Полный текст (111 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
حديدي الطرف مُحدَّدَه ليساعدنا على الصعود. فأخذنا الطريق ننهب مسافته، ونستأصل شأفته، وقد تعرَّف كل منا بالآخر، فألفيت أغلبهم ما بين أدباء وعلماء، وآخرين تظهر عليهم مخايل الشرف. وكنا في بادئ الأمر يحتشم بعضنا البعض حتى إذا لحقنا التعب، وصار أن لا مناص من المداعبة والخلاعة أخذ الرجال والنساء في العب والهزل واللهو بدون ما عَذْل، فأطربني منظرهم وأجْذَلَني محفلهم، وقلت لا غَرْوَ فإذا صحت الألفة سقطت الكلفة، وجاريتهم في الميدان منشداً بلسان الحال والجنان:
فيَّ انقباضٌ وحِشْمةٌ فإذا ... لاقيت أهلَ الوفاء والكرم
أرسلتُ نفسي على سجيتها ... وقلتُ ما قلتُ غيرَ محتشمِ
وبينما نحن في لهونا ولعبنا، إذ بَغَتَنا صوتٌ مزعج ارتعدت له الفرائص، فلزم كل منا مكانه باهتاً ظاناً أن الجبال قد تدكدكت، وإذا به صوت انحدار الثلوج في مهاوي الجبال فعجبنا له، وقد مَثَّلَ لنا صوت المدافع المتوالية الطلق، وبعدما كنا
نُدْهَش صرنا نَهَشُّ، وأخذنا الطريق نتسنَّم نجداً، ونتحدر غوراً، حتى وصلنا إلى موضع قامت فيه جبال الجليد عمودية، فسرنا بغنائها يقدمنا الدليل، وإذ نحن بقطعة جليد كأنها القصر تملأ زاوية منفرجة بين جبلين، فهالنا منظرها وألفينا بها مغارة
стр. 72
متسعة من صنع يد الإنسان فأزمعنا على الدخول فأبى من أبى، وتجلد أغلبنا، ولبس كل منا عباءة من الجلد استأجرناها من فتية تأوي إلى ذلك الكهف، ودخلنا نتبع الدليل فإذا بها طويلة يبلغ ارتفاعها نحو ثلاثة أمتار، وعرضها متران مستورة أرضها بالأخشاب لإمكان السير عليها، فتلونا بها آيات العجب والاستغراب، وخرجنا نمتع الطرف بتلكم المناظر التي هي آيات على قدرة الخالق جلَّ شأنه وعزَّ سلطانه، فتبارك الله أحسن الخالقين:
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد
ثم أخذنا في الأوبة على طريق أخرى، ومررنا بها على أناس ينفخون في الأبواق إظهاراً لظاهرة الصدى في منعطفات الجبا، ل يستمنحون بذلك عطايا المارين السياحين، حتى وصلنا إلى جرندل فالد وقد تصَوَّبت الشمس إلى الغروب، فركبنا العربات قاصدين العودة إلى بلدة انترلكن. وريثما انحدرت بنا إذا بالسماء قد أبرقت، وأرسلت سحائبها وهَمَلت، والريح تعبث بالأغصان، وقد انحدرت حولنا الغدران، وهوى ماؤها فتكسر، وجرى سائلاً عن المخبر.
وتحدَّثَ الماءُ مع الحصى ... فجرى النسيمُ عليه يسمع ما جرى
فكأن فوق الماء وشياً ظاهراً ... وكأن تحت الماء سِراً مُضْمَرا
стр. 73
إلى أن دخلنا بلدنا الأمين، ومقرنا المكين، فمددنا أيدي الوداع نبث الأشواق، ونشكو الفراق. وعمدت للمبيت بها إلى الصباح، حتى إذا ابيضَّ منه الجناح، ودعت هذه البلدة الرائقة والروضة الشائقة، في الباخرة البرية، والسائحة الأرضية قاصداً موضعاً يقال له جيسباخ وجعلت في تلكم الأثناء أطالع كتاباً أدبياً ألمانياً،
حيث كنت وحيداً في العربة، حتى حط بنا القطر في محطة حسبت أنه سيجوزها، ولهتني المطالعة وحسن الموضوع زمناً. في آخره حانت مني التفاتة فإذا بها آخر محطة للبواخر البرية، ورأيت الركاب قد نزلوا باخرة بحرية، وهي تسبح بهم وسط البحيرة، وقد خلفوني وحيداً أضرب كفاً على كف، وأكرر جمل الندم، ولات حين مَنْدَم.
زورق في بحيرة برينس
ونزلت إلى المحطة فشمت شابين تلوح عليهما شارة الآداب، ومذ دنوت منهما لأسألهما أخذا يبتسمان، ثم صارا يضحكان، وقالا: تفضل واجلس بجانبنا، فنحن مثلك قد سبقتنا الباخرة البحرية، ولابدّ أن ننتظر عودتها بعد أربع ساعات، فجلست متأسياً، حيث وجدت لي مثيلاً، وشرعنا نتجاذب أطراف الحديث، فعلمت أنهما أمريكانيان أتيا إلى بلاد ألمانيا لأخذ الفنون بمدارسها، وبينما نحن نتقلب على لظى الانتظار إذ لمحنا عربة تقصد نادينا حتى إذا قربت منا نزل منها سيد مع قرينته، وقد تأبطها، وقصد نحونا رافعاً قلنسوته سائلاً متى
стр. 74
تسير باخرة البحر فهز الضحك منا الأجسام، وما قدرنا أن نفصح له بالكلام، بل أشرنا له بأنها قد أخذت وجهتها، وسارت وخلَّفتنا، فتململ يرفع رجلاً ويضع أخرى، ينظر يمنة ويسرة، ثم قال سادتي ما تقولون في تأجير زورق يكون تحت تصرفنا، ويسير حسب أمرنا؟ فلبيناه بنعم، وهرولنا إلى الشاطئ، ونزلنا زورقاً صغيراً، وأردنا أن نأخذ جلسة بحيث يتعادل الثقل كيلا يميل بنا، فجلس هو وقرينته، ونحن الثلاثة وبعض العفش في مقابلتهما، وسار بنا الزروق يرقص ويلعب، ويعبث بنا ويَدْعَب، ودار بيننا الحديث، بكل ماضٍ وحديث، فعلمنا أنه من مملكة صكصونيا، وألفيناه ظريف الشمائل سمح السجايا، مادام كل منا آخذاً مكانة، أما إذا تحرك أحدنا بدون ما قصد، ومال الزروق من جهته عربد بيديه ورجليه، ثم يأخذ في الضحك ثانية.
أما هذه البحيرة فتسمى بحيرة برينس التي ذكرتها آنفاً طولها ١٤ كيلومتراً، وأوسع عرض بها ٢ كيلومتراً ونصف، وأعظم عمق بها ٢٦٢ متراً، وهي محاطة بالجبال المثمرة والصخور.
ولم يزل الزورق يسبح بنا نحو ساعتين إلى أن وصلنا إلى موضع جيسباخ فصعدنا على البر فإذا هو منحدر جبل ركبنا منه عربة بخارية صعدت بنا أعلاه بهيئة عجيبة، وذلك أنهم أوصلوا من أعلى الجبل قضبان حديدية إلى ذلك المنحدر تحملها قوائم سميكة، وحولها حواجز
стр. 75
بحيث تصنع ضلعاً أكبر مقابلاً لزاوية منفرجة أحد ضلعيها الجبل، والآخر المنحدر، وتصعد عليها العربة بواسطة حبال، تسحبها آلة بخارية في أعلى الجبل، ومذ صعدنا ألفينا حرشاً صغيراً مستوراً بالأشجار، وحوله الجبال شامخة، وشمنا غديراً ينصبُّ من أعلى كشلال، ويتكسر على الصخور بقوة عظيمة، حتى يصب في تلك البحيرة المذكورة صانعاً عليها قوساً منحنياً، ويسمى الجبل الذي ينحدر منه ذلك الغدير بالقرن الأسود، وارتفاعه عن سطح البحيرة ٣٥٠ متراً وكلمة جيسباخ معناها (الغدير المنصَبّ).
إلى لوتسرن
هذا ولما انتعشت منا الخواطر بحسن تلك المناظر، مددنا يد الوداع راجين عودة التلاق بعد ذلك الفراق، فبارحت ذلك الموضع قاصداً مدينة لوتسرن وبينما ينهب القطار الأقطار إذا رأيت من نفسي بعض توعك فعرجت على قرية وسط الطريق تدعى ميرنجن ونزلت بأوتيل بها صغير قد أقيم من الأخشاب، دعوني سادتي أصف لكم قاعاته التي ما وجدت أطرب منها مدة حياتي، تميل حيطانها ولا تمايل الأغصان، إذا تحرك به الإنسان، فهي في الواقع كما قيل في وصف المثيل.
