Полный текст (261 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
حقيقة التلطف ومعناه وضوابطه من خلال فعل أصحاب الكهف له
قوله: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ [الكهف:١٩] اللطف: هو التعامل بخفاء في مثل حال أصحاب الكهف، فهم لا بد أن يستعينوا على قضاء حاجتهم بالكتمان؛ حتى لا يتضح أمرهم ويردوا إلى قومهم، فالكتمان في هذا الموضع مأمور به، وهو من الحذر الواجب، ومن الأخذ بالأسباب، وليس من الشجاعة أن يعلن قلة من الضعفاء أمرهم أمام جيوش الأقوياء، وليس من الجبن أن يكون مختفياً، كما قال عن موسى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:٢١]، فالإنسان إذا كان في خطر فينبغي له أن يكون متلطفاً وألا يظهر نفسه حتى يصطاده أعداؤه، وفي الكتمان من المصالح ما لا يحصى كثرة إذا استعمل في موضعه.
стр. 177
ضوابط تقليد الكفار في هديهم عند الضرورة
وهذا أمر يستفيد منه كل من كان مستضعفاً مثل أصحاب أهل الكهف، فلابد أن يكون حريصاً متلطفاً وألا يظهر أمره؛ حتى لا يؤخذ بغير ذنب حقيقي وإنما يؤخذ بمجرد إيمانه وإسلامه، وليس معنى ذلك أن يرتكب الحرام، أو أن يترك الواجبات طالما كان غير مضطرٍ إلى ذلك، والضرورة نعني بها: أن يكون مكرهاً بحيث يعلم أنه إذا أظهر فعله للواجبات أو أظهر تركه للمحرمات عوقب بما يعد في الإكراه عقوبة معتبرة، فإذا أيقن بذلك وكان عاجزاً عن التخلص بالفرار، فإنه يجوز له الموافقة في ذلك، وجاء في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن من كان في دار الكفر فله أن يتشبه بالهدي الظاهر للكفار.
واستدل به بعض من لا يفهم الكلام على وجهه بجواز حلق اللحية في بلاد الكفار، أو في بلاد المسلمين التي يضطهد فيها المسلمون، ويقول: إن التشبه بالهدي الظاهر مشروع، اعتماداً على هذه الفتوى، وليس كذلك، وإنما مبنى الكلام على المعرفة بحصول الضرر المعتبر، وليس لمجرد أن يخفي نفسه، وألا يظهر أمره، فلا بد أن يكون هناك إكراه معتبر، ومن شروطه: أن يكون عاجزاً عن التخلص ولو بالفرار، وكذلك إذ كانوا جوعى ولا يوجد طعام بين أيديهم إلا أن يذهبوا إلى المدينة، فلا بد من التلطف والتخفي.
وأما في بلاد الكفار اليوم في أوروبا وأمريكا وغيرها حيث يملك الإنسان حريته في أن يفعل ما يشاء ولا يؤاخذ بشيء من ذلك، فهذا أمر لا يبيح له أن يقلدهم في هديهم الظاهر، ويتشبه بهم؛ لأن ذلك بمنزلة الضرورة، ولا ضرورة هنا.
فالذي يكون في بلاد الكفر فيتشبه بهم في كل مظاهرهم ولا يتميز بالمظاهر الإسلامية كإعفاء اللحية، أو الحجاب للمرأة المسلمة أو نحو ذلك، محتجاً بمثل ذلك، فإنه ضال جاهل، وكم من أناس تركوا الواجبات بمثل هذا الفهم السيئ، وإذا كانت البلاد الكافرة فيها ظلم وعدوان، فإنه لا يقلدهم في هديهم الظاهر إلا إذا كان الضرر حقيقياً معتبراً؛ وهو فوات الحاصل في النفس أو في المال أو في الجاه.
وأما إذا كان مجرد أذى كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران:١١١]، كلوم الفاسق وغيبته وعتابه، واستهزائه بمسلم فليس ذلك من الضرر الحقيقي، وليس فيه فوات حاصل، وغيبة الفاسق لا تذهب الجاه، وأمثال هؤلاء لا عبرة بهم، ولا يخلو الإنسان الذي يعيش مع هؤلاء حتى ولو لم يكن مطيعاً لله من أن يجد ما يفعل به ذلك، ولذلك لا عبرة باللوم والعتاب، ولا عبرة بالغيبة.
وكذا ما كان من فوات الحاصل اليسير جداً، كأخذ الحبة من المال، أو الضربة الخفيفة، أو يوقف ويحبس دقائق، أو أجزاء من الساعة، أو بضع ساعات، كل ذلك لا يعد ضرراً حقيقياً؛ لأنه يسير كما قال الغزالي ﵀: إنَّ في فوات الحاصل من النفس والمال والجاه قدراً في القلة لا بد من إهداره، وقدراً في الكثرة لا بد من اعتباره، وموضع اشتباه وسط، يتقي الإنسان ربه ما استطاع، ويرجح جانب الدين ما استطاع، ولكن موضع الاشتباه هو التوسط في ذلك.
يعني: إذا كان الأذى شيئاً يسيراً جداً فليس بضرر، والتلطف لا يكون بفعل المنكر، ولا يكون بترك الواجب، وكثير من الناس كمن يترك صلاة الجماعة مثلاً والجمعة لأدنى توهم، أو تترك المرأة الحجاب الشرعي لأجل أن توافق النساء المتبرجات مثلاً، فليس هذا مما يجوز أبداً في تلك الأحوال، واللحية من ذلك إذا كان الأمر على ما وصفنا، إلا إذا غلب على الظن أنه مثلاً إن سار في الطريق أمسك وعذب أو ضرب أو حبس مدة طويلة معتبرة، أو أخذ ماله، وهو عاجز عن أن يذهب إلى بلد أخرى.
والإنسان لا يجوز له أن يقيم بمكان يعصي الله فيه وهو قادر على الهجرة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:٩٧].
ونحن نعلم أن أصحاب الكهف هاجروا واعتزلوا قومهم، وتركوا بلدهم لله ؛ لكي يتمكنوا من طاعة ربهم ، وإذا كان في الأمر أصل الدين فهو كذلك في فروعه، فالإنسان الذي لا يستطيع أن يقيم شعائر دينه كالذي لا يستطيع أن يوحد ربه ، فإن أرض الله واسعة، وأما إذا كان عاجزاً عن الهجرة أو ممنوعاً عنها، أو أنه لا يجد أرضاً يعبد الله فيها؛ لاستفحال الشر فهو معذور؛ لأن الله يقول: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦].
وهنا يمكنه أن يتلطف وأن يتخفى بالتشبه بهم في هديهم الظاهر، والله أعلى وأعلم، ولكن الأصل أنه لا يتشبه بهم في هديهم الظاهر ولا الباطن؛ لأن الرسول ﷺ قال: (من تشبه بقوم فهو منهم).
стр. 178
لجوء أصحاب الكهف إلى التخفي خوف الفتنة
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ [الكهف:٢٠]، والظاهر أن الرجم هنا على حقيقته من الرمي بالحجارة.
وقيل: يشتموكم، وليس بظاهر؛ لأن فرارهم لم يكن بسبب الشتم، والشتم شيء يسير.
قوله تعالى: ((أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ)) أي: إن لم تصبروا وتتحملوا فلقومكم إحدى غايتين: إما أن تعودوا إلى الملة الباطلة، أو يرجموكم، ثم قالوا لبعضهم: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:٢٠].
وقد يقول قائل: لماذا لا يفلحون وهم مؤمنون وقد أكرهوا بالرجم؟ فإنه لا نزاع بين أهل العلم أن من أكره بالرجم أو هدِّد به أو بدءوا برجمه جاز له أن يقول كلمة الكفر، ويكون معذوراً، والجواب على هذا: أن شرط الإكراه أن يكون القلب مطمئناً بالإيمان، ولربما كان المفتون لا يصبر عند الفتنة، فقد يختار الباطل إيثاراً للتخلص من شر الفتنة، كالرجل الذي دخل النار في ذبابة قربها لغير الله حين طلبوا منه ذلك، وقال: ما أجد ما أقرب، قالوا: قرب ولو ذباباً، فقرب، لذلك فأصحاب الكهف خافوا على أنفسهم من أن يوافقوا قومهم على الكفر، نسأل الله أن يثبتنا والمسلمين، وأن يثبت قلوبنا على دينه.
إذاً: استبان لنا وجهان: الوجه الأول: وهو قوله ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:٢٠] قال ابن كثير ﵀: فلا يزالون يعذبونهم بأنواع العذاب إلى أن يعيدوهم في ملتهم التي هم عليها أو يموتوا، وإن وافقتموهم على العود في الدين فلا فلاح لكم في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:٢٠].
الوجه الثاني: أن الإكراه إنما كان معتبراً في أمة الإسلام، وأن ذلك من خصائص هذه الأمة، واحتجوا بذلك بأن النبي ﷺ قال: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وليس هذا بظاهر؛ لأنَّ النسيان قد جعله الله عذراً لمن سبق، كما قال موسى ﵊ للخضر: (لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف:٧٣]، فقبل عذره في هذه المرة وكان نسياناً؛ ولذلك فإن الوجه الأول هو الأظهر، فإن المؤمن لو ترك وشأنه لما اختار الباطل، ولكن لما فتن افتتن والعياذ بالله، وقاده ذلك إلى الفتنة: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:١٤].
فذمهم الله على عدم الثبات على الدين.
والله أعلى وأعلم.
стр. 179
الأسئلة
стр. 180
الوسائل المؤدية إلى حب الله تعالى والتوكل عليه
السؤال
بعض الناس من الذين يقرءون في كتب التوحيد فيأمروننا بقضايا العبادات القلبية كالحب والتوكل وغيرها فيقول: أنا لا أستوعب منها شيئاً؛ لأني أشعر أن ما يذكر في أمثلة الحب مثلاً ليس منطبقاً علي، عندما أحاول أن أستشعر ذلك، فهل هذه العبادات تظهر عند أوقات معينة أو مواقف عارضة، أم أنه يجب على الإنسان أن يشعر بهذا الحب مع العلم بأنه على طاعة الله ويجتنب معصيته، فهل هذا كاف في الاستدلال على الحب؟
الجواب
لا، لا يكون هذا كافياً، فلابد للعبد أن يستمر على الطاعة ويخلص فيها، ويستمر على ترك المعصية ويخلص في ذلك، ويستحضر أمور الإيمان كالتصديق الجازم بأسماء الله وصفاته ووحدانيته، وشهود آثار الأسماء الحسنى والصفات العلى، والتفكر في أمر الآخرة حتى ينبت الحب في قلب العبد من مشاهدة جمال الأسماء والصفات، وآثار الكمال؛ لأن العبد جبل وفطر على حب الجمال والكمال، ولا أكمل ولا أحسن، ولا أجمل من أسماء الله وصفاته، فإن الله جميل يحب الجمال، وله الأسماء الحسنى فلا أحسن من أسمائه المتضمنة لأحسن الصفات العلى، وهذا الأمر أول ما على العبد أنه يشهده ويحلق فيه بعين القلب، فإن الله يريه هذا الجمال فيلتفت قلبه للحب.
وكذلك مشاهدة المنن والنعم، فكلما ازدادت مشاهدته للنعم نبت الحب في قلبه؛ ولذلك فإنه لابد مع الطاعة من أن يستشعر حبه على الدوام، ولكن بلا شك أن الأمر متفاوت، والذي يجعله أن ينال أعظم الحب هو تدبر القرآن؛ لأنه يرشده إلى نعم الله، ويرشده إلى كمال أسمائه وصفاته، ودائماً سور القرآن بل لا تخلو آية من ذكر أسماء الله وصفاته، أو على الأقل من التنبيه على ذلك، أو فعل من الأفعال، وكلما شهد العقل ذلك ازداد حباً لله ، فأنت إذا رأيت العدل والكرم والجود والرحمة وتيقنتها أحببت الله بلا شك، وكذلك الاجتهاد في الحفاظ على النوافل حتى تصل إلى درجة الحب والمحبوبين.
فاتباع سنة النبي ﷺ يقود إلى المحبة، والمحبة تقود إلى المحبوبين، والطاعة دليل الحب، وليس ضرورياً أن تكون الطاعة موجودة مع الحب؛ لأنه لا يوجد حب من غير طاعة، ولكن قد توجد طاعة من غير حب، فالمنافقون ناقصو الإيمان، والمؤمن كامل الإيمان، فلابد أن يكون الله أحب إليه من كل شيء.
