← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37009

شرح صحيح ابن حبان - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (210 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ذكر البيان بأن الوحي لم ينقطع عن صفي الله إلى أن أخرجه من الدنيا إلى جنته قال رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الوحي لم ينقطع عن صفي الله ﷺ إلى أن أخرجه الله تعالى من الدنيا إلى جنته: حدثنا أبو يعلى حدثنا وهب بن بقية أخبرنا خالد عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري قال: أتاه رجل وأنا أسمع فقال: يا أبا بكر! كم انقطع الوحي عن نبي الله ﷺ قبل موته؟ فقال: ما سألني عن هذا أحد منذ وعيتها عن أنس بن مالك، قال أنس بن مالك: لقد قبض من الدنيا، وهو أكثر مما كان]. ترتيب السور مختلف فيه وبعض العلماء يرى أنه توقيف، وخروجاً من الخلاف نرتب في القراءة، فلو قرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] في الركعة الأولى، ثم قرأ في الثانية سبح، نقول: ترك هذا أولى سواء في الصلاة، أو في القراءة.

стр. 37

شرح صحيح ابن حبان_ كتاب الإسراء إن رسول الله أكرم الخلق على الله، ولقد شرفه ربه وأكرمه بالإسراء والمعراج، فقد صلى بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعرج به إلى سدرة المنتهى، وهناك كلمه ربه بدون واسطة.

стр. 38

ذكر ركوب المصطفى البراق وإتيانه عليه بيت المقدس من مكة في بعض الليل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب الإسراء. ذكر ركوب المصطفى ﷺ البراق، وإتيانه عليه بيت المقدس من مكة في بعض الليل. أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا خلف بن هشام البزار حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال: أتيت حذيفة ﵁ فقال: من أنت يا أصلع؟ قلت: أنا زر بن حبيش حدثني بصلاة رسول الله ﷺ في بيت المقدس حين أسري به، قال: من أخبرك به يا أصلع؟ قلت: القرآن، قال: القرآن؟ فقرأت: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ مِنْ الليل﴾ [الإسراء:١] وهكذا هي قراءة عبد الله إلى قوله: ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١]، فقال: هل ترى صلى فيه؟ قلت: لا، قال: (إنه أتي بدابة - قال حماد: وصفها عاصم لا أحفظ صفتها - قال: فحمله عليها جبريل أحدهما رديف صاحبه)]. وقد جاء في وصفها في الأحاديث: أنها دابة دون البغل وفوق الحمار، بيضاء خطوتها الواحدة مد البصر لكن هنا يقول: نسيت وصفها. قال: [(أحدهما رديف صاحبه، فانطلق معه من ليلته حتى أتى بيت المقدس، فأرى ما في السماوات وما في الأرض، ثم رجعا عودهما على بدئهما فلم يصل فيه، ولو صلى لكانت سنة)]. قال: إسناده حسن، وأخرجه أحمد والترمذي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. جاء في بعض الروايات أنه ربط الدابة بحلقة الباب، وجاء في بعضها أنه صلى بالأنبياء إماماً، قيل: إنه صلى بهم في بيت المقدس، وقيل إنه صلى بهم في السماء. والصلاة بالأنبياء ثابتة، وفيه بيان فضله ﵊، وقد قدمه جبرائيل.

стр. 39

ذكر استصعاب البراق عند إرادة ركوب النبي عليه قال رحمه الله تعالى: [ذكر استصعاب البراق عند إرادة ركوب النبي ﷺ إياه]. استصعب يعني: امتنع. [أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن العباس السامي حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك (أن النبي ﷺ أتي بالبراق ليلة أسري به مسرجاً ملجماً ليركبه فاستصعب عليه، فقال له جبريل: ما يحملك على هذا، فو الله ما ركبك أحد أكرم على الله منه؟ قال: فارفض عرقاً)]. فارفض يعني: خرج العرق من البراق. قال: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه أحمد والترمذي والبيهقي في دلائل النبوة. وهل البراق من دواب الملائكة؟ الله أعلم، وهل الملائكة لهم دواب؟ الملائكة يعرجون وقد أعطاهم الله قدرة على ذلك وهذه دابة، لكن دابة فوق الحمار ودون البغل خطوها مد البصر.

стр. 40

ذكر البيان بأن جبريل شد البراق بالصخرة عند إرادة الإسراء قال رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن جبريل شد البراق بالصخرة عند إرادة الإسراء. أخبرنا أبو يعلى حدثنا عبد الرحمن بن المتوكل المقرئ حدثنا يحيى بن واضح حدثنا الزبير بن جنادة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: قال رسول الله ﷺ : (لما كان ليلة أسري بي انتهيت إلى بيت المقدس، فخرق جبريل الصخرة بإصبعه وشد بها البرا)]. قال: أخرجه الترمذي في التفسير، والحاكم بهذا الإسناد، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وهو كما قال، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

стр. 41

ذكر وصف الإسراء برسول الله من بيت المقدس قال رحمه الله تعالى: [ذكر وصف الإسراء برسول الله ﷺ من بيت المقدس: أخبرنا الحسن بن سفيان الشيباني حدثنا هدبة بن خالد القيسي حدثنا همام بن يحيى عن قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة ﵃ أن النبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به قال: (بينما أنا في الحطيم - وربما قال: في الحجر- إذ أتاني آت فشق ما بين هذه إلى هذه -فقلت: للجارود وهو إلى جنبي: ما يعني به؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته- فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوءً إيماناً وحكمة؛ فغسل قلبي، ثم حشي، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض -فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم يقع خطوه عند أقصى طرفه- فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ ، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا فيها آدم، فقال: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحباً به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت فردا ثم قالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ ، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحباً به، فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه فرد، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ ، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء ففتح، فلما خلصت إذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه فرد، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ ، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا هارون، قال: هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ ، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء ففتح، فلما خلصت إذا موسى، قال: هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح)]. الله أكبر! عبر وآيات عظيمة في الإسراء والمعراج، وفوائد وحكم وفيه قدرة الله العظيمة، وأن الله على كل شيء قدير ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وفيه الرد على استبعاد بعض العقلانيين الذين يقولون: إنه لا يمكن أن تصعد الأجسام البشرية؛ بسبب الثقل. قال: [(فلما تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي، ثم صعد بي حتى أتى السماء السابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ ، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا إبراهيم، قال: هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رفع لي البيت المعمور -قال قتادة: وحدثنا الحسن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه رأى البيت المعمور، ويدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون فيه)]. والحسن لم يسمع من أبي هريرة فهو منقطع، لكن جاء في اللفظ الآخر: (أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك) والبيت المعمور في السماء السابعة، وظاهره هنا أنه فوق سدرة المنتهى، وفي الأحاديث الصحيحة: أنه في السماء السابعة، وأن إبراهيم ﵇ مسنداً ظهره إلى البيت المعمور، هو الكعبة السماوية، محاذٍ للكعبة الأرضية، ويدخله كل يوم سبعون ألف ملك للصلاة والطواف ثم لا يعودون إليه لكثرة الملائكة، وهو في السماء السابعة وليس فوق سدرة المنتهى، أما هذه الرواية التي فيها أنه فوق سدرة المنتهى، فهي رواية الحسن عن أبي هريرة وهي منقطعة. قال: [ثم رجع إلى حديث أنس: (ثم أتيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال: هذه الفطرة أنت عليها وأمتك، ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة في كل يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال: بم أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم)]. وفي رواية أخرى أنه في كل مرة يضع عنه خمساً، وفي هذه الرواية أنه كان يضع كل مرة عشراً. قال: [(فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت قال: أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: قلت: سألت ربي حتى استحييت لكني أرضى وأسلم، فلما جاوزت ناداني مناد: أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي)]. وهذا الحديث ثابت في الصحيحين وفي غيرهما والإسراء ثابت في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١]، ومن أنكر الإسراء كفر، والمعراج ثابت في السنة في الأحاديث الصحيحة الثابتة، وفيه: أن النبي ﷺ رأى في كل سماء ملائكة وسلم عليهم، رأى في السماء الأولى أباه آدم، وفي الثانية يحيى وعيسى ابني الخالة، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم، وكل واحد كان يقول: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، إلا آدم قال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح؛ لأنه أبو البشر، وكذلك إبراهيم قال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح؛ لأنه أباه بالنبوة ﵊، والباقي إخوة. وفيه أيضاً دليل على أن السماوات لها حراس، وأن جبريل يستفتح في كل مرة. ويدل أيضاً على أن السماوات ليست شفافة؛ لأنها لو كانت شفافة لرآهم، لكن قال: (من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟) لأنه لم يره، يقول: من هذا؟ يدل على أنها ليست شفافة، وأنه لا يرى من روائها، والظاهر كما قال شيخ الإسلام: أن الأرواح تأخذ شكل الأجساد. وفي الرواية الأخرى: أنه مر بموسى وهو قائم يصلي في قبره في الإسراء، ورآه لما عرج به في السماء السادسة، فهذا يدل على أن الأرواح لها شأن، والأرواح سريعة الذهاب؛ لأن من طبيعتها الخفة، فرآه يصلي في قبره، ورآه في السماء السادسة، وكل الأنبياء ماتوا ما عدا عيسى. وإبراهيم يلي نبينا في الفضل، ثم موسى وأما عيسى فالله أعلم وهو من أولي العزم، ويوسف كذلك هو من أولي العزم الخمسة.

