← Акыда

Акыда · id 37010

دروس في العقيدة - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (427 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

النفاق وخطره بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد سبق الكلام على التوحيد وما يناقضه وينافيه، وينافي كماله، وعرفنا أن التوحيد يناقضه وينافيه الشرك والكفر، والشرك يتنوع إلى أنواع، كما أن الكفر يتنوع إلى أنواع، فالشرك نوعان: أكبر وأصغر، والكفر نوعان: أكبر وأصغر. وكذلك الظلم نوعان: ظلم أكبر، وظلم أصغر، وكذلك الفسق يتنوع إلى نوعين: فسق أكبر وفسق أصغر، وكذلك النفاق نوعان: نفاق أكبر ونفاق أصغر.

стр. 317

صور من الكفر الأكبر قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبيناً أن الأربعة الأنواع الأخيرة من النفاق: ثم هنا نفاقان: نفاق لأهل العلم والكلام، ونفاق لأهل العمل والعبادة. فأما النفاق المحض الذي لا ريب في كفر صاحبه، كأن لا يرى وجوب تصديق الرسول ﷺ في خبره، ولا وجوب طاعته في أمره، وإن اعتقد مع ذلك أن الرسول عظيم القدر علماً وعملاً، وأنه يجوز تصديقه وطاعته، لكنه يقول: لا يضر اختلاف الملل إذا كان المعبود واحداً، وأنه تحصل النجاة والسعادة بمتابعة الرسول ﷺ وبغير متابعته، كما هو قول الصابئة الفلاسفة، يقولون: تحصل السعادة والنجاة بمتابعة الرسول صلى الله وسلم وبغير متابعته، إما من جهة الفلسفة والصبو، أو من جهة التهود والتنصر، فإنهم وإن صدقوا الرسول ﷺ وأطاعوه لكنهم لا يوجبون ذلك، ولا يرون وجوب ذلك على أهل الأرض جميعاً، بحيث يكون التارك لتصديقه وطاعته معذباً، بل يرون ذلك مثل التمسك بمذهب إمام أو طريقة شيخ أو طاعة ملك، قال: وهذا دين التتار ومن دخل معهم. أي: وبيان هذا النفاق أنه لا يرى أنه يجب تصديق الرسول ﷺ وتجب طاعته، بل يجوز أن تصدقه ويجوز أن تطيعه، والسعادة والنجاة تحصل من طريق الرسول ومن غير طريقه، كطريق الفلسفة أو الصبو أو التهود أو التنصر، فهؤلاء منافقون ولو صدقوا الرسول وأطاعوه؛ لأنهم لا يرون وجوب تصديقه ولا يرون وجوب طاعته على الناس جميعاً، بحيث لا يكون الذي لم يصدق الرسول ولم يتبعه معذباً، بل يرون طاعة الرسول مثل التمسك بمذهب إمام من الأئمة، أو مثل الدخول في طريقة شيخ من الشيوخ، أو مثل الدخول في طاعة ملك من الملوك، وهذا دين التتار ومن دخل معهم. ثم قال ﵀: فأما النفاق الذي هو دون هذا كأن يطلب العلم بالله من غير خبره، أو العمل لله من غير أمره، كما يبتلى بالأول كثير من المتكلمة، وبالثاني كثير من المتصوفة، فإنهم يوجبون تصديق الرسول ﷺ ويوجبون طاعته، لكنهم في سلوكهم العلمي والعملي غير سالكين هذا المسلك، بل يسلكون مسلكاً آخر، إما من جهة القياس والنظر، وإما من جهة الذوق والوجد، وإما من جهة التقليد. قال ﵀: فانظر نفاق الصنفين مع اعترافهم باطناً وظاهراً بأن الرسول أفضل الخلق وأكمل الخلق، وأنه رسول وأنه أعلم الناس، لكنهم لم يوجبوا متابعته وسوغوا ترك متابعته، فقد كفروا. وإذا أرادوا أن يعلموا ما يتصف به الله من الصفات؛ فلا يأخذون ذلك من الكتاب والسنة، وإنما يأخذونه عن طريق العقل أو عن طريق مناهج أهل الفلسفة، فهذا هو النفاق الأكبر الذي يخرج من الملة ويحبط الأعمال ولا يغفره الله ويوجب الخلود في الدرك الأسفل من النار.

стр. 318

صور من النفاق الأصغر أما النوع الثاني من النفاق: فهو نفاق أصغر لا يخرج من الملة ولا يحبط الأعمال ولا يوجب الخلود في النار، بل هو معصية من المعاصي، وضابطه أنه يكون في العمل، وهو كل ما ورد من الأعمال تسميته نفاقاً، وهذا له أمثلة، منها: الكذب في الحديث، والخلف في الوعد، والخيانة في الأمانة، والفجور في الخصومة، والغدر في العهد، والإعراض عن الجهاد، والكسل عند القيام إلى الصلاة، والمراءاة للناس في العمل، وعدم ذكر الله في الصلاة إلا قليلاً، وتأخير الصلاة عن وقتها، ونقرها كنقر الغراب، والتخلف عن صلاة الجماعة، فكل هذه أمثلة للنفاق الأصغر، ولها أدلتها من الكتاب والسنة. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (آية - أي: علامة- المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)، وفي صحيح مسلم: (وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم)، يعني: وزعم أنه مسلم حقاً، فليس إسلامه حقيقياً، وإنما إسلامه ناقص. وثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر). قال بعض العلماء تعليقاً على هذا الحديث: هذه الخصال التي ذكرها النبي ﷺ الأربع قد تجتمع مع أصل الإسلام أو الإيمان، ولكنها إذا استحكمت وكملت فقد ينسلخ صاحبها من الإسلام بالكلية، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهى عن هذا الخلال، فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا لا يكون إلا منافقاً خالصاً، وقد تجتمع كلها في العبد ويكون عاصياً، لكنها إذا بلغت الغاية والنهاية في الاستحكام والكمال فهي تدل على النفاق الأكبر وتجره إليه، لأنه لو لم يكن منافقاً نفاق كفر لما استحكمت وكملت، فلما استحكمت وكملت وبلغت الغاية والنهاية دل ذلك على أن صاحبها ليس عنده شيء من الإيمان وأنه منافق خالص، وإلا فالأصل أنها معاص. والدليل على أن الإعراض عن الجهاد من النفاق: ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق)، فالإعراض عن الجهاد خصلة من خصال النفاق. والدليل على أن الكسل والرياء وعدم ذكر الله إلا قليلاً من النفاق قول الله تعالى عن المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢]. والدليل على أن تأخير الصلاة عن وقتها ونقرها كنقر الغراب من صفات المنافقين ما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كادت أن تغرب بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً)، فهو يؤخر صلاة العصر إلى غروب الشمس، وينقرها كنقر الغراب. والدليل على أن التخلف عن الجماعة من صفات المنافقين، أو من النفاق العملي ما ثبت عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: (من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، وإنكم لو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق). فقوله: (ولقد رأيتنا)، يعني الصحابة، (وما يتخلف عنها)، يعني: عن صلاة الجماعة في المسجد، ثم قال: (ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف). فـ عبد الله بن مسعود ﵁ يذكر أنه لا يتخلف عن صلاة الجماعة إلا منافق معلوم النفاق.

стр. 319

خوف الصالحين من النفاق والنفاق قد خافه الصحابة رضوان الله عليهم على أنفسهم لكمال علمهم بالله، وكمال معرفتهم بربهم، وكمال تعظيمهم له، وكانوا يخشون من النفاق على أنفسهم، حتى قال عبد الله بن أبي مليكة رحمه الله تعالى -وهو تابعي جليل-: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه! ما منهم من يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل. وهذا النفاق الذي خشيه الصحابة على أنفسهم هو النفاق العملي؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم يعلمون أنهم مؤمنون بالله ورسوله، ولا يخشون من الكفر، وإنما يخشون من النفاق أن يكون في الأعمال، ومثله قول عمر ﵁ لـ حذيفة: هل تعلم فيَّ شيئاً من النفاق؟ وفي رواية: هل عدني رسول الله ﷺ من المنافقين؟ قال: لا، ولا أزكي بعدك أحداً أبداً. قال الحافظ ابن حجر ﵀: والمراد بالنفاق النفاق العملي. والنفاق الأكبر هو الذي يخرج من الملة ويحبط الأعمال ولا يغفره الله إلا بالتوبة منه ويوجب الخلود في النار في دركها الأسفل. فهذا النفاق داء عضال، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: قد يكون الرجل ممتلئاً منه وهو لا يشعر، فإنه أمر خفي، أي أنه خفي على الناس وقد يتلبس به الإنسان وهو لا يشعر، فيظن أنه مصلح وهو مفسد.

стр. 320

كيف يعامل المنافقون ولقد هتك الله أستار المنافقين، وكشف أسرارهم وجلّى صفاتهم وأمورهم لعباده المؤمنين حتى يكونوا منهم على حذر، فإن المنافقين كثيرون ويعيشون بين المسلمين في كل زمان ومكان، وبلية الإسلام منهم عظيمة، وفتنتهم شديدة، وهم يعيشون بين المسلمين ويتظاهرون بالإسلام وينسبون إليه وإلى أهله، ويظهرون أنهم ينصرون الإسلام، وهم يكيدون له ولأهله، وهم أعداء الإسلام في الحقيقة، يتلونون بكل لون، ويظهرون كفرهم في قالب متنوع ومتلون، في قالب العلم والصلاح وهو الجهل والإلحاد. وكفر المنافقين أشد من كفر الكفار باطناً وظاهراً، والمنافقون كفار في الباطن مسلمون في الظاهر، وتجرى عليهم أحكام الإسلام في الظاهر إذا لم يظهروا نفاقهم، فهم يغسلون إذا ماتوا ويصلى عليهم، ويدفنون مع المسلمين في مقابرهم، ويرثون ويورثون، لكن من أظهر منهم نفاقه فإنه يقتل ويعامل معاملة الكفار، فإذا أخفى نفاقه ولم يظهر لنا إلا الإسلام فإنه تجرى عليه أحكام الإسلام، كما كان الرسول ﷺ يجري أحكام الإسلام على المنافقين في زمنه، فإن عبد الله بن أبي بن سلول رئيس المنافقين كان يصلي الجمعة مع النبي ﷺ ، وكان يعظ الناس ويقول: احمدوا الله واشكروه على هذا النبي واتبعوه. فلما كان بعد غزوة أحد وانحاز بثلث الجيش تكلم بعض أصحابه وقال: عرفناك يا عدو الله، أو كلمة نحوها، فخرج وجعل يتكلم وهو يمشي ويقول: أنا أريد أن أشد أمره، وهو يريد أن يعليه. أو كما قال. ولما مات عبد الله بن أبي ووضع في حفرته جاءه النبي ﷺ فاستخرجه من القبر وألبسه قميصه ونفث فيه من ريقه، وقام ليصلي عليه، فجره عمر وقال: يا رسول الله تصلي عليه وقد قال كذا وكذا؟! فقال النبي ﷺ : (أخر عني يا عمر، فإني خيرت، فقيل: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠]، فو الله لو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت على السبعين)، وهذا ثبت في صحيح البخاري، ثم صلى عليه، وذلك قبل النهي عن الصلاة عليهم، ثم بعد ذلك نزلت الآية، وهي قول الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤]، فلم يصلِّ النبي ﷺ على أحد بعد ذلك، والنبي ﷺ عندما استخرج عبد الله بن أبي من قبره وكفنه قميصه ونفخ فيه من ريقه فعل ذلك رجاء أن ينفعه الله بذلك، ومراعاة لابنه عبد الله وللأوس والخزرج؛ فإن عبد الله بن عبد الله بن أبي من أصلح عباد الله، وألبسه قميصه مكافأة له؛ لأنه أعطى العباس عم النبي قميصاً، وكان العباس رجلاً طويلاً، فلم يوجد للعباس ثوب يناسبه في الطول إلا ثوب عبد الله بن أبي، فأعطاه إياه، فكافأه النبي ﷺ وألبسه قميصه، وصلى عليه؛ لأنه ما نهي عن الصلاة عليه، ولعل الله أن ينفعه. فالمنافقون تجرى عليهم أحكام الإسلام في الظاهر، والله تعالى هو الذي يتولى السرائر، وفي الآخرة إذا كانوا كفاراً فهم في الدرك الأسفل من النار، فإن أظهروا شيئاً من كفرهم كالعمل أو القول الكفري فإنهم يقتلون من قبل الحاكم الشرعي، أو من قبل ولاة الأمر.

