تقديم عن طبعة المجلس الأعلى للثقافة بمصر
رحلة حسن أفندي توفيق العدل (١٨٨٧ ـ ١٨٩٢)
تضم "الرحلة إلي برلين" و"رسائل البشرى في السياحة بألمانيا وسويسرا ", وقد قدم له الدكتور محمد صابر عرب بدراسة ضافية. والكتاب من إعداد عبد المنعم محمد سعيد. وقد صدر الكتاب ضمن سلسلة "من أدب الرحلات" التي تصدرها المجلس الأعلى للثقافة بمصر.
تشير مقدمة الدكتور محمد صابر عرب إلى نبوغ حسن العدل وتنوع ثقافته وطموحاته العلمية الفائقة؛ وقد كانت أسبابا كافية لاختياره من قبل نظارة المعارف لكي يسافر إلي ألمانيا بمجرد تخرجه في دار العلوم , معلما للغة العربية وآدابها في جامعة برلين التي وصل إليها في ٢٠ سبتمبر ١٨٨٧, حيث قضى خمس سنوات. ولم يكن مجرد معلم بل حرص علي تعلم الألمانية في أقل من ستة أشهر , كما حرص على أن يستفيد من كل مشاهداته التربوية والاجتماعية والسياسية وأن يحيل ذلك كله إلى كتابات كتبها بالمصرية. وفي جميع الحالات كان مصريا نابها وسفيرا لبلاده ومدافعا عن قضاياها. ويرى الدكتور صابر أن رحلة حسن العدل إلى ألمانيا وسويسرا نموذج لأدب الرحلات، ليس لأنها قد سجلت بدقة كل ملاحظات الرجل ومشاهداته وانطباعاته، وإنما لما تميزت به من روح مرحة وطرف خفيفة الظل كان طرفا فيها , كما يلاحظ على رحلة حسن العدل عنايته الفائقة بالتعليم وحرصه على الاستفادة من تجارب كل البلاد التي زارها لدرجة أنه سافر من ألمانيا إلى إنجلترا وفرنسا حيث أمضى عدة شهور متنقلا بين المؤسسات التعليمية والثقافية , فزار جامعات أكسفورد وكمبردج وإبتون , قبل العودة إلى بلاده لكي يقدم خبرته إلى وزارة المعارف المصرية. وعندما أقام الدكتور براون في القاهرة للعمل أستاذا بدار العلوم عام ١٩٠٣ ـ وكان مكلفا من قبل جامعته لاستقدم احد الاساتذة المصريين للعمل مدرسا للغة العربية في جامعة كمبردج وقع اختياره على حسن العدل الذي سافر إلى انجلترا في أكتوبر ١٩٠٣ وأصبح عضوا في الجمعية الآسيوية الملكية حتى كانت وفاته في ١٩ يونيو عام ١٩٠٤.
стр. 2
تقديم عن طبعة دار السويدي الثقافية الإماراتية (*)
عصام حمزة
تكشف يوميات الكاتب المصري حسن توفيق العدل المدونة في كتاب عن رحلته لالمانيا في لقرن التاسع عشر عن نزاع فكري ونفسي تجلى في ثنائية الصراع بين الانا والاخر .. بين تقدم الاخر الاوروبي وتخلف الانا العربي وهي ثنائية حكمت جيل العدل بأسره والاجيال اللاحقة الى اليوم. وفي كتابه "رسائل البشرى في السياحة بألمانيا وسويسرا .. رحلة عربي من برلين الى برلين" الذي اصدرته دار السويدي الثقافية الاماراتية في اطار مشروع ارتياد الافاق الذي يعنى بأدب رحلات العرب الى دول العالم خلال العشرة قرون الماضية يكشف الكاتب المصري عن انطباعاته ومقارناته عن ايمان بالعلم والتقدم والحرية وعن تقدير للاختلاف الثقافي والحضاري بين الامم والثقافات. يقول الشاعر نوري الجراح الذي حرر الكتاب وعلق هوامشه ان انطباعات العدل عن الرحلة التي قام بها في أغسطس آب وسبتمبر أيلول من عام ١٨٨٧ وطاف خلالها عشرات المدن والقرى ما بين ألمانيا وسويسرا "لا تختلف عن غيرها من اليوميات العربية في أوروبا في همومها واهتمامات أصحابها." وقال الجراح الذي يشرف على مشروع ارتياد الافاق لرويترز "لم تكن الرحلة من الشرق العربي الى ألمانيا في القرن التاسع عشر رائجة عندما قام صاحب هذه اليوميات برحلته فقد كانت أنظار الرحالة والمسافرين العرب مشدودة يوم ذاك الى فرنسا وبريطانيا."واضاف "كانت كل من باريس ولندن العاصمتين الاكثر اغراء للنخب المثقفة الشرقية المتطلعة الى تحصيل العلم في أوروبا والعمل على احداث تغيير واصلاحات في نظم المجتمع والدولة ولاحقا المناداة بالاستقلال عن دولة الخلافة ممثلة بالباب العالي بالنسبة الى العرب الذين رزحوا تحت نير الحكم التركي أكثر من أربعة قرون."
وقال الجراح "في سبتمبر ١٨٨٧ وعلى اثر اختياره من قبل (نظارة المعارف) في القاهرة لتدريس العربية للطلاب الاجانب في برلين ركب العدل الباخرة من الاسكندرية متجها الى ألمانيا وانتهى به المطاف في ٢٠ سبتمبر من العام نفسه في برلين قادما من فيينا."
في أكتوبر تشرين الاول من سنة ١٩٠٣ وصل الى انجلترا لتدريس اللغة العربية في جامعة كيمبردج بطلب من الحكومة المصرية فقضى هناك سبعة أشهر أمضاها في التدريس والبحث. وفي ٣١ من مايو أيار سنة ١٩٠٤ وبينما هو في قاعة الدرس أصيب بعارض صحي أودى بحياته تحت أنظار طلابه.
أما رحلته من برلين واليها وسياحته في المدن الالمانية والسويسرية التي استمرت شهرا كاملا فقد كتب عن طبيعتها وناسها ومصانعها وعلومها ومدارسها.
стр. 3
انطلق العدل في رحلته من برلين في ١٦ أغسطس اب سنة ١٨٨٩ متجها الى مدينة هانوفر وغادرها الى مدينة مندن وهي بلدة قديمة في ولاية فستفاليا ثم زار عددا من المدن الالمانية قبل أن يعبر الى الاراضي السويسرية.
ورجع من سياحته بعد شهر قضاه في شوارع المدن وأحضان الطبيعة الخلابة فوصل الى برلين يوم ١٥ سبتمبر أيلول عام ١٨٨٩.
ويقول الجراح معلقا على رحلة العدل "لم يكن رحالتنا أول من دون يوميات وانطباعات عن ألمانيا أواخر القرن التاسع عشر فقد سبقه رحالة واحد على الاقل هو اللبناني سليم بسترس الذي زار ألمانيا قادما من بيروت عبر الاستانة سنة ١٨٥٥ وعاصره محمد أمين فكري الذي زارها في سنة ١٨٨٩ وهي السنة نفسها التي دون فيها العدل سياحته." ويضيف "لحقت بهؤلاء مجموعة من الادباء والشعراء والباحثين العرب الذين زاروا أوروبا وعرجوا على ألمانيا فدونوا انطباعات شكلت جزءا من مجمل انطباعاتهم عن الحياة الاوروبية."
ويمضي الجراح "نجد أن العدل يتميز عن هؤلاء أولا .. في أن سياحته انحصرت بألمانيا وبالجزء الالماني من سويسرا وبأنه قام برحلته خلال اقامة طويلة نسبيا في برلين أجاد خلالها اللغة الالمانية وقرأ في التاريخ الالماني وعبر مرارا في كتاباته عن اعجابه بالشخصية الالمانية وبشخصية الامير بسمارك على نحو خاص."
السمة الثانية التي تنفرد بها رحلة العدل بين أخواتها من الرحلات العربية أنه تاريخيا يعد الاسبق الذي سعى الى تدوين سياحته بين ألمانيا وسويسرا في كتاب مستقل. وهناك سمة ثالثة هي اشتراكه مع رفاعة رافع الطهطاوي في تكوينهما الازهري بينما تحدر الرحالة الاخرون بمن فيهم المصريون من مرجعية ثقافية مختلفة.
ورأى الجراح ان المشترك بين العدل وهؤلاء الرحالة جميعا أن نصوصهم تكشف عن طبيعة اهتمام النخب العربية المثقفة بأوروبا من خلال تأملها في النموذج الالماني فهي تعبر عن مراحل مهمة من الاتصال المتجدد بالغرب ما بين أواسط القرن التاسع عشر وأواسط القرن العشرين.