стр. 42

ذكر خبر أوهم عالماً من الناس أنه مضاد لخبر ابن صعصعة في قصة المعراج قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر خبر أوهم عالماً من الناس أنه مضاد لخبر مالك بن صعصعة الذي ذكرناه أخبرنا أبو خليفة حدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس عن سليمان التيمي عن أنس بن مالك ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : (مررت ليلة أسري بي على موسى ﵇ يصلي في قبره)]. الروح لها شأن غير الأجسام، وهو ﵊ معلوم أنه مات ودفن، ورآه النبي ﷺ يصلي في قبره ليلة الإسراء، والتقى به في السماء السادسة لكن الأرواح لها شأن فليست كالأجساد، فلها صفات ولها حركة وصعود في طبقات الجو ليست كالأجساد، وهي تأخذ شكل الجسد. ومعلوم أن العبادة انقطعت عن الجسد عند موته، لكنه شيء خاص الله أعلم به.

стр. 43

ذكر الموضع الذي رأى فيه المصطفى موسى يصلي في قبره قال: [ذكر الموضع الذي فيه رأى المصطفى ﷺ موسى ﷺ يصلي في قبره: أخبرنا أبو يعلى حدثنا هدبة وشيبان قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (مررت بموسى ليلة أسري بي وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر)]. هذا فيه تحديد المكان. قال: أبو حاتم ﵀: [الله جل وعلا قادر على ما يشاء، ربما يعد الشيء لوقت معلوم، ثم يقضي كون بعض ذلك الشيء قبل مجيء ذلك الوقت، كوعده إحياء الموتى يوم القيامة وجعله محدوداً، ثم قضى كون مثله في بعض الأحوال، مثل من ذكره الله وجعله الله جل وعلا في كتابه حيث يقول: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ [البقرة:٢٥٩]، إلى آخر الآية، وكإحياء الله جل وعلا لعيسى ابن مريم صلوات الله عليه بعض الأموات]. إذاً: هذا خاص ومستثنى، فهو على أنه قام يصلي بجسمه وروحه، لكن الأقرب والله أعلم: أنها روح أخذت شكل الجسد، كما أنه رآه في المعراج، وأن هذا ليس فيه بعثاً للجسد، يعني: فهم ابن حبان أن هذا بعث للجسد والروح؛ وأن الله وعد البعث يوم القيامة، وهذا وعد خاص، مثلما بعث الرجل الذي مر على قرية، ومثلما بعث الأموات لعيسى، لكن ظاهر الحديث: أن هذا شيء خاص، وأنه رآه قائماً يصلي في قبره، وأن هذا للروح، وليس بعثاً للجسد. قال: [فلما صح وجود كون هذه الحالة في البشر إذا أراد الله جل وعلا قبل يوم القيامة لم ينكر أن الله جل وعلا أحيا موسى في قبره حتى مر عليه المصطفى ﷺ ليلة أسري به، وذاك أن قبر موسى بمدين بين المدينة وبين بيت المقدس]. لأن النبي ﷺ أسري به من مكة، لكن كأنه مر على المدينة. قال: [فرآه ﷺ يدعو في قبره - إذ الصلاة دعاء - فلما دخل ﷺ بيت المقدس وأسري به، أسري بموسى حتى رآه في السماء السادسة]. رآه يدعو هذا تأويل، وحمل للصلاة على المعنى اللغوي، والصلاة إذا أطلقها الشارع فالمراد بها الصلاة الشرعية، وأما الصلاة فمعناها في اللغة الدعاء، فهو تأويل بغير دليل، وظاهر الحديث أنه رآه يصلي الصلاة المعروفة، لكن الروح أخذت شكل الجسد، أما تأويل ابن حبان بأنه يدعو فهذا خلاف الظاهر. قال: [وجرى بينه وبينه من الكلام ما تقدم ذكرنا له، وكذلك رؤيته سائر الأنبياء الذين في خبر مالك بن صعصعة]. كأنه يرى أنهم بعثوا بأجسامهم، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إنهم بأرواحهم وأن الروح أخذت شكل الجسد إلا عيسى فإنه بروحه وجسده؛ لأنه لم يمت. قال: [فأما قوله ﷺ في خبر مالك بن صعصعة (بينما أنا في الحطيم إذ أتاني آت فشق ما بين هذه إلى هذه)، فكان ذلك له فضيلة فضل بها على غيره، وأنه من معجزات النبوة، إذ البشر إذا شق عن موضع القلب منهم ثم استخرج القلب فإنهم يموتون]. وهذا صحيح، وهو من علامات ومن دلائل نبوته، وهو دليل على أن الله على كل شيء قدير، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وهو الذي خلق الإنسان وأوجده، فهو قادر على أن يحييه، وأن يكون شق صدره وإخراج قلبه لا يؤثر عليه. قال: [وقوله: (ثم حشي) يريد: أن الله جل وعلا حشا قلبه اليقين والمعرفة الذي كان استقراره في طست الذهب فنقل إلى قلبه، ثم أتي بدابة يقال لها: البراق فحمل عليه من الحطيم أو الحجر وهما جميعاً في المسجد الحرام، فانطلق به جبريل حتى أتى به على قبر موسى على حسب ما وصفناه]. الحجر والحطيم يسمى حجر؛ لأنه متحجر، ويسمى: حطيم؛ لأنه حطم من الكعبة وأخرج منها. قال: [فانطلق ثم دخل مسجد بيت المقدس فخرق جبريل الصخرة بأصبعه، وشد بها البراق، ثم صعد به إلى السماء]. أما ما يقال من أن إسماعيل هو من حطم الحطيم فلا نعرف لهذا أصلاً؛ لأن إبراهيم وإسماعيل لما بنيا الكعبة لم يكن فيها حجر، وكان بناء الكعبة كاملاً، لكن قريشاً لما أرادت بناء الكعبة كاملاً، من جديد، وجمعوا أموالاً لبنائها، وقالوا: لا نريد أن نجمع إلا مالاً حلالاً، لم يجدوا مالاً حلالاً يكفي، فالمال الحرام كان موجوداً، لكنهم عجزوا أن يجدوا مالاً حلالاً يكفيهم لبناء الكعبة كاملة، فأخذوا الحطيم، وحطموا من الكعبة الحجر؛ لأن ما عندهم من مال لا يفي بالبناء؛ لذا أخرجوا الحجر وحطموه من الكعبة، فكيف ينسب إلى إسماعيل؟ وهم إنما بنوها في عهد النبي ﷺ ، وكان عمر النبي ﷺ حينها خمسة وثلاثون عاماً، وأما حين بنى البيت إبراهيم وإسماعيل فلم يكن هناك حجر في ذلك الوقت. ومن صلى في الحجر فكأنما صلى في الكعبة، والمعروف عند العلماء أن الفريضة لا تصح داخل الكعبة؛ لأنه لم يستقبل جميع جهاتها، وكذلك فوق الكعبة لا تصح الفريضة، وإنما تصح النافلة عندهم، ولو قيل بالجواز لكان له وجه، لكن الجمهور يقولون: لا تصح لأنه لم يستقبل الكعبة، وإنما يستقبل هواء الكعبة؛ لأن هناك ستة أذرع ونصف تقريباً كلها من الحجر، والحجر تابع للكعبة. وإذا صلى النافلة يكون مستقبلاً هواء الكعبة، وإن لم يكن جدار؛ لأن الجدار زائد عن حد الكعبة على قواعد إبراهيم؛ ولهذا لما هدمت قريش الكعبة وأرادوا بناءها، ووصلوا إلى حجارة خضر فيها القواعد، ويقال: أنهم لما حركوا بعض القواعد زلزلت مكة فتركوا الأساس، وكان الحجر داخل الكعبة على ما هي عليه، والكعبة لها أركان أربعة؛ ولهذا لما هدمها ابن الزبير وأدخل الحجر صار ابن الزبير يستلم الأركان الأربعة كلها؛ لأنها صارت على قواعد إبراهيم، وكان النبي ﷺ لا يستلم إلا الركنان اليمانيان لأنهما على قواعد إبراهيم، أما ركن الشام والعراق فليسا على قواعد إبراهيم؛ فلهذا لم يستلمهما.