ومن الوسائل المؤدية إلى الحب: الدعاء؛ لأن القلوب بيد الله ، وهو الذي يوفق .
ولذلك شرع لنا مثلاً الإخلاص وأن نتعوذ به من الشرك والرياء والسمعة.
اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين.
اللهم اجعل أعمالنا كلها صالحة، واجعلها لوجهك خالصة، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً.
اللهم ارزقني حبك، وحب من أحبك، والعمل الذي يبلغني حبك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 181
فتية آمنوا بربهم [٤]
لقد حصل في هذه الأمة ما يعكر صفو التوحيد من بناء المساجد على القبور، وما ترتب على ذلك من الصلاة عندها، والطواف حولها، والذبح والنذر لها، وغير ذلك من العبادات التي لا تنبغي إلا لله سبحانه، والنبي ﷺ قد حذر أشد التحذير من ذلك، ووصف من يفعل ذلك بأنهم شرار الخلق، فحري بالمسلم أن يبتعد ويجتنب ما يخدش توحيد وإيمانه.
стр. 182
حكم بناء المساجد على القبور
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١].
يبين أنه أعثر أهل الزمان الذي أيقظ فيه أهل الكهف؛ ليعلم المختلفون في الساعة أن وعد الله حق بالبعث، وأن الساعة لا ريب فيها، ودخل كذلك في وعد الله حفظ عباده المؤمنين فقال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤].
ودخل في وعد الله نصرة دينه وعباده الصالحين، وإهلاك الظالمين والمجرمين، فكل ذلك ضمن وعد الله .
стр. 183
شبهة القائلين بجواز الصلاة في المساجد التي فيها قبور والرد عليها
قال : ((إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ)) أي: يتنازع الذين عثروا على أهل الكهف فيما يصنعون بهم، ((فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا))، وهذا من المواضع التي تحتاج إلى بيان، فهل هذا الأمر الذي ذكره الله في سياق المدح أو الإقرار لمن قالوا: ((ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا)) ولمن قال: ((لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا)) أم أن هذا في الحقيقة كان ذماً؟ قد يحتج به الكثيرون من المنتسبين للعلم الذين يجوزون الصلاة في المساجد التي بها قبور، ويقولون: إن هذه القصة تدل على أن اتخاذ المساجد على القبور أمر جائز، ولو لم يكن كذلك لما ذكره الله في القرآن، وزعموا أن ما ورد في السنة بخصوص القبور التي على المساجد فهي لليهود والنصارى فقط، وهذا من الكلام الباطل الذي يتضمن عدة أباطيل منها: أولاً: أن ذكر هذا الأمر في القرآن لا يدل على جوازه؛ لأن الله لم يذكره مادحاً لهذا الفعل ولا مثنياً عليهم به، بل ولا مقراً لهم، بل لم يذكرهم الله في هذا الموطن بصفة إيمان أو إسلام أو عمل صالح، وإنما ذكرهم بصفة الغلبة فقال: ((قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ)).
ومعلوم أن من سبقنا من أهل الكتاب يكثر فيهم الجهل لدرجة أنهم كانوا يشكون في البعث، كما بين في أول السورة أنهم كانوا متنازعين في أمر بعث الأجساد، وأن الله جعل هؤلاء آية ليوقن الذين شكوا في البعث بأمر البعث، كما قال : ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف:١١ - ١٢] أي: الحزبين المختلفين في أمر البعث، وكذلك قال : ((وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ)) أي: حين، ((يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ))، فدل ذلك على انتشار الجهل فيهم، إذ إن الشك في البعث -وهو من أعظم ما بعث به الرسل- يدل على انتشار الجهل فيهم، وإذا كان الذين غلبوا على أمرهم قد صنعوا ما بين النبي ﷺ أن من فعله منهم فهو ملعون، فعلى أي الأحوال حتى لو زعم ذلك الزاعم أن هذا النهي واللعن كان لهم فهو يناقض استدلاله بالآية؛ لأنهم على الأقل قد لعنوا على ذلك، فإذا كان كذلك لم يجز أن يقال: إن الله قد ذكره في القرآن على سبيل الإقرار والمدح؛ لأن الكل متفق على أن اليهود والنصارى مذمومون على اتخاذ القبور مساجد، فإذا كان الأمر كذلك لم يكن في ذكر الآيات حجة، ولابد أن نفهم القرآن في ضوء السنة، ولا يجوز لنا أن نأخذ فهماً لآية من الآيات دون رجوع إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وقد ثبت عنه ﵊ النهي عن اتخاذ القبور مساجد بالتواتر، فقال: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قالت عائشة: يحذر ما صنعوا).
وهذا واضح جداً أن النبي ﷺ إنما ذمهم ليحذرنا.
стр. 184
وجه عدم إبراز قبر النبي وحكم شد الرحال لزيارة قبره
جاء في الصحيحين عن عائشة قالت: (ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً).
يعني: لولا ذلك لأبرز قبره للناس وصار غير مختف في الحجرة، ولكن خشي الصحابة أن يأتي الناس لزيارة نبيهم ﷺ فيصلون بجوار القبر فيتخذ القبر مسجداً، فرأوا أن يدفنوه في حجرته ليكون القصد أصلاً إلى مسجده؛ لأن الناس يأتون بطريقة معتادة إلى المسجد ليؤدوا الصلوات فلم يتخذوا القبر مسجداً، بخلاف ما ظنه المتأخرون من أن وجود القبر الآن في مسجده هو من دلائل جواز اتخاذ القبور مساجد، بل إنما دفن ﷺ في هذا المكان لكي لا يتخذ القبر مسجداً؛ وذلك لأن اتخاذ القبر مسجداً إنما يحصل بعدة أمور: أولاً: أن يبنى عليه مسجد.
ثانياً: أن يقصد بالصلاة بأن يجعل كالقبلة، أو أن يصلى بجواره.
ثالثاًً: أن يدخل إلى القبر ليصلي عنده، فكل هذا من اتخاذ القبور مساجد، والثلاثة بحمد الله ليست حاصلة في مسجد النبي ﷺ ، فإن المسجد مبني قبل القبر بسنين، ولما احتاج الناس إلى التوسع ظلوا يتوسعون من جميع الجهات إلى أن وسعوا من الجانب الذي فيه القبر، فاتسع المسجد في الحقيقة من حول القبر ولم يشمل القبر، والناس لا يتمكنون بحمد الله من الدخول إلى الحجرة ليصلوا في داخلها، فهذا الذي اتخذ القبر مسجداً لم يبق له إلا النية والقصد، كمن يأتي من بلاد بعيدة ناوياً أن يصلي بجوار قبر الرسول ﷺ ، ولذلك لا يجوز السفر إلى المدينة بهذه النية، بل يجب أن تكون نيته هي زيارة مسجده وشد الرحال إلى مسجده ﷺ .
وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ سجن حتى مات بسبب أنه كان يفتي بالنهي عن شد الرحال لزيارة قبره ﵊، ويقول: بل يجب أن تشد الرحال إلى زيارة المسجد ثم تأتي زيارة القبر تبعاً.
стр. 185
حكم الاحتجاج بشرع من قبلنا في البناء على القبور
قال ﷺ في مرضه الذي توفي فيه قبل أن يموت بخمس على المنبر: (ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد).
وفي رواية في السنن: (يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا لا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك).
فالنبي ﷺ في هذه الخطبة بين وحذر من أخطر طوائف البدع، فقد حذر من خطر الرافضة الذين يكرهون أبا بكر ويسبونه فقال: (لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً).
وحذر من نفاة الصفات كالجهمية، فقال: (ولكن صاحبكم خليل الرحمن).
وحذر من غلاة الصوفية الذين اتخذوا القبور مساجد فقال: (ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا لا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك).
وأرسل علياً بأن لا يجد قبراً مشرفاً إلا سواه.
فالبناء على القبور منهي عنه أصلاً، وفي الحديث الصحيح أيضاً: (نهى رسول الله ﷺ أن يبنى على القبر ونهى أن يجصص).
فمجرد وجود البناء على القبر منهي عنه.
فقوله: ((ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا)) هذا منهي عنه في شريعتنا إن ثبت أن ذلك كان مشروعاً لهم، وليس ما قاله البعض من أن اتخاذ القبور مساجد كان جائزاً في شريعتهم، وقد ورد في شريعتنا ما يخالفه، بل لم يكن جائزاً لهم بنص الحديث وإلا فعلام الويل؟ فالويل على أنهم اتخذوا القبور مساجد، وذكرت أم حبيبة وأم سلمة للنبي ﷺ كنيسة رأتاها بأرض الحبشة فيها الصور، فقال: (أولئك إذا كان فيهم العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله).
ولقد قال : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧].
فاتخاذ القبور مساجد من الغلو في الصالحين، فلا بد أن نفسر القرآن بالقرآن، قال تعالى: ((قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا)) فهؤلاء الذين غلبوا على أمرهم هم من الضالين الذين فعلوا ما نهى الله عنه من الغلو، وما لعنهم عليه النبي ﷺ ، وأخبر بأن الله لعنهم؛ لأنهم اتخذوا القبور مساجد، وهذا فيمن سبقنا من أهل الكتاب والآية فيهم، فلا نزاع بأن هذا النص العام دخل فيه هؤلاء بالقطع واليقين، ولذلك نقول: إن الصحيح الذي لا شك فيه أن هؤلاء مذمومون في الكتاب والسنة على فعلهم ذلك، وإن كانوا من أهل الإسلام في الجملة فلا يلزم من ذلك صحة تصرفاتهم، ولا يلزم من ذلك أن يكون كل ما صنعوه مشروعاً لهم، فضلاً عن أن يكون مشروعاً لنا، وقد علمنا بلعن النبي ﷺ لمن بنى المساجد على القبور أنه ليس من شريعتهم اتخاذ القبور مساجد، ونعلم يقيناً أن البناء على القبور مطلقاً منهي عنه في شريعتنا، فشرع من قبلنا يصير شرعاً لنا إذا لم يرد في شرعنا بخلافه، أما إذا ورد في شرعنا ما يخالفه فلا نزاع أنه لا يكون شرعاً لنا، وهذا مما ورد النهي عنه، وقد ورد شرعنا بخلافه، فضلاً أن اتخاذ القبور مساجد ليس من شريعتهم كما ذكرنا آنفاً، ومن أحسن المؤلفات التي جمعت الأحاديث المتواترة المستفيضة في ذلك كتاب الشيخ الألباني ﵀: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد.
стр. 186
حرمة الغلو في الصالحين
ومعلوم لكل ناظر فيما آل إليه أمر المساجد التي بنيت على القبور، فقد آل الأمر إلى غلو فظيع وإفراط مذموم، أدى إلى أن يطاف بهذه القبور وأن يذبح وينذر لها، وأن توضع عليها صناديق النذور، وما زالت صناديق النذور إلى يومنا هذا موجودة في أضرحة من يسميهم الناس بالأولياء، والله أعلم بأوليائه ، إذ إن الولاية إيمان وتقوى، ومن هنا كان لا يجوز أن نجزم بولاية من لم ينص الكتاب والسنة أو أجمعت الأمة على ولايتهم، والله أعلى وأعلم.
والغلو في العبادات منهي عنه؛ لأنه يوقع في الشرك؛ ولأن الغلو فيمن كان قبلنا أدى بهم إلى أن يعبدوا الصالحين والأنبياء، كما وقع من قوم نوح في ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر؛ فإنهم عبدوهم من دون الله.
قال غير واحد من السلف: عكفوا على قبورهم وصوروا تلك التماثيل، فجمعوا بين فتنة القبور وفتنة التماثيل، فوقع ما نهى الله عنه من الشرك.
ومن هنا نعلم أن التحذير من هذا الأمر مما لا يختلف فيه؛ لأن أزمنة المتأخرين اشتدت فيها الفتن وكثر الجهل فهم أولى بالتحذير، لكن البعض يتكلم بكلام وهو لا يدري ما يقول، فيقول: إن هذا الأمر كان في أول الإسلام، محاولاً الجمع بين النصوص، نقول: وأي اختلاف حدث بين النصوص حتى يجمع بينها؟! فيقول: إن هذا الأمر كان في أول الإسلام، فلما استقر أمر التوحيد أجاز النبي ﷺ اتخاذ القبور مساجد، واحتج بأن الصحابة جعلوا مسجده ﷺ على قبره.