وقال ان نصوص الرحلات تعكس انطباعات وأفكارا وملاحظات لشرقيين ينتمي أكثرهم الى المجموعات المفكرة التائقة الى تغيير نمط الحياة في الشرق العربي ليساير التطور ويدخل الى العصر وبالتالي تفصح نصوص الرحلة العربية الى ألمانيا وأكثرها مجهول عن رؤية تلك النخبة للحياة الاوروبية كالعمران والتمدن والصناعة والفنون والتعليم والفكر والتخطيط الاجتماعي وغير ذلك مما يشكل بنية الحياة الحديثة وتجلياتها في الثقافة والاجتماع وكذلك نظرتها الى الشخصية الالمانية وما رأت أنها تتميز به من خصال.
стр. 4
ووصف الجراح هذه النصوص بانها نصوص مسافرين "لم يهمل جلهم اعمال الفكر في أسباب تقدم الغرب من دون اغفال أهمية المقارنة بين عناصر الاختلاف القائمة بين الشرق والغرب وعليه فان كتاباتهم عن ألمانيا تمثل تطلعات نخبة أملت بكثير من الرومانسية في أن تستلهم حداثة الغرب وتحذو حذوه في انتهاج سبيل العصرنة للانتقال بمجتمعاتهم من حال التخلف واللحاق بركب المدينة الحديثة.
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حمداً لك أنشأتَ الكونَ فأبدعتَ، وخلقتَ الخلقَ فأحسنتَ، مهدتَ الأرضَ ورفعتَ السماءَ، وأقمتَ الأعلامَ، وأجريتَ الماءَ، وشكراً لك على ما هديتنا إلى المحجة البيضاء، والصراط السواء، وصلاة وسلاماً منك على رسولك الجامع لشتات الجامعة، من الأقطار الشاسعة، وآله وأصحابه، وأتباعه وأحبابه.
وبعد، فأخبركم سادتي، وكلكم خبير بثمرات التجول في الأقطار، وملازمة عصا التَّسيار. هو السفر طالما أسفر عن عجائب، وهو الترحال كثر ما أعرب من غرائب، يدرِّبُ الإنسان ويشحذ الأذهان، وجدير بمن تحمَّل رعائبه، أن ينال رغائبه، ولو لم يكن نعمة عظمى لما منَّ سبحانه على أمَّة قريش بإيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فآمن من خوفهم، وأطعم من جوعهم.
وقد انتبه لفوائده أمة أوروبا فساحوا في الأقطار، وجاسوا خلال البلاد والديار. فمنهم المشرِّقُ ومنهم المغرِّبُ، يتسنمون نجداً، ويتحدرون غوراً، دائبين على استكشاف البقاع ومعرفة أحوال الأمم على اختلاف طبائعها وعوائدها، فحصلوا من ذلك
стр. 6
على ما أكسبهم المعرفة، وأزال عنهم الجهالة، وأوسع من نطاق علمي الجغرافيا والتاريخ اللذين هما أساس التمدن ومركز دائرة المعارف. ولم يألُ كل سائح منهم جهداً في تقييد ما شاهده من البلدان، واستكشفه من أحوال أهلها المادية والأدبية، حتى صارت مؤلفاتهم في ذلك عدداً عديداً، فمنها ما هو ضمن كتب مستقلة، ومنها ما هو طي الجرائد اليومية، تسهيلاً للمطالعين، وتثقيفاً لعقولهم، فلست ترى عائلة أوروبية إلا ولديهم مجموع عظيم من ذلك، يجلبون بمطالعته أنسهم، ويوسعون بذكره دائرة أفكارهم.
ولما مَنَّ الله على الضعيف بالرحلة إلى بلاد أوروبا، والمكث في مدينة برلين عاصمة الإمبراطورية الألمانية لاكتساب الفنون والعلوم، رأيت من طبعي نزوعاً إلى السياحة والتَّجَوُّل في بلاد ألمانيا مدة المسامحة لأتعرّف أحوال أمَّته المعاشية
والأدبية، تطبيقاً للعلم على العمل، وتأكيداً للسماع بالنظر. وقد أكرمتني لذلك نظارة المعارف المصرية الجليلة بمدِّ يدِ المساعدة، حيث شملتني عناية مؤسس دعائمها قديماً وحديثاً سعادة وزيرها الأفخم علي مبارك باشا لازالت أبناء المعارف تبتسم عن شكر أياديه، ولا بَرِح الإقبال طوع أيديه.
стр. 7
فقمت بأعباء الأمر، وأخذت في التجول في أنحاء البلدان والمدن، فاتجهت إلى بلاد ألمانيا الغربية، ثم إلى شمال وشرق سويسرا، ثم إلى ألمانيا الجنوبية، متتبعاً أهم البلاد، مستكشفاً أحوالها الطبيعية الجغرافية والتاريخية، حتى حصلت من ذلك على فوائد جزيلة، وثمرات مفيدة، قد وضعتها ضمن هذا الكتاب إيفاء بحقوق الوطنية، وشكراً للمعارف الجليلة العمومية التي أرضعتني لبان مننها، وكستني حلل كرمها، وخدمة لمصدر الكرم، وولي النعم، مُحيي روح التَّمدن والعمران، وغارس شجرة الصلاح والأمان، من أنام الأنام في ظل عدله، ولحظهم بكرمه وفضله، مليك العصر، وعزيز مصر خديونا الأعظم محمد توفيق باشا الأفخم، أدام الله لنا ذاته الشريفة، ومتَّعنا ببقاء سُدَّته المنيفة، وسرَّنا بحفظ السادة الأنجال بُدور الجلال وشموس الكمال.
وها أنا أوافيكم بالتفصيل، وعلى الله قصد السبيل فأقول.
الإنطلاق من برلين
١٦ آب - أغسطس ١٨٨٩
بارحت برلين صباح يوم ١٨ ذي الحجة سنة ١٣٠٦ هجرية الموافق ١٦ أغسطس سنة ١٨٨٩ ميلادية قاصداً مدينة كلونيا في قطار يطير في الأقطار، وقد بلَّت أجنحتَه الأمطار، ولم يزل يعرض علينا البلاد والقرى، وأنا أتصفح بعض الكتب لأطلع على مالها من الأهمية مادياً وأدبياً. حتى إذا كان وقت الظهيرة حط
стр. 8
رحاله في مدينة هنوفر فنزلت ملتمساً مشاهدة منظرها، فإذا هي بلدة متّسقة الشوارع متسعتها، وقد كانت عاصمة المملكة المسمّاة باسمها، وفي سنة ١٨٦٦ ميلادية استولت عليها مملكة البروسيا وجعلتها ضمن ولاياتها قبيل الحرب البروسيانية النمساوية كما شرحت ذلك في الجزء الثامن من رحلتنا البرلينية، ثم هي الآن عاصمة تلك الولاية ومنطق أهلها باللغة الألمانية أفصح ممن عداهم، وذلك في إعطاء الحروف حقَّ مخارجها كما هو مشهور، ورأيته بتتبعي لكلامهم.
ولما صاح القطار بنعيرته وأعلن بالرحيل نزلت العربة فإذا أنا فيها وحيد، ولم أشعر إلا وقد انفتح باب العربة فرأيت شاباً وشابة كأنهما القمر والشمس يودِّعان أهلهما وأصحابهما، وقد أخذ الجميع في التقبيل والعناق، وتلاوة كلمات الفراق، ثم أقبلا علي يتهلَّلان فرحاً وسروراً، فألقيا السلام، فرحبت بهما، وشرفت من شأنهما، حتى إذا استقر بهما المجلس، وسار الوابور أخذا يتغازلان. وقد جرى بينهما سر الهوى، وباحت عيونهما بالجوى، فرقَّ لرقتهما قلبي، وهام بشأنهما لُبِّي وبعد لُحيظات لحظاني بعيونهما، حتى إذا علما أني غريب عن جنسهما ظنا أني لم أعرف لغتهما، فقالت فرنساوي؟ وقال بل روسي؟ إسبانيولي؟ بل إيطالياني؟ يوناني؟ بل تركي؟ فعند ذلك أخذني الضحك، فشعرا
стр. 9
بذلك، وطلبا مني العفو، وتجاذبنا من وقتئذ أطراف الحديث. وعلمت من حديثهما أنهما قد تقارنا قريباً
بعدما أنحلهما الغرام، وهالهما الهُيام، وقد أخذا في سفر الزواج كما هي عادة الألمانيين. وإليك شرحها اختصاراً، فأقول:
لما كان التزوج في البلاد الألمانية عسير الحصول بالنسبة لكثرة عدد الإناث وقلّة غنى الذكور، التزمت الآباء بإعطاء كامل الحرية لبناتهم متى بلغن ١٨ سنة من عمرهن، فيتركونهن في المجتمعات والمحافل يتسامرن، ويتداعبن، ويلعبن، ويرقصن مع الشبان إلى غير ذلك، فربما علق أحدهم بإحداهن وهي به، فيخرجان، وقد ثارت نيران الحب في أحشائهما، ويكون ذلك لهما موضوعاً للمراسلات العشقية، ويتراسلان، ويتواعدان ليتفسح معها في المنتزهات أوقات الفضا، ويكون مصاحباً لها أشهراً، وربما أعواماً تحت مراقبة الآباء أو أولياء شأنهما، ويسمون تلك المدة بمدة التجربة، ويستمران على ذلك حتى إذا لم يجدا مانعاً في الأثناء، وألفيا أن لا مناص من الاقتران عرضا خطبتهما على الآباء فإذا رضوا، ولم يكن ثم مانع، احتفلوا لزواجهما ليلة أو ليلتين، ثم يسافران معاً ليشتد وثوقهما، ويشد بعضهما أزر البعض تمكيناً للألفة والمحبة، وإلا فمتى حصل عائق وتفاقم غرامهما ورأيا أن لا محيد عن الفراق، فالناس في هذه
стр. 10
الحالة مختلفون: فمنهم من يتصبر ويتسلى، ويصادم جيش الهوى حتى يأتيه السُّلوان، ومنهم من يزيد قلبه اشتعالاً ويهيجه الغرام، فيصبح صريع الموت وحشواً للقبور بمخاطرته بنفسه. وأغلب هذا القسم هم العوام، لا سيما إذا أضناهم شظف العيش، وأخذت عليهم يد الفقر، وكذلك بعض من متوسطي الناس وأشرافهم، فترى الجرائد أحياناً ممتلئة بذكر أسماء الشبان والبنات الذين خاطروا بنفسهم نعوذ بالله من تلك الفعلة التي هي في الحقيقة حِطة في التمدن الإنساني، وثَلم لما عليه قارة أوروبا من كمال الإنسانية.
