← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37009

شرح صحيح ابن حبان - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (210 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شرح صحيح ابن حبان_ المقدمة ليس هناك سبيل أسلم من التمسك بكتاب الله والاعتصام بسنة النبي ﷺ ، فهما طريق النجاة، ولما كانت سنة النبي ﷺ بهذه المنزلة كان من اهتم بها وتعلمها وعلمها من أعظم الناس أجراً عند الله، وفي المقابل من أهملها بأن حدث عن النبي ﷺ بأحاديث لا يعلم صحتها أو يعلم أنها مكذوبة عليه فهو داخل في الوعيد الشديد.

стр. 2

ذكر الأخبار الواردة في الابتداء بحمد الله قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الابتداء بحمد الله تعالى. ذكر الإخبار عما يجب على المرء من ابتداء الحمد لله جل وعلا في أوائل كلامه عند بغية مقاصده. أخبرنا الحسين بن عبد الله القطان: قال: حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا عبد الحميد بن أبي العشرين قال: حدثنا الأوزاعي عن قرة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله، فهو أقطع)]. قال شعيب الأرنؤوط: [قال إسناده ضعيف؛ لضعف قرة -وهو ابن عبد الرحمن ابن حويئل المعافري المصري ضعفه ابن معين وأحمد وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وأخرجه أحمد من طريق عبد الله المبارك والنسائي في عمل اليوم والليلة، وأبو داود في الأدب. ضعف قرة في الحديث ليس شرطاً لضعف الحديث لكن له طرق متعددة، وقد يكون له شواهد، وقد يشهد له ما بعده. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الأمر للمرء أن تكون فواتح أسبابه بحمد الله جل وعلا لئلا تكون أسبابه بترا. أخبرنا الحسين بن عبد الله بن يزيد القطان أبو علي بالرقة قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا شعيب ابن إسحاق عن الأوزاعي عن قرة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كل أمرٍ ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع)]. قال شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف، وهو مكرر ما قبله. أي: أن إسناده ضعيف لـ قرة كذلك.

стр. 3

ما جاء في الاعتصام بالسنة وما يتعلق بها قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاعتصام بالسنة وما يتعلق بها نقلا وأمرا وزجرا. أخبرنا أبو يعلى حدثنا أبو كريب حدثنا أبو أسامة حدثنا بريد عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: (إن مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى قومه، فقال: يا قوم! إني رأيت الجيش، وإني أنا النذير، فأطاعه طائفة من قومه، فانطلقوا على مهلهم فنجو وكذبه طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش وأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثلي ومثل من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق)]. قال شعيب الأرنؤوط: [إسناده صحيح على شرط الشيخين. وفي لفظ (أنا النذير العريان) والنذير العريان هو الرجل البعيد عن قومه، وقد رأى جيش العدو يجتاح قومه فأراد أن يخبرهم بأمر الجيش فجعل يلوح بيده، وخلع ثوبه من شدة المبالغة، ولهذا قال النبي ﷺ : (أنا النذير العريان) فشبه نفسه ﵊ بالنذير الناصح، كالرجل الذي خلع ثوبه وصار عرياناً من شدة نصحه وتحذيره لقومه، فهذا المثل يبين ضرورة الاعتصام بالسنة وبالكتاب وأن من تمسك بها فقد نجا، ومن ترك السنة والكتاب فقد هلك. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ﷺ : (إن مثل ما آتاني الله من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة قبلت ذلك، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وأمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها، وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعمل ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به). وقد رواه البخاري من حديث أبي موسى بلفظ: (فعلم وعلم). فطائفة كالأرض الطيبة التي تقبل الماء فتنبت الكلأ والعشب، قال العلماء: وهذا مثل العلماء الذين تعلموا وتفقهوا وفجروا ينابيع النصوص وحفظوا الأحاديث فانتفعوا في أنفسهم ونفعوا، وقد شبههم الرسول الكريم بالأرض التي تمسك الماء فيأتي الناس وينتفعون بها. والطائفة الثانية: وصفها الرسول ﵊ بقيعان لا تمسك الماء ولا تنبت الكلأ فلا تستفيد لنفسها ولا تفيد غيرها، وكذلك مثل من لم يستفد ولم يقبل هدى الله وأحاديث الرسول ﵊. والرسول ﷺ شبه الإنسان في قبوله الحق بالأرض، وهي ثلاثة أنواع فصلها ﵊ في الحديث الذي رواه البخاري: (مثل ما بعثني الله به من العلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الماء والعشب الكثير، وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان أمسكت الماء فشرب الناس وسقوا وزرعوا وأصاب منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً) ومعناه أن الأرض ثلاثة أنواع وكذلك الناس، فالنوع الأول من الأرض ينتفع بالمطر فيحيا بعد أن كان ميتاً، وينبت الكلأ، فتنتفع بها الناس والدواب وغيرها، وكذا النوع الأول من الناس فيبلغه الهدى والعلم فيحفظه فيحيا قلبه، ويحيا به، ويعلمه غيره، بعد أن يعمل به، فينتفع وينفع. والنوع الثاني من الأرض هو ما لا يقبل أن ينفع نفسه ولكنه ينفع الناس والدواب وغيرهما بأن يحفظ لهما الماء على سطحه، وهذا مثل أهل القلوب الحافظة، لكن ليس لهم أفهام ثاقبة، فيحفظون الأحاديث ليأتي بعد ذلك طالب متعطش لما عندهم من الحفظ فيستخرج فوائده، وينتفع به. والنوع الثالث هي الأرض الجدباء لا تنبت فهي لا تنتفع بالماء ولا تملكه لينتفع به غيرها، وهذا مثل من يسمع العلم فلا ينتفع به، ولا يحفظه لغيره.

стр. 4

وصف الفرقة الناجية قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر وصف الفرقة الناجية من بين الفرق التي تفترق عليها أمة المصطفى ﷺ . أخبرنا أحمد بن مكرم بن خالد البرتي حدثنا علي بن المديني حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا ثور بن يزيد حدثني خالد بن معدان حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر الكلاعي قالا: أتينا العرباض بن سارية - وهو ممن نزل فيه ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة:٩٢]- فسلمنا وقلنا: أتيناك زائرين ومقتبسين، فقال العرباض: (صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبداً حبشياً مجدعاً فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)]. هذا الحديث يحث على لزوم الكتاب والسنة وفيه السمع والطاعة لولاة الأمور في طاعة الله وفي الأمور المباحة أما المعاصي فلا طاعة لهم فيها، وهذا مقيد في حديث آخر وهو قوله ﵊: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة بالمعروف) وإن كان عبداً حبشياً فيجب السمع والطاعة له مادام ولي الأمر قد ثبتت له البيعة بالانتخاب أو بولاية العهد أو بالغلبة والقوة؛ لأن هذا فيه استتباب الأمن، واجتماع الكلمة، أما الخروج على ولاة الأمور فهو مدعاة للفوضى والاضطراب، وإراقة الدماء، وتربص العدو بالبلاد ولهذا كان الخروج عليه من كبائر الذنوب، إلا إذا كفر كفراً صريحاً واضحاً، ووجد البرهان على ذلك، ووجد البديل واستطاع الناس أن يغيروه فهذا جائز. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو حاتم: في قوله ﷺ : (فعليكم بسنتي) عند ذكر الاختلاف الذي يكون في أمته بيان واضح أن من واظب على السنن، قال بها، ولم يعرج على غيرها من الآراء من الفرق الناجية في القيامة، جعلنا الله منهم بمنه].

