Полный текст (111 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ضُرب جرسٌ إيذانا لأحد الخَدَمة بحضوري ليهديني، فجاء إليَّ خادم يتدحرج يقل رجلاً ويضع أخرى لسمنه، فسرني منظره الذي قام لي دليلاً على أهمية منفعة ذلك الحمَّام، ثم طلبت منه أن يعرض علي أولاً ساحات ذلك الحمَّام لمشاهدتها، فسار أمامي وتبعته حتى أوصلني إلى قاعة عمومية، حيطانها وأرضها من الرخام، وفي وسطه فسقية تبعث بالماء المعدني على هيئة قبة، وحواليها كؤوس، فشربت منها ماء حارّاً
تغلب عليه الغضاضة مائلاً إلى الصفرة، ورسوم على حيطان تلك القاعة واقعة حال، ذلك أنهم صوروا شخصاً ملقى على سرير، ناحل البدن مريضاً، ثم صوروه وقد كشف عليه الطبيب وأمره بأن يتوجه إلى حمام الصحّة، ثم صورته وقد تم شفاؤه، وبيده اليسرى كشف الحساب ضارباً بيده اليمنى في جيبه يريد دفع الحساب. وقد رأيت ذلك حسناً وإن كان من باب تحلية البضاعة، ثم عرض علي عيناً طبيعية من العيون التي به وماؤها يفور فوراً أحاط بها بناء قديم أقامه الرومانيون مرقوم على حيطان القاعة التي هي بها كثير من الجمل باللغة اللاتينية، وبجوارها حوض عظيم متسع المساحة قديم، أيضاً، ينصرف فيه الماء لتبريده، فسرني رؤية ذلك كله مستعظماً ما صنعته يد الرومانيين في قارة أوروبا من تأسيسهم دعائم التمدن والعمران.
стр. 37
أما خلوته فهي مرمرية الأرضية، متأكسدة بخاصية أملاح الماء المعدني، وبها مغاطس وفراش للجلوس، ومرآة وما أشبه ذلك. وبالجملة فقد بارحت ذلك الحمام مسروراً من حسن انتظامه وجمال إتقانه وترتيبه.
أما مدينة فيسبادن فهي موضوعة على الجنوب الغربي لنهر يقال له تونوس ويمر بها غُدير صغير، ومنازلها لطيفة وشوارعها آخذة انتظاماً شطرنجياً مع الاتساع، وقد غرس بها الأشجار، وبها ميادين متّسعة تشغلها الأشجار حول فساقي تنبعث عنها المياه مرتفعة.
وتعد من أقدم المواضع المشهورة بالهواء الصافي، وكانت عيون مياهها المعدنية المسماة فونتس ماتياسي معروفة ومستعملة للرومانيين قديماً، كما علمت، وهي إلى الآن مطروقة للغرباء لأخذهم بحماماتهم، والتريض فيها، ولذلك قد أقاموا لهم في كثير من الميادين قاعات زجاجية بها آبار الماء المعدني، ويسمونها آبار الفوران، وهي معدة لكل من أراد الشرب منها بدون ثمن، فهي كالسبل لدينا. وبها بنات
نظيفات أمامهن طاولة يضعن عليها كؤوساً ملآنة بذلك الماء للواردين، كما قد أعدُّوا للغرباء أيضاً محلاً متسعاً للتنزه وسماع الموسيقى، ويسمونه منزل الشفاء، وهو كقصر لطيف وسط بستان
стр. 38
عظيم، شقوا طرقه على أحسن انتظام، وأجروا فيه بحيرات صناعية، وبه تخوت لأولي الألحان، أما ذلك القصر فيشتمل على كثير من القاعات مبنية بالمرمر، وفراشها الحرائر، وما أشبه ذلك. وقد قسموا تلك القاعات إلى أقسام: فمنها ما هو معدٌّ للألعاب كالشطرنج والنرد، وخلافهما، ومنها لتلاوة الجرائد حيث يأتيها الجرائد من جميع الأقطار، ومنها ما هو معدّ للاستراحة فقط، والناس بتلك القاعات جالسون كأن على رؤوسهم الطير حيث لا يجوز لأحد رفع صوته فيها حرصاً على أمزجة الباقين، وإذا مشى أحد سار الهوينا، لئلا تهيج لحركاته أفكار الحاضرين، فإنهم من الذين لا يتحملون ذبابة تحول بينهم وبين الجو، وذلك لأن أغلب الغرباء الذين يأتون تلك المدينة على أقسام شتى: فمنهم من أصابه مرض الغنى، فيأخذ نفسه بالترفه والترف، وعدم الاشتغال، فيضيق منه الخاطر فتتشنج أعصابه، وأغلب ذلك القسم هم النساء والرجال، ولذلك يأتون إلى هذه المدينة لصرف أفكارهم بالتنزه، وسماع الموسيقى والألعاب، ومشاهدة مراسح التشخيص، وما أشبه ذلك، ومثلهم لدينا كالنساء اللواتي يزعمن أن عليهن الزار.
стр. 39
ومنهم من أصابته سهام العيون، فأصبح خدن الشجون، وشرب كؤوس الصبابة، ولم يبق بها صبابة، وأنحل العشق قوامه، وزاد الهيام غرامه، وأغلب ذلك القسم هم الشبان والبنات، فنرى الواحدة منهن كأنها فلقة قمر، أو قطعة جوهر، تميل عن قوام ترقرق فيه ماءُ الحياة، كما سار فيه سر الجمال، وتلتفت ولا تلفتَ الظباء بوجه يرتوي الظمآن من مائه الزلال، وهي مع ذلك تشكو بثّ الهوى، وتبث شكوى الجوى.
ومنهم أولو الأشغال عقلية كالعلماء والكتبة وأولي الإدارة، أو بدنية كالصناع
وأرباب المعامل، فيقيم الجميع بتلك المدينة شهراً أو شهرين طلباً للشفاء.
ومتوسط عدد الغرباء الذين يأتونها مدة الصيف في كل سنة ٦٠٠٠٠ نفس: فمنهم من يقيم بها، ومنهم من يمر بها للتفرج. وأما عدد سكانها الوطنيين فهو ٥٧٥٠٠ نفس، وهي الآن تابعة لمملكة البروسيا منذ الحرب البروسيانية النمساوية، وذلك في سنة ١٨٦٦ ميلادية، وكانت قبلئذ عاصمة لدوقية يقال لها ناسو.
وريثما نالت النفس كفايتها من مشاهدة تلك المدينة بارحتها رافعاً أكف الضراعة إليه سبحانه بأن يلبس الرجال والنساء ثوب العافية ويجرد الشباب والبنات عن ثوب السقام، ويلهمهم الصبر والسلوان عن الغرام.
стр. 40
وبعد سويعات وصلنا إلى مدينة يقال لها مينس فنزلت بها ولي شوق مزيد لمعاينتها، فمكثت بها بضع ساعات، فشمتها مدينة لطيفة حافظة آثارها القديمة من كنائس وبيع ومنازل موضوعة على الشاطئ الغربي لنهر الرين، وتعتبر ميناء عظمى، لاتساع نهر الرين بمرفئها، وفي الشاطئ الثاني يصب فيه نهر المين المشهور، وشاهدت بها آثار مجرى ماء من أبنية الرومانيين أقاموه لتوصيل المياه من نهر الرين إلى البلاد الداخلة.
وهي من أقدم المدن الألمانية، وكانت تسمى قديماً موجو نلياكم وهو اسم بلغة الكلتيين، وكانوا أمة يسكنون ضواحي نهر الرين قبل الجرمانيين، وقد انقرضوا اللهم إلا أن منهم الآن قوماً في بلاد بريطانيا يخلطون اللغة الإنجليزية ببعض ألفاظ أسلافهم، كما رأيت ذلك مسطوراً في الكتب الجغرافية والتاريخية. وكانت تسمى تلك المدينة في عصر الرومانيين موجونيا وكانت مقر والٍ لهم واعتبروها قلعة حصينة كما هي إلى الآن من أهم القلاع بألمانيا. وفي أواسط القرن الثامن الميلادي صارت المحل الذي يتوج فيه كلّ إمبراطور يتولّى على بلاد جرمانيا. وفي سنة ١٤٦٢ صارت مستقلة يحكمها مطران، واستولى عليه الفرنساويون من
سنة ١٧٩٢ إلى سنة ١٨١٤، وهي الآن تابعة لغراندوقية يقال لها درم ستات.