فنقول: إن الصحابة لم يبنوا على القبر مسجداً، بل دفنوا النبي ﷺ في حجرته، وإنما تم توسيع المسجد من حول القبر في عهد بني أمية، عندما كان عمر بن عبد العزيز والياً على المدينة، والحقيقة أن عامة العلماء -وإن وردت بعض الآثار في أن بعض التابعين أنكر التوسعة حول المسجد- يرون أن توسعة المسجد مما لا بأس به للحاجة، ويقولون: إنه طالما أن الناس لم يمكنوا من الدخول للصلاة في الحجرة، فإنه لم يتخذ القبر مسجداً.
والمسجد أصلاً لم يبن على القبر، بل بناه النبي ﷺ في حياته، وبالتالي فلا حاجة إلى تغيير الواقع الحالي.
ومن العلماء من يقول: ينبغي لمن يسر الله له عمارة المسجد النبوي عمارة جديدة أن يخرج القبر من المسجد، وهذا من باب سد الذريعة، وليس معنى ذلك أن المسجد الآن مبني على قبر، أو أن القبر قد اتخذ الآن مسجداً، لا، ولا يقول بذلك عالم، بل كل العلماء متفقون على أن الصلاة في مسجد النبي ﷺ على حاله التي هو فيها الآن مشروعة، ولها الفضيلة المذكورة في الأحاديث، ولكن الخلاف في أيهما أولى من باب سد الذريعة.
إذاً: المسجد مبني أصلاً قبل القبر، والآن لم يتخذ القبر مسجداً؛ لأنه لا يتمكن أحد من الدخول إلى الحجرة ليصلي داخل الحجرة أمام القبر، وأما النية فلا يمكن لأحد أن يحاسب العباد على نياتهم، كما أن من عبد النبي ﷺ وسأل منه قضاء الحاجات وكشف الكربات في نيته وقلبه فإنه لا يستطيع إظهار ذلك بحمد الله ﵎، وإنما يكون في نيته وقلبه واعتقاده شرك يتعلق به ويضر نفسه، وقد قال النبي ﷺ : (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)، وقال: (اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
والوثن لا يكون وثناً إلا بإظهار العبادة حوله، وبحمد الله ﵎ لا يبدو حول القبر إلا الراكع والساجد والموحد لله .
فخلاصة الكلام أن اتخاذ القبور مساجد منهي عنه في شرع من قبلنا وفي شرعنا، وعليه تغليظ شديد في شرعنا، كما قال ﷺ الله عليه وسلم: (أولئك شرار الخلق عند الله) فيدل على أن اتخاذ القبور مساجد من الكبائر.
стр. 187
الرد على شبهة صلاة عائشة في حجرتها بعد دفن النبي وصاحبيه فيها
يبقى سؤال ينبغي أن نفهم إجابته وهو: أن السيدة عائشة ﵂ بقيت نحواً من أربع وأربعين سنة في حجرتها، والنبي ﷺ كان مدفوناً فيها، فكيف كانت تصنع؟ وهل كانت تخرج كل صلاة إلى خارج الحجرة؟ قال بعض العلماء المعاصرين: إن ذلك كان يقع، وليس هناك دليل من كتاب ولا سنة ولا أثر على أن عائشة كانت تخرج كل صلاة لتصلي خارج الحجرة، والذي لا نشك فيه أنها كانت تصلي في حجرتها كما كانت تفعل في حياته ﵊، وقد أضيف إلى قبر النبي ﷺ قبر أبيها وقبر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، ولكن نقول: إن ذلك ليس بدليل على ما يريد هؤلاء من إثبات جواز الصلاة في المساجد التي بها القبور؛ وذلك لأن عائشة ﵂ لم تقصد القبر بالصلاة، ولم تنو أنها تصلي إلى جوار القبر، وإنما هي كانت ساكنة في بيتها، ولو أن إنساناً دفن في بيته الآن -مع أن ذلك خلاف السنة- فماذا يكون حكم الصلاة في هذا المنزل؟ ليس في هذا المنزل اتخاذ للقبر مسجداً؛ لأن المنزل مبني قبل القبر وإنما دفن الرجل في منزله، فلذلك لا تكون الصلاة في هذا المنزل مكروهة ولا محرمة، بل جائزة إلا أن يستقبل القبر ويجعله في قبلته؛ فإن النبي ﷺ نهى عن الصلاة إلى القبور، وهذا الذي لا نشك فيه، فـ عائشة لم تكن تفعله، بل كانت تصلي في حجرتها إلى القبلة لا إلى القبر، ولم تكن تتحرى أن تجعل القبر في قبلتها، ولو كان بغير قصد لما جاز، كما ثبت ذلك في البخاري معلقاً مجزوماً به: أن عمر ﵁ رأى أنساً يصلي إلى قبر وهو لا يدري، فقال عمر: القبر القبر، فظن أنس أنه يقول: القمر القمر، فظن أن هناك كسوفاً أو نحو ذلك، فقال له عمر: القبر القبر، فتخطى أنس ﵁ حتى جعل القبر وراء ظهره).
ومن هنا نقول: إنه لا يجوز أن يستقبل القبر بالصلاة إذا كان الإنسان مدفوناً في بيته، ولا نعني بذلك أن المسجد الذي بني على القبر إذا كان القبر في غير اتجاه القبلة أن الصلاة تجوز فيه، لا؛ لأن أحد شروط اتخاذ القبر مسجداً: هو وجود بناء حول القبر، سواء كان ملصقاً به، أو كان مبنياً عليه، أو أي شيء طالما بني من أجل الصلاة عند القبر، وأغلظ من ذلك أن يكون القبر في اتجاه القبلة، وحتى لو كان في مؤخرة القبلة طالما أن المسجد بني من أجل القبر، ويقصده الناس تعظيماً لصاحب القبر، فهذا داخل في المنهي عنه والعياذ بالله.
إذاً: السيدة عائشة ﵂ كانت تصلي في حجرتها ولا تستقبل القبر، وهي كذلك لا تنوي بصلاتها إلى جوار القبر أن تتبرك، ومعلوم أن الصحابة ﵃ والتابعين كانوا كثيراً ما يدخلون عليها للسؤال وللاستفتاء ولسماع الحديث وما كان أحد يتعمد أن يصلي بجوار القبر تبركاً به.
ومن هنا نقول: إن الذي قصد أن يدخل إلى الحجرة ليصلي بجواز القبر فهذا هو الذي اتخذ القبر مسجداً، وهو بحمد الله لا يتأتى لأحد بحال من الأحوال.
والذي دفن في منزله لا ينهى أحد عن الصلاة في هذا المنزل، ولا ينهى إلا عن أن يصلي الإنسان مستقبلاً القبر، أو أن يأتي مسافراً للصلاة في هذا المنزل معتقداً بركة الصلاة بجوار الولي، كما أن بعض الطرقيين هنا يدفنون شيخهم وسيدهم في حديقة منزله الذي كان يسكنه، وفي أيام المولد يأتون من كل أرجاء البلاد للصلاة بجوار القبر وعند القبر، مع أنه ليس هناك مسجد، بل هذا منزله وما زال يسكن فيه ورثته وأبناؤه ونحو ذلك، وهي طريقة القادرية من الصوفية، وهم لم يتخذوا مسجداً مبنياً، لكن لا شك أن سفرهم وقصدهم للصلاة داخل هذا المنزل لأجل القبر من باب اتخاذ القبر مسجداً.
وأما من كان ساكناً بالمنزل بطريقة عادية فصلى لم ينه عن ذلك، وإنما الذين يعتقدون فضيلة الصلاة في هذا المكان هم الذين اتخذوا القبر مسجداً، وإذا بنوا بناء على القبر فهذا أشد، وأغلظه ما كان القبر في اتجاه القبلة.
стр. 188
حكم الصلاة في المسجد الذي فيه قبر
هل تبطل الصلاة في مسجد فيه قبر أم تصح مع التحريم أم تصح مع الكراهة؟
الجواب
قد أطلق كثير من العلماء المتأخرين كراهة الصلاة في المساجد التي بها قبر، وقد نقلوا عن الأئمة الكبار نحو هذا الأمر، كما قال الشافعي ﵀: أكره أن يتخذ المسجد على قبر أحد، أخشى عليه الفتنة وعلى من بعده.
فظن البعض أن (أكره) هنا معناها: كراهة التنزيه، وهذا لا يظن بـ الشافعي ﵀، وإنما هو تأدب من العلماء ﵃، فإنهم كانوا يستعملون لفظ الكراهية على بابها الشرعي، وذلك أن الله قال عن الشرك وعقوق الوالدين وقتل النفوس والزنا وغير ذلك: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨]، فهم يستعملون الألفاظ الشرعية كراهة أن يستعملوا لفظ التحريم إلا فيما نص الشرع على أنه محرم، لكنهم يعنون بالكراهة كراهة التحريم، فهذه الكراهة الشرعية صريحة في أن ذلك من باب سد الذريعة؛ لخوف الفتنة، لا لاعتبار أن ذلك بما يتنجس من صديد الأموات وما يصيب الأرض من آثار أبدانهم فإن ذلك ليس بعلة، ولا لأنه قبر واحد أو اثنان أو ثلاثة كما فرق بعض المتأخرين من الحنابلة فقالوا: إنما تسمى مقبرة إذا كانت ثلاثة قبور فأكثر، أما إذا كان قبراً واحداً فلا يسمى مقبرة، فظنوا أن النهي معلق بعدد القبور، ولذلك قالوا: إن هذا التفصيل لا دليل عليه.
والصحيح الذي لا شك فيه أنه قد تسمى مقبرة وفيها قبر واحد؛ لأن النبي ﷺ قال: (جعلت الأرض مسجداً إلا المقبرة والحمام).
والذي لا شك فيه أن العلة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد ليست النجاسة؛ لأن النجاسة غير موجودة، فالمؤمن لا ينجس كما قال النبي ﷺ ، والمؤمن طاهر حياً وميتاً على ظاهر الأدلة، هذا أولاً.
ثانياً: ليس لأجل تسميتها مقبرة بوجود ثلاثة قبور فأكثر أو أقل، وإنما ذلك كما فهمه الشافعي ﵀ بقوله: أخشى عليه الفتنة وعلى من بعده، وذلك خشية الفتنة بالوقوع في الغلو المذموم ومجاوزة ما شرع الله في حق الأموات من الدعاء لهم، وليس طلب الدعاء منهم فضلاً عن دعائهم هم، وكل ذلك يقع بسبب اتخاذ القبور مساجد.
إذاً: الكراهة التي نقلت عن بعض العلماء تحمل على كراهة التحريم؛ لأن النبي ﷺ ما كان ليلعن من فعل مكروهاً تنزيهياً، وإنما اللعن على الكبائر، لذلك نقول: إن اتخاذ القبور مساجد على الصحيح هو من الكبائر والعياذ بالله، وكما ذكرنا من ذلك: بناء المسجد حول القبر أو عنده، وقصد الصلاة في هذا المسجد، وقصد الصلاة إلى القبر بأن يجعل القبر في قبلته، وإذا اجتمعت هذه الثلاثة الأمور فهي أغلظ أنواع المحرمات في هذا الباب.
أما عن حكم الصلاة في المسجد الذي فيه قبر فالقول بالبطلان منقول عن الإمام أحمد وقد رجحه ابن تيمية وابن القيم وهو قول الظاهرية، وهو اختيار الأستاذ سيد سابق ﵀، وذلك قول متجه خصوصاً فيما إذا كان الذي يأتي إلى المسجد للصلاة يعتقد فضيلة الصلاة عند القبر، فهو يقصد عين ما نهى عنه النبي ﷺ ، فالذي يأتي متبركاً معظماً لصاحب القبر بالصلاة عنده، فالصحيح في هذا أنه يعيد الصلاة؛ وذلك لأنه فعل الشيء الذي نهى عنه النبي ﷺ بعينه، وهذا أمر يؤدي إلى بطلان صلاته.
وأما إذا كان الإنسان إنما صلى في المسجد الذي فيه قبر وهو يعلم بوجود القبر لكنه متأول ويرى أن الصلاة لا تحرم في هذه الأماكن، وهو لا ينوي التقرب إلى الله في الحقيقة بالصلاة بجوار القبر، وإنما حضرت الصلاة فدخل فصلى، أو كان يحضر مجلس علم فحضرت الصلاة فصلى، أو أنه تقابل مع إنسان هناك، أو أنه كان على طريقه ففعل ذلك، فالصحيح أنه يكره ذلك كراهة تحريمية، لكن في بطلان الصلاة نظر؛ لأن هذا النهي في هذه الحالة لم يتوجه إلى ذات المنهي عنه وإنما فعل ذلك بغير قصد والله أعلم، ومن العلماء من يبطلها مطلقاً، والأحوط أن يعيد تلك الصلاة التي صلاها في مسجد به قبر.
