Полный текст (427 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الكفر العملي
стр. 282
الكفر العملي المخرج من الملة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن مما ينافي التوحيد ويناقضه: الشرك والكفر، وقد سبق الكلام على أنواع الشرك وأمثلة الشرك، وسبق الكلام على الكفر، وأنه ينقسم إلى اعتقادي وعملي، وأنواع الكفر الاعتقادي كلها تنافي التوحيد وتناقضه بالكلية، وأما الكفر العملي فهو نوعان: النوع الأول: ينافي الإيمان ويناقضه بالكلية.
والنوع الثاني: ينافي الكمال الواجب.
فالنوع الأول من الكفر العملي ينافي الإيمان وينقضه بالكلية، وهو ما إذا كانا شركاً في العبادة أو ناقضاً من نواقض الإسلام، وهذا له أمثلة، فمن أمثلته: قتل النبي، كما فعل بنو إسرائيل، فإنهم قتلوا كثيراً من أنبيائهم، قال الله : ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧] فمن قتل نبياً فقد كفر، وكذلك سب النبي، فمن سب نبياً فقد كفر، أو سب الله، أو سب دين الله، أو استهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله أو بدينه أو بثوابه أو بعقابه، فإنه يكفر؛ لأن هذا ناقض من نواقض الإسلام، وكذلك إذا استهان بالمصحف بأن داسه تحت قدميه مستهيناً به أو لطخه بالنجاسة، فإنه يكفر فهذا كفر عملي والعياذ بالله.
وكذلك من سجد للصنم أو للشمس أو للقمر، فإذا فعل ناقضاً من نواقض الإسلام فإنه يكفر؛ لأن نواقض الإسلام كثيرة، وقد ذكرها العلماء وبوّبوا لها في كل مذهب من المذاهب، كالحنفية والمالكية، والشافعية، والحنابلة، فكلهم يبوبون في كتب الفقه باباً يسمونه: (باب حكم المرتد)، وهو الذي يكفر بعد إسلامه.
стр. 283
نواقض الإسلام
ونواقض الإسلام كثيرة، منها عشرة ذكرها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه، وهي: الأول: الشرك بالله، فمن فعل أي نوع من أنواع الشرك التي سبقت أمثلتها فقد انتقض دينه وإسلامه.
الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم قضاء الحاجات أو الشفاعة أو يتوكل عليهم كَفَر إجماعاً.
الثالث: من شك في كفر المشركين أو اليهود أو النصارى أو الوثنيين أو لم يكفرهم، أو صحح مذهبهم، فهو كافر بالله.
أي: لو قال مثلاً: اليهود والنصارى وغيرهم لا أقول فيهم شيئاً، فهذه كلها أديان لا أحكم فيهم بشيء، فأنا أعبد الله ولا أقول فيهم شيئاً! فهذا يكفر؛ إذ لابد من أن يحكم عليهم بالكفر، فمن لم يكفر اليهود أو النصارى أو المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر.
الرابع: من اعتقد أن هناك هدياً أكمل من هدي النبي ﷺ فإنه يكفر.
فلو قال: هدي فلان من الناس -ولو كان من الصحابة أو من التابعين- أفضل من هدي النبي ﷺ ؛ فإنه يكفر.
الخامس: من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول ﷺ بعد علمه ومعرفته في الشريعة فإنه يكفر، قال الله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩].
السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ أو ثوابه أو عقابه كفر، وكذلك إذا استهزأ بشيء من دين الإسلام أو استهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦].
السابع: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين بالرأي أو بالسلاح أو بالمال.
فإذا ساعد الكفار على المسلمين أو عاونهم على المسلمين بالمال أو بالسلاح أو بالرأي كفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١].
الثامن: من اعتقد أن هناك أحداً يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى كفر.
فمن اعتقد أن هناك أحداً يجوز له أن يخرج عن شريعة محمد ﷺ ، كما أن الخضر جاز له الخروج عن شريعة موسى فهذا يكفر؛ لأن شريعة نبينا محمد ﷺ عامة للثقلين: الجن والإنس، وهو آخر الأنبياء ﵊، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار)، أما شريعة موسى ﵊ فليست عامة، فلذلك وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى، ثم إن الخضر -على الصحيح- هو نبي أوحي إليه، بدليل أنه فعل أموراً لا يمكن فعلها إلا عن طريق الوحي، حيث خرق السفينة، وقتل الغلام، وأقام الجدار، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢] ففعله عن أمر الله، فهو نبي يوحى إليه، وقال كثير من العلماء: ليس بنبي، وإنما هو رجل صالح.
وعلى كل حال فإنه -ولو كان رجلاً صالحاً- ليس من بني إسرائيل، ولم يرسل إليه موسى ﵊، فوسعه الخروج عن شريعة موسى، أما نبينا محمد ﵊ فلا يسع أحداً الخروج عن شريعته؛ لأنه آخر الأنبياء، وشريعته عامة لجميع الثقلين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ:٢٨]، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، وقال: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٧٩].
فمن خصائص رسالة النبي ﷺ العموم والشمول لكل أحد، ولهذا قال النبي ﵊ في الحديث الصحيح لما ذكر خصائصه: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة).
التاسع: السحر، فمن تعلمه أو علمه أو رضي به كفر، ومن ذلك الصرف والعطف، فهو داخل في السحر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، أي: فلا تكفر بتعلم السحر.