تُسارِرُها هَفَوات النسيم ... فتصْغي بلا أذن سامعة
وأخشى بها أن أقيم الصلاة ... فتسجد حيطانها الراكعة
стр. 76
إذا ما قرأتُ إذا زلزلت ... خشيت بأن تقرأ الواقعة
أما سرر النوم فتزدري بالصخور صلابة، وقد امتلأ قلبها قساوة، بألحفة قد صنعتها يد البخل والقل، وعلى قدرها تُمَدُّ الأرجل، وبالجملة فقد قضيت بها الليلة ما كان أهناها وأصفاها وأبهاها وأحلاها، ليلة ولا كليلِ صُولٍ على حُنْدُج حيث قال وهو من شعراء الحماسة:
في ليلِ صُولٍ تناهى العرضُ والطولُ ... كأنما ليله بالليل مَوْصولُ
لا فارقَ الصبح كفِّي إن ظَفِرْتُ به ... وإن بدت غُرَّة منه وتَحجيل
ومذ انفلق عن طولها الفجر بعدما نفد الصبر، ولاح الصباح، ولمع من الطير الجناح نزلت تلك القرية لأخبر شأنها فأرتني منها مناظر حسنة، حيث هي في وادٍ عظيم يشقه نهر آر وتتشعب فيه غدران وجداول، ولمحت من بعد جبلاً قد تعَرَّض، فقصدته حتى إذا قربت الخطوة منه شاهدته جبلاً قد انشقَّ قسمين من أعلاه إلى أسفله، وقد جرى بينهما آر المذكور بقوة عظيمة وهيئة عجيبة فسرتني رؤيته لاسيما ما صنعته يد الإنسان فيه، حيث أقاموا بين ذلك الشق طريقاً من الحديد لها حواجز تسهيلاً للمتفرجين، فصعدت عليها ضمن الصاعدين، وسرنا والنهر يجري تحت أرجلنا، ونحن بين جبلين يكادان يتعانقان حتى خرجنا إلى طريق أخرى مكبرين
стр. 77
استعظاماً لعجائب الطبيعة والقدرة الإلهية، وهذا المحل يسمى آر شلوخت، ومعناه شق. نهر آر ارتفاعه ٩٢ متراً.
ثم عمدت إلى مبارحة تلك القرية بعدما غفوت عن ليلتها بما أراني نهارها حتى وصلت إلى مدينة لوتسرن، ومكثت بها يومين، فإذا هي مدينة ما رأيت أحسن من موقعها، فتراها صانعة نصف دائرة على بحيرة عظيمة، ويمر بها نهر يقال له ريس حتى يتصل بتلك البحيرة جبلان وهما جبل ريجي وجبل بلاتوس، وتسمى فير فالدشتيته زيه ومعناه بحيرة بلاد الأحراش الأربعة وهي مواضع محاطة هي
بها وهي شفيتس وأورى وأنترفالدن ولوتسرن. ثم إن هذه المدينة تسمى لوتسرن كما علمت وهي كلمة لاتينية معناها الفنار سميت باسم فنار أقيم قديماً على نهر ريس لاهتداء الملاحين، وعدد سكانها ١٨٠٠٠ نفس، والتجارة فيها رائجة لتمكن موقعها الجغرافي من البلاد، ولأهلها شهرة بصناعة النجارة، فيصنعون من خشب الجوز أشكالاً عجيبة، ولهم فيه تفنن ما رأيته لغيرهم.
تمثال الأسد
أما أهم ما شاهدته فيها فهو تمثال الأسد المشهور، ولأقدم لك مقدمة قبل وصفه، فأقول: لما كانت خيرات بلاد سويسرا
стр. 78
في القرون السالفة غير كافية لمعيشة أهلها كان يهاجر كثير منهم إلى الممالك التي حولها طلباً للرزق، ثم يعودون بما اكتسبوه، وقد اتخذت الممالك كثيراً منهم في خدمتها لما رأوه فيهم من القوة وطيب الأخلاق، ومن ذلك أن لويز السادس عشر ملك الفرنساويين أعد منهم فرقة لحرسه الخصوصي ثقة بأمانتهم وخوفاً من الفرنساويين، إلى أن حصل الانقلاب الكبير بفرنسا، حيث قام الفرنساويون على ملكهم هذا، وأرادوا عزله على ما كان عليه من حسن السير وسماحة السجية، فدافع عنه حرسُه الخصوصي المنتظم من أهل سويسرا حتى قتلوا جميعاً، وكانوا ٢٦ ضابطاً و٨٦٠ نفراً عسكرياً، وكان ذلك بمدينة باريس في ١٠ أغسطس سنة ١٧٩٢ ميلادية، ولأجل ذلك أقامت أهل سويسرا هذا التمثال تذكاراً للذين فدوا سيدهم بأنفسهم، وكيفيته عجيبة جداً، وذلك أنهم نقروا في صخرة من جبل كهفاً فيه تمثال أسد رابض ميت، وهو قطعة من تلك الصخرة طوله ٢٨ متراً ونصف، وبيده طِرْس عليه علامة عائلة ملوك فرنسا المسماة بالبربون، وبظهره قطعة رمح منغرزة إشارة إلى أنه قد أصيب به، ومكتوب فوق ذلك الكهف هذه الجملة اللاتينية ومعناها لأمانة وشجاعة أهل سويسرا ومَرْقومُ أدناه أسماء الضباط الذين قتلوا بهذه الحادثة.
بحريات وأنهار
وشاهدت أيضاًَ محلاً فيه صخور عظيمة منقورة كأنها الأجران،
стр. 79
يقال إنها من تأثير الثلوج في الزمن القديم حينما كان شمال أوروبا مستوراً بالجليد، ولا يعلم لذلك الزمن تاريخ، وألفيت بذلك المحل خريطة سويسرا الجغرافية وهي لطيفة الصنع، وذلك أنها مصنوعة من الورق المقوى بارزة المواضع إشارة إلى الجبال على نسبتها الحقيقية، وبينما البحيرات والأنهار عجيبة الشكل، وهي كبيرة المساحة موضوعة على قاعدة عظيمة محاطة بحواجز خشبية، وبينما كنت أشاهدها ضمن المتفرجين أقبلت علينا شابة تتهادى في سن العشرين وبيدها عصا طويلة، وأخذت تعلمنا جغرافية سويسرا، وتشير إلى المواضع من البلاد والجبال والبحيرات والأنهار إلى غير ذلك مع ذكر أسمائها، فلم يكن عجبي من حسن صناعة تلك الخريطة أشد من سروري بنباهة معلمتنا هذه.
الاسترقاق الغربي
ثم بارحت المدينة في سفين جرى بنا في البحيرة المذكورة آنفا بين جبال صخرية ومروج زاهية، فصرت أمعن النظر في جهاتها وموضعها لشهرتها في تاريخ سويسرا القديم تطبيقاً للتاريخ على جغرافيتها، وقد أحببت أن أوافيكم بأهم تاريخه: فأقول:
لقد كانت الإمبراطورية الجرمانية في القرون المتوسطة واسعة الأرجاء كثيرة البلاد فكانت تمتدُّ من الشمال إلى الجنوب، من بحر بلطيك إلى البحر الأبيض المتوسط، بما فيها مملكة إيطاليا، ومن الشرق إلى الغرب من حدود مملكة
стр. 80
الروسيا إلى حدود فرنسا، وكان لها صولة عظمى ولحكامها قساوة كبرى في معاملة غير جنسهم، فكانوا يتخذون من أهالي إيطاليا ومن القاطنين حول بلاد سويسرا أرقَّاء
لهم، ومن بعض عوائدهم التي كانوا عليها أن الرقيق إذ تزوج يجب عليه أن يقدم عروسه لسيده قبل البناء بها، والعياذ بالله إلى غير ذلك من الأحوال الدنيئة التي كانت السبب الأقوى في سرعة إبطال الاسترقاق ببلاد أوروبا بحكمة تفاقم العدوان، ومن ذلك تعلم أيضاً السبب في مكث الاسترقاق ببلاد المشرق إلى عهد قريب، وما ذاك إلا حسن معاملة المشرقيين لأرقّائهم حتى إن الرقيق منهم كان يؤثر البقاء لدى سيده إذا خُيِّر بينه وبين العتق. وعلى كل فقد استؤصلت، والحمد لله، شأفة الاسترقاق في هذا الزمان.