وأما إذا كان لا يدري بوجود القبر وإنما علم بعد الصلاة فهذا لا يعيد الصلاة؛ وذلك لأثر أنس وعمر ﵄؛ لأن أنساً مشى في الصلاة حتى جعل القبر خلف ظهره، ولم يخرج منها ولم يبطلها، ولهذا نقول: إن الصحيح في هذه الحالة أن الصلاة صحيحة وهو معذور؛ لعدم علمه بأن في المسجد قبراً، كما يحدث من كثير من الناس، ولكن إذا علم قبل أن يصلي فليخرج من هذا المكان؛ فإن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام، فإذا كان الأمر كذلك فليصل حتى ولو في الطريق ففي الأرض سعة، حتى ولو خشي أن تفوته الصلاة لم يجز أن يصلي في هذا المكان بل يصلي في الطريق طالما الأمر فيه سعة ويمكنه الصلاة في أي مكان، لكن لو أن إنساناً حبس في مثل هذا المكان لكان معذوراً كالذي يصلي خشية فوات الوقت؛ لأنه كاره بقلبه ولا يستطيع غير ذلك.
فهذه بعض أحكام مسألة اتخاذ القبور مساجد، وهي مسألة شائكة وخطيرة جداً؛ لكثرة من ابتلي من المسلمين بوجود القبور داخل المساجد، وكثير من الناس يجعل هذه المسألة مما يستهان بها، ولذلك تجد كثيراً يرون عدم الخوض في هذه المسألة؛ لأن ذلك ينفر طائفة من الصوفية، وهذا كلام منكر، بل يجب أن نبلغ الحق؛ لأن ذلك ذريعة إلى الغلو الذي هو ذريعة إلى الشرك.
أيضاً ننبه إلى أنه ليس كل من صلى في مسجد به قبر يكون مشركاً؛ لأن كثيراً من الناس يظن ذلك ويتوهم هذا وهو كلام خطير، إذ إن اتهام المسلمين بالشرك خطر كبير، فيقول بعضهم: إن فلاناً هذا يصلي في المساجد التي بها قبور فهل تصح الصلاة خلفه؟ فلمجرد أنه صلى في المساجد التي بها قبور يجعله ملحقاً بمن يعبد القبور! فهذا لا يصح؛ لأن هناك فرقاً بين اتخاذ القبور مساجد وبين عبادة القبور، فلابد أن يظهر من الشخص ما يثبت أنه من عباد القبور، ولا يجوز أن نحكم بالعموم لكل من صلى في مسجد البدوي أو أبي العباس أو غيرهما بأنه يعبد هؤلاء، حتى وإن صلى هناك وكان يتبرك بالصلاة إلى جوار القبر، وحتى لو رجحنا أن الصلاة فيه باطلة مع أن جمهور العلماء يجوزونها مع الكراهة، لكن الراجح أن هذه الكراهة كراهة للتحريم؛ لأنه لا يظن بهم أن الرسول ﷺ يلعن على كراهة التنزيه، لكن يعتقد أنه غير مشرك في صلاته؛ لأنه ما صلى إلا لله، وما دعا غير الله، والمشرك هو الذي صرف شيئاً من العبادة لغير الله، بأن نذر أو ذبح أو سجد لصاحب القبر، أو حلف به معظماً له كتعظيم الله ونحو هذا، أو طاف بقبره ظناً منه أن ذلك أفضل من الطواف بالكعبة أو يماثله، فهذا الذي يعد شركاً، أما مجرد الصلاة والدعاء بجوار القبر فهذه بدع وضلالات لا ترتقي إلى الشرك الأكبر، لكنها ذريعة له، فيخشى على صاحبها من ارتكاب الشرك الأكبر والعياذ بالله من ذلك.
لذلك ليس كل من صلى في المساجد التي بها قبور يكون مشركاً، بل الأمر يحتاج إلى تفصيل: فينظر إلى فعل هذا الشخص: أيعبد صاحب القبر؟ أيصرف له شيئاً من العبادة، أم أنه يصلي هناك فقط؟ فإذا علمنا أنه يصرف العبادة لغير الله فلابد أن تقام عليه الحجة قبل أن تكفره بعينه، فقد يعذر بسبب الجهل في هذا المقام وكثرة التلبيس، والله تعالى أعلى وأعلم.
стр. 189
الأسئلة
стр. 190
حكم تقليد العامي في العقائد
السؤال
اختلف علماء الأصول في حكم تقليد العامي في العقائد، وكثير منهم إن لم يكن أكثرهم يقولون بالمنع، فهل يستدل لهم بهذا الحديث الذي يقول: (سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته)؟ وما أصل هذه المسألة بالفعل؟ وهل من يقول بالمنع قد يحكم عليهم بأنهم كفار؟
الجواب
هذا قول المعتزلة الضلال الذين يقولون: إنه لابد من الأدلة على طريقتهم، ولم يزل عوام أهل الإسلام يتلقون العقائد الكبرى الأساسية التي هي أصول الإيمان جيلاً عن جيل عن رسول الله ﷺ ، فإنما يأخذون عن علمائهم.
وهم ينسبون ذلك إلى الرسول ﷺ وإن لم يتلقوا إسناداً، وطالما كانت الأحاديث متواترةً ظاهرةً فلا يلزمهم معرفة الإسناد، وإن كانت المسائل التي فيها الاستدلال والاختلاف لابد أن يكون هناك دليل، لكن المسائل العظمى مثل: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله والإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر فهذه أمور لا بد أن نعرفها بدليلها، لكن الأدلة عند هؤلاء المبتدعين هي الأدلة العقلية وليس أنه يعرف الآية أو الحديث أو معناه، فإذا عرف معنى الحديث واعتقد أن هذا مما جاء به النبي ﷺ عن طريق العالم فلا يعد مقلداً التقليد المذموم، والمعتزلة يكفرون من لم يعرف الله بالأدلة العقلية على طريقتهم، والعياذ بالله.
стр. 191
عذاب القبر جزء من عذاب الآخرة
السؤال
هل عذاب القبر من الحساب؟
الجواب
نعم، هو من الحساب وجزء من العذاب، فإن كان قدر على الإنسان -مثلاً- بسبب سيئاته أنه يعذب يوم القيامة ثلاثمائة سنة فقد يعذب في القبر مائة سنة ثم ينعم بعد ذلك على قدر ما عذب، وليس بهذه الطريقة طبعاً، ولكن لا شك أن القبر هو أول منازل الآخرة، فهو جزء من عذابه كما يقول ابن القيم ﵀ وكما ذكره أهل العلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: إن الإنسان يطهر عدة تطهيرات، منها: المصائب التي تصيبه في الدنيا، ومنها: سكرات الموت، ومنها: لحظة خروج الروح، ومنها: ما يكون في القبر، فالإنسان قد يعذب في قبره بذنب أذنبه ويكون ذلك كافياً ولا يعذب عليه ثانية وربما كان أشد، فربما بقي عليه من ذلك شيء يوم القيامة، لكن هذا جزء من عذاب الآخرة، فإن بقي عليه شيء كان في أهوال القيامة، فإن بقي عليه شيء كان لابد له أن يدخل النار، فيعذب حتى يتطهر مطلقاً ثم يخرج إلى الجنة بعد بذلك؛ لأن الجنة لا يدخلها إلا أصحاب النفوس الطيبة من المؤمنين.
стр. 192
وجه تعدد أعمال الملائكة وتنوعها في القبر وغيره
السؤال
هل الروايات المتعددة بكيفية السؤال والعذاب في القبر تعني أن العذاب مشترك مع كل واحد بحسب حاله أم أن كيفيات العذاب لا يعلمها إلا الله؟
الجواب
هو نوع من العذاب الذي يكون هناك، ويمكن الجمع بين الأدلة، فهو يقيض له أصم أبكم أعمى يضربه بمطرقة من حديد، وهذا لا يمنع أنه يضرب بالمطرقة أحياناً وبسوط أحياناً، وأن الدابة صماء، وهو الأصم الذي في الرواية الأخرى.
فهي أنواع متعددة في أوقات مختلفة أو في نفس الوقت والله أعلم.
стр. 193
حكم سماع أشرطة طارق السويدان
السؤال
ما حكم سماع أشرطة طارق السويدان التي تتعلق بالفتنة التي وقعت بين الصحابة؟
الجواب
فيها آراء غير سوية وعقيدة غير صحيحة، وفي أمر السيرة وقصص الأنبياء الأمر فيه احتمال؛ لأنه كسائر كتب السيرة، لكن بدون تمحيص، ففيها الصحيح والضعيف حتى في قصص الأنبياء.
стр. 194
حكم سب الدين والضابط في العذر بالغضب
السؤال
رجل والده يسب الدين في بعض الأحيان، ويكون هو السبب والعياذ بالله؛ لأنه لا ينفذ ما أمره به، فما الحكم؟
الجواب
عليه أن يتحمل، ولا يلجئ والده إلى ذلك حتى لا يكون سبباً لوقوعه في الكفر والعياذ بالله، والغضب ليس عذراً إلا إذا وصل إلى الجنون، أما غير ذلك فلا يكون عذراً، والأعذار المذكورة في الأحاديث والآيات هي ستة، منها ما في قوله ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة: النائم والمجنون والصغير) ومنها أيضاً التأويل وعدم البلاغ.
стр. 195
فتية آمنوا بربهم [٥]
لا علم للعباد إلا ما علمهم الله سبحانه، فهو العالم بكل شيء جملة وتفصيلاً، يعلم ما كان وسيكون، ومن ذلك علمه بعدد أصحاب الكهف ومدة مكثهم في كهفهم، والواجب على العباد أن يردوا ما أشكل عليهم إلى عالمه، وأن لا يتكلموا إلا بعلم.
стр. 196
عدد أصحاب الكهف
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
أما بعد: يقول الله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا * وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا * قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا * وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٢ - ٢٨].
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في قوله : (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم): يقول تعالى مخبراً عن اختلاف الناس في عدة أصحاب الكهف، فحكى ثلاثة أقوال، فدل على أنه لا قائل برابع، ولما ضعف القولين الأولين بقوله: ((رجماً بالغيب)) أي: قولاً بلا علم كمن يرمي إلى مكان لا يعرفه؛ فإنه لا يكاد يصيب وإن أصاب فبلا قصد، ثم حكى الثالث وسكت عليه أو قرره بقوله: (وثامنهم كلبهم) فدل على صحته، وأنه هو الواقع في نفس الأمر.
وقوله: ((قل ربي أعلم بعدتهم)) إرشاد إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام رد العلم إلى الله تعالى؛ إذ لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم، لكن إذا اطلعنا على أمر قلنا به وإلا وقفنا.
وقوله: ((ما يعلمهم إلا قليل)) أي من الناس.
قال قتادة: قال ابن عباس: أنا من القليل الذي استثنى الله ، كانوا سبعة، وكذا روى ابن جرير عن عطاء الخراساني عن ابن عباس أنه كان يقول: أنا ممن استثنى الله ، ويقول: عدتهم سبعة، وعن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ قال: أنا من القليل، كانوا سبعة.
فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس أنهم كانوا سبعة، وهو موافق لما قدمناه.
وهو استدلال دقيق من كتاب الله ، وذلك أن الله أبطل قولين وسكت عن الثالث فأرشد إلى القول الراجح، وأرشد إلى ثمرة الخلاف، وما ينبغي في مثل هذا الموطن.
стр. 197
كيفية عرض أدلة المسائل الخلافية
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن القرآن أشار في هذه القصة وهذه الطريقة إلى ما ينبغي في مسائل الخلاف، فالذي ينبغي في مسائل الخلاف استيعاب الأقوال المذكورة، وتبيين الثابت منها، وإقرار الحق، وبيان فائدة الخلاف وثمرته إن كان له فائدة، وختم ذلك بتفويض العلم إلى الله ، فهذا من أعظم وأهم ما دل عليه القرآن فيما ينبغي أن يكون في مسائل الخلاف.