стр. 44

ذكر شد البراق بالصخرة في خبر بريدة ورؤيته موسى يصلي في قبره قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر شد البراق بالصخرة في خبر بريدة ورؤيته موسى ﷺ يصلي في قبره ليسا جميعاً في خبر مالك بن صعصعة: (فلما صعد به إلى السماء الدنيا استفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ ، قيل: وقد أرسل إليه) ليسرى به إلى السماء لا أنهم لم يعلموا برسالته إلى ذلك الوقت؛ لأن الإسراء كان بعد نزول الوحي بسبع سنين، فلما فتح له فرأى آدم على حسب ما وصفناه قبل، وكذلك رؤيته في السماء الثانية يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم، وفي السماء الثالثة يوسف بن يعقوب، وفي السماء الرابعة إدريس، ثم في السماء الخامسة هارون، ثم في السماء السادسة موسى]. قوله: بعد نزول الوحي بسبع سنين، هذا زمن وقوع الإسراء على أحد الأقوال، وقيل: قبل الهجرة بسنة، فليس متفقاً عليه، وقد يكون له وجه، وقد تأول المؤلف (قد أرسل إليه) أي: ليسرى به، وليس المراد أنهم لم يعلموا رسالته. يقول المؤلف: أن المراد وقد أرسل إليه لأجل أن يسرى به. قال: [ثم في السماء السابعة إبراهيم؛ إذ جائز أن الله جل وعلا أحياهم؛ لأن يراهم المصطفى ﷺ في تلك الليلة؛ فيكون ذلك آية معجزة يستدل بها على نبوته على حسب ما أصلناه قبل]. هذا ما ذهب إليه المؤلف أن الله أحياهم، يعني: بأرواحهم وأجسادهم، لكن شيخ الإسلام ﵀ قرر في مجموعة الفتاوي: أن النبي ﷺ رآهم بأرواحهم، وأن الروح أخذت شكل الجسد. قال: [ثم رفع إلى سدرة المنتهى فرآه على الحالة التي وصف، ثم فرض عليه خمسون صلاة، وهذا أمر ابتلاء أراد الله جل وعلا ابتلاء صفيه محمد ﷺ حيث فرض عليه خمسين صلاة، إذ كان في علم الله السابق أنه لا يفرض على أمته إلا خمس صلوات فقط، فأمره بخمسين صلاة أمر ابتلاء، وهذا كما نقول: إن الله جل وعلا قد يأمر بالأمر يريد أن يأتي المأمور به إلى أمره من غير أن يريد وجود كونه، كما أمر الله جل وعلا خليله إبراهيم بذبج ابنه، أمره بهذا الأمر أراد به الانتهاء إلى أمره دون وجود كونه]. وفيه جواز النسخ قبل التمكن من الفعل، فالله تعالى أمر بخمسين صلاة ثم نسخها قبل أن يتمكن العباد منها. قال: [﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣]، فداه بالذبح العظيم، إذ لو أراد الله جل وعلا كون ما أمر لوجد ابنه مذبوحاً، فكذلك فرض الصلاة خمسين أراد بها الانتهاء إلى أمره دون وجود كونه، فلما رجع إلى موسى وأخبره أنه أمر بخمسين صلاة كل يوم، ألهم الله موسى أن يسأل محمداً صلى الله عليهما بسؤال ربه التخفيف لأمته، فجعل جل وعلا قول موسى ﵇ له سبباً لبيان الوجود لصحة ما قلنا]. وهو فضل من الله وإلى الله، هو الذي ألهم موسى، وهو الذي أيضاً حرك قلب نبيه ﷺ لقبول قوله. قال: [إن الفرض من الله على عباده أراد إتيانه خمساً لا خمسين، فرجع إلى الله جل وعلا فسأله فوضع عنه عشراً، وهذا أيضاً أمر ابتلاء أريد به الانتهاء إليه دون وجود كونه، ثم جعل موسى ﵇ إياه سبباً لنفاذ قضاء الله جل وعلا في سابق علمه، أن الصلاة تفرض على هذه الأمة خمساً لا خمسين حتى رجع في التخفيف إلى خمس صلوات، ثم ألهم الله جل وعلا صفيه ﷺ حينئذ حتى قال لموسى: (قد سألت ربي حتى استحييت لكني أرضى وأسلم، فلما جاوز ناداه مناد: أمضيت فريضتي -أراد بها الخمس صلوات- وخففت عن عبادي) يريد: عن عبادي من أمر الابتلاء الذي أمرتهم به من خمسين صلاة التي ذكرناها. وجملة هذه الأشياء في الإسراء رآها ﷺ بجسمه عياناً دون أن يكون ذلك رؤيا أو تصويراً صور له]. يعني: أنه شاهده بعينه، وليست رؤيا في النوم، ولا تمثيل أو تصوير، بل رآها بعينه حقيقة، وقد أسري بروحه وجسده، قال الله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]، والعبد يشمل الروح والجسد، خلافاً لمن قال: إن الإسراء كان بروحه فقط، وهو ما روي عن أبي إسحاق وعائشة، وفيه رد على من قال إن الإسراء كان مناماً أو مراراً، والصواب أنه مرة واحدة بروحه وجسده، يقظة لا مناماً. قال: [إذ لو كان ليلة الإسراء وما رأى فيها نوماً دون اليقظة لاستحال ذلك؛ لأن البشر قد يرون في المنام السماوات والملائكة والأنبياء والجنة والنار وما أشبه هذه الأشياء]. ولا يستغرب، ولو كان الإسراء مناماً لما كذبته قريش؛ لأنهم لا يكذبون بالرؤيا. قال: [فلو كان رؤية المصطفى ﷺ ما وصف في ليلة الإسراء في النوم دون اليقظة لكانت هذه حالة يستوي فيها معه البشر، إذ هم يرون في مناماتهم مثلها، واستحال فضله، ولم تكن تلك حالة معجزة يفضل بها على غيره]. ضد قول من أبطل هذه الأخبار، وأنكر قدرة الله جل وعلا، وإمضاء حكمه لما يحب كما يحب جل ربنا وتعالى عن مثل هذا وأشباهه]. قصده من هذا الرد على من قال: إن الإسراء كان مناماً.