الوصول إلى مندن
هذا ولم تزل تطوِّح بنا الطوائح إلى أن أشرفنا على مدينة مندن التي هي بلدة قديمة ومن مشهوري مدن ولاية فستفالن إحدى ولايات البروسيا، وبعدما بارحناها ببعض دقائق زج بنا في واد متسع بين جبلين يَنْهَر فيه نهر فيزر.
وكان الرومانيون يسمون ذلك الوادي فستافالكا ومعناه باب فستفالن وحين شاهدته راقني موقعه، وشغفت بمنظره، حيث هو من أعظم البقاع التي يفتخر بها الجرمانيون، لانتصارهم فيه على الرومانيين قديماً. وذلك أن الرومانيين في القرن الأخير قبل الميلاد في عصر القيصر سيزار عاثوا في بلاد جرمانيا حتى فتحوا قسماً عظيماً منها، وأسسوا مدناً، وحصنوا بها قلاعاً، ولم
стр. 11
يزالوا، فيما بعد، رافعين ألوية الانتصار على الجرمانيين في كل حرب يقيمونها حتى أخضعوهم إليهم، ونظموا منهم جيشاً يسيرونه كيف شاءوا. ولم تزل هذه حالتهم إلى أن تولّى على الرومانيين القيصر أغسطس وفي عهده وجه إلى بلاد جرمانيا والياً له يسمى فاروس وكان مع قوة بأسه ليِّن الجانب سهل الانخداع، وحينما رأى أفراد الجيش الجرماني أولي قوة كثيري الطاعة، كما هي سنة الأمة المغلوبة للغالبة، شُغف بهم، وأعلى من درجاتهم، وكان منهم رجل جرماني يدعى هرمان شديد الجأش، عارفاً بطرق الحيل والخداع.
وكانت الحمية الجرمانية تضرم في قلبه، وكراهته للرومانيين تصلي فؤاده، فأوجس في نفسه الانتقام، والتخلص من قهرهم، وأخفى ما كنَّهُ صدره، وصار يتقرب إلى ذلك الوالي شيئاً فشيئاً إلى أن اغترَّ به وأوصله إلى درجة كبرى، حتى جعله من جملة قواد الجيوش الجرمانية والرومانية. فعند ذلك انتهز الفرصة فحرَّك يد الفتنة في الجرمانيين سرّاً، وجعل بينه وبينهم مسيساً، فرفعوا عصا العصيان، وقاموا ضد الرومانيين، وكان من القائد هرمان أن هاج في الرومانيين يحثّهم على الحرب، وألان جانب الوالي والقيصر حتى تجهزوا لانتشاب نار المعارك، فقام
الوالي بجيشه وقواده، ومن جملتهم القائد
стр. 12
هرمان وقد جعلوه ركناً لهم حصيناً لمعرفته بمكائد الحرب وجغرافية البلاد، فصار دليلاً لهم إلى أن أوصلهم إلى موضع يقال له تيتوبورج فالده قريب من ذلك الوادي، حيث هو يعلم أن الجرمانيين متربصون في معاطف الجبال والمغارات، وبينما هم سائرون به، وإذا بالجرمانيين قد انصبُّوا عليهم كالسيل العرِم، وأحاطوا بهم، وأشعلوا نار الحرب فيهم، ولما شاهد ذلك القائد هرمان أشار إلى بعض قواد الرومانيين بأن يجوزوا بالجيوش ذلك الوادي ليتحصنوا من الجهة الأخرى، ففعلوا وإذا بأرجل أفراسهم قد انغرزت في ذلك الوادي حيث كان موحلاً، فانضم القائد هرمان إلى الجرمانيين، وانقضَّ بهم على الرومانيين حتى أذاقهم كؤوس العذاب بمكره وخداعه، وحقَّت عليهم كلمة الغلبة، وحينما سمع ذلك القيصر أغسطس هاله الأمر، فقام يتردد في أودته، يضرب رأسه في الحائط هنا وهناك قائلاً: فاروس أعد لي جيشي أعدْ لي جيشي مكرراً لها.
وكانت هذه الواقعة في سنة تسع بعد الميلاد، وهي أولى الوقائع التي انتصر فيها الجرمانيون على الرومانيين. ولذلك تجد الألمانيين الآن يعظمون ذروة أحد الجبلين المحيطين بذلك الوادي تذكاراً له ولبسالته.
стр. 13
معمل كروب للمدافع
وفي وقت العصر لاحت لنا عن اليمين وعن الشمال القرى والبلدان التي منها ثروة ألمانيا، لاشتمالها على كهوف الفحم الحجري المعدني الذي يجلب بسواده الأبيض والأصفر، وقد عبق دخان المعامل التي بها. وبعد هنيهة مررنا بضواحي مدينة يقال لها أسن وإذا بالأرض كأنها تقشعر، وشمنا سحائب الدخان قد ملأت الجو، وصوت المطارق يرعد عن اليسار، ويمثله الصدى عن اليمين، فهالني ذلك، وسألت عما هنالك؟ فإذا هو معمل كروب الشهير بعمل المدافع التي عمَّ
صيتها وصوتها، وهو معمل أنشأه رجل ألماني يدعى كروب سنة ١٨١٠ ميلادية، وهو الآن تحت يد ذريته، وبه ١٠. ٠٠٠ عامل قد اتخذوا حوله مساكنهم، وسمعت أن به مطرقة ثقلها ١٠٠٠ قنطار ترتفع وتنخفض بالآلات البخارية.
وحينما بارحنا تلك الجهة، وفتحت التذكرة لأرقم ما شاهدته التفت إلي رجل مسن هولندي يتكلم باللغة الألمانية، وقال متبسماً: ألا كتبت أيضاً أن صوت المطارق تنادي وتؤذن بالدمار!
فقلت له وإذ علمت مراده: لماذا؟
فقال: أنرى الراحة في الدنيا، وفي الممالك معامل مثل هذا، والحرب الحرب، هي الدمار بعينه ومَخْدَشة لوجه الأمان، وراحة الاجتماع!
فقلت له: أيها الأديب، إن هذا الموضوع حرج صعب المسالك،
стр. 14
قد أَضْرَمَتْ فيه نيرانَ الجدالِ السلفُ، واشتغلت بحديثه الخلفُ، وإني أعضد رأيك ومذهبك، ولكن ذلك إذا نُزع من نفوس الأمم حب الاستئثار والفخار.
فقال: ذلك أشكو، لقد كانت الحرب قديماً لإقامة الأديان، وأما الآن فهي لحب الفخار. . الآن الآن وقد ضرب التمدن بجرانه في أنحاء البسيطة.
فأجبته قائلاً: نعم أنت ومذهبُك. وما علينا إلا أن نبتهل إليه سبحانه بأن يوطد دعائم الصلاح حتى تكون الأرض منزلاً واحداً لعائلة واحدة يقتسمون السرور فيما بينهم، فما ذلك عليه بعزيز.