العاشر: الإعراض عن دين الله، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣]، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢].
ونواقض الإسلام كثيرة، وليست محصورة في هذه العشر، فمن فعل ناقضاً من نواقض الإسلام فإنه يكفر، سواء أكان عملاً أم اعتقاداً أم قولاً أم شكاً، فقد يكون الكفر بالقول، وقد يكون بالفعل، وقد يكون بالاعتقاد، وقد يكون بالشك.
فيكون الكفر بالقول إذا تكلم بكلمة الكفر، كأن سب الله، أو سب الرسول ﵊، أو سب الإسلام، أو استهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله، ومن ذلك ما قص الله علينا في كتابه في وصف بعض المنافقين: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [التوبة:٧٤]، فأثبت لهم كفراً بعد الإسلام، بسبب قولهم كلمة، فغزوة تبوك تكلم أناس بكلام على وجه المزاح، حيث استهزءوا بقراء الصحابة، فقالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء، يعنون رسول الله ﷺ وأصحابه القراء، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، فأثبت لهم بقولهم كفراً بعد الإيمان.
ويكون الكفر بالفعل كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف أو تلطيخه بالنجاسة.
ويكون بالشك كما لو شك في البعث، أو شك في الجنة، أو شك في النار، أو شك في صدق الرسول ﵊، أو شك في وجود الملائكة، أو شك في وجود العرش، فإنه يكفر بهذا.
ويكون الكفر بالاعتقاد، فإذا اعتقد أن لله صاحبه أو ولداً، أو أن له شريكاً أو أن هناك أحداً يستحق العبادة مع الله؛ فهذا كفر مخرج من الملة، وهذه كلها من أنواع الكفر.
ومن أنواع الكفر ونواقض الإسلام: اعتقاد أن هناك نبياً بعد الرسول ﵊، فمن قال: إن محمداً ﷺ ليس خاتم النبيين، وسيأتي بعده نبي، أو قال: إن رسالة محمد ﷺ خاصة بالعرب، وليست لجميع الناس؛ فهذا كافر؛ لأنه مكذب بقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، ولهذا قاتل الصحابة بني حنيفة وهم يصلون ويؤذنون ويلتزمون بشرائع الإسلام؛ لأنهم سمعوا منهم كلمة واحدة، وهي أنهم قالوا: إن مسيلمة نبي، فلما رفعوا مسيلمة إلى مقام النبوة كفروا.
ومن ذلك -أيضاً- ما حدث في عهد علي ﵁، فإنه عاقب الذين غلوا فيه ورفعوه إلى مقام الألوهية، فخذ لهم أخاديد وأضرمها وأججها ناراً، ثم ألقاهم وأحرقهم فيها، رغم أنهم كانوا يصلون ويصومون ويتعلمون العلم من الصحابة؛ لأنهم فعلوا ناقضاً من نواقض الإسلام، فكل من غلا في شخص وجعل فيه نوعاً من الإلهية أو ادعى أنه يستحق أن يعبد أو يدعى من دون الله أو يذبح له أو ينذر له أو أنه إله فقد كفر بالإجماع.
ومن ذلك ما فعله بنو عبيد القداح في آخر القرن الثالث الهجري وأول القرن الرابع، حينما ملكوا المشرق والمغرب وهم يصلون الجمعة والجماعة، ويخطب لهم على المنابر، لكن لما أظهروا شيئاً من نواقض الإسلام أجمع العلماء على كفرهم، وقاتلهم المسلمون واستنقذوا ما بأيديهم من بلاد المسلمين؛ بسبب ما كانوا يعتقدونه من اعتقاد باطل، وهو الغلو في آل البيت، فمن اعتقد من الرافضة أن أحداً من آل البيت يستحق شيئاً من العبادة، أو أنه يتصرف في الكون، أو أن القرآن طار ثلثاه ولم يبق إلا الثلث -كما تعتقده بعض الرافضة- أو سب الصحابة كلهم أو كفرهم فقد كفر؛ لأن سب الصحابة وتكفيرهم جميعاً سب للدين وللذين حملوه، فمن الذي حمل إلينا الدين؟ فإذا كان الصحابة الذين حملوا الدين كفاراً فكيف يوثق بهذا الدين؟! بل استنبط الإمام مالك ﵀ كفر من سب الصحابة جميعاً من قول الله تعالى في سورة الفتح في وصف الصحابة: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]، فقال: من أبغض الصحابة فهو كافر بنص القرآن.
فهذه كلها نواقض من نواقض الإسلام، فلابد المسلم -ولاسيما طالب العلم- من الاعتناء بها ومراجعتها دائماً وأبداً، فمن فعل ناقضاً من نواقض الإسلام كفر وانتقض إسلامه ودينه، ولا ينفعه ما كان يفعله من الصلاة والصوم والحج، إلا إذا تاب قبل الموت وقبل بلوغ الروح إلى الحلقوم، فمن تاب تاب الله عليه.
ومن أمثلة الكفر الذي يخرج من الملة: من قال: مُطرنا بنوء كذا أو بنجم كذا.
معتقداً أن للنجم تأثيراً في إنزال المطر، فإن النبي ﷺ سماه كفراً؛ لما ثبت في الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: (صلى لنا رسول الله ﷺ بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب)، فإذا قال: مطرنا بنوء كذا أو بنجم كذا فهو كافر بالله مؤمن بالكوكب.
