← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37005

القصص القرآني - ياسر برهامي

ياسر برهامي

Полный текст (261 стр.). Показаны 246–261 · переход к 251.

стр. 246

مدة لبث أصحاب الكهف في كهفهم قال تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا * قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٥ - ٢٦]. يقول: هذا خبر من الله تعالى لرسوله ﷺ بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم منذ أرقدهم إلى أن بعثهم الله، وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان، وأنه كان مقداره ثلاثمائة سنة، تزيد تسع سنين بالهلالية، وهي ثلاثمائة سنة بالشمسية، فإن التفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين، فلهذا قال بعد الثلاثمائة: ((وَازْدَادُوا تِسْعًا)) وهذا من المعجزات الظاهرة للقرآن في أدق أنواع الحسابات والمشاهدات، وهذا أمر محسوس مشهود، أي: التفاوت بين السنة الشمسية والسنة القمرية؛ لأن السنة أمر حسي. وأنواع الأزمنة منها ما هو أمر عرفي، ومنها ما هو حسي، نقول مثلاً: اليوم أمر حسي؛ لأنه مرتبط بالشمس شروقاً وغروباً، فالشمس تشرق ثم تغرب ثم تشرق مرة ثانية، فهذا اليوم والليلة مرتبط بغروب الشمس وشروقها. وأما الساعات والثواني والدقائق فهي أمر عرفي، فالناس تعارفوا أن يقسموا اليوم إلى أربع وعشرين ساعة، لكن هل تحدث علامة مميزة كل ساعة في الكون؟ هل يحصل مثلاً للشمس ساعة أنها تعطي إشارة؟ لا، إذاً هذا أمر اصطلح عليه الناس. وكذلك الأسبوع أمر عرفي؛ لأنه ليس أمراً حسياً، فلا يحصل في الأسبوع شيء أما الشهر فهو أمر حسي؛ لأن القمر يدور دورته كل شهر، والسنة أيضاً أمر حسي؛ لأن فيها تغير الفصول، فالشتاء يأتي كل سنة مرة، وهذا أمر ملحوظ محسوس، فكل من الشتاء والربيع والصيف والخريف يأتي، فهذا أمر محسوس. إذاً: يوجد أمران في الحقيقة حسيان، السنة التي هي اثنا عشر شهراً قمرياً، والسنة الشمسية التي هي الفصول الأربعة، وقد كان الرسول ﷺ يقول: (سبعين خريفاً). فالحسابات الفلكية الدقيقة على أحدث المستويات العلمية، أثبتت أن كل ثلاثمائة سنة شمسية تساوي ثلاثمائة وتسع سنين قمرية. ولذلك قال في هذه الآية: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف:٢٥]، ولم يقل: ثلاثمائة وتسع سنين كالمعتاد، لماذا قال: ((وَازْدَادُوا تِسْعًا))، هو في الحقيقة ثلاثمائة سنة، ولو حسبتها بطريقة أخرى يزدادون تسعاً، فهناك إشارة إلى الفرق بين السنة الشمسية وبين القمرية، والله أعلى وأعلم. وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف:٢٦] أي: إذا سئلت عن مكثهم وليس عندك علم في ذلك من الله تعالى، فلا تتقدم فيه بشيء، بل قل في مثل هذا: ((اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ))، وكذلك إذا سئل الإنسان عن شيء علمه متعلق بالوحي، وجادله غيره، فقل: أنت أعلم أم الله، فالله أعلم بما لبثوا، فلو جادلك أحد فيكفيك هذا الخبر من الله ، وهو الأعلم بما لبثوا . وهذه السورة متضمنة لمعجزات ظاهرة للنبي ﷺ ، منها: ذلك الخبر التفصيلي البين الذي يتضمن أنواع الفوائد عن قصة أصحاب الكهف، مع أنه لم يكن عند العرب منه شيء قط، وكان اليهود أهم ما يهتمون به الأسماء كاسم الكلب، والملك الذي كان في زمنهم، وأين كان الكهف، ولم يهتموا بالفوائد العظيمة الإيمانية والعبادية والتهذيبية والدعوية، وسائر أنواع الفوائد التي تضمنتها هذه القصة العظيمة. بهذا السياق العربي الواضح البين الذي لا اعوجاج فيه، فلو كانت هذه القصة مترجمة؛ لظهرت فيها آثار الترجمة كما يظهر في أي كتاب مترجم من الركاكة ونحو ذلك: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف:١]، ﴿قَيِّمًا﴾ [الكهف:٢] مستقيماً، ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف:٢]. فهذه آيات تلو آيات للرسول ﷺ صالحة في كل زمن من الأزمنة لتذكير الخلق بالله وبمعجزات النبي ﵌.