стр. 45

ذكر وصف المصطفى موسى وعيسى وإبراهيم حيث رآهم ليلة أسري به قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر وصف المصطفى ﷺ موسى وعيسى وإبراهيم صلوات الله عليهم حيث رآهم ليلة أسري به أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي حدثنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (ليلة أسري بي لقيت موسى رجل الرأس، كأنه من رجال شنوءة، ولقيت عيسى فإذا رجل أحمر كأنه خرج من ديماس - يعني من حمام - ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به، فأتيت بإناءين: أحدهما خمر والآخر لبن، فقيل لي: خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن فقيل لي: هديت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك)]. وهذه الهيئة التي رآهم النبي ﷺ عليها هي هيئة أرواحهم قد أخذت شكل الأجساد فقد رأى موسى على هيئة رجل طوال كأنه من رجال شنوءة، يعني: من بلاد غامد، ورأى إبراهيم وقال: فأنا أشبهكم به ﵊، وأما عيسى فإنه رآه لأنه رفع بروحه وجسده ﵊، ولم يتوفاه الله بعد وسينزل في آخر الزمان ويحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ ثم يتوفاه الله، الموتة التي كتبها الله عليه، وأما موسى وإبراهيم فإنه رأى أرواحهما؛ لأنهما ماتا ودفنا عليهما الصلاة والسلام، والروح تأخذ شكل الجسد. كما صرح بذلك أبو العباس ابن تيمية ﵀ وغيره.

стр. 46

ذكر البيان بأن قوله: (فقيل: هديت الفطرة) أراد به أن جبريل قال له ذلك قال رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن قوله ﷺ : (فقيل هديت الفطرة) أراد به: أن جبريل قال له ذلك: أخبرنا محمد بن عبيد الله بن الفضل الكلاعي بحمص حدثنا كثير بن عبيد المذحجي حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يقول: (أتي رسول الله ﷺ ليلة أسري به بقدحين من خمر ولبن فنظر إليهما، ثم أخذ اللبن فقال له جبريل ﵇: هديت الفطرة، ولو أخذت الخمر غوت أمتك)]. قال: إسناده صحيح. أخرجه البخاري في باب الأشربة، باب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة:٩٠] والبيهقي في السنن عن أبي اليمان عن شعيب بن أبي حمزة، والنسائي في الأشربة باب منزلة الخمر، والبيهقي في دلائل النبوة]. وفيه أن اللبن دليل على الفطرة، والفطرة الإسلام، وفيه دليل على أن الإسلام دين الفطرة، ومن ولد على الفطرة وترك ونفسه من غير مؤثرات خارجية إلى الخير ولا إلى الشر فإنه يميل إلى الخير؛ ولهذا فإن النبي ﷺ أخذ اللبن، فقيل له: (هديت إلى الفطرة).

стр. 47

ذكر وصف الخطباء الذين يتكلون على القول دون العمل حيث رآهم ليلة أسري به قال رحمه الله تعالى: [ذكر وصف الخطباء الذين يتكلون على القول دون العمل حيث رآهم ﷺ ليلة أسري به. أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا محمد بن المنهال الضرير حدثنا يزيد بن زريع حدثنا هشام الدستوائي حدثنا المغيرة ختن مالك بن دينار عن مالك بن دينار عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (رأيت ليلة أسري بي رجالاً تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: الخطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون). قال الشيخ: روى هذا الخبر أبو عتاب الدلال عن هشام عن المغيرة عن مالك بن دينار عن ثمامة عن أنس ووهم فيه؛ لأن يزيد بن زريع أتقن من مائتين من مثل أبي عتاب وذويه]. وهذا فيه الوعيد الشديد على من كان يقول الخير ويأمر به ولا يفعله، وقوله: (تقرض شفاههم بمقاريض من نار) هذا وعيد شديد يدل على أن هذا من الكبائر، والله تعالى نهى من يقول ولا يفعل قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]، أنكر على اليهود كونهم يأمرون الناس بالخير وينسون أنفسهم، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣]. وقال سبحانه عن نبيه شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود:٨٨]، وجاء في الحديث: (أنه يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه، فيدور كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع عليه أهل النار، فيقولون له: ما لك يا فلان؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟! فيقول: بلى كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وكنت أنهاكم عن المنكر وآتيه)، وهذا يدل على الوعيد الشديد، وأن من يأمر بالخير وينسى نفسه ويخالف قوله فعله فإن عليه هذا الوعيد الشديد، وقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب.

стр. 48

ذكر وصف المصطفى قصر عمر في الجنة قال رحمه الله تعالى: [ذكر وصف المصطفى ﷺ قصر عمر بن الخطاب ﵁ في الجنة حيث رآه ليلة أسري به: أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا أبو نصر التمار حدثنا حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لفتى من قريش؛ فظننت أنه لي، قلت: من هو؟ قيل: عمر بن الخطاب يا أبا حفص! لولا ما أعلم من غيرتك لدخلته، فقال: يا رسول الله! من كنت أغار عليه، فإني لم أكن أغار عليك)]. وفي لفظ: أن عمر ﵁ بكى، والحديث أخرجه البخاري، وإسناده صحيح على شرط مسلم. وأبو نصر التمار هو عبد الملك بن عبد العزيز وأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار بهذا الإسناد، وأخرجه أحمد في المسند، وأخرجه ابن أبي شيبة. وأخرجه البخاري في فضائل الصحابة: باب مناقب عمر بن الخطاب. والحديث فيه فضل عمر ﵁، وهو منقبة له، وفي لفظ: أنه بكى عمر ﵁، وقال: أعليك أغار؟ بأبي أنت وأمي أعليك أغار؟! وفيه إثبات الجنة وأنها موجودة، وفيه الرد على المعتزلة القائلين بأن الجنة والنار معدومتان الآن، وإنما تخلقان يوم القيامة؛ لأن وجودهما الآن ولا جزاء عبث، والعبث محال على الله، وهذا من ضلالهم وجهلهم، والله تعالى قال عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤]، والمؤمن يفتح له باب إلى الجنة وهو في قبره يأتيه من روحها وطيبها، والكافر يفتح له باب إلى النار يأتيه من حرها وسمومها، وأرواح المؤمنين تنعم في الجنة.

стр. 49

ذكر البيان بأن الله أرى بيت المقدس لنبيه لينظر إليه ويصفه لقريش قال رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الله جل وعلا أرى بيت المقدس صفيه ﷺ لينظر إليه ويصفه لقريش لما كذبته بالإسراء: أخبرنا ابن قتيبة حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا ابن وهب أنبأنا يونس عن ابن شهاب حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر)]. وهذا أيضاً رواه البخاري في الصحيح، وهو من تأييد الله تعالى لنبيه ﵊، فقد كشف الله له المسجد مع بعد المسافة، فجعل يصف بيت المقدس وقريش يسألونه، تأييداً من الله تعالى لنبيه ﵊.

стр. 50

ذكر البيان بأن الإسراء كان برؤية عين لا برؤية منام قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر البيان بأن الإسراء كان ذلك برؤية عين لا رؤية نوم. أخبرنا محمد بن المنذر بن سعيد أنبأنا علي بن حرب الطائي أنبأنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: (﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء:٦٠]، قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به)]. لا شك أن الإسراء كان بروحه وجسده ﵊، وأنه يقظة لا مناماً، هذا هو الصواب الذي تدل عليه النصوص، والذي عليه المحققون: أن الإسراء والمعراج في ليلة واحدة لا في ليلتين، وأن الإسراء بروحه وجسده، وأن الإسراء يقظة لا مناماً. قال بعض العلماء: إن الإسراء كان مناماً، وقال آخرون: إن الإسراء كان بروحه دون جسده، وقال آخرون: إن الإسراء كان مراراً، وقيل: الإسراء في ليلة، والمعراج في ليلة. وكل هذه أقوال ضعيفة، والصواب: أن الإسراء والمعراج في ليلة واحدة، أسري به ﵊ من مكة إلى بيت المقدس على البراق مع جبرائيل، وربط البراق بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، وصلى بالأنبياء إماماً، ثم أتي بالمعراج وهو كهيئة الدرج، وعرج بالنبي ﷺ إلى السماء حتى جاوز السبع الطباق في ليلة واحدة بروحه وجسده يقظة لا مناماً، هذا هو الصواب الذي تدل عليه النصوص قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١]، فالعبد يشمل مجموع الروح والجسد.