стр. 321

المنافقون في القرآن والله جلّى لعباده صفات المنافقين ليكونوا منهم على حذر؛ لشدة فتنتهم وشدة الابتلاء بهم، ولكونهم يعيشون بين المسلمين، وهم يكيدون للإسلام وأهله، فالله تعالى ذكر صفاتهم في بعض سور القرآن، فقد ذكرهم الله في سورة البقرة، وفي سورة آل عمران، وفي سورة التوبة، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة محمد، وفي سورة الفتح، وفي سورة المنافقون.

стр. 322

صفات المنافقين في سورة البقرة افتتح الله تعالى سورة البقرة ببيان طوائف الناس الثلاث، فذكر أن الطوائف ثلاث: الطائفة الأولى: مؤمنون ظاهراً وباطناً، وقد ذكرهم الله في أربع آيات. الطائفة الثانية: كفار ظاهراً وباطناً، وقد ذكرهم الله في آيتين. الطائفة الثالثة: كفار باطناً مسلمون ظاهراً، وهم المنافقون، وقد ذكرهم الله في ثلاث عشرة آية، قال الله تعالى في وصف المؤمنين: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٢ - ٥]، فهذه صفات المؤمنين باطناً وظاهراً، فهم يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة، وينفقون مما رزقهم الله، ويؤمنون بما أنزل على الرسول وما أنزل من قبله، ويصدقون بالآخرة. ثم ذكر أوصاف الكفار ظاهراً وباطناً فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٦ - ٧]. ثم ذكر المنافقين الذين هم كفار في الباطن ومسلمون في الظاهر في ثلاث عشرة آية، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨]. فالوصف الأول: أنهم يؤمنون باللسان ويكفرون بالقلب، فالله تعالى أثبت لهم الإيمان بالقول، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ونفى عنهم الإيمان في القلب، فقال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. والوصف الثاني: الخداع، قال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٩]. ومن أوصافهم حصول الشك والنفاق في قلوبهم، قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة:١٠]، أي: مرض الشك والنفاق: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:١٠]. ومن أوصافهم أنهم يفسدون في الأرض ويسمون إفسادهم إصلاحاً، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١]، فرد الله عليهم: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٢]. ومن أوصافهم أنهم يسمون الإيمان سفهاً والمؤمنين سفهاء، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة:١٣]، فرد الله عليهم بقوله: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٣]. وقال تعالى عنهم: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤]. فالمنافق له وجهان: وجه مع المؤمنين وآخر مع الكافرين، فإذا لقي المؤمنين قال: أنا مؤمن، وإذا ذهب إلى المنافقين والكفار قال: أنا أستهزئ بأولئك المؤمنين وأسخر منهم، وأنا معكم. قال الله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٥ - ١٦]. ثم ضرب الله لهم مثلاً نارياً ومثلاً مائياً، فالمثل الناري قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة:١٧ - ١٨]، فهم عرفوا الحق، ورأوا النور ثم عموا عنه وتركوه، كمثل الذي استوقد ناراً فأضاءت ما حوله ثم ذهب الله بنورهم. ثم ضرب الله لهم المثل المائي فقال: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٩ - ٢٠]، أي: ليس عندهم ثبات واستقامة، بل عندهم شك وتردد؛ لأن النفاق يتفاوت فيهم، فمنهم من نفاقه مستحكم، ومنهم من عنده شك، ومنهم من يؤمن مرة ويكفر مرة أخرى، كالذي يمشي في ليلة ممطرة فيها ظلمات ورعد وبرق، فكلما أضاء البرق مشى، وإذا أظلم وقف، أي: عنده شك وتردد، نسأل الله السلامة والعافية. وذكرهم الله تعالى في سورة البقرة فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤]، أي: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا، فيتكلم بكلام طيب حتى تغتر به وتطمئن إليه، ويشهد الله على ما في قلبه أنه صادق، وهو كاذب ومن ألد الخصام! ومن أعمالهم ما ذكرها الله بقوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥]، فهذه من أوصاف المنافقين، وكذلك ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦].

стр. 323

صفات المنافقين في سورة آل عمران وذكر الله تعالى أوصافهم في سورة آل عمران، ففي غزوة أحد لما حصل للمسلمين ما حصل، وكان في أول الأمر النصر للمسلمين، ثم لما ترك الرماة الموقف وحصل ما حصل بين الله حال المؤمنين وحال المنافقين، فقال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ [آل عمران:١٥٣] أي: إذ تهربون ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٣ - ١٥٤]، فالله تعالى أنزل النعاس على المؤمنين لتطمئن قلوبهم. ولهذا قال العلماء: النعاس في الحرب من الله، بخلاف النعاس في الصلاة، فإنه من الشيطان، فالنعاس فيها يكون من النفاق، أما النعاس في الحرب فهو يدل على الإيمان، قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال:١١]، وفي الآية الأخرى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] وهم المؤمنون، ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، وهم المنافقون، فليس عندهم نعاس، بل عندهم رعب وخوف وهلع، وهل يمكن للإنسان أن يكون عنده رعب وخوف وهلع ويكون عنده نعاس؟! وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤] أن الكفار ظنوا أن الدائرة ستكون لهم، وأنهم سوف يقضون على الإسلام قضاء مبرماً، وقد بين الله هذا الظن في سورة الفتح بقوله: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح:١٢]، فظنوا أن الرسول ﵊ والصحابة لا يرجعون إلى المدينة، وسيقضون عليهم قضاء مبرماً وينتهي الإسلام. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤]، وهذا الكلام قاله عبد الله بن أبي، حيث قال: على أي شيء نخرج ونقتل أنفسنا؟! فرد الله عليهم: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١٥٤]. وقال سبحانه بعد آيات في بيان غزوة أحد وما أصاب المسلمين: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران:١٦٦ - ١٦٧] أي أن الهزيمة بإذن الله، ولأجل أن يعلم المؤمنين أنه إنما يظهر الإيمان ويستقر بعد المحنة والامتحان والابتلاء، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران:١٦٦ - ١٦٧] أي: لأجل أن يخرجوا ما في نفوسهم من كراهية للإسلام والمسلمين، ولهذا فإن النفاق لم يظهر إلا بعد غزوة بدر، قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٦٧]، وهذا من صفات المنافقين، فهم يقولون كلاماً يخالف ما في قلوبهم، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران:١٦٧]. ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾ [آل عمران:١٦٨] وهم المنافقون حينما قعدوا عن الجهاد وقالوا لإخوانهم: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٦٨]، أي: قالوا للذين خرجوا من المدينة للقتال: لو أطاعونا في عدم الخروج للقتال ما قتلوا. قال الله: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٦٨]، أي: ادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين. ولا يستطيعون.