стр. 247

إثبات صفة العلم لله سبحانه قال: ((قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا)) أي: لا يعلم ذلك إلا هو، ومن أطلعه عليه من خلقه، وهذا الذي قلناه عليه غير واحد من علماء التفسير كـ مجاهد وغير واحد من السلف والخلف. وقال قتادة في قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف:٢٥]. هذا قول أهل الكتاب، وقد رده الله تعالى بقوله: ((قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا)). قال تعالى: ((أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ)) أي: إنه لبصير بهم، سميع لهم، ما أسمعه وما أبصره ، أبصر به، يعني: ما أبصره، أسمع به، يعني: ما أسمعه، ما أعظم سماع الرب ، وما أعظم بصر الرب. قال ابن جرير: وذلك في معنى المبالغة في المدح، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه، تأويل الكلام: ما أبصر الله لكل موجود، وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيء. كأن تقول: ما أعظم هذا، يعني: هذا شيء عظيم جداً، وممكن تقول: أعظم به وأكرم، يعني هذا أكرم الأشياء. قال: ((أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ)) قال قتادة: لا أحد أبصر من الله، ولا أسمع، وقال ابن زيد: ((أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ))، يرى أعمالهم، ويسمع ذلك منهم. وقوله: ((مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)) أي أنه تعالى هو الذي له الخلق والأمر، الذي لا معقب لحكمه، وليس له وزير ولا نصير ولا شريك ولا مشير تعالى وتقدس.

стр. 248

فتية آمنوا بربهم [٨] لا يخفى على كل مسلم ما للرفقة الصالحة من أثر كبير في حياة المسلم، فهي التي تعينه بعد الله على طاعة الله، والتقرب إليه، والإكثار من ذكره، وهذه الرفقة يجب أن تكون منتقاة ومختارة وفق الأسس والأوصاف التي وضعها ورضيها رب العالمين، من الطاعة له والإخلاص وعمل الصالحات، وأن لا تكون وفق ميزان المال والجاه والسلطان.

стр. 249

أهمية الرفقة الصالحة وفضلها قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا * وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا * أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٧ - ٣١]. أمر الله نبيه ﷺ بأن يتلو كتابه ، وأن يصبر نفسه مع عباد الله المؤمنين؛ وذلك لأهمية الرفقة الصالحة، فهي من أهم الأمور في الدعوة إلى الله . إن الدعوة إلى الله لابد فيها من رفقة؛ حتى ولو كانوا أقل حالاً ومنزلة وعلماً من الذي أُمر أن يكون معهم؛ لأن الرسول ﷺ أعلى الخلق منزلة، وهو أقربهم إلى الله ، وأشدهم علماً بالله ، وأشدهم له خشية؛ ومع ذلك أُمر بأن يصبر نفسه معهم؛ وذلك لأنهم يخلصون نيتهم لله ، والقرب من المخلصين من دقائق نعيم أهل الجنة؛ ولذا سأل النبي ﷺ ربه وهو في النزع الأخير الرفيق الأعلى، فقال: (بل الرفيق الأعلى، اللهم في الرفيق الأعلى!) وهذا يدلنا على أهمية الرفقة الصالحة. فإذا كان النبي ﷺ وهو أفضل من الأنبياء الذين سبقوه جميعاً، وهو سيد الناس يوم القيامة، وهو سيد ولد آدم ولا فخر، يطلب الرفيق الأعلى، ويطلب مرافقة الأنبياء الذين سبقوه، ومنهم إبراهيم ﵇ وهو الذي بعده في المنزلة بين الخلق جميعاً، فإنهما أفضل من الملائكة، وأفضل من كل البرية، كما قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٧]، وقال النبي ﷺ : (لمن قال له: يا خير البرية! فقال: ذاك إبراهيم ﵇، قال إبراهيم: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء:٨٣].