وعدد سكانها الآن ٦٦٣٠٠ نفس.
стр. 41
وبينما أنا سائر بها إذ قذفت بي الأرجل إلى ميدان أقيم في وسطه تمثال يوحنا جوتن برج مخترع الطبع، وبيده مجموع من الحروف السلكية فوقفت متذكراً عظيم ما أتى به من الاختراع الذي عاد على البسيطة بالنفع العام، وحيث سار بنا الكلام إلى حديثه أحببت أن أوافيكم بذكر ترجمته فأقول: هو يوحنا جوتن برج، وكلمة جوتن برج اسم لقطعة أرض كانت مملوكة لأسلافه ومعناها جبل طيب، ويسمى ذلك الرجل أيضاً جنرفليش ولد في مدينة مينس المذكورة بين سنة ١٣٩٥ وسنة ١٤٠٠ ميلادية وهو من عائلة أصيلة ليست بغنية، وكان في أوائل أمره يميل إلى الأشغال اليدوية فيشغل نفسه بأعمال صور مادتها الأخشاب أو الحديد، ثم بارح تلك المدينة، وسكن مدينة استراسبورج عاصمة الإلزاس لورين واهتدى وقتئذ إلى اختراع آلة الطبع فعمد إلى أحد أغنياء تلك المدينة المسمى تريتسين المذكور، وكان له أخ فقام يطالب يوحنا بالمصاريف التي أمده بها أخوه في حياته، فأبطأ ذلك من همته
стр. 42
زمنا طويلاً، ثم إنه في سنة ١٤٤٣ رجع إلى بلدية مينس، واتفق مع أحد الأغنياء بها المسمى فوست وكان صائغاً مثرياً، فأمده بماله، فعمل يوحنا المذكور المطبعة الأولى من الحديد، وأول ما طبع عليها الكتاب المقدس، وقد صرفوا فيها دراهم عديدة لم تأتِ بربحها، ولذلك أقام عليه فيما بعد فوست المذكور دعوى كان غايتها أن استولى على تلك المطبعة وأخرج يوحنا صُفْر اليدين، واشتغل فيها فوست بنفسه هو وأحد أصحابه المسمى بطرس شفر فعملوا إصلاحات فيها وأحسنوا من آلاتها وطبعوا بها كثيراً من الكتب الدينية لديهم.
أما يوحنا جوتن برج فإنه لم يزل في طلب من يمده بالمال لتأسيس مطبعة أخرى، حتى ساعده أحد أولي الثروة ببلدة مينس فأسس مطبعة أخرى اشتهر بها ذكره،
وعلا صيته في الآفاق، وأولاه الحاكم المتصرف وقتئذ لقب شرف وهو كلمة فن وهي في مقابلة الفرنساوية، فقيل له من ذلك الوقت يوحنا فن جوتن برج ولم يزل عزيز الجانب شريفه إلى أن اخترمته يد المنية ٢٤ فبراير سنة ١٤٦٨ ميلادية.
هذا ويوجد اختلاف كبير في مسألة اختراع الطبع. فقيل إنه كان قديماً في أمة الصين، وادعته أهل هولندة أيضاً، ولكن أرى
стр. 43
ذلك كله لا ينقص من شرف يوحنا المذكور لعدم علمه واطلاعه على ما غاب عنه، ومثل ذلك اختلاف لا يعبأ به، ومثل ما قيل إن قارة أمريكا كانت معروفة قديماً قبل استكشاف كرستوف كلمب لها، فإن ذلك لا يضع من عظم ما أتى به، ولقد شافهه كثير من الناس عند رجوعه إلى قارة أوروبا بما يفيد تهوين ما قام به، ومن ذلك أن جمعه هو وبعضاً من أشراف الناس محفل، وقد مدت بين أيديهم مائدة تحادثوا عليها بحديث الاستكشاف، فرأى منهم استقلالهم بما أتى به، قائلين إن السفر أمر سهل، واستكشاف البلاد شيء بسيط تتصرف فيه يد الصدفة فقال: لهم نعم، وإن كان كل ذلك بسيطاً فلم يهتدِ إليه أحد قبلي، ثم نظر في المائدة فتناول بيضة مسلوقة ورفعها بيده قائلاً لهم: من يقدر منكم أن يجلس تلك البيضة على أحد طرفيها؟ فقالوا بلسان واحد: إن ذلك من الأمور المستحيلة، فأخذها وضرب بأحد طرفيها المائدة فأقعدها، وقد انكسر طرفها، وقال لهم: انظروا، فقالوا هذا شيء بسيط هين، فقال: نعم وإن كان هيناً فأنا أول من فعله، وقامت عليهم حجته بذلك.
ثم إني أحببت في هذا الموضع أن أوافيكم بحديث غريب وذلك أنه مدة تجولي هذا بأنحاء ألمانيا، وتقييد ما شاهدته طلباً
стр. 44
لوضع كتاب فيه كان يحوم بفكري القاصر أني أول مشرقي مسلم طرق تلك البلاد ووصفها مادياً وأدبياً، وكان ذلك سبباً يبعث من همتي إلى دقة البحث عن أحوال تلك البلدان ولم يزل ذلك مختلجاً في
صدري حتى إذا عدت إلى برلين أردت أن أتحقق جلية الأمر، فمازلت أتصفح في كتاب يسمى آثار البلاد ما يستدل منه أن أبا بكر محمد الأندلسي الطرطوشي المعروف بابن أبي رندقة قد ساح في بلاد ألمانيا ووصف بعضاً منه: فكدت أتيه عجباً وفخراً حيث زادني دليلاً على ما قامت به أمة العرب في القرون الأولى والمتوسطة من توسيع نطاق علمي الجغرافية والتاريخ، وصار لي حجة على أهل أوروبا الذي طالما شافهني كثير منهم مفتخراً بكثرة سياحاتهم، مدعياً أن المشرقيين لا عزم ولا جأش لهم، فقلما من تجول منهم وساح في البلاد طلباً لوصفها اللهم إلا ابن بطوطة المشهور بسياحته قديماً.
وأبو بكر محمد الطرطوشي هذا ولد في طرطوشة بالأندلس في إسبانيا سنة ٤١٥ هجرية تقريباً، وتُوفي سنة ٥٢٠ بمدينة إسكندرية، وله بها ضريح يزار إلى الآن، ويُكنى أيضاً بأبي رندقة قال ابن خلكان: وكلمة رَنْدَقة بفتح الراء وسكون النون وفتح الدال المهملة والقاف، وهي لفظة فرنجية. قال سألت بعض الفرنج عنها فقال معناها رد تعال انتهى.
стр. 45
وها أنا أثبت لكم توضيحاً للمقام بعض ما وجدته في بعض الكتب نقلاً عن كتاب آثار البلاد للقزويني تحت عنوان مدينة مينس التي نحن بصدد وصفها قال:
مدينة عظيمة جداً بعضها مسكون والباقي مزروع وهي بأرض الفرنج على نهر يسمى رين وهي كثيرة القمح والشعير والسلت والكروم والفواكه، بها دراهم من ضرب سمرقند في سنة إحدى واثنتين وثلاثمائة عليها اسم صاحب السِّكة وتاريخ الضرب. قال الطرطوشي أحسب أنه ضرب نصر بن أحمد الساماني، ومن العجائب أن بها العقاقير التي لا توجد إلا بأقصى الشرق، وأنها من أقصى الغرب كالفلفل والزنجبيل والقرنفل والسنبل والقسط والخاولنجان فإنها تجلب من بلاد الهند، وأنها موجودة بها مع الكثرة أقول قوله في العنوان مغانجة أراد مدينة مينس
وهذه الكلمة محرفة من كلمة موجونيا كما تقدم لنا توضيحه. فأنت ترى باطلاعك على ذلك ما يقوم لك دليلاً على دعوانا، وإن كنت أخالني وأخالك مستغرباً ما ورد في نص تلك العبارة، من أنه كان يوجد بتلك الأنحاء دراهم من ضرب سمرقند، ولكن لعلَّ السبب في ذلك هو كثرة المعاملة التجارية بين تلك البلاد وأواسط قارة آسيا، وسهل عليهم ذلك المواصلات البرية والبحرية.