стр. 324

صفات المنافقين في سورة التوبة وفي سورة التوبة جلّى الله تعالى كثيراً من أوصاف المنافقين، وبينها وأوضحها وهتك أستارهم وكشفها، ولهذا تسمى هذه السورة بالفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين، وخاف منها المنافقون خوفاً عظيماً، حتى خافوا أن يسموا بأسمائهم من كثرة ما بين الله من أوصافهم بقوله: (ومنهم)، (ومنهم)، (ومنهم). ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٤١]، فقد أمر الله بالنفير والجهاد بالمال والنفس، وبين أن هذا خير لهم، ثم بين حال المنافقين عند النفير للجهاد، فقال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة:٤٢]، فلو كان هناك غنيمة والسفر ليس متعباً، كما لو كان غير طويل، وكان على الرواحل وعلى الإبل فإنهم سيتبعونك، أما السفر إلى تبوك فسفر طويل والوقت شديد، وبينها وبين المدينة مفازات، فهذا لا يصبر عليه إلا من عنده إيمان، أما المنافق فلا يصبر على هذا، ولذلك تختلف كثير من المنافقين، ولما رجع النبي ﷺ إلى المدينة حلفوا أن لهم أعذاراً، فقبل النبي ﷺ منهم على نياتهم ووكل سرائرهم إلى الله. وقوله تعالى: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ [التوبة:٤٢] أي أنهم لم يخرجوا للجهاد لعدم وجود الاستطاعة والقدرة، قال الله: ﴿يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة:٤٢]. ثم قال الله للنبي ﷺ : ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣]، وبين سبحانه أن الذي يستأذن الرسول ﷺ في عدم الذهاب إلى الجهاد إنما ذلك بسبب النفاق في قلبه، أما المؤمن فلا يستأذن، قال تعالى: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة:٤٤ - ٤٥]، فالمنافقون يستأذنون في عدم الخروج إلى الجهاد بسبب عدم الإيمان بالله ورسوله، ففي قلوبهم ريب وشك في الله ورسوله. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦]، فبين الله تعالى أنه كره خروجهم إلى الجهاد لما يترتب عليه من المفاسد، ثم بين الله المفاسد التي تحصل من خروج المنافقين، فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٧] أي: شراً وفساداً، ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ [التوبة:٤٧] يعني: يعملون الشر بينكم وفي أوساطكم، ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧] أي: من ضعفاء البصائر والإيمان فيكم من يسمع لهم: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٤٧ - ٤٨]. ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة:٤٩]، وهذا من أقوال بعض المنافقين، وحين أراد النبي ﷺ غزوة تبوك لقتال بني الأصفر -وهم النصارى الرومان- جاء بعض المنافقين وقال: ائذن لي يا رسول الله؛ فإني إذا رأيت نساء بني الأصفر أخشى على نفسي من الفتنة، فلا أستطيع أن أصبر عنهن، فأقع في الفاحشة، قال الله: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩]. ثم بين الله أن من أوصافهم أنه إذا أصاب الرسول ﷺ وأصحابه نصر ساءهم ذلك، وإذا أصابهم ابتلاء وامتحان سرهم ذلك، قال تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ [التوبة:٥٠]، قال الله: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة:٥١ - ٥٢]. ثم قال سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ * فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ﴾ [التوبة:٥٤ - ٥٥]، أي: لا تغتر بأموالهم الكثيرة ولا بأولادهم الكثيرين، فهذا المال عذاب معجل في الدنيا، ثم لهم عذاب في الآخرة: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:٥٥]، وهذا واضح؛ فإنك تجد صاحب الأموال الطائلة الكثيرة معذباً في جمعه للأموال، فليست عنده راحة ولا طمأنينة في الغالب، فتجده لا يستطيع أن يأخذ راحته من النوم من كثرة الاتصالات وكثرة المشاغل وكثرة الأعمال الإدارية، فهذا عذاب، ثم يأتيه عذاب بعد جمعه، بخلاف من رزقه الله كفافاً، فهذا مستريح، وكذلك من رزقه القناعة في قلبه. وقال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة:٥٦]، أي: يحلفون بالله إنهم من المسلمين والمؤمنين وليسوا منهم. وقال تعالى: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة:٥٧]، أي: لو يجدون شيئاً يلوذون به عن الجهاد للاذوا به. وبين الله تعالى أن من أوصافهم أنهم يعيبون رسول الله ﷺ وينتقدونه في الصدقات فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة:٥٨]. وبين الله أن من أوصافهم أنهم يؤذون النبي: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة:٦١] قال الله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٦١]. وبين الله أن من أوصافهم أنهم يحلفون للمؤمنين حتى يرضوا، قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٩٦]، وقال أيضاً: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٦٢]، فهم يحلفون للمؤمنين ليرضوهم في الظاهر وهو مخالف لما عليه بواطنهم. وبين سبحانه أنهم يحذرون من أن تنزل سورة تنبئ المسلمين بما في قلوبهم فقال: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:٦٤]. ومن أوصافهم السخرية والاستهزاء بالله وبكتابه وبرسوله وبدينه، كما قال الله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥] وبين الله من أوصافهم أنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ولا يتصدقون، بل أيديهم مقبوضة، ولا ينفقون؛ لأنه ليس عندهم إيمان، قال تعالى: ﴿وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٥٤]، وإذا أنفقوا أنفقوا شيئاً يسيراً مع الكراهة وعدم انشراح الصدر، قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة:٦٧ - ٦٨]. ومن أوصافهم أنهم عاهدوا الله لئن أعطاهم من فضله مالاً فإنهم سيتصدقون ويكونون من الصالحين، فلما أعطاهم الله المال بخلوا وامتنعوا، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَا

стр. 325

صفات المنافقين في سورة الأحزاب ومن أوصاف المنافقين ما ذكر الله تعالى في سورة الأحزاب لما تحزب الكفار وتجمعوا من قبائل العرب ورموا المسلمين عن قوس واحدة وجاءوا حول المدينة، وأمر النبي ﷺ بحفر الخندق بإشارة سلمان الفارسي، فقد حصلت شدة على المؤمنين وبلاء وفتنة عظيمة، فثبت الله المؤمنين، أما النفاق فقد نجم وظهر. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:٩ - ١١]، أما موقف المنافقين فقد قال الله عنه: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢]، فالمنافقون ليس عندهم إيمان ولا صبر ولا تحمل. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب:١٣ - ١٤] يعني: المدينة ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا * قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا * قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾ [الأحزاب:١٤ - ١٩] أي: القتال: ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ [الأحزاب:١٩] والمراد بالخير الغنيمة، فإذا ذهب الخوف عنهم جاءوا ليشاركوكم في الغنيمة، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:١٩]. ثم قال الله سبحانه: ﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٠]، فهم يحسبون أن الأحزاب -وهم الكفار الذين تحزبوا على المسلمين- لم يذهبوا، وإذا أتى الأحزاب يودون لو أنهم في البادية والبرية يستمعون الأخبار، أي: يستمعون أخباركم ما الذي حصل بكم؟ أما المؤمنون فقد ثبتهم الله، فقال في المؤمنين: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٢ - ٢٣].

стр. 326

صفات المنافقين في سورة محمد وقد ذكر الله أوصاف المنافقين أيضاً في سورة محمد، قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩]؛ لأن من صفات المنافقين كراهة وبغض ما أنزل الله، وهذا سبب في حبوط عملهم وكفرهم وردتهم. وذكر من أوصافهم قوله سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٦]. وقال سبحانه: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [محمد:٢٠] أي: مرض الشك والنفاق: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد:٢٠ - ٢١] فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال أصابهم هلع وقلق وجبن، فهم ((يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ)) لعدم وجود الإيمان في قلوبهم وعدم تحليهم بالصبر. وبين أن من أوصافهم أنهم يكرهون ما أنزل الله ويتبعون ما أسخط الله فقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا * إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ [محمد:٢٤ - ٢٩] والمراد بالمرض: مرض النفاق، ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٠].

стр. 327

صفات المنافقين في سورة الفتح وبين -أيضاً- أوصافهم في سورة الفتح، ومنها أنهم يظنون بالله ظناً سيئاً، وهو أنهم سيقضون على الإسلام والمسلمين وستكون الدائرة للكفرة، قال سبحانه: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح:١١]، هكذا المنافق يقول بلسانه ما ليس في قلبه: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح:١١ - ١٢] أي: ظن المنافقون في غزوة أحد أن لن يرجع الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً، وأن الدائرة للكفار على المؤمنين، وأنه سيقضى على الإسلام والمسلمين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ [الفتح:١٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:١٦].

стр. 328

صفات المنافقين في سورة المنافقون وفي سورة المنافقون جلّى الله تعالى أوصافهم، وبين أنهم يشهدون للنبي ﷺ بالرسالة، لكن قلوبهم منكرة ومكذبة وليس عندهم الانقياد، وإن كان عندهم معرفة في القلب، لكن ليس عندهم انقياد ولا محبة ولا نية ولا إخلاص، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] أي: الله يشهد أنهم كاذبون بقلوبهم، وإن كانت ألسنتهم مصدقة، كما قال في أول سورة البقرة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:٨] يعني: بألسنتهم: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] يعني: بقلوبهم. ثم قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون:٢] أي: اتخذوا أيمانهم سترة يستترون بها عن القتل ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ * وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٢ - ٤] أي: إذا رأيت أجسامهم أعجبتك لجمالها ونظرتها، وأن سمعت مقالتهم فإنها خلابة وفيها كلام لين، كأنهم خشب لا ثمر لها، ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون:٤ - ٥]؛ لأنَّه ليس عندهم إيمان، ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون:٥]، ثم قال: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون:٧]، يقول بعضهم: لا تنفقوا على هؤلاء المؤمنين حتى ينفضوا من حوله ويتركوه، قال الله: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٧ - ٨]، وهذه المقالة قالها عبد الله بن أبي، وسمع بذلك ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي، وكان من أصلح عباد الله، وأبوه رئيس المنافقين، واسمه عبد الله، ولا بأس بأن يسمي ابنه باسمه، وبعض الناس يظن أن هذا لا يجوز، وأنه لا يسمى به إلا إذا مات، فـ عبد الله بن عمر سمى ابنه عبد الله وسمى الآخر عبيد الله وهو حي. فقال: عبد الله بن عبد الله بن أبي لأبيه: والله لا تدخل المدينة حتى تكون أنت الأذل ورسول الله ﷺ هو الأعز. فهذا استعراض سريع لبعض أوصاف المنافقين التي ذكرها الله في كتابه، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من صفات المنافقين ومن صفات الكفرة والمشركين والوثنيين، ونعوذ به من أحوال أهل الضلال، ونسأله أن يرزقنا وإياكم الاستقامة على دينه، والثبات عليه حتى الممات، إنه على كل شيء قدير.

стр. 329

الأسئلة

стр. 330

توحيد الاتباع السؤال ما حكم من يقول: إن القسم الرابع من أقسام التوحيد هو توحيد الاتباع؟ الجواب لا مشاحة في الاصطلاح، وليست العبرة بالتقسيم، إنما العبرة بالمعنى، وتوحيد الاتباع هو توحيد العبادة، فليس هو قسماً رابعاً، إنما هو توحيد العبادة، لكن لا أعلم أن أحداً جعله قسماً رابعاً.

стр. 331

حكم إنكار الحديث المتواتر السؤال هل من أنكر حديثاً متواتراً في الأحكام أو في الاعتقاد يكون فعله من تكذيب الرسول ﷺ ؟ الجواب إذا كان مثله يعلم هذا؛ لأنَّه ليس كل أحد يعلم الحديث المتواتر، والمعروف عند العلماء أن الإنسان إذا أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة تحريمه، كتحريم الزنا أو السرقة أو شرب الخمر، أو أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة وجوبه كوجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج، وليس له شبهة، وهو يعلم ذلك فقد كفر، أما الحديث المتواتر فإنه يخفى، وما كل أحد يعلم الحديث المتواتر، ولا يعرفه إلا الخاصة.

стр. 332

حكم الدعاء بـ (الحمد لله حمد الشاكرين) السؤال ما رأيكم فيمن يدعو فيقول: (الحمد لله حمد الشاكرين) في الصلاة وبعد الفراغ من الطعام وفي غيرهما؟ الجواب إذا دعا بهذا الدعاء بعد الفراغ من الطعام فلا بأس، فهذا الدعاء نوع من أنواع الذكر، والذكر الأمر فيه واسع، وإذا أتى بالأذكار المشروعة فهو أفضل، وإذا أتى بالأذكار والتي لا محذور فيها فلا حرج، والذكر لا ينافي الصلاة، لكن لا ينبغي للإنسان أن يأتي إلا بذكر مشروع، لكن لو قال: سبحان الله والحمد لله في الصلاة فهو ذكر، ولا ينافي الصلاة.