стр. 250

تقويم الناس في ميزان الشرع وميزان الجاهلية قد يكون من أمرت بمجالستهم فقراء؛ فتطمع النفس إلى مصاحبة من هو من أهل المال والسلطان، والنفس تتشوق إلى ذلك وتتطلع إليه، وتفتخر به، تقول: إن فلاناً الكبير هو من أصحابي، أو من زواري، أو ممن أزورهم وممن أدخل عليهم، النفس تتطلع إلى ذلك؛ حتى إن كثيراً من الناس يزن الأمور بموازين الدنيا، من السلطان والمال والجاه والسمعة بين الخلق؛ ولهذا اقترن الأمر بصبر النفس مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، بعدم النظر إلى من هو أعلى منك مالاً وجاهاً وسلطاناً، اقترن ذلك بالنهي عن أن تتطلع العينان إلى من أعطي زينة الحياة الدنيا، والنهي عن أن تتعداهم، قال : ((وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)). قوله: ((وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ)) المقصود أن تتطلع النفس إلى غيرهم، وهو أن ينظر نظر المعجب إلى غيرهم من أهل الدنيا، وهذا هو الذي نهي عنه، وليس مجرد التطلع أو النظر، إنما المقصود منه ما يتبع ذلك النظر من تطلع النفس إلى زخرف الحياة الدنيا الذي أُعطيه المترفون. وسنة الله أن يكون الأغلب من المترَفين من الكافرين، أو من الفاسقين والظالمين، قال : ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود:١١٦]. فالملأ دائماً ليسوا أتباعاً للدعوة في أول نشأتها، وفي فترات ضعفها؛ ولذلك يظل الدعاة إلى الله يتطلعون إلى من يقوي دعوتهم، ولا شك أن المال والسلطان والجاه والمنزلة من أعظم ما تتقوى به الدعوة، ونفوس الدعاة متتطلعة إلى التمكين للدعوة إلى الله ، فلربما من أجل ما يرون من المصلحة، وما يريدون دفعه من المفسدة تتطلع النفوس إلى بعض الطاعة، وبعض المتابعة لهؤلاء المترفين، وهذا من أعظم الخطر، ومن مزالق الأقدام، إنما هي مصالح وهمية، وتحدث مفاسد عظيمة جرّاء متابعة أهل الباطل وأهل الترف وأهل الدنيا وأهل الغفلة عن ذكر الله ، هم يريدون نشأة المجتمع أو استمراره على موازين الجهل والظلم التي هم عليها؛ ولذلك يقررون مبادئ وقواعد توزن بها أعمال الناس تخالف شرع الله ، ويعظمون ما حقره الله، ويحقرون ما عظمه الله، فهم لا يلتفتون مثلاً إلى العلم والإيمان، وإنما يلتفتون إلى السلطان والمال كما ذكرنا، يلتفتون إلى نوع الملبس والمركب والمطعم، فيكون ذلك عندهم عظيماً، فمن كان عنده من ذلك الشيء الكثير كان عندهم مقدماً محترماً، حتى ولو كان من أفسق الفاسقين. وأنت ترى هذه الموازين في مجتمعات الشرق والغرب موازين مقدسة عندهم لا تُمَس، وهي مدنسة في الحقيقة؛ لأنهم يرون أهل الفجور والفسق من أهل الفن والغناء واللهو واللعب هم المشاهير والعظماء؛ الذين تفتح لهم الأبواب، وهم الذين يقدمون في المجالس ويستشارون في الأمور، ويقدمون على غيرهم في مهمات المجتمع، وهذا دليل على غفلة القلوب عن ذكر الله، وهم لا يعتبرون الإنسان الذي عنده من الإيمان والدين والعلم ما عنده؛ لأنه ليس له وضع في دنياهم كما يقولون ويزعمون. هذه موازين الجاهلية، بل عامة مجتمعات الأرض مبنية على هذه الموازين، ولذلك فقبول هذه الأفكار بزعم المصلحة، والرغبة في التمكين للدين؛ من أعظم ما يؤدي إلى تمييع القضية وإلى تشويه الدين وانحراف الدعاة إلى الله .