стр. 5

ذكر الأحاديث الدالة على وجوب لزوم السنة قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الإخبار عما يجب على المرء من لزوم سنن المصطفى ﷺ ، وحفظ نفسه عن كل من يأباها من أهل البدع وإن حسنوا ذلك في عينه وزينوه. أخبرنا إبراهيم بن علي بن عبد العزيز العمري بالموصل حدثنا معلى بن مهدي حدثنا حماد بن زيد عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: (خط لنا رسول الله ﷺ خطاً فقال: هذا سبيل الله ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال: وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام:١٥٣] إلى آخر الآية). قال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن ومعلى بن مهدي هو الموصلي، قال فيه أبو حاتم في الجرح والتعديل: شيخ يحدث أحياناً بالحديث المنكر. وفي هذا الحديث دليل على أن الإنسان يجب أن يستقيم على صراط الله وهو الحق، وأن يلزم ما جاء به الرسول ﷺ وهو دين الله الإسلام، وما جاء في الإسلام وهو الطريق المستقيم فمن استقام عليه استقام على الصراط الحسي يوم القيامة وعبر الصراط، والخطوط المتعرجة عن اليمين وعن الشمال التي خطها ﵊ هي سبل الضلال. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر ما يجب على المرء من ترك تتبع السبل دون لزوم الطريق، الذي هو الصراط المستقيم. أخبرنا علي بن حسين بن سليمان المعدل بالفسطاط قال: حدثنا الحارث بن مسكين حدثنا ابن وهب حدثني حماد بن زيد عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود ﵁ قال: (خط لنا رسول الله ﷺ خطوطاً عن يمينه وعن شماله، وقال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو له، ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] الآية كلها)].

стр. 6

إن المحب لمن يحب مطيع قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن من أحب الله جل وعلا، وصفيه ﷺ ، بإيثار أمرهما وابتغاء مرضاتهما على رضى من سواهما يكون في الجنة مع المصطفى ﷺ ]. إن من آثر محبة الله ومحبة صفيه -أي: النبي ﵊ العمل بأوامر الله ورسوله والانتهاء عما نهى الله أو نها عنه رسوله، هذا هو دليل المحبة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] ومن أحب الله ورسوله امتثل لأوامرهما. قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن أنس بن مالك: (أن أعرابياً سأل النبي ﷺ -وكانوا هم أجدر أن يسألوه من أصحابه- فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: وما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله، قال: فإنك مع من أحببت) قال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام أشد من فرحهم بقوله]. وهذا حديث صحيح، وفيه بشارة لكل مؤمن يحب الله ورسوله، والمحب الصادق في محبته هو الذي يجتهد في العمل الذي كان يعمل به محبوبه حتى يلحق به، فإذا حصل تقصير فإن المحبة تجبر هذا النقص، أما من يدعي المحبة ولا يعمل فليس صادقاً في محبته، وإنما الصادق في محبته هو الذي يبذل وسعه ويجتهد بأن يقتدي بمن يحبه ويعمل به، فالصادق في محبة النبي ﷺ هو الذي يقتدي به ويتأسى به في أقواله وأفعاله، فإذا حصل نقص جبرت المحبة هذا النقص لكنه يبذل وسعه في العمل واللحاق بمحبوبه.

стр. 7

حكم ترك الإنسان لما أباح الله له قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الإخبار عما يجب على المرء من لزوم هدي المصطفى ﷺ بترك الانزعاج عما أبيح من هذه الدنيا بإغضائه. أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة قال: حدثنا ابن أبي السري قال: حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: دخلت امرأة عثمان بن مظعون -واسمها خولة بنت حكيم - على عائشة ﵂ وهي بذة الهيئة فسألتها عائشة: ما شأنك؟ فقالت: زوجي يقوم الليل، ويصوم النهار، فدخل النبي ﷺ فذكرت عائشة ذلك له، فلقي النبي ﷺ عثمان بن مظعون فقال: (يا عثمان! إن الرهبانية لم تكتب علينا، أما لك فيّ أسوة حسنة؟! فو الله! إني لأخشاكم لله وأحفظكم لحدوده) ﷺ ] ينبغي للإنسان ألا يترك ما أباح الله له من المباحات، وهذا مثل حديث الرهط الذين سألوا عن عبادة النبي ﷺ ، فكأنهم استقلوها، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي ولا أنام، وقال الثاني: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الثالث: فأما أنا فلا أتزوج النساء، فلما علم النبي ﵊ بأمرهم قال: (ما بال رجال يقولون كذا وكذا؟! والله إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) فينبغي للإنسان أن يلزم هدي النبي ﷺ ، وألا يترك ما أباح الله له فينفذ نوع من العبادة بتكلف ويقصر في الأنواع الأخرى؛ لأن الإنسان إذا انصرف مثلاً إلى صلاة الليل وبالغ فيها أخل بالواجبات الأخرى كالكسب له ولأولاده والتقصير في حق أهله، والضيوف، ولهذا قال النبي ﵊ لـ سلمان لما زار أبا الدرداء وقد آخى بينه وبين أبا الدرداء، فكانت أم الدرداء متبذلة فسألها أخاها سلمان فقالت: إن أخاك أبا الدرداء ليس له حاجة في الدنيا فزار أبو الدرداء سلمان، فقدم له طعام، قال أبو الدرداء: كل فإني صائم، فقال: لا آكل حتى تأكل فأصر عليه حتى أكل ثم نام من أول الليل، فلما أراد أبو الدرداء أن يقوم قال له سلمان: نم فلما كان ثلث الليل أراد أن يقوم، فقال له سلمان: نم، فلما مضى نصف الليل أراد أبو الدرداء أن يقوم، فقال له سلمان: نم، فلما كان آخر الليل قال: قم الآن، فقاما فصليا، ثم قال له سلمان: إن لنفسك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، فاعط كل ذي حق حقه، فلما ذهب أبو الدرداء إلى النبي ﷺ صدق سلمان.

стр. 8

الأمر بتحري السنة واجتناب البدعة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الإخبار عما يجب على المرء من تحري استعمال السنن في أفعاله، ومجانبة كل بدعة تباينها وتضادها. أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال: حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا خطب أحمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه نذير جيش يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين يفرق بين السبابة والوسطى ويقول: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، ثم يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك دينا أو ضيعة، فإلي وعليَّ)]. وهذا من أصح الأحاديث وفيه أن النبي ﷺ كان إذا خطب ألقى الخطبة بشجاعة وحماس، ولا يلقيها بتماوت مثل بعض الخطباء الذين إذا ألقى الخطبة فإنه يلقيها وكأنه ميت، فالخطبة تحتاج إلى شجاعة وحماس، فكان ﵊ إذا خطب أحمر وجهه وعلا صوته، كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم؛ وبهذا يكون كلامه أوقع في نفوس السامعين. وكان يقول في خطبة الجمعة: (أما بعد: -وهو أولى من قول بعضهم وبعد- فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) والشاهد في الحديث أنه ينبغي لزوم هدي النبي ﷺ ، وأن خير الهدي هدي النبي ﷺ ، وفيه تحريم البدع وأنها كلها ظلالات، وما قاله بعض العلماء من تقسيم البدع إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة ليس بجيد، بل الصواب أن البدع كلها سيئة، وكلها ضلالة، ولا يوجد في البدع شيء حسن.