стр. 46
وإليك أيضاً ما نقل عن القزويني في كتاب آثار البلاد المذكور تحت عنوان مدينة شليزفك وهي مدينة في شمال ألمانيا الغربي، وكانت تابعة لمملكة الدانمرك وهي الآن بروسيانية ونص عبارته:
شلشويق
مدينة عظيمة جداً على طرف البحر المحيط، وفي داخلها عيون ماء عذب، أهلها عبدة الشِّعْرى إلا قليلاً، وهم نصارى لهم بها كنيسة، حكى الطرطوشي: لهم عيد اجتمعوا فيه كلهم لتعظيم المعبود والأكل والشرب، ومن ذبح شيئاً من القرابين ينصب على باب داره خشباً، ويجعل القربان عليه بقراً كان أو كبشاً أو تيساً أو خنزيراً، حتى يعلم الناس أنه يقرب به تعظيماً لمعبوده. والمدينة قليلة الخير والبركة، أكثر مأكولهم السمك فإنه كثير بها، وإذا ولد لأحدهم أولاد يُلقيهم في البحر لتخف عليهم نفقتهم، وحكى أيضاً أن الطلاق عندهم إلى النساء، والمرأة طلقت نفسها متى شاءت، وبها كحل مصنوع إذ اكتحلوا به لا يزول أبداً، ويزيد الحسن في الرجال والنساء. وقال لم أسمع غناء أقبح من غناء أهل شلشويق وهي دندنة تخرج من حلوقهم كنباح الكلاب وأوحش منه. .
أقول ما أطرب عبارته هذه التي لم يغادر فيها صغيرة ولا
стр. 47
كبيرة من وصف تلك المدينة إلا أحصاها، أما استقباح الطرطوشي لغناء أهل تلك المدينة فأجده من نفسي أيضاً لغناء أهل أوروبا. ولكن الحق أقول: إن السبب في ذلك هو تباين
اللغات واختلاف الضغط على مخارج الحروف أو الإرسال، وكما أننا لا نطرب من غنائهم لا يطربون هم أيضاً من غنائنا.
زيارة بيت غوتة
ولنعد إلى حديثنا فنقول: ثم بارحت مدينة مينس قاصداً مدينة فرنكفورت فدخلتها وقد ضرب الظلام على الأفق سرادقاته، ومذ خلعها عنه الصباح نزلت بها فشمتها مدينة ذات منظر جميل على نهر المين منتظمة الشوارع لطيفة المنازل والحوانيت دائمة الحركة، وشاهدت بها منزلاً لأشهر شعراء الألمانيين السالفين، وبه أدواته وأشياؤه المنزلية التي كان يستعملها في حياته وهو كأنتيقخانة لديهم، وتيك كان يشتغل فيها، وهذا هو الشباك الذي عناه في قصيدة كذا حينما رأى عشيقته فلانة إلى غير ذلك، وقد استحسنت حفظهم لمآثر وأدوات رجل قد أوسع في آداب لغتهم نظماً ونثراً أما هو فيسمى جوته ولد سنة ١٧٤٩ ميلادية بمدينة فرنكفورت المذكورة ومات سنة ١٨٣٢ وكان أبوه من كبار المأمورين بدائرة القضاء الأهلي، واشتهر جوته المذكور في عنفوان
стр. 48
شبابه بالشعر والإنشاء حتى ذاع صيته واشتهر ذكره، وساعده على ذلك كثرة سياحاته، ووصفه للبلاد وطبيعة أراضيها، وشعره ونثره يعتبرهما الألمانيون نموذجاً ومنوالاً لأشعارهم وإنشاءاتهم، ويقرأونها في المدارس رسمياً، ولهم بها شغف حتى أن من لم يقرأ منهم أشعاره ورواياته يقذفونه بنعوت الجهالة والبساطة، ولولا ضيق المقام لأطلت في هذا الموضوع، والعود أحمد عند التكلم على آداب اللغة الألمانية في رحلتي البرلينية الخصوصية.
فرنكفورت: معبر الفرنج
ثم بعد ذلك حركت الأقدام إلى قصر يدعونه رومر وكان معدّاً قديماً لانتخاب قياصرة ألمانيا، فشاهدت فيه القاعة التي أعدت لذلك، فشمتها عالية العرش،
مصوَّراً على حيطانها الأربع صور جميع قياصرة ألمانيا بهيئات ملابسهم التي كانوا عليها تصويراً جميلاً.
وبعدما شاهدت ذلك تاقت النفس إلى التوجه للشاطئ الثاني من نهر المين لنظر بلدة صغيرة به يدعونها زاكسن هوسن ومذ كنت بها ألفيتها قرية صغيرة كضاحية فرنكفورت، وبها قليل من المنازل، وليس لأهلها سوى بيع الأسماك والفواكه والخضروات، فهي كسوق عام من الأسواق العادية غير المنتظمة، وأغلب البائعين هم النساء وبسوء أخلاقهنَّ وتوحشهن في البيع يضرب المثل في أنحاء ألمانيا لكونهن كثيرات السب واللعن
стр. 49
حتى إن كثيراً من العلماء الألمانيين الذين يهمهم البحث عن آداب اللغات يأتونهن قاصدين سماع ألفاظ السب التي يستعملنها، فيتصنع أحدهم في الشراء منهن ويجادلهنّ في الأثمان فتصب عليه اللعنات مختلفة التراكيب، فيأخذ في كتابتها سريعاً، وحينما يشاهدن ذلك منه يزداد غيظهن فيزدنه سبّاً ولعناً، وهو لا يزداد إلا سروراً وتقييداً لكلامهن، ثم يخرج من بينهن وقد استحصل على موضوع مهم ينظر فيه نظراً علمياً أدبياً، ربما أداه إلى وضع كتاب مخصوص فيه.
وكلمة فرنكفورت مركبة من كلمتين أحدهما فرنك يعنون بها فرنج والأخرى فورت ومعناها باللغة الألمانية مَعْبَر فيكون المعنى معبر الفرن، وذلك لما قيل إن كارل الأول، المعروف لدينا في الكتب التاريخية بشارلمان، الذي كان ملكاً للفرنج وكثير من بلاد ألمانيا وقد حكم من سنة ٧٦٨ إلى سنة ٨١٤ ميلادية كان من بعض أعماله أن سار بجيوشه إلى سكان مملكة صكصونيا وحاربهم لخروجهم عن طاعته، فقابلوه بجأش وقوة عزيمة، وشتتوا من جيشه، فانهزم بعسكره، ورجع القهقرى طلباً للفرار، فاعترض له في الطريق نهر المين، وقد أراد أن يعبره بجيشه إلى الشاطئ الثاني، وبينما هو في حيرته إذ رأى ظبية قد عبرت ذلك النهر
فعلم أن الطريق التي
стр. 50
أخذته تلك الظبية لم يكن عميقاً فجاز هو وجيشه إلى الشاطئ الآخر فحمد الله على النجاة، ورسم ببناء تلك المدينة وأن تسمى فرنكفورت يعني معبر الفرنج.
ولم تزل تلك المدينة آخذة في العمران حتى صارت منذ سنة ١٣٥٦ مقراً لاجتماع أمراء الألمانيين حين انتخابهم قيصراً جديداً، ومن سنة ١٥٦٢ ميلادية صارت محل تتويج القياصرة بتاج الملك الجرماني، وكان ذلك في القاعة التي سبق لنا وصفها.
وبعد ذلك صارت مستقلة تحت حكم جمهوري، وكان بها وقتئذ مجلس عام لجميع ممالك ألمانيا ينظر في أحوالها الداخلية والخارجية إلى سنة ١٨٦٦، وفيها استولت عليها مملكة البروسيا في حربها مع مملكة النمسا.