стр. 251

سبب انزلاق وانحراف بعض الدعاة إلى الله كم رأينا وسمعنا من ينتسب إلى الدين وهو يقرر عقائد الضلال، بل وأحياناً الكفر والعياذ بالله؛ لأنه أطاع من أغفل الله قلبه عن ذكره من أهل الفساد، ونحن نعلم أن انزلاق قدمه إلى هذه الهاوية، ما كان إلا ببعده عن عباد الله الصالحين، مع أنه ربما كان في وقت من الأوقات أفضل من كثير من هؤلاء الصالحين الذين يريدون وجه الله ، وربما كان أعلم منهم وأعلى قدراً، لكنه اتبع هواه، لكنه عدت عيناه عن هؤلاء الصالحين، وصار يريد زينة الحياة الدنيا، وكان بداية انحرافه دعوى المصلحة. ولذا وجدنا هذا العتاب الشديد للنبي ﷺ ، رغم أن النبي ﷺ بالقطع واليقين ما كان يريد من تطلعه إلا إيمان من يؤمن من علية القوم، ما كان يريد إلا مصلحة الدين والتمكين للإسلام، فأنزل الله عليه هذه الآيات، وكذا قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس:١ - ١٢]. هذه هي الموازين الإيمانية التي لابد أن نزن بها الأمور، فكما ذكرنا يبدأ الشيطان في تسويل الأمر لكثير من الناس، ممن ينتسب إلى العلم والدين؛ بأن ذلك مصلحة، وأن ذلك دفع مفسدة، فتنقلب الموازين بعد حين، تجدونه والعياذ بالله يقرَّب كل ما يريده أعداء الله، ولربما فطن المشركون والمنافقون واليهود والنصارى وأعداء الإسلام إلى هذه المفاتيح في شخصيته، فيعطونه ما يريد من الوجاهة والمنزلة ومن زخرف الدنيا؛ فإذا به يصير لسان حالهم، وربما صوَّب كفرهم والعياذ بالله، فخرج عن الإسلام بتصويب هذا الكفر، فنعوذ بالله من ذلك. وتجدون ما هو أدنى من ذلك تصريحاً؛ فإنك تجد من يقبل أنواع الضلال كلها كما ذكرنا، ويحاول أن ينسبها إلى الإسلام، ويأتي مما يعلم من الدين بما يلبس به على الناس، فتجده مثلاً يخلط على عوام الناس بين السماحة والعدل والقسط الذي أمر الله به مع الكفار وبين الموالاة والمحبة والمودة، فتجده يصرح بالمودة والموالاة للكفار، ويقول: هذا مما أمُرنا به، وهذا مما لم ينهنا عنه الشرع، ويأتي بالأدلة الدالة على العدل والقسط والبر والإحسان لمن لم يسئ إلينا ولم يحاربنا في الدين. نقول: البر والإحسان أمر، والموالاة والمحبة والمودة أمر آخر، وتجد العجب العجاب ممن يخلط بين الأمور، تجده مثلاً إذا أراد الناس تحكيم غير شرع الله ، فإذا به ينادي مثلاً بالشورى ويزعم أنها هي الديمقراطية الحديثة، ونحن نعلم الفرق الهائل بين الأمرين، فهذه بعض الأمثلة مما نسمعه في واقعنا، وتلك هي النتيجة الخطيرة لمن اتبع وأطاع من أغفل الله قلبه عن ذكره ، فيلبس الأمور على الناس، وربما استحل المحرمات، فيسمي الربا بغير اسمه؛ تلبيساً على الناس، فيقول لهم: هذه الفوائد أحل من المضاربة التي شرعها الله ، والمشاركة التي بيَّن الرسول ﷺ مشروعيتها ونحو ذلك، مع أنه يخالف إجماع أهل العلم على ذلك. ويسمي المعازف المحرمة والفسق والفجور والمحرمات باللهو المباح البريء، ويدعي أن ذلك مما أباحه الله ، ويحتج عليه بغناء جاريتين غنتا عند النبي ﷺ في يوم عيد، بعيداً تماماً عن كل هذا الذي نسمعه، وبالقطع واليقين لا يشك عالم في تحريم ما يذكر للناس من الغناء، وما يعرض عليهم ليل نهار. وليس هذا في أناس بأعيانهم دون غيرهم؛ ولكن هناك طوائف كثيرة حتى من المنتسبين إلى الدعوة إلى الله، وإن لم يكونوا أتباعاً ولا أذناباً للظالمين والمنافقين؛ بل بداية أمرهم أنهم ابتعدوا عن الصالحين، وفي نفس الوقت اتبعوا وأطاعوا من أغفل الله قلبه عن ذكره, ولهذا نجد مزيداً من الانحراف جيلاً بعد جيل وسنة بعد سنة، وربما يوماً بعد يوم، وتجد المبادئ الجاهلية هي التي سيطرت على عقول الكثيرين كما ذكرنا، لهذا كان هذا التوكيد الشديد البين العتاب الواضح للنبي ﷺ في شأن قبول أدنى مبدأ وأدنى أمر -ولو لمصلحة ولو للتمكين للدين- من مبادئ الجاهلية، ومن باب الظلم والطغيان والعدوان. لذلك نقول: هذا الأمر من أعظم الأمور أهمية في منهج الدعاة إلى الله، وهو حاجتك أيها الملتزم إلى صحبة الصالحين، كان الأنبياء يحتاجون إلى صحبة الصالحين، وكان الأتقياء العلماء الدعاة يحتاجون إلى صحبة تلامذتهم وأتباعهم، وهم لم يحتاجوا إلى ذلك من أجل أن يظهر علمهم بذلك، أو يظهر فضلهم عليهم، لا، هذا أمر خطير، إنهم لا يصحبونهم لكي يعظمونهم، بل هذا في فترة الاستضعاف التي تكون فيها الصحبة تهمة لهؤلاء؛ إنما يحتاجون إليهم للثبات على الدين، ولكي تظل إرادة وجه الله هي المحرك الحقيقي للدعاة إلى الله، وللعاملين في سبيل الله ، ولكي لا تدخل موازين الباطل والجاهلية إلينا من حيث لا نشعر. لذا قال : ﴿وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف:٢٨]. إذاً: نهى الله عن طاعة الغافلين عن ذكر الله، ونهى عن طاعة من لا يذكرون الله إلا قليلاً، أو من لا يذكرونه بالمرة، وكون فلان يذكر الله أو لا يذكره لا نلحظه بمجرد إمساكه لمسبحة مثلاً، ولكن نلحظه في شئون حياته، فى كلامه كم فيه من ذكر الله، وكم فيه من البعد عن ذكر الله، نلحظه في كتابته، في أعماله وأحواله، في يومه وليلته ماذا يصنع وماذا يسمع وماذا يقول، وماذا يعمل؛ بهذا تعرفه، وهذا والله أمر جلي ظاهر، لا يحتاج إلى كبير مجهود. فأنت تجد حياة الناس في ليلهم ونهارهم ما بين العمل والمقهى والتلفاز والأفلام الأخرى، والصراعات الداخلية فيما بينهم والنزاعات، إلا من رحم الله ، إذا وجد هؤلاء فاحذرهم، قال : ((وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا)). أنا ضربت المثال بالأدنى؛ ليُنتَبَه لما هو أشد من ذلك، ضربت مثالاً بعامة الناس فضلاً عمن يقضون أوقاتهم فيما هو أشد فسقاً وفجوراً والعياذ بالله ممن يقضي أوقاته في الملاهي الليلية، وفي أماكن الفجور وغيرها مما نتعفف عن ذكره، فضلاً عمن يظل الساعات الطويلة يكيد لأهل الإسلام والصد عن سبيل الله ، ويقضي ساعاته الطويلة ومعظم حياته مع الكفرة والثناء عليهم والتقديس لهم وغير ذلك، ولا يكاد يلتقي بأهل الصلاح أبداً، نسأل الله العفو والعافية.