стр. 9

فلاح من كانت شرته إلى السنة الملقي: [ذكر إثبات الفلاح لمن كانت شِرَّته إلى سنة المصطفى ﷺ . أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا أبو خيثمة حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا شعبة عن حصين بن عبد الرحمن عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لكل عمل شرة وإن لكل شرة فترة، فمن كانت شرته إلى سنتي، فقد أفلح، ومن كانت شرته إلى غير ذلك فقد هلك). قال في شعيب الأرنؤوط: إسناده الصحيح على شرطهما] ومعنى (شرة) أي: قوة ونشاطاً، وقد يعتري هذا النشاط فترة أي: خمول، وهذا فيه حث على لزوم السنن وأنه ينبغي أن يجعل النشاط والقوة في العمل بالسنة. قال الطحاوي: فوقفنا بذلك على أن هذه الشدة في الأمور التي يريدها المسلمون من أنفسهم في أعمالهم التي يتقربون بها إلى ربهم ، وأن رسول الله ﷺ أحب منهم فيها ما دون الشدة التي لابد من القصر عنها والخروج منها إلى غيرها، وأمرهم بالتمسك من الأعمال الصالحة بما قد يجوز دوامهم عليه ولزومهم إياه حتى يلقوا ربهم.

стр. 10

سنن المصطفى كلها متلقاة عن الله قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر المصرح بأن سنن المصطفى ﷺ كلها عن الله لا من تلقاء نفسه. أخبرنا محمد بن عبيد الله بن الفضل الكلاعي بحمص حدثنا كثير بن عبيد المذحجي حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن مروان بن رؤبة عن ابن أبي عوف عن المقداد بن معد يكرب عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إني أوتيت الكتاب وما يعدله، يوشك شعبان على أريكته أن يقول: بيني وبينكم هذا الكتاب فما كان فيه من حلال أحللناه، وما كان فيه من حرام حرمناه، ألا وإنه ليس كذلك)]. وهذا فيه بيان بأن السنة وحي من الله ، وأنه لابد من الأخذ بالسنة، ومن لم يأخذ بالسنة فهو كافر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وفي رواية أن النبي ﷺ قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) وهي السنة، يوشك شعبان متكئ على أريكته أي: على سريره، وينكر السنة ويقول بيننا وبينكم كتاب الله، ما وجدنا فيه من حلال أحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، أي: ولا يعمل بالسنة وبقول الرسول ﵊. والحديث إسناده قوي، أخرجه الترمذي وابن ماجة وأحمد والطبراني والبيهقي. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن سهم قال: حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن مالك بن أنس عن سالم أبي النضر عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبي رافع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا أعرفن الرجل يأتيه الأمر من أمري، إما أمرت به، وإما نهيت عنه، فيقول: ما ندري ما هذا، عندنا كتاب الله ليس هذا فيه)]. وهذا تحذير من رد كلام الرسول ﵊ بحجة أنه لا يوجد في كتاب الله وهذا خطأ، فالسنة وحي من الله من أنكرها كفر.

стр. 11

الزجر عن الرغبة عن سنة المصطفى بغرض زيادة ما ليس فيها قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الزجر عن الرغبة عن سنة المصطفى ﷺ في أقواله وأفعاله جميعاً. أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة قال: حدثنا محمد بن أبي صفوان الثقفي حدثنا بهز بن أسد قال: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك ﵁: أن نفراً من أصحاب النبي ﷺ ، سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)]. رواه الشيخان في الحث على لزوم السنة والعمل بها، وأن السنة وهدي النبي ﷺ هو أكمل الهدي وأن ما يفعله بعض الناس من زعم أحدهم أنه يعمل عملاً زائداً عن السنة فهذا ضلال، لكن هؤلاء الصحابة دفعهم باب الاجتهاد فزجرهم النبي ﷺ .

стр. 12

أمر رسول الله أمته بما يحتاجون إليه من أمر دينهم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل ذكر البيان بأن المصطفى ﷺ كان يأمر أمته بما يحتاجون إليه من أمر دينهم قولاً وفعلاً معاً. أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الدغولي حدثنا محمد بن يحيى الذهلي حدثنا ابن أبي مريم حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير حدثني إبراهيم بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ رأى خاتماً من ذهب في يد رجل، فنزعه فطرحه، فقال: (يعمد أحدهم إلى جمرة من النار، فيجعلها في يده) فقيل للرجل بعدما ذهب خذ خاتمك، فانتفع به، فقال: لا والله، لا آخذه أبداً وقد طرحه رسول الله ﷺ ]. وهذا فيه تحريم الذهب على الرجال فلا يجوز للرجل أن يلبس الذهب، لكن يجوز له أن يتختم بخاتم من الفضة، فقد ثبت أن النبي ﷺ في أول الأمر كان يلبس خاتماً من ذهب والصحابة كذلك ثم جاء النهي فنزعه النبي ﷺ ، ونزع الصحابة خواتمهم، وحرم بذلك الذهب على الرجال. وقد نهى ﵊ هذا الرجل عن التختم بالذهب، وهو نهي للأمة كلها؛ لأن الشريعة عامة.