وهي الآن مقر مجتمع أغلب التجار الألمانيين؛ فلهم بها اجتماعات سنوية لتوسيع معاملتهم التجارية فيما بينهم، وسكانها الآن ١٥٤٥٠٠ نفس، وعشرهم إسرائيليون (يهود) وقد سكنها أسلافهم من قبلهم، وعاملهم المسيحيون قديماً معاملة الأرقاء فكانوا يسلبون أموالهم تارة، ويستخدمونهم أخرى، وفي سنة ١٣٤٩ ميلادية انقضَّت عليهم عامةُ المسيحيين فأعملوا فيهم آلات القتل والذبح حتى أتوا على آخرهم إلا من هرب منهم، وبعد ذلك بقرن أتى إليها اليهود ثانية، وسكنوها، وبنوا
стр. 51
لهم منازل في قطعة واحدة أحاطوها بسور له ثلاثة أبواب يغلقونها مساء.
وفي سنة ١٨١١ أعطتهم الحكومة الحرية وحق السكنى في أية نقطة من المدينة، وأغلبهم يشتغل بأرباح الأموال، ومنهم الخواجة روتشلد وأولاده المشهورون بالغنى والثروة في أنحاء البسيطة، ولهم بنوك بأغلب عواصم الممالك، وكانت هذه العائلة في ابتداء أمرها فقيرة إلى أن قام فيهم أبوهم روتشلد في أوائل هذا القرن، واحتال في الكسب والربح حتى حصل على مقدار عظيم، وفي تلك السنين تصادف أن
عاث نابليون في ممالك ألمانيا، وعزل أغلب ملوكها وولّى كثيراً من أقربائه وأصحابه عليها، ومن ذلك أنه استولى على مملكة يقال لها هسن كسل وأخرج ملكها صُفْرَ اليدين من ماله وملكه، فانتهز ذلك الملك الفرصة فيما بعد وأقرضه روتشلد المذكور قدراً عظيماً من الدراهم بفوائد كبيرة حتى إذا عاد إلى ملكه وفَّاه أموالها وأرباحها، فكان ذلك سبباً في اتساع رأس ماله، وقامت أولاده من بعده بأشغال البنوك وأنشأوا لعائلتهم قانوناً مخصوصاً بأن جعلوا الوراثة في الذكور، أما الإناث فخصصوا لهن مقداراً معلوماً يكفل براحتهن.
مبارحة فرنكفورت
وحين نالت العين من تلك المدينة المنال حركت عصا الترحال، فبارحتها في الباخرة البرية والسائحة الجوية، حتى
стр. 52
إذا عرجت بنا على مدينة كانت مَرْمَى مَرامي نزلت بغنائها لحسن رَوَائها، فقرت العين بمنظرها النضير، وجمال موقعها الشهير، تحفها جبال وأنهار، وتزينها أشجار وأزهار، ولمثلها تروق النواظر، وبحسنها تقر لها النواظر.
أما هي فتسمى هيدل برج إحدى مدن غراندوقية بادن بألمانيا، وأحسن البلاد الألمانية من حيث المنظر والموقع الطبيعيان لكونها في وادٍ مستطيل بين جبلين زاهيين بالأشجار، ويمر بجانبها نهر عظيم يقال له نيكار ويسمى الجبل الذي هي في منحدره شفارتس فالد والذي يقابله أودن فالد وعدد سكانها الآن ٢٧٠٠٠ نفس، وبها مدرسة جامعة قديمة أنشئت سنة ١٣٨٦ ميلادية، وهي من أعظم المدارس بألمانيا، وتخرج فيها كثير من علمائهم المشهورين، وبها الآن ٩٠٠ طالب تقريباً.
ولا أعلم من تاريخ تلك المدينة سوى أنه كان يحكمها أحد مشاهير الألمانيين المسمى فالس جراف في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي، وبنى فوق أحد جبليها قصراً عظيماً ارتفاعه ١٠٠ متر عن نهر نيكار المذكور، وكان متقن البناء
متناسب الأجواء، حتى إنه يقال إنه أحسن بناء أقامه الألمانيون في ذلك العصر بعد كنيسة كلونيا وأما هو الآن فأغلبه آثار
стр. 53
وأطلال بما مسّته يد الحرب التي كان يضطرم نارها بين الألمانيين والفرنساويين أيام لويز الرابع عشر ملك الفرنساويين، فإنه هدم ذلك القصر مرتين ضمن ما هدمه من بلاد ألمانيا: إحداهما في سنة ١٦٨٩، والأخرى سنة ١٦٩٣ ميلادية.
برميل خمر عظيم
وقد شاهدت ذلك القصر مع كثير من السياحين يقودنا دليل، فما زال يدخل بنا في قاعات وساحات، وينزل بنا في مغارات ووهدات إلى أن قذفنا في قاعة متّسعة بها برميل عظيم ملقى على قوائم، وبه حنفية عظيمة أيضاً فهالنا كبره واحتطنا رافعين الأبصار لرؤية أعلاه، وطفنا حوله مكررين كلمات الاستغراب، وعلمنا أنه كان معدّاً للنبيذ تملؤه الملوك الذين سكنوا ذلك القصر في أيام المواسم والأعياد، وليالي الأنس والطرب، ثم تركناه، فجيء بنا إلى باب نزلنا منه على دركات فإذا بقاعة أخرى متسعة عالية الأرجاء قد اعترض فيها برميل آخر أعظم من الأول، وأظن أنه أكبر براميل الدنيا، وبجانبه درجات تصل بالإنسان إلى سطحه الذي كان معدّاً لإحياء ليالي المسرات من أكل وشرب ورقص وغير ذلك، وهو متّسع تحيط به حواجز خشبية جميلة الصنع، وطول ذلك البرميل ٨ أمتار ونصف وعرضه ٧ أمتار يسع والعياذ بالله ٢٣٦ زجاجة من النبيذ.
стр. 54
ويقال إن الذي أقامه هو كارل فيليب أحد ملوك هذه الدوقية، وكان له خادم يباشر ذلك البرميل يسمى بركيو قد أقيم تمثاله بجانب البرميل، حيث كان مديماً للشرب حتى هلك، وشهرته في ذلك مقرونة بشهرة البرميل في أنحاء ألمانيا حتى إنهم صاغوا أدواراً للألحان يصفون من شأنه في الشرب والسكر.
وفي سنة ١٨٨٦ اجتمع المعلمون والطلبة بذلك القصر وأقاموا بينهم ليلة أنس
احتفالاً بمدرستهم الجامعة حيث كان لها ٥٠٠ سنة منذ إنشائها، وقد أكرمتهم الحكومة بملء ذلك البرميل نبيذا إدخالاً للسرور عليهم.
صداقة فرنسي طائش
ثم بارحت تلك المدينة منتعش الخاطر بمحاسن مناظرها إلى أن أنَخْتُ بمدينة بادن بادن فمكثت بها يوماً قد اغرورقت فيه مُقْلَةُ السماء وأزْرَفت عن سحائبها، ونبض لها عرق البرق، ونطق لسان الرعد، فما تسنّى لي مشاهدتها إلا سويعات قد اختلستها، فإذا هي مدينة حسنة واقعة في وادٍ عظيم يدعى أوزتال ومعناه وادي أوز حيث يمر به غدير يقال له أوز، كثيرة المنتزهات منتظمة الطرقات متقنة المنازل، وهي من أعظم المدن المشهورة قديماً وحديثاً بلطافة هوائها، وسمُّوها بادن بادن، للفرق بينها وبين بادن التي هي في سويسرا وبادن التي في بلاد النمسا.