لكن هـ
стр. 284
الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة
النوع الثاني من أنواع الكفر العملي: الذي لا يخرج من الملة، وهو كل ما ورد من الذنوب تسميته كفراً ولم يصل إلى حد الكفر الأكبر، فهو ليس شركاً في العبادة ولا ناقضاً من نواقض الإسلام، بل هو ذنب من الذنوب ورد في النصوص تسميته كفراً، فهذا يكون كبيرة من الكبائر، لكنه لا يخرج من الملة، ولا يخلد صاحبه في النار، ولا يحبط الأعمال، بل صاحبه تحت مشيئة الله، إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
والكفر العملي الذي لا يخرج من الملة له أمثلة، فمن أمثلته: قتال المسلمين بعضهم بعضاً، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ لما خطب الناس في حجة الوداع قال في خطبته: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، فسمى قتال المسلمين بعضهم بعضاً كفراً، فهو كفر عملي، إلا من استحل، فمن استحل قتل أخيه ورآه حلالاً فإنه يكفر كفراً أكبر، لكن إذا كان قتاله نتيجة الهوى وطاعة للشيطان فهذا يكون ذنباً، أما إذا كان يرى أن قتال المسلمين حلالاً فإنه يكفر كفراً أكبر يخرج من الملة، وقتال المسلم -ولو كان واحداً- من الأعمال الكفرية، أما سب المسلم فهو فسوق، قال ﵊: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر).
ومن أمثلة الكفر الأصغر: أن يرمي أخاه بالكفر، فيقول: يا كافر، وهذا من الأعمال التي تعتبر كفراً أصغر؛ لما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما)، وثبت في حديث آخر أن الإنسان إذا رمى أخاه بالكفر أو لعنه فإنها تصعد إلى السماء، ثم ترجع إلى الذي لُعن أو رمي بالكفر، فإن كان أهلاً لها وقعت عليه، وإن لم يكن أهلاً لها رجعت إلى الذي قالها وتكلم بها، وهذا يفيد الحذر، فينبغي للإنسان أن يحذر من شر اللسان.
ومن أمثلة الكفر العملي: إتيان المرأة في دبرها، فإذا أتى الرجل زوجته في دبرها فهذا كفر أصغر؛ لأن الجماع في الدبر حرام، وهو من الأعمال الكفرية؛ لما ثبت في السنن أن النبي ﷺ قال: (من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد)، فالجماع يكون في الفرج الذي هو محل الحرث، أما الجماع في الدبر فهو من كبائر الذنوب، وهو من الأعمال الكفرية.
ومن أمثلة الكفر العملي: تصديق الكاهن؛ لما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ، وهذا فيه اختلاف كما سبق، فهل تصديق الكاهن كفر يخرج من الملة أو لا يخرج من الملة؟ فمن العلماء من قال: إنه يخرج من الملة بإطلاق، ومن العلماء من قال: إنه كفر أصغر لا يخرج من الملة، ومن العلماء من توقف، والصواب أنه يخرج من الملة إذا صدقه في دعوى علم الغيب، فإذا صدق الكاهن في دعوى علم الغيب فإنه يكفر كفراً أكبر، ويكون من الكفر العملي الذي يخرج من الملة؛ لأنه مكذب لله في قوله: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله﴾ [النمل:٦٥]، أما لو صدقه في قضية معينة، كأن تكون هذه الكلمة التي قالها الكاهن سُمعت من السماء، فوقعت كما قال فصدقه؛ لأنه سمع من السماء، أو تتعلق بعلاج مريضه أو ما أشبه ذلك؛ فهذا لا يخرج من الملة.
ومن أمثلة الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة: انتساب الإنسان إلى غير أبيه وإلى غير قبيلته؛ لما ثبت في الصحيحين: (ما من رجل ينتسب إلى غير أبيه وهو يعلم إلا كفر)؛ لما فيه من التلبيس، ولما فيه من كفر النعمة، فأبواه هما السبب في وجوده، ثم ينتسب إلى غيرهما، أو ينتسب إلى غير قبيلته، كأن يكون من قبيلة المطير فينتسب إلى قبيلة هذيل، أو إلى قبيلة شمر أو قبيلة عنزة، فإذا أنكر قبيلته فهذا من الأعمال الكفرية.
ومن أمثلة الكفر العملي: انتساب العبد والمولى إلى غير مواليه، كما جاء في الحديث: (من انتسب إلى غير مواليه فقد كفر) أو ما معناه.
وجاء في آية نسخ لفظها وبقي حكمها: (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم)، وهي من الآيات التي نسخ لفظها وبقي حكمها.
ومن أمثلة الكفر العملي: كفر النعمة، قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢].
стр. 285
الحكم بغير ما أنزل الله ومنزلته من الكفر
ومن أمثلة الكفر العملي: الحكم بغير ما أنزل الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]، وقد اختلف العلماء في الحكم بغير ما أنزل الله هل هو كفر يخرج من الملة أو كفر لا يخرج من الملة؟ اختلف العلماء في هذا على أقوال: فمن العلماء من تأول الآية على الكفر الأصغر، وقال: إن الحكم بغير ما أنزل كفر أصغر لا يخرج من الملة، وهذا روي عن ابن عباس وعطاء، قال ابن عباس ﵁ في آية الحكم بغير ما أنزل الله: ليس بكفر ينقل عن الملة، بل إذا فعله فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر، وقال عطاء: هو كفر دون كفر.