وكثير من الناس يهمل في مثل هذا المقام أشياء مما ذكرنا، فمنهم من لا يستوعب الأقوال المذكورة، فيكون قد قصر في إزالة الشبهة عن بعض الناس؛ لأنه يحتمل ألا يكون قد اطلع على القول الذي لم يذكره، فكيف يرجح أو يبطل قولاً هو لم يطلع عليه، فلذلك كثير من الناس إذا ذكر قولاً وفي المسألة أقوال يتضح للسامع أو القارئ أن المتكلم أو الكاتب ليس عنده من العلم ما يجعله يستوعب المسألة.
وقد يذكر كثير من الناس الأقوال دون إشارة إلى ضعيفها من صحيحها، ولا يبين من أين يؤخذ القول الصحيح، ومجرد حكاية الأقوال دون إشارة إلى الراجح والمرجوح تضييع للوقت، وإشغال للعقل من غير ما فائدة، وماذا يستفيد من حكيت له الأقوال المختلفة في مسألة واحدة، وهي متناقضة متضادة، وما رجحت له وما شفيت غليل قلبه؟! ولذلك لا يصح الاعتماد على الكتب التي تحكي الأقوال مجردة بلا دليل وبلا ترجيح.
وقد وجد في كتب الفقه من يستخدم الطريقتين، فمنهم من لا يذكر مسائل الخلاف وإنما يذكر قولاً واحداً هو مذهبه الذي يعتقده ولا يشير إلى غيره، ومن الكتب ما يجمع المذاهب المتعددة ويجعلها أمام القارئ، وكذا من يعلم طلاب العلم يذكر لهم الأقوال المتعددة، وربما بعض المفتين يفعل ذلك جرأة على الفتوى بغير حق، وذلك أنه يعرض على المستفتي فلان قال كذا وفلان قال كذا، ويتركه ينتقي بنفسه، وهذا من أعظم أسباب الانحراف، ومن تمليك العوام زمام الفتوى الذي ليس لهم منه نصيب، وليس لهم أدواته ولا العلم به، والصحيح أن سبب ذلك هو التقليد الأعمى، وجعل أقوال المشايخ والأئمة بمنزلة الدليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهذا تقصير، فلابد أن يشير إلى الراجح والمرجوح.
стр. 198
فهم إشارات القرآن والاستنباط منها
فهم ابن عباس ﵁ من كتاب الله ذلك بدقيق الفهم وعميق العلم، فعلم كيف أشار القرآن إلى تضعيف القولين، وأشار إلى تصويب وتصحيح الثالث بالسكوت عنه؛ فإن الله ما كان ليسكت على منكر ذكر في كتابه ، وقد لا يكون النص صريحاً واضحاً يفهمه كل أحد، ولكن يشير إليه القرآن، وقد يكون الرسول ﵊ هو الذي قد فهم إشارة القرآن فيبين ذلك بكلامه، كما ذكرنا في قوله ﵎: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١] فكان فيها إشارة إلى أن الذين قالوا ذلك ليسوا من أهل العلم ولا الصلاح ولا الإيمان، وإنما من أهل القوة والغلبة والسلطان، ومعلوم أن المتقدمين من كان فيهم من أهل القوة والسلطان كان قليل العلم أو منعدمه، أو عنده أنواع من البدع، وبين النبي ﷺ إشارة واضحة عند من تأملها بنهيه عن اتخاذ القبور مساجد، وأن اليهود والنصارى لعنوا بسبب اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد.
والمقصود: أن القرآن لا يسكت على الباطل الذي يحكيه بل يرده ويبطله، ولكن كم من الناس من يفهم ذلك؟ قليل، كم من الناس يستطيع الاستنباط من كتاب الله بهذه الطريقة التي كان الصحابة ﵃ يفهمون ويستنبطون بها؟ قلة نادرة، وكلما اقترب الإنسان من كتاب الله وكان ألصق بطريقة الصحابة ﵃؛ ازداد فهماً ووضحت له الأمور، وقلما أعوزته النصوص، وقلما يضطر إلى القياس؛ لأن النصوص تكون عنده واضحة وبينة يأخذ منها الأحكام بطريقة سهلة ميسرة، ويتعجب الناس كيف وصل إلى هذا! مع أنه واضح وجلي وبين، لكنه فهم يؤتيه الله من يشاء، كما قال علي ﵁ عندما سألوه: هل عهد إليكم النبي ﵌ شيئاً لم يعهده إلى الناس؟ قال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ما عندنا إلا القرآن وما في هذه الصحيفة، ثم أخرج كتاباً فيه قدر الديات، وأسنان الإبل، وأنواع من الجراح، وألا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده، وأن المسلمين يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم ثم قال: إلا فهماً يؤتيه الله رجلاً في كتاب الله.
وهذا من أعظم أبواب العلم أن يفقه الإنسان القرآن، فيعرف الإشارات والدلائل القرآنية التي يستدل بها، ولكن هذا قلة في الناس، ولذا قال: ((مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ)) وطوبى لمن تعلم هذا من حبر هذه الأمة وعالمها عبد الله بن عباس فيكون من القليل، وإلا فكم من الناس يقرءون سورة الكهف ولا يدرون ما الراجح من هذه الأقوال، وما هو عدد أصحاب الكهف، وإذا قرأ الإنسان ذلك وفهمه وعلم كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنه فهم الراجح من المرجوح في هذا.
والترجيح يكون بالدليل، ذلك أن الله هو الأعلم: ((قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ)) فالدليل كان من الوحي؛ لأنه لا سبيل إلى معرفتهم بالعقل، فكيف ندرك عدد أصحاب الكهف بطريقة من طرق الحساب، أو بوسيلة من وسائل النظر والاستدلال؟ لا يمكن معرفة ذلك إلا من خلال دليل سمعي، أو دليل من الوحي ينزل على الصادق المصدوق ﷺ فكان هذا؛ لأن الله هو الأعلم ((قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ)) دليل على أن ذلك لا يتلقى إلا من جهة الوحي من عند الله الذي هو أعلم بالعدة.
كذلك ينبغي أن يقول الإنسان بعد ذكر مسائل الخلاف: الله أعلم.
стр. 199
ذم استفتاء الجهال ومماراتهم
ثمرة الخلاف في ذلك قليلة، ولذا قال: ((فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا)) لا فائدة من المناظرة في مسائل لا سبيل إلى البحث فيها إلا من خلال الوحي، ومن قبل الوحي انقطع عن الكلام، ومن أباه لا ينبغي أن يعارض، ولا ينبغي أن يضيع الوقت معه، ولا ينبغي أن يمارى أو أن يستفتى، وذلك لجهله وضلاله وانحرافه عن الحق، فكيف نستفتيه؟! ولذلك قال : ((فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا))، وهذا دليل على النهي عن استفتاء الجاهل، وأنه لا يجوز أن يستفتى، وهذا بإجماع أهل العلم: أنه لا يجوز لأحد من المستفتين أن يستفتي من يعلم جهله أو بدعته أو فسقه، قال الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]، ورتب الذنوب مبتدئاً بتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق، أي: أن الذنب الذي فيه اعتداء على حقوق المخلوقين أشد وأبعد عن المغفرة حتى يسامح ذلك المخلوق، ثم ذكر الشرك، ثم ذكر أن يقولوا على الله ما لا يعلمون، ولذا كان هذا من أعظم الخطر، ومن يفتي في دين الله بما لا يعلم فإنه داخل في هذا الوعيد، وإن كان لا يلزم أن يكون مستوياً مع المشركين، لكنه قد شابههم في بعض فعلهم فاستحق جزءاً من جزائهم.
والذي يرى أن من حقه أن يشرع للناس ديناً وعبادات، أو يرى ذلك حقاً لغيره وينسبها إلى الله ، ويجعل ذلك ضمن الدين الذي شرعه الله؛ فهذا هو الشرك الأكبر الذي عليه كثير من الناس -والعياذ بالله- حيث يجعلون الدين حقاً للناس لهم أن يقولوا فيه ما يشاءون بغير دليل ولا حجة.
стр. 200
ذم التقليد بلا دليل
هذه الآية الكريمة فيها دليل على ذم التقليد، وذم القول بلا دليل، وكلاهما باطل ومنكر؛ فمن يتبع بغير حجة، ويعمل بغير حجة ولا دليل لم يأت بسلطان بين، وهذا افتراء على الله الكذب -والعياذ بالله-، وهذه الآية نزلت في المشركين لكنها ذمتهم على أوصاف معينة لا يجوز أن يوجد في المسلمين شيء منها، فالذي يتبع لمجرد أنه وجد الناس يفعلون فهذا هو المقلد الذي يقلد من ليس قوله بحجة بلا حجة، وهذا مذموم، فطالما كان قادراً على أن يعرف الحق، وإذا كان لا يعلم الحق ولا يستطيع الوصول إليه فإنه يسأل أهل الذكر، كما قال الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].
والحق أن هذا بمنزلة الميتة للمضطر، وإلا فأن يكون الإنسان على بصيرة طالما أمكنه ذلك فهذا فرض عليه، وأما إذا كان عاجزاً فإنه يسوغ له ذلك للضرورة، كما يأكل المضطر الميتة، وكما يقلد الأعمى غيره في القبلة؛ فإن هذا يسأل أهل الذكر لضرورته إلى ذلك، وإذا وضح له الحق بالدليل لم يجز له أن يتركه بحال من الأحوال.
стр. 201
عظم ذنب المفتي بغير علم
لابد أن يحذر المفتي أعظم الحذر من أن يفتي بغير علم، ومن أن يقضي بلا دليل؛ فإن تحليل الأموال والفروج والأطعمة والأشربة والحقوق إذا كان بلا بينة فهو من أعظم الافتراء والعياذ بالله، فمن استحل ذلك ورأى أن له أن يشرع، وأن يحلل ويحرم؛ فهذا أظلم الظلم وأكبر الشرك، وإذا كان يفعل ذلك بتقصير في الاجتهاد مع كونه قد تعرض للإفتاء، وأن ينسب إلى دين الله كلامه فهو ذنب عظيم، ولذا اتفق العلماء على أن من شروط المفتي: أن يكون عالماً مجتهداً، وكذا من شروط القاضي: أن يكون عالماً مجتهداً؛ لأنه ينسب كلامه ذلك للدين والشرع، ويحكم باسم الشرع، وبالتالي فإذا حكم بغير علم فقد ضل -والعياذ بالله- وافق الحق أم خالفه، كما في الحديث: (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة؛ فالذي علم الحق وقضى به فهو في الجنة، والذي علم الحق ولم يقض به فهو في النار، والذي لم يعلم الحق فهو في النار).
ولم يذكر وافق أم خالف؛ لأن قبول هذا لولاية القضاء -ومثلها ولاية الإفتاء- وهو لا يعلم يعتبر جرأة عظيمة على الله ، وهو في النار على أي الأحوال حتى لو وافق الشرع، فما وافقه لأنه يعلمه بل وافقه لأنه وافق هواه، ولذا كان الإفتاء بالباطل والتعرض للفتوى ممن ليس من أهلها، وكذا التعرض للقضاء ممن ليس من أهله أمر عظيم، فاعله له شبه من هؤلاء الذين افتروا على الله كذباً، فلهم نصيب من ذلك على قدر ما فعلوه من تبديل الدين وتحريفه، وهذا سبب انحراف الأمم عن دين الأنبياء، فقد وجد فيهم من ينسب إلى هذا الدين ما ليس منه، فيقول على الله ما لا يعلم، ويفتري على الله الكذب، فلذلك كان السلف رضوان الله عليهم يخافون جداً من مرتبة ومنصب الإفتاء والقضاء ويشفقون منها، وكلهم ود لو أن أخاه كفاه مئونة المسئول فأجاب عنه بدلاً من أن يعرضه لهذا الخطر.
وكان كثير جداً من السلف يرفضون منصب القضاء مع أهليتهم لخوفهم على أنفسهم من ذلك، كما يروى أن الشافعي ﵀ لما عرض عليه هارون الرشيد أن يتولى القضاء ببغداد قال: لو أعطيتني ما عندك من الملك وملك الدنيا على أن أغلق باب القضاء بالليل وأفتحه بالنهار لما قبلت ذلك، فانظر إلى قضاء شرعي يتولاه مثل الإمام الشافعي يعرض عنه، ولو كان له مثل ملك الدنيا حتى لا يكون مشاركاً فيما قد يكون مخالفة للشرع.