وبينما نحن بذلك الحديث وإذا بالوابور قد حطَّ رحله في مدينة كلونيا فودعته من حينئذ ونزلت بها وقد شاب النهار وأقبل شباب الليل، فبتُّ بها ليلتئذ حتى إذا كشفت الشمس قناعها، والجو صافٍ لم يطرَّز ثوبُه بعلم الغمام، نزلت قاصداً أول ما يحرك إليه الغريب قدمه ألا وهي كنيستها الكبرى التي اشتهرت بحسن موقعها وجمال صنعها، وريثما طوحت إليها النظر أرتني منها بناء شاهقاً، وجبلاً سامقاً،
تكاد ببرجيها تنطح ثور السماء، ذروتها تخالها للعقرب لسعاء، فدخلتها ضمن الداخلين أمثالي المتفرجين، فما درينا ألاتساع رحباتها نهشُّ، أم لارتفاع دعائمها نُدهش؟ ثم أردنا أن نتسنم سماوتها، ونرتقي ذروتها، فعلونا يقدمنا الدليل لكيلا تشكل علينا السبيل، ومازلنا
стр. 15
نصعد درجات، ونسلك معاطف ووهدات، حتى إذا علونا ذروتها ورقينا قمتها لاحت لنا عجائب المناظر، وقد انتعش لرؤيتها الخاطر، ثم هبطنا إلى المنزل الأول والمكان السواء، وحدَّثنا من في الأرض، وأستغفر الله، بأخبار السماء.
وبالجملة فلقد قام بناؤها دليلاً على ما صنعت يد الإنسان ناطقاً بلسان الحال والجنان:
تلك آثارنا تدلُّ علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار
ثم إن هذه الكنيسة كاثوليكية أمر بتأسيسها المطران كونرا دفن هوخ ستادن سنة ١٢٤٨ ميلادية، ولكن لم يتم بناؤها في أيامه بل حصلت فترات بعد ذلك، فكانوا وقتا يقيمون منها وآخر يعرضون عنها إلى سنة ١٨٤٠، وفيها أمر بإتمامها ملك البروسيا فريدريك فيلهلم الرابع حتى أخذت كمالها في سنة ١٨٨٠م، وارتفاع برجيها ١٥٦ متراً فوق سطح الأرض، وقد كانا أعلى بنيان في أوروبا إلى أن شيد صرح أيفل في باريس الذي ارتفاعه ٣٠٠ متر.
وقد أخبرني بعض علماء الألمانيين وأدبائهم، وكان يتفرج معنا، أن الدراهم التي صرفت في بناء تلك الكنيسة هي ربح القمار، وذلك أن كثيراً من الشركات قد فرضت مقداراً من
стр. 16
الدراهم لمن أراد اللعب، وثلث المجموع يأخذه من تخرج له القرعة، والثلثان الباقيان يُصرفان في البناء. وحينما سمعت ذلك منه قلت له:
كيف تؤسسون بيت العبادة بدراهم هي الحرام بعينه؟
فالتفت إليَّ، وقد ضمَّ كتفيه، ثم أرسلهما قائلا هذه الجملة:
فحينما طرقت مسمعي أخذني الضحك حتى كدت أستلقي، وذلك أن هذه الجملة مثل مشهور بأوروبا وهو لاتيني اللفظ، ومعناه الربح ليس له رائحة. ومصدر ذلك المثل أن أحد قياصرة الرومانيين ضرب رسوماً وعوائد على كل محل يطمئن إليه الإنسان سواء في المنازل والطرقات، فقيل له في ذلك فقال:
الربح ليس له رائحة. فذهبت مثلاً.
حديقة الحيوان
وبعد ذلك قصدت معرض الحيوانات بتلك المدينة، فشِمته بستاناً قد جمع من الحيوانات البرية والبحرية والهوائية على اختلاف أجناسها وأقطارها، وقد وضعوا كل قسم منها في محلات تألف لها، كهي في مواضعها الطبيعية، وبينما أنا أروض النظر هنا وهنالك إذا ألفيت أحد مدرسي المدارس يقود عدداً عظيماً من البنات، وبيده خريطة ذلك المحل يعرض عليهن الحيوانات، فيذكر لهن أسماءها، وخواص كل منها، وينسبها إلى الأقطار الخاصة التي هي بها، وهل هي مأنوسة أو وحشية إلى غير ذلك،
стр. 17
فما وجدت بنتاً منهن يهولها منظر تلك الحيوانات، أو تتهيأ لها بعبعاً، أو غولاً، أو عفريتاً! وذلك لحكمة تعلمهن في المدرسة مناظرها مصورة على الأوراق فيما قبل.
ومن جملة ما شاهدته من نوادر ذلك المعرض الحمير، وقد تهافت عليها الناس نساء ورجلاً وصبياناً يرمون إليها بالحشائش، وهي تدنو إليهم تلعب لهم، ولحظت منها حماراً ساكناً ينظر يميناً ويساراً سائل الدموع كأنه يذكر الربوع، فأذكرني أخاه حمار بشار بن برد، حيث أضناه الهوى، فأصبح صريع الجوى، حيث قيل في أحاديث الشجون، وأساطير المجون، أن محمد بن الحجاج قال: جاءنا بشار يوماً وهو مغتم، فقلت له مالك مغتماً؟ فقال مات حماري، فرأيته في النوم، فقلت
له: لم مِتَّ؟ ألم أكن أُحسن إليك؟ فقال:
سيدي خذْ لي أتانا ... عند باب الأصبهاني
تيَّمتني ببنان ... وبِدِلٍّ قد شجاني
تيَّمتني يوم رحنا ... بثناياها الحسان
وبغَنجٍ ودلالٍ ... سَلَّ جسمي وبراني
ولها خدُّ أسيلٌ ... مثل خد الشنفراني
فلذا متُّ ولو عش ... ت إذاً طال هواني
стр. 18
فقلت له ما الشنفراني؟ قال ما يدريني. هذا من غريب الحمار، فإذا لقيته فاسأله عنه انتهى.
شرقي وغربي
وبعد الظهيرة من ذلك اليوم طفت بتلك المدينة مع أحد أدباء الألمانيين السيَّاحين، وقد عقدت الصدفة بيننا عروة الصحبة، فألفيت أغلب الطرق آخذاً انتظاماً على ضيقها، صغيرة المنازل ليست بعاليتها، وقد حفظت بعض منازلها القديمة لتكون أثراً للغابرين، وتذكاراً للسالفين، وكان حديثي مع ذلك الرفيق إذ ذلك في الفرق بين المشرق والمغرب، فصار كلما نمرُّ في طريق أو يحيط بنا ميدان ينبه من التفاتي معجباً بحسن الطرقات، ظانّاً أن هذا النظام لم يكن في المدن المشرقية. فمازلت أحدثه عن بلادنا وحسن مواقعها حتى قذفت بنا الأقدام في شوارع خارجة عن النظام، تسيل بها مياه المنازل كريهة الرائحة، فالتفت إليه قائلاً: أيباع في تلك الشوارع ماء كلونيا؟ فبدلاً عن أن يلتزم بالحجة عاث بيديه ورجليه مضطرباً ضاحكاً مكرراً جمل العفو، حتى هدأ باله، وأخذ يُرقم ما كان من الحديث للتذكار، ولم نزل معاً حتى تصوبت الشمس للمغيب، فمددنا يد الوداع متواعدين بتواصل الرقاع، وعمدت للمبيت بها إلى الصباح قاصداً مبارحتها إذا ابيضَّ من الدجى
الجناح.
стр. 19
أما مدينة كلونيا فهي موضوعة على الجهة الشرقية لنهر الرين صانعة عليه قوساً، يسكنها ٢٦٧٠٠٠ نفس، وخمسة أسداسهم كاثوليكيون، وهي من أعظم مدن ولاية الرين إحدى ولايات البروسيا، ومن أهم موضع للتجارة بألمانيا، وتعد هي ومدينة ديتس التي توازيها من الشاطئ الآخر قلعة حصينة من الدرجة الأولى، وقد أوصلوا بينهما جسراً عظيماً حديدي المادة كبري وقد اتسع عمرانها اتساعاً عجيباً منذ ما جعلت قلعة، وذلك من سنة ١٨٨١ ميلادية.
وكلمة كلونيا لاتينية ومعناها المستعمرة، أسسها أحد قواد الرومانيين المسمى أجربا في سنة ٣٨ قبل الميلاد، ودعا إلى سكناها بعضاً من القبائل الألمانية وكانت تسمى وقتئذ كلونيا أجرينسيس أي مستعمرة أجربا، ثم اختصرت، فيما بعد، فقيل لها كلونيا فقط، ويدعوها الألمانيون بكلمة كان. وفي أواخر القرن الخامس عشر بعد الميلاد تملَّكها الإفرنج أسلاف الفرنساويين، ولم تلبث إلا وقد صارت جمهورية يحكمها مجلس يُدعى بمجلس الشيوخ. وقد كان بألمانيا مدن تماثلها في الاستقلال، وتتبع إمبراطور ألمانيا تبعية شرف، ولكل منها مجلس خاص، ولمجموعها مجلس عام كان ينعقد في مدينة لوبك في شمال ألمانيا على بحر البلطيك وفاقت كلونيا إذ ذاك باقي
стр. 20
تلك المدن لأهمية موقعها التجاري. وفي القرن الثاني والثالث عشر تولع أهلها بإقامة شعائر الدين المسيحي فتفننوا في بناء الكنائس والبيع حتى صارت لهم اليد الطولى في إتقان المباني، كما يدلك عليه الكنيسة الكبرى التي وصفتها آنفا، وفي القرن الرابع والخامس عشر أزهرت فيها صناعة التصوير، واشتهرت مدرستها في تلك الصناعة اشتهاراً عجيباً، وفي القرن السادس عشر أخذت كلونيا في الانحطاط شيئاً فشيئاً، ونزل بها الفرنساويون سنة ١٧٩٤م واستولت عليها البروسيا في أواخر سنة ١٨١٥ في الحرب الشهيرة
المسمّاة بحرب الحرية وقد ذكرتها في الرحلة البرلينية. وحينما سَلَّ الصبحُ من غمد الظلام سيفه، وفتح الأفق عن حدقة الشمس طرفه، هزتني أريحية الآمال إلى السير والترحال، فامتطيت الرين في باخرة ماخرة.
