المستعلمة، سواء كانت مستعملة أو جديدة؟ الجواب هو يخشى فقط من البضائع أن تكون من المسروقة في هذا المكان، فحسب غلبة الظن إذا كانت مستعملة وبسعر المستعمل المعروف أنها غالباً مباعة، ويغلب الظن على أنها غير مسروقة فلا بأس من الشراء، وأما ما كان مما يغلب على الظن أنها مسروقة، ككونها مثلاً جديدة جداً وبسعر بخس ومما يظن بها أنها مسروقة فلا يشتري.
следующие страницы →