стр. 252

سبب انحراف الدعوات والجماعات الإسلامية لو تأمل الإنسان في تاريخ الدعوات لوجد أن انقسام كثير من الدعوات؛ بسبب بعد كثير من الصالحين عن كثير منها مما أدى إلى مزيد من انحرافها وأدى إلى تشويه هذه الدعوات بالكلية؛ لأن قوماً وفريقاً منهم أطاعوا من أغفل الله قلبه عن ذكره ، فتحولت بعد ذلك إلى دعوة ممسوخة ليست دعوة إلى الله ، دعوة مليئة بالمنكرات، ولو أنهم تمكنوا لما غيروا كثيراً، أو لَمَا كان الوضع يختلف كثيراً عما يفعله أعداء الإسلام، إلا أنه صار هناك إسلام بالاسم فقط، والاسم لم يختف بعد عند أعداء الإسلام، ولا مانع عندهم من بقائه، حتى الكفرة يقولون: نحن لا نحارب الإسلام، حتى اليهود أنفسهم يقولون: نحن لا نحارب الإسلام، هم يقولون: نحن نحارب التطرف! لا يتجرأ اليهود أن يقولوا: نحن أعداء الإسلام إلى يومنا هذا. فإذاً: قضية الاسم وأن هذا إسلامي صار كأنه دهان يُدهن به كل شيء حتى يصير إسلامياً، حتى الغناء واللهو واللعب، يقال له: هذا غناء إسلامي، وهذا تمثيل إسلامي، وهذا لعب إسلامي وغير ذلك، أمر عجب! وهو على ما هو عليه، هذا أمر ملحوظ بلا شك، وكل هذا بسبب البعد عن الصالحين وبعد الصالحين عنهم.

стр. 253

التحذير من طاعة الكافرين والمنافقين قوله سبحانه: ((وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا)) يشمل الكفرة والمنافقين والظلمة وكل من غفل عن ذكر الله، بالدرجات المتفاوتة، والطاعة في هذا طاعة في الغفلة عن ذكر الله ، وطاعة في البعد عن كتابه، وعن سنة نبيه ﷺ ، والطاعة موالاة، ولذا ورد التحذير مرات ومرات من طاعة الكافرين والمنافقين، ولذلك نرى أن من أعظم الخطر الذي يدعو إليه دعاة ينتسبون للإسلام: تأكيد طاعة من أغفل الله قلبه عن ذكره، ويؤكدون أن هذه الطاعة هي مفتاح الخير، وأن ذلك هو سبب الأمان للدعاة إلى الله ، وأن مخالفة الطاعة لهؤلاء كانت هي السبب في البلايا والمحن التي تصيب المسلمين والملتزمين، ووالله إن هذا لهو قلب للحقائق وللأمور رأساً على عقب. كيف ذلك؟! إطاعة من وصفهم النبي ﷺ بالدعاة على أبواب جنهم تحل مشاكل الدعوة والدعاة؟ وهذا والله تلحظه في كتابات كثيرة، وفي توجيهات عديدة من كثير ممن ينتسب إلى الدعوة إلى الإسلام، للأسف الشديد هذا بسبب الغفلة عن كنوز القرآن، والعلم الذي احتوته آيات الله . ولذلك في قصة أهل الكهف ما يبين هذا المعنى، وهو أنهم اجتمعوا مع بعضهم وفارقوا أهل السلطان والمال والجاه والدنيا؛ لغفلتهم عن ذكر الله ، ولم يطيعوهم فيما دعوا إليه من ترك دينهم. وهكذا يجب أن يكون كل من دعا إلى الله ، الطاعة موالاة، فأنت هل ترضى أن يكون مصيرك مصير من أغفل الله قلبه عن ذكره؟!

стр. 254

خطر الغفلة عن ذكر الله

стр. 255

الغفلة عن ذكر الله قال أهل العلم: إن أول مراتب السير إلى الله : الانتباه من رقدة الغفلة، وأن يتيقظ الإنسان ويتيقظ قلبه من رقدة الغفلة. الغفلة عن ذكر الله، الغفلة عن الموت وما بعده، الغفلة عن اليوم الآخر والجنة والنار، الغفلة عن محبة الله ومعرفته بأسمائه وصفاته، الغفلة عن أعظم لذة ومتعة في الوجود وهي التلذذ بالقرب من الله وعبادته، والاختلاط بأهل الدنيا ليل نهار والقرب منهم يؤدي إلى الغفلة، ولا يكاد أحدنا يذكر شيئاً ينتشله من الغفلة طالما كان مع الناس، إلا أن يمن الله عليه بمن يذكره أو بأن يكون هناك مذكر في نفسه لكي يظل قلبه متيقظاً بدلاً من الغفلة، الغفلة عن معاني التوحيد والإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر. فمنذ كم وأنت تفكر، وأنت تستشعر أن معك على الدوام ملكين كريمين، يكتبان أعمالك، قال : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] أليس هذا من الإيمان بالملائكة؟ ولكن هل تستشعره أنت في حسك وفي تصرفك وسلوكك أم غفلت عن ذلك؟ كم استشعرت أن الملائكة تحف المجالس التي يكون فيها ذكر الله؟ والله لو أن الناس قيل لهم: إن فلاناً المشهور سيحضر الدرس الفلاني يستمع فيه لأتى الملايين والآلاف لكي يستمعوا إلى هذا المجلس الذي سيحضره فلان، فاعلم أن ملائكة الله تأتي وتحضر مجالس ذكر الله ، ومجالس تلاوة كتابه وتدبره ومعرفة ما فيه من الحلال والحرام، ومجالس التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل في المساجد وغيرها.