هذا القول الأول.
ومن العلماء من تأول الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحداً له، وهذا تأويل عكرمة، لكنه تأويل مرجوح ضعيف؛ لأن نفس الجحود كفر، سواء حكم أو لم يحكم، فإنه إذا جحد ما أنزل الله كفر ولو لم يحكم.
ومن العلماء من تأول الآية على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله، ويدخل في ذلك الحكم بالتوحيد والإسلام، فيكون كفراً أكبر، وهذا تأويل عبد العزيز الكناني، وهذا أيضاً قول ضعيف وتأويل مرجوح؛ لأن الله توعد من حكم بغير ما أنزل الله، والوعيد يتناول ترك الحكم بجميع أو ببعض ما أنزل الله، فهو يتناول تعطيل الحكم بجميعه أو ببعضه.
ومن العلماء من تأول الآية على الحكم بمخالفة النص عمداً من غير جهل به ولا خطأ في التأويل، وقد حكى هذا القول البغوي عن العلماء، ويكون كفراً أكبر، وهذا -أيضاً- تأويل مرجوح؛ لأن هذا تقييد ليس عليه دليل.
ومن العلماء من تأول الآية في أهل الكتاب، وقال: إن هذه الآية خاصة بأهل الكتاب: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٤] أي: من أهل الكتاب: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] وهذا -أيضاً- قول مرجوح، وهو قول قتادة والضحاك، وهو تأويل مرجوح؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ، فلا يصار إليه إلا بدليل، ولأن العبرة بعموم اللفظ، والآية عامة.
ومن العلماء من أخذ بإطلاق الآية وقال: إن الحكم بغير ما أنزل الله كفر أكبر ينقل عن الملة مطلقاً.
فهذه ستة أقوال لأهل العلم، والتحقيق والصواب في هذه المسألة أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين: الأصغر والأكبر، وذلك بحسب حال الحاكم، فقد يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفراً أكبر، وقد يكون كفراً أصغر، بحسب حال الحاكم، فإذا حكم الحاكم بغير ما أنزل الله من الآراء والقوانين الوضعية معتقداً أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه يجوز له أن يحكم بالآراء والقوانين، أو أنه مخير بين أن يحكم الآراء والقوانين وبين أن يحكم بما أنزل الله؛ فهذا كفر أكبر يخرج من الملة، سواء حكم بالقوانين والآراء معتقداً أنها أحسن من الحكم بما أنزل الله، أو مماثلة للحكم بما أنزل الله أو أقل من الحكم بما أنزل وأن الحكم بما أنزل الله أحسن، فمادام أنه يرى أنه يجوز له الحكم بالقوانين والآراء الوضعية؛ فإنه يكفر كفراً أكبر يخرج من الملة، سواء اعتقد أن القوانين والآراء مماثلة للحكم بما أنزل الله أو أحسن أو أقل، وكذلك لو استهان بحكم الله مع تيقنه أنه حكم الله.
أما إذا لم يعتقد جواز الحكم بغير ما أنزل الله وحكم بغير ما أنزل الله طاعة للهوى والشيطان؛ فإنه يكفر كفراً أصغر لا يخرج من الملة، وعلى ذلك يكون الحاكم بغير ما أنزل الله ممن يحكم بالآراء والقوانين الوضعية له حالات: الحالة الأولى: أن يحكم بالآراء والقوانين الوضعية معتقداً أنها أحسن من الحكم بما أنزل الله، وأن الحكم بما أنزل الله لا يناسب العصر الحاضر، وإنما يناسبه الحكم بالآراء والقوانين الوضعية، فهذا كفر أعظم، وهذا من أعظم الكفر، وهو أسوأ الحالات وأعظمها كفراً، قال الشيخ محمد أحمد شاكر ﵀: وهذا مثلما ابتلي به الذين درسوا القوانين الأوربية من رجال الأمم الإسلامية ونسائها الذين أشربوا في قلوبهم حبها والشغف بها والذب عنها، فأذاعوها وحكموا بها لما ربوا من تربية أساسها صنع المبشرين الهدامين أعداء الإسلام، ومنهم من يصرح ومنهم من يتوارى، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فهذا مثال يمثل به الشيخ محمد أحمد شاكر ﵀.
فهؤلاء الذين درسوا القوانين الأوربية وأذاعوها وحكموا بها وأشهروها هم أعظم الناس كفراً.
الحالة الثانية: أن يحكم بالآراء والقوانين الوضعية معتقداً أنه يجوز الحكم بها ويجوز الحكم بما أنزل الله، ويعتقد أن الحكم بالآراء والقوانين مماثل لحكم الشريعة، فهما على حدٍ سواء، وأنه مخير بين أن يحكم بالآراء والقوانين الوضعية أو يحكم بالشريعة، فهذا -أيضاً- كافر كفراً أكبر بسبب هذا الاعتقاد.