стр. 13

بطلان قول من زعم أن أمر النبي لا يجوز إلا أن يكون مفسراً يعقل من ظاهر خطابه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن أمر النبي ﷺ بالشيء لا يجوز إلا أن يكون مفسراً يعقل من ظاهر خطابه. أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن يحيى بن أبي كثير حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إذا نودي بالأذان أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع الأذان، فإذا قضي الأذان، أقبل فإذا ثوِّب بها أدبر، فإذا قضي التثويب، أقبل يخطر بين المرء ونفسه: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر)]. وهذا فيه حرص الشيطان على افساد عبادة ابن آدم، وفيه أن ذكر الله يضايق الشيطان وأنه لا يطيقه، فإذا نودي بالأذان أدبرُ له ضراط حتى يشوش على نفسه فلا يسمع الأذان، ثم يقبل، فإذا سمع التثويب وهو الإقامة -وقيل بأن التثويب: رجوع إلى الإقامة- هرب ثم يقبل فيوحي للإنسان ويقول له: اذكر كذا اذكر كذا، فلا يزال يذكره حتى لا يدري كم صلى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(حتى يظل الرجل إن يدري كم صلى، فإذا لم يدر كم صلى، فليسجد سجدتين وهو جالس)]. إذا شك في صلاته فيسجد سجود سهو وطالما أن عنده غالب الظن فإنه يسجد سجدتين قبل السلام، فإن لم يغلب عليه الظن فإنه يتم صلاته ثم يسجد سجدتين ثم يسلم، وجاء هذا في حديث ابن مسعود. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو حاتم ﵁: أمره ﷺ لمن شك في صلاته، فلم يدر كم صلى، فليسجد سجدتين وهو جالس أمر مجمل تفسيره أفعاله التي ذكرناها، لا يجوز لأحد أن يأخذ الأخبار التي فيها ذكر سجدتي السهو قبل السلام، فيستعمله بكل الأحوال، ويترك سائر الأخبار التي فيها ذكره بعد السلام، وكذلك لا يجوز لأحد أن يأخذ الأخبار التي فيها ذكر سجدتي السهو بعد السلام، فيستعمله في كل الأحوال، ويترك الأخبار الأخر التي فيها ذكره قبل السلام]. أي: لابد من ضم الأدلة بعضها إلى بعض. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ونحن نقول: إن هذه أخبار أربع يجب أن تستعمل، ولا يترك شيء منها، فيفعل في كل حالة مثلما وردت السنة فيها سواء، فإن سلم من الاثنتين أو الثلاث من صلاته ساهياً، أتم صلاته، وسجد سجدتي السهو بعد السلام، على خبر أبي هريرة وعمران بن حصين اللذين ذكرناهما، وإن قام من اثنتين ولم يجلس، أتم صلاته، وسجد سجدتي السهو قبل السلام، على خبر ابن بحينة وإن شك في الثلاث أو الأربع يبني على اليقين على ما وصفنا، وسجد سجدتي السهو قبل السلام، على خبر أبي سعيد الخدري وعبد الرحمن بن عوف وإن شك ولم يدر كم صلى أصلاً، تحرى على الأغلب عنده، وأتم صلاته، وسجد سجدتي السهو بعد السلام، على خبر ابن مسعود الذي ذكرناه حتى يكون مستعملاً للأخبار التي وصفناها كلها، فإن وردت عليه حالة غير هذه الأربع في صلاته، ردها إلى ما يشبهها من الأحوال الأربع التي ذكرناها].

стр. 14

وجوب الجنة لمن أطاع الله ورسوله فيما أمر به ونهى عنه قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر إيجاب الجنة لمن أطاع الله ورسوله فيما أمر ونهى. أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل ببست ومحمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف بنيسابور قال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا خلف بن خليفة عن العلاء بن المسيب عن أبيه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده! لتدخلن الجنة كلكم إلا من أبى وشرد على الله كشراد البعير قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) قال أبو حاتم: طاعة رسول الله ﷺ هي الانقياد لسنته بترك الكيفية والكمية فيها، مع رفض قول كل من قال شيئاً في دين الله جل وعلا بخلاف سنته، دون الاحتيال في دفع السنن بالتأويلات المضمحلة، والمخترعات الداحضة]. أي: أن الإنسان عندما يتلى عليه آيات الله وأحاديث رسوله المحتوية على الأوامر والنواهي فعليه أن يقبل الأوامر والنواهي ولا يتأول تأويلات باطلة.

стр. 15

وجوب اجتناب المنهيات وإتيان الأوامر بقدر الاستطاعة قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن المناهي عن المصطفى ﷺ والأوامر فرض على حسب الطاقة على أمته، لا يسعهم التخلف عنها. أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي حدثنا إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وسفيان عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، ما نهيتكم عنه فانتهوا، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)]. وهذا دليل على أن النواهي يجب تركها، وأما الأوامر فيفعل ما يستطيع يقول الله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، ولقول النبي ﷺ : (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب). قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال ابن عجلان فحدثت به أبان بن صالح فقال لي: ما أجود هذه الكلمة قوله (فأتوا منه ما استطعتم!)] قال شعيب الأرنؤوط: [إسناده صحيح رجاله رجال الشيخين ما عدا إبراهيم بن بشار الرمادي وهو حافظ ثقة، أبو الزناد هو: عبد الله بن ذكوان والأعرج هو: عبد الرحمن بن هرمز والطريق الثاني سنده حسن وأخرجه مسلم في الفضائل.

стр. 16

النواهي سبيلها الحتم والإيجاب إلا أن تقوم الدلالة على ندبيتها قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن النواهي سبيلها الحتم والإيجاب إلا أن تقوم الدلالة على ندبيتها. حدثنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)]. الأصل في النواهي المنع هذا هو الأصل إلا إذا وجد صارف يصرفها، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن الشرب قائماً ثم شرب قائماً في زمزم عندما جاء وهم يسقون، فصرف النهي عن التحريم إلى التنزيه فصار الشرب قائماً جائز، والشرب قاعداً أفضل وإلا فالأصل أن النهي للتحريم. قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن حسن بن قتيبة قال: حدثنا ابن أبي السري قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : (ما نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وما أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)]. أخرجه أحمد ومسلم. وهذا دليل على أن المناهي تترك، أما الأوامر فيفعل الإنسان منها ما يستطيع كما رواه ابن ماجة في التخريجة.

стр. 17

وجوب تنفيذ أوامر الرسول المتعلقة بالدين قال المؤلف: [ذكر البيان بأن قوله ﷺ : (وإذا أمرتكم بشيء) أراد به من أمور الدين، لا من أمور الدنيا. أخبرنا أبو يعلى حدثنا عبد الأعلى بن حماد حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وثابت عن أنس بن مالك: (أن النبي ﷺ سمع أصواتاً فقال: ما هذه الأصوات؟ قالوا: النخل يأبرونه، قال: لو لم يفعلوا لصلح ذلك، فأمسكوا، فلم يأبروا عامته، فصار شيصاً فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: إذا كان شيء من أمر دنياكم فشأنكم وإذا كان شيء من أمر دينكم فإليّ)]. هذا فيه دليل على أن النبي ﵊ إذا أمر بأمر من أمور الدنيا كتلقيح النخل أو غيرها فلك أن تأخذه ولك ألا تأخذه، أما الأمر الديني فهو واجب التنفيذ. قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم وأخرجه أحمد ومسلم. قال المصنف ﵀: [ذكر البيان بأن قوله ﷺ (فما أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) أراد به: ما أمرتكم بشيء من أمر الدين، لا من أمر الدنيا. أخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار قال: حدثنا عبد الله بن الرومي حدثنا النضر بن محمد حدثنا عكرمة بن عمار حدثني أبو النجاشي حدثني رافع بن خديج قال: (قدم نبي الله ﷺ المدينة وهم يؤبرون النخل -يقول: يلقحون- قال: فقال: ما تصنعون؟ فقالوا: شيئاً كانوا يصنعونه، فقال: لو لم تفعلوا لكان خيراً، فتركوها فنفرت أو نقصت، فذكروا ذلك له، فقال رسول الله ﷺ : إنما أنا بشر، إذا حدثتكم بشيء من أمر دينكم، فخذوا به، وإذا حدثتكم بشيء من أمر دنياكم فإنما أنا بشر) قال عكرمة: هذا أو نحوه. أبو النجاشي مولى رافع، اسمه عطاء بن صهيب. والتأبير هو التلقيح، وهو أن يأخذ شيئاً من طلع ذكر النخل الذكر ويجعله في همتك أنثى النخل.