يشق حَباب الماء حيزومُها بها ... كما قسم التربَ المفائلُ باليد
فنَهَرت بنا تتثنى، ونحن بدلالها نتغنى، وقد بسط الربيع على الشواطئ بساطه الأخضر، وخلع عليها ثوبه الأزهر.
وبساط الربيع أخضر قد ... حامَ به الرين حاملاً أطرافه
стр. 21
وقد كان على ظهر تلك الجارية، وتيك البضة العارية، جمٌّ من الغرباء، قد بارحوا الوطن لإمتاع الطرف بذلك المنظر الحسن، فسررت حيث ضمني وإياهم نادٍ سمعت فيه مختلف لغاتهم، وتعرفت تباين صفاتهم، فمن رجال أولي حماسة وسماحة، لطيفي السجايا فسيحي الساحة، ومن جوارٍ حسان قد تمنطقن بالجمال، وتوشحن بوشاح الكمال.
حسان أعارتها الظِبا حسن وجهها ... كما قد أعارتها العيون الجآذر
ينثنين عن كثبان، ويتمايلن وهن غصن البان، وقد ترامت غدائرهن على الأقدام لتشفع لأولي الهوى والهيام، ولولا المجد والفضائل لأصبح مثلي أسير تلك الحبائل.
وإني لأستحي من المجد أن أُرى ... حليفَ غوانٍ أو أليف أغاني
على أنني من قوم، ولا فخر شيمتهم الغرام، وديدنهم الهيام، فما ترى منهم إلا في المحبة ناثراً، ولا في الصبابة إلا شاعراً.
نحن قوم تذيبنا الأعين النجل ... على أننا نُذيب الحديدا
ولم تزل الباخرة بنا تتثنى وتميل، ونحن نمتع الطرف بذاك المنظر الجميل، إلى أن مرَّت بنا على قرية باسقة الأشجار،
стр. 22
زاهية الثمار، لا أعلم منها سوى أنها وطن
لرجل يدعى بتهوفن كان فريد عصره في الألحان الموسيقية بأنحاء ألمانيا، ولد بها سنة ١٧٧٠ ومات في فينا سنة ١٨٢٧ ميلادية، وتسمى تلك المدينة بن ومنها تأخذ الشواطئ ارتفاعاً، فتصنع أكمات وجبالاً. ويسمون الجبال الشرقية بجبال أيفل والغربية بجبال فسترفالد وهي مزروعة بالكروم والأعناب، يتخذ منها النبيذ أبيضه وأحمره، وليس لأهل تلك الجبال اشتغال إلا بزرع الأعناب وتعهدها. وبعد قليل أشرفنا على مدينة يدعونها كونجس فنتر ومنها تتفرع سبعة جبال وشاهدت بها من بعد قصراً يسمونه أدرخن فلز ومعناه صخرة الآفة وذلك أنه كان يسكنه في قديم الزمان رجل يدعى زيج فريد وكان بطلاً شجاعاً، ويزعمون أن حية كانت بمغارة هناك فتجاسر ذلك البطل على قتلها والاستحمام بدمها، ولذلك يسمون نبيذ تلك الجهة أدرخن بلود أي دم الحية.
ولما كان وقت الظهيرة تليت علينا سورة المائدة فاحتاط بها الجميع، وقد امتزجت الظباء بالأسود، ودارت عليهم كؤوس ابنة العنقود، وأما أنا فتناولت، ولا فخر الراح ملؤها العذب القراح، مكتفياً بما خامر خُماري من صرف الهوى وصفو الهواء، وحسن ذلك المنظر الوضاء، ولم يزالوا بالكؤوس، يصيدون سرور النفوس،
стр. 23
ولطرح الأتراح يرفعون الأقداح، وهي كأنها الياقوتة الحمراء، حتى تشابه عليهم الراح والصهباء:
رق الزجاج وراقت الخمر ... فتشابها وتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر
وحينما قتلتْ تلك المقتلةُ أتراحهم، وأقامتْ أفراحهم، أخذ الرجال يسامرون النساء، حيث على يمين كل منا غيداء هيفاء، وريثما جاذبت مع قسيمتي أطراف الحديث، من ماضٍ وحديث التفتت إلي ومالت:
والسكر في وجنتها وجفنها ... يفتح ورداً ويغُض نرجساً
وتثنت وقالت: سيدي العفو قبل الملام.
فقلت: بروحي سيدتي، علام؟
فقالت: أفي ريعان الشباب وتجتنب الشراب؟ والكؤوس راحة النفوس. ونحن في مجلس أشرقت بأفقه شموس السرور، وأحدقت عليه هالة الحبور؟ وقد علمت من حديثك الفصل أنك عربي المنشأ مشرقي الأصل، وقد سارت إلينا الأخبار وامتلأت الصحائف والأسفار تنبئنا عن الخلاعة المشرقية، والصبابة العربية، فأين أنت من حانات الخلفاء السالفين، ومحافل الأدباء الماجنين، وأحاديث العشاق الذين أضناهم الحب والاشتياق؟
فحين أطربت مسمعي بلفظها الأغن، وبعبارة منطقها الحسن، علمت أنها رضيعة لبان الأدب، وسليلة
стр. 24
مجد وحسب، فقلت لها وكنت بها ولها: سيدتي أما الهوى فنحن كما قلت أهلوه، والهيام نحن بنوه، ونرى خمر الغرام حلالاً، وأما الصهباء فلا لا، وما كان من أحاديث السالفين فما هي إلا أساطير الأولين، تتلى علينا لنفي الأتراح، وانتعاش الأرواح، حيث نراها، ولا مرية، أعجوبة، وفي هذا العصر لمثلنا أطروبة.
فانثنت عن استغراب، وقالت بدون ما إعجاب: بخٍ بخٍ لقد أبنت لي وجه النهار، وكشفت عن شمس الحقيقة سحائب الأستار، ولقد جاهرتك بحديث الطرب، ولوعاً بأخبار العرب.
وبينما كنا بذلك الحديث الأغر إذا رست الباخرة على بلد أزهر. بعدها قمنا عن الطعام، وحمدنا الله على ذلك الإنعام، وقد علمت أنها ستنزل بهذا البلد، فاشتبكت منا للوداع اليد وشيعتها، وكلُّ معجب بهذا التعارف الذي عقدته يد التصادف.
أما هذه البلدة فتسمى كوبلنس وهي مدينة قديمة موضوعة على زاوية حادة، أحد ضلعيها على نهر الرين، والآخر على نهر موزل حيث مصبه، وقد جعل ذلك لها
موقعاً حسناً. وهي عاصمة ولاية الرين إحدى ولايات البروسيا، ويصل منها كبري إلى وادٍ في الشاطئ الغربي، وبذلك الوادي قلعة حصينة قد هدمها الفرنساويون سنة ١٨٠١ ميلادية، وأعيد بناؤها في سنة ١٨١٥م.
стр. 25
وكلمة كوبلنس محرفة عن كلمة لاتينية أصلها كون فلوونس ومعناها السائل معاً إشارة إلى مصب نهر موزل في نهر الرين.
برج القط وبرج الفأر
ثم بارحناها فجعلت أنظر القوم وقد لعبت بعقولهم الراح، وانتعشت منهم الأرواح، يضحكهم أقل عبارة، ويطربهم أدنى إشارة، فما رأيت، حتى عجبت لأعاجيب الصهباء، وفعلها بألباب العقلاء. أما الجهات التي مررنا عليها فليس لذكرها كبير فائدة، إلى أن وصلنا إلى مصب نهر يقال له لان في الجهة الشرقية لنهر الرين. وبعد هنيهة مررنا على قرية تدعى رنكتجوار، وشاهدت بها من بعد برجين بينهما مسافة بعيدة، يسمى أحدهما برج القط، والآخر برج الفار، وكانا قديماً مسكونين بقوم يدعونهم بالفوارس اللصوص، وذلك أنهم كانوا يتربصون للقوافل التجارية، ويطلبون منهم رسوماً على البضائع. ومما يحكى عنهم أنه كثيراً ما تشاجر أهل ذينك البرجين، وكانت الغلبة دائماً لبرج الفار، وإن كان ذلك خارقاً لناموس العادة والطبيعة.