ومع أن أهل العلم كانوا بالفعل أئمة مجتهدين، فمن أمثلة من تولى القضاء: القاضي أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة، وإمام عالم كبير مجتهد، فإذا كان الأمر كذلك فما أعظم ذنب من يفتي الناس بغير علم، ويقضي بينهم بغير علم، وينسب ذلك إلى الحق، وأنه الشريعة التي أنزلها الله ، فإن من لا يتقي الله في الفتوى فيفتي بلا علم، أو لا يتقي الله في الذنوب والمعاصي، كيف يستأمن على الفتوى؟ فلا يجوز استفتاء الجاهل، ولا يجوز استفتاء الماجن الفاسق المتخبط في المعاصي الذي ظهرت معاصيه؛ لأن الرسول ﷺ نهي أن يستفتى في أهل الكهف من أهل الكتاب أو من غيرهم أحداً لفساد ما عندهم، وكذلك لكونهم لا تقوى عندهم لله تحجزهم عن مواقعة الباطل والإفتاء بالباطل.
стр. 202
ثمرة الخلاف في عدد أصحاب الكهف
قال ابن كثير ﵀: وقال محمد بن إسحاق بن يسار عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد قال: لقد حدثت أنه كان على بعضهم من حداثة سنه وضح الورق -الأوضاح هذه مثل الفضة، يعني: كانوا صغاراً في السن- قال ابن عباس: فكانوا كذلك ليلهم ونهارهم في عبادة الله يبكون ويستغيثون بالله، وكانوا ثمانية نفر: مكسلمينا، وكان أكبرهم وهو الذي كلم الملك عنهم ويمليخا ومرطونس وكسطونس وبيرونس ودنيموس ويطبونس وقالوش، هكذا وقع في هذه الرواية، ويحتمل أن هذا من كلام ابن إسحاق ومن بينه وبينه؛ لأنه لا يصح أن يكون ابن عباس يقول: هم ثمانية، فإن الصحيح عنه بالأسانيد الصحيحة أنهم كانوا سبعة كما أن القرآن لم يحك القول بأنهم ثمانية، فدل ذلك على أنه غير مذكور ولا يعتد به ابتداء.
فإن الصحيح عن ابن عباس: أنهم كانوا سبعة وهو ظاهر الآية.
وفي تسميتهم بهذه الأسماء، واسم كلبهم حمران نظر في صحته والله أعلم، فإن غالب ذلك متلقى من أهل الكتاب، فقد قال تعالى: ((فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا)) سهلاً بيناً، فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة.
ولذلك لا ينبغي أن يناقش الإنسان في مسائل إلا بعد أن يعلم ثمرة الخلاف فيها، وإذا كان على غير ذلك فلتكن المجادلة بطريقة سهلة ميسرة، ولا ينشغل بالتدقيق والتحقيق في مسائل لا تفيد.
ولو أن أهل الفقه المتأخرين التزموا هذه القواعد لما حصل ذلك التقليد الأعمى والانحراف الشديد الذي وقع في كتب الفقه المتأخرة عما كان عليه الفقه في السنين والقرون الأولى بعد أيام الصحابة ﵃ والتابعين والتابعين لهم بإحسان، فلقد كان الفقه ميسراً سهلاً، وإنما جعله صعباً عويصاً هذه التفريعات الكثيرة التي كثير منها لا ثمرة لها ولا فائدة منها عملياً؛ فيترتب على ذلك تضييع الوقت والعمر، فقال : ((فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا)) أي: سهلاً ليناً هيناً كما قال ابن كثير.
قال ابن كثير: ((وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا)) أي: فإنهم لا علم لهم بذلك إلا ما يقولونه من تلقاء أنفسهم ((رَجْمًا بِالْغَيْبِ)) أي: من غير استناد إلى كلام معصوم، وقد جاءك الله يا محمد بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية فيه، فهو المقدم الحاكم على كل ما تقدمه من الكتب والأقوال.
إن الجدال والمراء لا ينبغي إلا أن يكون بالتي هي أحسن، فإن الله قال: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦] وذلك لإظهار الحق وإبطال الباطل، ودون قبول الدخول في تفاصيل لا فائدة منها ولا ثمرة من ورائها.
وأما حديث الرسول ﷺ : (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقاً) وهو حديث حسن أو صحيح، فهو لمن علم أن مراءه لا يفيد، وأن جداله وصل إلى طريق مسدود، وأن البحث عن الحق قد انتهى بسبب الخصومة، وأصبح الناس يتعصبون لأقوالهم؛ فعند ذلك لو كان محقاً يترك المراء.
وأما إذا كان الطرف الآخر والمناظر أو الباحث يبحث عن الحق وما زال يتحرى الصواب، فينبغي أن يستمر معه في المراء، وليكن بالطريقة السهلة البينة الواضحة الهينة.
стр. 203
الاستثناء في الفعل ورد علم المستقبل إلى الله
قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤].
يقول ابن كثير ﵀: هذا إرشاد من الله تعالى لرسوله ﷺ إلى الأدب فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل أن يرد ذلك إلى مشيئة الله علام الغيوب الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: (قال سليمان بن داود ﵉: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، وفي رواية: تسعين امرأة، وفي رواية: مائة امرأة) وهذا هو الأرجح، لأن مفهوم العدد إذا خالفه منطوق فيقدم المنطوق الأكثر فهو يشمل الأقل، وربما قال: سبعين ثم عزم على التسعين، ثم عزم في النهاية على مائة، قال: (وفي رواية مائة امرأة- تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل.
فقيل له، وفي وراية قال له الملك: قل: إن شاء الله.
فلم يقل، فطاف بهن فلم يلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان) وضعت جنيناً مشوهاً، (فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده! لو قال: إن شاء الله، لم يحنث وكان دركاً لحاجته، وفي رواية: ولقاتلوا في سبيل الله فرساناً أجمعين).
وهذا يدلنا على أهمية الاستثناء، وأن يقول الإنسان: إن شاء الله، سواء أقسم أو أخبر أنه سوف يفعل، وسليمان ﵇ لم يقل فيها: إن شاء الله، إما أنه اجتهد فأخطأ أو نسي ﷺ ، اجتهد أن هذه نية طاعة فلا ينبغي أن تقيد بالمشيئة وليس الأمر كذلك بل ينبغي أن تقيد بالمشيئة، أو أن الملك قال له ذلك فانشغل بما كان عزم عليه من الهمة العالية ابتغاء وجود المجاهدين في سبيل الله، فنسي أن يقول: إن شاء الله، وقدر الله عليه أن لا تلد منهن امرأة واحدة، وذلك لأنه لم يقل: إن شاء الله؛ تعليماً للأمة في زمنه وبعد زمنه فائدة رد الأمور إلى مشيئة الله .
وهذا الحديث أحسن ما يفسر به قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص:٣٤]، فالجسد الذي ألقي على كرسيه هو شق ذاك الغلام الذي وضعته إحدى نسائه، ولم تضع غيرها، وكان في ذلك فتنة وامتحاناً له ليعلم من أين أتي في هذا المقام؟ حيث نسي أن يقول: إن شاء الله، أو انشغل عن ذلك، ثم أناب ورجع إلى الله وصار بعد ذلك يستثني ولا يترك ذلك، والله أعلى وأعلم.
стр. 204
سبب نزول سورة الكهف
قال ابن كثير ﵀: ذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه السورة الكريمة فقال: حدثني شيخ من أهل مصر قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة عن عكرمة عن ابن عباس قال: (بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة فقالوا لهم: سلوهم عن محمد ﷺ وصفوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله؛ فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى أتيا المدينة، فسألوا أحبار يهود عن رسول الله ﷺ ووصفوا لهم أمره وبعض قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، قال: فقالوا لهم: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإلا فرجل متقول فتروا فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم؛ فإنهم قد كان لهم حديث عجيب، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم، فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقال: يا معشر قريش! قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد ﷺ ، وقد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور فأخبروهم بها، فجاءوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد! فسألوه عما أمروهم به، فقال لهم رسول الله ﷺ : أخبركم غداً عما سألتم عنه، ولم يقل: إن شاء الله، فانصرفوا عنه ومكث رسول الله ﵌ خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحياً، ولا يأتيه جبرائيل ﵇، حتى أرجف أهل مكة، وقالوا: وعدنا محمد غداً واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه! حتى أحزن رسول الله تأخر الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل ﵇ من الله بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوا عنه من أمر الفتية والرجل الطواف، وقول الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]).
стр. 205
مسألة الاستثناء في اليمين
ذكر الله في أول مسألة من المسائل الثلاثة مثالاً للنبي ﷺ في قوله : ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]؛ لأنه ترك الاستثناء ﷺ ، فأمره الله أن يستثني.
قال ابن كثير ﵀: وقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٤] قيل معناه: إذا نسيت الاستثناء فاستثن عند ذكرك له.
يعني: إذا لم تقل: إن شاء الله نسياناً، ثم تذكرت بعد ذلك فإنه يصح أن تقوله.
قاله أبو العالية والحسن البصري، وقال هشيم عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس في الرجل يحلف قال: له أن يستثني ولو إلى سنة، وكان يقول: ((وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ)) إذا نسيت ذلك.
قيل للأعمش: سمعته من مجاهد فقال: حدثني به ليث بن أبي سليم -وهو ضعيف- وهو قول ابن عباس ﵁.
يقول: ومعنى قول ابن عباس أنه يستثني ولو بعد سنة، أي: إذا نسي أن يقول في حلفه أو في كلامه إن شاء الله وذكر ولو بعد سنة، فله أن يقول ذلك، ليكون آتياً بسنة الاستثناء حتى لو كان بعد الحنث قاله ابن جرير ﵀، ونص على ذلك لا أن يكون رافعاً لحنث اليمين ومسقطاً للكفارة، وهذا الذي قاله ابن جرير ﵀ هو الصحيح، وهو الأليق بحمل كلام ابن عباس عليه والله أعلم.
لأن قول ابن عباس ﵁: له أن يستثني ولو بعد سنة في حلفه إن كان يقصد به أنه يسقط عنه كفارة لما كان هناك أصلاً معنى للحنث في اليمين ولا الكفارة؛ فإن كل إنسان أراد أن يتخلص من إثم حنثه فيما حلف عليه أن يقول في أي وقت: إن شاء الله، ثم إن التقييد بسنة لا يقصده ابن عباس وإنما يقصد التكثير، فالذي لا شك فيه: أن ذلك غير مقصود؛ لأنه يؤدي إلى إلغاء كفارة اليمين أصلاً وإلى أن يصبح اليمين قابلاً للإلغاء؛ لأنه يستثني إذا تبين له أنه يريد أن يخالفه مع أنه يكون قد حلف يميناً ناجزة ملزمة له، لكن الذي يحمل عليه كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنه أو مسألة الأدب دون مسألة الكفارة، وعند الجمهور أنه لا يأثم الإنسان أن يحلف لا يفعلن كذا، ولكن يرون أن ذلك خلاف الأدب، والله أعلى وأعلم، ويقولون: هذا النهي للتنزيه، ويقولون: إن قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف:٢٣] للتنزيه، ذلك أن النبي ﷺ أقسم على أشياء وأقسم أصحابه ﵃ على أشياء لا يفعلونها على أن يفعلوها ولم يستثنوا فلم ينههم عن ذلك نهياً جازماً أو نهي تحريم، فتبين بذلك أن هذا الفعل منه ﵊ فيما أقسم عليه فإنه يدل على أن هذا النهي للتنزيه والله أعلى وأعلم.
ولذلك نقول: إن كان لتحصيل الفضيلة، فيقول: إن شاء الله ولو بعد سنة، أما إذا حلف واستثنى مباشرة بعد اليمين كان الاستثناء صحيحاً، وإذا لم يستثن مباشرة بعد اليمين وفصل فاصل عرفياً لم يصح الاستثناء، وهذا الفاصل العرفي لا يدخل فيه النفس الذي انقطع، أو أراد أن يأخذ نفساً، أو أنه مثلاً عطس أو انشغل بأمر أدى إلى أن لا يستثني مباشرة، وبعض العلماء يشترط أن يكون هناك نية الاستثناء منذ أول الكلام، والذي يظهر أنه لا يلزم ذلك، بل ربما تحدث له نية الاستثناء أثناء القسم أو في آخره وطالما اتصل به أجزأ.