стр. 18

انتفاء الإيمان عمن لم يخضع لسنن الرسول الكريم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر نفي الإيمان عمن لم يخضع لسنن رسول الله ﷺ أو اعترض عليها بالمقايسات المقلوبة، والمخترعات الداحضة. أخبرنا أبو خليفة حدثنا أبو الوليد حدثنا ليث بن سعد عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن عبد الله بن الزبير ﵃ حدثه أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله ﷺ في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرِّح الماء يمر، فأبى عليه الزبير، فقال رسول الله ﷺ : (اسق يا زبير! ثم أرسل إلى جارك، فغضب الأنصاري وقال: يا رسول! الله أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ ، ثم قال رسول الله ﷺ : اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر)، قال الزبير: فو الله لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] الآية]. وهذا رواه مسلم في الصحيح، وفيه أن الأنصاري اختصم مع الزبير في شراج الحرة، والشراج أي: مسيل الماء من المطر، فيسقون من ماء المطر فالأعلى يكون هو الأول ثم من بعده ثم من بعده وهكذا، فجاء السيل وكان الزبير الأعلى والأنصاري بعده فلما مر ماء المطر على الزبير وهو يسقي قال الأنصاري: سرح الماء، أي: اجعل الماء يمر على حديقتي أو بستاني، فأبى عليه الزبير حتى يرتوي، ثم يرسل الماء فشكاه إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ للزبير: (اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك) فغضب الأنصاري وقال: أن كان ابن عمتك، أي: جعلته يسقي ويبلغ الماء الأرض مجاملة له، فتلون وجه النبي ﷺ لما أغضبه الأنصاري، واستوفى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم، ففي الحكم الأول أشار عليه بالصلح قال: (اسق ثم سرح الماء إلى جارك) فلما أغضبه الأنصاري أعطاه الحكم الصريح قال: (اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يصل إلى الجدر ثم أرسل الماء إلى جارك) والجدر مرتفع بمقدار ما يغطي الرجل، ثم يرسل إلى جاره فيحبس الماء حتى يغطي الرجل، ثم يرسل إلى جاره، فالنبي ﷺ أعطاه الصلح وقال للزبير: (اسق يا زبير ثم ارسل الماء إلى جارك) والزبير لم يستوف حاجته من الماء، فكيف يرسله فلما أغضبه الأنصاري استوفى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم. قال الزبير: فأنا أحسب أن هذه الآية نزلت في هذا الرجل: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] هذا الرجل يحسب أنه منافق من المنافقين، ويحسب أنه من شدة الغضب تغير وتكدر ولم يتبين ما في هذه الكلمة، والمؤلف ابن حبان حمله على أنه منفي عنه الإيمان وأنه منافق؛ لهذا ترجم للحديث بقوله: ذكر نفي الإيمان عمن لم يخضع لسنن رسول الله ﷺ أو اعترض عليها بالمقايسات المقلوبة والمخترعات الداحضة. وقد ابتلي النبي ﷺ بهذا الرجل وأمثاله الذين يعترضون عليه، ومنهم من قال: اعدل يا محمد! فإنك لم تعدل، وأن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فإذا كان النبي ﷺ وهو أشرف الخلق يعترض عليه بهذا فكيف يرجو المسلم أن يسلم من الناس. قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين، أخرجه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة ومسلم.

стр. 19

بدعية من لم ينقد لسنن رسول الله ومن اعترض عليها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على أن من اعترض على السنن بالتأويلات المضمحلة ولم ينقد لقبولها كان من أهل البدع. أخبرنا أبو يعلى حدثنا أبو خيثمة حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد الخدري قال: (بعث علي إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهب في أدم، فقسمها رسول الله ﷺ بين زيد الخيل والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وعلقمة بن علاثة فقال أناس من المهاجرين والأنصار: نحن أحق بهذا، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فشق عليه، وقال: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر من في السماء صباحاً ومساء؟ فقام إليه ناتيء العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الوجه، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله! اتق الله، فقال النبي ﷺ : أو لست بأحق أهل الأرض بأن أتقي الله، ثم أدبر فقام عليه خالد سيف الله، فقال: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه، فقال: لا، إنه لعله يصلي، قال: إنه رب مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه. قال: إني لم أومر أن أشق قلوب الناس، ولا أن أشق بطونهم، فنظر إليه ﷺ وهو مقفٍ، فقال: إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية -قال عمارة: فحسبت أنه قال-: لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود)]. وأخرجه مسلم والبخاري]. أخرجه البخاري لكن كأن فيه جمع بين حديثين: حديث: (لم أومر أن أشق بطون الناس ولا أن أنقب) ثم قال: (ألا تراه يصلي) هذا حديث آخر غير حديث الذهيبة، فهذا حديث وذاك حديث. قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين: أبو خيثمة هو زهير بن حرب وجرير هو ابن عبد الحميد وأخرجه مسلم في الزكاة: باب وصف الخوارج وصفاتهم، من طريق عثمان بن أبي شيبة. وفيه أن هذا الرجل مبتدع وهذا على القول بأن الخوارج مبتدعة، وهو الذي رسى عليه الصحابة وشجعوه وهذا الرجل هو أصل الخوارج، ومن العلماء من كفرهم كالإمام أحمد لقول النبي: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية).

стр. 20

النهي عن الحدث في الدين قال المصنف ﵀: [ذكر الزجر عن أن يحدث المرء في أمور المسلمين ما لم يأذن به الله ولا رسوله. أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه: أن رجلاً أوصى بوصايا أبرها في ماله، فذهبت إلى القاسم بن محمد أستشيره، فقال القاسم: سمعت عائشة تقول: قال رسول الله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)]. وهذا رواه الشيخان في التحذير من البدع والمحدثات في الدين، فالواجب على الإنسان أن يعمل بالسنن وألا يتبع البدع، وفي لفظ لـ مسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).

стр. 21

عدم قبول أي عمل لم يكن مرجعه الكتاب والسنة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن كل من أحدث في دين الله حكماً ليس مرجعه إلى الكتاب والسنة فهو مردود غير مقبول. أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا محمد بن الصباح الدولابي حدثنا إبراهيم بن سعد حدثنا أبي عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)].

стр. 22

استحقاق دخول النار لمن نسب شيئاً إلى الرسول دون علمه بصحته قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل ذكر إيجاب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى ﷺ وهو غير عالم بصحته. أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبدة بن سليمان حدثنا محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من قال عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار)]. وهذا رواه الشيخان، وهو من الأحاديث المتواترة، وفيه الوعيد الشديد على من كذب على النبي ﷺ ، وأنه متوعد بالنار، وبالغ بعض العلماء حتى قالوا بكفر من تعمد الكذب على النبي ﷺ . قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على صحة ما أومأنا إليه في الباب المتقدم. أخبرنا عمران بن موسى السخستياني حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع حدثنا شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : (من حدث حديثاً وهو يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين)]. (يرى) بمعنى يظن، (ويرى) بمعنى يعلم أيضاً، و (أحد الكذبة أو الكاذبين) أي: الذي كذب والذي رواه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر ثان يدل على صحة ما ذهبنا إليه. أخبرنا زهير بن بتستر حدثنا محمد بن الحسين بن إشكاب حدثنا علي بن حفص المدائني حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع)]. أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه وأبو داود والحاكم.