جغرافية سويسرا
هذا وكانت جغرافية سويسرا وقتئذ لا تزيد عما أحاط بتلك البحيرة المذكورة من الجبال والأودية، وكانت تنقسم إلى ثلاثة أقسام، يعد كل منها الآن كونتينة، وهي كما علمت قسم شفيتس بكسر الفاء الهندية، ومنه أخذ اسم سويسرا ولذلك ينطق الألمانيون بها بقولهم شفيتس بفتح الفاء القسم الثاني أورى والثالث أنترفالدن وكان ساكنو تلك الجهات ما بين: زارع، وراعٍ، وصائد للحيوانات الوحشية المأكولة لهم أولي قوة وبأس، يميلون بطبعهم إلى الحرية، لا يلقون بأنفسهم
стр. 81
إلى التبعية لمملكة أو حكومة، ولكن اضطرتهم صولة المملكة الجرمانية إلى أن تبعوها تبعية شرف، وأجازوا لقيصر جرمانيا أن يوَلِّي على كل قسم والياً بصفته قاضياً يحكم بينهم بقانونهم بشرط أن لا يمسّ بحقوقهم وعوائدهم الشخصية، وكان ذلك في أواخر القرن الثاني عشر من الميلاد إلى أن تولَّى القيصر البرشت الأول على مملكة جرمانيا فأزمع على أن يستولي على تلك الجهات، ويدخلها ضمن بلاده، فولّى على قسم شفيتس والياً قاسي القلب يسمى جسلر فعامل أهلها معاملة رديئة، وكان من أمره أن أمر ببناء بروج في كل قسم لتكون سجوناً وسخر لبنائها الأهالي، ولما تفاقم عدوانه اجتمع ثلاثة من أشراف تلك الأقسام، واستصحب كل منهم
عشرة رجال، وخرجوا ليلاً إلى مرج يقال له روتلى وتآخوا وتحالفوا على أن يطردوا الولاة الجرمانيين من بلادهم، وسموا أنفسهم المتحالفين، وكان من رأيهم التسويف حتى يدخل أغلب الأهالي في تحالفهم هذا وتفرقوا على ذلك، وكان هذا التحالف في ٧ نوفمبر سنة ١٣٠٧ ميلادية، وأهل سويسرا يعظمون ذلك اليوم من كل سنة فهو كعيد لديهم.
السهم والتفاحة
هذا ما كان من أمرهم، وأما ما كان من الوالي جسلر فإنه لم يزل يتمادى في أعماله، ومنها أنه أمر بإقامة قائمة من الخشب في أحد الميادين العامة بقرية يقال لها
стр. 82
ألتورف عاصمة قسم أورى ووضع على تلك القائمة قلنسوة إشارة إلى أنها التاج الملوكي لجرمانيا، ووكل بها حامية شاكين السلاح ليأمروا كُلَّ مَنْ مرّ من الأهالي بأن يُطأطئ من رأسه خضوعاً لتلك القلنسوة، إلى أن مرّ عليها ذات يوم صائد مع ابنه معتقلاً رمحه يسمى فيلهلم تل وكان مشهوراً بالشجاعة والحذق في الرمي فأخذ في طريقه غير مكترث بالقلنسوة، فتعرضت له الحامية، وأمروه بأن يخضع لها، فرفع بصره إليها ضاحكاً مستهزئاً، وأبى ما أشاروا عليه، فأوثقاه بالحبال، وقد علم بذلك كثير من الأهالي، فهرعوا إليه وغصَّ بهم الميدان، وبلغ ذلك الوالي جسلر فجاء بين رهط من العساكر، وأخبرته الحامية بشأن فيلهلم تل فضحك ضحك غضوب، وأمر بحل وثاقه، ثم قال له تهكماً:
أأنت البطل الرامي المشهور؟
فأجابه بنعم.
قال: إذن أريد منك أن تريني مقدار حذقك فيه.
فقال: سمعاً وطاعة.
وأمر جسلر المذكور بإحضار تفاحة، فلما حضروا بها التفت إلى فيلهلم تل، وقال
له:
ضع هذه التفاحة على ناصية ولدك، وابعد عنه بمقدار خمسين خطوة، فإن أصبتها حققت مالك من الشهرة.
فصاح الجميع استعظاماً لذلك الأمر، ومازال فيلهلم تل يقع على أقدامه باكياً مستغيثاً، يطلب العفو خوفاً مما عسى أن تفلت يده فيصيب ابنه، وهو لا يأبى إلا ما أمر به حتى إذا علم فيلهلم تل أن لا مناص
стр. 83
منه، أخرج رمحين، وبعد عن ولده خمسين خطوة، ورمى بأحدهما التفاحة، فأصابها بدون ضرر لابنه، فصفق الجميع استحساناً، وأما جسلر فإنه دعاه إليه وقال له:
لماذا أخرجت رمحين وكان يكفيك أحدهما؟
فقال:
إن أمَّنتني على نفسي أبين السبب.
فأجابه إلى طلبه، فقال:
كنت إذا أصبت ولدي بأحدهما أتبعك بثانيهما.
فتبسم جسلر تبسم غضنفر، وقال:
لولا ما أمنتك على حياتك.
وأمر بأن يوثقوه حبالاً، ويتبعوه به، وسار جسلر إلى البحيرة، ونزل زورقاً قاصداً شفيتس ومعه بعض من العساكر وفيلهلم تل موثق، وبينما الزورق يسبح بهم إذ قامت زعازع اضطربت لها الأمواج، وخافت الملاحون من الغرق، وأشاروا على جسلر بأن يحلوا وثاق فيلهلم تل ليساعدهم على التقذيف لمعرفته التامة به، وقد كان، فأخذ فيلهلم يقذف معهم حتى إذا أتى قريباً من البر قذف بنفسه إلى صخرة وأخذ طريقه هارباً، وإلى النجاة طالباً. وبعدما وصل الوالي جسلر إلى مكانه أمر بالقبض عليه أينما كان وعلى زوجته وأولاده، ولما علم بذلك فيلهلم تل تربص
ذات يوم في معاطف الجبال على طريق يعلم أن جسلر سيمر بها، وبينما هو كذلك إذ مر الوالي جسلر راكباً فرساً، ويتبعه أحد خواصه، وقد اعترضت له في الطريق امرأة من أهالي سويسرا، قد أخنى عليها الدهر تسوق أطفالاً لها عرايا
стр. 84
تستغيث وتسترحمه في إطلاق زوجها من السجن لفقرها المدقع، قائلة إنه لم يأتِ بشيء سوى أنه تأخر يوماً عن الذهاب إلى السخرة، فأبى طلبها، وأمر بطردها، فقبضت على زمام فرسه، وطلبت إما إطلاق زوجها أو قتلها مع أولادها، وبينما هو بهذه الهيئة، وإذا بفيلهلم تل قد أصابه برمحه فسقط طريحاً على الأرض.
ولما شاهدت ذلك الأهالي نادوا بكلمة الحرية، وطردوا باقي الولاة من بلادهم واستقلوا بالأمر، وعظموا من قدر فيلهلم تل كثيراً حتى إن عامتهم إلى الآن تشغف بذكره وقصصه كشغف عامتنا بقصص عنترة بن شداد وأبي زيد الهلالي وغيرهما، ولكن يوجد اختلاف بين المؤرخين الآن: فمنهم من ينكر هذه الحادثة، قائلاً إن فيلهلم تل لم يكن له وجود في العالم، ومنهم من يثبت وجوده ويؤيد حصول هذه الواقعة.
ولم تزل أهل سويسرا مستقلين إلى أن مات قيصر جرمانيا ألبرشت ومذ تولّى ابنه المسمى ليوبولد أراد أن يعيث في بلادهم، فقصدها سنة ١٣١٥ ميلادية، وبينما جيشه يسير بين معاطف الجبال إذا احتاط به أهل سويسرا، ورجموهم بالأحجار من أعلى الجبال، فكانت حجارة سجيل إلى أن انتصروا عليهم، وأخرجوهم من حدود بلادهم، وكانت تلك
стр. 85
الواقعة في بلدة يقال لها مورجارتن.
وفي سنة ١٣٨٦ أضرمت مملكة النمسا فيهم نار الحرب ببلدة يقال لها سمباخ ولكن ما أجداهم ذلك شيئاً، ورجعوا بخفي حنين، راضين من الغنيمة بالإياب.
نحو قمة افريست
هذا ولم يزل السفين بنا يجري حتى وصلنا إلى قرية يقال لها فتسنو ومنها بدون
ما واسطة نزلنا عربة بخارية لتصعد بنا في جبل ريجي الشاهق كي تصل بنا إلى ذروته المسماة ريجي كلم فتسنمت بنا وكل معجب بهيئتها العجيبة، وذلك أن عجلاتها ذات تضاريس، تتعشق بطروس القضبان الحديدية لكي يمكنها الصعود على ذلك الجبل الباذخ، وأعلى ارتفاع نقطة صعدت عليها الباخرة هي ٢٥ درجة من زاوية قائمة بمعنى أنه لو كانت ٩٥ درجة لكان الجبل منتصباً مثل الحائط.