стр. 51

ذكر الإخبار عن رؤية المصطفى ربه قال رحمه الله تعالى: [ذكر الإخبار عن رؤية المصطفى ﷺ ربه جل وعلا. أخبرنا أحمد بن عمرو المعدل بواسط حدثنا أحمد بن سنان القطان حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عباس قال: قد رأى محمد ﷺ ربه، قال أبو حاتم: معنى قول ابن عباس ﵄: قد رأى محمد ﷺ ربه، أراد به بقلبه في الموضع الذي لم يصعده أحد من البشر ارتفاعاً في الشرف]. وهذا هو الصواب الذي قاله المؤلف ابن حبان: أن النبي رأى ربه بقلبه، ولم يره بعين رأسه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١]، وما كان لبشر عام؛ ولقول النبي ﷺ لما سئل: (هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه) وفي لفظ: (رأيت نوراً). وفي حديث أبي موسى الأشعري عند مسلم أيضاً: (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور - وفي لفظ: النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، فالنبي ﷺ داخل في الخلق، فلا يستطيع أن يرى الله في الدنيا وإنما رؤيته كانت بالقلب. وما جاء من الآثار: (أن النبي ﷺ رأى ربه)، فهو محمول على رؤية القلب، وما جاء في الآثار: (أنه لم ير ربه) محمول على رؤية البصر، وبهذا تجتمع الأخبار، كما حقق ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره من المحققين.

стр. 52

ذكر الخبر الدال على رؤية النبي ربه بعين قلبه قال رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على صحة ما ذكرناه: أخبرنا أبو يعلى حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري حدثنا معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: قلت لـ أبي ذر: (لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته عن كل شيء فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله هل رأيت ربك؟ فقال: سألته فقال: رأيت نوراً)]. قال أبو حاتم: معناه: أنه لم ير ربه، ولكن رأى نوراً علوياً من الأنوار المخلوقة]. وهذا صحيح، وهذا رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر: (هل رأيت ربك؟ قال: رأيت نوراً).

стр. 53

ذكر خبر أوهم من لم يحكم صناعة العلم أنه مضاد للقول برؤية النبي ربه بعين قلبه قال رحمه الله تعالى: [ذكر خبر أوهم من لم يحكم صناعة العلم أنه مضاد للخبر الذي ذكرناه: قال أخبرنا محمد بن صالح بن ذريح بعكبرا]. عكبرا مدينة، ومنها: أبو حفص العكبري. [حدثنا مسروق بن المرزبان حدثنا ابن أبي زائدة حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، قال: (قد رأى رسول الله ﷺ جبريل في حلة من ياقوت قد ملأ ما بين السماء والأرض)]. نعم هذه رؤية جبريل. [قال أبو حاتم: قد أمر الله تعالى جبريل ليلة الإسراء: أن يعلم محمداً ﷺ ما يجب أن يعلمه كما قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾ [النجم:٥ - ٧]، يريد به جبريل ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم:٨]، يريد به جبريل ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٩]، يريد به جبريل]. (فكان) يعني: جبريل ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم:٩]، يعني: من النبي ﷺ . قال: [﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠]، جبريل ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، يريد به ربه بقلبه في ذلك الموضع الشريف، ورأى جبريل في حلة من ياقوت قد ملأ ما بين السماء والأرض على ما في خبر ابن مسعود الذي ذكرناه.

стр. 54

ذكر تعداد عائشة قول ابن عباس في رؤية النبي لربه من أعظم الفرية قال رحمه الله تعالى: [ذكر تعداد عائشة قول ابن عباس الذي ذكرناه من أعظم الفرية. أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد بن مخلد حدثنا أبو الربيع حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن عبد ربه بن سعيد أن داود بن أبي هند عن عامر الشعبي عن مسروق بن الأجدع أنه سمع عائشة تقول: إن أعظم الفرية على الله من قال: إن محمداً ﷺ رأى ربه، وإن محمداً ﷺ كتم شيئاً من الوحي، وإن محمداً ﷺ يعلم ما في غد، قيل: يا أم المؤمنين وما رآه؟ قالت: لا، إنما ذلك جبريل رآه مرتين في صورته: مرة ملأ الأفق، ومرة ساد أفق السماء]. هذا هو الصواب، رأى جبريل مرتين: مرة في الأرض، ومرة في السماء، مرة في الوحي في الأرض عند البعثة، ومرة في السماء ليلة المعراج. قال أبو حاتم: [قد يتوهم من لم يحكم صناعة الحديث أن هذين الخبرين متضادان وليسا كذلك، إذ الله جل وعلا فضل رسوله ﷺ على غيره من الأنبياء حتى كان جبريل من ربه أدنى من قاب قوسين، ومحمد ﷺ يعلمه جبريل حينئذ]. كان جبريل من ربه ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم:٩]، والآية في سورة النجم ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٨ - ٩]، (ثم دنا) جبريل (فتدلى) يعني: من النبي ﷺ ، حتى كان جبريل من النبي ﷺ قاب قوسين أو أدنى، وفي حديث الإسراء كذلك أنه دنا جبريل، وهذا هو الذي عليه أكثر الأحاديث، وما جاء في الحديث الآخر الذي رواه شريك بن أبي نمر: فدنا الله تعالى من نبيه فكان قاب قوسين أو أدنى، قيل: إن هذا من أوهام شريك، ولكن ذكر ابن القيم ﵀: أن الدنو والتدلي في حديث الإسراء غير الدنو والتدلي في سورة النجم، فالدنو والتدلي الذي في سورة النجم دنو جبريل وتدليه، والدنو الذي في حديث الإسراء دنو الرب وتدليه ومر معنا هذا في البخاري وشرحناه في كتاب التوحيد، وذكر العلماء: أن هذا من أوهام شريك، وينظر إذا كان شريك تابعه أحد أم لا؟ فإن لم يتابعه أحد فيكون من أوهامه وأغلاطه، وإن تابعه أحد فيكون هذا يؤيد ما قاله ابن القيم ﵀. وجبريل رآه النبي بصورته الحقيقة التي خلق عليها في السماء مرة وفي الأرض عند البعثة. (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) وجبريل من خلقه وبينه وبينه حجب عظيمة، فقد احتجب الله من جبريل وغيره، جاء في بعض الآثار التي فيها ضعف ذكر حجب كثيرة، وجاء في بعضها وفيها ضعف: أن جبريل سئل: هل رأيت ربك؟ قال: إن بيني وبينه سبعين حجاباً أو نحوه. فالله لا يره أحد في الدنيا، ولما سأله موسى الرؤية قال: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣]، إذا كان الجبل اندك ولم يثبت بتجلي الله، فالمخلوق من باب أولى، لأن المخلوق أضعف. وكان جبريل يستفتح أبواب السماء وهو معه في الإسراء والمعراج. قال: [فرآه ﷺ بقلبه كما شاء]. وقوله: إن جبريل قد دنى من ربه قدر قاب قوسين يحتاج إلى دليل. قال: [وخبر عائشة وتأويلها أنه لا يدركه: تريد به في النوم ولا في اليقظة، وقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]]. وهذا ليس بصحيح فرؤية الله في المنام ليس هناك مانع منها وشيخ الإسلام ﵀ قرر بأن جميع الطوائف قالت برؤية الله في المنام إلا الجهمية، ولكن لا يلزم من ذلك كشف الحجب، ويقول: إن الإنسان يرى ربه على حسب اعتقاده، فإن كان اعتقاده صحيحاً رأى ربه في صورة حسنة، وإلا رآه على حسب اعتقاده، ولما كان النبي ﷺ أصح الناس اعتقاداً قال: (رأيت ربي في أحسن صورة)، وهو حديث اختصام الملأ الأعلى. قال: [وقوله: لا تدركه]. وابن حبان ﵀ له ملحوظات في العقيدة تخالف معتقد أهل السنة والجماعة، سيأتي الكلام عليها. قال: [قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فإنما معناه: لا تدركه الأبصار يرى في القيامة، ولا تدركه الأبصار إذا رأته؛ لأن الإدراك هو الإحاطة، والرؤية هي النظر]. والإحاطة قدر زائد على الرؤية، فالله يرى ولا يحاط به رؤيا، كما أنه يعلم ولا يحاط به علماً؛ لكمال عظمته، وكونه أكبر من كل شيء، وإذا كانت بعض المخلوقات يراها الإنسان ولا يحيط بها رؤيا، فأنت ترى السماء كلها من جميع الجهات، أو ترى جزءاً منها؟ وهي مخلوقة، والإنسان في المدينة يرى المدينة ولا يحيط بها رؤيا، ويرى الجبل ولا يحيط به رؤيا فالله أعلى وأجل وأعظم. قال: [والله يرى ولا يدرك كنهه؛ لأن الإدراك يقع على المخلوقين، والنظر يكون من العبد ربه، وخبر عائشة أنه لا تدركه الأبصار، قيل: معناه لا تدركه الأبصار في الدنيا وفي الآخرة إلا من يتفضل عليه من عباده]. هذا قوله: (إلا من يتفضل عليه من عباده) الله تعالى يراه المؤمنون في الآخرة، وهذا ليس فيه أشكال. قال: [بأن يجعل أهلاً لذلك، واسم الدنيا قد يقع على الأرضين والسماوات وما بينهما؛ لأن هذه الأشياء بدايات خلقها الله جل وعلا لتكتسب فيها الطاعات للآخرة التي بعد هذه البداية، فالنبي ﷺ رأى ربه في الموضع الذي لا يطلق عليه اسم الدنيا؛ لأنه كان منه أدنى من قاب قوسين، حتى يكون خبر عائشة أنه لم يره ﷺ في الدنيا من غير أن يكون بين الخبرين تضاد أو تهاتر]. يعني: ظاهره: أن ابن حبان يثبت الرؤية، وأنه قاب قوسين يعني: من الرب؛ وهذا هو الذي جاء في حديث شريك وقال العلماء: إنه وهم من شريك، قوله: قاب قوسين: أن هذا الرب، وإنما هذا جبريل، وفي كلام ابن حبان إيهام.