стр. 23

استحقاق دخول النار لمن تعمد الكذب على النبي ﷺ قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر إيجاب دخول النار لمتعمد الكذب على رسول الله ﷺ . أخبرنا أبو خليفة قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا ليث بن سعد عن الزهري عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: (من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)]. وهذا فيه وعيد شديد يوجب الحذر من القول عن النبي ﷺ ما لم يقل، فإذا شك في نص الحديث فليقل أو بمعناه.

стр. 24

الكذب على النبي ﷺ من أفرى الفرى قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الكذب على المصطفى ﷺ من أفرى الفرى. أخبرنا ابن قتيبة قال: حدثنا حرملة بن يحيى قال: حدثنا ابن وهب قال: حدثني معاوية بن صالح عن ربيع بن يزيد عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن من أعظم الفرية ثلاثاً أن يفري الرجل على نفسه، يقول: رأيت، ولم ير شيئاً في المنام، أو يتقول الرجل على والديه، فيدعى إلى غير أبيه، أو يقول: سمع مني ولم يسمع مني)]. أخرجه البخاري في المناقب وأحمد والطبراني.

стр. 25

شرح صحيح ابن حبان_ كتاب الوحي كان رسول الله ﷺ تاركاً لعبادة الأوثان، وكان يذهب إلى الغار يتعبد لله ، وبينما هو كذلك إذ أتاه جبريل بالنبوة، وأنزل عليه سورة العلق، ثم انقطع عنه ثم أتاه بالرسالة، وأنزل عليه سورة المدثر، فنبئ بإقرأ، وأرسل بالمدثر.

стр. 26

ذكر الأخبار الواردة في الوحي وما يتعلق به قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الوحي. أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة حدثنا ابن أبي السري حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة قالت: (أول ما بدئ برسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة يراها في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتي حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد الليالي ذوات العدة- ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها حتى فجأه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، قال رسول الله ﷺ : ما أنا بقارئ، قال: فأخذني، فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال لي: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] حتى بلغ: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:٥] قال فرجع بها ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع. ثم قال: يا خديجة! مالي؟ وأخبرها الخبر، وقال: قد خشيته عليّ، فقالت: كلا أبشر، فوالله! لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقرئ الضيف، وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل، وكان أخا أبيها، وكان امرءاً تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: أي عم! اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني أكون فيها جذعا أكون حيا حين يخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ : أمخرجي هم؟! قال: نعم، لم يأت أحد قط بما جئت به إلا عودي وأوذي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي حتى حزن رسول الله ﷺ فيما بلغنا حزناً غدا منه مراراً لكي يتردى من رءوس شواهق، الجبال فكلما أوفى بذروة جبل كي يلقي نفسه منها، تبدى له جبريل وقال له: يا محمد! إنك رسول الله حقاً، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه، فيرجع فإذا طال عليه فترة الوحي، غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل فيقول له مثل ذلك)]. وهذا رواه البخاري في صحيحه في كتاب الوحي، وأما قول النبي ﷺ : ما أنا بقارئ فليس امتناعاً وإنما معناه لست قارئاً ولم أتعلم القراءة، وأما في آخر القصة أنه تبدى له أنه يريد أن يتردى من الجبل فهذه نقاط منقطعة من قول الزهري وليست مسندة، وهذا ضعيف. وورقة هو أول من آمن من هذه الأمة ولعله ابن عم خديجة. حيث قالت له: يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك. القائل: فيما بلغنا هو الزهري ومعنى الكلام: أنه من ضمن ما وصل إلينا من خبر رسول الله ﷺ في هذه القصة، وهو من بلاغات الزهري وليس موصولاً، ومعلوم أن بلاغات الزهري واهية. ضعيف منقطع، وهو من بلاغات الإمام مالك.

стр. 27

ذكر خبر يوهم مضاده خبر عائشة قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر أوهم من لم يحكم صناعة الحديث أنه يضاد خبر عائشة الذي تقدم ذكرنا له. أخبرنا أحمد بن علي بن مثنى حدثنا هدبة بن خالد حدثنا أبان بن يزيد العطار حدثنا يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة: أي القرآن أنزل أول؟ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] قلت: إني نبئت أن أول سورة أنزلت من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] قال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله: أي القرآن أنزل أول؟ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] فقلت له: إني نبئت أن أول سورة أنزلت من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ قال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله ﷺ ، قال: (جاورت في حراء، فلما قضيت جواري، نزلت فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت أمامي، وخلفي، وعن يميني، وعن شمالي، فلم أر شيئاً، فنوديت، فنظرت فوقي، فإذا أنا به على عرش بين السماء والأرض، فجئثت منه، فانطلقت إلى خديجة، فقلت: دثروني دثروني، وصبوا علي ماء بارداً، فأنزلت عليّ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:١ - ٣])]. وهذا يعارض الخبر السابق وهذا الخبر استدل به بعضهم على أنه يعارض الخبر الأصل، والصحيح أنه لا يعارضه فسورة المدثر نزلت بعد نزول اقرأ. [قال أبو حاتم في خبر جابر هذا: إن أول ما أنزل من القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] وفي خبر عائشة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق:١] وليس بين الخبرين تضاد إذ الله أنزل على رسوله ﷺ اقرأ باسم ربك وهو في الغار بحراء، فلما رجع إلى بيته دثرته خديجة وصبت عليه الماء البارد، وأنزل عليه في بيت خديجة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] من غير أن يكون بين الخبرين تهاتر أو تضاد].

стр. 28

ذكر الزمن الذي جاور فيه رسول الله بحراء قال في الحاشية: [إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه مسلم في الإيمان]. أي: أول، ما نزل هو اقرأ، ثم بعد ذلك لما ذهب إلى خديجة ودثر نزلت المدثر. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر القدر الذي جاور المصطفى ﷺ بحراء عند نزول الوحي عليه. أخبرنا عبد الله بن محمد بن سلم حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا الوليد بن مسلم حدثني الأوزاعي حدثنا يحيى بن أبي كثير سألت أبا سلمة أي القرآن أنزل أول؟ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] قلت: أو اقرأ؟ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك، فقال: يا أيها المدثر، فقلت: أو اقرأ؟ فقال: إني أحدثكم ما حدثنا رسول الله ﷺ ، قال: (جاورت بحراء شهراً، فلما قضيت جواري، نزلت فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت أمامي، وخلفي، وعن يميني، وعن شمالي، فلم أر أحداً ثم نوديت، فنظرت إلى السماء فإذا هو على العرش في الهواء فأخذتني رجفة شديدة، فأتيت إلى خديجة فأمرتهم فدثروني، ثم صبوا علي الماء، وأنزل الله عليّ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:١ - ٤])].