стр. 256

الغفلة عن تدبر سير الرسل والأنبياء قد يكون الإنسان غافلاً وهو من أهل الإيمان؛ وذلك لأن القلب تستتر عنه بصيرته لكثرة الحواجز. فمثلاً: في الإيمان برسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين تكون الغفلة عن الصفات العظيمة التي عليها كل رسول من هؤلاء الرسل، وتدبر صفات الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يقيناً يجذب القلب إلى حبهم جذباً، ويجعلك تحب كل واحد منهم. وكثير من الناس ينشغلون بسيرة بعض الشخصيات فيظل يقرؤها كثيراً؛ فيحب هذا الشخص، ويعجب به إعجاباً شديداً، وهكذا لو تأملت في سير الأنبياء في القرآن، فإن ذلك يجعلك تسلك الطريق الصحيح في مواجهة أي موقف يحدث لك؛ لأنك تستحضر ما ينبغي أن تكون عليه من التشبه بهم، فهذه يقظة، والبعد عن سيرة الأنبياء وسلوك الأنبياء غفلة؛ ولذلك نجد كثيراً من المواقف المختلفة التي كان ينبغي أن يكون الأمر فيها بخلاف ما تم؛ لأن الأمر واضح فعلاً لو تأملنا سير الأنبياء وموازينهم التي يزنون بها الأمور، والمواقف التي اتخذوها، والأمور تتكرر كثيراً، ومع ذلك نجد مخالفة وبعداً شديداً عن منهج الأنبياء؛ لأننا غفلنا عن سيرتهم، وعما قص الله علينا من صفاتهم حتى نحبهم ونتشبه بهم ونتبعهم ونطيعهم.

стр. 257

الغفلة عن تدبر كتاب الله كذلك الإيمان بالكتب والذكر لها، وذلك بتلاوة كتابه، كما تصدرت الآيات بهذا الأمر، قال تعالى: ((وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ)) بحيث يكون الإنسان منتبهاً حال التلاوة؛ لأنه ليس المقصود بالتلاوة هو تحريك اللسان فقط، فقد ذكرنا أن تفسير التلاوة بالاتباع هو التفسير الصحيح لهذا، ولا يتم إلا بالقراءة التي معها المتابعة، ومن السلف من فسر التلاوة بالمتابعة فقط. على أي حال فالانتباه لما في كتاب الله من المعاني العظيمة التي هي أساس اليقظة، وهو ضد الغفلة، والغفلة عن كتاب الله تكون بعدم قراءته وحفظه وعدم تدبر ما فيه، وكيف يتدبر فيه من لا يقرؤه؟! وكيف يتدبر فيه من لا يفتح مصحفه في يومه وليلته؟! لا شك أن ذلك يؤدي إلى الغفلة، ولذلك نحذر أنفسنا من الغفلة عن كتاب الله .

стр. 258

الغفلة عن اليوم الآخر كذلك الغفلة عن تذكر اليوم الآخر على الدوام، كأنك ترى الناس قد قاموا من قبورهم ووقفوا في أرض المحشر حفاة عراة غرلاً، والشمس فوقهم، والأرض قد بدلت غير الأرض التي نحن عليها، قد غيرت صفاتها، وسيرت جبالها، وعرق الناس حتى ضرب في الأرض قدر قامة رجل، وقدر سبعين ذراعاً، ومن الناس من عرقه إلى كعبيه، ومنهم إلى ركبتيه، ومنهم إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجاماً، نسأل الله العافية. وكأنك ترى الناس وقد تطايرت صحفهم، يأخذونها باليمين أو بالشمائل من وراء ظهورهم والعياذ بالله. فكأنك ترى الموازين قد نصبت، فهذا يرجح ميزانه فيسعد سعادة لا شقاء بعدها أبداً، وذاك يخف ميزانه فيشقى شقاء لا سعادة بعده أبداً والعياذ بالله. والناس في هذا الموقف الهائل منتظرين ماذا يصنع بهم، والمؤمن يؤتى كتابه بيمينه ويقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩]، والكافر يؤتى كتابه بشماله فيقول: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٧] والعياذ بالله. وكأنك تنظر إلى الناس وهم يمرون على الصراط، ومنهم من يتساقط، ومنهم من يخدش وينجو، ومنهم من يمر كالبرق، تذكر هذه المعاني، وذلك لن يتم إلا بذكر الله بالقرآن وبسنة الرسول ﵊، حتى يحيا ذلك القلب وتذهب عنه الغفلة. إذاً: لابد من الذكر وترك الغفلة، وسائر أصول الإيمان والإسلام تحتاج إلى ذكر وبعد عن الغفلة، ((وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا)).

