Полный текст (261 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الله هو الولي
قال تعالى: ((مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ))، هذه الآية فيها نفي الولي من دون الله ، فالله الذي يتولى أمور الخلق بالإصلاح أو بالنصر أو بالإعانة أو غير ذلك، فلا يتوكل على غير الله، ولا يصلح الأمور أحد إلا الله ، وهذه هي عقيدة التوحيد، أي: توحيد الإلوهية التي يجب أن يحققها كل مكلف، فالذي يتولى غير الله فيجعله ولياً له، ويتوكل عليه ويسأله قضاء الحاجات، وكشف الكربات، فهذا أشرك بالله سبحانه، كما قال : ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف:٣].
فالذي يتولى غير الله فيجعله لقضاء حاجته، فهذا يوكل إلى العجز والضياع والخسران؛ لأنه سبحانه لم يجعل أحداً من دونه يتولى أمر عباده، ويصلح شأنهم، أو ينصر من دونه أحداً، إنما وحده الولي الناصر، ولذلك ليس لنا من دون الله ولي، فلا نسأل غير الله، ولا نتوكل على غير الله، ولا نلجأ في كل مصالحنا وإصلاح أمورنا إلا إلى الله .
والله جعل عباده المؤمنين بعضهم أولياء بعض، وليس ذلك من دونه ، بل هذا بأمره ، فموالاة المؤمنين بعضهم بعضاً، ليست على سبيل الربوبية لبعضهم البعض، إنما على سبيل التعاون على إقامة الدين والتناصر والتحابب في الله، وهي بأمره وليست من دونه.
والمؤمنون عندما يتخذ بعضهم بعضاً أولياء، يعلمون أنهم لا يملكون نفعاً ولا ضراً، وإنما الملك الحق لكل ذرات هذا الكون وكل ما فيه هو لله وحده لا شريك له.
стр. 212
الحكم لله وحده
ثم ذكر الله معنى آخر من معاني التوحيد والإيمان وهو: ((وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا))، فهنا انفراده بالحكم، وهذا يشمل الحكم الكوني القدري، والحكم الشرعي الديني، والحكم الجزائي يوم القيامة، فالله لا يشرك في حكمه أحداً، فأحكامه القدرية تجري بأوامره ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وهو لم يجعل لأحد من الخلق لا لنبي ولا لملك ولا لولي من الأولياء شيئاً من تدبير الكون أو النفع أو الضر، قال : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أءله مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢]، فهذا يدل على أن الله لم يجعل هذا لأحد، ولذلك لا يشرك في حكمه الشرعي أحداً من الخلق، كما قال لخير خلقه محمد ﷺ لما قال له الكافرون: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس:١٥]، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس شريكاً لله في الحكم، وإنما هو من عند الله سبحانه وبوحيه، كما قال النبي ﵊: (ألا إن ما حرم رسول الله كما حرم الله، ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه).
إذاً لم تأت هذه الأحكام التي حكم بها النبي ﵊ من قبل نفسه، كما قال : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء:٦٥]، فالرسول ليس شريكاً مع الله، وحكمه ليس شركاً، ولا يستقل بتشريع، وإنما السنة كالقرآن في التشريع في معرفة حكم الله، فحكم الله بالقرآن هو حكمه بالسنة، والرسول ﷺ لا يشرع للناس من قبل نفسه، إنما يشرع لهم بأمر الله.
والشرعة معناها: الطريقة المسلوكة وهذه طريقة معنوية، فشرع النبي ﵊ أي سيره على طريق، وهذا الطريق هو ما أمر الله به وشرعه.
فلا يجوز أن يعتقد لأحد أنه شريك لله في حكمه الشرعي، ولذلك قال علي ﵁ لما قال الخوارج: ((إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)): كلمة حق أريد بها باطل، لما أرادوا منع أن يحكم بين الناس بأحكام تصدر من قبل حكام المسلمين، فاستدلالهم بالآية جهل منهم؛ وذلك لأنه لا يشرك مع الله في حكمه أحداً، وهذا لا يعني أن الناس لا يتحاكمون فيما بينهم، فلا يحكم بعضهم على بعض بالشرع، بل بالتزام شرع الله .
ولذا قال النبي ﷺ لما قال له الصحابي أبو العسيف: اقض بيننا بكتاب الله، فقال النبي ﷺ : (والله لأقضين بينكما بكتاب الله، الغنم والجارية رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأة هذا الرجم)، فالرسول ﷺ يحكم بما أنزل الله، كما قال تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة:٤٨]، وبذلك لا يجوز لأحد أن ينسب للنبي ﷺ أنه يحكم من قبل نفسه؛ لأن هذا من الشرك، فكيف بمن يعتقد أن الحكم أصلاً هو للسفلة والفجرة والكفرة والمنافقين الذين لا علم لهم بالدين؟! فهذا من الكفر الأكبر المستبين بلا نزاع بين أحد من علماء المسلمين، ومن الأمر الواضح البين، وكذلك من اعتقد أن للبشر أن يشرعوا ما شاءوا من أحكام دون شرع الله ودون امتثال أوامره وأوامر الرسول ﷺ ، الذي هو في الحقيقة لا يحكم من قبل نفسه، إنما هو يبلغ عن الله: ((قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ))، فمن اعتقد أن للناس أن يحكموا بما يرونه عدلاً من غير الله فهو كافر خارج عن ملة الإسلام، وهذا أمر ظاهر جلي لكل من تأمل، وهذا الأمر ليس ببعيد، وإنما أعني بذلك أنه وإن كان كل الناس اليوم بحمد الله ﵎ أو أكثرهم أو عامتهم إلا طائفة من الزنادقة المنافقين والعلمانيين الذين أعلنوا ومازالوا يعلنون أنهم لا دخل لهم بالدين، لكن الكثرة الغالبة من المسلمين يعتقدون لزوم الحكم بشرع الله ، وأن الحكم لله .
стр. 213
القوانين المدنية في مصر وموقفها من الشريعة الإسلامية
هناك من لا يزال يحلم بعودة العقائد الفاسدة، فمنذ سنوات قليلة مضت لا تتجاوز الثلاثين أو العشرين كان الأمر يعلن بصراحة أن الشريعة لا يحكم بها إلا في المرتبة الرابعة، قبل أن يرفعوها إلى المرتبة الأعلى وهي أنها المصدر الرئيسي للتشريع، فكان القاضي لا بد أن يحكم أولاً بمقتضى الدستور أو القانون ثم بعد ذلك العرف، فإن لم يجد في ذلك فإنه يلجأ إلى الشريعة الإسلامية، وهذا كان وما زال في كتب القوانين، فأول ما أنشأت الدولة المدنية بعد الاستقلال في مصر دونت القوانين المدنية سنة ١٩٢٢م، وهذا مسجل في تلك الكتب القانونية، ولما أرادوا رفع مرتبة الشريعة رفعوها بنفس المبدأ وهو أن الأمر مرده إلى الناس، وذلك لأن الأصول التي قررتها الثورة الفرنسية الخبيثة أن الحكم للشعب، فإذا أرادوا شيئاً نفذ، وإذا أبوا أزيل ورفض والعياذ بالله! فلا يكون شرعاً إلا ما رضيه الناس، ومن هنا ما زالت أحكام غير الشريعة تحكم بلاد المسلمين؛ لأن الدستور في مصر لما عدل سنة ١٩٨١م إلى أن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع، لم ينص على إلغاء ما سواها، وبقي ما سن قبل هذا التاريخ عند القوم صحيحاً ملزماً للناس، فلا يخالف الدستور كما يقولون، ولو كان عين مخالفة شريعة الله ، كما لو أنه خالف القرآن صراحة كالربا مثلاً.
стр. 214
حكم الرجوع إلى الدستور في الحكم
فالدستور مصدر التشريع عند القوم، وذلك أنهم يرون أن هذا الأمر يرجع للناس، لأن الدستور لا يكون دستوراً إلا بموافقة الناس عليه، وما كان سوى ذلك فلا، ولو أنه جاء في كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ فلا يكون ملزماً للخلق إلا بعد أن يوافق الناس عليه، وهذا والعياذ بالله من أخطر وأفضع مظاهر الشرك، ولا يجوز لمسلم أن يعتقده أبداً بحال من الأحوال، فمبادئ فصل الدين عن الحياة وليس عن الدولة فقط أحدثتها الثورة الفرنسية، ومنها أخذ العلمانيون منذ أكثر من ثلاثة قرون أو أربعة قرون، وكذلك تقديس ما يسمى بالديمقراطية، ذلك الاسم العظيم القدر الذي يتمناه الناس ويتبجحون به، مع أن تفسيرها اللغوي والحقيقي هو التفسير الواقعي، وهو: أن الحكم للناس، فالدول التي تطبق ذلك ليس عندها اعتراض على ما يقرره الناس، ولذلك تجد أن التطبيق الصحيح للديمقراطية هو أنه يمكن لمجموعة من الناس في بلد ما أن يجعلوا قانوناً ملزماً لهم، ويختارونه بدل الشريعة، فالحكم بالشريعة في أمريكا مثلاً ربما يكون أيسر من حكمها في بعض البلدان الإسلامية؛ لأنهم يطبقون ذلك لو أن الناس أرادوا، ومن حقهم في ضوابط معينة أن يختاروا قوانين معينة، وهناك حرية في ذلك.
والغرض المقصود أن قوله ﵎: ((وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)) أن الحكم الشرعي لم يجعل للنبي ﵊، فالنبي ﷺ ليس شريكاً في الحكم، وكذلك العلماء والخلفاء والأولياء فلا أحد شريك في حكم الله .
стр. 215
الحاكم هو الله وحده
الرسول ﷺ يبلغ عن الله، وتجد هذا الكلام واضحاً جلياً لدى علماء الأصول من المسلمين، وهم يتكلمون عن أنواع الحكم الشرعي وهما: الحكم الوضعي والحكم التكليفي.
فيقولون: الحاكم هو الله وحده لا شريك له، والسنة مصدر من مصادر التشريع لا يمكن الاستغناء عنها، وكذا الإجماع والقياس.
ويقررون تأكيداً أن الحاكم هو الله وحده لا شريك له، وأن الرسول ﵌ مبلغ عن الله، وأن الإجماع ليس مشرعاً، وليس دليلاً في ذاته، بل هو كاشف عنه، يدل على وجوده، ووجود شرع من عند الله، فليس من حق الأمة أن تتجمع وتقرر تحليلاً أو تحريماً من دون حكم الله، فالعلماء لم تكن لهم سلطة في التشريع والحكم، وهذا أمر يختلف المسلمون فيه اختلافاً جذرياً عن اليهود والنصارى، الذين قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١].
стр. 216
من هو صاحب التشريع عند اليهود والنصارى ؟
اليهود والنصارى يعتقدون أن لأحبارهم ورهبانهم أن يسنوا تشريعات يلزمون الناس بها، وأن يحللوا ويحرموا، فلقد أحلوا لحم الخنزير مع وجود النصوص الدينية عندهم بتحريمه، فالتوراة تحرم الخنزير إلى يومنا هذا، والنصارى يعتقدون لزوم التوراة؛ لأنها العهد القديم عندهم، ومع ذلك فهم يستحلون الخنزير بقرارات مقدسة زعموها، فليست مقدسة في الحقيقة بل هي مدنسة، قد خرجت من مجامع الأحبار والرهبان فقرروا فيها تغيير الأعياد والتاريخ والعقائد والحلال والحرام؛ لأنهم يعتقدون أن علماءهم لهم سلطة في التشريع والتعديل على الكتاب المقدس والشهادة عليه بالصحة أو البطلان، ولذلك تجد عجباً في عقائدهم، فالنصارى ظلوا عشرين قرناً وهم يعتقدون أن اليهود هم الذين تسببوا في صلب المسيح، ثم بعد عشرين قرناً تتغير العقيدة بقرار من مجمع في الفاتيكان بأن اليهود أبرياء من دم المسيح! فالنصارى ظلوا هذه القرون الطويلة وهم يعتقدون أن الكتاب المقدس بشقيه: العهد القديم والعهد الحديث ليس فيه شيء من البطلان، ثم يقرر المجمع سنة ١٩٧٥م بأن العهد القديم فيه شيء من الشوائب وشيء من البطلان! فهذه منزلة أحبارهم ورهبانهم، وهذا لا يمكن أن يوجد في علماء المسلمين فضلاً عمن ليسوا بعلماء.
стр. 217
مذاهب الفقهاء ليست تشريعات
علماء المسلمين ليست مذاهبهم تشريعات، والناس يختارون منها، وأن العلماء من حقهم أن يشرعوا، وأن يحللوا ويحرموا، فمن اعتقد ذلك فقد كفر، قال الله: ((وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا))، وكذلك ليس ذلك جائز من باب أولى للجهلة.
إن أبا بكر وعمر أعلم بالرسول ﷺ من ابن عباس، وعروة ﵁ لما خالف ابن عباس ﵁ في مسألة المتعة في الحج قال له ابن عباس: أمر رسول الله ﷺ بالمتعة، فقال له عروة: أبو بكر وعمر كانا ينهيان عنها، مع أن مصدر فهم عروة لذلك ليس أن أبا بكر وعمر من حقهم الاعتراض، وإنما لأنهما أعلم برسول الله ﷺ من ابن عباس، فقال له ابن عباس: توشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم: قال رسول الله ﵌ وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟! فإذا كان هذا في حق أفاضل الأمة فكيف بالجهلة والفسقة والفجرة فضلاً عن الكفرة والمنافقين والمرتدين؟! فكم من كافر والعياذ بالله يقول فيه الناس: من حقه أن يقول: نعم أو لا إن خالف الشرع، ومهما كان رأيه مصادماً للدين، وهو ليس من أهل العلم ولا حتى من أهل الفضيلة، بل هو من الفسقة والفجرة والجهال! فإذا كان الأمر كذلك فيتصور أن يكون هذا موافقاً لتوحيد الله ، لذلك نجد أن هذه القضايا الاعتقادية في خاتمة القصة من أهم القضايا التي لا بد أن ينتبه لها المسلمون.