ولم تزل تصعد بنا حتى علونا ذروته ومنها شاهدنا مناظر للطبيعة تكاد تنطق بحسنها، وتتباهى بجمال موقعها، فرأيت ذلك الجبل محاطاً بثلاث بحيرات: إحداها التي ذكرناها آنفاً، وثانيتها يقال لها تسوجرزيه أي بحيرة تسوج وثالثها لوفرتسرزيه أي بحيرة لوفرتس، وجهته الجنوبية مشغولة بأشجار التين واللوز والقصطل، وبه مروج متسعة مسكونة لرعاة البقر، وبلغني أن به ٤٠٠٠ بقرة يتعهدونها لأخذ ألبانها.
стр. 86
أما ارتفاع ذلك الجبل عن سطح البحر المحيط فهو ١٨٠٠ متر وعن سطح البحيرة المتقدم ذكرها ١٣٦٣ متراً، ويطرق هذا الجبل كثير من الغرباء لحسن موقعه، وجمال منظره ويبيتون بذروته في أوتيلات إلى الصباح كي ينظروا محاسن الطبيعة عند شروق الشمس، ولما كنت خبيراً بحسن إشراقها، وجمال أشعتها أيام عهدي بالوطن العزيز قصدت النزول والانحدار إلى نقطة أخرى، فقلتني ضمن السياحين عربة بخارية كالسابقة وانحدرت بنا، وكل يجد من نفسه كأنه يميل إلى الوقوع، لا سيما مذ تعرض لنا في الطريق مَهْوى عميق، سارت العربة فوقه على قضبان كأنها الجسر، وينحدر فيه غدير انحداراً قوياً، وعرض ذلك المهوى ٣٦ متراً.
ولا تسلني عن السيدات والأطفال وقتئذ، وقد استمسك كل بالآخر يضحكهم الخوف ويطربهم الفزع، ولم نزل نعجب ونطرب حتى استقامت لنا السبيل، فنزلنا في بلدة
يقال لها أرت ومنها إلى قطار سار بنا على عجل قاصدين مدينة تسوريخ مركز الفنون والصنائع.
استقبال في تسوريخ
فنزلت بها، وقد آذنت الشمس بالغروب، وبت بها ليلتئذ متفكراً في أعمال الوسائط التي تمكنني من مشاهدة مدارسها، واستكشاف أحوالها، وطرق تعليمها، ولما أصبح الصباح علمت أن بهذه المدينة مكتباً أقامته الحكومة والأهالي للغرباء الذين يريدون الاستفهام عن الأحوال التجارية أو الصناعية
стр. 87
أو العلمية، فقصدته حتى إذا كنت به اتجهت إلى حضرة مديره، وسألته عن الوسائط في ذلك، فلم يزدني علماً إلا بمواقعها من المدينة، فتشكرت له وأردت الخروج، فطلب مني تذكرة زيارتي لتقييد اسمي في دفتر كعادتهم مع الغرباء، فناولته إياها، ومذ قرأها انتصب قائماً يطلب مني العفو، وأجلسني بجانبه قائلاً: لقد كانت رؤياك إحدى أمانيَّ، حيث سمعت بوجودك ببرلين، وإني أحمد الله عليه الآن، فقدمت له جزيل شكري، وجميل ممنونيتي.
ومذ دار بيننا الحديث بشأن مشاهدتي للمدارس أجابني بالقبول.
وبالجملة فقد مكثت بتلك المدينة خمسة أيام صحبني فيها حضرته، وبعض من مفتشي المدارس ونظارها وكثير من المعلمين وناظر محطة المدينة، ولازمني أغلبهم حين مشاهدتي للمحلات العمومية.
وكتبوا في جرائدهم بقدومي ومبارحتي، وأعدوا لي وليمة قام فيها أغلبهم خطباء، ثم شربوا كؤوسهم على صحة مولاي الجناب الخديو الأعظم، فقمت متشكراً لهم رافعاً يدي قائلاً: ليدم تحالفكم وأمراؤكم مراراً ولما شِمْت أني مغمور بفضائلهم أعددت لهم وليمةً قمت فيها خطيباً مظهراً فخارهم، وأبهة حكومتهم، وتقدمهم في العلوم والصنائع.
стр. 88
ومن غريب ما كان أيامئذ أن جاءني أحد محرري الجرائد وطلب مني صورتي لطبعها بجرائدهم، فقدمت له اعتذاري بعدم وجودها لدي، ورغبت منه أن يضرب عن ذلك صفحاً، ثم في اليوم الثاني أتاني صاحب الأوتيل، ومعه جريدة، وصار ينظر فيها تارة ويتفرس فيَّ تارة أخرى، ثم ناولني الجريدة فإذا بها صورة مرقوم تحتها اسمي، وهي مخالفة لصورتي الحقيقة فتأثرت لمشاهدة ذلك تأثراً عظيماً.
مخزن الكتب المدرسية
هذا وأما ما شاهدته بتلك المدينة فمدرسة البنات، وقد سررت منها سروراً عظيماً؛ لا سيما من فصول تعليم الخياطة والتطريز والآلات المعدة لذلك المصنوعة بهيئة ترتاح لها البنات وتسهل عليهن الأعمال.
ثم عاينت مخزن الكتب المدرسية، وقد مكثت به يوماً أو بعض يوم، فتصفحت الكتب الابتدائية والانتهائية على اختلاف العلوم والفنون كلا على حدته، وعلمت كيفية سير تأليفها وتقسيم موضوعاتها، وأطربني منها كتب علوم الحساب والهندسة، والطبيعة، والمطالعة، وفن الإنشاء، فإنها آخذة طريقة تكفل لمستعملها بالنجاح مع السهولة. وفي أثناء معاينتي لها قال لي ناظر المخزن نحن مأمورون بأن نعطيك كل كتاب يروقك ويعجبك هدية من إدارة المدارس، ومكتب الغرباء، فقدمت له
стр. 89
شكري الجزيل معتذراً، ثم خرجت وقد امتلأ دفتر تذكاري من الملاحظات التي قيدتها بشأن تلك الكتب.
ومن جملة ما شاهدته أيضاً محل نموذج الأدوات المدرسية القديمة والحديثة، فألفيته محلاً ذا قاعات عرضوا بها نموذج الأدوات المستعملة في التعليم، كآلات التطريز، والرسم، والتصوير، وأجناس الطاولات والكراسي بهيئة تكفل براحة التلامذة، ونموذج الآلات المستعملة في فن الفلك وعلم الطبيعة، ومثلها آلات تحضير الأجسام الكيماوية، وأجناس الأقلام الإفرنجية، وغير ذلك مما لست
أحصره.
ولولا ضيق المقام لأتيت على وصف جميع ما شاهدته من الأحوال المدرسية بتلك المدينة، ولكن سأوضح ذلك شيئاً فشيئاً عند سنوح الفرصة في رحلتنا البرلينية إن شاء الله تعالى.
ولما آن وقت مبارحتي تلك المدينة شيعني جم خفير من حضرات الذين تعرفت بهم، وأبى حضرة ناظر المحطة إلا أن ينزلني في عربة من الدرجة الأولى، على أنى كنت آخذاً اشتراكاً في جميع السكك الحديدية والبحرية في الدرجة الثانية.
وبالجملة فقد ودعتهم وداع شاكر ممنون مما لحظوني به من كمال العناية والاحترام، ولم تزل الرقاع بيننا متواصلة إلى الآن.
نبذة عن تسوريخ
أما هذه المدينة فتسمى تسوريخ وكانت تسمى لدى
стр. 90
الرومانيين توركوم وهي عاصمة كونتينة مسماة باسمها، وعدد سكانها مع ضواحيها ٨٥٠٠٠ نفس موضوعة على شمال بحيرة تدعى باسمها، ويمر بها نهر يقال له لمات حتى يصب في البحيرة المذكورة.