стр. 55

شرح صحيح ابن حبان_ كتاب العلم [١] إن من أجل القربات وأعظم الطاعات طلب العلم وتعلمه وتعليمه للناس، وهذا إذا ابتغى به صاحبه وجه الله والدار الآخرة، وترك الجدال والمراء بالباطل، وخشي الله واتقاه وعمل بالعلم الذي تعلمه.

стр. 56

فضل العلم وإثبات النصرة لأصحاب الحديث قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب العلم. ذكر إثبات النصرة لأصحاب الحديث إلى قيام الساعة. أخبرنا عمر بن محمد الهمداني]. الهمداني نسبة إلى قبيلة همدان، أما بالذال: همذان فهو نسبة إلى بلدة الشرق همذان. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم خذلان من خذلهم حتى تقوم الساعة)]. وهذا رواه مسلم في صحيحه: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله). قوله في الترجمة: [ذكر إثبات النصرة لأصحاب الحديث إلى قيام الساعة]، قيل للإمام أحمد: من هم الطائفة المنصورة؟ قال: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم، وقوله: (لا تزال طائفة من أمتي)، المعنى: أن الطائفة المنصورة هم المستقيمون على طاعة الله، المؤدون لفرائض الله، وفي مقدمتهم العلماء والمحدثون، وقد يكونوا مجتمعين وقد يكونوا متفرقين، منهم المزارع والنجار. والصحابة في المقدمة، والتابعون والمحدثون والعلماء ثم أشباههم كلهم داخل في عموم هذا الطائفة المنصورة. والفرقة الناجية والطائفة المنصورة واحدة. والحديث أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي.

стр. 57

ذكر الإخبار عن سماع المسلمين السنن خلفاً عن سلف قال المصنف ﵀: [ذكر الإخبار عن سماع المسلمين السنن خلفاً عن سلف أخبرنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا عبد الله بن جعفر البرمكي قال: حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم) عبد الله بن عبد الله الرازي ثقة كوفي]. هذا الحديث إسناده صحيح، أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي وأحمد. وفيه الحث على سماع السنن، وأنه ينبغي للعلماء أن يحدثوا، وأن يسمع منهم من بعدهم، ومن بعدهم يسمعوه إلى من بعدهم.

стр. 58

ذكر الإخبار عما يستحب للمرء كثرة سماع العلم ثم الاقتفاء والتسليم قال ﵀: [ذكر الإخبار عما يستحب للمرء كثرة سماع العلم ثم الاقتفاء والتسليم: أخبرنا أبو يعلى قال: حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا أبو عامر العقدي قال: حدثنا سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الملك بن سعيد بن سويد عن أبي حميد وأبي أسيد ﵃ أن النبي ﷺ قال: (إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب، فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفر عنه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد، فأنا أبعدكم منه)]. لعله: (وتُرون) يعني: تظنون، أما (تَرون) بالفتح تعلمون. قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه أحمد والبزار، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح. هذا الحديث يحتاج إلى تأمل في صحة هذا المعنى؛ لأن فيه فتح باب أن الإنسان يقول: هذا الحديث مناسب، لكن لو صح فهو محمول على أهل العلم والفقه.

стр. 59

ما جاء في الزجر عن كتبة المرء السنن مخافة أن يتكل عليها دون الحفظ لها قال رحمه الله تعالى: [باب الزجر عن كتبة المرء السنن مخافة أن يتكل عليها دون الحفظ لها: أخبرنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا كثير بن يحيى صاحب البصري قال: حدثنا همام عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي لله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تكتبوا عني إلا القرآن؛ فمن كتب عني شيئاً فليمحه). قال أبو حاتم ﵁: زجره ﷺ عن الكتبة عنه سوى القرآن أراد به الحث على حفظ السنن دون الاتكال على كتبتها وترك حفظها والتفقه فيها، والدليل على صحة هذا إباحته ﷺ لـ أبي شاه كتب الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ ، وإذنه ﷺ لـ عبد الله بن عمرو بالكتبة]. هذا ما ذهب إليه المصنف ﵀، ولكن جاء ما يدل على أن النهي إنما كان لأجل ألا يختلط بالقرآن غيره، فلما استقر الأمر وزال الإشكال أمر النبي ﷺ بالكتابة، وأذن ﷺ بالكتابة؛ فلهذا قال: (اكتبوا لـ أبي شاه)، كان عبد الله بن عمرو يكتب، قال أبو هريرة: إني من أكثر الناس حديثاً إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه يكتب ولا أكتب، المقصود أن النهي عن الكتابة لئلا يختلط بالقرآن غيره، لا لأجل أن يتكلوا على الكتابة، والمعنى الذي ذكره ابن حبان ﵀ فيه نظر، بل جاء ما يدل على أن النهي إنما هو لئلا يختلط بالقرآن في أول الأمر، ثم رخص بعد ذلك. وهذا الحديث إسناده قوي، وأخرجه أحمد ومسلم والدارمي والنسائي في فضل القرآن. وورد النهي في حديث النسائي أنه خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والنهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد، والإذن في تفريقهما، أو النهي متقدم والأذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس وهو أقربها مع أنه لا ينافيها، وقيل: النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أمن منه ذلك، ومنهم من أعل حديث أبي سعيد، وقال الصواب: وقفه على أبي سعيد. الأقرب أنه خشية الالتباس بالقرآن كما سبق. قال رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسين بن أحمد بن بسطام بالأبلة حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد حدثنا سفيان عن فطر عن أبي الطفيل عن أبي ذر ﵁ قال: (تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يطير بجناحيه إلا عندنا منه علم). قال أبو حاتم: معنى (عندنا منه) يعني: بأوامره ونواهيه وأخباره وأفعاله وإباحاته ﷺ .

стр. 60

ذكر دعاء المصطفى لمن أدى من أمته حديثاً سمعه قال المؤلف ﵀: [ذكر دعاء المصطفى ﷺ لمن أدى من أمته حديثاً سمعه: أخبرنا محمد بن عمر بن يوسف قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال: حدثنا عبد الله بن داود عن علي بن صالح عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه كما سمعه؛ فرب مبلغ أوعى من سامع)]. يعني: دعا له بالنضارة، وأن يجعل الله وجهه نضراً (فرب مُبلغ) الذي يبلغه الحديث (أوعى له من سامع)، وفي اللفظ الآخر: (ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه)، فقد يكون الذي بلغ ليس بفقيه، والذي يبلغه فقيه يستنبط منه أحكامه وفوائده. والحديث إسناده حسن من أجل سماك بن حرب، قال الحافظ في التقريب: صدوق، وقد تغير بآخره، فكان ربما تلقن، فمثله لا يرقى حديثه إلى الصحة، وأخرجه أبو نعيم وأحمد والترمذي وابن ماجة.