стр. 218
بيان التوحيد والشرك
قوله تعالى: ((ولا يشرك في حكمه أحداً)) وفي قراءة: ((ولا تشرك في حكمه أحداً))، وهذا النهي لا يتوجه إلا على المكلف، وإن كان الخطاب للنبي ﵊، والمعنى: لا تجعل مع الله شريكاً في الحكم.
عمل الإنسان قد يكون اعتقاداً، وهو التوحيد الخبري الاعتقادي، وهناك عمل الإنسان وهو التوحيد العملي الإرادي القصدي.
أما على القراءة الأولى التي نقرأ بها، وهي قوله تعالى: ((وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)) هذا الاعتقاد الجازم.
فمن اعتقد أنه يحل للناس ويجوز لهم أن يجعلوا مع الله شريكاً، فهذا شرك في التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي.
وأما على القراءة الأخرى: ((ولا تشرك في حكمه أحداً)) فهي خطاب فيما يتعلق بفعل المكلف، فالحاكمية في أفعال المكلفين يجب أن تكون إلى شرع الله دون أحد سواه، فلا يجعل مع الله شريكاً أو جزء يسير ولو في جانب من جوانب الحياة، ولذلك كان من الشرك الأكبر أن يجعل مع الله شريكاً في الحكم، ولو كان في حكم واحد.
فليست المسألة بالقلة والكثرة، إنما المسألة مسألة تأصيل، فكل أنواع الحكم بغير ما أنزل الله تكون شركاً، منها ما يكون كفراً ناقلاً عن الملة، ومنها ما يكون كفراً غير ناقل عن الملة، بل هو كفر دون كفر، ولكن ليس العبرة بالعدد.
وبعض الناس يقول: إن خمسة وتسعين في المائة من الشريعة موجود، وخمسة في المائة غير موجود، فهذا تهوين للشريعة، ولو أن يقول: واحد في المائة أو واحد في الألف.
ولو أن الإنسان استجاز مخالفة الشرع، وجعل مع الله شريكاً في حكم واحد لكان مشركاً شركاً أكبر ناقلاً عن الملة، طالما أنه علم أن هذا حكم الله، وفي نفس الوقت لو أن إنساناً صرف ألف عبادة لله، ثم صرف عبادة لغيره، أو سجد لله ألف سجدة، ثم سجد للصنم، فهذا مشرك والعياذ بالله.
ولو قال: أنا أعبد الله تسعمائة وتسعة وتسعين بالألف، وواحد في الألف أعبد غير الله، فقد أشرك بالله والعياذ بالله؛ لأنه عبد غير الله.
فالذي يقول: أنه يسعنا أن نخالف شرع الله، أو أن نجعل جزئية صغيرة من حكم الله فيها لغير الله، كـ ماركس ولينين، أو القوانين الفرنسية أو الأنجلوساكسونية، أو للطائفة الفلانية أو للمجلس الفلاني أو للشخص الفلاني؛ فهو كافر كفراً أكبر.
والنهي في قوله تعالى: ((ولا تشرك)) يدل على أن القضية قضية شرك، وليست مجرد قضية معصية فقط.
وهذه الآية مكية، فالشرك الذي كان يقع من المشركين هو الشرك الأكبر، لذلك نقول: أن هذا النوع من الاعتقاد العملي، وإذا كان الإنسان يعلم أن هذا حكم الله، ويصوب في نفس الوقت التحاكم إلى غيره ، فهو أيضاً كافر كفراً مخرج من الملة.
стр. 219
بيان الشرك دون الشرك أو الكفر دون الكفر
من كان يعتقد وجوب شرع الله في كل الأمور، وفي نفس الوقت هو ملتزم بشرع الله ، ولا يبدل الشرع، ولكنه يخالفه، وهو يعلم أنه منتسب إليه كذباً، كأن يقول مثلاً: إن الشهود في هذه القضية ليسوا عدولاً، أو الشهود لم يبلغوا أربعة، وهو يعلم أنهم أربعة، لكنه يزور في الأوراق مثلاً، أو القاضي الظالم يقول: لم يشهدوا وهم قد شهدوا عنده، ولكنه في التطبيق على الواقع يخالف الحقيقة، مثل إنسان يقول: هذا الإنسان يستحق القتل، لأنه مفسد في الأرض مثلاً، وقد قال الله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة:٣٣]، ويكون هو المفسد في الأرض، فقد أفسد في العقيدة وطبق هذه الآية على غيره، كأن يقول: هذا فلان سوف نقطع يده لأنه سرق، وهو الذي سرق، أو ليس هذا الذي سرق ولكنه يقطع يده، فهذا لو حكم ألف حكم من هذا النوع لم يكن كافراً كفراً أكبر، بل كان كافراً كفراً أصغر لأنه ملتزم بالشرع، فهو لم يقل: أنا أقطع يد هذا لأني أرى ذلك، أو لأن فلاناً قد شرع ذلك، وإنما كأن يقول مثلاً: نقطع لسان هذا أو يد هذا؛ لأنه لامس أجنبية، أو لأنه امتدت يده إلى ما لا يجوز مثلاً، أو صنع أي شيء.
ومع أنه عندما يقرر أن الكلام هذا ليس منسوباً للشرع، فهو يقرر أن أحداً دون الله له حق في التشريع والتحاكم إليه والعياذ بالله، فهذا هو الشرك الأكبر.
أما أن ينسب ما يفعله إلى الشرع كذباً وزوراً، فهذا كفر أصغر، وليس هذا عبرة بالقلة أو الكثرة وعدد ما حكم به من الأحكام أو بنسبتها إلى ما يحكم به.
فمن سجد لله ألف سجدة، وسجد للصنم سجدة واحدة صار مشركاً، فكذلك من رأى أن شرع الله ملزم في ألف حكم، وغير ملزم في حكم واحد، فيسع الناس أن يخرجوا عن شرع الله الذي ألزمهم به، ويعلم أن الرسول أوجب ذلك، ولكن يتركه إعراضاً عنه وإيثاراً لحكم الجاهلية عليه، ويصوب ذلك، ويرى أن هذا الأمر هو الحق، فيلزم به جميع الخلق؛ كان ذلك أيضاً شركاً أكبر.
أما الذي يرتشي في كل القضايا، فلا يكفر، والقاتل عمداً عليه القصاص أو الدية، فمن زور صلحاً يرغم به أهل القتيل على الصلح، ويقول: تم الصلح بناءً على جلسة فلانية بين أهل القتيل والقاتل، وهذا لم يحصل لكنه هو الذي أكرههم، أو يقول: ثبت أن هذا القتل خطأ وهو يعرف أنه عمد، من أجل أن يفرض عليهم الدية ويسقط القصاص، فهذا كفره كفر أصغر.
وهذا الذي يقع من حكام المسلمين الظلمة عبر التاريخ، فـ الحجاج بن يوسف الثقفي لم يكن يحكم دون حكم الله ، لكن كان ينسب قتل الحسين بن علي -حفيد الرسول ﷺ إلى الشريعة، فيحتج بحديث الرسول ﷺ أنه قال: (من أتاكم وأمركم جميعاً على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم، فاضربوا عنقه بالسيف كائناً من كان)، فهو يزعم أن قتل الحسين موافق لكلام النبي ﵊، بخلاف من قال: أنا أقتله من أجل أنه خالفني، أو لأجل أن القانون يقتضي قتل هذا الإنسان مثلاً.
والذي يقول مثلاً: هذا الزاني يحبس ستة أشهر؛ لأنه زنى بامرأة فلان، أو دفعت له رشوة في هذه القضية، فيقول: هذا الرجل لم يزن؛ لأن الشهود، لم يقروا بذلك، أو ثبت أنه كان في حجرة النوم مثلاً، فهو يستحق التعزير أو الحبس ستة أشهر.
فهناك فرق بين أن يثبت أن فلاناً زنى فلا يحكم عليه بالرجم، أو الجلد الذي شرعه الله، ولكن يحكم عليه بخلاف ذلك، وبين الذي يثبت الحدود الشرعية ولكنه لا يطبقها.
فهذا الفرق غفل عنه الكثيرون جداً، وظنوا أن هذا الباب ليس من التوحيد، وأنه نوع من المعصية فقط، والآيات صريحة جداً، وكلام أهل العلم صريح جداً في ذلك، كما نقله غير واحد من العلماء، ومن أحسن ما ذكر في ذلك كلام الشيخ الشنقيطي ﵀.
والنوع الثالث من الأحكام التي ليس لله فيها شريك، والحكم الجزائي يوم القيامة هو في الحقيقة اجتماع الحكم الشرعي مع الحكم الكوني القدري، فإن الله أنزل في كتبه المقدرة على رسله أن الجنة والثواب والإكرام والإعزاز للمؤمنين، وأن النار والإهانة والذلة والعذاب للكافرين، فيحاسب الله الناس يوم القيامة على ما شرعه لهم.
وبذلك كانت الشفاعة ملكاً له ، ليست الشفاعة ملكاً للرسول ﷺ ولا للأنبياء ولا للملائكة، بل لا يشفعون إلا بإذن الله، ولمن ارتضى الله ، فالحكم الجزائي له وحده، ولذلك لا يدخل أهل الجنة الجنة إلا بإذنه، قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم:٢٣]، ولا يخرج أهل النار منها إلا بإذنه ، وذلك يظهر جداً في مقام الشفاعة الكبرى للنبي ﷺ ، فيقيمه الله ويبعثه المقام المحمود؛ فيسجد تحت العرش، ويظل يثني على ربه بأنواع الحمد والثناء والمحامد التي لم يحمده بها أحد قبله، حتى يقال له: (يا محمد! ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع)، فعند ذلك يأذن الله له بالشفاعة، ليعلم الجميع أن الشفاعة لله ، وأنه لا شفيع من دونه بل بأمره، قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام:٥١].
стр. 220
معنى قوله تعالى: (واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك
قوله تعالى: ((وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ)) قال ابن كثير ﵀: يقول تعالى آمراً رسوله ﷺ بتلاوة كتابه العزيز، وإبلاغه إلى الناس: ((لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ)) أي: لا مغير لها ولا محرف ولا مزيل.
قوله تعالى: ((وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا)) عن مجاهد: (ملتحداً) قال: ملجأ، وعن قتادة ولياً ولا مولى.
وقال ابن جليل: يقول: إن أنت يا محمد لم تتل ما أوحي إليك من كتاب ربك، فإنه لا ملجأ لك من الله، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) [المائدة:٦٧]، وقال: ((إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص:٨٥] أي: سائلك عما فرض عليك من إبلاغ الرسالة، فهذه الآية تضمنت تلاوة القرآن وهي تتضمن عدة معان.
стр. 221
بيان المراد بالتلاوة
لا شك أن بداية التلاوة القراءة، والقراءة مأمور بها العبد ليتعلم، وليعلم غيره، وليتبع بعد ذلك، وقد فسر غير واحد (واتل) أي اتبع ما أوحي إليك من كتاب ربك.
وابن كثير فسرها بتلاوة القرآن مبلغاً ومعلماً لهم، وهذا معنىً صحيح لا شك فيه، والآية تتضمن المعاني كلها، فتتضمن معنى القراءة للفهم، وتعليم الناس والعمل به واتباعه كما أمر الله ، قال: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران:٧٩].
فهو يَدْرسُ ويعلم غيره، وهو رباني عالم عامل، فالذي يتعلم ولا يعمل، أو يعلم ولا يعمل ولا يتبع هو ليس ربانياً، إنما الرباني الذي يلتزم ما يأمر به وما يتلوه.
واتباع الكتاب أعظم وأهم أمر يبنى من خلاله تصديق الأخبار وامتثال الأوامر والنواهي، وهو في الحقيقة مصدر حكم الله الذي لا يجوز أن يشرك العبد به أحداً، فمن أين يعلمه؟ من تلاوة ما أوحى الله إلى رسوله ﷺ من كتاب الله.
стр. 222
معنى قوله تعالى: (لا مبدل لكلمات الله)
قوله: ((لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ)) أي: لا مبدل لكلماته الشرعية، فإن القرآن قد حفظه الله ، كما أنه لا يجوز للمؤمن أن يعتقد أن لأحد أن يبدل كلام الله، ولو كان الرسول ﷺ ، فهذا هو الظاهر في الكلمات هنا؛ لأن الآيات إنما هي في كتاب الله المنزل.
وأيضاً لا مبدل لكلمات الله الكونية، فإن الله سبحانه إذا أمر بأمر كان، إنما هو ((إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ))، ولكن السياق في الآيات الشرعية، فمعنى لا مبدل لكلماته، أي لا يوجد شرعاً من له حق التبديل في كتاب الله، ولذا كان تبديل كلمات الله الشرعية كفراً وشركاً بالله؛ لأن الله قال: ((لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ)) فالذي قال: يوجد مبدل لكلمات الله فقد كذب القرآن والعياذ بالله، والذي يقول: من حق الناس أن يغيروا التشريع ويغيروا كلام الله ويأتوا ببديل فقد كذب القرآن.