وهي مركز أعظم الصنائع والتجارة بقطر سويسرا، وأهمها الحرير والقطن، فيوجد بولايتها ١٠٠٠٠ مِنْوال لنسيج القطن والحرير، وبها معامل لصنع المراكب البحرية كما أنها نقطة معارف سويسرا، وتوازيها مدينة جنيف، فبها مدرسة جامعة بها ما ينوف عن ٤٠٠ طالب، و ٨٨ مدرساً ومدرسة صناعية، وأخرى زراعية، ومدرسة كبرى للبنات والتعليم فيها بأجمعها له نجاح عظيم وشهرة كبرى، وقد تخرج في مدارسها علماء لهم اليد البيضاء في تقدم العلوم والفنون، ولو لم يكن لهذه المدينة شرف سوى أنها بلدة العالم الشهير المسمى لديهم بستالوتسي لكفى؛ وذلك أن هذا العالم هو أول من أخرج علم التربية البيداجوجيا
من العلم إلى العمل، عاش في أوائل هذا القرن الميلادي، وكان في ابتداء أمره يشتغل بتحرير حكايات وقصص، ثم اشتغل بمطالعة كتب الفيلسوف روسو الفرنساوي، ومن وقتئذ اجتهد في تحقيق علم النفس ونسبته إلى الجسم، وكيفية التربية، وألف في ذلك كتباً مفيدة باللغة الألمانية،
стр. 91
وأسس مدارس كثيرة حتى اشتهر ذكره في الآفاق، وقصده الملوك لمشاهدته احتراماً له، والعلماء للأخذ عنه، وعلى منوال طريقته نسجت علماء التربية في عصرنا هذا.
أما روسو الفرنساوي فكان مولده بمدينة جنيف في أواخر القرن الماضي الميلادي، وكان فيلسوفاً شهيراً اشتغل أولاً بعلم التربية، ثم تبحر في الفلسفة العامة حتى تشتتت لديه مقاصدها، ومن أخباره أن أكاديمية الفنون بباريس وقتئذ عرضت سؤالاً على العلماء طالبة الجواب عنه، وجعلوا لذلك جائزة، وهذا السؤال هو (تأثير التمدن في التربية)، مدعياً أن الإنسان مفطور على الخير، وإنما التمدن يكسبه الرذائل إلى غير ذلك، وفي أواخر عمره ألف كتاباً باللغة الفرنساوية قال في مقدمته ما معناه: لقد أتيت فيه بما لم يأتِ به أحد قبلي، ولن يأتي أحد بمثله من بعدي فكان كما قال؛ وذلك أنه وصف ترجمة حياته وأعماله منذ نعومة أظفاره، وباح بسر ضميره وأخلاقه التي كان عليها سواء سيئها وحسنها.
هذا ولم يزل القطار يحل آفاقاً، ويقطع أقطاراً حتى أوصلنا إلى بحيرة يقال لها بودن زيه ومعناه بحيرة بودن فنزلنا بها
стр. 92
تقلنا باخرة بحرية قاصدين حدود مملكة بفاريا مودعين حدود بلاد سويسرا متذكرين محاسن طبائعها، وجميل مواقعها.
أما هذه البحيرة فعظيمة جداً، وهي مصب ومنصرف نهر الرين يبلغ محيطها ١٥٠ كيلومتراً، وطولها ٦٤ كيلومتراً، وعرضها ١٢ كيلومتراً تقريباً، ومساحة سطحها ٥٣٩ كيلومتراً، وأعظم عمق بها ٢٥٥ متراً محاطة بأكمات ومروج، وينصرف فيها نهر الرين، ثم يخرج عنها صانعاً شلالاً يعد أعظم شلالات
أوروبا.
ثلاثة آلهة
هذا وحينما حان وقت الظهيرة مدت مائدة الطعام على سطح الباخرة فاحتطنا بها، وقد دار بيننا الحديث حتى إذا علموا أني مصري أخذنا في التكلم على البلاد المشرقية والمغربية، وكان من ذلك أن التفتت إليَّ سيدة كانت أمامي، وقالت على مرآى من الحاضرين ومسمع: ألم يكن حقاً أنكم أيها العرب تعبدون إلهاً غير الذي نعبده نحن؟ فأخذني الضحك، وظننت أنها تهزل، وسألتها:
لماذا؟
فقالت:
لقد تعلمت في المدرسة، وطالعت في الكتب أن إلهكم يسمى (الله) وأما إلهنا فيسمى جوت وهو اسم الجلالة باللغة الألمانية.
فحين طرق سمعي كلامها تيقنت أن ذلك مزح صرف، وقلت لها ضاحكاً:
دعينا سيدتي من هذا المزاح في الألوهيات، فما ازدادت إلى يقيناً، وصارت تطلب مني التصديق على قولها. فقلت لها وكنت حريصاً على مزاجها:
стр. 93
سيدتي أنا لا أشك في أنك تهزلين، وعلى ذلك فَأذَنِي لي بأن أقدم مزحي؛ وذلك أنه يوجد، وأستغفر الله، ثلاثة آلهة إله العرب ويسمى (الله) وإله الألمانيين ويسمى (جوت)، وإله الفرنساويين ويسمى (ديو
فاضطرب الجمع ضاحكاً معتبرين ذلك مزاحاً حرصاً على مزاجها.
مملكة بافاريا
ولم نبرح حتى لاحت لنا حدود مملكة بفاريا فنزلنا بلدة تدعى لندو بجزيرة صغيرة قد امتد بينها وبين برِّ هذه المملكة جسر عظيم كبري ولم نلبث بها إلا دقائق، ثم
سرنا بطريق السكة الحديدية، قاصدين مدينة مينك عاصمة هذه المملكة، وفي تلكم الأثناء كان أمامي رجل بالعربة تلوح عليه سيما الوقار، وشمت منه شغفاً بتعرفي، فدار بيننا الحديث، ثم علمت أنه قسيس بروتستانتي من مملكة النمسا، وحينما عرضت عليه اسمي أخذ يتفرس، ثم اندفع قائلاً: أأنت فلان الذي أتى برلين منذ سنتين؟ لقد كنت أحسب أنك ضخم الجسم طويل القامة ذو لحية بيضاء تضرب إلى صدرك، وعمة عظيمة مثل علماء المشرق، فقلت: نعم، كان كذلك القاضي الفاضل رحمة الله عليه.
ثم أخبرني أن أحد القسيسين ببرلين كتب له بشأني، وأنه كان من أمانيه مشاهدتي، والتعرف بي للمباحثة في الدينيات.
стр. 94
وبالجملة فقد عقدنا الصحبة بيننا، ولما وصلنا مدينة منيك، وقد أقبلت عساكر الليل وانهزم جيش النهار نزلنا معا في أوتيل واحد، ولما أصبح الصباح رافقته في مشاهدة هذه المدينة إلى أن أخذت الشمس وجهة المغرب، فعدنا إلى مقرنا، وقضيناها ليلة بلغ فيها الجدال بيننا أوجه في المسائل الدينية، وكان كل منا حريصاً على آداب البحث، فأخذته بالبراهين العقلية السياسية ناظراً إلى الفطرة والطبيعة والعادات، مظهراً له السر الإسلامي الذي خفي عن إدراك أغلبهم، وفي الانتهاء نظر إلي، ومدَّ يده يريد مصافحتي قائلاً لي: برافو (بخٍ بخٍ) ليعش مثلك لدينك. ولما باح الصباح بسره ودعني آخذاً طريقه في السفر، ولم تزل الرقاع تتواصل بيننا إلى الآن.
ثم عمدت إلى مشاهدة هذه المدينة فشمتها مدينة عظيمة منتظمة الطرقات واسعتها، ولا يخفى أنها عاصمة مملكة بفاريا موضوعة على مستوٍ عال مرتفع عن سطح البحر المحيط بمقدار ٥١٩ متراً، ولذلك يكثر بها البرد، وهواؤها كإقليمها يتقلب سريعاً من الحرارة إلى البرودة وبالعكس، ويمر بها نهر يقال له آزار الذي يصب
في نهر الدانوب (الطونة).
أسسها دوق ألماني يقال له هنري الأسد سنة ١١٥٨ ميلادية، واشتهر ذكرها في عصر ملكها المسمى لويز الأول الذي
стр. 95
تولّى سنة ١٨٢٥؛ حيث كان محباً للصنائع حتى صارت هذه المدينة أهم مركز للصنائع الألمانية، وكان شغوفاً بالشرع والإنشاء، مائلاً إلى التغيير والتبديل حتى قيل إنه أراد أن يغير من صورة الحروف الألمانية، وفي أواخر عهده أكرهته الأمة على التنازل حيث أعطى زمام السلطة لعشيقة له كانت مغنية إسبانيولية، فتولّى بعده ابنه مكسيمليان إلى سنة ١٨٦٤ وفيها جلس لويز الثاني فأزمع على التزوج بأخت إمبراطور النمسا الحالي وخطبها منه، وفي تلك الأثناء حدثت أحوال كَرِه لأجلها التزوج، فعاش وحيداً حزيناً، ولكن وجه أنظاره إلى إتقان المباني، فأقام قصوراً حسنة، وصنع بستاناً بقصره الخصوصي بتلك المدينة أجرى فيه بحيرات صناعية وشابَه به الطبيعة، فأقام فيه شمساً وقمراً ونجوماً كلها صناعية يُسَيِّرها حسب أمره، وكانت الموسيقى تعزف له به ليلاً ونهاراً، ولما تفاقم أمره عزلته الأمة ولازمة الأطباء لتشتت عقله، وبعد حين ألقى بنفسه في بحيرة بقصره فمات غريقاً هو وأحد أطبائه.