стр. 29

وصف الملائكة عند نزول الوحي على نبيه قال المصنف ﵀: [ذكر وصف الملائكة عند نزول الوحي على صفيه ﷺ . أخبرنا أبو خليفة حدثنا إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، حتى إذا فُزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ فيقولون: قال الحق وهو السميع العليم. فيستمعها مسترق السمع، فربما أدركه الشهاب قبل أن يرمي بها إلى الذي هو أسفل منه وربما لم يدركه الشهاب حتى يرمي بها إلى الذي هو أسفل منه. قال: وهم هكذا بعضهم أسفل من بعض -ووصف ذلك سفيان بيده- فيرمي بها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى تصل إلى الأرض، فتلقى إلى فم الكافر والساحر، فيكذب معها مائة كذبة، فيُصَّدق، ويقال: أليس قد قال في يوم كذا وكذا، كذا وكذا فصدق)]. وهذا من الأحاديث التي ذكرها الشيخ محمد ﵀ في كتاب التوحيد، وفيه أن الملائكة لا يصلحون أن يُعبدوا؛ لأنهم يصعقون ويصيبهم الصعق وهو دليل على ضعفهم، وفيه أن الشياطين تسترق السمع وأنه غير متواتر فيه، وفيه أن الشهب تلاحقهم، وفيه أنها قد تصل إلى الساحر فيكذب معها مائة كذبة فيصدقه الناس بهذا الكذب فينزل على الناس الشر والمرض.

стр. 30

وصف أهل السماوات عند نزول الوحي قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر وصف أهل السماوات عند نزول الوحي. أخبرنا محمد بن المسيب بن إسحاق حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاءهم فزع عن قلوبهم، فيقولون: يا جبريل! ماذا قال ربك؟ فيقول: الحق. فينادون: الحق الحق)]. فيه إثبات صفة الكلام لله ، وأنه لا يستثنى كلام الله وهو رد على من أنكر. وفيه ذكر وصف أهل السماوات عند نزول الوحي وأنه يصيبهم الصعق والغشي، وهذا يدل على أنهم لا يستحقون العبادة إذ تصيبهم الغاشية والموت والنعاس، فلا يستحقون العبادة لضعفهم.

стр. 31

وصف نزول الوحي على رسول الله قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر وصف نزول الوحي على رسول الله ﷺ . أخبرنا عمر بن سعيد بن سنان أخبرنا أحمد بن أبي بكر عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : (أحياناً يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليّ، فينفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول، قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشاتي الشديد البرد فينفصم عنه وإن جبينه لينفصد عرقاً)]. وهذا فيه أن الوحي أنواع: النوع الأول: يأتي على هيئة صوت الجرس، وهذا أشده على الرسول فينفصم عنه وقد وعى ما قال، والنوع الثاني: أنه يتمثل ملك له على هيئة رجل فيكلمه في صورة رجل، والنوع الثالث: أنه يلقي في روعه - أي: في قلبه-، ومن الأنواع أن يكلمه الله من وراء حجاب كما كلم موسى ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١] ومن الأنواع كذلك الرؤيا فإن رؤيا الأنبياء وحي. قال في الحاشية: [إسناده صحيح على شرط الشيخين وأخرجه أحمد والبخاري والترمذي].

стр. 32

استعجال المصطفى عند نزول الوحي قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر استعجال المصطفى ﷺ في تلقف الوحي عند نزوله عليه. أخبرنا محمد بن عبد الله بن الجنيد حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو عوانة عن موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة:١٦] قال: كان النبي ﷺ يعالج من التنزيل شدة، كان يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: أنا أحركهما كما كان رسول الله ﷺ يحركهما فأنزل الله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٧] قال: جمعه في صدرك، ثم تقرأه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٨] قال: فاستمع له وأنصت ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٩] ثم إن علينا أن تقرأه. قال: فكان رسول الله ﷺ إذا أتاه جبريل، استمع، فإذا انطلق جبريل، قرأه النبي ﷺ كما كان أقرأه]. قال في الحاشية: [أخرجه البخاري في التوحيد، ومسلم والنسائي]. كان النبي ﷺ من حرصه يحرك لسانه إذا قرأ جبريل خشية أن ينساه، فوعده الله تعالى بأن يجمعه في صدره، وأمر بأن يستمع لقراءة جبريل إذا قرأه، والله تعالى وعد بأن يجمعه في صدره ولهذا قال الله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٧] يعني: جمعه في صدرك ((فَإِذَا قَرَأْنَاهُ)) أي: قرأه جبريل ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٨ - ١٩] وهذا من حفظ الله تعالى وإحسانه أن جمعه للنبي في صدره، فكان ﵊ عندما ينزل عليه يستمع وينصت ولا يحرك لسانه، فإذا انتهى جبريل قرأه.

стр. 33

ذكر الخبر المدحض لقول من زعم أن الله لم ينزل آية واحدة إلا بكمالها قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن الله جل وعلا لم ينزل آية واحدة إلا بكمالها. أخبرنا النضر بن محمد بن المبارك الهروي حدثنا محمد بن عثمان العجلي حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال: لما نزلت ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:٩٥] قال رسول الله ﷺ : (ادع لي زيداً ويجيء معه باللوح والدواة، أو بالكتف والدواه ثم قال: اكتب: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدين في سبيل الله، قال: وخلف ظهر النبي ﷺ عبد الله بن أم مكتوم الأعمى قال: يا رسول الله! فما تأمرني فإني رجل ضرير البصر؟ قال البراء: فأنزلت مكانها ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥])]. فالآية قد ينزل بعضها حيث نزلت آية: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) فقال عبد الله بن أم مكتوم: يا رسول الله! أنا أعمى وأريد أن أجاهد لكني لا أستطيع، أفلا يكون لي أجر؟! فأنزل الله ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] دل على أن الآية قد ينزل بعضها ومن ثم ينزل بعضها الآخر، وفي هذا رد على من قال إن الآية لا تنزل إلا بكمالها. وقد جاء في الحديث أن اسم الرجل الأعمى عمرو بن أم مكتوم، وقيل عبد الله. وقد روي عن ابن عباس أن القرآن أنزل مرة واحدة إلى السماء الدنيا، فيحتمل أنه أخذه عن بني إسرائيل، ولو صح أنه أنزل مرة واحدة فلا يمنع من أن ينزل منجماً، فالذي جاء عن ابن عباس أن بيت العزة في السماء الدنيا. والبيت المعمور في السماء السابعة، بيت الكعبة السماوية، وهو حيال الكعبة المشرفة يدخلها كل يوم سبعون ألف ملك للعبادة والطواف ولا يرجعون إلى آخر الدهر. قال: [أخبرنا محمد بن عمر بن يوسف بنسا قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال: أخبرنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب: أن رسول الله ﷺ قال: (إيتوني بالكتف أو اللوح فكتب: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:٩٥]، وعمرو بن أم مكتوم خلف ظهره فقال: هل لي من رخصة؟ فنزلت: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥])].