فمعنى ((لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ)) أي: أن الناس لن يقدروا على إزالة الآيات وتغييرها بغيرها، وسيفضحون إن فعلوا ذلك، ولن ينتشر ذلك الباطل كالحق بل ينتشر على أنه باطل، وهذا -والله- أمر حاصل، فإن الله حفظ كتابه العزيز فلا تصل إليه يد، ولو حاول إنسان أن يحرف منه حرفاً سيفتضح في أرجاء الأرض مشارقها ومغاربها بحمده .
стр. 223
معنى قوله تعالى: (ولن تجد من دونه ملتحداً)
قوله: ((وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا)) وإن كان ترهيباً في صورته فهو خطاب للنبي ﵊ وللمكلفين، فلا تعمل للناس حساباً فتترك تلاوة ما أمرك الله به من الكتاب، أو أن تتبعهم في التبديل؛ لأنك إن خالفت شرع الله، فلن يكونوا نصراء لك، ولن تجد ملجأ ولا نصيراً.
وإن كان الخطاب للرسول ﵊ فالمقصود غيره بلا شك، والرسول ﷺ يتبع كتاب الله ويتعلمه ويعلمه الناس ولا يستبدل الحق بالباطل، ولا يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولا يبدل شرع الله وكلامه وآياته أبداً.
قال الشيخ الشنقيطي ﵀ في تفسير قوله ﵎: ((وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)): قرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا ابن عامر (ولا يشرك) والمعنى: ولا يشرك الله جل وعلا أحداً في حكمه، بل الحكم له وحده جل وعلا، لا حكم لغيره البتة، فالحلال ما أحله الله تعالى والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، والقضاء ما قضاه.
وقرأ ابن عامر من السبعة: (ولا تُشْركْ في حكمه أحداً) بصيغة النهي، أي: لا تشرك يا نبي الله، أو لا تشرك أيها المخاطب أحداً في حكم الله جل وعلا، بل اخلص الحكم لله وحكمه جل وعلا المذكور في قوله تعالى: ((وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)) شامل للحكم الشرعي والكوني.
أما على القراءة الثانية: ((وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)) فهذه لا تحتمل إلا الحكم الشرعي، وذلك أن العبد له تعلق بالحكم الشرعي، وإنما يتحاكم الناس في خصوماتهم إلى شرع الله أو إلى غيره، فالتحاكم إلى شرع الله توحيد، وإلى غيره شرك بنص الآية.
لذلك اتفقت كلمة العلماء سلفاً وخلفاً على أن الحاكم هو الله وحده، مصداقاً لقوله الله تعالى: ((إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ))، وللآية السابقة، ولذلك لا نجد نزاعاً بين أهل العلم في أن الحاكم هو الله ، وإذا ذكروا حكم الرسول ﷺ وحكم الحاكم والقاضي، فعلى سبيل التبعية، فحكم الرسول ﵌ بنص القرآن من عند الله ، قال تعالى: ((قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي)).
стр. 224
الحكم لله وحده
ما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الحكم لله وحده لا شريك له جاء مبيناً في آيات أخر، كقوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]، وقوله تعالى: (نِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف:٦٧]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢]، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]، قوله تعالى: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٧٠]، وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]، وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام:١١٤]، إلى غير ذلك من الآيات.
стр. 225
أنواع الحكم
فهذه آيات كثيرة تكررت مرات عديدة في إثبات أن الحكم لله بجميع أنواعه، وهي: الحكم الشرعي، والحكم القضائي القدري، والحكم الجزائي، فإنه كله لله.
وذلك ككل مسائل الاعتقاد التي يكثر بيانها في القرآن بأوضح الأدلة وأعظم البراهين، لكي تستقر في نفوس المؤمنين، ويرد على الكافرين والمنافقين شبههم وأباطيلهم، لكثرة تأكيد المعاني الإيمانية.
قال ﵀: ويفهم من قوله تعالى: ((وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)) أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله، أنهم مشركون بالله، وهذا المفهوم جاء مبيناً في آيات أخر، كقوله تعالى فيمن اتبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١]، فصرح بأنهم مشركون بطاعتهم، وهذا الإشراك في الطاعة واتباع التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى هو المراد بعبادة الشيطان، لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦٠ - ٦١].
وكان الكفار يقولون: أتأكلون مما قتلتم ولا تأكلون مما قتل الله بيده؟ فكانوا يزعمون بهذا التأويل الفاسد إباحة الميتة وتحليلها، وهم يعلمون أن الله أنزل على نبيه ﷺ تحريمها، ولكنهم آثروا ما نشئوا عليه من إباحتها، فكانوا يجادلون بهذه المجادلات الباطلة، فأكد الله النهي فقال: ((وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ)).
فالأوامر والنواهي هي التي يعرف منها التشريع، وليست الأقيسة الفاسدة والعقول السخيفة التي يستعملها المشركون، فسمى الله من أطاعهم في تغيير الشرع مشركين فقال: ((وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ))، وهذا هو ما أخبر الله به عن المشركين، وما نهى عنه بني آدم من عبادة الشيطان، وذلك باتباع تشريع فيه خلاف شرع الله ، ومن اتبع الشيطان في خلاف شرع الله فهو عابد له، وكل من سن تشريعاً يخالف تشريع الله فقد شطن وبعد عن الحق، فهو شيطان من شياطين الإنس أو الجن، كما بين أن شياطين الإنس أعداء الأنبياء كشياطين الجن: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢].
وقوله تعالى عن نبيه إبراهيم: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم:٤٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء:١١٧]، أي: ما يعبدون إلا شيطاناً وذلك باتباع تشريعه؛ لذا سمى الله تعالى الذين يطاعون فيما زينوا من المعاصي شركاء، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام:١٣٧]، فسماهم شركاء ونسبهم إليهم؛ لأنهم اخترعوا هذه الشركة مع الله، ولا حقيقة لها في الواقع، وإنما هي في أذهانهم وعقولهم الفاسدة وعقائدهم الباطلة، وهم اعتقدوا أن هؤلاء شركاء مع الله، ولذلك بين الله بطلان ذلك، والشركاء زينوا للمشركين وأد البنات خشية الفقر، وجعل ذلك الشرع من الشركاء؛ لأنهم هم الذين اتخذوهم.
стр. 226
معنى قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله)
بين النبي ﷺ لـ عدي بن حاتم ﵁ لما سأله عن قوله تعالى: ((اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)) أنهم أحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله، فاتبعوهم في ذلك؛ فذلك هو اتخاذهم إياهم أرباباً.
وهذا اتباع على تحريم الحلال وتحليل الحرام، وليس على مجرد فعل الحرام أو ترك الحلال، فهو اتباع على التبديل، بخلاف من يتبع مع اعتقاده بتحليل الحلال وتحريم الحرام، ولكنه يفعل ذلك معصية، كأن يجد فرصة للزنا فيزني، ولا يراه أنه حرية شخصية، بل يراه محرماً، بخلاف من لا يزني ولكنه يرى أن من أراد أن يزني فليزني لأنه حرية شخصية، وأن هذا الأمر مردود إلى اختيار الإنسان، وأن المشكلة تكون في الإكراه، وإذا كان الإنسان موافقاً فلا حرج؛ فمثل هذا ولو لم يزن فهو مشرك.
ومن أصلح الأدلة أن الله جل وعلا بين أنه من العجب أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله مع زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت متناقضة، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠]، وبهذه النصوص السماوية يظهر غاية الظهور الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، ولا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه -عن نور الوحي- مثلهم.
والعجب أن أناساً ينتسبون إلى الدين وإلى الدعوة يرون أن اتباع من يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أولئك مخالفٌ لما شرعه الله على ألسنة رسله صلوات الله وسلامهم عليهم أجمعين؛ مجرد معصية طالما لم يستحل ذلك، فإنه لا حرج عليه بل يدخل الجنة يوماً من الأيام! وهذا بلا شك وضع للأشياء في غير مواضعها، وخلط بين ما يناقض الإيمان من أصله وبين ما يناقض كماله.
وذلك أن وجود تشريع خلاف تشريع الله لهذه الآية واعتقاد أن الحكم يكون لغير الله شرك كما دلت عليه آية الكهف وآية النساء وآية سورة المائدة وآية سورة التوبة وآية سورة الشورى، فالآيات كثيرة جداً في أن الحكم صفة لله وحق له ، فمن صرفه لغيره فقد عبده.
стр. 227
بيان حكم الأنظمة الوضعية
стр. 228
أقسام النظام الفرعي
قال الشنقيطي: تنبيه! اعلم أنه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السماوات والأرض، وبين النظام الذي لا يقتضي ذلك، وإيضاح ذلك أن النظام قسمان: إداري وشرعي، أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور، وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع، فهذا لا مانع منه ولا مخالف فيه من الصحابة، فمن بعدهم.
فقد عمل عمر ﵁ من ذلك أشياء كثيرة ما كانت في زمن النبي ﷺ ، ككتبه أسماء الجند في ديوان لأجل الضبط ومعرفة من غاب ومن حضر، مع أن النبي ﷺ لم يكتب الدواوين، ولم يكتب أسماء المقاتلين في قبائلهم، ولم يعلم بتخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك إلا بعد أن وصل تبوك.
وكاشتراء عمر ﵁ دار صفوان بن أمية، فجعلها سجناً في مكة المكرمة، مع أنه ﷺ لم يتخذ سجناً ولا أبو بكر، وإنما كان يحبس في تهمة في بعض دور أصحابه.
فمثل هذه الأمور الإدارية التي تفعل مما لا يخالف الشرع لا بأس بها، فقد ثبت أن الرسول ﷺ حبس بتهمة، فإذا ثبت الحبس كنوع من التعزير، يصح أن يجعل له سجناً لكثرة الناس، ولأن الإمام لن يجد كل مرة بعض أصحابه ليضع المحبوس ذلك الذي يحتاج إلى حبسه عنده.
يقول: هذه الأمور الإدارية كتنظيم شئون الموظفين، وتنظيم إدارة الأعمال، لا تخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة.
وأما النظام المخالف لتشريع خالق السماوات والأرض، فتحكيمه كفر بخالق السماوات والأرض.
فدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف كفر كالقوانين المطبقة في تونس، فإنها تنص على توريث الذكر مثل الأنثى، وككل ما تمليه قرارات المرأة العالمية، فإنها لا تفتأ في كل مرة من ذكر وجوب مساواة الرجل للمرأة في الميراث، ولزوم تغيير التشريعات التي فيها التفاوت بين الرجال والنساء، وكلها مقررات معلومة تتحفظ عن بعضها إجمالاً بعض الدول المسماة بالإسلامية، التي تنص قوانينها على لزوم الرجوع إلى الشريعة والعقيدة، لكن هذا المبدأ اعتقده المشرعون الغربيون، ونشروه في الناس، ولا يزالون يحاولون رد المسلمين عن هذا الأمر.
стр. 229
حكم بعض الأحكام القبلية المخالفة للشريعة
بعض الناس يظلمون النساء فلا يعطوهن شيئاً من الميراث على الإطلاق، كبعض القبائل يفعلون ذلك على سبيل القهر والغلبة، وبعضهم يفعل ذلك على سبيل التشريع.
فمثلاً في بعض القبائل العربية الغير ملتزمة بالشرع يعطون النساء ما يسمونه فتفوتة، فيعطونهن جزءاً من الميراث، والأبناء الكبار يأخذون الميراث، ويسمونه شرعة والعياذ بالله، ويعلمون مخالفتها للشرع، ولكنهم يلتزمون بهذا، فهذا من الكفر لا شك في ذلك.
ودعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف شرك، فمن سن تشريعاً عاماً في أن كل امرأة ترث مثل الرجل فهذا كفر، وتحكيمه كفر، أما إذا أكل الأخ حق أخته مثلاً أو امرأة أكلت حق إخوانها الصغار، بأن كانت كبيرة وهم صغار والأمور في يدها، فهذا ظلم ومعصية.
стр. 230
محاولة أعداء الإسلام تبديل بعض الأحكام الشرعية
دعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، ويلزم استواؤهما في الميراث، ودعوى أن تعدد الزوجات ظلم؛ وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأنه لا يجوز أن يقع من الرجل إلا إذا طلق القاضي؛ هذه كلها من محاولات أعداء الإسلام العديدة في تشريع قوانين الأحوال الشخصية في بلاد كثيرة، مثل منع الطلاق أسوة بدول أوروبا، مع أن دول أوروبا تتجه الاتجاه العكسي، وهو إباحة الطلاق، وتوسيع دائرته، وأنه لا يمكن أن يتم إلا بأمر القاضي، أما أن يطلق الزوج زوجته فتصبح طالقاً فهذا ليس بمقبول في دول أوروبا؛ لأنهم انتقلوا من تحريم الطلاق بالكلية إلى إباحته بشرط أن يطلق القاضي.
وكذلك مبدأ أن تعدد الزوجات ظلم، ولذلك فإن بعض البلدان الإسلامية تجرم الزواج بالثانية، وأعطوا حق الطلاق للمرأة إذا تزوج عليها زوجها، وإذا لم تطلب الزوجة الطلاق، فالزواج الثاني مشروع.
أما في تونس وتركيا فإنهم نجحوا في تجريم الزواج الثاني مطلقاً، فمن ثبت أنه عقد على امرأة غير زوجته الأولى فهو يستحق عقاباً شديداً، سواء طالبت المرأة الأولى أو لم تطالب؛ لأن تعدد الزوجات عندهم ظلم للمرأة، فلا يجوز ذلك.