ثم تولّى بعده أخوه المسمى أتو وهو المالك الحالي، ولكن بحالة يأسف الإنسان عليها لأنه أصيب أيضاً في القوة المخيِّلة حتى إنه لا يدري أنه ملك، وينوب عنه الآن في الملك عمه المسمى لويدبولد وتسمى هذه المدينة باللغة الألمانية منخن السبب في ذلك أنها كانت قديماً ديراً للرهبان واسم الراهب بلغتهم
стр. 96
منخ ولذلك قد جعلوا صورته علامة على هذه المدينة، فتراها مصورة على كثير من المباني والمحلات العمومية، والحالة المدنية بها حسنة جداً، ففيها كثير من الصنائع المختلفة الشهيرة لا سيما صناعة التصوير، ويقال إن مدرسته بها من أحسن المدارس، ويعنون بالمدرسة في علم التصوير الطريقة، وبها مدارس علمية تحت
نظارة المعارف ناجحة كثيراً لاسيما المدرسة الجامعة، وبها أكاديمية للفنون وغير ذلك، والتعليم فيها وفي مدارس المملكة عام بمعنى أن الآباء يلزمون بإرسال أولادهم إلى المدارس. وعدد سكانها ٢٧٥٠٠٠ نفس وأغلبهم كاثوليكيون ولا يخفى أن مشروبهم البيرة، ولها معامل بتلك المدينة شهيرة بجميع الآفاق، ولذلك ترى محلات البيرة في جميع البلاد مصوراً عليها صورة راهب رافع بيده قدحاً مملوءاً بيرة، وما ذاك إلا إشارة إلى أنها من معامل مدينة منخن كما علمت. أما ما شاهدته بها فليس بكثير لأن تغير هوائها عاقني عن معاينتها، ولكن شاهدت متحفين أحدهما متحف التصوير، وقد عرضوا فيه صوراً تشهد لصانعيها بالتقدم، والآخر متحف الآثار القديمة، وأخص منها التماثيل الحجرية، ففيها بعض تماثيل المصريين الأقدمين والرومانيين واليونانيين منها ما هو حقيقي، ومنها ما هو صناعي تقليدي.
стр. 97
القصر الملكي
ثم توجهت إلى القصر الملوكي، فدخلته ضمن المتفرجين، ولم نشاهد منه سوى محل يقال له قاعة الكنز وقد عرضوا فيه المصوغات والجواهر والأحجار الكريمة التي كانت مستعملة للعائلة الملوكية، ولقد أصابوا في تسميته كنزاً، حيث جمع مجموعاً عظيماً من الجواهر التي بسببها كدت أصدق بكنوز السالفين التي وردت في الحكايات والقصص الخرافية.
ثم حركت الأقدام إلى تمثال عظيم أقاموه خارج المدينة يسمى تمثال بفاريا ارتفاعه ١٩ متراً، وهو من النحاس المجوف، على صور امرأة رافعة بيدها اليمنى غصناً، وبجانبها أسد رابض، ثم صعدت في جوفه ضمن الصاعدين على درجات من الحديد حتى وصلنا إلى مجوف الرأس فألفيناه يسع خمسة أشخاص واقفين.
أسس هذا التمثال الملك لويز الثاني تذكاراً لمملكة بفاريا وهذه الكلمة لاتينية واسمها
باللغة الألمانية بيئرن وهي أهم مملكة جرمانية بعد البروسيا.
في نرنبرج
ثم ودعت تلك المدينة بطريق البر حتى وصلت إلى أقدم مدن ألمانيا وهي مدينة يقال لها نرنبرج فأقمت بها يوماً كاملاً أمتع طرفي بمحاسن أبنيتها وطرقاتها القديمة فشمتها بلدة قد أحاط بها سور قديم سميك ذو أبواب متقنة الصنع كباب النصر وباب المتولي بمصر، ويحيط بذلك السور خندق عمقه ١٠ أمتار، وعرضه ٣٠ متراً، وطرقاتهم ضيقة غير مستقيمتها كثيرة الانعطافات بهيئة يشغف بها الناظر، تحفها المنازل القديمة العجيبة البناء
стр. 98
المنقوشة الأحجار كالمنازل المشرقية القديمة، وبأغلب ميادينها آبار أقيم عليها أبنية مختلفة الشكل وتماثيل غريبة، ومن ذلك رايتُ بئراً قد أقاموا عليه أشكالاً هرمية منقوشة نقشاً جميلاً حول تمثال شخص قابض بيديه مزماراً كأنه يزمر، والماء يخرج من عيون ذلك المزمار بكيفية مضحكة.
وشمت بئراً آخر يسمونه بئر العفاف أقيم عليه تمثال شابة جميلة الصورة آخذة أعضاؤها تناسباً لطيفاً والماء يخرج من ثدييها إلى آخره.
تُلجئ الضروراتُ في الأمور إلى سلوك ما لا يليقُ بالأدب.
وغير ذلك مما يقصر اليراع عن حصره ووصفه، ودلني على أن سكانها الأقدمين كانوا يميلون إلى الخلاعة والطرب، كما هي سنة المدن التي بلغت أوج كمالها.
وقد كانت هذه المدينة قديماً أمْدَن بلاد جرمانيا، وكانت مستقلة تحت حكم أشرف العائلات بها، ولكن كان قيصر ألمانيا يرسل إليها مأموراً من طرفه يقيم بقلعتها ليستولي على عوائد البضائع الواردة والصادرة، وكان يعين مأموريها من عائلة يقال لها هوهنسلرن وهي عائلة إمبراطور ألمانيا الحالي.
وكانت أعظم مركز للبضائع المشرقية تأتيها على طريق البندقية إلى أن استكشفت
قارة أميركا، ولم تزل مستقلة إلى
стр. 99
سنة ١٨٠٦ ميلادية، وفيها استولت عليها مملكة بفاريا إلى الآن. شاهدت بها قلعتها ويسمونها دي بورج وبها قاعة تشمل آلات التعذيب والقتل كانت مستعملة لحكامها قديماً، ومن جملتها آلة حديدية يسمونها (البكر الحديدية) وذلك أنها مصنوعة على هيئة جسم الإنسان من الرأس إلى القدم فكانوا يخلعونها على من يريدون قتله، ثم يديرونها بواسطة آلة أخرى فتضغط على الجسم شيئاً فشيئاً إلى أن تزهق الروح، وغير ذلك مما يدل على عدوان حكامها في الزمن القديم، وقساوة قلوبهم.
ثم اتجهت إلى محل مجلس الشورى (البرلمان) فوجدته، على قدمه، حسن البناء لطيف الموقع، وألفيت قاعة المشورة وعلى بابها مكتوب بيت شعر باللغة الألمانية القديمة هذا نصه:
,
ومعناه حرفياً:
رأي واحد نصف رأي، ولذلك يلزم سماع كلا الرأيين.
ومن جملة ما شاهدته أيضاً مأثرتها أنتيكاخنة فَشِمْتُها عظيمة جداً بها ٧٥ قاعة عمومية قد عرضوا فيها الأشياء الجرمانية القديمة على اختلاف الأعصر، ويقصدها علماء الآثار للبحث في آثارها طلباً لتوسيع دائرة فنونهم التاريخية
стр. 100
والصناعية، ومن الغريب أن تلك المأثرة لم تكن تابعة للحكومة بل أقامتها الأهالي وصرفت لأجلها الدرهم والدينار حفظاً لآثار بلادهم، وأنعم بذلك من مقصد جميل، وأكرم بها من همة عالية!
ثم بارحت تلك المدينة مسروراً بما أرتني منها، وزيادة على ذلك يجدر بها أن تتباهى حيث هي بلدة الصانع المشهور المسمى بطرس هيله مخترع ساعة الجيب، وكان ذلك سنة ١٥٠٠ ميلادية تقريباً، ولأجل ذلك كانوا يسمون الساعات ببيض
نرنبرج لكونها كانت آخذة شكلاً بيضاوياً.
ولا يخفى أن الآلات التي تدل على الزمن كانت معروفة في الأعصر الغابرة قبل الهجرة والميلاد كالمزاول وزجاجات الرمل والتي تسير بالمياه، وأول من اخترع الساعات وسيرها بواسطة الطروس السلكية العجلية والأثقال هم العرب ولا فخر، وكان ذلك في القرن الثالث عشر الميلادي، وأول ساعة طرقت بلاد أوروبا من هذا الشكل العربي هي التي أهداها السلطان صلاح الدين إلى فريدريك الثاني قيصر جرمانيا وقتئذ، كما هو مشهور بكتب التاريخ.