ثم أشرفنا على جبل شاهق صخري وبينما كنا بحذائه إذ سمعنا صوتاً مزعجاً اضطربت له الأعصاب واقشعرت له الأبدان، وإذا به صوت مدفع أطلق بهذا الجبل تشريفاً للباخرة، وإدخالاً للسرور على السياحين بسماع صدى ذلك الصوت في مهاوي ذلك
стр. 26
الجبل ومغاراته، وبعدما علمنا ذلك دخلنا الاستغراب من قوة هذه الظاهرة الطبيعية.
وهذا الجبل يدعونه جبل لورلاي وذلك أنهم كانوا يزعمون أن امرأة ساحرة تسمى
لورلاي كانت تسكن مغارة به، وأنها كانت جميلة ذات شعر أصفر طويل، وكانت تجلس على الشاطئ فتسرح شعرها بمشط من ذهب، ثم تأخذ عوداً فتنقر عليه، وتغني، فإذا مرَّ عليها الملاحون يطربهم غناؤها، ويغشى عليهم فيغرقون، وأنها لمحت ذات يوم أحد الملاحين فكلفت به وعشقته، ثم راودته مراراً عن المجيء إليها والتزوج بها فأبى خوفاً منها، ولما طال عليها الأمد واشتدَّ غرامُها، رمت بنفسها إلى النهر فماتت. وهذه الحكاية مشهورة لدى الألمانيين كثيراً حتى إنهم صاغوها في أدوار شعرية، يوقعون عليها الألحان الموسيقية، في محافل الأغاني، ويغني بها أيضاً الرجال والنساء في المجتمعات الخصوصية.
المطران والفئران
وبينما نحن في المسير إذ عرجت بنا الباخرة على جزيرة بها برج عالٍ يسمى برج الجرذان (الفيران) أقامه المطران هاتو سنة ٩٠٠ ميلادية، وذلك أنهم زعموا أن ذلك المطران كان ذا ثروة من الأغنياء المكثرين، وقد لحقهم في أيامه قحط شديد، فبخل بالغلال المدَّخرة لديه، أملاً منه أن يبيعها
стр. 27
فيما بعد بقيمة عظيمة، فابتلاه الله بالفيران فأكلت غلاله واحتاطت به، تلعب عليه أينما سار أو جلس، حتى إنها كانت تقع في مائدة طعامه إذا أكل وتخطف من يديه المأكولات، فلما أعيته الحيل أتى إلى هذه الجزيرة، وبنى بها ذلك البرج ليسكنه هرباً منها، وبينما هو به إذا بالفيران قد ملأت قاعاته ولم يزل مبتلياً بها حتى مات.
وحينما سمعت هذه القصة وما ذكر آنفا، علمت يقيناً أن شواطئ نهر الرين كانت الوطن الثاني لخرافة العُذْري، وأخذني العجب من هذه الخزعبلات، وأمثالها التي ملأت العالم شرقاً وغرباً، وقامت دليلاً على شدة العقل الإنساني إلى التصديق، وحبه المفرط لما كان غريباً أو عجيباً من الأمور، ولخوارق العادات، وليس هذا بأعظم من عجبي من سرعة انتباه أهل أوروبا في هذا العصر الحالي، وتيقظهم
وميلهم إلى حقائق الأشياء، وعدم اعتبارهم لمثل هذه الخرافات، وإن كان فيهم أولو جهالة وطباع بسيطة كباقي الأمم.
ولم نزل نمتع الطرف بمحاسن ما على اليمين واليسار من الشواطئ ذوات الأشجار والأثمار، وقد لبست الشمس جلبابها الأصفر فرَقاً من فراقها لحسن ذلك المنظر:
стр. 28
ما اصفر وجه الشمس عند غروبها ... إلا لفرقة حسن ذاك المنظر
فياله من منظر يهش إليه الخاطر، ويقرّ لرقة جماله الناظر، فكأن ابن خفاجة كان يرمقنا بطرفه حين أنشد ضمن طرفه:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء
أو مجير الدين بن تميم قد حاضرنا، وقد وصف فأنشدنا:
ونهر إذا ما الشمس حان غروبها ... ولاحت عليه في غلائلها الصفر
رأينا الذي أبقت به من شعاعها ... كأنا أرقنا فيه كأساً من الخمر
إلى أن عرجنا على قرية تسمى رودسهيم وقد أقبلت وفود النجوم فنزلت بها للمبيت في حيها، حتى إذا باح الصبح بسره حركت الأقدام للصعود على جُبَيلها المسمى نيدرفال لمشاهدة تمثال جرمانيا فصعدت ضمن الصاعدين السياحين، وحولنا الكروم والأعناب، وقد شقُّوا في ذلك الجبل طرقاً يسهل المسير فيها، ومدوا بها القضبان الحديدية لتصعد عليها عربات البخار، وحتى إذا علونا ذروته رأيناه آخذاً تسطيحاً قريباً من الاستواء، وقد شغلته الآجام والغابات، وعلى طرف ذلك الجبيل قد أقيم تمثال عظيم مشرف على نهر الرين يسمونه تمثال جرمانيا تذكاراً للحرب الأخيرة الألمانية الفرنساوية وهو على هيئة امرأة رافعة بيدها اليمنى التاج الإمبراطوري، وقابضة بيدها اليسرى القضيب الإمبراطوري كذلك قائمة على قاعدة منشورية
стр. 29
الشكل على قاعدة أخرى مستطيلة، نقش على أحد
أوجهها صورة الإمبراطور فيلهلم الأول ونجله الإمبراطور فريدك والبرنس بسمارك، وكثير من الأمراء الألمانيين، وارتفاع ذلك التمثال ٣٠ متراً، وأما ارتفاعه عن سطح نهر الرين فهو ٢٢٥ متراً ألقى أساسه بيده الإمبراطور فيلهلم الأول في سبتمبر سنة ١٨٧٧ ميلادية، وفي سبتمبر سنة ١٨٨٣ تم بناؤها فقدم إليه الإمبراطور وجميع عائلته وأقاربه، وكل ملوك ألمانية وأمراؤها، واحتفلوا له، وكان يوماً مشهوداً لديهم هنأ فيه الملوك والأمراء بعضهم بعضاً، وانطلقت فيه ألسنة الخطباء، وقد خطب في جملتهم الإمبراطور فقال بعد كلام طويل، وقد أشار إلى التمثال بيده: لتكن أيها التمثال تذكاراً للذين فدوا الوطن بأرواحهم فأصبحوا حشواً للقبور، وفخراً للعائشين وقدوة لأبنائنا التابعين. ومن ذلك الميدان يرى الإنسان لمنظر نهر الرين وما حوله هيئة عجيبة، لا سيما موقع مصب نهر يقال له ناهه في نهر الرين، ثم هبطت من الجهة الأخرى على ذلك الجبيل، وشاهدت بلدة صغيرة يقال لها أسمانسهوزن وهي قرية موضوعة على نهر الرين يشغلها من السكان ١٠٠٠ نفس تقريباً مشهورة بنبيذها الأحمر، وبها عين ماء معدني جارٍ، كانت معروفة ومستعملة للرومانيين قديما في الاستحمام.
стр. 30
ثم اتجهتُ منها إلى الشاطئ فتأملتُ طويلاً في محاسن الصنعة الإلهية التي تحار لها العقول، وطوّحت النظر إلى الشاطئ الثاني حيث مصب نهر ناهه في نهر الرين فشِمْتُ من خاطري انتعاشا لمشاهدته، فعبرت يقلني زورق حتى وصلت إلى الشاطئ، ومنه جست جسراً على نهر ناهه المذكور فوق المصب فراقني منظره العجيب، وقد اندفق ماؤه في نهر الرين بخرير صَغَت إليه النفس، وارتاح له الخاطر، حيث كان ذلك أول مرة عاينت مصب نهر في آخر، ثم ساقتني الأقدام إلى بلدة على ذلك الشاطئ تسمى بنجن فدخلتها وجست خلال سبلها، فإذا هي كثيرة الأسواق، ضيقة الشوارع غير نظيفتها، بها من السكان ٧٠٠٠ نفس، وكانت
قديمة مطروقة للرومانيين حيث أعدوها قلعة لهم، وجعلوها باباً إلى طريق مدينة كلونيا التي تقدم لنا ذكرها.