الحالة الثالثة: أن يحكم بالآراء والقوانين الوضعية معتقداً أن الحكم بما أنزل الله أحسن وأفضل من الحكم بالآراء والقوانين الوضعية، لكنه يعتقد أنه لا مانع من الحكم بالآراء والقوانين الوضعية، وأنه يجوز الحكم بالآراء والقوانين الوضعية وإن كان الحكم بالشريعة الإسلامية أحسن، فهذا -أيضاً- كفر أكبر؛ لأنه جوز الحكم بغير ما أنزل الله واستحله، ومثله مثل من استحل الزنا، لكن لا يكون المستحل كافراً إلا إذا استحل أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، فكذلك إذا استحل الحكم بالآراء والقوانين الوضعية كفر ولو كان يعتقد ويرى أن الحكم بالشريعة أحسن.
الحالة الرابعة: أن يحكم بغير ما أنزل الله في قضية معينة معتقداً أنه لا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله، وأنه عاصٍ لله مستحق للعقوبة، ولكنه إنما حَكَم بغير ما أنزل الله طاعة للهوى والشيطان وطمعاً في مال أو طمعاً في رياسة أو لأجل رشوة دفعت له، أو لأجل أن ينفع المحكوم له؛ لأنه صديق له أو قريب له، أو لأجل أن يغر بالمحكوم عليه، أو خوفاً من سلطان أو من شخص هدده، فحكم بغير ما أنزل الله وهو يعلم أنه عاصٍ بهذا وأنه مستحق للعقوبة، ويعتقد أنه لا يجوز الحكم بغير ما أنزل، فهذا يكفر كفراً أصغر لا يخرج من الملة.
الحالة الخامسة: أن يحكم بغير ما أنزل الله بعد بحثه عن حكم الله واستفراغ وسعه وبذل جهده في تعرف حكم الله، لكنه اجتهد وبحث، وبذل جهده، واستفرغ وسعه ليعرف حكم الله، فجهل وأخطأ وحكم بغير ما أنزل الله خطأً بعد البحث واستفراغ الوسع، فهذا خطؤه مغفور، وله أجر على اجتهاده؛ لما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر).
وعلى ذلك نقول: الحاكم بغير ما أنزل الله له خمس حالات، يكفر كفراً أكبر في ثلاث منها، ويكفر كفراً أصغر في الرابعة، وأما في الحالة الخامسة فخطؤه مغفور، بل له أجر على اجتهاده.
هذه هي حالات الحكم بغير ما أنزل الله، وهذا التفصيل هو الصواب، وهو مروي عن ابن مسعود ﵁ والحسن، وروي عن ابن مسعود والحسن أنه قال: إذا حكم بغير ما أنزل الله مستحلاً له فهو كافر، وإذا حكم بغير ما أنزل الله معتقداً أنه آثم فهو من فساق المسلمين.
وبهذا تكون أقوال العلماء في الحكم بغير ما أنزل الله سبعة أقوال: القول الأول: أنه كفر أصغر مطلقاً.
القول الثاني: أنه كفر أكبر مطلقاً.
القول الثالث: أن الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] محمولة على من جحد الحكم بما أنزل الله.
القول الرابع: أن الآية محمولة على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله.
القول الخامس: أنه إذا حكم بغير ما أنزل الله وخالف النص عمداً من غير جهل ولا خطأ في التأويل.
القول السادس: أن الآية محمولة على أهل الكتاب.
القول السابع: التفصيل الذي هو مروي عن ابن مسعود والحسن، وهو أنه يكفر كفراً أكبر إذا حكم بغير ما أنزل الله مستحلاً للحكم بالآراء والقوانين، سواء اعتقد أنها أحسن من الحكم بما أنزل الله أو مماثلة له أو أقل.
وهذا هو الصواب، والحمد لله.
ونحن في هذه البلاد -المملكة العربية السعودية- التي قامت على التوحيد والإسلام نعتز بالشريعة والحكم بالشريعة، حيث أقيمت المحاكم الشرعية التي تحكم بشرع الله، وهذا من فضل الله علينا، فالمحاكم الشريعة -والحمد لله- موجودة في هذه البلاد، وتحكم بشريعة الله، وتقام فيها الحدود، فيقتل القاتل، وتقطع يد السارق، ويقام الحد على المحارب، وكثيراً ما نسمع في بيانات وزارة الداخلية إقامة الحدود، وهذا من فضل الله تعالى على هذه البلاد، حيث قامت هذه البلاد -بلاد التوحيد- على الإسلام منذ أن نشأت ومنذ أن تعاقد الإمامان: الإمام محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود، والدولة -والحمد لله- قامت على التوحيد والإسلام، وتحكم بشريعة الله، وهي تعتز بالإسلام والحمد لله، حيث أقامت المحاكم الشرعية التي تقيم حدود الله وتحكم بشريعة الله، فكان ذلك سبباً في استتباب الأمن.