هذا ولم يزل القطار بنا سائراً حتى بارحنا حدود مملكة بفاريا، وقذف بنا في حدود مملكة صكصونيا.
стр. 101
أما سكان مملكة بفاريا فأغلبهم غلاظ البدن لكثرة شربهم البيرة، بيض الألوان، زرق العيون تغلب عليهم الخشونة في الألفاظ والأخلاق، ولهجتهم باللغة الألمانية صعبة الفهم على غيرهم من باقي الألمانيين.
الوصول إلى لايبزغ
ولم نزل سائرين حتى إذا عُجْنا على مدينة ليبسك نزلت بها يومين فإذا هي مدينة لطيفة موضوعة في مستو متسع محاط ببساتين.
ولا يخفى أنها هي وباريس المركز الأول على وجه البسيطة لتجارة الكتب، وذلك منذ أواسط القرن الماضي، فيها ما ينوف عن ٥٠٠ مكتبة لبيع الكتب و٨٠ مطبعة عظيمة تطبع جميع الكتب على اختلاف اللغات كالعربية والصينية وخلافهما، كما أنها موضع مهم للتجارة في أشياء أخرى، وينتظم بها سنوياً سوقان عظيمان في فصلي الخريف والربيع يقصدهما التجار من كل فج، وأهم معاملتهم في تينك السوقين هو بيع الفرو المعد للملابس والجلود والقماش والصوف والكتان والزجاج، وهي أيضاً أشهر موضع ببلاد ألمانيا لصناعة الموسيقى، وبها مدرسة
لها عظيمة جداً، أما مدرستها الجامعة العلمية فتعد في الدرجة الثانية بعد مدرسة برلين تشتمل على ما ينوف عن ٣٠٠٠ طالب.
وبهذه المدينة أيضاً المحكمة العليا لجميع الإمبراطورية الألمانية، وهي محكمة أعظم من محاكم الاستئناف لا تنظر إلا في
стр. 102
القضايا الجنائية أو الدعاوى المدنية التي تكون من ٣٠٠ مارك فصاعداً، وحكمة وضعها بتلك المدينة هو تحكم باقي الممالك الألمانية وعدم إرادتهم أن تكون ببرلين.
وكانت معروفة منذ القرن الحادي عشر الميلادي، وكان يسكنها قديماً قوم من أمة الفندنيين أصول السلافنة، ولذلك سموها باسم ليبسك وهو بلغتهم علم على شجر مخصوص كانت المدينة محاطة به.
أما ما رأيته بها فليس لذكره كبير فائدة، إلا أني شاهدت محلاً عظيماً تجتمع فيه تجار الكتب، وكان ظني به أن يكون مكتبة عظمى، فلما كنت به احتاط بي السماسرة والتجار، وما زلت ألاطفهم حتى خرجت من بينهم حامداً الله شاكره.
وبقرب هذه المدينة الموضع الذي اضطرمت به الحرب الشهيرة بحرب الثلاثة أيام، أو حرب الأمم التي انتصرت فيها ممالك البروسيا والروسيا والنمسا على نابليون ملك الفرنساويين بعدما عاث في ممالكهم وأخضعها له، وكان ابتداء تلك الحرب يوم ١٦ أكتوبر سنة ١٨١٣ ميلادية، ومكثت ثلاثة أيام ليس إلا، وليس ذلك بعجيب حيث كان جيش نابليون يبلغ ١٥٠٠٠٠ عسكري وجيوش الممالك الأخرى ٣٠٠٠٠٠ عسكري.
стр. 103
مدينة دريسدن
ثم بارحت هذه المدينة حتى وصلت إلى مدينة دريزدن عاصمة مملكة صكصونيا وأقمت بها يوماً، فشمتها ذات منظر بهيج كثيرة الأبنية الجميلة والشوارع النظيفة، ويحيط بها بساتين في غاية من التألق موضوعة على ضفتي نهر ألب وسكانها
٢٤٦٠٠٠ نفس، وهم على مذهب البروتستانت أسست سنة ١٢٠٦ ميلادية، وصارت لهذه المملكة سنة ١٤٨٥، واشتهر ذكرها اشتهاراً عجيباً في عصر ملكها أغسطس الثاني الذي مات سنة ١٧٣٣، وكان يميل في أعماله إلى تقليد لويز الربع عشر ملك فرنسا مثل ملك بفاريا لويز الثاني المتقدم ذكره، وهؤلاء الثلاثة أرادوا أن يكونوا مثل قياصرة الروم، وفي عصر الملك أغسطس المذكور اخترعت صناعة الخزف المشهور بالخزف الصكصوني، ومخترعه يسمى بتجره وكان ذلك سنة ١٧٠٩ وأعظم معامل ذلك الخزف بمدينة بتلك المملكة تسمى ميسن، ولا يعادل هذه المدينة غيرها في صناعة النقش على الأحجار لشهرة نقاشيها، شاهدت بها قاعة في القصر الملوكي يقال لها (القبة الخضراء) فشمت بها من أثمن كنوز العالم كنموذجات أصناف الذهب والفضة المرصعة بالأحجار الثمينة والخزف والعاج وسن الفيل والنحاس والبلور بصناعة عجيبة.
ورأيت معرض التصوير بها، وقد عرضوا فيه صور المصورين المشهورين قديماً وحديثاً كصور رافائيل الإيطالياني الشهير،
стр. 104
ومصوري هولاندا وفرنسا وإيطاليا وغيره، وهذا المعرض ومعارض لوفر بباريس ومدريد بإسبانيا وفلورانسا هي أعظم المعارض على وجه البسيطة. ومن جملة ما لاحظته بتلك المدينة كيفية سير الناس على جسرها العظيم الممتد على نهر ألب، وذلك أن أحد رصيفيه مُعَد للصادرين والآخر للواردين، كيلا يعوق الصادر الوارد، ثم علمت أن ذلك قانون بجميع هذه المملكة بالنسبة إلى الجسور، فياله من انتظام حسن!
وتسمى مملكة صكصونيا باللغة الألمانية زاكسن وهي أعظم مملكة بألمانيا بعد البروسيا وبفاريا، وملكها الآن يسمى البرت وقد باشر الحرب الأخيرة الفرنساوية الألمانية بصفته قائداً، وكان أبوه المسمى الملك يوحنا ذا علم ومعرفة بأدب اللغة، وقد ترجم إلى اللغة الألمانية ديوان الشاعر الإيطالياني الشهير بدانته.
ولما متعت بمحاسن تلك المدينة الأنظار قلت للنفس هذا آخر عهدك بالأسفار والتجول في الأقطار، وحسبي فقد قطعت الفيافي وجبت البلاد، وطرقت منها الهضاب والنجاد، وعجمت أعواد قاطنيها، وسبرت أحوال نازليها.
العودة إلى برلين
والوصول إليها في ١٥ سبتمبر ١٨٨٩
وأخذت في الأوبة إلى برلين آليا باليمين أن لا أدع عصا التسيار إذا صافح اليمين مني اليسار. وقد وصلتها يوم ٢٠ محرم سنة ١٣٠٧ هجرية الموافق ١٥ سبتمبر ١٨٨٩ ميلادية.
стр. 105
هذا وقد قدمت إليكم سادتي هذه العجالة التي أودعت فيها ما شاهدته بتلكم البلدان والأقطار، متبعاً في ذلك السائحين الأوروبيين، مقتدياً بأسلافنا الرحالة المشرقيين أولي السياحات العربية، الذين لهم اليد البيضاء في توسيع نطاق علم الجغرافيا وعادات الأمم، وسار على منهجهم الأوروبيون وجعلوهم ملجأً لهم فيما خفي عليهم من البلدان، حتى استكشفوها وعبروها بأنفسهم، فمنهم الجغرافي الشهير أبو إسحاق الإصطخري الذي طاف ببلاد الإسلام مبتدئا من بلاد العرب إلى الهند إلى الأوقيانوس الأتلانطيقي، ووصف كل بلاد سمع بها أو رآها وصفاً مفيداً، ورسم كتابه بالأقاليم وقد شُغف بكتابه الأوروبيون، وترجم إلى اللغة الألمانية، ويعدون الإصطخري هذا من أول جغرافيي العرب عاش في أواسط القرن السادس من الهجرة، وكذا عُثر له في مكتبة مدينة (جوتا) بأواسط ألمانيا على خريطة بلاد العراق برسم يده مؤرخة في سنة ٥٦٩ هجرية، وهي على قماش بالٍ، وقد رأيت تقليداً لها ببرلين، فنسختها وقلّدت رسمها تقليداً قريباً من الأصل، وهي تحت يدي حتى الآن.