стр. 259

من أسباب الغفلة عن ذكر الله: التفريط في جنب الله تجد الدليل الواضح على خلق الله لأفعال العباد، قال: (أغفلنا) ولم يقل: غفل قلبه، وإنما قال : ((أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ)). إذاً: الله الذي أغفل قلبه وجعله في غفلة هو خالق أفعال العباد، وهو سبحانه الذي وضع الأمور في مواضعها، وما أضل هذا الذي أضله إلا لأجل فعل منه استحق به ذلك وصفة قبيحة فيه، لماذا أغفل الله قلبه عن ذكره؟ لماذا حرمه هذا الشرف؟ لماذا جعله موضعاً للضلال وللنجاسة في الإرادات والأعمال والأقوال؟ لأنه ((َاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)) أي: أنه اتبع الهوى وفرط في الواجب، واتبع الشهوات وضيع الصلوات وترك الواجبات وفعل المحرمات، وسبب ضلال بني آدم ترك الواجبات وفعل المحرمات، واتباع الهوى يجرك إلى مزيد من تضييع الواجبات، وهكذا تدور في دائرة لا نهاية لها إلا الاستقرار في جهنم والعياذ بالله. تلحظ في نفسك أثر الطاعات والمكروهات والمحرمات، فأنت إذا أقبلت على الصلاة وفقت لغض البصر، ووفقت للبعد عن الشهوات، إذا صمت وصليت وقمت الليل تمكنت من نفسك، وتحكمت فيها، وإذا أطلقت بصرك حُرِمت قيام الليل، وهذا مثال بسيط، وإلا فكلما ازداد الذنب ازداد الحرمان، وازداد البعد عن الله ؛ لأن اتباع الهوى يؤدي إلى التفريط، ويؤدي إلى أنك تحرم من ذكر الله ، ويؤدي إلى مزيد من الغفلة. الله أغفل قلب من أغفل عن ذكره؛ لأنه اتبع هواه، والله ذكر لنا أنه فعل هذا بهم عدلاً منه وحكمة؛ لأنهم فرطوا، فهم يريدون اتباع الهوى، وفرطوا في طاعتهم لله ، بل منهم من ضيعها بالكلية، فلذلك غفلت قلوبهم فأغفلها الله.

стр. 260

أسس الدعوة إلى الله لقد أمر الله نبيه ﷺ بالدعوة إلى الله، قال : ((وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ)) أي: هذا هو الحق من ربكم، إذا تأملت هذا الترتيب وجدت الدعوة إلى الله لا تقوم إلا بذلك، لابد من تلاوة الكتاب، ولابد من اللجوء إلى الله ، ولابد من طائفة صالحة مخلصة تصحبها على طاعة الله، فالذي ينبغي ألا تتطلع نفسك إلى صحبة أهل الدنيا والشرف، ولابد من الحذر من طاعة الغافلين فضلاً أن تكون أنت غافلاً، ولابد أن تترك اتباع الهوى، بل تحاربه وتنهى النفس عنه، ولابد ألا تفرط في طاعة الله. هذه أسس البناء، عند ذلك سوف تقوم الدعوة على أساس متين، وسوف تكون الدعوة إلى الله مثمرة الثمار المباركة، وعندما يوجد من يدعو إلى الله بدون هذه الأسس سوف تكون دعوة ممحوقة البركة لا ثمرة لها، أو ثمارها مُرة، ثمارها شخصيات ونتاج لا يسمن ولا يغني من جوع، نتاج من الناس لا يغير الواقع، ولا يُمكَّن لدين الله من خلاله، نسأل الله العافية. لذلك لابد إذا أردنا أن نكون دعاة أن نقول الحق، ويصل هذا الحق إلى من أراد الله هدايته فينبت النبات الطيب، لابد أن توجد الأسس التي ذكرها الله في قصة هؤلاء الدعاة، وفي خاتمة هذه التوجيهات الإيمانية القرآنية؛ لأنها قصة عظيمة من قصص الدعوة إلى الله ، قصة هؤلاء الدعاة من أهل الكهف قال تعالى: ((وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)) ليس هذا على سبيل التخيير، وإنما هو على سبيل التهديد والوعيد، كما تقول: اعمل ما شئت، وسوف ترى ما يحدث لك؛ لأن الله عقبه بقوله: ((إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا)). ولكننا نلتمس في ضوء هذه الآية أن الدعوة إلى الله في مراحلها الأولى؛ لأن السورة كما ذكرنا مكية، لا تقوم أبداً على القوة، وهذا من حكمة الله أن الله يسر أن يبدأ الدعاة إلى الله من ضعف، ثم ينمو وجود الدعوة إلى الله حتى تقوى، وعند ذلك يشرع الله الجهاد. وكثير من الناس يغفل عن هذا الترتيب؛ لأن الناس إذا دخلوا في الدين بالجهاد دخل فيه من يحسن ومن لا يحسن، من يريد الدين ومن لا يريده، هناك الكثيرون يدخلون في الدين إذا تمكن؛ لأنه أمر قد ترجح، كما قال عبد الله بن أبي بن سلول لما انتصر المسلمون في بدر: هذا أمر قد توجه، يعني: صار له وجه، ويبدو أنه سوف يتصدر، فدخل في الإسلام ودخل المنافقون، فكانوا أعظم خطر على المجتمع المسلم. والذين دخلوا في دين الله أفواجاً، من السهولة أن يخرجوا منه أفواجاً، أما الذين دخلوا فيه واحداً واحداً، ونبت الإيمان في قلوبهم كشجرة تنبت في الصخر، فلا يمكن أن تنزعها الرياح من جذورها؛ لأن الإيمان قد ثبت في قلوبهم. من الذي ثبت بعد وفاة النبي ﷺ ؟ السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، ثبت الله الأمة كلها بـ أبي بكر، ثم ثبتها بمن تابعه من الصحابة؛ لأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان قد امتلأ قلبه إيماناً فما تزعزع، ولولا فضل الله بهؤلاء لما كان للإسلام ذكر في وقتنا، فسبحان الله! فهؤلاء هم الذين استجابوا لدعوة الحق عندما كان ليس لها قوة تحميها، ومع هذا من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ومن يكفر عندهم من الدنيا ما يجعله في المنازل العالية، هناك أضعاف أضعاف الجوائز عندهم، ولكن الذي يدفع المؤمن للإيمان هو نظره للآخرة؛ لأن الظالمين أعد الله لهم ((نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا))، ولأن المؤمن إنما يستجيب لله، لا لشيء من الدنيا. وهذا والله من أعظم الأمور أهمية في نوعية هذا الإيمان الذي يثبت في القلوب، ويظل مستقراً فيها عند الشدائد، نسأل الله عزو جل أن يجعلنا من المؤمنين حقاً.