стр. 34

ما جاء في الخبر المدحض لقول من زعم أن أبا إسحاق لم يسمع خبر نزول جزء من آية من البراء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن أبا إسحاق السبيعي لم يسمع هذا الخبر من البراء. أخبرنا أبو خليفة قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء يقول: (لما نزلت هذه الآية: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:٩٥]، دعا رسول الله ﷺ زيداً فجاء بكتف فكتبها فيه، فشكا ابن أم مكتوم ضرارته، فنزلت: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥])]. يعني: أبو إسحاق السبيعي سمعه من البراء؛ لأنه قال: سمعت فصرح بالسماع.

стр. 35

ذكر ما كان يأمر النبي بكتابة القرآن عند نزول الآية بعد الآية قال رحمه الله تعالى: [ذكر ما كان يأمر النبي ﷺ بكتبة القرآن عند نزول الآية بعد الآية: أخبرنا أبو خليفة حدثنا عثمان بن الهيثم المؤذن حدثنا عوف بن أبي جميلة عن يزيد الفارسي قال: قال ابن عباس: ﵄ (قلت لـ عثمان بن عفان: ما حملكم على أن قرنتم بين الأنفال وبراءة، وبراءة من المئين والأنفال من المثاني، فقرنتم بينهما؟! فقال عثمان: كان إذا نزلت من القرآن الآية دعا النبي ﷺ بعض من يكتب، فيقول له: ضع في السورة التي يذكر فيها كذا، وأنزلت الأنفال بالمدينة، وبراءة بالمدينة من آخر القرآن، فتوفي رسول الله ﷺ ، ولم يخبرنا أين نضعها فوجدت قصتها شبيهة بقصة الأنفال، فقرنت بينهما ولم نكتب بينهما سطر ((بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ)) فوضعتها في السبع الطوال)]. والحق هو ما فعله الصحابة؛ لأن القرآن محفوظ. ومعلوم أن ترتيب الآيات بالنص، أما ترتيب السورة ففيه خلاف بين العلماء فمنهم من قال بالاجتهاد، ومنهم من قال بالنص، والأقرب أنه بالاجتهاد، وعكس القراءة في السور مكروه والأولى أن يقرأ السور بالترتيب.

стр. 36

ذكر البيان بأن الوحي لم ينقطع عن صفي الله إلى أن أخرجه من الدنيا إلى جنته قال رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الوحي لم ينقطع عن صفي الله ﷺ إلى أن أخرجه الله تعالى من الدنيا إلى جنته: حدثنا أبو يعلى حدثنا وهب بن بقية أخبرنا خالد عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري قال: أتاه رجل وأنا أسمع فقال: يا أبا بكر! كم انقطع الوحي عن نبي الله ﷺ قبل موته؟ فقال: ما سألني عن هذا أحد منذ وعيتها عن أنس بن مالك، قال أنس بن مالك: لقد قبض من الدنيا، وهو أكثر مما كان]. ترتيب السور مختلف فيه وبعض العلماء يرى أنه توقيف، وخروجاً من الخلاف نرتب في القراءة، فلو قرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] في الركعة الأولى، ثم قرأ في الثانية سبح، نقول: ترك هذا أولى سواء في الصلاة، أو في القراءة.

стр. 37

شرح صحيح ابن حبان_ كتاب الإسراء إن رسول الله أكرم الخلق على الله، ولقد شرفه ربه وأكرمه بالإسراء والمعراج، فقد صلى بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعرج به إلى سدرة المنتهى، وهناك كلمه ربه بدون واسطة.

стр. 38

ذكر ركوب المصطفى البراق وإتيانه عليه بيت المقدس من مكة في بعض الليل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب الإسراء. ذكر ركوب المصطفى ﷺ البراق، وإتيانه عليه بيت المقدس من مكة في بعض الليل. أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا خلف بن هشام البزار حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال: أتيت حذيفة ﵁ فقال: من أنت يا أصلع؟ قلت: أنا زر بن حبيش حدثني بصلاة رسول الله ﷺ في بيت المقدس حين أسري به، قال: من أخبرك به يا أصلع؟ قلت: القرآن، قال: القرآن؟ فقرأت: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ مِنْ الليل﴾ [الإسراء:١] وهكذا هي قراءة عبد الله إلى قوله: ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١]، فقال: هل ترى صلى فيه؟ قلت: لا، قال: (إنه أتي بدابة - قال حماد: وصفها عاصم لا أحفظ صفتها - قال: فحمله عليها جبريل أحدهما رديف صاحبه)]. وقد جاء في وصفها في الأحاديث: أنها دابة دون البغل وفوق الحمار، بيضاء خطوتها الواحدة مد البصر لكن هنا يقول: نسيت وصفها. قال: [(أحدهما رديف صاحبه، فانطلق معه من ليلته حتى أتى بيت المقدس، فأرى ما في السماوات وما في الأرض، ثم رجعا عودهما على بدئهما فلم يصل فيه، ولو صلى لكانت سنة)]. قال: إسناده حسن، وأخرجه أحمد والترمذي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. جاء في بعض الروايات أنه ربط الدابة بحلقة الباب، وجاء في بعضها أنه صلى بالأنبياء إماماً، قيل: إنه صلى بهم في بيت المقدس، وقيل إنه صلى بهم في السماء. والصلاة بالأنبياء ثابتة، وفيه بيان فضله ﵊، وقد قدمه جبرائيل.

стр. 39

ذكر استصعاب البراق عند إرادة ركوب النبي عليه قال رحمه الله تعالى: [ذكر استصعاب البراق عند إرادة ركوب النبي ﷺ إياه]. استصعب يعني: امتنع. [أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن العباس السامي حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك (أن النبي ﷺ أتي بالبراق ليلة أسري به مسرجاً ملجماً ليركبه فاستصعب عليه، فقال له جبريل: ما يحملك على هذا، فو الله ما ركبك أحد أكرم على الله منه؟ قال: فارفض عرقاً)]. فارفض يعني: خرج العرق من البراق. قال: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه أحمد والترمذي والبيهقي في دلائل النبوة. وهل البراق من دواب الملائكة؟ الله أعلم، وهل الملائكة لهم دواب؟ الملائكة يعرجون وقد أعطاهم الله قدرة على ذلك وهذه دابة، لكن دابة فوق الحمار ودون البغل خطوها مد البصر.

стр. 40

ذكر البيان بأن جبريل شد البراق بالصخرة عند إرادة الإسراء قال رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن جبريل شد البراق بالصخرة عند إرادة الإسراء. أخبرنا أبو يعلى حدثنا عبد الرحمن بن المتوكل المقرئ حدثنا يحيى بن واضح حدثنا الزبير بن جنادة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: قال رسول الله ﷺ : (لما كان ليلة أسري بي انتهيت إلى بيت المقدس، فخرق جبريل الصخرة بإصبعه وشد بها البرا)]. قال: أخرجه الترمذي في التفسير، والحاكم بهذا الإسناد، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وهو كما قال، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
следующие страницы →