стр. 333

ما يستدل به من نزول المطر عند دفن الميت السؤال مات رجل في طريقنا وقد أصيب بمرض أو غيره من المصائب، ونسبوه إلى الصلاح، فلما مات بعد الظهر ذهب بعض الناس يحفرون له القبر، وكان الجو حاراً، وبينما هم يحفرون القبر كان في السماء غيوم، ونزل المطر أثناء الحفر والدفن، فهل هذا دليل على حسن خاتمته كما قال بعضهم؟ الجواب لا أعلم أن هذا يدل على شيء، ولا أعلم بدليل يدل على أن هذا يدل على فضيلة هذا الميت.

стр. 334

الفرق بين الكفر والشرك السؤال ما هو الفرق بين الكفر والشرك؟ الجواب لا فرق بينهما، فكل كافر مشرك، وكل مشرك كافر؛ لأنه عبد هواه، ومن عبد الهوى والشيطان فهو مشرك، وهو كافر؛ لأنه جحد التوحيد وجحد الحق، لكن إذا كان فعله يتعلق بالجحود فهذا خاص بالكفر، وإذا كان يتعلق بالإشراك في العبادة فهو خاص بالشرك.

стр. 335

حكم من قال: إنه يعرف الله بالعقل السؤال ما حكم قول كثير من العامة: ربنا بالعقل عرفناه؟ الجواب نعم عرفنا ربنا بالعقل والفطرة والشرع، قال الشاعر: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد فالله معروف بالعقول والفطرة والسمع والشرع، وفطر الله العباد والمخلوقات كلها على معرفة الله ووجوده وأنه في السماء وأنه فوق العرش .

стр. 336

دروس في العقيدة] ١٦ [ لقد وصف الله تعالى نفسه بصفات عليا، وأخبرنا بأن له الأسماء الحسنى، وذلك أمر يجب علينا اعتقاده وتصديقه، وحذو منهج السلف الصالح فيه، فمنهجهم قائم على أسس عظيمة في العقيدة في أسماء الله وصفاته، ومن جملتها صفة الكلام، وهي صفة عظم النزاع فيها بين أهل السنة وغيرهم، وتعددت فيها الأقوال التي يقرب بعضها من قول أهل السنة، ويوغل بعضها في الشذوذ فيدخل في الكفر، والذي يلزم المسلم أن يتبع فيها وفي غيرها منهج سلف هذه الأمة ومن تبعهم من الأئمة والهداة.

стр. 337

أقسام الذنوب والمعاصي الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد سبق الكلام على التوحيد وما ينافيه ويضاده من الشرك والكفر والظلم والفسق والنفاق، وذكرنا أن الشرك يتنوع إلى أصغر وأكبر، وكذلك الكفر يتنوع إلى أصغر وأكبر، وكذلك الظلم، وكذلك الفسق، وكذلك النفاق. والنفاق أصل اشتقاقه من جهة اللغة، كما قال علماء اللغة: إنما سمي المنافق منافقاً لإظهاره غير ما يضمر، تشبيهاً له بحجر اليربوع، ويقال له: النافقاء، ويقال له: القاصعاء، وذلك أنه يخرق الأرض حتى إذا كاد أن يبلغ ظاهر الأرض أرق التراب، فإذا رابه ريب دفع ذلك التراب برأسه فخرج، فظاهر جحره تراب وباطنه حفرة، وكذلك المنافق ظاهره إيمان وباطنه كفر، هذا هو أصل الاشتقاق اللغوي للمنافق. وبعد هذا ننتقل إلى البدع والمعاصي التي تنقص كمال التوحيد وكمال الإيمان، وتضعف توحيد العبد وإيمانه، والمعاصي تنقسم إلى قسمين: صغائر وكبائر. فالصغائر يكفرها الله تعالى بفعل الفرائض واجتناب الكبائر، فإذا أدى الإنسان المسلم الفرائض التي فرضها الله عليه وانتهى عن الكبائر كفر الله عنه الصغائر بذلك فضلاً منه وإحساناً، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء:٣١]. وثبت في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)، فإذا اجتنب العبد الكبائر كفر الله عنه الصغائر بالصلوات الخمس والجمعة ورمضان. أما الكبائر فإنه لابد لها من توبة، ولا تغفر إلا بالتوبة. والكبائر اختلف العلماء فيها، وأصح ما قيل في تعريف الكبيرة هو: أنها كل ذنب توعد عليه بالنار، أو ذكرت عليه اللعنة أو الغضب، -قال بعضهم: أو نفي عن صاحبه الإيمان في الدنيا- أو وجب فيه الحد في الدنيا، مثل أكل الربا، ومثل الزنا، ومثل السرقة، ومثل شرب الخمر، ومثل عقوق الوالدين، ومثل قطيعة الرحم والغيبة والنميمة، فهذه كلها كبائر، لا تغفر إلا بالتوبة، ولا تغفر بفعل الفرائض كالصغائر، وصاحبها تحت مشيئة الله، وليست كالشرك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فإذا مات صاحبها من غير توبة فهو تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له بتوحيده وإيمانه وإسلامه وأدخله الجنة من أول وهلة، وإن شاء سبحانه ﵎ عذبه بقدر جريمته ومعصيته، ثم في النهاية يخرج من النار بشفاعة الشافعين أو برحمة أرحم الراحمين. فإذا اجتنب الإنسان الكبائر وأدى الفرائض فهو موعود بدخول الجنة من أول وهلة، وإذا فعل الكبائر ومات عليها من غير توبة فهو على خطر أن يعذب في قبره، وهو على خطر من الأهوال التي تصيبه في موقف القيامة، وهو على خطر من دخول النار، فهو تحت مشيئة الله، لكن الكبيرة لا تخرج الإنسان من ملة الإسلام، بل يكون ناقص الإيمان وضعيف الإيمان، ويقال فيه: مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته أو كبيرته. والمسلم لا تخرجه المعصية من الملة ولا تحبط جميع أعماله، بل هو مسلم، ولا يخلد في النار، وهو تحت مشيئة الله، فإن شاء ربنا سبحانه غفر له وإن شاء عذبه، وفي النهاية مآله إلى الجنة والسلامة ولو مكث مدة طويلة، فإن بعض العصاة -عصاة الموحدين- يمكثون في النار مدة طويلة ثم يخرجون منها، فإذا خرج العصاة بشفاعة الشافعين وبرحمة أرحم الراحمين أطبقت النار على الكفرة، فلا يخرجون منها أبد الآباد، قال الله تعالى ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤصَدَةٌ﴾ [الهمزة:٨] يعني: مطبقة مغلقة لا يخرجون منها، يعني: جميع أنواع الكفرة وجميع أصنافهم من اليهود والنصارى والمنافقين والوثنيين وغيرهم.

стр. 338

البدعة وأقسامها أما البدع فهي أشد من الكبائر، وهي أحب إلى الشيطان من المعصية؛ لأن صاحب البدعة يظن أنه على حق وعلى صواب، فلا يتوب، بخلاف العاصي والزاني والسارق وشارب الخمر؛ فإنه يعرف ويعلم أنه عاصٍ، فقد يوفق للتوبة، أما المبتدع فلا يعترف بأنه على خطأ، ففي الغالب أنه لا يتوب. والبدع كثيرة، منها بدع تكون في الصلوات، وفي الأذكار، وفي الوضوء، وما أشبه ذلك، فالتلفظ بنية الصلاة بأن يقول: نويت أن أصلي خلف هذا الإمام، أو أن يأتي بأذكار بعد غسل اليدين وغسل الوجه، كل هذا ليس له أصل، وهو من البدع، وهكذا بدعة المولد. وأشد البدع البدع التي تكون في باب أسماء الله تعالى وصفاته، فهذه أعظم البدع وأشدها. والبدعة تنقسم إلى قسمين: بدعة مكفرة وبدعة غير مكفرة، أي: قد توصل البدعة صاحبها إلى الكفر، والمبتدع الذي وصلت بدعته إلى الكفر حكمه حكم الكافر كما سبق. وأما البدعة التي لا توصل إلى الكفر فهذه حكم صاحبها حكم أهل الكبائر، فهو تحت مشيئة الله، فهو مؤمن ضعيف الإيمان، وناقص الإيمان، لكن البدعة أشد من الكبيرة، وهي أحب إلى الشيطان من الكبيرة؛ لأن صاحب الكبيرة معترف بخطئه، فقد يوفق إلى التوبة، وهو حري بأن يوفق للتوبة، أما صاحب البدعة فلا يعترف بأنه مخطئ، بل يظن أنه على صواب، ولذلك كان الغالب أنه لا يتوب. وسنعرض لبعض البدع في باب الأسماء والصفات لعظم خطرها. وأعظم البدع في صفات الله تعالى: الأقوال البدعية في كلام الله ، والأقوال البدعية في علو الرب .

стр. 339

توحيد الأسماء والصفات وقبل أن نتكلم عن البدع سنذكر مقدمة في تعريف توحيد الأسماء والصفات ومنهج السلف فيه، والأسس التي يقوم عليها مذهب السلف في باب أسماء الله وصفاته. فتوحيد الأسماء والصفات: هو أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسله نفياً وإثباتاً، فيوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به المرسلون، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه المرسلون.