ولما نالت العين حظها من مشاهدة تلك البلدة، عبرت النهر ثانية إلى بلدة رودسهيم وقد أرخى الظلام على الآفاق أسداله، وطرزت النجوم بعسجدها أثماله، وريثما تناولت طعام المساء قلت لخادم الأوتيل: ألم يكن في حيكم هذا حلاق؟ فقال نعم، بجانبنا حلاق نظيف مشهور، وهو مخصوص بأمراء البلدة وأعاظم الناس. فخرجت وقد هداني إلى محله، فألفيت باب بيت دخلت منه فإذا برجل قد نزل إلي يدعوني إلى الصعود، وحينما صعدت
стр. 31
قابلتني زوجته، وأولاده يرحبون بي، وقد فرحوا فرحاً شديداً، وأدخلوني قاعة ليس بها إلا مرآة وكرسي أجلسوني عليه، واحتاطوا بي صانعين دائرة، وقد حمل أحد أولادهما سراجاً لامبه والآخر طستاً، والزوجة طفلاً لها، والرجل يحلق لي، فداخلني السرور من مشاهدة ذلك، وامتلأ صدري استغراباً كاد يهزّ من جسمي ضحكاً، لولا ما ملكت النفس، وبينما نحن بهذه الهيئة العجيبة التي تمنيت أن يراها أحد المصورين قالت الزوجة إلى زوجها:
- أما تنظر سواد شعر هذا السيد؟
فقال:
- نعم، وأنا منه أعجب.
ثم دنا أحد أولادهما وأشار بإصبعه، قائلاً:
- انظروا، انظروا وعيناه سوداوان.
فغلب علي الضحك، وقلت:
- سادتي أهذا عجيب بينكم؟
فأجابني الرجل:
- نعم، وإني شغوف بأن أعلم من أي بلد يكون السيد؟
فقلت مداعبا: ً
- برلين
فضجوا استعظاماً لسماع كلمة برلين التي سمعوا بها ولم يروها، ثم التفت إلي الرجل قائلاً:
- أحقيق ما يقال إن السكة الحديدية ببرلين فوق المنازل؟
فقلت ضاحكاً:
- نعم، وتحتها أيضاً.
ثم قالت زوجته:
- أو كل البرلينيين أولو شعر أسود وأعين سود؟
فأجبتها:
- نعم، ولكن أغلبهم.
فتأمل الرجل طويلاً وقال:
- لا، وما أظنك إلا فرنساوياً أو روسياً؟
فقلت:
- ما أنا بأحدهما.
ولم يزالوا يكرِّرون السؤال وأنا ما بين ضحك وملل، حتى إذا علموا أني مصري بهتوا، حيث لم يدروا
стр. 32
أين هي بلاد مصر؟ فقلت لهم:
- في شمال إفريقية، وهي من بلاد المشرق.
فقال الرجل:
- نعم أتذكر ذلك، وأعلم أن علامة دولتكم هي الهلال، وقد سمعت أن السبب في ذلك أن القمر في بلادكم لا يكون إلا هلالاً.
فقلت:
- نعم، وأرجوك أن تسرع لكثرة أشغالي.
حتى إذا أتم ودعتهم شاكراً لهم، حيث أطلعوني على ما أوسع من نطاق تعرفي بالفرق بين سكان المدن والقرى مسروراً من بساطتهم وسلامة نيتهم.
توديع الراين
ومذ ابيضَّ جناحُ الأفق عنَّ لي أن أشاهد مكاتب تلك القرية ومدارسها، فخرجت بعدما علمت مواضعها حتى إذا دخلت أشهرها قابلني ناظرها، وقد قدمت له تذكرة زيارتي، ثم أخذ بيدي يعرض علي فصلاً فصلاً، فألفيت التعليم حميد الطريقة، وإن كانت أدوات التعليم بسيطة، وأغلب الأطفال بنات وصبياناً حفاة، ليسوا بنظيفي الملابس، كما تدعو إليه معيشة أهل القرى، أما الفنون المقروءة بها فهي القراءة، والكتابة، والحساب، وجغرافية ألمانيا وفلسطين، والقواعد الدينية. وباطلاعي على الكتب المعدة للتدريس وجدتها آخذة طريقة طبيعية سهلة المأخذ، لا سيما كتب تعليم المطالعة لاشتمالها على تراجم بعض ملوك ألمانيا ومشاهير أمرائها مع الاختصار وبساطة الألفاظ وانسجام الأسلوب، ثم خرجت من بين أيديهم
стр. 33
شاكراً لناظرهم على ما أولاني من جميله، وسرت الهوينا في طرق تلك القرية فشِمتها صغيرة، وتسمى كما علمت رودسيهم موضوعة على الجهة الغربية لنهر الرين صانعة عليه قوساً منحدراً من جبيلها المسمى نيدرفال المشغول بالكروم، وسكانها ٤٠٠٠ نفس، وهي مشهورة قديماً وحديثاً بنبيذها الأبيض والأصفر، يأتيها الغرباء كثيراً مدة الصيف لتغيير الهواء بها، ومشاهدة تمثال جرمانيا المذكور آنفاً، وأهلها ما بين زارع للأعناب وصانع.
وفي مساء ذلك اليوم شرفني ناظر المدرسة المتقدم ذكرها وبصحبته خمسة من أصحابه ما بين نظار لمدارس أخرى ومعلمين، فرأيت ذلك كمال عناية منهم، ورحبت بهم، وعظَّمت من مكانهم، وقضينا المساء نتفاوض في حديث المدارس
والتدريس، ثم ودعوني وأنا أتلو لهم كلمات التشكر والممنونية، ومن جملة ما تجاذبنا فيه الكلام أني عرضت عليهم سؤالاً كنت شغوفاً بمعرفة جوابه قائلاً كيف ترى الآباء في تلك البلاد والقرى أمر إلزامهم بإرسال أولادهم إلى المدرسة وتعلمهم؟ فرددوا كلمات التأوه مما يلقونه من إباء الآباء، وضجرهم من الأخذ على أيديهم، حيث لا مطمح لنظرهم إلى الحاجيات لا الكماليات، والمعيشة لديهم متوفرة بدون أخذهم بالتعليم، فقلت
стр. 34
لهم هذا موضوع طالما أجلت فيه الفكر، أثبت تارة وأمحو طوراً، حتى بانت لي واضحة الطريق. فرأيت ضرورة تعميم التعليم في مدن وقرى دولة يرام صلاحها. ومعلوم أن الدولة مجموع أفراد، متى كانوا جهالاً رموا بها في مهاوي الجهالة، ومتى كان البعض عارفاً، والبعض الآخر جاهلاً ضر، وأبطأ جهل البعض من نتائج معرفة الآخر، وإن كان ذلك الضرر كميناً لا يلحظ إلا بدقة النظر في الأحوال العمومية والخصوصية، وإليكم مثلاً لاحظته بقريتكم هذه، وذلك أني أرى في أغلب الطرق قوائم ملصقاً عليها الإعلانات، وتحذيرات من الضابطة موضوعها أمر الأهالي بحفظ النظام وما أشبه ذلك، فلو كان الأهالي أميين لا يعرفون القراءة لالتزمت الضابطة أن تصرف، وقتاً بعد آخر، إنسان يصيح بنعيرته في الأزقة والطرق، يبلغهم الأوامر فيحرك من سكونهم ويكدر من راحتهم، وفضلاً عن أنهم لا يفهمون، أو يفهمون ويستهزئون، يداخلهم الرعب شيئاً فشيئاً بتوالي التبليغ حتى يحط من قوة جأشهم، ويكسبهم صفة الجبن، فيصيروا هم والأغنام سواء، يحتاجون إلى راعٍ يهش عليهم بعصا القوة يحفظ من مجتمعهم، وأما الآن فما عليهم إلا أن يرفعوا أبصارهم ويطالعوا الأوامر، ولهم شغف بمضمونها، ثم يسير عنها بدون أن تهيج لها خواطرهم، على أنها تبقى لديهم نصب أعينهم أية
стр. 35
طريق ساروا بها. فكيف ترون سادتي فائدة هذا المبلغ الصامت الجالب لانقيادهم بأدنى سهولة؟ ولو نظرنا نظر تبصر إلى كثير
من مثل تلك الأحوال الاجتماعية لعلمنا حكم وجوب تعميم التعليم في المدن والقرى.
هذا ولما أدبرت عساكر الليل، وأقبل النهار براياته بارحت تلك البلدة بطريق البر مودعاً شواطئ نهر الرين، ولي شغف بجميل مناظرها، ومحاسن مواقعها.
أما سكان تلك الشواطئ فشمتهم سميحي الأخلاق، بشوشي الوجوه ملاطفين، يغلب عليهم بعض الطيش وخفّة الحركة، ولغتهم - كما لا يخفى - ألمانية، ولكن لهم لهجة مخصوصة تخالف اللهجة البرلينيّة، فتراهم يلفظون الألفاظ ملء أفواههم مع التفخيم، وتطويل بعض المقاطع والإسراع في أخرى، ولذلك كنت شغوفاً بكثرة التكلم معهم، وسماع ألفاظهم التي كادت أحياناً تميلني ضحكاً.