ومن محاسن ولاة الأمر فيها السماح بهذه الدروس وهذه الدورات العلمية التي نفع الله بها، فنسأل أن يوفق ولاة أمورنا في هذه البلاد إلى كل خير، وأن يوفقهم للعمل الصالح الذي يرضيه، وأن يزيدهم من الهدى والتوفيق، وأن يصلح لهم البطانة، وأن يريهم الحق حقاً ويرزقهم اتباعه، وأن يريهم الباطل باطلاً ويرزقهم اجتنابه، وأن يجعلنا من أعوانهم وأنصارهم في الحق، إنه على كل شيء قدير.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 286
الأسئلة
стр. 287
الرد على دعوى كون الكفر بالاعتقاد دون العمل
السؤال
ظهرت شبهة متأخرة وأيدت بالأدلة، وهي أنه لا يخرج من الإسلام إلا من كفر كفراً اعتقادياً قلبياً، وأن الكفر لابد فيه من الاعتقاد، وأنه محصور في التكذيب والاستكبار، وأن الإنسان لو سجد للصنم لأجل مال فإنه لا يكفر، وكذلك إذا سب الله ورسوله فإنه لا يكفر حتى يعتقد، وأن الآية التي نزلت في حكم السب مخصوصة بالمنافقين ويقولون: إن السب علامة على الكفر لا أنه كفر، فهل هذا القول هو قول لأهل السنة؟
الجواب
هذا القول قول فاسد، فهو مخالف لمعتقد أهل السنة والجماعة، وقد سبق أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على قتال بني حنيفة؛ لأنهم قالوا: إن مسيلمة نبي.
وقد كانوا يؤذنون ويصلون ويصومون، وكذلك قول الله تعالى في الذين تكلموا بكلمة الكفر: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [التوبة:٧٤]، وهي كلمة قالوها، وكذلك الذين في غزوة تبوك تكلموا بكلمة قالوها على وجه المزاح، وجاءوا يعتذرون إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله هذه الآية: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] فأثبت لهم الكفر بعد إيمانهم، فجاء هؤلاء يعتذرون إلى الرسول ﷺ ، وقالوا: يا رسول الله! ما نعتقد القول به، وإنما نحن نمزح ونتحدث حديث الركب، ولكن الرسول ﷺ لم يعذرهم، فكان لا يزيد على تلاوة هذه الآية: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، فلو كان الإنسان لا يكفر إلا بعقيدة القلب لما كفر الله تعالى هؤلاء.
بل أجمع أهل السنة على كفر من سب الله وسب الرسول ﷺ ، وهذا مجمع عليه من قبل أهل السنة والجماعة، وهناك كتاب لـ شيخ الإسلام ﵀ في هذا سماه: (الصارم المسلول على شاتم الرسول).
فهذا كلام ليس بصحيح، فالكفر يكون بالتكذيب والجحود، ويكون بالإباء والاستكبار، ويكون بالإعراض عن دين الله، ويكون بالشك، ويكون بالقول، ويكون بالفعل، ويكون بالعقيدة.
والاعتقاد لابد منه؛ لأن الإنسان إذا سجد للصنم فلابد من أن يكون في اعتقاده أنه ما سجد له إلا تعظيماً له، ولو قال: إنه يحترمه مع أنه لا يعبده، فهذا كفر، فلابد من أن يكون هناك قصد، ولا يحصل السجود للصنم من دون قصد، ولهذا فإن بعض الصوفية يسجد لشيخه، فإذا سألته قال: هذا ليس سجوداً، وإنما هو وضع الرأس أمام الشيخ احتراماً له وتواضعاً.
فمادام أنه قصد السجود للشيخ فهو كافر حتى ولو لم يعتقد، وكذلك يكفر -أيضاً- من سجد للصنم أو للنجم ووضع الرأس أمامه احتراماً وتواضعاً، فالمهم أن يكون هناك قصد، فلو داس المصحف بقدميه وقال: أنا ما قصدت شيئاً، أو: ليس عندي اعتقاد أن أستهين بالمصحف، لكن أنا أقصد أن أضعه على قدمي؛ فهذا يكفر ولو لم يعتقد، لأن هذا العمل يكفر صاحبه، فلو قال: أنا أعتقد أن القرآن كلام الله، ولا أعتقد أنه ليس من كلام الله، ثم بال على المصحف فإنه يكفر بهذا الأمر مادام قد قصده، بخلاف لو كان خلفه مصحف ثم رجع القهقرى وهو لا يدرك ثم وطئ المصحف وهو لا يدري، فهذا لا يكفر؛ لأن هذا ليس له قصد.
فالمقصود أنه إذا قصد الفعل فلا يشترط الاعتقاد، وكلام هؤلاء كلام فاسد، وهذا الذي ظهر من هؤلاء لا عبرة به، وليسوا أهلاً لأن يؤخذ بقولهم، وإنما يؤخذ بما دلت عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وبما أجمع عليه وأقره أهل العلم المعروفون بالرسوخ في العلم قبل مجيء هؤلاء الذين لا علم عندهم ولا بصيرة، فلا يؤخذ بأقوال هؤلاء.
стр. 288
حكم الاحتكام إلى القوانين الوضعية في بلاد الكفار
السؤال
بعض المسلمين يعيش في بعض البلدان التي تحكم بالقوانين الوضعية، وقد يلجأ إلى هذه المحاكم لإثبات حق ضائع له، فهل تحاكمه إلى مثل هذه المحاكم كفر؟
الجواب
لا؛ لأنه إذا أراد أن يأخذ حقه فإنه مضطر إلى ذلك، لكن لا يجوز له أن يزيد على حقه، فإذا أعطوه زيادة على حقه فلا يأخذ، وهو مضطر إلى أن يأخذ حقه من باب المطالبة بأخذ الحق، فله أن يطالب بأخذ حقه، فإذا أعطوه حقه أخذه، وإذا زادوه عليه فلا يأخذ الزيادة.