стр. 55
وعدد سكانها ١٢٩٢٩ نفساً ويطرقها الغرباء كثيراً للأخذ بحمَّاماتها ذات الماء المعدني المشهور، ومن تلك المدينة طوّحت بي الأسفارُ على مدينة استراسبورغ عاصمة ولاية الالزاس وقسم لورين الألماني، وصاحبني فيها شاب فرنساوي جمعتني وإياه وحدة الغربة، ورأيت منه سرعة حركة وطيشاً سهَّلا لي صعوبات السفر. فكنت إذا وجهت إليه خطاباً وهو على يميني لا أشعر إلا وهو يجاوبني من جهة اليسار، ومازالت أهدئ من سرعته، وأطفئ من نار عنفوانه حتى آمن بفضيلة التأني، وأول ما شاهدناه الكنيسة الكبرى بها، وهي ذات بنيان شاهق أسست في القرن الثالث عشر للميلاد وارتفاع برجها ١٤٢ متراً، وبها شباك عظيم على هيئة دائرة يشغله قطع الزجاج الملون بشكل منتظم، وقطر ذلك الشباك يبلغ ١٤ متراً ونصف، وهو من عجائب الصناعة، ومذ دخلنا، وقد حان أوان الظهيرة شاهدنا جمعاً غفيراً من الناس يحتاطون بساعة عظيمة، فإذا هي ساعة فلكية
تاريخية مشهورة بغرابة صنعها وشكلها، فوقفنا ننتظر حتى إذا حان ضربها إشارة لانتصاف النهار أرتنا منها العجائب، وذلك أنها في بناء مستطيل مخصوص أحيط به حاجز حديدي، وأمامه الكرة الأرضية، ومثلها السماوية، أما قاعدة البناء السفلي ففيها فرجة مستطيلة أفقية يتوسطها عمود، وفوق تلك القاعدة
стр. 56
أخرى موشورية الشكل مستطيلة أقيم بأسفلها الساعة وفوقها فرجتان قد قام بإحداهما شخص على هيئة إنسان وبيديه قدومان، وحول تلك القاعدة أشخاص أسود ودجاج، فحين يضرب ناقوس الساعة ينقر الشخص بقَدُّوميه على ناقوس بين يديه، وتتحرك الأسود والدجاج من الفرج المذكورة أشخاص تتحرك أجسامهم يُشخِّصون حوادث من التاريخ المسيحي، ولم تزل تلك الحال إلى أن يتم الضرب، وبالجملة فهي عجيبة الصنعة تشهد بحذاقة صانعها المسمى شفيلجة وقد أتم صنعها سنة ١٨٤٢ ميلادية. وبينما كنا نجوس خلال تلك المدينة إذا شاهدنا تمثالاً علمت مما هو مكتوب على جداره أنه تمثال كليبر القائد الفرنساوي الذي كان مع نابليون في البلاد المصرية حين حل بها بعسكره، ولد هذا القائد في مدينة استراسبورغ سنة ١٧٥٣، ومات في الديار المصرية سنة ١٨٠٠ ميلادية.
أما هذه المدينة فلطيفة على ضيق شوارعها وانعطافاتها موضوعة على نهر ايل الذي يصب في نهر الرين على بعد ساعتين، ودائرة محيطها حسنة المنظر مشغولة بالبساتين، ومنها شاهدت بستاناً مشهوراً يسمونه أورانجري ومدرستها الجامعة مشهورة كغيرها بألمانيا، وبناؤها أحسن مباني المدارس التي شاهدتها.
стр. 57
وكانت هذه المدينة مسكونة للرومانيين قديماً، وتسمى وقتئذ أرجنتوارم وفي العصر المتوسط للميلاد كانت زاهية تحت ملك الجرمانيين إلى أن استولى عليها لويز الرابع عشر ملك الفرنساويين في سنة ١٦٨١، وأخذتها البروسيا في حربها الأخيرة من فرنسا سنة ١٨٧٠ وعدد سكانها الآن ١١١٩٨٠ نفساً، وكثير منهم
فرنساويو الأصل، وأغلبهم يكرهون تبعيتهم للبروسيا، كما اختبرت ذلك منهم، وهو دليل على الصداقة الوطنية، والحمية الجنسية.
العبور إلى سويسرا
إلى بازل
ولما دعا داعي الرحيل أخذنا في السبيل نحل في آفاق وأقطار حتى بارحنا حدود البلاد الألمانية الغربية، وعُجنا على مدينة بازل فعرجتُ بها ونزلت في حيِّها، مودعاً البلاد الألمانية متذكراً محاسنها الطبيعية، وأقمت بها يوماً فشمتها آخذة نظاماً مخصوصاً، حسنة الشوارع غالباً، يمر في وسطها نهر الرين ويقسمها قسمين: قسماً على الشاطئ الجنوبي، ويسمونه بازل الكبرى والذي على الشاطئ الشمالي بازل الصغرى، ويصل بينهما جسر عظيم، ويحيط بتلك المدينة أسوار أخْنَت عليها يدُ الهرم والقدم.
ولعلمي بتقدم المدارس والفنون بها قصدت مدرستها التجهيزية، وقابلني حضرة ناظرها بعد الاستئذان، وأكرم من قدري، وعرض علي جدول الأوقات للدروس اليومية لأنتخب
стр. 58
درساً أحضره، فشاقني مشاهدة درس الرياضة البدنية، ومذ حضرت المحل المعد لذلك ألفيته قاعة خشبية متينة أقيمت في حوش المدرسة بها طاقات زجاجية في السقف والجوانب، وهي متّسعة مغطاة أرضها بمشمع سميك طلباً لثبوت أرجل التلامذة، وعدم إحداث حركة أثناء مرورهم وقد رسم على ذلك الغطاء ما صورته.
стр. 59
وكان عدد التلاميذ نحو الثلاثين من سن ١٢ إلى ١٥. فأول تمرين ألقاه عليهم المعلم أن اصطفوا صفوفاً كل منهم واقف على إحدى نقط تقاطع الخطوط الأفقية والرأسية، وحركوا أذرعهم يميناً ويساراً أمام وخلف وفوق، تقليداً لما يصنعه المعلم أمامهم، ثم أمرهم بالمسير فانتظم كل خمسة منهم صفاً وراء آخر، وساروا راسمين قوساً حتى طافوا بالمحل مراراً، ثم تفرقوا فرداً يتبعه آخر، وساروا سريعاً على محيطي الدائرتين بحيث يصنعون حلقتين يتماسان في نقطة تماس
الدائرتين، ولكن كان سيرهم بهيئة لا يمكن تقابل أفرادهم لطول المحيطين، وفي أثناء ذلك يضعون أيديهم على صدورهم تارة، وأخرى وراءهم، وطوراً يرفعونها مشتبكة إلى أعلى، ثم أمرهم بأن يتناول كلٌّ قضيباً من الخشب طوله متر تقريباً وقطره ٣ سنتيمترات تقريباً، فقبض كل على طرفي عصاه بيديه، وصار يوجهها إلى جميع الجهات الست مراراً حتى إذا أتموا ذلك وجههم المعلم إلى آلة تمرينية أخرى هذه صورة شكلها.
стр. 60
فيصرف لها ثلاثا ثلاثاً بين ذينك الوجهين، ويثبون حتى يقبضوا على الخطين المتوازيين [أ] و [ب] ويسيرون إلى أن ينتهوا إلى الآخر، وهكذا غيرهم حتى يأتي على آخرهم، وبعد ذلك صرفهم إلى آلة أخرى هذا شكلها.
стр. 61
فتعلق كل من التلامذة بتلك الأعمدة طالباً الصعود عليها، وهذه الأعمدة خشبية قطر كل منها ٣ سنتيمترات تقريباً، معلقة بواسطة حلقات حديدية متينة بحيث تتحرك وتميل إلى أية جهة يراد توجيهها، وعند ذلك التمرين تم وقت الدرس، فرجت بعدما تشكرت لحضرتي الناظر والمعلم على ما أولياني.
هذا والمعذرة لي حيث أطنبت في تفصيل ما شاهدته فقد دعاني إليه حرصي على ما ربما أن يكون مفيداً، وجميع هذه الألعاب وإن كانت سهلة العمل فهي مفيدة للجسم ورياضة الأبدان لاسيما للتلامذة مطلوب مهم، فكما أن تعلم العلوم تمرين للأفكار وتثقيف للعقول، دفعاً لما عسى أن يلحقها من الجهل الذي هو مرضها كذلك رياضة الأبدان للأجسام فإنها تقوي الأعصاب والعضلات وتزيد في القوّة الهاضمة، ومعلوم أن قوة الإنسان في عضلاته وأعصابه، فمتى كانت قوية قَوِيَ تركيب الجسم ومادته، وضعفها يهيئ الإنسان لقبول الأمراض والضعف.