الوصول إلى فيسبادن
ودخول الحمّام الروماني
ولنرجع إلى حديثنا فنقول: ولم يزل الوابور يقذف بنا في بلاد وقرى لا أهمية لذكرها إلى أن وصلنا إلى مدينة فيسبادن المشهورة بحماماتها فنزلت بها منتصف النهار، ومكثت بها يومين للتريض بحدائقها الجميلة، والتعرف بأحوالها، وأول ما قصدت مشاهدته فيها الحمَّامات الصحية، فدخلت أشهرها بعدما أخذت تذكرة مرقوماً عليها نمرة خَلْوة للاستحمام، ثم
стр. 36
ضُرب جرسٌ إيذانا لأحد الخَدَمة بحضوري ليهديني، فجاء إليَّ خادم يتدحرج يقل رجلاً ويضع أخرى لسمنه، فسرني منظره الذي قام لي دليلاً على أهمية منفعة ذلك الحمَّام، ثم طلبت منه أن يعرض علي أولاً ساحات ذلك الحمَّام لمشاهدتها، فسار أمامي وتبعته حتى أوصلني إلى قاعة عمومية، حيطانها وأرضها من الرخام، وفي وسطه فسقية تبعث بالماء المعدني على هيئة قبة، وحواليها كؤوس، فشربت منها ماء حارّاً
تغلب عليه الغضاضة مائلاً إلى الصفرة، ورسوم على حيطان تلك القاعة واقعة حال، ذلك أنهم صوروا شخصاً ملقى على سرير، ناحل البدن مريضاً، ثم صوروه وقد كشف عليه الطبيب وأمره بأن يتوجه إلى حمام الصحّة، ثم صورته وقد تم شفاؤه، وبيده اليسرى كشف الحساب ضارباً بيده اليمنى في جيبه يريد دفع الحساب. وقد رأيت ذلك حسناً وإن كان من باب تحلية البضاعة، ثم عرض علي عيناً طبيعية من العيون التي به وماؤها يفور فوراً أحاط بها بناء قديم أقامه الرومانيون مرقوم على حيطان القاعة التي هي بها كثير من الجمل باللغة اللاتينية، وبجوارها حوض عظيم متسع المساحة قديم، أيضاً، ينصرف فيه الماء لتبريده، فسرني رؤية ذلك كله مستعظماً ما صنعته يد الرومانيين في قارة أوروبا من تأسيسهم دعائم التمدن والعمران.
стр. 37
أما خلوته فهي مرمرية الأرضية، متأكسدة بخاصية أملاح الماء المعدني، وبها مغاطس وفراش للجلوس، ومرآة وما أشبه ذلك. وبالجملة فقد بارحت ذلك الحمام مسروراً من حسن انتظامه وجمال إتقانه وترتيبه.
أما مدينة فيسبادن فهي موضوعة على الجنوب الغربي لنهر يقال له تونوس ويمر بها غُدير صغير، ومنازلها لطيفة وشوارعها آخذة انتظاماً شطرنجياً مع الاتساع، وقد غرس بها الأشجار، وبها ميادين متّسعة تشغلها الأشجار حول فساقي تنبعث عنها المياه مرتفعة.
وتعد من أقدم المواضع المشهورة بالهواء الصافي، وكانت عيون مياهها المعدنية المسماة فونتس ماتياسي معروفة ومستعملة للرومانيين قديماً، كما علمت، وهي إلى الآن مطروقة للغرباء لأخذهم بحماماتهم، والتريض فيها، ولذلك قد أقاموا لهم في كثير من الميادين قاعات زجاجية بها آبار الماء المعدني، ويسمونها آبار الفوران، وهي معدة لكل من أراد الشرب منها بدون ثمن، فهي كالسبل لدينا. وبها بنات
نظيفات أمامهن طاولة يضعن عليها كؤوساً ملآنة بذلك الماء للواردين، كما قد أعدُّوا للغرباء أيضاً محلاً متسعاً للتنزه وسماع الموسيقى، ويسمونه منزل الشفاء، وهو كقصر لطيف وسط بستان
стр. 38
عظيم، شقوا طرقه على أحسن انتظام، وأجروا فيه بحيرات صناعية، وبه تخوت لأولي الألحان، أما ذلك القصر فيشتمل على كثير من القاعات مبنية بالمرمر، وفراشها الحرائر، وما أشبه ذلك. وقد قسموا تلك القاعات إلى أقسام: فمنها ما هو معدٌّ للألعاب كالشطرنج والنرد، وخلافهما، ومنها لتلاوة الجرائد حيث يأتيها الجرائد من جميع الأقطار، ومنها ما هو معدّ للاستراحة فقط، والناس بتلك القاعات جالسون كأن على رؤوسهم الطير حيث لا يجوز لأحد رفع صوته فيها حرصاً على أمزجة الباقين، وإذا مشى أحد سار الهوينا، لئلا تهيج لحركاته أفكار الحاضرين، فإنهم من الذين لا يتحملون ذبابة تحول بينهم وبين الجو، وذلك لأن أغلب الغرباء الذين يأتون تلك المدينة على أقسام شتى: فمنهم من أصابه مرض الغنى، فيأخذ نفسه بالترفه والترف، وعدم الاشتغال، فيضيق منه الخاطر فتتشنج أعصابه، وأغلب ذلك القسم هم النساء والرجال، ولذلك يأتون إلى هذه المدينة لصرف أفكارهم بالتنزه، وسماع الموسيقى والألعاب، ومشاهدة مراسح التشخيص، وما أشبه ذلك، ومثلهم لدينا كالنساء اللواتي يزعمن أن عليهن الزار.
стр. 39
ومنهم من أصابته سهام العيون، فأصبح خدن الشجون، وشرب كؤوس الصبابة، ولم يبق بها صبابة، وأنحل العشق قوامه، وزاد الهيام غرامه، وأغلب ذلك القسم هم الشبان والبنات، فنرى الواحدة منهن كأنها فلقة قمر، أو قطعة جوهر، تميل عن قوام ترقرق فيه ماءُ الحياة، كما سار فيه سر الجمال، وتلتفت ولا تلفتَ الظباء بوجه يرتوي الظمآن من مائه الزلال، وهي مع ذلك تشكو بثّ الهوى، وتبث شكوى الجوى.
ومنهم أولو الأشغال عقلية كالعلماء والكتبة وأولي الإدارة، أو بدنية كالصناع
وأرباب المعامل، فيقيم الجميع بتلك المدينة شهراً أو شهرين طلباً للشفاء.
ومتوسط عدد الغرباء الذين يأتونها مدة الصيف في كل سنة ٦٠٠٠٠ نفس: فمنهم من يقيم بها، ومنهم من يمر بها للتفرج. وأما عدد سكانها الوطنيين فهو ٥٧٥٠٠ نفس، وهي الآن تابعة لمملكة البروسيا منذ الحرب البروسيانية النمساوية، وذلك في سنة ١٨٦٦ ميلادية، وكانت قبلئذ عاصمة لدوقية يقال لها ناسو.
وريثما نالت النفس كفايتها من مشاهدة تلك المدينة بارحتها رافعاً أكف الضراعة إليه سبحانه بأن يلبس الرجال والنساء ثوب العافية ويجرد الشباب والبنات عن ثوب السقام، ويلهمهم الصبر والسلوان عن الغرام.
стр. 40
وبعد سويعات وصلنا إلى مدينة يقال لها مينس فنزلت بها ولي شوق مزيد لمعاينتها، فمكثت بها بضع ساعات، فشمتها مدينة لطيفة حافظة آثارها القديمة من كنائس وبيع ومنازل موضوعة على الشاطئ الغربي لنهر الرين، وتعتبر ميناء عظمى، لاتساع نهر الرين بمرفئها، وفي الشاطئ الثاني يصب فيه نهر المين المشهور، وشاهدت بها آثار مجرى ماء من أبنية الرومانيين أقاموه لتوصيل المياه من نهر الرين إلى البلاد الداخلة.
وهي من أقدم المدن الألمانية، وكانت تسمى قديماً موجو نلياكم وهو اسم بلغة الكلتيين، وكانوا أمة يسكنون ضواحي نهر الرين قبل الجرمانيين، وقد انقرضوا اللهم إلا أن منهم الآن قوماً في بلاد بريطانيا يخلطون اللغة الإنجليزية ببعض ألفاظ أسلافهم، كما رأيت ذلك مسطوراً في الكتب الجغرافية والتاريخية. وكانت تسمى تلك المدينة في عصر الرومانيين موجونيا وكانت مقر والٍ لهم واعتبروها قلعة حصينة كما هي إلى الآن من أهم القلاع بألمانيا. وفي أواسط القرن الثامن الميلادي صارت المحل الذي يتوج فيه كلّ إمبراطور يتولّى على بلاد جرمانيا. وفي سنة ١٤٦٢ صارت مستقلة يحكمها مطران، واستولى عليه الفرنساويون من
سنة ١٧٩٢ إلى سنة ١٨١٤، وهي الآن تابعة لغراندوقية يقال لها درم ستات.
وعدد سكانها الآن ٦٦٣٠٠ نفس.