стр. 289
حكم القول بوحدة الأديان
السؤال
هل يكفر من يقول بوحدة الأديان ويدعو إليها؟
الجواب
إذا قال: إنه ينبغي أن تتوحد الأديان، ويرى أنها كلها على حق، وأن اليهودية والنصرانية والإسلام كلها نزلت من عند الله، واعتقد أن الإنسان مخير بين أن يتدين باليهودية أو بالنصرانية أو بالإسلام، فهذا كفر وردة بإجماع المسلمين، فمن لم يكفّر المشركين أو اليهود أو النصارى أو صحح مذهبهم أو شك في كفرهم فهو كافر بالإجماع.
فلو قال إنسان: أنا أصوم وأصلي وأتعبد وأوحد الله، لكن ليس لي كلام في اليهود والنصارى، ولا أقول فيهم شيئاً، وهم على دين، والنصارى كذلك لا أقول فيهم شيئاً؛ فهذا يكفر؛ إذ لابد من أن يعتقد كفرهم، فإذا لم تعتقد كفرهم أو شككت في ذلك فإن هذا يكون كفراً وردة، والحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله مخلصاً له الدين، وأن تكفر بالطاغوت؛ لأن معنى (لا إله إلا الله): لا معبود بحق إلا الله، فلابد من النفي والإثبات، فالإثبات: إثبات التوحيد لله، والنفي: نفي جميع أنواع العبادة لغير الله، والكفر بالطاغوت، وهو كل ما يُعبد من دون الله، فكل دين سوى دين الإسلام باطل، ولابد من أن تعتقد بطلان عبادة غير الله وبطلان الأديان غير دين الله، وتتبرأ منها وتنكرها وتنفيها وتبغضها وتعاديها، فهذه هي الحنيفية ملة إبراهيم، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]، فانظر إلى قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾ [الممتحنة:٤]، فلابد من البراءة، ولابد من أن تكفر بما عليه اليهود والنصارى من الأديان، وتعاديهم: ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤].
والطاغوت: كل ما عُبد من دون الله، فكل ما سوى دين الإسلام فهو طاغوت، ولابد من أن تعتقد الكفر بالطاغوت، أي: أن تعتقد بطلانه وتنفيه وتنكره وتتبرأ منه ومن أهله، هذا هو الكفر بالطاغوت، ولا يحصل إيمان إلا بالكفر بالطاغوت مع الإيمان بالله، وهذا هو معنى (لا إله إلا الله)، فـ (لا إله) كفر بالطاغوت، (إلا الله) هذا هو التوحيد، وهو إثبات العبادة لله، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٧].
فهذا هو معنى: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف:٢٦]، فهو الكفر بالطاغوت، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف:٢٧] وهذا هو التوحيد، فقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف:٢٦] هو معنى (لا إله)، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف:٢٧] هو معنى (إلا الله).
стр. 290
حكم استعمال الكفار
السؤال
من استخدم عمالاً كفاراً من بلاد غير مسلمة، وفضّلهم على المسلمين مع إمكانية استخدام المسلمين، فما حكم ذلك؟
الجواب
هذه معصية؛ لأن النبي ﷺ أمر بأن يخرج اليهود من جزيرة العرب، فقال: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب)، وقال: (لا يبقى في جزيرة العرب دينان).
فينبغي أن تكون جزيرة العرب سالمة من الأديان الأخرى إلا دين الإسلام، ولا يكون فيها إلا دين الإسلام؛ لأن الجزيرة هي منشأ الإسلام، والإسلام قام على صفات العرب، أما غيرها -مثل العراق والشام ومصر- فلا بأس ببقائهم فيها مع الحذر من شرهم، أما في جزيرة العرب فلا يستخدم هؤلاء، وينبغي أن يستخدم الإنسان من إخوانه المسلمين، وينبغي أن يكون بره ونفعه ومصرفه من المال لصالح المسلمين، حتى ولو كان عندهم بعض الجهل، فيمكن توجيههم؛ لأن هذا على دينك ويمكنك أن توجهه، بخلاف الكافر، فليس على دينك، والذي ليس على دينك لا يعينك، فلا ينبغي للإنسان أن يستخدم الكافر، وإذا فضل الإنسان هؤلاء الكفار فهذا يدل على ضعف إيمانه، فبعض الناس عنده ضعف، إذ يقول: غير المسلمين أحسن! وبعضهم يقول عن الكافر: إنه نشيط، بل أنشط من المسلم، وهذا من صور تلاعب الشيطان والعياذ بالله، وبعضهم يقول: إن المسلم لا يريد أن يعمل وقت الصلاة؛ لأن المسلم يذهب ليصلي، وهذا يعمل في وقت الصلاة فهو أحسن! وهذا يدل على ضعف إيمانه.
وإذا فضل العامل من أجل دينه فقد كَفَر، أما إذا فضله طاعة للهوى والشيطان، وحمله على ذلك حب المادة، أو زعم أنه أنشط من المسلم، فهذا فسق ومعصية، ويدل على ضعف الإيمان.
стр. 291
توجيه سجود معاذ للنبي ﷺ
السؤال
لا شك في أن من سجد لصنم أو لشيء غير الله فقد كفر، فما تعليقكم على سجود معاذ بن جبل ﵁ للنبي ﷺ ؟
الجواب
قد سبق أن قلنا: إن هذا كان أولاً ولم يعلم بحرمة ذلك، ثم نهاه النبي ﷺ فانتهى، ومثل ذلك قول الصحابة: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط.