في بازل
أما مدينة بازل فهي قاعدة قسم يسمى بازل شتات أحد قسمين يسمى الآخر بازل
لاند. وسكانها ٧٠٠٠٠ نفس، وهي من المدن القديمة أسسها الرومانيون وجعلوها قلعة، ثم تخربت في الحروب التي جرت بينهم وبين الجرمانيين، وأعاد بناءها الجرمانيون في أوائل القرن العاشر، وبعد قليل انحازت إلى
стр. 62
الاتحاد السويسري، إلى وقتنا هذا، وللصناعة والتجارة بها أهمية كبرى، وكان فيها معامل للورق والجلد وغير ذلك، وانحطت منذ بضع سنين، ولغة أهلها ألمانية لأنها من القسم السويسري الألماني، وذلك أن بلاد سويسرا تنقسم إجمالاً إلى ثلاثة أقسام تبعاً لاختلاف لغات سكانها: وهي سويسرا الفرنساوية، وسويسرا الإيطاليانية، ومجموع هذه الأقسام يشتمل على ٢٥ قسماً يسمى كل منها كونتيه ولكل كونتيه حقوق وقوانين مخصوصة، ولمجموعها مجلس عام ينعقد في مدينة برن ينتخبون أعضاءه بغالبية الأصوات، ويكون من عملهم تأسيس القوانين والنظر في انتخاب مديري تلك الكونتينات. وقطر سويسرا تتشعب فيه سلسلة جبال الألب الوسطى بهيئة عجيبة المنظر كما ستعلمه مما يأتي، ولكثرة بحيراتها وأنهارها وطرقها الحديدية عمّت المواصلات بها فراجت تجارتها رواجاً عظيماً، وأهم اتجارهم في المواشي لا سيما البقر، ثم الجبن المشهور، والأقمشة الحريرية والقطنية والساعات الجميلة وغير ذلك.
والحالة المدنية بها على أحسن ما يرام من جهة التربية والتعليم والأخلاق، ولأهلها حمية وطنية، يضرب بها المثل بحيث يميلون إلى الحرية لا ينتمون إلى دولة أو حكومة، فيقودها ملك. وسأشرح بعض وقائعهم الدالة على ذلك في مواضعها إن شاء الله تعالى.
стр. 63
ثم ودَّعت بازل باكورة الصباح تقلني الباخرة البرية قاصداً برن، فسارت بنا في أودية مزهرة بين جبال مزدهرة بالزروع والأشجار، تحفها الغدران والأنهار وقد ترامى علينا النسيم بأريجها وعبيرها هذا إلى حسن منظر لم ترَ العيون مثيله، ولم
يكن للفكر أن يتصور عديله، وبينما نحن نمتع النواظر بتلك المناظر إذ تعرض لنا في الطريق جبل شاهق يقال له جبل يورا، فقذف بنا القطار وسط نَقْب فيه طويل المسافة يدعى هرن ستين طوله ٢٨٠٨ أمتار فهالني منظره الذي دلني على أعظم ما فعلته يد الإنسان من نقب ذلك الجبل الباذخ، ولم نزل نهش بأعاجيب تلك الطبيعة إلى أن وصلنا على مدينة برن فنزلت بها للإقامة بحيها، ولا يخفى أنها قصبة كونتينه تدعى باسمها وعاصمة بلاد سويسرا بمعنى أنها مقر اجتماع المجلس العام السويسري، وهي واقعة على رأس صخر رملي يحوم حوله نهر آر فهي شبه جزيرة بالنسبة إليه، واغلب شوارعها مستقيمة، وبناء منازلها جيد، والقديم منها قائم على قناطر يمر تحتها الراجلون، واسمها مشتق من كلمة بير ومعناها الدب باللغة الألمانية وذلك لكثرته بأحيائها، وقد جعلوا صورته علامة على ولايتهم فتراها في أعلامهم وعلى المباني الرسمية لديهم.
стр. 64
أسسها دوق ألماني يدعى برتولد الخامس وذلك سنة ١١٩١ ميلادية. وفي سنة ١٢١٨ استقلت تحت حكم مجلس عام، وقويت شوكتها حتى إن قيصر جرمانيا وقتئذ المسمى رودولف الأول قصدها بجيشه سنة ١٢٨٨ وحاصرها مدة ولم يتمكن من أخذها، ورودولف هذا هو أول عائلة ملوك النمسا الحالية. وفي سنة ١٣٥٣ انحازت مدينة برن ضمن الاتحاد السويسري، وجعلت عاصمة لسويسرا سنة ١٨٤٨ ميلادية.
وأحوالها التجارية والصناعية جيدة ففيها معامل لنسج القطن والكتان والحرير وبرانيط القش وغير ذلك، وبها مدارس حميدة السير لاسيما مدرستها الجامعة، ومحلات آثارها غاصّة بالأشياء القديمة، شاهدت منها متحف الحيوانات المصبرة، فرأيت منها ما لم يخطر بالي من كثرة أجناس الحيوانات البرية والبحرية والهوائية، وعاينت متحفاً آخر يشتمل على نموذج الأدوات المنزلية المعاشية لأهل
سويسرا الأقدمين، ومن ذلك علمت أن أهل سويسرا كانوا قديماً يتخذون منازلهم من الخشب، ويقيمونها في البحيرات والأنهار على قوائم خشبية قريباً من الشواطئ، ذلك هرباً من الحيوانات التي كانت منتشرة وقتئذ في بلادهم، وقد دلَّ التاريخ على أن كثيراً من الأمم الخالية الذين كانوا يسكنون جنوب قارة آسيا كانوا يتخذون
стр. 65
منازلهم في البحر المحيط الهندي قريباً من الساحل، وكانوا يصنعونها من خشب الأشجار غير المقلَّمة، ويقيمونها على قاعدة أفقية من الأقصاب، فيربطون تلك المنازل في الساحل كيلا تسبح بهم، وكان إذا اشمأز أحد سكانها من جيرانه يحل رباط منزله، ويسير به إلى جهة أخرى.
النهر والأطفال
ومما شاهدته بتلك المدينة آباراً قديمة ينبعث عنها الماء بدون آلة، وذلك لحكمة ارتفاع نقطة مصدره كما هو مقرر في علم الطبيعة، وقد جعلوا لتلك الآبار حنفيات محكمة وأقاموا عليها تماثيل أشخاص وحيوانات من الحجر المنحوت، ومن جملتها رأيت تمثالاً يعطي صورة شخص مخيف الهيئة رافعاً بيديه تماثيل أطفال يسير بهم إلى البئر يكاد يلقيهم فيه، وهم على هيئة المستغيث وبمنطقته قد علق تماثيل أطفال كذلك، ومذ عاينت تلك الهيئة قلت لابد لذلك من حادثة تاريخية، وعلمت فيما بعد أن ذلك التمثال أقيم في العهد القديم إدخالاً للخوف على الأطفال، كيلا يقربوا من تلك الآبار، فكانت الآباء والأمهات يعرضون أطفالهم على ذلك المحل، ويحذرونهم من الدنو إليه لئلا يختطفهم التمثال، ويلقيهم في الآبار، وأما الآن فأرى الأطفال محتاطين به شغوفين برؤيته، حيث استؤصلت والحمد لله في هذا العصر شأفة التخيلات الكاذبة.
وبينما أنا
стр. 66
أجوس خلال الطرقات إذ شاهدت برجاً مرتفعاً، وبأعلاه ساعة عظيمة، وكلما ضرب ناقوسها إشارة إلى تمام ساعة زمنية يخرج منها تمثال ديك يصيح،
وكثير من تماثيل الدب بهيئة مضحكة.
مناظر خلابة
ثم حركت الأقدام إلى الشاطئ الثاني من نهر آر المحيط حول تلك المدينة، ومنه عاينت منظراً عجيباً ألا وهو منظر الجبال الشامخة جبال الثلوج، وشاهدت في ذلك الموضع جُباً واسعاً، قد أعدته الحكومة للدب، وفيه عدد عظيم منه، لها خدمة مخصوصون يأتونها بالأكل والماء، وحكمة ذلك كثرة وجود الدب في ضواحي هذه المدينة، وللعامة شغف كبير به.