стр. 340

منهج السلف في باب الأسماء والصفات وأسسه ومنهج السلف في باب الأسماء والصفات أنهم يثبتون لله من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، وينفون عن الله ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل, هذا هو منهج السلف في باب الأسماء والصفات. ومذهب السلف الصالح رضوان الله عليهم في الأسماء والصفات ينبني على أسس سليمة ويرتكز على قواعد متينة ودعائم، فمذهب السلف في باب الأسماء والصفات مذهب ثابت له دعائم وله ركائز يرتكز عليها، فلا بد لطالب العلم من أن يكون على إلمام ومعرفة بهذه الأسس التي يقوم عليها مذهب السلف الصالح في باب الأسماء والصفات. فالأساس الأول من الأسس التي يقوم عليها مذهب السلف في باب الأسماء والصفات: أن أسماء الله وصفاته توقيفية، ومعنى (توقيفية) أن إثبات الأسماء والصفات موقوف على ما وردت به النصوص، فما جاء في الكتاب والسنة من الأسماء والصفات مثبتاً لله وجب إثباته، وما جاء في الكتاب والسنة منفياً عن الله وجب نفيه، وما لم يرد في الكتاب والسنة نفيه ولا إثباته فإنه يجب التوقف فيه، مثل: الجسم والحيز والعرض والجهة وغير ذلك من الألفاظ التي ابتدعها أهل البدع، فهذه الألفاظ لم ترد في الكتاب والسنة، فلا تثبت ولا تنفى، ولكن من أطلقها نفياً وإثباتاً فإنه يُستفصل ويُسأل عن مراده، فإن كان مراده معنىً صحيحاً قبل المعنى ورد اللفظ، ويعبر بلفظ سليم؛ لأن المعنى سليم، لكن اللفظ غير سليم، وإن كان المعنى الذي أراده غير سليم فإنه يرد اللفظ والمعنى جميعاً. إذاً: الأساس الأول والقاعدة الأولى من القواعد التي ينبني عليها مذهب السلف في باب الأسماء والصفات: أن أسماء الله وصفاته توقيفية. الأساس الثاني: أن ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ فهو حق على حقيقته ليس فيه ألغاز ولا تعمية، بل هو حق على حقيقته، فتثبت ألفاظ الصفات ومعانيها التي دلت عليها هذه الأوصاف، ولا ينفى إلا الكيفية، فالكيفية هي اتصاف الرب بالصفات استأثر الله بعلمها، أما ألفاظ الصفات ومعانيها فهي معلومة، كما قال الإمام مالك ﵀ لما سئل عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. إذاً: المنفي هو الكيفية فقط، أما ألفاظ الصفات ومعانيها فهي معلومة، فهي من قبيل المحكم لا من قبيل المتشابه، ومن نسب إلى السلف أنهم لا يعرفون المعنى وأنهم يفوضون معاني الصفات فقد كذب عليهم، فليس هذا مذهب السلف، بل مذهب السلف أنهم يثبتون الألفاظ والمعاني، والدليل على ذلك أن الله أمرنا بتدبر القرآن كله، ولم يستثن شيئاً، وحضنا على تعقله وتفهمه، كما قال الله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، وقال سبحانه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] وقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] ولم يقل: إلا آيات الصفات فلا تتدبروها؛ فإن معانيها غير معلومة. بل معانيها معلومة، فنحن نعرف أن السمع غير البصر، وأن العلم ضد الجهل، والاستواء نعرف أن معناه الاستقرار والصعود والعلو والارتفاع؛ فهذه معانيها في اللغة، لكن كيفية استواء الرب مجهولة لنا لا يعلمها إلا هو، وهكذا كيفية علمه، وكيفية سمعه، وكيفية بصره. الأساس الثالث من الأسس التي يقوم عليها مذهب السلف في باب الأسماء والصفات: أن إثبات الصفات لله إثبات بلا تمثيل للصفات ولا تكييف لها، فلا نقول: إن صفات الله مثل كذا أو كيفيتها كذا؛ لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أن لله ذاتاً لا تشبه الذوات فله صفات لا تشبه الصفات، فإثبات الصفات لله إثبات بلا تمثيل ولا تكييف. الأساس الرابع: أن تنزيه الله عن النقائص والعيوب تنزيه بلا تعطيل. فتنزيه الرب عن النقائص والعيوب تنزيه بلا نفي للصفات ولا تعطيل لها، ولا تأويل لمعانيها ولا تحريف لألفاظها عن مدلولها الذي دلت عليه، فالسلف الصالح لم يغلوا في الإثبات ولم يغلوا في النفي، بل تجنبوا الغلو في الإثبات، فلم يصلوا إلى التشبيه، وتجنبوا الغلو في النفي، فلم يصلوا إلى التعطيل، فهم وسط بين التشبيه والتعطيل، فسلموا من الإفراط والتفريط. الأساس الخامس: أن الإجمال يكون في النفي، والتفصيل يكون في الإثبات، فالسلف يثبتون الصفات لله تعالى على وجه التفصيل، وأما النفي -نفي نقائص العيوب- فإنهم ينفونها عن الله على وجه الإجمال، كما في آية الكرسي في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] فأثبت (الحي القيوم)، وكما في قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢] فالإثبات يكون تفصيلياً بأن نثبت جميع الصفات، فنثبت العلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والرضا، والغضب، والعزة، والعظمة، والكبرياء، ونثبت جميع الصفات والأسماء التي وردت في الكتاب والسنة. أما النفي فإنا ننفي على وجه الإجمال، كما نفى الله ﵎، قال سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] وهذا مجمل، وقال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤]، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]. ويجب أن يعلم أن النفي الوارد في باب الأسماء والصفات ليس هو النفي المحض الصرف، وإنما هو النفي الذي يتضمن إثبات ضده من الكمال، كما في قوله سبحانه: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] لكمال حياته وقيوميته، وقوله: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ:٣] لكمال علمه، وقوله: ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥] لكمال قوته واقتداره، وقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] لكمال عظمته وأنه أكبر من كل شيء، فليس هو نفياً محضاً، لكن يتضمن إثبات ضده من الكمال. فالنفي ليس نفياً صرفاً، ولكنه نفي يتضمن إثبات ضده من الكمال، بخلاف النفي الصرف المحض، فإنه لا مدح فيه؛ لأنه يوصف به المعدوم، والمعدوم لا يمدح، وهذا مثل قول الشاعر يذم قبيلة من القبائل: قُبيلةٌ لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل فهو ينفي فيقول: ولا يغدرون بالذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل، ومقصده الذم، بدليل أنه صغرهم فقال: قُبيّلةٌ، وهذا للتحقير، يعني: لمهانتهم وضعفهم، فهم لا يغدرون لا لكمالهم، بل لكونهم عاجزين عن الغدر، وإلا فلو قدروا لغدروا، (ولا يظلمون الناس حبة خردل) لعجزهم، ولو قدروا لظلموا، فهذا نفي صرف، وهذا مذموم. ومثل هذا قول الشاعر الآخر يذم قبيلته: لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء وإن هانا يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ومن إساءة أهل السوء إحسانا يقول: إن قومي ليسوا من الشر في شيء ولو كان قليلاً، ومع ذلك يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة، فإذا ظلمهم أحد غفروا له، ويجزون بالإساءة إحساناً؛ لعجزهم وضعفهم، وذلك لأن هذا الشاعر الجاهلي سرقت إبله فاستنجد بقومه فلم ينجدوه، فقال: إنهم لا يستطيعون لضعفهم ومهانتهم، ولو كنت من قبيلة مازن لأنجدوني وأسعفوني، فيقول قبل هذه الأبيات: لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهل ابن شيبانا إذاً لقام بنصري معشر خشن عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء وإن هانا فهم وإن كان عددهم كثيراً لا يستطيعون نجدته، فليسوا من الشر في شيء ولو كان قليلاً، ولذا قال: يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرةً ومن إساءة أهل السوء إحسانا فهذا نفي محض صرف، وهذا لا يرد في باب الأسماء والصفات؛ فلا يرد النفي في باب الأسماء والصفات إذا كان صرفاً، بل النفي الذي يأتي في باب الأسماء والصفات هو نفي بتضمن إثبات ضده من الكمال، بخلاف النفي الصرف المحض كما في هذه الأبيات؛ فإنه لا مدح فيه، بدليل أنه يوصف به المعدوم، والمعدوم لا يمدح.

стр. 341

أنواع البدع في باب الأسماء والصفات أما البدع في باب الأسماء والصفات، فهي بدعتان: البدعة الأولى: بدعة المشبهة. والبدعة الثانية: بدعة المعطلة. فبدعة التشبيه وقال بها المشبهة، وبدعة التعطيل قال بها المعطلة. والمشبهة والمعطلة فرقتان كافرتان على وجه العموم بقطع النظر عن التفصيل وعن الأشخاص؛ فالمشبهة كفرة وكذلك المعطلة كفرة. ولهذا يقول العلماء: المشبه يعبد صنماً ولا يعبد الله في الحقيقة، وإنما يعبد شيئاً في ذهنه يتخيله، فهو يعبد صنماً ولا يعبد الله، والمعطل الذي نفى كل شيء عن الله ولم يثبت شيئاً يعبد عدماً لا وجود له. فيقول العلماء: المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، والموحد يعبد إلهاً واحداً فرداً صمداً. فالبدعة قد تصل إلى الكفر وقد لا تصل، فقد تكون كبدعة الأشاعرة، وهذه بدعة لا تصل إلى الكفر، وقد تكون كبدعة الجهمية فتصل إلى الكفر. والمشبهة: هم الذين شبهوا الله بخلقه ومثلوا صفاته بصفات المخلوقين، وأصل ضلالهم وبلائهم من الغلو في الإثبات، فإنهم غلوا في إثبات الأسماء والصفات وقالوا: إن لله أسماءً وصفات، لكنهم زادوا وغلوا في هذا الإثبات حتى قالوا: إن صفات الخالق تشبه صفات المخلوق، فيقول أحدهم: علم الله كعلم المخلوق، ورحمة الله كرحمة المخلوق، وسمع الله كسمع المخلوق، وهكذا. وأول من قال: إن الله جسم هشام بن الحكم الرافضي وبيان بن سمعان التميمي الذي تنسب إليه البيانية من غالية الشيعة، وأكثر المشبهة من غلاة الشيعة البيانية، وكان بيان بن سمعان التميمي يقول: إن الله على صورة الإنسان. ومن المشبهة هشام بن سالم الجواليقي وداود الجواربي وأتباعهم، وهؤلاء غلوا في الإثبات حتى قالوا: إن الله يرى في الدنيا بالأبصار، وهؤلاء المشبهة قالوا: إن الله يرى في الدنيا بالأبصار، وقال بعضهم: إن الله ينزل عشية عرفة على جمل، وأنه يرى ويحاضر ويسامر ويصافح. وقال بعضهم: إنه يندم ويحزن ويبكي، كما قالت اليهود، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، نسأل الله السلامة والعافية. والتشبيه مذهب باطل قد جاء الكتاب العزيز والسنة المطهرة بنفيه ورده وإبطاله والنهي عنه؛ قال الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]، وقال سبحانه: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤]، وقال سبحانه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، وقال سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، ومن يشبه الله بخلقه ويقول: إن الله يشبه المخلوقات فإنه في الحقيقة ليس عابداً لله، وإنما يعبد وثناً صوره له خياله ونحته له فكره، فهو من عُباد الأوثان لا من عُباد الرحمن. ولهذا يقول العلامة ابن القيم ﵀: لسنا نشبه وصفه بصفاتنا إن المشبه عابد الأوثان ومن شبه الله بخلقه فقد شابه النصارى في عبادتهم للمسيح ابن مريم من دون الله. ولهذا يقول العلامة ابن القيم ﵀: من شبه الله العظيم بخلقه فهو النسيب لمشرك نصراني فهؤلاء المشبهة لم يعبدوا الله في الحقيقة، وإنما عبدوا وثناً فصوروه وتخيلوه، وأما رب العالمين فهو فوق ما يظنون وأعلى مما يتوهمون، فلله ذات لا تشبه الذوات، وله صفات لا تشبه الصفات. قال نعيم بن حماد شيخ الإمام البخاري ﵀: من شبه الله بخلقه كفر، ومن نفى ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله من ذلك تشبيه. أما المعطلة -وهم الطائفة الثانية- فهم الذين عطلوا الله من صفاته وأسمائه. وسموا معطلة من العطل، وهو الخلو والفراغ والترك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج:٤٥] إذا خلت من الماء ومن الدلاء، قال الراغب: التعطيل: فقدان الزينة والشغل، ويقال: امرأة عطل وعاطل: إذا لم يكن عليها زينة، وقوس عطل: لا وتر عليه، وعطلت الإبل عن راعيها والدار عن ساكنها، قالوا: إذا تعطلت الدار عن الساكن فهي معطلة، وكذلك الإبل إذا تعطلت عن راعيها، ويقال لمن يجعل العالم فارغاً بزعمه عن صانع أتقنه وزينه: معطل، ومن أنكر وجود الله فهو معطل ملحد، عطل هذا الكون من خالقه. وسمي جاحدو الصفات معطلة لأنهم عطلوا الله من صفات كماله، فالمعطلة هم الذين نفوا الأسماء والصفات، والمشبهة هم الذين شبهوا الله بخلقه.