وهنالك قصة مشهورة وقعت في تونس، وهو أن رجلاً ثبت عنه أنه تزوج الثانية، فأثبت أمام المحكمة أنها عشيقته وليست زوجته، والنظام في تونس كالقانون الفرنسي الذي أخذ منه القانون المصري أيضاً، وهو أن العشيقة إذا كانت في منزل الزوجية لا يعد ذلك جريمة، خصوصاً إذا كانت المرأة ليست متزوجة.
أما إذا كانت متزوجة فليس هذا جريمة إلا أن يسأل الزوج عنها ويرفع ذلك إلى المحكمة، فلا تسمع أي دعوى زنا إلا من خلال الزوج، فإذا كانت المرأة بالغة سن الثامنة عشرة، ووقعت في الفاحشة فلا يسمون ذلك زنا، وإنما يسمونه وقاعاً، أما الزنا عندهم فهو بين المتزوجين فقط! وهذا تحايل على الشرع.
ولذلك فإن القانون المصري ينص على أن من واقع أنثى بغير رضاها، فإنه يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة أو المؤبدة.
وإذا كانت من المحارم أو كان ممن يرعاهم أو كان ذلك مع التهديد بالسلاح أو كان ذلك بالخطف؛ فيمكن أن ترفع العقوبة إلى الإعدام.
فهذا النوع من النظام لا يشك مسلم أنه كفر.
стр. 231
حكم تحكيم النظام المخالف للشريعة الإسلامية
دعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس فيه إنصاف، وأن تعدد الزوجات والطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان، فإن كل قوانين حقوق الإنسان العالمية تمنع من العقاب البدني بالكلية، وتدعو إلى إلغاء عقوبة القطع والجلد والضرب والإعدام.
وهناك دول كثيرة عملت على إلغاء هذه العقوبات التي يسمونها وحشية القرون الوسطى أو العصور الوسطى، وهذا كفر والعياذ بالله.
فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم كفر بخالق السموات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها، وهو أعلم بمصارفها علواً كبيراً عن أن يكون معه شريك آخر، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس:٥٩]، وقال أيضاً: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦].
وقد قدمنا جملة وافية من هذا النوع في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩].
стр. 232
خلاصة كلام الشنقيطي رحمه الله تعالى في الحكم بغير ما أنزل الله
بعد هذا الكلام الواضح لا يمكن لأحد أن يزعم أن الشيخ الشنقيطي ﵀ يقول: إن الحكم بغير ما أنزل الله وتحكيم القوانين الوضعية كفر أصغر، ومن الباطل أن يقال: إن الشيخ إنما يقصد ذلك إذا استحله.
فكلام الشيخ واضح أن تحكيم هذا النوع هو في الحقيقة أعظم من الاستحلال، فهو كفر بخالق السموات والأرض.
وذلك كما ذكرنا أن هذا التحكيم أشد من الاستحلال، فالتحكيم فيه إلزام الناس بشيء، ومنعهم من غيره، كإرغامهم بخلاف الشريعة، وتحريمهم الالتزام بها، وذلك لا يحتاج معه إلى أن يقول: وأنا أستحل ذلك.
فإذا قال: أنا أوجب على الناس وأشرع لهم وألزمهم بأن يسود فيهم القانون، سواء ما كان موافقاً للشرع أو ما كان مخالفاً، إلى أن يتم تغييره، فإن هذا الإلزام والإيجاب أعظم من الاستحلال.
ولو أن إنساناً قال: يجب مخالفة الشرع، والآخر قال: يباح أن نُحكِّم خلاف الشرع، فالعجب أن يقال: إنه لا بد أن يستحل ذلك، فإن قوله: يباح أشد من المستحل، فلا يمكن أن يقال: لا بد أن يقول: يباح ذلك أو يجب.
فهذا الأمر يتصور في الوقائع المعينة، أما في التشريع العام فلا يتصور ذلك، ولا بد أن ينسب ذلك إلى الشريعة.
فإذا أراد أن يمنع زوج أخته من أن يتزوج عليها زوجة ثانية، ويدخله السجن بتهم باطلة، فيقول -مثلاً- إنه ضربها أو آذاها وهو كذاب في الحقيقة، فهو يريد أن يعاقبه على تجرئه على هذه الفعلة مثلاً، فاستعمال سلطته كفر دون كفر.
أما من قال: إن الزواج الثاني حرام، أو هو جريمة يعاقب فاعلها، فلا فرق بينهما، ومن يحاول أن يفرق بين الكلامين فإنه إنسان ضال مغرض، فقوله: الزواج الثاني جريمة يعاقب فاعلها، مثل أن يقول: الزواج الثاني ممنوع في القانون.
أما من كان لها حاكم قريب، أو دفعت له رشوة وقالت له: زوجي يريد أن يتزوج عليًّ، فأتى بزوجها من البيت، وضربه ضرباً وأدخله السجن وظلمه هذا الظلم، فهذا حكم بغير ما أنزل الله فعلاً، وهو كفر دون كفر، ولو تكرر ذلك منه.
أما أن يسن تشريعاً عاماً للناس جميعاً، فهذا لا يمكن أن يصدر إلا ممن يعتقد أن الزواج الثاني ظلم، ولا يمكن أن يصدر إلا ممن يطعن في شرع الله .
فلو أن إنساناً وجد عدواً له يصلي، فانتهزها فرصة فجاء إليه وضربه وهو يصلي، لأنه لم يجد فرصة غيرها، ومنعه أن يصلي، فهذا ظلم بلا شك، لكن لو جعل ديدنه أن كل من صلى ضرب، وسن تشريعاً في ذلك، فلا يمكن أن يكون إنساناً مسلماً بدرجة من الدرجات.
وكذلك لو قال: كل من قرأ القرآن أو حفظه فإنه يسجن، أو من لبست الحجاب فإنها تطارد بأعظم أنواع المطاردة، ويسن تشريعاً أن من لبست الحجاب في المجامع العامة فإنها تعاقب، وكما تفعله بعض البلدان؛ فهذا كافر، ولا يمكن أن يكون مسلماً بحال من الأحوال وهو يكره الحجاب، إلا إذا تصور أنه ليس من الدين، أما إذا علم ذلك وتليت عليه الآية: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، فيقول بعد ذلك: الحجاب ليس من الدين، فهذا كافر بطريقة الجحود والعياذ بالله.
وفي تركيا أغلقوا مدرستين لتهاون القائمين عليهما في مسألة لبس الطالبات الحجاب.
فلو لبس الطالبات الحجاب يصبح عندهم مصيبة سوداء، ولذلك فإنهم فرضوا على كل طالبات الثانوي أن يكون زيهن المدرسي مرفوعاً إلى نصف الساقين وقد يصل إلى أن يكشف الفخذان والعياذ بالله.
فهل هناك مسلم يقول: إن المرأة تفصل ويعاقب وليها إذا لم تكشف فخذها؟ هذا لا يمكن، والذي يتنازل في هذه المسألة ويقول: إنه كفر دون كفر، فهو إنسان مغرض، والعياذ بالله.
أما إذا كان هناك هوى في النفس يدفع بعض القائمين بذلك فإن هذا كفر دون كفر، وهذا يكون في الوقائع المعينة، وفي الشخص المعين نفسه إذا كان جاهلاً.
أما إذا كان الأمر معلوماً عند المسلمين، وأدلته من الكتاب والسنة ظاهرة، ويلزم الناس في التشريع العام بخلافه، فهذا فعلاً كما ذكر أهل العلم مناف لتوحيد الله ولحكمه.
стр. 233
لا مبدل لكلمات الله
قال تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف:٢٧]، فالتلاوة تشمل معنيين: القراءة، والاتباع.
وهذا مذكور في آيات كثيرة في كتاب الله ، كقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٤] فهذه الآية تدل على قراءة القرآن، وقوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٠٦].
وقوله تعالى: ((إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ))، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على الأمر باتباع هذا القرآن العظيم.
وقوله تعالى: ((لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ)) قال الشيخ الشنقيطي ﵀: بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه لا مبدل لكلماته؛ لأن أخبارها صدق وأحكامها عدل، فلا يقدر أحد أن يبدل صدقها كذباً، وعدلها جوراً، وهذا الذي ذكره هنا جاء مبيناً في مواضع أخر كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام:١١٥]، فقوله: صدقاً يعني في الإخبار، وعدلاً في الأحكام.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام:٣٤].
لقد بين تعالى في مواضع أخرى أنه هو الذي يبدل ما يشاء من الآيات مكان ما شاء منها، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل:١٠١]، وقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٠٦]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس:١٥].
وقد ذكرنا أن معنى كلمات الله في قوله تعالى: ((لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ)) أنها تشمل الكلمات الكونية التي خلق الله بها الخلق، فإذا قضى الله أمراً لم يكن في إمكان أحد ولا في قدرته أن يبدل هذا الأمر، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٧].
وتشمل أيضاً الكلمات الشرعية فهي بمعنى لا تبدل، فما تكلم الله به فهو كلامه أبداً، ولا يمكن أن يبطله تكذيب أحد، أو ترك أحد له، بل كلام الله هو صفته ، فلا يمكن أن يبدل الكلام الذي هو عنده.
والله إذا بدل آية مكان آية أو نسخها فلا يعني ذلك أن الآية الأولى التي تكلم الله بها ليست من كلامه، ولكنها كانت من كلامه لتشريع معين في وقت معين.
ومن ذلك الآيات التي يتعبد الناس بتلاوتها بعد نسخها، وحكمها قد نسخ؛ لأن هذا مما يفعله الله .
وقوله تعالى: ((وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ)) فهذا القرآن لا يمكن أن يبدله الكفار، ولا يمكن أن يحرف، بل لا بد أن يظل محفوظاً، أما الكتب السماوية السابقة فقد وقع فيها التبديل والتحريف.
فالله تكلم في التوراة، وتكلم في الإنجيل ، وكلامه لا يمكن أن يبدل، فيعلمه الناس إذا ظهر الحق، كنزول المسيح ﵊ -مع أنه لا يلزم أن يعلم الناس الإنجيل- وظهور التوراة والإنجيل الحقيقين يوم القيامة، ولا يمكن أن يقع في القرآن الذي أوحاه للنبي ﷺ كما وقع للكتب السماوية لأن الله يحبه.
أما الكتب السماوية الأخرى فيمكن أن ينتشر عند الناس المحرف منها، وليس ذلك بتبديل لكلمات الله، بل هي باقية عنده ، وهي من كلامه، ولكن ابتلاهم الله بإعراضهم عن الحق، بأن جعلهم يتمسكون بالمحرف المبدل، وهم معترفون بأنه قد وقع التبديل والتحريف في كتبهم، وكل من يتأمل هذه الكتب يجزم بوقوع التبديل والتحريف فيها.
стр. 234
لا ملجأ من الله إلا إليه
قوله تعالى: ((وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا))، يقول الشيخ الشنقيطي ﵀ أصل ملتحد مكان الالتحاد، ومنه اللحد في القبر، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت:٤٠] أي: يميلون عن الحق، وقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠].
فمعنى اللحد والإلحاد الميل عن الحق، والملحد المائل عن دين الحق، وهنا الملتحد مكان الالتحاد، والمراد به هنا: المكان الذي يميل فيه، فلا ينجيه ذلك مما يريد الله أن يفعله به.
فالنبي ﷺ لا يجد من دونه ملتحداً، أي مكاناً يميل إليه ويلجأ إليه إن لم يبلغ رسالة ربه ويطعه.
وهذا المعنى جاء مبيناً في مواضع أخر، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ [الجن:٢١ - ٢٣]، إلا هنا استثناء منقطع، أي: لا يكون إلا بلاغاً من الله ورسالاته يجيرني من عذاب الله.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٤٤ - ٤٧].
وكونه ليس له ملتحد، أي: مكان يلجأ إليه، تكرر نظيره في القرآن بعبارات مختلفة كالمناص والمحيص والملجأ والموئل والمفر والوزر، كقوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص:٣]، وكقوله: ﴿وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء:١٢١]، وكقوله: ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [ق:٣٦]، وكقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى:٤٧]، وقال تعالى: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف:٥٨]، وقال: ﴿يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لا وَزَرَ﴾ [القيامة:١٠ - ١١].
وكل ذلك راجع في المعنى إلى شيء واحد، وهو انتفاء مكان يلجئون إليه ويعتصمون به، وهذا دليل على أن الرسول ﵌ إذا كان لا يجد من الله ملجئاً إلا إليه، فَمَن دونه أولى بذلك، ولذلك لا يلتجأ إلا إلى الله، لا إلى الرسول ﷺ ، ولا إلى أهل البيت، ولا إلى الأولياء.
لا نلتجئ إلا إلى الله بطاعته ، فكيف بمن يستغيث ويحتمي برسول الله ﷺ الذي لا يجد من الله ملتحداً إلا بطاعته؟ فكيف يمكن لأحد أن يستغيث بغير الله أو يلجأ لغير الله؟!
стр. 235
فتية آمنوا بربهم [٧]
قص الله على نبيه قصة أولئك الفتية الأفذاذ، الذين نبذوا ما عليه قومهم من كفر وجهل، وتوجهوا إلى خالقهم ، ودعوه وتضرعوا إليه، فأجابهم وسترهم وحفظهم جل في علاه وتقدست أسماؤه.
وإن القلب ليقف معجباً بهؤلاء الفتية كيف تركوا ملاذ الحياة وأقبلوا على الله مع كونهم في مقتبل العمر، ولقد خلد الله ذكرهم في كتابه الكريم.
стр. 236
قصة أصحاب الكهف
قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا * هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا * وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا * وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا * وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا * وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا * وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا * سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا * وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا * قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٩ - ٢٦].