стр. 61

ذكر رحمة الله من بلغ أمة المصطفى حديثاً صحيحاً عنه قال المؤلف ﵀: [ذكر رحمة الله جل وعلا من بلغ أمة المصطفى ﷺ حديثاً صحيحاً عنه: أخبرنا أبو خليفة قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة قال: حدثني عمر بن سليمان - هو ابن عاصم بن عمر بن الخطاب - عن عبد الرحمن بن أبان -هو ابن عثمان بن عفان -عن أبيه قال: خرج زيد بن ثابت عند مروان قريباً من نصف النهار، فقلت: ما بعث إليه إلا لشيء سأله، فقمت إليه فسألته، فقال: أجل سألنا عن أشياء سمعناها من رسول الله ﷺ : (رحم الله امرأ سمع مني حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه، ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)]. والحديث إسناده صحيح أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والطبراني. وفيه بيان مشروعية التبليغ عن النبي ﷺ ، فمن علم شيئاً وتأكد منه عليه أن يبلغه. ومعنى: (لا يغل عليهن قلب مسلم): الغلول: هو الإخفاء، يعني: لا يخفي هذا ويترك هذا الشيء وإنما يلزم الجماعة، وينصح ولاة الأمور ويحب الخير لهم. وإخلاص العمل لله، يعني: أن يعتقد الإخلاص، ويصرف عمله لله، وكذلك أيضاً ينصح لولاة الأمور. وقوله: (يغل) بتشديد اللام، قال ابن الأثير: معنى الغل وهو الحقد والشحناء، أي: لا يدخله حقد يزيله عن الحق، وروي: يغل بالتخفيف من الوغول الدخول في الشر، ويروى بضم الياء من الإغلال وهو الخيانة، والمعنى: أن هذه الخلال الثلاث تستصلح بها القلوب، فمن تمسك بها طهر قلبه من الخيانة والدغل والشر، انظر النهاية].

стр. 62

ذكر البيان بأن هذا الفضل إنما يكون لمن أدى حديث المصطفى كما سمعه سواء قال ﵀: [ذكر البيان بأن هذا الفضل إنما يكون لمن أدى ما وصفنا كما سمعه سواء من غير تغيير ولا تبديل فيه]. يعني: تبليغ الحديث لابد أن يكون من غير زيادة ولا نقصان. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا صفوان بن صالح قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا شيبان قال: حدثني سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: (رحم الله من سمع مني حديثاً فبلغه كما سمعه؛ فرب مبلغ أوعى له من سامع)]. إسناده حسن.

стр. 63

ذكر إثبات نضارة الوجه في القيامة من بلغ للمصطفى سنة صحيحة كما سمعها قال رحمه الله تعالى: [ذكر إثبات نضارة الوجه في القيامة من بلغ للمصطفى ﷺ سنة صحيحة كما سمعها. أخبرنا ابن خزيمة قال: حدثنا محمد بن عثمان العجلي قال: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع)]. قوله: (نضر الله) هذا خبر بمعنى الدعاء، والمعنى: دعاء له بالنضارة، والنضارة الحسن والبهاء والبهجة، وهذا يكون سببه السرور؛ لأن الله ينعمه يوم القيامة، فهو دعاء بأن ينعمه الله في الجنة حتى تحصل له النضارة والبهجة والسرور.

стр. 64

ذكر عدد الأشياء التي استأثر الله تعالى بعلمها دون خلقه قال رحمه الله تعالى: [ذكر عدد الأشياء التي استأثر الله تعالى بعلمها دون خلقه. أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف حدثنا أبو عمر الدوري حفص بن عمر حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (مفاتيح الغيب خمس: لا يعلم ما تضع الأرحام أحد إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة)]. وهذه مفاتيح الغيب ذكرها الله تعالى في آخر سورة لقمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]، ففي الآية: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤]، وفي الحديث يقول: (لا يدري متى تضع). وهو حديث صحيح أخرجه البخاري في التفسير من طريق مالك، وأخرجه أحمد في المسند. لكن بهذا اللفظ (متى تضع) الآن الأطباء يعلمون الأجنة بعد أن تخلق، لكن قبل أن تخلق لا يعلمها إلا الله، ولهذا يقول الملك: (يا رب ذكر أو أنثى؟ أشقي أم سعيد).

стр. 65

ذكر خبر ثان يصرح بالأشياء التي استأثر الله تعالى بعلمها قال رحمه الله تعالى: [ذكر خبر ثان يصرح بصحة ما ذكرناه. أخبرنا محمد بن عبد الرحمن السامي حدثنا يحيى بن أيوب المقابري حدثنا إسماعيل بن جعفر قال: وأخبرني عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : (مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما تغيض الأرحام أحد إلا الله، ولا ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة أحد إلا الله).

стр. 66

ما جاء في الزجر عن العلم بأمر الدنيا مع الانهماك فيها والجهل بأمر الآخرة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الزجر عن العلم بأمر الدنيا مع الانهماك فيها والجهل بأمر الآخرة، ومجانبة أسبابها. أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن حدثنا أحمد بن يوسف السلمي أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يبغض كل جعظري جواظ سخاب بالأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة)]. قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه البيهقي في السنن من طريق أبي بكر القطان عن أحمد بن يوسف السلمي بهذا الإسناد. والجواظ قيل: هو القصير البطين، وقيل: هو كثير اللحم المختال في مشيته، وقيل: الأكول، ويقال: الفاجر. والسخاب بالأسواق هو الذي يكثر الصياح واللجاج مع غيره عند البيع والشراء. قوله: (جيفة بالليل) يعني: ينام أكثر الليل أو الليل كله، ولا يقوم لصلاة الصبح؛ لأنه أرهق نفسه بالأعمال المتعبة. وقوله: (حمار النهار) يعني: يعمل للدنيا. وقوله: (عالم بأمر الدنيا) يعني: تجده في أمور الدنيا خبيراً بما يجلب له الخير، ويدفع عنه الضر. قوله: (جاهل بأمور الآخرة): يعني: أنه لم يتفقه في دينه مما يجب عليه أن يعلمه؛ لأنه شغل نفسه بأمور الدنيا، فجعل الدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه.

стр. 67

ما جاء في الزجر عن تتبع المتشابه من القرآن للمرء المسلم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الزجر عن تتبع المتشابه من القرآن للمرء المسلم. أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا حبان أخبرنا عبد الله حدثنا يزيد بن إبراهيم التستري حدثني ابن أبي مليكة عن القاسم بن محمد عن عائشة: (أن رسول الله ﷺ تلا قول الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] إلى آخرها، فقال: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاعلموا أنهم الذين عنى الله فاحذروهم)]. يعني: هؤلاء يتبعون المتشابه، قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧] والزيغ: هو ميل عن الشيء، ومنه زاغت الشمس: إذا مالت عن وسط السماء إلى الغروب، فالزيغ هو الميل عن الحق وعن الاستقامة، فالذي يصفه بأنه زائغ فهو من يتبع المتشابه. قوله: (ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) يعني: طلباً لفتنة الناس، والتلبيس عليهم في دينهم، وإفساداً فيما بينهم. وأما الراسخون في العلم فيقولون: آمنا بالله، أما هؤلاء الزائغون فقال النبي ﷺ : (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) يعني: الذين سمى الله في هذه الآية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٧] وهذا فيه التحذير من اتباع المتشابه، وهي حقائق الأسماء والصفات، وحقائق ما يكون في اليوم الآخر، فلا يعلمها إلا الله.