وأجمعوا على أنه إذا قال: إن شاء الله.
في قسمه ليس عليه حنث، وإذا خالف ما حلف عليه لم يحنث بذلك، ولم يكن عليه كفارة؛ لأنه قال: إن شاء الله، والله أعلى وأعلم.
وذهب أهل الظاهر إلى أن له أن يستثني ولو بعد سنة، ويكون ذلك بديلاً من الكفارة، وهذا القول باطل ليس بشيء ولا قيمة له، وإن كان يظن أنه قول ابن عباس وليس كذلك إن شاء الله.
وقال عكرمة: ((وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ)) إذا غضبت.
وفي الحقيقة أن الغضب من أسباب النسيان.
وقال الطبراني عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤] أن تقول: إن شاء الله.
وروى الطبراني عن ابن عباس في قوله: (واذكر ربك إذا نسيت) الاستثناء فاستثن إذا ذكرت.
وقال: وهي خاصة برسول الله ﷺ ، وليس لأحد منا أن يستثني إلا في صلة من يمينه، ثم قال: انفرد به الوليد عن عبد العزيز بن الحصين.
والذي يظهر أيضاً: أن النبي ﷺ كان يحلف دون استثناء، وكان أخبر أنه يكفر عن يمينه إذا رأى ما هو خيراً منها، قال: (والذي نفسي بيده! لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا فعلت الذي هو خير وكفرت عن يميني)، فلو كان الاستثناء يحل محل الكفارة لاستثنى ﷺ بعد مدة، ولما احتاج إلى الكفارة، ولكنه لم يفعل بل عزم على أن يفعل الذي هو خير ويكفر عن يمينه، وهذا هو الصحيح.
إذاً: خلاصة الاستثناء أنه توجد مسألة الإثم ومسألة الأدب وتحصيل السنة، فإحسان الأدب وتحصيل السنة بأن يقول: إن شاء الله ولو في أي وقت يتذكره، ولكن ينعقد اليمين إذا لم يستثن متصلاً بيمينه كما ذكرنا إلا الفاصل اليسير عرفاً.
قال: ويحتمل في الآية وجه آخر، وهو: أن يكون الله تعالى قد أرشد من نسي الشيء في كلامه إلى ذكر الله تعالى؛ لأن النسيان منشؤه من الشيطان، كما قال فتى موسى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف:٦٣]، وذكر الله تعالى يطرد الشيطان، فإذا ذهب الشيطان ذهب النسيان، فذكر الله تعالى سبب للذكر، ولهذا قال: ((وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ)) يعني إذا نسيت شيئاً مهماً فاذكر الله؛ فإن ذلك يعينك على تذكره؛ لأنه يذهب عنك الشيطان، وهذا ليس بظاهر، فجمهور السلف يقولون: إذا نسيت الاستثناء ونسيت أن تقول: إن شاء الله، والله أعلى وأعلم، أما هذا فيقول: إذا كنت ناسياً لأي شيء فدعاء النسيان أن تذكر الله، كأن تقول: سبحان الله، لكن الصحيح هو الأول.
قال: ((وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا)) أي: إذا سئلت عن شيء لا تعلمه فاسأل الله تعالى فيه، وتوجه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد في ذلك، وقيل في تفسيره غير ذلك، والله أعلم.
стр. 206
مدة لبث أصحاب الكهف فيه
قال تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا * قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٥ - ٢٦].
يقول: هذا خبر من الله تعالى لرسوله ﷺ بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم منذ أرقدهم إلى أن بعثهم الله، وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان، وأنه كان مقداره ثلاثمائة سنة تزيد تسع سنين بالهلالية، وهي ثلاثمائة سنة بالشمسية، فإن التفاوت ما بين كل مائة سنة قمرية إلى الشمسية ثلاث سنين، فلهذا قال بعد الثلاثمائة: ((وَازْدَادُوا تِسْعًا)).
وهذا من المعجزات الظاهرة للقرآن، وهذا من أدق أنواع الحسابات والمشاهدات، وهذا أمر محسوس مشهود، إذ التفاوت بين السنة الشمسية والسنة القمرية أمر مرأي، وهناك أنواع من الأزمنة منها ما هو أمر عرفي ومنها ما هو أمر حسي، فاليوم أمر حسي؛ لأنه مرتبط بالشمس شروقاً وغروباً، الشمس تشرق ثم تغرب ثم تشرق مرة ثانية، فاليوم والليلة مرتبطان بغروب الشمس وشروقها، وأما الساعات والثواني والدقائق فهي أمر عرفي بين الناس، أن يقسم اليوم إلى أربع وعشرين ساعة، لكن هل تحدث علامة مميزة لكل ساعة في الكون؟ لا، بل هذا أمر اصطلح عليه الناس، وكذلك مثلاً أمر الأسبوع أمر عرفي؛ لأنه ليس أمراً حسياً، والشهر أمر حسي؛ لأن القمر يدور دورته كل شهر، والشتاء أمر حسي لتغير الفصول؛ لأن الشتاء يجيء كل سنة مرة، وهذا أمر ملحوظ محسوس أن الشتاء يأتي والربيع والصيف والخريف.
إذاً: هناك أمران حسيان: السنة التي هي اثنا عشر شهراً، وهما اثنا عشر شهراً قمرياً، والسنة الشمسية هي الفصول الأربعة، ولذلك الرسول ﷺ أحياناً يقول: (سبعين خريفاً)؛ لأن هذه تكون سنة شمسية؛ لأن الخريف يأتي الخريف بعده، هذه سنة شمسية، وهذا الأمر بينه تفاوت كل سنة أحد عشر يوماً وجزءاً من اليوم بين اثني عشر شهراً قمرياً وبين سنة شمسية، لذلك الشهور الشمسية تتغير مع القمرية، والحسابات الفلكية الدقيقة على أحدث الطرق العلمية أثبتت أن كل ثلاثمائة سنة شمسية تساوي ثلاثمائة وتسع سنين قمرية، ولذلك ذكر الله هذا بهذه العبارة: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف:٢٥] ولم يقل: ثلاثمائة سنين وتسع سنين كالمعتاد، لماذا قال: (وازدادوا تسعاً) هو في الحقيقة ثلاثمائة سنين، ولو حسبتوها بطريقة أخرى يزدادون تسعاً، وفيه إشارة -والله أعلم- إلى الفرق بين السنة الشمسية وبين السنة القمرية، والله أعلى وأعلم.
يقول: فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين، إذاً: ثلاثمائة سنة قمرية تساوي ثلاثمائة وتسع سنين شمسية، فهذا من معجزات القرآن الظاهرة، والله أعلى وأعلم.
وقوله: ((قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا)) أي: إذا سئلت عن لبثهم وليس عندك علم في ذلك وتوقيف من الله تعالى فلا تتقدم فيه بشيء، بل قل في مثل هذا: ((اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)).
وكذلك إذا سئل الإنسان عن شيء علمه بالوحي وجادله غيره فيقول: أنتم أعلم بالله؟ الله أعلم ، الله أعلم بما لبثوا، فلو جادلك أحد فيكفيك أن هذا خبر من الله ، وهو الأعلم بما لبثوا .
وهذه السورة متضمنة لمعجزات ظاهرة للنبي ﷺ ، منها: ذلك الخبر التفصيلي البين الذي يتضمن أنواع الفوائد عن قصة أصحاب الكهف، مع أن ذلك لم يكن عند العرب منه شيء قط، وكان اليهود عندهم من ذلك ما يهتمون به من الأسماء، واسم الكلب، واسم الملك الذي كان في زمنهم، وأين كان الكهف، ولم يهتموا بالفوائد العظيمة الإيمانية والعبادية والتهذيبية وسائر أنواع الفوائد التي تضمنتها هذه القصة العظيمة، وهذا السياق العربي الواضح البين الذي لا اعوجاج فيه، وهذه القصة لو كانت مترجمة لظهرت الركاكة في الترجمة كما يظهر في أي كتاب مترجم ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * ﴿قَيِّمًا﴾ [الكهف:١ - ٢] مستقيماً ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف:٢] فهذه آيات تلو آيات للرسول ﷺ في كل زمن من الأزمنة فيها تذكير لخلق الله بمعجزات النبي ﵌.
стр. 207
علم الله الواسع
قال: ((قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا)) أي: لا يعلم ذلك إلا هو ومن أطلعه عليه من خلقه، وهذا الذي قلناه عليه غير واحد من علماء التفسير كـ مجاهد وغير واحد من السلف والخلف.
وقال قتادة في قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف:٢٥]: هذا قول أهل الكتاب وقد رده الله تعالى بقوله: ((قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا)) قال: وفي قراءة عبد الله وقالوا: (ولبثوا) يعني: أنه قاله الناس، وهكذا قال قتادة ومطرف بن عبد الله، وفي هذا الذي زعمه قتادة نظر، فإن الذي بأيدي أهل الكتاب: أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة من غير تسع، يعنون بذلك الشمسية، ولو كان الله قد حكى قولهم لما قال: ((وَازْدَادُوا تِسْعًا))، والظاهر من الآية أنما هو إخبار من الله لا حكاية عنهم.
يعني: أن قول أهل الكتاب قول باطل، والصحيح أن القرآن أثبت أنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، ولو كانوا قالوا ذلك لكان إثباتاً لقولنا: إن القرآن سكت عليه، وذكر هذا لأجل أن الناس سوف يجادلون في مدة بقائهم، فيقولون: إنهم بقوا ثلاثمائة سنة فقط، فقال الله: ((قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا)).
فكما ذكرنا كان هذا بياناً واضحاً شافياً بما يسعد به أهل الإيمان على الدوام، فإذا ناظرك أحد وأنت عندك علم من الله فقل لهم: الله أعلم منكم، فلا تجادلوا في أمر نزل فيه وحي.
يقول: والظاهر من الآية إنما هو إخبار من الله لا حكاية عنهم، وهذا اختيار ابن جرير ﵀، ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة، ثم هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور فلا يحتج بها، والله أعلم.
والقراءة الشاذة لا يحتج بها لا في التلاوة ولا في الحكم ولا في التفسير؛ لأنها شاذة منقطعة بلا سند صحيح، فلا فائدة منها، ولا يمكن أن يحتج بها.
قال تعالى: ((أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ)) أي: إنه لبصير بهم سميع لهم، أي: ما أسمعه وما أبصره ! (أبصر به) يعني ما أبصره.
(أسمع به) يعني: ما أسمعه، فما أعظم سماع الرب ، وما أعظم بصر الرب تعالى! قال ابن جرير: وذلك في معنى المبالغة في المدح، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه، وتأويل الكلام: ما أبصر الله لكل موجود، وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيء.
تقول: ما أعظم هذا، يعني: هذا شيء عظيم جداً، ويمكن أن تقول: أعظم به، مثل أنعم به وأكرم.
قال: ثم روى قتادة في قوله: ((أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ)) فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع.
قال ابن زيد: ((أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ)) يرى أعمالهم ويسمع ذلك منهم سميعاً بصيراً.
وقوله: ((مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)) أي: أنه تعالى هو الذي له الخلق والأمر، الذي لا معقب لحكمه، وليس له وزير ولا نصير، ولا شريك ولا مشير تعالى وتقدس.
стр. 208
فتية آمنوا بربهم [٦]
قصة أصحاب الكهف فيها جملة من الأوامر والتوجيهات الربانية التي تحيي معاني الإيمان، فمن هذه الأوامر والتوجيهات: رد العلم إلى الله، والإيمان بأنه يعلم الغيب، والنهي عن اتخاذ الولي من دونه تعالى، وإفراده بالحكم.
وفيها أيضاً: الأمر بتلاوة القرآن والعمل بما فيه، وأن كلماته تعالى الشرعية أو الكونية لا تتبدل ولا تتغير، وأنه ليس هنالك ملجأ من الله إلا إليه.
стр. 209
الأوامر العادلة والأخبار الصادقة في خاتمة قصة أصحاب الكهف
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا * وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا * قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٦].
إن المتأمل قصص القرآن يجد دائماً في نهايتها جملة من الأوامر والتوجيهات الربانية التي تحيي معاني الإيمان، والتي يجب على كل مؤمن أن يعتقدها.