قال ابن كثير ﵀ في قوله : ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف:٩]: هذا إخبار من الله تعالى عن قصة أصحاب الكهف على سبيل الإجمال والاختصار، ثم بسطها بعد ذلك فقال: ((أَمْ حَسِبْتَ)) يعني: يا محمد: ﴿أنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف:٩] أي: ليس أمرهم عجيباً في قدرتنا وسلطاننا؛ فإن خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والكواكب وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة الله تعالى، وأنه على ما يشاء قادر، ولا يعجزه شيء أعجب من أخبار أصحاب الكهف، كما قال ابن جريج عن مجاهد: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف:٩] يقول: قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك، وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف:٩] يقول: الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم.
وقال محمد بن إسحاق: ما أظهرت من حججي على العباد أعجب من شأن أصحاب الكهف والرقيم.
﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف:٩].
جمهور المفسرين على أن معنى ذلك: أن شأنهم عجيب ولكن هناك ما هو أعجب، وهو ما جعله الله من دلائل قدرته، ومن المعجزات التي آتاها نبيه ﵌ وما علمه من العلم.
стр. 237
أقوال المفسرين في اسم الكهف
يقول: أما الكهف فهو الغار في الجبل، وهو الذي لجأ إليه هؤلاء الفتية المذكورون، وأما الرقيم فقال العوفي عن ابن عباس: هو واد قريب من أيلة -وأيلة بيت المقدس- وكذا قال عطية العوفي وقتادة.
وقال الضحاك: أما الكهف فهو غار الوادي، والرقيم اسم الوادي.
وقال مجاهد: الرقيم كتاب بنيانهم، يعني: الكتاب الذي كتب على بنيانهم وجعلت فيه أسماؤهم وكتبت فيه قصتهم، ويقول بعضهم: هو الوادي الذي فيه كهفهم.
وقول مجاهد هذا أقرب إلى ظاهر اللغة؛ لأن الرقيم بمعنى المرقوم، مثل قتيل بمعنى مقتول، والرقم هو النقش أو الكتابة، كل ذلك يسمى رقماً، فهو الكتاب الذي كتبت فيه قصة هؤلاء وأسماؤهم، وجعلوه على باب كهفهم، والله أعلم.
قال: وروى عبد الرزاق عن ابن عباس في (الرقيم) قال: كان يزعم كعب أنها القرية، وقال ابن جريج عن ابن عباس: الرقيم الجبل الذي فيه الكهف، وروى ابن إسحاق عن ابن عباس قال: اسم ذلك الجبل بنجلوس.
وعن شعيب الجبائي: أن اسم جبل الكهف بنجلوس، واسم الكهف حيزم، والكلب حمران.
هذا يعطينا فكرة عما ينشغل به أهل الكتاب مما ينقل عنهم، ما اسم الكلب؟ ما لونه؟ ما اسم الكهف؟ ما اسم الوادي؟ والقرآن كما نعلم لم يذكر لنا شيئاً من ذلك؛ لأن المقصود العظة والعبرة، وهذا قد ذكرناه مرات في الفرق بين قصص القرآن وما يذكر الله فيه، وبين قصص أهل الكتاب من الاهتمام بالأسماء وأسماء البلاد وألوان الحيوانات، وأنواع الأشجار لتكملة القصة في أذهان الناس؟ والاهتمام بهذه التفاصيل فقط؛ لأن الناس الذين يسمعونها يريدون أن يتسلوا بذكر هذه التفاصيل، وأما القرآن فلم يشغلنا بذلك، والله أعلى وأعلم.
ولذا قال ابن عباس: كان يزعم كعب أنها القرية.
стр. 238
فرار الفتية بدينهم إلى ربهم
قال: يخبر تعالى عن أولئك الفتية الذين فروا بدينهم من قومهم؛ لئلا يفتنوهم عنه، فهربوا منهم، فلجئوا إلى غار في جبل؛ ليختفوا عن قومهم، فقالوا حين دخلوا سائلين من الله تعالى رحمته ولطفه بهم: ((رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً)) أي: هب لنا من عندك رحمة ترحمنا بها، وتسترنا عن قومنا، ((وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)) أي: قدر لنا من أمرنا هذا رشداً، أي: اجعل عاقبتنا رشداً، كما جاء في الحديث: (وما قضيت لنا من قضاء فاجعل عاقبته رشداً)، وفي المسند من حديث بسر بن أرطأة عن رسول الله ﷺ أنه كان يدعو: (اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة).
وقوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الكهف:١١] أي: ألقينا عليهم نوماً حين دخلوا إلى الكهف فناموا سنين كثيرة، ((ثم بعثناهم)) أي: من رقدتهم تلك، وخرج أحدهم بدراهم معه ليشتري لهم بها طعاماً يأكلونه كما سيأتي بيانه وتفصيله، ولهذا قال: ((ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ)) أي: المختلفين فيهم، ((أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا)) قيل: عدداً، وقيل: غاية، فإن الأمد الغاية -وهذا أقرب- كقوله: سبق الجواد إذا استوى على الأمد.
يعني: إذا وصل إلى الغاية، وذلك أن الذين اختلفوا فيهم اختلفوا كم لبثوا، وهو يدل على أنهم تناظروا فيهم بغير علم، وأن الأمر كان يجب تفويضه إلى الله حتى يبين الله كم لبثوا في كهفهم بهذه الآيات من سورة الكهف: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف:٢٥].
стр. 239
الهجرة في سبيل الدين
قال تعالى: ((إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ))، كونهم أووا يدل على أنهم هربوا بدينهم، وهاجروا في سبيل الله ، وتركوا وطنهم لله ، وهذا أمر عظيم الأهمية في حياة المؤمن؛ إذ إن عليه أن يعبد الله في أي مكان من الأرض، فهذه وظيفته، فإن تيسر ذلك في وطنه الذي نشأ فيه، وهيأ الله له من أسباب التمكين ما يعبد الله في مكانه الذي نشأ فيه فبها ونعمت، وإلا فأرض الله واسعة، المهم تحقيق العبودية، وقد ضحى هؤلاء الفتية بوطنهم وأهليهم، وقراباتهم، ووضعهم الاجتماعي الذي كانوا فيه -كما عرف مما ذكره المفسرون- فقد كانوا من أبناء كبار القوم، أو كان منهم على الأقل من هو كذلك، والله أمر عباده المؤمنين بأن يقدموا حبه وطاعته على كل شيء، كما قال : ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]، فقضية العبودية هي أعظم قضية يجب أن يحافظ عليها المؤمن، وإذا عجز عن تحقيقها في أرض ما، ووجد سعة في الهجرة عنها، وجب عليه أن ينتقل من تلك الأرض إلى أرض الله الواسعة، والمؤمن عبد الله يعبد الله في أي مكان من الأرض تيسرت فيه هذه العبادة.
ولذا هاجر إبراهيم ﵇: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩]، وهاجر نبينا ﵌ من أحب بلاد الله إلى الله وإليه ﵊ إلى المدينة المنورة، وهي التي دعا الله أن يحببها إليهم كحب مكة أو أشد، وذلك لإقامة الدين، وهاجر موسى ﷺ فراراً بدينه إلى مدين مدة من الزمن، مع أنه ولد بمصر ونشأ بها، وهاجر بعد ذلك مع بني إسرائيل بأمر الله ليقيم الجهاد، ولكن أبى عليه بنو إسرائيل، وهكذا الصحابة ﵃، انتقلوا من أرض، هجرتهم من المدينة إلى مختلف الأمصار؛ ليجاهدوا في سبيل الله وليبلغوا دين الله.
فالمقصود تحقيق العبودية على أي صورة، وعلى جميع أنواعها، فإيواء الفتية إلى الكهف؛ لأنهم عجزوا عن إقامة الدين في أرضهم، ومن عجز عن إقامة الدين في أرض ما وجب عليه أن يهاجر، وهذا الأمر أمر ثابت في كل زمان ومكان، طالما وجد العجز عن إقامة الدين وأمكن الهجرة فالهجرة لا تنقطع حتى يزول الكفر من الأرض، وذلك أن من ولد في أرض يظهر فيها الكفر والضلال والعصيان وقدر على الانتقال منها إلى أرض الإسلام التي يظهر فيها الحق، ويعبد فيها الرب ، ففرض عليه ذلك.
стр. 240
فرار الفتية بدينهم طلباً للرحمة
قال تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف:١٠].
فالرحمة تطلب من الله : ((رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً)) فهذه الرحمة بأن يسترهم ويحفظهم وينصرهم على قومهم الذين أرادوهم بالسوء، وهم فروا بدينهم؛ ليثبتوا عليه، فهو أحب إليهم من كل شيء، ولن يحصلوا على ذلك إلا برحمة من الله خالق أفعال العباد، ومقلب قلوبهم ، وكيف يثبت الإنسان على دينه والناس يطاردونه يريدونه أن يتنازل عن شيء منه أو عنه كله؟ لن يثبت إلا برحمة من الله، ((رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً))، والرحمة المطلوبة في هذا الموضع هي ستر الله عليهم، لنجاتهم ممن يريد أن يفتنهم ويصرفهم منه.
فالإنسان إذا ثبت على الدين فإنما هو بسبب رحمة الله له، فعليه أن يٍسأله المزيد من التوفيق والثبات، ((رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا))، وذلك أن الإنسان يمر بمواطن كثيرة تعتبر فرقاناً وفيصلاً في حياته، يتخذ فيها قرارات إما أن يسير يميناً وإما أن يسير شمالاً، إما أن يستجيب لداعي الغي الذي يطلب منه أن يبتعد عن طريق الالتزام، وإما أن يستجيب لداعي الرشاد؛ ليتخذ طريق الحق طريقاً وسبيلاً لا يسلك غيره، فهناك لحظات تاريخية في حياة الإنسان يتخذ فيها قراراً حاسماً، إما أن يظل سائراً في طريق الالتزام، وإما أن ينحرف عنه ويبتعد، لأن الناس يطاردونه ويريدونه أن يترك هذا الدين.
هكذا كان هؤلاء الفتية، وفي يوم ما قرروا الانصراف من بلدهم والهجرة فراراً بدينهم ثباتاً عليه، وإيثاراً له، وإيثاراً لأمر الله ، وهم في ذلك يريدون أن يرشدهم الله، وماذا سوف يصنعون بعد ذلك؟ وإلى أين يذهبون؟ لا يدرون، إنما يريدون الثبات على الدين؛ ولا يدرون كيف يكون عملهم بعد ذلك، كما خرج موسى ﵊ إلى طريق لا يعرفها، وإلى غاية لا يدركها، إنما يريد الفرار بدينه من الملأ الذين ائتمروا به ليقتلوه، فدعا ربه : ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص:٢٢]، ودعا ربه أن ينجيه من القوم الظالمين، فنجاه وهداه الله سواء السبيل.
قال الله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الكهف:١١]، فكان من هداية الله لهم أن ضرب الله على آذانهم بحيث إنهم صاروا لا يسمعون، وهذا من الآيات البينة المعجزة، فإن الإنسان وهو نائم- كما أثبتت الدراسات الحديثة، وكما هو ظاهر ممن ينظر إلى النائم- حواسه كلها غير مدركة، إلا حاسة السمع فهي أعظمها إدراكاً، فلو أنك حاولت أن توقظ النائم بأنواع من الحركات، كالضوء الشديد وغير ذلك ما شعر بشيء من هذا، فبصره أغلقه أو لم يغلقه -لأن بعض النائمين يفتحون أعينهم أحياناً- يكون في أعمق فترات السبات والسكون، وكذا الشم والذوق، وأكثر حاسة يمكن أن تحرك الإنسان النائم هي الأذن التي يسمع بها؛ لذلك إذا ضرب على أذنه لا يمكن أن يستيقظ إلا أن يوقظه الله .
قال الله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الكهف:١١]، أجملها هنا ثم بينها بعد ذلك بأنهم لبثوا ثلاثمائة وتسع سنين.
وقال: ((ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ))؛ لأن الموت أخو النوم، وهو آية من آيات الله على البعث، وهذه القصة مما ذكره الله في أدلة الإيمان بالبعث، ذلك أنهم ناموا نوماً مثل الموت، وبقيت الأبدان محفوظة بلا غذاء، ولكن يمكن أن يعرف ذلك في الواقع المشهود، فهناك كائنات تستكين وتنام نوماً طويلاً تستهلك فيه أقل جزء من الطاقة، ثم تستيقظ بعد شهور، فقدر الله لهؤلاء بقدرته العظيمة أن يظلوا في نومهم أحياء نائمين، ((ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا))؛ ليدلنا على قدرته على البعث والنشور، وكذلك ليعلم العباد ((أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا))، ليعلموا أنهم لا يعلمون حقيقة الأمر، ولذا وجب عليهم أن يفوضوا الأمر إلى الله، ويردوا العلم إليه .
стр. 241
قصة هروب الفتية من قومهم إلى الكهف
قال الله : ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣].
قال ابن كثير ﵀: ذكر الله تعالى أنهم فتية، وهم الشباب، وهم أقبل إلى الحق وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عتوا وانغمسوا في دين الباطل، ولهذا كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله ﷺ شباباً، أما المشايخ من قريش فعامتهم بقوا على دينهم، ولم يسلم منهم إلا القليل.
وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شباباً.
وقال مجاهد: بلغني أنه كان في آذان بعضهم القرطة، يعني: الحلق -القرط أو القرط هما الحلقتان اللتان في الأذنين- فألهمهم الله رشدهم، وآتاهم تقواهم، فآمنوا بربهم، أي: اعترفوا له بالوحدانية، وشهدوا أن لا إله إلا هو.