стр. 68

شرح حديث: (أنزل القرآن على سبعة أحرف) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا أبو خيثمة حدثنا أنس بن عياض عن أبي حازم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (أنزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر ثلاثاً؛ ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتهم منه فردوه إلى عالمه). قال أبو حاتم ﵁: قوله ﷺ : (ما عرفتم منه فاعملوا به) أضمر فيه الاستطاعة، يريد: اعملوا بما عرفتم من الكتاب ما استطعتم. وقوله: (وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه) فيه الزجر عن ضد هذا الأمر، وهو ألا يسألوا من لا يعلم]. اختلف العلماء في المقصود بالسبعة الأحرف، هل هي سبع لغات أو سبع معاني؟ وجاء أنها سبعة أوجه من المعاني على حسب لغات القبائل. ثم بعد ذلك لما اختلف الصحابة زمن عثمان في القراءات جمعهم على القراءات الثابتة عن رسول الله ﷺ وفق العرضة الأخيرة، لا أنه ألغى الأحرف السبعة كما يظن البعض.

стр. 69

ما جاء في ذكر العلة التي من أجلها قال النبي: (وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر العلة التي من أجلها قال النبي ﷺ : (وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه). أخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا إسحاق بن سويد الرملي حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن محمد بن عجلان عن أبي إسحاق الهمداني عن أبي الأحوص عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن)]. وهذا الحديث إسناده حسن. قوله: (وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه). يعني: الخفي ردوه إلى عالمه. قال شعيب الأرنؤوط: وعلق عليه الشيخ محمود شاكر حفظه الله ورعاه، فقال: الظاهر: هو ما تعرفه العرب من كلامها، وما لا يعرض أحد بجهالته من حلال وحرام، والباطن: هو التفسير الذي يعلمه العلماء بالاستنباط والفقه، ولم يرد الطبري ما تفعله الطائفة الصوفية وأشباههم في التلاعب بكتاب الله تعالى وسنة رسوله، والعبث بدلالات ألفاظ القرآن وادعائهم أن لألفاظه ظاهراً هو الذي يعلمه علماء المسلمين، وباطناً يعلمه أهل الحقيقة فيما يزعمون، وانظر كلام البغوي في شرح السنة (١/ ٢٦٣). يعني: الظاهر ما يعلمه كل أحد، والباطن ما يعلمه العلماء، قال ابن عباس ﵀: التفسير على أربعة أنحاء: تفسير لا يعذر أحد بجهله، وتفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله.

стр. 70

ما جاء في الزجر عن مجادلة الناس في كتاب الله مع الأمر بمجانبة من يفعل ذلك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الزجر عن مجادلة الناس في كتاب الله مع الأمر بمجانبة من يفعل ذلك. أخبرنا الحسن بن سفيان الشيباني حدثنا عاصم بن النضر الأحول حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت أيوب يحدث عن ابن أبي مليكة عن عائشة أنها قالت: (قرأ نبي الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] إلى قوله: ﴿أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧] قالت: فقال رسول الله ﷺ : إذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عنى الله فاحذروهم. قال مطر: حفظت أنه قال: لا تجالسوهم فهم الذين عنى الله فاحذروهم). قال أبو حاتم: سمع هذا الخبر أيوب عن مطر الوراق وابن أبي مليكة جميعاً]. قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه الطبري في جامع البيان من طريق المعتمر بن سليمان بهذا الإسناد. وقول أبي حاتم: (سمع هذا الخبر أيوب عن مطر الوراق وابن أبي مليكة): هذا خطأ، وصواب العبارة: سمع هذا الخبر أيوب ومطر الوراق عن ابن أبي مليكة جميعاً.

стр. 71

ما جاء في وصف العلم الذي يتوقع دخول النار في القيامة لمن طلبه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر وصف العلم الذي يتوقع دخول النار في القيامة لمن طلبه. أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد المروزي بالبصرة حدثنا محمد بن سهل بن عسكر حدثنا ابن أبي مريم عن يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا تماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار)]. قال شعيب الأرنؤوط: رجاله ثقات رجال الصحيح. وأخرجه ابن ماجة، وقال البوصيري في زوائده: هذا إسناد رجاله ثقات على شرط مسلم.

стр. 72

شرح حديث: (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن يحيى بن محمد بن مخلد حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود حدثنا ابن وهب قال: أخبرني أبو يحيى بن سليمان الخزاعي عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا، لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة). ]. وهذا وعيد شديد، والواجب على الإنسان أن يجاهد نفسه وأن يطلب العلم لله؛ لأن طلب العلم من أجلِّ القربات وأفضل الطاعات، والعبادة لا بد فيها من أن تكون خالصة لله، وموافقة للشرع. قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦] فجاهد نفسك حتى يكون العمل خالصاً لوجه الله، قال بعض السلف: طلبنا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله، يعني: في أول الأمر طلب العلم لأجل الدنيا، ثم بعد ذلك لما ذاق حلاوة العلم حسنت نيته. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأخبرنا عمر بن محمد بن بجير حدثنا أبو الطاهر بن السرح أنبأنا ابن وهب بإسناده مثله].

стр. 73

ما جاء في الزجر عن مجالسة أهل الكلام والقدر ومفاتحتهم بالنظر والجدال قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الزجر عن مجالسة أهل الكلام والقدر ومفاتحتهم بالنظر والجدال. أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا أبو خيثمة وهارون بن معروف قالا: حدثنا المقرئ حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن عطاء بن دينار عن حكيم بن شريك عن يحيى بن ميمون الحضرمي عن ربيعة الجرشي عن أبي هريرة عن عمر بن الخطاب أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تجالسوا أهل القدر، ولا تفاتحوهم)]. هذا الحديث فيه ضعف. قال شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف لجهالة حكيم بن شريك الهذلي كما قال أبو حاتم. لكن أهل القدر هم من المبتدعة، ولا ينبغي أن يجالس المرء أهل البدع، إلا إذا أراد أن يرد عليهم وينكر عليهم، ويدعوهم إلى الله، ويبين باطلهم.

стр. 74

ما جاء في أن النبي كان يتخوف على أمته جدال المنافق قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر ما كان يتخوف ﷺ على أمته جدال المنافق. أخبرنا أبو يعلى حدثنا خليفة بن خياط حدثنا خالد بن الحارث حدثنا حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : (أخوف ما أخاف عليكم جدال المنافق عليم اللسان)]. قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري، وأخرجه البزار عن محمد بن عبد الملك عن خالد بن الحارث بهذا الإسناد، وقال: لا نحفظه إلا عن عمر، وإسناد عمر صالح فأخرجناه عنه، وأعدناه عن عمران لحسن إسناده. وفيه النهي عن جدال المنافق عليم اللسان، وفي هذا الزمن المنافقون يتكلمون في الصحف والفضائيات، وهم زنادقة، يضلون الناس عن الحق، ويجادلون بالباطل ويدافعون عن السفور والمجون، ويطعنون في الأحاديث التي فيها الأمر بالحجاب، والمنافقون عندهم فصاحة وعندهم شبه، فينبغي للمسلم أن يحذرهم ويحذر منهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا محمد بن مرزوق حدثنا محمد بن بكر عن الصلت بن بهرام حدثنا الحسن عن جندب البجلي في هذا المسجد: أن حذيفة حدثه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن ما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن، حتى إذا رئيت بهجته عليه وكان ردئاً للإسلام غيّره إلى ما شاء الله، فانسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك، قال: قلت: يا نبي الله، أيهما أولى بالشرك، المرمي أم الرامي؟ قال: بل الرامي)]. قال شعيب الأرنؤوط: أخرجه البزار عن محمد بن مرزوق والحسن بن أبي كبشة كلاهما عن محمد بن بكر البرساني بهذا الإسناد، وقال: لا نعلمه يروى إلا عن حذيفة، وإسناده حسن.

стр. 75

ما جاء في أن الواجب على المرء أن يسأل العلم النافع قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر ما يجب على المرء أن يسأل الله جل وعلا العلم النافع، رزقنا الله إياه وكل مسلم. أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن أسامة بن زيد عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (اللهم إني أسألك علماً نافعاً، وأعوذ بك من علم لا ينفع)]. قال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن، رجاله رجال مسلم، أسامة بن زيد وهو الليثي مولاهم أبو زيد المدني، صدوق يهم، فهو حسن الحديث.
следующие страницы →