стр. 342

أقسام صفات الله وصفات الله تنقسم إلى قسمين: صفات ذاتية وصفات فعلية. القسم الأول: صفات ذاتية لا تنفك عن الباري، كالعلو، والقدرة، والسمع، والبصر، والعظمة، والعزة، والكبرياء، وغير ذلك من الصفات التي لا تنفك عن الباري. القسم الثاني: صفات فعلية تتعلق بمشيئة الله وإرادته واختياره، مثل الاستواء، والمجيء، والنزول، والقول، وغيرها. وهناك صفات اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين المخالفين لهم من أهل الكلام، حيث إن أهل الكلام ابتدعوا بدعاً في هذه الصفات، وهذه البدع منتشرة وكثيرة، فلا بد لطالب العلم من أن يكون على إلمام بها فهي موجودة في المؤلفات والكتب.

стр. 343

ذكر مذاهب الطوائف في صفة كلام الله وأعظم الصفات التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين المخالفين من أهل البدع وابتدع أهل البدع فيها بدعاً عظيمة صفة الكلام لله وصفة العلو، فهاتان الصفتان اشتد النزاع فيهما بين أهل السنة وبين المخالفين لهم، والمخالفون ابتدعوا في هذه الصفات بدعاً قد تصل إلى الكفر وقد لا تصل. أما صفة الكلام فقد اختلف الناس في كلام الرب وفي حقيقة كلام الرب: على مذاهب متعددة، لكن أبرز المذاهب والأقوال ثمانية، فسبعة كلها باطلة والقول الثامن هو القول الحق، ولكن هذه الأقوال السبعة منتشرة في العالم، يقول العلامة ابن القيم: والعجب أن هذه المذاهب السبعة منتشرة بين الناس وبين فضلاء العالم لا يعرفون غيرها، وهي كلها باطلة. فلابد لطالب العلم والمسلم من أن يكون على إلمام بهذه البدع حتى يحذرها، فهي موجودة ومنتشرة في المؤلفات والكتب، حتى إن بعض هذه الأقوال المبتدعة يقولها غير المسلمين.

стр. 344

مذهب الحلولية والاتحادية القول الأول في المراد بكلام الله -وهو أشدها وأعظمها خطراً وأفسدها- هو القول بأن كل كلام يسمع في الوجود فهو كلام الله، فأصحاب هذا القول يقولون: كل كلام يسمع في الوجود فهو كلام الله سواء تكلم به إنسان، أو حيوان، أو طير، أو دابة، وسواء أكان حقاً أم باطلاً، وسواء أكان شعراً أم نثراً، فجميع ما يسمع في الوجود فهو كلام الله، وهذا مذهب الاتحادية القائلين بوحدة الوجود، وهؤلاء كثير في أهل الأرض، ومن المعلوم أن هؤلاء كفار، لكن أتينا بقولهم لأن الاتحادية الآن ينسبون إلى الإسلام، بل إنهم يقولون: إنهم هم العارفون، ورئيسهم ابن عربي يقولون عنه: رئيس العارفين، وهناك من يقدسهم ويعظمهم ويحترمهم ويرى أنهم هم أهل الحق وهم أهل المعرفة الصحيحة، ولهم مؤلفات تطبع بورق فاخر وتحقق ويدافع عنها، وهي موجودة منتشرة، وإن كانت في غير بلادنا، لكن توجد في مصر وفي غيرها من البلدان. فالاتحادية يقولون: إن كلام الرب هو كل كلام يسمع في هذا الوجود حقاً كان أو باطلاً، زوراً أو بهتاناً، شعراً أو نثراً. وهذا القول المبتدع في كلام الرب مبني على مذهبهم في القول بوحدة الوجود؛ لأن مذهبهم أن الوجود واحد، وأنه ليس هناك عبد ورب، بل العبد عين الرب، والرب عين العبد، والخالق عين المخلوق، والمخلوق عين الخالق، وما ثم خالق ولا مخلوق ولا رب ولا عبد، فتفرع عن مذهبهم في القول بوحدة الوجود: القول بأن كل كلام يسمع في الوجود فهو كلام الله، والعياذ بالله. وأصل هذا المذهب -وهو مذهب القول بوحدة الوجود- نشأ عن إنكار مسألة المباينة والعلو، فهم أنكروا أن يكون الرب مبايناً لهذه المخلوقات ومنفصلاً عنها، وأن يكون فوقها، أنكروا هذا وقرروا أن الرب ليس مبايناً لهذا العالم وليس عالياً عليه ولا فوقه، فلما أنكروا مسألة المباينة والعلو صاروا بين أمور ثلاثة: الأمر الأول: أن يقولوا: إن الخالق معدوم والرب معدوم، وليس لهذا الكون خالق، وهذا استبشعوه، وقالوا: لا أحد يقبل هذا الإنكار الصريح، وهو نفي الرب وإنكار الرب. الأمر الثاني: أن يقولوا: إنه موجود، لكن لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايث له، ولا متصل به ولا منفصل عنه، قالوا: وهذا لا يقبله عقل ولا تسيغه فطره ولا يقبل منا، ولا يمكن أن يكون هذا إلا معدوماً، بل هو ممتنع. فاختاروا الأمر الثالث، وهو أن يقولوا: الخالق هو نفس مخلوق، فأنت الرب وأنت العبد، وأنت الخالق وأنت المخلوق، فاختاروا هذا القول الذي فيه تلبيس، وكسوه وحلوه بشيء من الحق حتى راج أمره على ضعفاء البصائر وظنوا أنه الحق، فهم يقولون: نحن لا ننكر الخالق، لكن الخالق هو المخلوق، والرب هو العبد، فلما قرروا أن الرب سبحانه هو العبد والخالق هو المخلوق ثبت عندهم أنه عين هذه الموجودات. إذاً: فثبت له كل حسن أو قبيح، وكل صفة كمال أو نقص، وكل قول حتى الباطل، والعياذ بالله. وقالوا: لما ثبت أن هذا الخالق هو المخلوق ثبت إذاً أن كل اسم في هذا الوجود فهو لله، سواء أكان حسناً أم قبيحاً، وكل صفة في هذا الوجود فهي لله، سواء أكانت صفة كمال أم نقص، وكل قول فهو قول الله، وكلام الله، سواء أكان حقاً أم باطلاً، سحراً أم كذباً، والأغاني والفحش والرجس وغير ذلك من جميع الأقوال الباطلة وغير الباطلة هي كلام الله. وهذا مذهب باطل وشنيع، وهو من أعظم الكفر، بل إن كفر كل كافر جزء من كفر الاتحادية والعياذ بالله، فهل يجرؤ عاقل على أن يقول: إن كل كلام يسمع في هذا العالم هو كلام الله، بما فيه من الفحش وبما فيه من الخلاعة والمجون والسحر والرجس وغير ذلك؟! فهذا من أعظم البدع التي قيلت في كلام الله، وهي بدعة كفرية مبنية على مذهب كفري، بل إن الاتحادية أكفر خلق الله، وكفر كل كافر جزء من كفرهم.

стр. 345

مذهب الفلاسفة المذهب الثاني: مذهب الفلاسفة: وهو أن كلام الله معنى يفيض من العقل الفعال على النفوس الفاضلة الزكية، أي: ليس فيه حرف ولا صوت، فالاتحادية يقولون: هناك حرف وصوت، لكن كل ما تسمع من الحروف والأصوات فهو كلام الله، أما هؤلاء فيقولون: الكلام معنى لا يسمع، وإنما هو معنى يفيض من العقل الفعال على النفس الفاضلة الزكية، فيحصل لها تصورات وتصديقات بحسب ما قبلته النفس، وهذا مذهب الفلاسفة المتأخرين كـ الفارابي وابن سينا، تبعاً لمعلمهم الأول أرسطو، وقد يتبعهم بعض المتصوفة، فإنهم يقولون: الكلام معنى يفيض من العقل الفعال على النفس الفاضلة الزكية، والنفس الفاضلة هي نفوس الأنبياء، فنفوس الأنبياء نفوس شريفة فاضلة زكية صافية، فيحصل لها تصورات وتصديقات بحسب قبولها من هذا المعنى، وتختلف على حسب صفائها واستعدادها ونقائها، فيحصل لها تصورات وتصديقات بحسب ما قبلته، ومذهبهم هذا في الكلام مبني على مذهبهم في القول بقدم العالم، وأن العالم قديم ليس حادثاً وليس له أول ولا بداية، بل هو قديم بقدم الله، وهذا معناه القول بإنكار وجود الله، فمن قال: إن العالم قديم فقد أنكر وجود الله، فهم يقولون: إن العالم قديم ليس له أول ولا بداية، وأرسطو يقول: لا يثبت وجود الله إلا من كونه مبدأً لهذه الكثرة، فمبدأ هذه الكثرة هو الله وهو علة غائية لحركة الفلك! ويقول: إن العالم لازم لله أزلاً وأبداً لا ينفك عنه، فلم يكن الله خلق الخلق بقدرته ومشيئته، والخلق لازم له كلزوم الضوء للسراج، فهل السراج ينفك عن الضوء؟! وهل له اختيار في الضوء؟! فيقول: إن العالم لازم لله كلزوم الضوء للشمس، لا يستطيع الفكاك عنه! تعالى الله عما يقول. وأصل هذا المذهب نشأ من عدم الإقرار بالرب الذي عرَّفت به الرسل ودعت إليه، وأنه الخالق، وأنه فوق عباده، وأنه فعال لما يريد، وأنه متكلم بما يشاء إذا شاء كيف شاء، وهذا أصل البلاء، فهم لا يقرون برب خالق، بر فوق العباد، متكلم، لا يقرون بهذا، فلما لم يقروا بذلك نشأ عن ذلك القول بقدم العالم. ولما قالوا بقدم العالم قالوا: إن الكلام معنى يفيض من العقل الفعال على النفوس الفاضلة الزكية، وهذا مذهب كفري، وهؤلاء الفلاسفة كفرة لا يؤمنون بالله ولا بالملائكة ولا بالكتب ولا بالرسل ولا باليوم الآخر ولا بالقدر خيره وشره. والمراد بالفلاسفة عند الإطلاق الفلاسفة المتأخرون أتباع المعلم الأول أرسطو والمعلم الثاني الفارابي والمعلم الثالث ابن سينا. أما الفلاسفة القدامى من قبل أرسطو فإنهم في الجملة يعظمون الشرائع والإلهيات ويثبتون وجود الرب وعلوه، ويقولون: إن العالم مخلوق لله بمشيئته، ومن أولئك أفلاطون شيخ أرسطو، لكن لما جاء أرسطو خالف شيخه أفلاطون وابتدع القول بقدم العالم، فأول من قال بقدم العالم أرسطو قبحه الله، وكان مشركاً يعبد الأصنام، فهذه بدعة كفرية ناشئة عن مذهب كفري.