((وزدناهم هدى)) استدل بهذه الآية وأمثالها غير واحد من الأئمة كـ البخاري وغيره ممن ذهب إلى زيادة الإيمان وتفاضله، وأنه يزيد وينقص، ولهذا قال: ((وَزِدْنَاهُمْ هُدًى))، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]، وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤]، وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك.
ثم قال: ((وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) يقول تعالى: وصبرناهم على مخالفة قومهم ومدينتهم، ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والسعادة والنعمة، فإنه قد ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف: أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم، وأنهم خرجوا يوماً في بعض أعياد قومهم، وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه في ظاهر البلد، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت، ويذبحون لها، وكان لهم ملك جبار عنيد يقال له: دقيانوس، وكان يأمر الناس بعبادة الأصنام والطواغيت؛ ويحثهم عليه، ويدعوهم إليه.
فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك، وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم عرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا لله الذي خلق السموات والأرض، فجعل كل واحد منهم يتخلص من قومه، وينحاز منهم، ويتبرز عنهم -يخرج إلى البراز وهي الأرض الواسعة ناحية- ناحية، فكان أول من جلس منهم وحده أحدهم، جلس تحت ظل شجرة، فجاء الآخر فجلس إليها، وجاء الآخر فجلس إليهما، وجاء الآخر فجلس إليهم، وجاء الآخر وجاء الآخر، ولا يعرف واحد منهم الآخر، وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان.
كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري تعليقاً عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله صلى الله عيه وسلم: (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)، وأخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ، والناس يقولون: الجنسية علة الضم، -يعني: كونهم من جنس واحد هو الذي أوجب أن يكونوا مضمومون لبعضهم- والغرض أنه جعل كل أحد منهم يكتم ما هو عليه عن أصحابه خوفاً منهم، لا يدري أنهم مثله، حتى قال أحدهم: تعلمون والله يا قوم! إنه ما أخرجكم من قومكم وأفردكم عنهم إلا شيء، فليظهر كل واحد منكم بأمره، فقال آخر: أما أنا رأيت ما قومي عليه فعرفت أنه باطل، وإنما الذي يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به شيء هو الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما، وقال الآخر: وأنا والله وقع لي كذلك، وقال الآخر كذلك، حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة فصاروا يداً واحدة، وإخوان صدق، فاتخذوا لهم معبداً يعبدون الله فيه.
فعرف بهم قومهم، فوشوا بأمرهم إلى ملكهم، فاستحضرهم بين يديه، فسألهم عن أمرهم وما هم عليه، فأجابوه بالحق ودعوه إلى الله ، ولهذا أخبر تعالى عنهم بقوله: ((وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا))، ولن لنفي التأبيد، أي: لا يقع منا هذا أبداً؛ لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلاً، ولهذا قال عنهم: ((لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا)) أي باطلاً وكذباً وبهتاناً.
((هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ)) أي: هلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلاً واضحاً صحيحاً، ((فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا))، يقولون: بل هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك.
ويقال: إن ملكهم لما دعوه إلى الإيمان بالله أبى عليهم وتهددهم وتوعدهم وأمر بنزع لباسهم عنهم الذي كان عليهم من زينة قومهم، وأجلهم لينظروا في أمرهم لعلهم يرجعون عن دينهم الذي كانوا عليه، وكان هذا من لطف الله بهم، فإنهم في تلك النظرة توصلوا إلى الهرب منه، والفرار بدينهم من الفتنة، وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس، أن يفر العبد منهم خوفاً على دينه، فلما وقع عزمهم على الذهاب والهرب من قومهم، اختار الله تعالى لهم ذلك، وأخبر عنهم بذلك في قوله: ((وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ)) أي: وإذ فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضاً بأبدانكم، ((فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ)) أي: يبسط عليكم رحمة يستركم بها من قومكم، ((وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ)) الذي أنتم فيه: ((مِرفَقًا)) أي: أمراً ترتفقون به، فعند ذلك خرجوا هرباً إلى الكهف، فأووا إليه، وتطلبهم الملك، فيقال: إنه لم يظفر بهم، وعمَّى الله عليه خبرهم، كما فعل بنبيه محمد ﷺ وصاحبه الصديق حين لجأا إلى غار ثور وجاء المشركون من قريش في الطلب، فلم يهتدوا إليه، مع أنهم يمرون عليه، وعندها قال النبي ﷺ حين رأى جزع الصديق في قوله: (يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!) وقد قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٤٠].
فقصة هذا الغار -يعني: غار ثور- أشرف وأجل وأعظم وأعجب من قصة أصحاب الكهف، وقد قيل: إن قومهم ظفروا بهم، ووقفوا على باب الغار الذي دخلوه، فقالوا: ما كنا نريد منهم من العقوبة أكثر مما فعلوا بأنفسهم، فأمر الملك بردم بابه عليهم؛ ليهلكوا مكانهم، ففعلوا ذلك، وفي هذا نظر، والله أعلم، فإن الله تعالى قد أخبر أن الشمس تدخل عليهم في الكهف بكرة وعشياً، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧]، فهذا فيه دليل على أن باب هذا الكهف كان من نحو الشمال؛ لأنه تعالى أخبر أن الشمس إذا دخلته عند طلوعها تزاور عنه ذات اليمين، أي: يتقلص الفيء والظل يمنة، كما قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: (تزاور) أي: تميل، وذلك أنها كلما ارتفعت في الأفق تقلص شعاعها لارتفاعها، حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في مثل ذلك المكان، ولهذا قال: ((وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ)) أي: تدخل إلى غارهم من شمال بابه، وهو من ناحية المشرق، فدل على صحة ما قلناه، وهذا بين لمن تأمله، وكان له علم بمعرفة الهيئة وسير الشمس والقمر والكواكب.
وبيانه أنه لو كان باب الغار من ناحية المشرق لما دخل إليه شيء عند الغروب، ولو كان من ناحية القبلة، لما دخل منها شيء عند الطلوع ولا عند الغروب، ولا تزاور الفيء يميناً ولا شمالاً، ولو كان من جهة المغرب، لما دخلته وقت الطلوع بل بعد الزوال، ولم تزل فيه إلى الغروب، فتعين ما ذكرناه، ولله الحمد.
стр. 242
كرامات أصحاب الكهف
قوله : ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف:١٨] يدل على لطف الله بهم وهم نائمون، حيث قدر لهم من الأسباب ما يحفظهم، ويبعد الطلب عنهم حال خروج الناس في آثارهم، وقد أكرمهم الله تعالى في نومهم كما أكرمهم في استيقاظهم بتوفيقهم إلى توحيده ، وترك عبادة من دونه.
وهذه القصة تدل على إثبات كرامات الأولياء في أنواع القدرة والتأثير، هذه المدة الطويلة، خلال هذه المدة.
ومعنى الكرامة: ما يكرم الله به عبده المؤمن المتبع لشرعه ، من أنواع خوارق العادات أو من غيرها، ولا يلزم أن يكون الإكرام بخوارق العادة، ولكن هذا هو الاصطلاح، بل إن أعظم كرامة للعبد هي أن يوفقه الله لطاعته، وأن يلهمه رشده، وأن يكشف له عن سبيل الحق فيلتزمه، وإن لم يقع له شيء من خوارق العادات، والله قد يجمع لعبده المؤمن بين أنواع الكرامات المختلفة ومن أنواع العلو والقدرة، وأعظم ذلك أن تكون له قوة على طاعة الله ، وهو معنى الحديث: (فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي) فالله يعطيه قوة يصرف بها جميع حوارحه في مرضاته .
قال ابن كثير: قال : ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٨] أي: أنه تعالى ألقى عليهم المهابة بحيث لا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم لما ألبسوا من المهابة والذعر، لئلا يدنو منهم أحد، ولا تمسهم يد لامس، حتى يبلغ الكتاب أجله، وتنقضي رقدتهم التي شاء ﵎ فيهم، لما له في ذلك من الحكمة والحجة البالغة والرحمة الواسعة رحمة لهؤلاء الفتية المؤمنين، وإنجاء لهم من القوم الظالمين الكافرين، وحكمة بالغة ودليل للناس على البعث والنشور، وإثبات قدرة الله على إحياء الموتى بعد موتهم يوم القيامة، وكذلك ليثبت للناس ويبين لهم مآل المتقين وحفظه لعباده المؤمنين من حيث شعروا ومن حيث لم يشعروا.
لقد حفظهم الله بإلقاء المهابة عليهم حتى لو اطلع المطلع -والمخاطب هنا كل مكلف- لولى منهم فراراً، ولملئ منها رعباً، ويمكن أن يكون الخطاب للنبي ﷺ ، والمقصود كل من خوطب بذلك، والله أعلى وأعلم.
وذلك حفظاً من الله لهم حتى لا يدخل عليهم أحد، ولا يصيبهم شيء من الكائنات الأخرى بسوء؛ لأنها تنظر إلى منظر مرعب مخيف فتنصرف، وبعد انقضاء المدة بعثهم الله .
стр. 243
بعث الله لأصحاب الكهف وأحداث ذلك
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ [الكهف:١٩].
قال ابن كثير ﵀: يقول تعالى: كما أرقدناهم بعثناهم صحيحة أبدانهم وأشعارهم وأبصارهم -وكذلك كما أرقدناهم والكاف هنا للتشبيه- لم يفقدوا من أحوالهم وهيئاتهم شيئاً، وذلك بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين، ولهذا تساءلوا بينهم: ((كَمْ لَبِثْتُمْ)) أي: كم رقدتم؟ ((قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ))؛ لأنه كان دخولهم إلى الكهف في أول النهار، واستيقاظهم كان في آخر نهار، ولهذا استدركوا فقالوا: ((أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)) [الكهف:١٩] يعني: ربما كان جزء يوم، وأقصى ما يمكن أن يكون يوماً كاملاً، فقالوا: ((أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ)) أي: الله أعلم بأمركم، وكأنه حصل لهم نوع تردد في كثرة نومهم فالله أعلم، ثم عدلوا إلى الأهم في أمرهم، إذ ذاك -يعني: في هذا الوقت- وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب، فقالوا: ((فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ)) أي: فضتكم هذه، وذلك أنهم قد استصحبوا معهم دراهم من منازلهم لحاجتهم إليها، فتصدقوا منها، وبقي منها، فلهذا قالوا: ((فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ)) أي: مدينتكم التي خرجتم منها، والألف واللام للعهد: ((فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا)) أي: أطيب طعاماً، كقوله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور:٢١]، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:١٤]، ومنه الزكاة التي تطيب المال وتطهره.
وقيل أزكى: أكثر طعاماً، ومنه زكا الزرع إذا كثر، قال الشاعر: قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة والسبع أزكى من ثلاث وأطيب والصحيح الأول؛ لأن مقصودهم إنما هو الطيب الحلال، سواء كان كثيراً أو قليلاً.
وقوله: ((وَلْيَتَلَطَّفْ)) أي: في خروجه وذهابه، وشرائه وإيابه، يقولون: وليختف كل ما يقدر عليه، ((وَلا يُشْعِرَنَّ)) أي: ولا يعلمن بكم أحداً: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ أي: إن علموا بمكانكم، ((يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ)) يعنون أصحاب دقيانوس يخافون منهم أن يطلعوا على مكانهم، فلا يزالون يعذبونهم بأنواع العذاب إلى أن يعيدوهم في ملتهم التي هم عليها أو يموتوا، وإن وافقتموهم على العود في الدين فلا فلاح لكم في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال تعالى عنهم: ((وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا)).
قال تعالى: ((وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ))، يقول تعالى: أي أطلعنا عليهم الناس، ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف:٢١]، ذكر غير واحد من السلف: أنه كان قد حصل لأهل ذلك الزمان شك في البعث وفي أمر القيامة، وقال عكرمة: كان منهم طائفة قد قالوا: تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد، فبعث الله أهل الكهف حجة ودلالة وآية على ذلك] ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف:٢١]؛ لأن الضمير هنا على هذا التفسير ((لِيَعْلَمُوا)) أي: ليعلم الذين عثروا عليهم أن وعد الله بالقيامة حق، وأن الساعة لا ريب فيها، وأن بعث الأجساد حق، ((وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا)).
قال: وذكروا أنه لما أراد أحدهم الخروج ليذهب إلى المدينة لشراء شيء لهم ليأكلوه، تنكر وخرج يمشي في غير جادة الطريق -التي هي وسطه أو الطريق الكبير- حتى انتهى إلى المدينة، وذكروا أن اسمها دقسوس، وهو يظن أنه قريب العهد بها، وكان الناس قد تبدلوا قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، وأمة بعد أمة، وتغيرت البلاد ومن عليها كما قال الشاعر: أما الديار فإنها كديارهم وأرى رجال الحي غير رجاله فجعل لا يرى شيئاً من معالم البلد التي يعرفها، ولا يعرف أحداً من أهلها ولا خواصها ولا عوامها، فجعل يتحير في نفسه، ويقول: لعل بي جنوناً أو مساً أو أنا حالم، ثم يقول: والله ما بي شيء من ذلك، وإن عهدي بهذه البلدة عشية أمس على غير هذه الصفة.