ولما نلت من مشاهدة تلك المدينة ما نلت، بارحتها في أسرع قطار في الآفاق طار، ولم يزل يزج بنا في أودية مونقة، بين أشجار مورقة، حتى حط بنا في قرية يقال لها تون، ومنها بدون ما واسطة نزلنا سفينة بخارية على بحيرة تدعى تونرزيه ومعناها بحيرة تون وهي من أعظم بحيرات سويسرا. طولها ١٨ كيلومتراً، وعرضها ٣ كيلومترات، وأعظم عمق بها ٢١٦ متراً.
وحينما شقت تلك الجارية بنا حباب الماء، وذهبت بقلاعها نحو السماء، عرضت علينا الشواطئ منظرها الرائق، وحسنها الشائق، وقد انتثرت عليها أخصاص ساكنيها، ومنازل نازليها، ثم أخذت تلك الشواطئ ارتفاعاً تدريجياً حتى توسطنا
стр. 67
بين جبال سامقة، وأعلام شاهقة، مزدانة بزروع قد أخرجت شطأها، وأشجار قد حملت عبأها، حتى إذا قربنا من مصب نهر آر في تلك البحيرة لاح لنا منظر بهيج، ورونق يهيج، فشاهدناه نهراً بين جبلين باذخين، وطودين منيفين، وقد مالت إليه الغصون، كأنها تميل إلى رَشْفِ رُضابه العذب، أو تحنو شفقة على هذا العاشق الصب كما قال القيراطي، وهو من أحسن موزوناته:
وربَّ نهر له عيون ... تحار في وصفه العيون
لما غدا الريقُ منه عذباً ... مالت إلى رشفه الغصون
أو كما قيل وما أطربه من قيل:
تَثَنى الغصن إعراضاً وعجباً ... على نهر يذوب أسى عليه
فرق له النسيم وجاء يسعى ... ملاطفة وميله إليه
ولم نزل جذلين مبتهجين، حتى رست بنا السفينة على محطة ركبنا منها عربات بخارية، قاصدين بلدة يقال لها انترلكن، وبعد أويقات زج بنا في واديها، فلاحت لنا عجائب مناظرها، ونزلت بها، وقد ناداني لسان حالها:
هلم يا صاح إلى روضة ... يجلو بها العاني صدى هَمِّه
نسيمها يعثُر في ذيله ... وزهرُها يضحك في كُمه
стр. 68
ومكثت بها يومين، كأنهما طرفة عين، وقبل ما أنعت لك ما شاهدته منها، أوافيك بجغرافيتها فأقول:
هي بلدة تسمى انترلكن وهي كلمة لاتينية معناها وسط البحيرتين لكونها في وادٍ صغير بين امتداد بحيرتين يقال لإحداهما برينسرزيه ومعناه بحيرة برينس والآخر تونرزيه المتقدم ذكرها، وقد أحاط بها، وبامتداد البحيرتين المذكورتين جزء من سلسة جبال الألب الوسطى بمنظر عجيب، وواديها وجبالها مستورة بالزروع، والأشجار الباسقة الفروع، وهذا الوادي يأخذ ارتفاعاً متعرجاً شيئاً فشيئاً، وبه طريق يمكن للعربات الصعود عليها، وهو بهذه الهيئة كحضيض للجبال المحتاطة به، ويرى الإنسان من ذلك الوادي جبلاً شاهقاً ذاهباً بنفسه إلى العلو مستوراً بالجليد، ارتفاعه ٤١٦٧ متراً، ولكن لا يظهر للإنسان منه إلا مقدار ٣٨٠٥ أمتار، وهو مشهور بصعوبة مرتقاه ووعر منحدره، ولذلك يسمى في الأعصر السالفة يونج فرو، ومعناه العذراء البِكْر التي لم يطمثها أحد، وذلك لعدم صعود إنسان على ذروته حيث لا يتأتى ثبوت الأقدام على ثلوجه المتراكمة، وهذه الثلوج دائمية شتاءً وصيفاً.
ثم إنه في سنة ١٨١١ خاطر بأنفسهما اثنان فتسنَّما ذروته،
стр. 69
وكشفا نقابه، يسمى أحدهما رودولف، والآخر هينريك ميئر ونالا بذلك شرفاً عظيماً، وذكرا في التاريخ، ثم أراد كثير فيما بعد على وقتنا هذا أن يتسنموا ذروته فمنهم من يبلغ بلاغه وقليل ما هم، ومنهم من تفلت رجله فيصبح دفين الثلوج وكثير ما هم، وسبب شغفهم بالصعود عليه مختلف تبعاً لاختلاف الأغراض: فمنهم من يريد أن يستكشف الزهور والنباتات التي بأعلاه طلباً لتوسيع نطاق علم النباتات، ومنهم من يقصد نوال الاسم وإذاعة الصيت.
وكانت هذه البلدة قديما ديراً للراهبين والراهبات، وأما الآن فهي موضع للتنزه، وتغيير الهواء لشهرتها بلطف هوائها واعتداله، ويقصدها لذلك كثير من أولي الثروة لإمضاء فصل الصيف بها، وقد أعدوا لهم فيها أوتيلات متقنة، وحوانيت لمبيع اللوازم، ومحلات لتشخيص الروايات والمغاني، وما أشبه ذلك. وترى لها مساءً وقد أضاءت بها مصابيح النور الكهربائي بين تلك الجبال والزروع منظراً يروق النواظر، ويبهج الخواطر.
وسكانها ٣٠٠٠ نفس، كل منهم ذو سكون وَدَعَة، بشوش الوجه لطيف الأخلاق، ولا غرو فقد أكسبته طبيعة بلدته ارتياحاً أنطق منه لسان الحال فقال:
لم لا أميلُ إلى الرياض وحسنها ... وأعيش منها تحت ظل ضافي
стр. 70
والزهر يلقاني بثغْرٍ باسمٍ ... والماء يلقاني بقلبٍ صافي
هذا ما شاهدته أول يوم مكثته فيها.
حلة على الجليد
ولما لاح الصباح أزمعت على تسنم بعض جبالها وإمتاع الطرف بمشاهدة جليدها، فَقَلَّتْني عربة سارت بي على عَجَل صاعدة في طريق ذلك الوادي، وقد غَصَّت تلك الطريق بالعربات تحمل الغرباء السياحين، ومازلنا نرقى الطريق مدة
ساعتين، وقد اكتنفته مَهاوٍ عميقة ينحدر فيها ماء الغدران المتكسر من علو، وهو ما ذاب من الثلوج التي هي فوق الجبال، وترى له خريراً تصفو له النفوس، وتُصغي لنغمته الآذان، حتى وصلنا إلى وادٍ صغير يقال له جرندل فالد بين جبلين يقال لأحدهما شرك هورن ومعناه قرن الخوف وثانيهما يدعى فتر هورن ومعناه قرن الزعازع، ويُعَدُّ ذلك الوادي في الحقيقة كذروة جبل حيث إن ارتفاعه عن سطح البحر المحيط يبلغ ١٠٥٧ متراً، وقد حططنا به الرحال طلباً للراحة ولأنه آخر مسير العربات؛ حيث لا يمكن لها مجاوزته لكثرة الغور والنجد، وألفينا به أوتيلاً أرحنا به الأجسام، وتناولنا طعام الغداء، وكنا نحو الثلاثين شخصاً رجالاً ونساء مختلفي الجنس واللغة. وبعدما حمدنا مولانا على ما أولانا، خرجنا للصعود على الأطواد، ولنا عزائم تعزم بها الجبال، وجأشٍ تستَجيشه الأبطال، وكان كل منا قد صحب مزراقاً من الخشب
стр. 71
حديدي الطرف مُحدَّدَه ليساعدنا على الصعود. فأخذنا الطريق ننهب مسافته، ونستأصل شأفته، وقد تعرَّف كل منا بالآخر، فألفيت أغلبهم ما بين أدباء وعلماء، وآخرين تظهر عليهم مخايل الشرف. وكنا في بادئ الأمر يحتشم بعضنا البعض حتى إذا لحقنا التعب، وصار أن لا مناص من المداعبة والخلاعة أخذ الرجال والنساء في العب والهزل واللهو بدون ما عَذْل، فأطربني منظرهم وأجْذَلَني محفلهم، وقلت لا غَرْوَ فإذا صحت الألفة سقطت الكلفة، وجاريتهم في الميدان منشداً بلسان الحال والجنان:
فيَّ انقباضٌ وحِشْمةٌ فإذا ... لاقيت أهلَ الوفاء والكرم
أرسلتُ نفسي على سجيتها ... وقلتُ ما قلتُ غيرَ محتشمِ
وبينما نحن في لهونا ولعبنا، إذ بَغَتَنا صوتٌ مزعج ارتعدت له الفرائص، فلزم كل منا مكانه باهتاً ظاناً أن الجبال قد تدكدكت، وإذا به صوت انحدار الثلوج في مهاوي الجبال فعجبنا له، وقد مَثَّلَ لنا صوت المدافع المتوالية الطلق، وبعدما كنا
نُدْهَش صرنا نَهَشُّ، وأخذنا الطريق نتسنَّم نجداً، ونتحدر غوراً، حتى وصلنا إلى موضع قامت فيه جبال الجليد عمودية، فسرنا بغنائها يقدمنا الدليل، وإذ نحن بقطعة جليد كأنها القصر تملأ زاوية منفرجة بين جبلين، فهالنا منظرها وألفينا بها مغارة
стр. 72
متسعة من صنع يد الإنسان فأزمعنا على الدخول فأبى من أبى، وتجلد أغلبنا، ولبس كل منا عباءة من الجلد استأجرناها من فتية تأوي إلى ذلك الكهف، ودخلنا نتبع الدليل فإذا بها طويلة يبلغ ارتفاعها نحو ثلاثة أمتار، وعرضها متران مستورة أرضها بالأخشاب لإمكان السير عليها، فتلونا بها آيات العجب والاستغراب، وخرجنا نمتع الطرف بتلكم المناظر التي هي آيات على قدرة الخالق جلَّ شأنه وعزَّ سلطانه، فتبارك الله أحسن الخالقين:
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد
ثم أخذنا في الأوبة على طريق أخرى، ومررنا بها على أناس ينفخون في الأبواق إظهاراً لظاهرة الصدى في منعطفات الجبا، ل يستمنحون بذلك عطايا المارين السياحين، حتى وصلنا إلى جرندل فالد وقد تصَوَّبت الشمس إلى الغروب، فركبنا العربات قاصدين العودة إلى بلدة انترلكن. وريثما انحدرت بنا إذا بالسماء قد أبرقت، وأرسلت سحائبها وهَمَلت، والريح تعبث بالأغصان، وقد انحدرت حولنا الغدران، وهوى ماؤها فتكسر، وجرى سائلاً عن المخبر.