ذكر الله جملة من هذه الأوامر والتوجيهات الإلهية في خاتمة قصة أصحاب الكهف، وكان مما ذكر مدة مكثهم، وهذا دليل على وجوب تفويض الأمر إلى الله ، ورد العلم إليه، والإيمان بصفة العلم التي هي من صفات الرب ، ومن أركان عقيدة المؤمن إيمانه بالأسماء والصفات، قال تعالى: ((قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا)).
وكذا الإيمان بأن الغيب الماضي والمستقبل يعلمه الله ، فهو وحده الذي يعلم السر وأخفى، ويعلم الغيب في السماوات وفي الأرض، والمؤمن يعتقد ذلك اعتقاداً جازماً.
وإذا أخبر الله بعض خلقه بشيء منها، فلا تخرج عن كونها من مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله، وأما في العهود الماضية فقد يعلم الله من شاء من خلقه على تفاصيل لم تقع، وإنما يذكر من ذلك لعباده المؤمنين في كتابه الكريم ما يحتاجونه في أمر دينهم وآخرتهم، ولا يذكر التفاصيل التي لا فائدة منها، فيذكر سبحانه من أنواع الغيوب ما ينتفع به أهل الإيمان.
стр. 210
الله عالم الغيب
قال تعالى: ((لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ))، هذه الآية فيها الإيمان بصفة السمع والبصر، والمعنى: ما أبصره وما أسمعه ، فهو السميع البصير، فالله علم أقوال العباد الماضية والمستقبلة، وسمع أقوالهم ورأى أفعالهم.
وهذه الآية فيها ترغيب المؤمنين في أن الله يهديهم، وهو يسمع كلامهم وكلام عدوهم، ويرى سلوكهم وسلوك أعدائهم، فهو سبحانه ينتقم من الظلمة والمجرمين، ويصيب عباده المؤمنين، وهذا هو الترهيب، فهذه الآية: ((أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ)) كما تتضمن الإيمان بأسمائه وصفاته، تتضمن الترغيب والترهيب.
стр. 211
الله هو الولي
قال تعالى: ((مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ))، هذه الآية فيها نفي الولي من دون الله ، فالله الذي يتولى أمور الخلق بالإصلاح أو بالنصر أو بالإعانة أو غير ذلك، فلا يتوكل على غير الله، ولا يصلح الأمور أحد إلا الله ، وهذه هي عقيدة التوحيد، أي: توحيد الإلوهية التي يجب أن يحققها كل مكلف، فالذي يتولى غير الله فيجعله ولياً له، ويتوكل عليه ويسأله قضاء الحاجات، وكشف الكربات، فهذا أشرك بالله سبحانه، كما قال : ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف:٣].
فالذي يتولى غير الله فيجعله لقضاء حاجته، فهذا يوكل إلى العجز والضياع والخسران؛ لأنه سبحانه لم يجعل أحداً من دونه يتولى أمر عباده، ويصلح شأنهم، أو ينصر من دونه أحداً، إنما وحده الولي الناصر، ولذلك ليس لنا من دون الله ولي، فلا نسأل غير الله، ولا نتوكل على غير الله، ولا نلجأ في كل مصالحنا وإصلاح أمورنا إلا إلى الله .
والله جعل عباده المؤمنين بعضهم أولياء بعض، وليس ذلك من دونه ، بل هذا بأمره ، فموالاة المؤمنين بعضهم بعضاً، ليست على سبيل الربوبية لبعضهم البعض، إنما على سبيل التعاون على إقامة الدين والتناصر والتحابب في الله، وهي بأمره وليست من دونه.
والمؤمنون عندما يتخذ بعضهم بعضاً أولياء، يعلمون أنهم لا يملكون نفعاً ولا ضراً، وإنما الملك الحق لكل ذرات هذا الكون وكل ما فيه هو لله وحده لا شريك له.
стр. 212
الحكم لله وحده
ثم ذكر الله معنى آخر من معاني التوحيد والإيمان وهو: ((وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا))، فهنا انفراده بالحكم، وهذا يشمل الحكم الكوني القدري، والحكم الشرعي الديني، والحكم الجزائي يوم القيامة، فالله لا يشرك في حكمه أحداً، فأحكامه القدرية تجري بأوامره ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وهو لم يجعل لأحد من الخلق لا لنبي ولا لملك ولا لولي من الأولياء شيئاً من تدبير الكون أو النفع أو الضر، قال : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أءله مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢]، فهذا يدل على أن الله لم يجعل هذا لأحد، ولذلك لا يشرك في حكمه الشرعي أحداً من الخلق، كما قال لخير خلقه محمد ﷺ لما قال له الكافرون: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس:١٥]، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس شريكاً لله في الحكم، وإنما هو من عند الله سبحانه وبوحيه، كما قال النبي ﵊: (ألا إن ما حرم رسول الله كما حرم الله، ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه).
إذاً لم تأت هذه الأحكام التي حكم بها النبي ﵊ من قبل نفسه، كما قال : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء:٦٥]، فالرسول ليس شريكاً مع الله، وحكمه ليس شركاً، ولا يستقل بتشريع، وإنما السنة كالقرآن في التشريع في معرفة حكم الله، فحكم الله بالقرآن هو حكمه بالسنة، والرسول ﷺ لا يشرع للناس من قبل نفسه، إنما يشرع لهم بأمر الله.
والشرعة معناها: الطريقة المسلوكة وهذه طريقة معنوية، فشرع النبي ﵊ أي سيره على طريق، وهذا الطريق هو ما أمر الله به وشرعه.
فلا يجوز أن يعتقد لأحد أنه شريك لله في حكمه الشرعي، ولذلك قال علي ﵁ لما قال الخوارج: ((إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)): كلمة حق أريد بها باطل، لما أرادوا منع أن يحكم بين الناس بأحكام تصدر من قبل حكام المسلمين، فاستدلالهم بالآية جهل منهم؛ وذلك لأنه لا يشرك مع الله في حكمه أحداً، وهذا لا يعني أن الناس لا يتحاكمون فيما بينهم، فلا يحكم بعضهم على بعض بالشرع، بل بالتزام شرع الله .
ولذا قال النبي ﷺ لما قال له الصحابي أبو العسيف: اقض بيننا بكتاب الله، فقال النبي ﷺ : (والله لأقضين بينكما بكتاب الله، الغنم والجارية رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأة هذا الرجم)، فالرسول ﷺ يحكم بما أنزل الله، كما قال تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة:٤٨]، وبذلك لا يجوز لأحد أن ينسب للنبي ﷺ أنه يحكم من قبل نفسه؛ لأن هذا من الشرك، فكيف بمن يعتقد أن الحكم أصلاً هو للسفلة والفجرة والكفرة والمنافقين الذين لا علم لهم بالدين؟! فهذا من الكفر الأكبر المستبين بلا نزاع بين أحد من علماء المسلمين، ومن الأمر الواضح البين، وكذلك من اعتقد أن للبشر أن يشرعوا ما شاءوا من أحكام دون شرع الله ودون امتثال أوامره وأوامر الرسول ﷺ ، الذي هو في الحقيقة لا يحكم من قبل نفسه، إنما هو يبلغ عن الله: ((قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ))، فمن اعتقد أن للناس أن يحكموا بما يرونه عدلاً من غير الله فهو كافر خارج عن ملة الإسلام، وهذا أمر ظاهر جلي لكل من تأمل، وهذا الأمر ليس ببعيد، وإنما أعني بذلك أنه وإن كان كل الناس اليوم بحمد الله ﵎ أو أكثرهم أو عامتهم إلا طائفة من الزنادقة المنافقين والعلمانيين الذين أعلنوا ومازالوا يعلنون أنهم لا دخل لهم بالدين، لكن الكثرة الغالبة من المسلمين يعتقدون لزوم الحكم بشرع الله ، وأن الحكم لله .
стр. 213
القوانين المدنية في مصر وموقفها من الشريعة الإسلامية
هناك من لا يزال يحلم بعودة العقائد الفاسدة، فمنذ سنوات قليلة مضت لا تتجاوز الثلاثين أو العشرين كان الأمر يعلن بصراحة أن الشريعة لا يحكم بها إلا في المرتبة الرابعة، قبل أن يرفعوها إلى المرتبة الأعلى وهي أنها المصدر الرئيسي للتشريع، فكان القاضي لا بد أن يحكم أولاً بمقتضى الدستور أو القانون ثم بعد ذلك العرف، فإن لم يجد في ذلك فإنه يلجأ إلى الشريعة الإسلامية، وهذا كان وما زال في كتب القوانين، فأول ما أنشأت الدولة المدنية بعد الاستقلال في مصر دونت القوانين المدنية سنة ١٩٢٢م، وهذا مسجل في تلك الكتب القانونية، ولما أرادوا رفع مرتبة الشريعة رفعوها بنفس المبدأ وهو أن الأمر مرده إلى الناس، وذلك لأن الأصول التي قررتها الثورة الفرنسية الخبيثة أن الحكم للشعب، فإذا أرادوا شيئاً نفذ، وإذا أبوا أزيل ورفض والعياذ بالله! فلا يكون شرعاً إلا ما رضيه الناس، ومن هنا ما زالت أحكام غير الشريعة تحكم بلاد المسلمين؛ لأن الدستور في مصر لما عدل سنة ١٩٨١م إلى أن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع، لم ينص على إلغاء ما سواها، وبقي ما سن قبل هذا التاريخ عند القوم صحيحاً ملزماً للناس، فلا يخالف الدستور كما يقولون، ولو كان عين مخالفة شريعة الله ، كما لو أنه خالف القرآن صراحة كالربا مثلاً.
стр. 214
حكم الرجوع إلى الدستور في الحكم
فالدستور مصدر التشريع عند القوم، وذلك أنهم يرون أن هذا الأمر يرجع للناس، لأن الدستور لا يكون دستوراً إلا بموافقة الناس عليه، وما كان سوى ذلك فلا، ولو أنه جاء في كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ فلا يكون ملزماً للخلق إلا بعد أن يوافق الناس عليه، وهذا والعياذ بالله من أخطر وأفضع مظاهر الشرك، ولا يجوز لمسلم أن يعتقده أبداً بحال من الأحوال، فمبادئ فصل الدين عن الحياة وليس عن الدولة فقط أحدثتها الثورة الفرنسية، ومنها أخذ العلمانيون منذ أكثر من ثلاثة قرون أو أربعة قرون، وكذلك تقديس ما يسمى بالديمقراطية، ذلك الاسم العظيم القدر الذي يتمناه الناس ويتبجحون به، مع أن تفسيرها اللغوي والحقيقي هو التفسير الواقعي، وهو: أن الحكم للناس، فالدول التي تطبق ذلك ليس عندها اعتراض على ما يقرره الناس، ولذلك تجد أن التطبيق الصحيح للديمقراطية هو أنه يمكن لمجموعة من الناس في بلد ما أن يجعلوا قانوناً ملزماً لهم، ويختارونه بدل الشريعة، فالحكم بالشريعة في أمريكا مثلاً ربما يكون أيسر من حكمها في بعض البلدان الإسلامية؛ لأنهم يطبقون ذلك لو أن الناس أرادوا، ومن حقهم في ضوابط معينة أن يختاروا قوانين معينة، وهناك حرية في ذلك.
والغرض المقصود أن قوله ﵎: ((وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)) أن الحكم الشرعي لم يجعل للنبي ﵊، فالنبي ﷺ ليس شريكاً في الحكم، وكذلك العلماء والخلفاء والأولياء فلا أحد شريك في حكم الله .
стр. 215
الحاكم هو الله وحده
الرسول ﷺ يبلغ عن الله، وتجد هذا الكلام واضحاً جلياً لدى علماء الأصول من المسلمين، وهم يتكلمون عن أنواع الحكم الشرعي وهما: الحكم الوضعي والحكم التكليفي.
فيقولون: الحاكم هو الله وحده لا شريك له، والسنة مصدر من مصادر التشريع لا يمكن الاستغناء عنها، وكذا الإجماع والقياس.
ويقررون تأكيداً أن الحاكم هو الله وحده لا شريك له، وأن الرسول ﵌ مبلغ عن الله، وأن الإجماع ليس مشرعاً، وليس دليلاً في ذاته، بل هو كاشف عنه، يدل على وجوده، ووجود شرع من عند الله، فليس من حق الأمة أن تتجمع وتقرر تحليلاً أو تحريماً من دون حكم الله، فالعلماء لم تكن لهم سلطة في التشريع والحكم، وهذا أمر يختلف المسلمون فيه اختلافاً جذرياً عن اليهود والنصارى، الذين قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١].
следующие страницы →