стр. 346

مذهب السالمية المذهب الثالث: مذهب السالمية أتباع هشام بن سالم الجواليقي ومن تبعهم من أتباع الأئمة الأربعة وبعض أهل الحديث، وهؤلاء يقولون: إن كلام الله معانٍ وألفاظ وحروف وأصوات قائمة بذات الرب لم تزل ولا تزال، لكن الكلام لا يتعلق بقدرة الرب ومشيئته، فلا يتكلم بقدرته ومشيئته، فالكلام لازم لله أزلاً وأبداً لا يتعلق بالقدرة والمشيئة، بل الرب لم يزل ولا يزال يتكلم، وكلام الرب حروف وأصوات، لكن حروف وكلمات الرب لا يسبق بعضها بعضاً، بل هي مقترنة، فمثلاً: (بسم الله الرحمن الرحيم) لا يقولون: إن السين بعد الباء والميم بعد السين، بل يقولون: الحروف مقترنة دفعة واحدة يتكلم الرب سبحانه بها دفعة واحدة، فالباء مع السين مع الميم، لكن بالنسبة لسمع الإنسان يسمعها متعاقبة مرتبة، لكن الرب تكلم بها دفعة واحدة، ولهذا تسمى هذه الطائفة بالاقترانية، لأنهم يقولون: الحروف مقترنة ليست متعاقبة، ويسمون -أيضاً- بالسالمية. وهذا المذهب مبني على القول بأن الكلام لابد من أن يقوم بالمتكلم، وبأن الرب ليس محلاً للحوادث، قالوا: الكلام لابد من أن يقوم به متكلم، فالله لم يزل ولا يزال يتكلم بحروف وأصوات وألفاظ ومعانٍ. وكلام الله نوعان: بواسطة وبغير واسطة، بواسطة كما سمع الصحابة كلام الله وكما سمعه الرسول ﵊، وبغير واسطة كما سمع موسى كلام الله وكما سمعه نبينا ﷺ ليلة المعراج، لكن قالوا: الرب لا يتكلم بقدرته ومشيئته، فالرب لم يزل يتكلم منذ الأزل، فقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] ليس بقدرته ومشيئته، والحروف مقترنة، قالوا: لأن الكلام لابد له من متكلم، ولأن الله ليس محلاً للحوادث، فلو قلنا: إن الله الرب يتكلم إذا شاء فمعناه أنه حدث الكلام في داخله، والذي يحدث الكلام في داخله هو المخلوق، والمخلوق هو الذي يكون محلاً لالحوادث، أما الرب فليس محلاً للحوادث. وكذلك قالوا: لو قلنا: إن الحروف متعاقبة للزم من ذلك أن يحدث الحرف في ذاته، ففراراً من ذلك قالوا: إن الحروف مقترنة، وهذا مذهب باطل ومذهب فاسد. وهذه بدعة في باب كلام الرب، والكلام صفة كمال، وإذا لم يكن الرب متكلماً بقدرته ومشيئته فهذا تعطيل له من الكمال، ولأن الكلام الذي يعرفه العقل ويشهد به الشرع هو الكلام الذي يكون بقدرة المتكلم ومشيئته. وقولهم: إن الحروف مقترنة -فالسين مع الميم مع الباء- وليست متعاقبة تخليط وهذيان مخالف للحس والفطرة، فلا تقبله فطرة، وتصوره كافٍ في بطلانه وفساده؛ لأن الكلمة إذا كانت مركبة من حرفين فالحرف الثاني لابد من أن يكون بعد الحرف الأول، ولا وجود للحروف أصلاً بدون التعاقب، وعلى ذلك تصل إلى الآذان فتسمعها وتميزها، فهذه بدعة في كلام الرب عند هؤلاء، وهي قولهم: إن الكلام لا يتعلق بمشيئته. أما قولهم: إن الكلام ألفاظ ومعانٍ وحروف وأصوات هذا حق، لكن قولهم: لا يتعلق بقدرته ومشيئته، وقولهم: إن الحروف مقترنة، قول باطل.

стр. 347

مذهب الكرامية المذهب الرابع: مذهب الكرامية: والكرامية هم أتباع محمد بن كرام السجستاني، وهم يقولون: إن الكلام ألفاظ ومعانٍ وحروف وأصوات قائمة بذات الرب، والكلام يتعلق بقدرته ومشيئته ، فهو يتكلم متى شاء إذا شاء كيف يشاء، وكلام الله نوعان: بواسطة وبغير واسطة، لكن كلام الرب حادث في ذاته كائن بعد أن لم يكن، بمعن: أن الرب كان معطلاً عن الكلام، بل كان الكلام ممتنعاً عليه ولا يستطيع الكلام في الأزل، ثم انقلب فجأة فصار ممكناً، قالوا: إن هناك فترة كان الرب لا يستطيع فيها أن يتكلم، بل إن الكلام ممتنع، أي: يستحيل على الله، ففي الأول كان الكلام ممتنعاً ثم انقلب فجأة فصار ممكناً. وشبهتهم في ذلك أنهم قالوا: لو قلنا: إن الكلام قديم النوع، وإن الرب لم يزل متكلماً للزم من ذلك التسلسل في الحوادث، فتكون الحوادث والمخلوقات متسلسلة في الأزل، وإذا تسلسلت انسد علينا طريق إثبات الصانع، فلا نستطيع أن نثبت وجود الله وأنه هو الأول، ففراراً من ذلك قالوا: هناك فترة لا يتكلم فيها الرب، فليس فيها كلام ولا حرف ولا فعل حتى يكون هو الأول، ثم بعد ذلك تكلم الرب وتسلسلت الحوادث، فلو قلنا: إن الرب لم يزل متكلماً للزم من ذلك تسلسل الحوادث والمخلوقات، وإذا تسلسلت الحوادث والمخلوقات انسد علينا طريق إثبات الصانع، فلا نستطيع أن نثبت أن الله هو الأول. وهذا مذهب باطل، والقول بأن الكلام ألفاظ ومعانٍ وحروف بأصوات متعلق بقدرته تعالى ومشيئة هذا حق، لكن قولهم: إن الكلام كان ممتنعاً عن الرب هذا باطل؛ لأن الكلام صفة كمال، فكيف يخلو الرب من الكمال في وقت من الأوقات؟! ولأن الرب إذا كان حاله قبل وبعد سواء ولم تتجدد له صفة الكلام من غيره فلماذا كان الكلام ممتنعاً ثم صار ممكناً؟! وما السبب في امتناعه ثم في إمكانه؟! وما تحديد الفترة التي كان فيها ممتنعاً؟! لا تستطيعون أن تحددوا فترة، وكل ما يتصوره الإنسان من الأزمنة فالإنسان سابق لذلك، وهذا كلام باطل. أما شبهة قولهم: إنه يلزم تسلسل الحوادث، فنقول: الرب فعال وخلاق، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧] وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ﴾ [الحجر:٨٦] يعني أن الرب لم يزل خلاقاً وفعالاً، والخلق والفعل صفة كمال، فلا يعطل الرب من هذا الكمال في وقت من الأوقات. وأما إثبات الفترة وأن هناك فترة فلا دليل عليه، فإنهم يثبتون فترة كان الرب سبحانه معطلاً فيها من الكلام والخلق، وهذا لا دليل عليه، ونحن نقول: إن كل مخلوق من المخلوقات، وكل فرد من أفرادها مسبوق بالعدم، وليس له من نفسه وجود ولا عدم، بل الله أوجده بعد أن كان عدماً، ولا يلزم من ذلك أن هناك فترة، بل كل فرد من أفراد المخلوقات مسبوق بالعدم، والله تعالى أوجده بعد أن كان معدوماً، ويكفي هذا، أما أن نثبت فترة يعطل فيها الرب فهذا لا دليل عليه، وهو باطل. فهؤلاء الكرامية وجه الغلط عندهم هو كونهم أثبتوا فترة عطلوا فيها الرب عن الكلام، ولو لم يقولوا بالفترة هذه لصار مذهبهم موافقاً لمذهب أهل السنة.

стр. 348

مذهب الكلابية المذهب الخامس مذهب الكلابية: وهم أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب، ولقوة حجته وجداله سمي كلاباً، وهم يقولون: إن الكلام معنى قائم بنفس الرب ليس بحرف ولا صوت، والكلام لازم لذات الرب كلزوم العلم ولزوم الحياة والسمع والبصر، وهو أربعة معانٍ في نفسه: الأمر، والنهي، والخبر، والاستفهام. أما الحروف والأصوات فليست من كلام الله، فليس كلام الله حرفاً ولا صوتاً، بل الحروف والأصوات حكاية عن كلام الله دالة عليه، وأما الكلام فليس بحرف ولا صوت، بل هو معنى قائم بنفس الرب، لكن هذه الحروف والأصوات حكاية عن كلام الله تدل عليه حكاها جبريل أو حكاها محمد، وهو أربعة معانٍ في نفسه: الأمر، والنهي، والخبر، والاستفهام. وهذا مذهب باطل؛ لأنه لو كانت الحروف والأصوات حكاية له لوجب أن يماثل الحرف والصوت المعنى؛ لأن حكاية الشيء تكون مماثلة له، تقول: حكيت الحديث بعينه: إذا رويته بغير زيادة ولا نقصان، ولا تقديم ولا تأخير، والحروف والأصوات مختلفة عن المعنى. ثانياً: يلزم على قولهم: إن الحروف والأصوات حكاية لكلام الله أن صفات الله محكية، وهذا تجسيم. ثالثاً: لو كانت الحروف والأصوات حكاية عن كلام الله للزم من ذلك أن يكون الخلق قد أتوا بمثل كلام الله، فأين عجزهم؟! وحينئذٍ كيف يطلب تحديهم وقد تحدى الله البشر أن يأتوا بمثل هذا القرآن فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]؟! فإذا كانت الحروف والأصوات حكاية له فمعناه أنه بطل التحدي، فيكون الناس قد أتوا بمثل كلام الله. وأيضاً نقول لهم: يلزمكم أن يحكى بحرف وصوت ما ليس بحرف ولا صوت، فكيف يحكى بحرف وصوت ما ليس بحرف وصوت؟!