ثم قال: إن تعجيل الخروج من ههنا لأولى لي، فأراد أن يأخذ طعاماً ثم يخرج مسرعاً، ثم عمد إلى رجل ممن يبيع الطعام، فدفع إليه ما معه من النفقة، وسأله أن يبيعه بها طعاماً، فلما رآها ذلك الرجل -رأى النفقة- أنكرها، وأنكر ضربها- الأختام التي عليها والصك- فدفعها إلى جاره، وجعلوا يتداولونها بينهم، ويقولون: لعل هذا وجد كنزاً، فسألوه عن أمره، ومن أين له هذه النفقة؟ لعله وجدها من كنز، وممن أنت؟ فجعل يقول: أنا من أهل هذه البلدة، وعهدي بها عشية أمس، وفيها دقيانوس، فنسبوه إلى الجنون، فحملوه إلى ولي أمرهم، فسأله عن شأنه وخبره، حتى أخبرهم بأمره، وهو متحير في حاله وما هو فيه، فلما أعلمهم قاموا معه إلى الكهف -ملك البلد وأهلها- حتى انتهى بهم إلى الكهف، فقال لهم: دعوني حتى أتقدم معكم في الدخول لأعلم أصحابي، فدخل، فيقال: إنهم لا يدرون كيف ذهب فيه، وأخفى الله عليهم خبرهم، ويقال: بل دخلوا عليهم ورأوهم وسلم عليهم الملك، واعتنقهم وكان مسلماً فيما قيل، واسمه يندوسيس، ففرحوا به وآنسوه بالكلام، ثم ودعوه وسلموا عليه وعادوا إلى مضاجعهم، وتوفاهم الله ، والله أعلم.
قال قتادة: غزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة - وهو أحد قادة المسلمين الذين كانوا يغزون الروم، فمروا بكهف في بلاد الروم- فرأوا فيه عظاماً، فقال قائل: هذه عظام أهل الكهف، فقال ابن عباس: لقد بليت عظامهم من أكثر من ثلاثمائة سنة، رواه ابن جرير.
والله أعلم كم مضى عليها حتى بليت، وماذا شأنها الآن؟ وقوله: ((وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ)) أي: كما أرقدناهم وأيقظناهم بهيئاتهم، أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان، ((لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)) وهذا يؤكد أنهم اطلعوا عليهم جميعاً؛ لأن الله قال: ((أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ))، فيدل أنهم عثروا عليهم جميعاً وليس على واحد منهم فقط، فالقول بأنهم رأوا الأول وسمعوا بالبقية فيه نظر، إذ إن الآية تفيد أنهم دخلوا الكهف ووجدوهم.
يقول: أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان: ((لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ)) أي: في أمر القيامة، فمن مثبت لها ومن منكر، فجعل الله ظهورهم على أصحاب الكهف -يعني: اطلاعهم على أصحاب الكهف- حجة لهم وعليهم أي: حجة للمثبتين للبعث وحجة على المنكرين.
((فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ)) أي: سدوا عليهم باب كهفهم، وذروهم على حالهم، وهذا يدل على أنهم ماتوا آنذاك.
((قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا))، حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين: أحدهما: أنهم المسلمون منهم والثاني: أهل الشرك منهم، والله أعلم.
والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، فالذين غلبوا على أمرهم لم يصفهم الله بصفة العلم، وإنما بصفة الغلبة.
قال: ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر؛ لأن النبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد)، يحذر ما فعلوا.
وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق، أمر أن يخفى عن الناس، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده، وفيها شيء من الملاحم وغيرها، والرقعة مثل الأوراق عندنا لكنها من جلد أو نحو ذلك فيها ملاحم وقعت في بني إسرائيل، فأمر عمر بثلاثة عشر قبراً -فيما ذكر- أن تحفر، وأن يدفن الجسد الذي وجدوه على حاله كيوم مات في واحد منها، وتغلق جميعاً، حتى لا يدري الناس في أي المقابر دفن، ووجدوا مكتوباً عنده أنه النبي دانيال، فالله أعلى وأعلم، فإن مثل هذا الخبر متلقى من أهل الكتاب، ولم يرد في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ذكر اسم ذلك النبي، وإنما قد يكون من أنبياء الله ، وقد يكون من أوليائه، وظنه بعضهم على غير ما هو عليه، فالله أعلى وأعلم إلا أنه يبدو أنه رجل صالح؛ لأنه لم يتغير بدنه، وهذا من كرامات الأنبياء والشهداء فقط، والمقصود أنه أُخفي قبره.
стр. 244
عدة أصحاب الكهف
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في قوله : ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف:٢٢]: يقول تعالى مخبراً عن اختلاف الناس في عدة أصحاب الكهف، فحكى ثلاثة أقوال: فدل على أنه لا قائل برابع، ولما ضعف القولين الأولين بقوله: ((رَجْمًا بِالْغَيْبِ)) أي: قولاً بلا علم، كمن يرمي إلى مكان لا يعرفه فإنه لا يكاد يصيب، فإن أصاب فبلا قصد، ثم حكى الثالث وسكت عليه أو قرره بقوله: ((وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ))، فدل على صحته، وأنه هو الواقع في نفس الأمر.
وقوله: ((قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ)) إرشاد إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام رد العلم إلى الله تعالى، إذ لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم، لكن إذا اطلعنا على أمر قلنا به، وإلا وقفنا.
وقوله: ((مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ)) أي: من الناس.
قال قتادة: قال ابن عباس: أنا من القليل الذي استثنى الله ، كانوا سبعة، هكذا روى ابن جرير عن عطاء الخرساني عنه عن ابن عباس، أنه كان يقول: أنا ممن استثنى الله ، ويقول: عدتهم سبعة، وعن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: ((مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ)) قال: أنا من القليل: كانوا سبعة.
فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس أنهم كانوا سبعة، وهو موافق لما قدمناه.
وهو استدلال دقيق من كتاب الله ، ذلك أن الله أبطل قولين وسكت عن الثالث، فأرشد إلى القول الراجح، وأرشد إلى ثمرة الخلاف وما ينبغي في مثل هذا الموقف.
وكما يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن القرآن أشار في بعض آياته العظيمة إلى ما ينبغي في مسائل الخلاف فالذي ينبغي في مسائل الخلاف.
استيعاب الأقوال المذكورة، وتبيين الباطل منها، وإقرار الحق، وبيان فائدة الخلاف وثمرته إن كان له فائدة، وختم ذلك بتفويض العلم إلى الله ، ولذلك قال : ((فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا))، وهذا دليل على النهي عن استفتاء الجاهل، وأنه لا يجوز أن يُستفتى الجاهل، وهذا إجماع من أهل العلم أنه لا يجوز لأحد من المستفتين أن يستفتي من يعلم جهله أو بدعته أو فسقه.
قال الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]، فرتب الذنوب مبتدأ بتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم والبغي بغير الحق، أي: أن الذنب الذي فيه اعتداء على حقوق المخلوقين أشد وأبعد عن المغفرة، حتى يسامح ذلك المخلوق، ثم ذكر الشرك، ثم ذكر أن يقولوا على الله ما لا يعلمون.
وعموماً فإن الجدال والمراء لا ينبغي أن يكون إلا بالتي هي أحسن، فإن الله قال: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦]، وذلك لإظهار الحق وإبطال الباطل، وعدم الدخول في تفاصيل لا فائدة منها، ولا ثمرة من ورائها.
وأما حديث الرسول ﷺ (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقاً)، فهو حديث حسن أو صحيح، فهو لمن علم أن مراءه لا يفيد، وأن جداله وصل إلى طريق مسدود، وأن البحث عن الحق قد انتهى بسبب الخصومة، وأصبح الناس إنما يتعصبون لأقوالهم، فعند ذلك يترك المراء ولو كان محقاً.
وأما إذا كان الطرف الآخر والمناظر أو الباحث يبحث عن الحق ويتحرى الصواب، فينبغي أن يستمر معه في المراء، وليكن بالطريقة السهلة البينة الواضحة الهينة.
стр. 245
أدب الاستثناء في الإيمان
قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤].
يقول ابن كثير ﵀: هذا إرشاد من الله تعالى لرسوله ﷺ إلى الأدب، فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل أن يرد ذلك إلى مشيئة الله علام الغيوب الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: (قال سليمان بن داود ﵉: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة -وفي رواية: تسعين امرأة، وفي رواية: مائة امرأة)]، وهذا هو الأرجح؛ لأن مفهوم العدد إذا خالفه منطوق فالمنطوق مقدم، فالأكثر يشمل الأقل، وربما قال: سبعين، ثم عزم على التسعين، ثم عزم على مائة.
قال: (تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقيل له -وفي رواية: قال له الملك-: قل: إن شاء الله فلم يقل، فطاف بهن، فلم يلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان- وضعت جنيناً مشوهاً فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده! لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دركاً لحاجته، وفي رواية: ولقاتلوا في سبيل الله فرساناً أجمعون)، وهذا يدلنا على أهمية الاستثناء وأن يقول الإنسان: إن شاء الله، سواء أقسم أو أخبر أنه سوف يفعل، ولماذا لم يقل: سليمان ﵇ إن شاء الله؟ اجتهد فأخطأ أو نسي ﷺ ، اجتهد لأن هذه نية طاعة، فلا يلزم أن تقيد بالمشيئة، وليس كذلك، بل ينبغي أن تقيد بالمشيئة، أو أن الملك قال له ذلك، فانشغل بما كان عزم عليه من الهمة العالية ابتغاء ولود المجاهدين في سبيل الله، وحباً للجهاد في سبيل الله، فنسي أن يقول: إن شاء الله، وقدر الله عليه ألا تلد منهن امرأة واحدة، وذلك لأنه لم يقل: إن شاء الله تعليماً للأمة في زمنه وبعد زمنه، وفيه فائدة رد الأمور إلى مشيئة الله .
وهذا الحديث أحسن ما يفسر به قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص:٣٤]، فالجسد الذي ألقي على كرسيه هو ذاك شق الغلام الذي وضعته إحدى نسائه ولم تضع غيره، فكان في ذلك فتنة وامتحاناً له؛ ليعلم من أين أتي؟ حيث نسي أن يقول: إن شاء الله، أو انشغل عن ذلك أو نحوه والله أعلى وأعلم.
((ثُمَّ أَنَابَ)) أي: رجع إلى الله ، وصار بعد ذلك، يستثني ولا يترك ذلك، والله أعلى وأعلم.
قال ابن كثير ﵀: وقوله: ((وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ)) قيل: معناه: إذا نسيت الاستثناء فاستثنى عند ذكرك له يعني: إذا لم تقل: إن شاء الله نسياناً، ثم تذكرت بعد ذلك فإنه يصح أن تقولها، قاله أبو العالية والحسن البصري، وعن مجاهد عن ابن عباس في الرجل يحلف، قال: له أن يستثني ولو إلى سنة، وكان يقول: واذكر ربك إذا نسيت، في ذلك.
قيل للأعمش: سمعته عن مجاهد فقال: حدثني به ليث بن أبي سليم -وهو ضعيف-، ورواه الطبراني من حديث أبي معاوية عن الأعمش به.
ومعنى قول ابن عباس: أنه يستثني ولو بعد سنة، أي: إذا نسي أن يقول في حلفه أو في كلامه إن شاء الله، وذكر ولو بعد سنة، فالسنة له أن يقول ذلك؛ ليكون آتياً بسنة الاستثناء، حتى ولو كان بعد الحنث، قاله ابن جرير ﵀، ونص على ذلك.
لا أن يكون رافعاً لحنث اليمين، ومسقطاً للكفارة، وهذا الذي قاله ابن جرير ﵀ هو الصحيح، وهو الأليق بحمل كلام ابن عباس عليه والله أعلم.
لأن قول ابن عباس ﵁: له أن يستثني في حلفه ولو بعد سنة إن كان يقصد به أنه يسقط عنه الكفارة، لما كان هناك أصلاً معنى للحنث في اليمين، ولما جازت الكفارة، لأن كل إنسان أراد أن يتخلص من إثم حلفه سيقول في أي وقت: إن شاء الله.
ثم إن التقييد بسنة لا يقصده ابن عباس، وإنما يقصد التكثير؛ لأنه يؤدي إلى إلغاء كفارة اليمين أصلاً، وإلى أن يصبح كل يمين قابلاً للإلغاء بأن يستثني إذا تبين له أنه يريد أن يخالفه، مع أنه يكون حلف يميناً ناجزاً ملزماً له.
لكن الذي يحمل عليه كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنه مسألة الأدب دون مسألة حل الكفارة، فعند الجمهور أنه لا يأثم الإنسان إذا حلف ليفعلن كذا، ولكن يرون أن ذلك خلاف الأدب، والله أعلى وأعلم.
ويرون أن ذلك خلافاً للمستحب ويقولون: النهي للتنزيه، بدليل أن النبي ﵌ أقسم على أشياء وأقسم أصحابه ﵃ على أشياء لن يفعلوها ولم يستثنوا، فلم ينههم عن ذلك نهياً جازماً أو نهي تحريم، فتبين بذلك أن هذا الإقرار أو أن هذا الفعل منه ﵊ يدل على أن هذا النهي للتنبيه فيما فعل أو فيما ترك.
ولذلك نقول: إن قوله: إن شاء الله ولو بعد سنة، إنما هو لتحصيل الفضيلة، أما إذا حلف ولم يستثن استثناء متصلاً مباشرة بيمينه، كأن قطعه بنفس أو عطاس أو نحو ذلك لم يضره ذلك، واشترط بعض العلماء أن يكون الاستثناء متصلاً باليمين مباشرة، وإذا لم يفعل لم يصح له الاستثناء.
فإذا استثنى مباشرة بعد اليمين كان استثناءاً صحيحاً، وإذا لم يستثن مباشرة بعد اليمين وفصله فاصل عرفي لم يصح الاستثناء، وهذا الفاصل العرفي لا يدخل فيه انقطاع النفس، أو أراد أن يأخذ نفساً أو أنه مثلاً عطس أو انشغل بأمر أدى إلى ألا يستثني مباشرة.