وتحدَّثَ الماءُ مع الحصى ... فجرى النسيمُ عليه يسمع ما جرى
فكأن فوق الماء وشياً ظاهراً ... وكأن تحت الماء سِراً مُضْمَرا
стр. 73
إلى أن دخلنا بلدنا الأمين، ومقرنا المكين، فمددنا أيدي الوداع نبث الأشواق، ونشكو الفراق. وعمدت للمبيت بها إلى الصباح، حتى إذا ابيضَّ منه الجناح، ودعت هذه البلدة الرائقة والروضة الشائقة، في الباخرة البرية، والسائحة الأرضية قاصداً موضعاً يقال له جيسباخ وجعلت في تلكم الأثناء أطالع كتاباً أدبياً ألمانياً،
حيث كنت وحيداً في العربة، حتى حط بنا القطر في محطة حسبت أنه سيجوزها، ولهتني المطالعة وحسن الموضوع زمناً. في آخره حانت مني التفاتة فإذا بها آخر محطة للبواخر البرية، ورأيت الركاب قد نزلوا باخرة بحرية، وهي تسبح بهم وسط البحيرة، وقد خلفوني وحيداً أضرب كفاً على كف، وأكرر جمل الندم، ولات حين مَنْدَم.
زورق في بحيرة برينس
ونزلت إلى المحطة فشمت شابين تلوح عليهما شارة الآداب، ومذ دنوت منهما لأسألهما أخذا يبتسمان، ثم صارا يضحكان، وقالا: تفضل واجلس بجانبنا، فنحن مثلك قد سبقتنا الباخرة البحرية، ولابدّ أن ننتظر عودتها بعد أربع ساعات، فجلست متأسياً، حيث وجدت لي مثيلاً، وشرعنا نتجاذب أطراف الحديث، فعلمت أنهما أمريكانيان أتيا إلى بلاد ألمانيا لأخذ الفنون بمدارسها، وبينما نحن نتقلب على لظى الانتظار إذ لمحنا عربة تقصد نادينا حتى إذا قربت منا نزل منها سيد مع قرينته، وقد تأبطها، وقصد نحونا رافعاً قلنسوته سائلاً متى
стр. 74
تسير باخرة البحر فهز الضحك منا الأجسام، وما قدرنا أن نفصح له بالكلام، بل أشرنا له بأنها قد أخذت وجهتها، وسارت وخلَّفتنا، فتململ يرفع رجلاً ويضع أخرى، ينظر يمنة ويسرة، ثم قال سادتي ما تقولون في تأجير زورق يكون تحت تصرفنا، ويسير حسب أمرنا؟ فلبيناه بنعم، وهرولنا إلى الشاطئ، ونزلنا زورقاً صغيراً، وأردنا أن نأخذ جلسة بحيث يتعادل الثقل كيلا يميل بنا، فجلس هو وقرينته، ونحن الثلاثة وبعض العفش في مقابلتهما، وسار بنا الزروق يرقص ويلعب، ويعبث بنا ويَدْعَب، ودار بيننا الحديث، بكل ماضٍ وحديث، فعلمنا أنه من مملكة صكصونيا، وألفيناه ظريف الشمائل سمح السجايا، مادام كل منا آخذاً مكانة، أما إذا تحرك أحدنا بدون ما قصد، ومال الزروق من جهته عربد بيديه ورجليه، ثم يأخذ في الضحك ثانية.
أما هذه البحيرة فتسمى بحيرة برينس التي ذكرتها آنفاً طولها ١٤ كيلومتراً، وأوسع عرض بها ٢ كيلومتراً ونصف، وأعظم عمق بها ٢٦٢ متراً، وهي محاطة بالجبال المثمرة والصخور.
ولم يزل الزورق يسبح بنا نحو ساعتين إلى أن وصلنا إلى موضع جيسباخ فصعدنا على البر فإذا هو منحدر جبل ركبنا منه عربة بخارية صعدت بنا أعلاه بهيئة عجيبة، وذلك أنهم أوصلوا من أعلى الجبل قضبان حديدية إلى ذلك المنحدر تحملها قوائم سميكة، وحولها حواجز
стр. 75
بحيث تصنع ضلعاً أكبر مقابلاً لزاوية منفرجة أحد ضلعيها الجبل، والآخر المنحدر، وتصعد عليها العربة بواسطة حبال، تسحبها آلة بخارية في أعلى الجبل، ومذ صعدنا ألفينا حرشاً صغيراً مستوراً بالأشجار، وحوله الجبال شامخة، وشمنا غديراً ينصبُّ من أعلى كشلال، ويتكسر على الصخور بقوة عظيمة، حتى يصب في تلك البحيرة المذكورة صانعاً عليها قوساً منحنياً، ويسمى الجبل الذي ينحدر منه ذلك الغدير بالقرن الأسود، وارتفاعه عن سطح البحيرة ٣٥٠ متراً وكلمة جيسباخ معناها (الغدير المنصَبّ).
إلى لوتسرن
هذا ولما انتعشت منا الخواطر بحسن تلك المناظر، مددنا يد الوداع راجين عودة التلاق بعد ذلك الفراق، فبارحت ذلك الموضع قاصداً مدينة لوتسرن وبينما ينهب القطار الأقطار إذا رأيت من نفسي بعض توعك فعرجت على قرية وسط الطريق تدعى ميرنجن ونزلت بأوتيل بها صغير قد أقيم من الأخشاب، دعوني سادتي أصف لكم قاعاته التي ما وجدت أطرب منها مدة حياتي، تميل حيطانها ولا تمايل الأغصان، إذا تحرك به الإنسان، فهي في الواقع كما قيل في وصف المثيل.
تُسارِرُها هَفَوات النسيم ... فتصْغي بلا أذن سامعة
وأخشى بها أن أقيم الصلاة ... فتسجد حيطانها الراكعة
следующие страницы →