стр. 349

مذهب الأشاعرة المذهب السادس: مذهب الأشاعرة: وهو قريب من مذهب الكلابية، وهو مذهب منتشر، فهم يقولون: إن الكلام معنى واحد قائم بنفس الرب، ليس بحرف ولا صوت، فوافقوا الكلابية، ثم قالوا: لا ينقسم هذا المعنى ولا يتبعض ولا يتعدد ولا يتكثر ولا يتجزأ، ولا ينقسم بنوع ولا جزء، والحروف والأصوات عبارة تدل عليه. والكلابية يقولون: إنه حكاية، وهؤلاء يقولون: إنه عبارة تدل عليه، فالقرآن الذي في المصحف يقول الأشاعرة عنه: هذا عبارة عن كلام الله عبر به جبريل أو محمد، أما كلام الله فهو معنى في نفسه لا يسمع؛ لأنه لازم لذات الرب، ولكن يسمى ما في المصحف كلام الله لأن كلام الله تأدى به، فيسمى كلاماً مجازاً، فالأشاعرة يقولون: القرآن كلام الله، لكن عند المناظرة يقولون: مقصودنا أنه مجاز وليس بحقيقة، لكن سميناه كلام الله لأن كلام الله تأدى به، ولأنه دل على كلام الله، وإلا فكلام الله في نفسه. هذا مذهب الأشاعرة في الكلام، وهو صفة من الصفات السبع التي أثبتوها الكلام، فمن الصفات السبع التي أثبتها الأشاعرة الكلام، ومع ذلك يقولون: كلام الله معنىً واحد لا يتبعض ولا يتعدد ولا يتجزأ ولا ييتكثر، ولا نقول: إنه أربعة أنواع كما تقول الكلابية: أمر ونهي وخبر واستفهام، بل هو معنى واحد لا ينقسم ولا يتبعض ولا يتجزأ ولا تكثر، والتقسيم إنما هو في العبارات والدلالات، فهو معنى واحد، إن عبرت عنه بالعربية فهو القرآن، وإن عبرت عنه بالعبرانية فهو التوراة، والعبرانية لغة اليهود، وإن عبرت عنه بالسريانية فهو الإنجيل، والسريانية لغة النصارى، فهو واحد والتقسيم في العبارات على حسب العبارة. وكونه ينقسم إلى أمر، ونهي، وخبر، واستفهام قالوا عنه: هذه صفات إضافية لذلك المعنى، وهو معنى واحد، فهذا المعنى صفته أنه يكون أمراً ويكون نهياً ويكون خبراً، كما يكون الشخص له صفات متعددة، فأنت واحد ولك صفات متعددة، فأنت إذا نسبت إلى أبيك فأنت ابن، وإذا نسبت إلى ابنك فأنت أب، وإذا نسبت إلى ابن أخيك فأنت عم، وإذا نسبت إلى ابن أختك فأنت خال، وأنت واحد: خال وعم وابن وأب، على حسب الإضافة والنسبة، فكذلك المعنى والقرآن، فكلام الله معنى واحد، وكونه أمراً ونهياً وخبراً واستفهاماً هذه صفات إضافية، وكونه توراة وإنجيلاً وقرآناً إنما هو تقسيم للعبارات التي تدل عليه. هذا هو مذهب الأشاعرة، وهو مذهب كثير من الأحناف، ومذهب كثير من أتباع الأئمة الأربعة من الحنابلة والشافعية والمالكية وغيرهم. وهذا المذهب أقرب المذاهب إلى أهل السنة، لكنه مذهب الأشاعرة، فهم يقولون: إن القرآن الموجود في المصاحف عبارة عن كلام الله عبر به جبريل أو عبر به محمد ﷺ ، وبعضهم يقول: إن الله تعالى اضطر جبريل ففهم المعنى القائم بنفسه فعبر عنه، ومنهم من يقول: إن جبريل أخذه من اللوح المحفوظ ولم يتكلم الله به، وهذا مذهب منتشر ملأ الأرض. ومذهب الكلابية والأشاعرة مبني على أن الكلام لابد من أن يقوم بالمتكلم، وعلى أن الرب ليس محلاً للحوادث، قالوا: فلو قلنا: إن الحروف والأصوات من كلام الله للزم من ذلك أن يكون الله محلاً للحوادث، والرب ليس محلاً للحوادث، فالحروف والأصوات حادثة تحدث، وكلما تكلم الإنسان بالحرف والصوت حدث الكلام، فيلزم من ذلك حدوث الحوادث في ذات الرب، والرب منزه عن حلول الحوادث، ففروا من ذلك فقالوا: الحروف والأصوات ليست من الكلام.

стр. 350

مذهب الجهمية المذهب السابع: مذهب الجهمية: وتحول إلى المعتزلة فنسب إليهم، وهو أن كلام الله ألفاظ ومعانٍ وحروف وأصوات، وهي تتعلق بمشيئته وقدرته، لكنه مخلوق خارج ذاته، فالله تعالى خلق هذه الحروف والأصوات والمعاني خارج ذاته فنسبها إلى نفسه، فصار بها متكلماً، فكلام الله مخلوق من مخلوقات الله نسبه إلى نفسه للتشريف والتكريم، وقالوا عن تكليمه تعالى لموسى: خلقه في الهواء، أو في الجسم، فمن ذلك الجسم بدأ. فهذا مذهب الجهمية، ثم تحول إلى المعتزلة، فهم يقولون: كلام الله ألفاظ ومعانٍ وحروف وأصوات، لكنها مخلوقة خارج ذاته، ونسبها إلى نفسه للتشريف والتكريم، كما نسب الناقة إليه فقال: ناقة الله، والعبد إليه فقال: عبد الله، والرسول إليه، فقال: رسول الله، وهذا مبني على شبهة، وهي إنكار أن يتصف الله بالصفات؛ فراراً من التشبيه والتجسيم، فإنهم قالوا: لو قلنا: إن الله يتكلم والمخلوق يتكلم لصار في ذلك تشبيه وتجسيم، ففروا من التشبيه والتجسيم فقالوا: إن الكلام مخلوق خارج ذاته. فهذه المذاهب السبعة يقول عنها ابن القيم: هي الدائرة بين الناس، وفضلاء العالم لا يعرفون غيرها، وهي كلها باطلة.

стр. 351

مذهب أهل السنة والجماعة المذهب الثامن: المذهب الحق: وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو قول الرسل وأتباعهم الذين تلقوا هذا الباب عنهم، وهو أن الله متصف بالكلام، وأن الكلام من صفاته الذاتية لاتصافه به أزلاً وأبداً، ومن صفاته الفعلية، فهو يتكلم إذا شاء بما يشاء كيف يشاء؛ لأن الكلام صفة كمال، فلا يخلو الرب من الكمال في وقت من الأوقات، والكلام متعلق بمشيئته وقدرته سبحانه، وكلام الرب بحرف وصوت يسمع، وهو قديم النوع حادث الآحاد، فنوع الكلام قديم وإن لم يكن الصوت المعين قديماً، وكلام الرب صفة من صفاته، والرب سبحانه بذاته وصفاته بائن من خلقه ليس متحداً بهم وليس حالاً فيهم، وكونه يتكلم بمشيئته وقدرته هو من لوازم ذاته المقدسة. والقرآن كلام الله حروفه ومعانيه، وليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف، وأصوات العباد وحروفهم وأداؤهم وتلفظهم كل ذلك مخلوق بائن عن الله . فمذهب أهل السنة والجماعة أن كلام الرب من صفاته الذاتية ومن صفاته الفعلية، من صفاته الذاتية لاتصافه به أزلاً وأبداً، ومن صفاته الفعلية المتعلقة بمشيئته وقدرته، والرب سبحانه لم يزل متكلماً ولا يزال؛ لأن الكلام صفة كمال، فلا يخلو الرب من الكمال في أي وقت من الأوقات، وهو يتكلم إذا شاء بما شاء كيف يشاء، والكلام قديم النوع حادث الآحاد، فنوعه قديم وإن لم يكن الصوت معيناً وقديماً، وهو بحرف وصوت يسمع، والرب سبحانه بائن من الخلق بذاته وصفاته، وكلام الرب ليس متحداً بهم وليس حالاً فيهم، والقرآن كلام الله حروفه ومعانيه، وليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف. هذه هي المذاهب في هذه المسألة، وتلك هي البدع في هذه الصفة العظيمة، وكلها باطلة، ومنها بدع كفرية كما ذكرنا، ومنها بدع لا تصل إلى الكفر، والقول الحق والقول الصواب هو قول أهل السنة. وسيأتي الكلام -إن شاء الله- على بقية البحث. وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العمل الصالح الذي يرضيه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 352

الأسئلة

стр. 353

معنى قوله تعالى: (ولله المثل الأعلى) السؤال يقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠]، فما معنى هذه الآية؟ الجواب أي: الوصف الأحسن هو له .

стр. 354

حكم سؤال الناس عن مثلهم الأعلى السؤال هل يجوز سؤال بعض الناس عن مثلهم الأعلى؟ وهل في ذلك تطاول على الذات الإلهية؛ لأن بعضهم عندما يسأل عن مثله يقول: مثلي الأعلى هو الرسول ﷺ ، أو والدي، أو غير ذلك؟ الجواب إذا أراد بمثله الأعلى صفته التي يتصف بها وتليق به، فلا بأس بذلك، أما قوله: مثله الرسول أو أبوه، فما أدري ما معناه، فإذا كان مقصوده أن قدوته الرسول ﷺ فلا بأس بذلك، وهذا طيب، وأما كون قدوته أباه، فإذا كان أبوه مستقيماً فهو قدوته في الخير، لكن القدوة والأسوة هو رسول الله ﷺ ، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، وأما أبوه فإنه يخطئ ويصيب، فالمثل الأعلى يفسر بقصده، فإن كان قصده أن القدوة والأسوة هو الرسول ﷺ فهذا حق.

стр. 355

ميزان الحكم على البدعة السؤال أرجو توضيح الفرق بين البدع العملية اللفظية، والبدع الكبيرة والبدع الصغيرة الاجتهادية، حيث إن بعض العلماء يقول في مسألة: هذه بدعة، وبعضهم يقول: هذه سنة؟ الجواب المرجع في هذا الكتاب والسنة، ما خالف الكتاب والسنة وما أحدث مما يخالف الكتاب والسنة فهو بدعة، قال ﵊: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) متفق عليه، وفي رواية لـ مسلم (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، فكل ما خالف الكتاب والسنة وابتدع فهو بدعة، هذا هو الضابط، فالمرجع في هذا والميزان هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأما أقوال الناس فإنها توزن بالكتاب والسنة.
следующие страницы →