стр. 261

وجوب الجهاد قال تعالى: ((وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)) أبعد وضل من استدل بهذه الآية على عدم وجوب الجهاد، هذا كلام باطل لا تدل عليه الآية بوجه من الوجوه، وكما ذكرنا هذا كان في أول الإسلام، ليس معنى ذلك أن الإسلام سوف يظل هكذا على الدوام، لا يفرض الحق بالقوة التي أيده الله بها، بل لابد بعد مرحلة معينة أن يفرض الحق إذا وجدت القوة التي تفرضه، وليس معنى ذلك أننا نكره الناس على الدين، بل يظل هذا الأمر موجوداً، ولكن يمنع الكفر والطغيان من أن يفرض نفسه على الناس جيلاً بعد جيل، ويكون حاجزاً بين الناس وبين الإيمان. إذاً: فوظيفة المسلمين في الجهاد أن يزيلوا الشبه، وأن يمنعوا الباطل من أن يكون متسلطاً، الأرض أرض الله، والعباد عباد الله، فإذا ظهر أمر الله وظهر الحق فيختاره من اختار، ويظل الأمر بعد ذلك إلى ما يختاره الإنسان لنفسه، فلن يكره أحد على الإسلام، إلا من ورد الإكراه في حقه لارتكابه جريمة الخيانة العظمى وهي الردة، فالمرتدون هم الذين يُكرَهون على الإسلام فقط، وأما من سواهم فالصحيح أن أحداً من أهل الملل لا يكره على الدخول في الإسلام، على خلاف معتبر في غير أهل الكتاب والمجوس، بمعنى أن هناك من يرى إكراه المشركين دون إكراه اليهود والنصارى والمجوس، لورود النص في أنهم لا يكرهون على الإسلام لإقرارهم بالجزية. والصحيح أن الكل يقر بالجزية، إلا المرتدين فإنهم بإجماع أهل العلم يجب قتالهم وقتل الواحد منهم المقدور عليه إذا تمكن المسلمون من ذلك. والخلاف في المرتدة ضعيف أيضاً؛ فإن المرتدة تقتل على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو قول جمهور العلماء. والمقصود أن هذه الآية ليست للتخيير، كما يقول ذلك من ضل وأضل، ويظن أن الأمر مرده إلى إرادة الناس، ومن الخطأ كذلك القول بأن الآية تدل على عدم الجهاد، ولكن الآية كما ذكرنا: ((فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)) الأمر هنا ((فَلْيَكْفُرْ)) للتهديد والوعيد؛ لأنه أعقبه بقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩]. قال ابن كثير ﵀: يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ : وقل يا محمد للناس: هذا الذي جئتكم به من ربكم، والحق الذي لا مرية فيه ولا شك، ((فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)) هذا من باب التهديد والوعيد الشديد، ولهذا قال: ((إِنَّا أَعْتَدْنَا)) أي: أرصدنا ((لِلظَّالِمِينَ)) وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه، ((نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا)) أي: سورها. روى الإمام أحمد بسند فيه ضعف عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (لسرادق النار أربعة جدر، مسافة كل جدار مسافة أربعين سنة). قال ابن عباس: ((أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا)) قال: حائط من نار. وروى ابن جرير عن يعلى بن أمية قال: قال رسول الله ﷺ : (البحر هو جهنم، قال: فقيل له: كيف ذلك؟ فتلا هذه الآية: ((نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا)) [الكهف:٢٩] ثم قال: والله! لا أدخلها أبداً أو ما دمت حياً).