ومنهم ابن حَوْقَل عاش في القرن الرابع من الهجرة، وكان تاجراً من الموصل سافر من بغداد، وطاف البلاد الإسلامية وبلاد البربر والعراق وفارس والأندلس
стр. 106
وصقلية سيسليا، ومكث في رحلته هذه ٣٨ سنة، ووضع لها كتاباً سماه المسالك والممالك اطلعت عليه فألفيته مستوفياً مفيداً، وقد ترجم إلى اللغة الفارسية، ومنها
إلى الإنجليزية.
وللافرنج في أنفسهم منه شيء حيث قال في كتابة ما معناه: وأما بلاد النصارى والحبشة فلا أتكلم عليها إلا يسيراً لما أن تولعي بالحكمة والعدل والدين وانتظام الأحكام يأبى أن أثني عليهم بشيء من ذلك.
ومنهم العلامة الشهير أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله المعروف بالشريف الإدريسي، ولد سنة ١٠٩٩ ميلادية، وتُوفي في صقلية سنة ١١٨٠ أخذ في قرطبة من علمائها، واشتهر في فنون الهيئة والجغرافيا والفلسفة والطب والنجوم وقرض الشعر.
طاف ببلاد مصر ومراكش وآسيا الصغرى والقسطنطينية والأندلس وفرنسا وإنجلترا ثم دعاه إليه ملك صقلية وقتئذ المسمى روجر الثاني فاصطنع له إجابة لطلبه كرة أرضية من فضة، وكتب عليها بأحرف عربية كل ما عرفه من البلدان، وشرح ما كتبه بها في كتاب سماه نزهة المشتاق في أخبار الآفاق ووصف فيه نباتات كل قطر، وقد ترجم إلى اللغة الفرنساوية وطبع باللغة العربية في رومه سنة ١٥٩٣ ميلادية.
стр. 107
ومنهم السائح الشهير الحسن محمد بن الوزَّان الغرناطي الذي ادعته لهم الإفرنج وسموه ليو أفريكانوس ولد في إسبانيا سنة ١٤٨٧ ميلادية وتُوفي سنة ١٥٢٦ من أبوين مغربيين مسلمين، وانتقلا به وهو صغير، وتوطنا في فاس، ثم رافق خاله إلى تمبكتو، ثم أخذ بعد ذلك في السفر فجاب مملكة فاس ومراكش، ودقق البحث في عادات الأهالي، وسافر بين قبائل عرب البادية مصر وداخل أفريقية، ثم سافر إلى تركيا وفارس وبلاد أخرى، ثم رجع إلى القسطنطينية بحراً فأسره الإفرنج وذهبوا به إلى رومية سنة ١٥١٧ ميلادية، فدعاه إليه البابا وقتئذ المسمى ليو العاشر، ولما رآه فيه من فضله وعلمه عين له مرتباً كافلاً لمعيشته، وسماه باسمه
تشريفاً له فقيل له ليو أفريكانوس ومعناه ليو الأفريقي.
وبعدما أتقن اللغة الإيطاليانية أقيم معلماً للغة العربية فكتب هناك رحلته الأفريقية بالعربية، ثم ترجمت إلى الإيطاليانية، وذهب بعضهم إلى أنه تُوفي برومية، ولكن الأصح ما قاله العالم الجرماني المسمى ودمنستات وهو عالم بالأمور المشرقية من علماء القرن السادس عشر الميلادي، حيث قال أنه بعد موت البابا عاد إلى تونس ورجع إلى الإسلام.
стр. 108
وقد أقر الجميع بفضل تأليفه حتى قيل إنه لم يصف كاتب قبله تلك البلاد وصفاً مدققاً كوصفه.
وكذلك الرحالة الشهير أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المغربي الطنجي المعروف بابن بطوطة. ولد في طنجة سنة ١٣٠٢ للميلاد وتُوفي سنة ١٣٧٨ وكان محباً للوقوف على أخبار الأمم وأحوال البلدان، فساح في الأقطار المصرية والفارسية والسورية والعربية والصينية والتترية والهندستانية وبعض جزائر الهند وأواسط إفريقيا وإسبانيا، وقد كتب رحلته فأودعها أخباراً مهمة غريبة، ولكن لا تزال مفقودة. أما ما نشر منها فهو قسم اختصره العلامة محمد بن محمد بن أحمد بن جزيّ الكلبي المغربي في مجلد قد طبع وتناقلته الأيدي.
وقد اعتنى الإفرنج برحلته وبحثوا عن أصلها فلم يجدوا غير مختصره فترجموه إلى اللغتين الإنجليزية والفرنساوية، وقد كنت أيام صغري شغوفاً بمطالعة ذلك المختصر.
ومنهم الرحالة الأديب أبو الحسن نور الدين بن سعيد المغربي الغرناطي الأخباري العجيب، ولد في غرناطة سنة ٦١٠ هجرية، وأخذ عن أعلام إشبيلية كأبي علي الشلوبين وابن عصفور. طاف ببلاد المشرق والمغرب بإفريقيا
стр. 109
وآسيا وألف تآليف شتّى فمنها المُغْرِب في حلَى المَغْرب والمُشْرِق في حلى المَشرق والنفحة المسْكية
في الرحلة المكية وعدة المستنجز وعقلة المستوفز ذكر فيه رحلته الثانية من تونس إلى المشرق، وكان مائلاً في أخباره إلى الأدب والشعر، حيث كان شاعراً ناثراً طريف الشمائل اطلعت له على وصية وضعها لابنه، وقد أراد ابنه أن يتوجه إلى القاهرة أتى فيها بغرر الكلام، وجواهر المعاني، وسرد فيها قصيدة مطربة أولها:
أودِعُك الرحمنَ في غربتك ... مُرتَقِباً رُحْماه في أوْبَتك
وما اختياري كان طَوْعَ الهوى ... لكنني أجْري على بُغْيَتِك
إلى أن قال فيها بيتاً أنا شغوف به، لَهُوج بإنشاده وهو:
وكل ما كابَدْتَه في النوى ... إيَّاك أن يكسر من هِمَّتِك
وكثير غيرهم ممن جاب البلاد ووصفها.
أما الذين صنفوا في الجغرافيا من المشرقيين فأكثر من أن يحصوا، وقد أخذ عن أغلبهم الأوربيون، ولا يزالون دائبين على طبع كتبهم وتدريسها وترجمتها كجغرافية ياقوت، وأبي الفدا، وابن الفقيه الهمذاني، وأبي القاسم بن خرداذبه، والمقدسي، وقدامة الكاتب، وأبي جعفر الخازن، وأبي زيد البلخي، صاحب الخارطات الجغرافية، وأحمد بابا،
стр. 110
والبكري، والقزويني.
وغيرهم كثير، وها أنا آخذ في تتبعهم وتعريف أعمالهم التي شغف بها علماء أوروبا، واشتهروا لديهم بجميع المدارس العليا كاشتهار علماء النحو بين طلبة الجامع الأزهر العامر.
ولست ترى عالماً جغرافياً أو تاريخياً بقارة أوروبا إلا ولديه علم بتلك الكتب إن لم نقل بما حوته، ولم أقصد سادتي بحديثي هذا تشدقاً، كلا بل بعثاً من نشاطكم، وتنبيهاً من التفاتكم نحو ما قامت به أسلافكم، وتعبوا لأجله، وواصلوا الأيام بالليالي في رقمه، أكان عبثاً ما جاءوا به، حتى نتركه وراءنا ظِهْرياً أم لعباً فنهزأ به! ألم نكن نحن الجديرين بأن نقدر لأسلافنا قدر أعمالهم فنبحث وننقب عنها
وندرسها، فنعلم ما هدونا إليه، وننسج على منوالهم ونتمم مشروعاتهم!
تلك أعمالهم وتآليفهم بين ظهرانينا في كل فن وعلم، ولكن وا أسفاه! نراها ميتة في جلودها لا تجد لها باعثاً لروحها أو مطالعاً لأسطرها أو طابعاً لها! ألم يكن طبعها أولى من طبع ثلاثين جزءاً من قصة عنترة بن شداد، وأبي زيد الهلالي وسلامة، والزير سالم، وخضرا الشريفة، وغير ذلك مما لا يفيد العامة إلى تأخراً في المدنية والآداب.
فأقيموا أيها الأخدان الدعائم على ما أسسه لنا السلف؛ لنكون لهم خيرَ خلفٍ، وهيا بنا
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني
следующие страницы →