وبعض العلماء يشترط أن يكون هناك نية الاستثناء منذ أول الكلام، والذي يظهر أنه لا يلزم ذلك، بل ربما تحدث له نية الاستثناء أثناء القسم أو في آخره، وطالما اتصل به أجزأ، وأجمعوا على أنه إذا قال: إن شاء الله في قسمه، ليس عليه حنث إذا خالف ما حلف عليه، ولم يكن عليه كفارة؛ لأنه قال: إن شاء الله.
إذاً: خلاصة الاستثناء أنه في مسألة الإثم والأدب وتحصيل السنة، الأصل الإثم، وإحسان الأدب وتحصيل السنة أن يقول: إن شاء الله، ولو في أي وقت يتذكره، ولكن اليمين ينعقد إذا لم يستثن متصلاً بيمينه إلا الفاصل اليسير عرفاً كنفس أو نحو ذلك.
قال: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف:٢٤] أي: إذا سئلت عن شيء لا تعلمه، فاسأل الله تعالى فيه، وتوجه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد في ذلك وقيل في تفسيره غير ذلك، والله أعلم.
стр. 246
مدة لبث أصحاب الكهف في كهفهم
قال تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا * قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٥ - ٢٦].
يقول: هذا خبر من الله تعالى لرسوله ﷺ بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم منذ أرقدهم إلى أن بعثهم الله، وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان، وأنه كان مقداره ثلاثمائة سنة، تزيد تسع سنين بالهلالية، وهي ثلاثمائة سنة بالشمسية، فإن التفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين، فلهذا قال بعد الثلاثمائة: ((وَازْدَادُوا تِسْعًا)) وهذا من المعجزات الظاهرة للقرآن في أدق أنواع الحسابات والمشاهدات، وهذا أمر محسوس مشهود، أي: التفاوت بين السنة الشمسية والسنة القمرية؛ لأن السنة أمر حسي.
وأنواع الأزمنة منها ما هو أمر عرفي، ومنها ما هو حسي، نقول مثلاً: اليوم أمر حسي؛ لأنه مرتبط بالشمس شروقاً وغروباً، فالشمس تشرق ثم تغرب ثم تشرق مرة ثانية، فهذا اليوم والليلة مرتبط بغروب الشمس وشروقها.
وأما الساعات والثواني والدقائق فهي أمر عرفي، فالناس تعارفوا أن يقسموا اليوم إلى أربع وعشرين ساعة، لكن هل تحدث علامة مميزة كل ساعة في الكون؟ هل يحصل مثلاً للشمس ساعة أنها تعطي إشارة؟ لا، إذاً هذا أمر اصطلح عليه الناس.
وكذلك الأسبوع أمر عرفي؛ لأنه ليس أمراً حسياً، فلا يحصل في الأسبوع شيء أما الشهر فهو أمر حسي؛ لأن القمر يدور دورته كل شهر، والسنة أيضاً أمر حسي؛ لأن فيها تغير الفصول، فالشتاء يأتي كل سنة مرة، وهذا أمر ملحوظ محسوس، فكل من الشتاء والربيع والصيف والخريف يأتي، فهذا أمر محسوس.
إذاً: يوجد أمران في الحقيقة حسيان، السنة التي هي اثنا عشر شهراً قمرياً، والسنة الشمسية التي هي الفصول الأربعة، وقد كان الرسول ﷺ يقول: (سبعين خريفاً).
فالحسابات الفلكية الدقيقة على أحدث المستويات العلمية، أثبتت أن كل ثلاثمائة سنة شمسية تساوي ثلاثمائة وتسع سنين قمرية.
ولذلك قال في هذه الآية: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف:٢٥]، ولم يقل: ثلاثمائة وتسع سنين كالمعتاد، لماذا قال: ((وَازْدَادُوا تِسْعًا))، هو في الحقيقة ثلاثمائة سنة، ولو حسبتها بطريقة أخرى يزدادون تسعاً، فهناك إشارة إلى الفرق بين السنة الشمسية وبين القمرية، والله أعلى وأعلم.
وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف:٢٦] أي: إذا سئلت عن مكثهم وليس عندك علم في ذلك من الله تعالى، فلا تتقدم فيه بشيء، بل قل في مثل هذا: ((اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ))، وكذلك إذا سئل الإنسان عن شيء علمه متعلق بالوحي، وجادله غيره، فقل: أنت أعلم أم الله، فالله أعلم بما لبثوا، فلو جادلك أحد فيكفيك هذا الخبر من الله ، وهو الأعلم بما لبثوا .
وهذه السورة متضمنة لمعجزات ظاهرة للنبي ﷺ ، منها: ذلك الخبر التفصيلي البين الذي يتضمن أنواع الفوائد عن قصة أصحاب الكهف، مع أنه لم يكن عند العرب منه شيء قط، وكان اليهود أهم ما يهتمون به الأسماء كاسم الكلب، والملك الذي كان في زمنهم، وأين كان الكهف، ولم يهتموا بالفوائد العظيمة الإيمانية والعبادية والتهذيبية والدعوية، وسائر أنواع الفوائد التي تضمنتها هذه القصة العظيمة.
بهذا السياق العربي الواضح البين الذي لا اعوجاج فيه، فلو كانت هذه القصة مترجمة؛ لظهرت فيها آثار الترجمة كما يظهر في أي كتاب مترجم من الركاكة ونحو ذلك: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف:١]، ﴿قَيِّمًا﴾ [الكهف:٢] مستقيماً، ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف:٢].
فهذه آيات تلو آيات للرسول ﷺ صالحة في كل زمن من الأزمنة لتذكير الخلق بالله وبمعجزات النبي ﵌.
стр. 247
إثبات صفة العلم لله سبحانه
قال: ((قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا)) أي: لا يعلم ذلك إلا هو، ومن أطلعه عليه من خلقه، وهذا الذي قلناه عليه غير واحد من علماء التفسير كـ مجاهد وغير واحد من السلف والخلف.
وقال قتادة في قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف:٢٥].
هذا قول أهل الكتاب، وقد رده الله تعالى بقوله: ((قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا)).
قال تعالى: ((أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ)) أي: إنه لبصير بهم، سميع لهم، ما أسمعه وما أبصره ، أبصر به، يعني: ما أبصره، أسمع به، يعني: ما أسمعه، ما أعظم سماع الرب ، وما أعظم بصر الرب.
قال ابن جرير: وذلك في معنى المبالغة في المدح، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه، تأويل الكلام: ما أبصر الله لكل موجود، وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيء.
كأن تقول: ما أعظم هذا، يعني: هذا شيء عظيم جداً، وممكن تقول: أعظم به وأكرم، يعني هذا أكرم الأشياء.
قال: ((أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ)) قال قتادة: لا أحد أبصر من الله، ولا أسمع، وقال ابن زيد: ((أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ))، يرى أعمالهم، ويسمع ذلك منهم.
وقوله: ((مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)) أي أنه تعالى هو الذي له الخلق والأمر، الذي لا معقب لحكمه، وليس له وزير ولا نصير ولا شريك ولا مشير تعالى وتقدس.
стр. 248
فتية آمنوا بربهم [٨]
لا يخفى على كل مسلم ما للرفقة الصالحة من أثر كبير في حياة المسلم، فهي التي تعينه بعد الله على طاعة الله، والتقرب إليه، والإكثار من ذكره، وهذه الرفقة يجب أن تكون منتقاة ومختارة وفق الأسس والأوصاف التي وضعها ورضيها رب العالمين، من الطاعة له والإخلاص وعمل الصالحات، وأن لا تكون وفق ميزان المال والجاه والسلطان.
стр. 249
أهمية الرفقة الصالحة وفضلها
قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا * وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا * أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٧ - ٣١].
أمر الله نبيه ﷺ بأن يتلو كتابه ، وأن يصبر نفسه مع عباد الله المؤمنين؛ وذلك لأهمية الرفقة الصالحة، فهي من أهم الأمور في الدعوة إلى الله .
إن الدعوة إلى الله لابد فيها من رفقة؛ حتى ولو كانوا أقل حالاً ومنزلة وعلماً من الذي أُمر أن يكون معهم؛ لأن الرسول ﷺ أعلى الخلق منزلة، وهو أقربهم إلى الله ، وأشدهم علماً بالله ، وأشدهم له خشية؛ ومع ذلك أُمر بأن يصبر نفسه معهم؛ وذلك لأنهم يخلصون نيتهم لله ، والقرب من المخلصين من دقائق نعيم أهل الجنة؛ ولذا سأل النبي ﷺ ربه وهو في النزع الأخير الرفيق الأعلى، فقال: (بل الرفيق الأعلى، اللهم في الرفيق الأعلى!) وهذا يدلنا على أهمية الرفقة الصالحة.
فإذا كان النبي ﷺ وهو أفضل من الأنبياء الذين سبقوه جميعاً، وهو سيد الناس يوم القيامة، وهو سيد ولد آدم ولا فخر، يطلب الرفيق الأعلى، ويطلب مرافقة الأنبياء الذين سبقوه، ومنهم إبراهيم ﵇ وهو الذي بعده في المنزلة بين الخلق جميعاً، فإنهما أفضل من الملائكة، وأفضل من كل البرية، كما قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٧]، وقال النبي ﷺ : (لمن قال له: يا خير البرية! فقال: ذاك إبراهيم ﵇، قال إبراهيم: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء:٨٣].
стр. 250
تقويم الناس في ميزان الشرع وميزان الجاهلية
قد يكون من أمرت بمجالستهم فقراء؛ فتطمع النفس إلى مصاحبة من هو من أهل المال والسلطان، والنفس تتشوق إلى ذلك وتتطلع إليه، وتفتخر به، تقول: إن فلاناً الكبير هو من أصحابي، أو من زواري، أو ممن أزورهم وممن أدخل عليهم، النفس تتطلع إلى ذلك؛ حتى إن كثيراً من الناس يزن الأمور بموازين الدنيا، من السلطان والمال والجاه والسمعة بين الخلق؛ ولهذا اقترن الأمر بصبر النفس مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، بعدم النظر إلى من هو أعلى منك مالاً وجاهاً وسلطاناً، اقترن ذلك بالنهي عن أن تتطلع العينان إلى من أعطي زينة الحياة الدنيا، والنهي عن أن تتعداهم، قال : ((وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)).
قوله: ((وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ)) المقصود أن تتطلع النفس إلى غيرهم، وهو أن ينظر نظر المعجب إلى غيرهم من أهل الدنيا، وهذا هو الذي نهي عنه، وليس مجرد التطلع أو النظر، إنما المقصود منه ما يتبع ذلك النظر من تطلع النفس إلى زخرف الحياة الدنيا الذي أُعطيه المترفون.
وسنة الله أن يكون الأغلب من المترَفين من الكافرين، أو من الفاسقين والظالمين، قال : ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود:١١٦].
فالملأ دائماً ليسوا أتباعاً للدعوة في أول نشأتها، وفي فترات ضعفها؛ ولذلك يظل الدعاة إلى الله يتطلعون إلى من يقوي دعوتهم، ولا شك أن المال والسلطان والجاه والمنزلة من أعظم ما تتقوى به الدعوة، ونفوس الدعاة متتطلعة إلى التمكين للدعوة إلى الله ، فلربما من أجل ما يرون من المصلحة، وما يريدون دفعه من المفسدة تتطلع النفوس إلى بعض الطاعة، وبعض المتابعة لهؤلاء المترفين، وهذا من أعظم الخطر، ومن مزالق الأقدام، إنما هي مصالح وهمية، وتحدث مفاسد عظيمة جرّاء متابعة أهل الباطل وأهل الترف وأهل الدنيا وأهل الغفلة عن ذكر الله ، هم يريدون نشأة المجتمع أو استمراره على موازين الجهل والظلم التي هم عليها؛ ولذلك يقررون مبادئ وقواعد توزن بها أعمال الناس تخالف شرع الله ، ويعظمون ما حقره الله، ويحقرون ما عظمه الله، فهم لا يلتفتون مثلاً إلى العلم والإيمان، وإنما يلتفتون إلى السلطان والمال كما ذكرنا، يلتفتون إلى نوع الملبس والمركب والمطعم، فيكون ذلك عندهم عظيماً، فمن كان عنده من ذلك الشيء الكثير كان عندهم مقدماً محترماً، حتى ولو كان من أفسق الفاسقين.
وأنت ترى هذه الموازين في مجتمعات الشرق والغرب موازين مقدسة عندهم لا تُمَس، وهي مدنسة في الحقيقة؛ لأنهم يرون أهل الفجور والفسق من أهل الفن والغناء واللهو واللعب هم المشاهير والعظماء؛ الذين تفتح لهم الأبواب، وهم الذين يقدمون في المجالس ويستشارون في الأمور، ويقدمون على غيرهم في مهمات المجتمع، وهذا دليل على غفلة القلوب عن ذكر الله، وهم لا يعتبرون الإنسان الذي عنده من الإيمان والدين والعلم ما عنده؛ لأنه ليس له وضع في دنياهم كما يقولون ويزعمون.
هذه موازين الجاهلية، بل عامة مجتمعات الأرض مبنية على هذه الموازين، ولذلك فقبول هذه الأفكار بزعم المصلحة، والرغبة في التمكين للدين؛ من أعظم ما يؤدي إلى تمييع القضية وإلى تشويه الدين وانحراف الدعاة إلى الله .
следующие страницы →