ثم زجرهم النبي ﵊، وقد استنبط من ذلك الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب أن من فعل الكفر ثم نُبّه فتاب من ساعته فلا يكفر؛ لأنه فعل هذا عن جهل ثم تاب من قريب، وكذلك سجود معاذ كان عن جهل، ثم بين له النبي ﷺ ونهاه فانتهى، أما من تعمد السجود مع العلم فإنه يكفر.
стр. 292
الفرق بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر
السؤال
ما الضابط الدقيق في التفريق بين الكفر المخرج من الملة وبين الكفر الأصغر؟
الجواب
سبق أن قلنا: إنه إذا كان شركاً في العبادة أو ناقضاً من نواقض الإسلام صار كفراً أكبر ينقض التوحيد والإيمان، أما إذا كان ذنباً من المعاصي، وليس ناقضاً من نواقض الإسلام، ولكن سماه الشرع كفراً فهو كفر أصغر، وقد سبقت أمثلة نواقض التوحيد والإيمان، مثل: من سب الله أو سب الرسول ﷺ ، والسخرية بالدين، والسحر، واعتقاد أن هناك هدياً أحسن من هدي الرسول ﷺ ، وأنه يسعه الخروج عن شريعته وعن دينه، فكل هذه نواقض تخرج فاعلها من الدين إن كان قاصداً، أما إذا كان الفعل لا يفضي إلى حد الناقض وليس شركاً في العبادة وإنما هو معصية من المعاصي -مثل من أتى امرأة في دبرها، ومثل الطعن في النسب، والنياحة على الميت، ونحو هذا مما وقعت تسميته كفراً- فهو كفر أصغر.
стр. 293
دروس في العقيدة [١٤]
من الكفر العملي ترك الصلاة، ولا شك أن تاركها داخل في باب عظيم من الخطر، ولم يزل النزاع قائماً بين العلماء في تكفير تارك الصلاة، الأمر الذي يدل على أن التفريط فيها ليس بالهين، ولذا يجب على العبد المحافظة عليها ليسلم دينه ولينجو من عذاب ربه.
стр. 294
الرد على حاصري الكفر في التكذيب والاستكبار
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن مما ينافي التوحيد والإيمان الشرك والكفر، وقد سبق الكلام على مباحث الكفر، وأن الكفر ينقسم إلى قسمين: كفر اعتقادي، وكفر عملي، وأن الكفر الاعتقادي بأنواعه الخمسة يخرج من الملة، ويحبط الأعمال، ويخلد صاحبه في النار، ولا يغفره الله إلا بالتوبة منه، نسأل الله العافية.
وأما الكفر العملي فإنه ينقسم إلى قسمين: كفر يخرج من الملة، وكفر لا يخرج من الملة، وقد سبق أن ذكرنا أن بعض الناس يقول: إن الكفر لا يكون إلا بالتكذيب أو الجحود أو الإباء أو الاستكبار فقط، وهذا القول ليس معروفاً عن السلف ولا عن العلماء ولا عن الأئمة، وإنما هو قول للجهمية المرجئة.
وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الإمام المجتهد رحمه الله تعالى إجماع العلماء أن من قدر على أن ينطق بالشهادتين فلم ينطق فإنه كافر، وهو كافر باطناً وظاهراً عند سلف الأمة وأئمتها وجماهير العلماء.
وذهبت المرجئة إلى أنه لا يكون كافراً في الباطن، بل يكون كافراً في الظاهر، وهذا قول جهمية المرجئة، كـ الجهم والصالحي، فيقال: إن هذا القول قول مبتدع لم يقله أحد من العلماء ولا الأئمة، وإنما هو قول مبتدع قالته الجهمية المرجئة، ومن المعلوم أن التكلم باللسان عمل، فالقول بأن الكفر لا يكون إلا بالتكذيب والجحود، أو بالإباء والاستكبار قول باطل لا وجه له، وإنما هو قول المرجئة الجهمية كـ الجهم بن صفوان والصالحي، فهؤلاء هم الذين يقولون: إن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، بل قال الجهم: إن الإيمان هو معرفة الرب بالقلب، والكفر: هو جهل الرب بالقلب، فلا تضر مع الإيمان معصية، كما أنه لا تنفع مع الكفر طاعة.
وعند المرجئة -أيضاً- أن الإنسان إذا لم ينطق بالشهادتين وهو مصدق في الباطن فإنه يكون مسلماً، وهذا قول باطل كما ذكر شيخ الإسلام ﵀، فقد نقل اتفاق وإجماع العلماء على أن من لم ينطق بالشهادتين مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو عند السلف وجماهير العلماء كافر باطناً وظاهراً، وعند المرجئة كافر ظاهراً لا باطناً، وقال: وهذا قول مبتدع لا أصل له، فينبغي أن يعلم أن هذا القول وهذه الشنشنة التي نسمعها من بعض الناس، وهي أن الكفر لا يكون إلا بالتكذيب والجحود أو الإباء والاستكبار قول باطل، وهو قول المرجئة والجهمية، والصواب أن الكفر يكون بالقول ويكون بالفعل ويكون بالاعتقاد ويكون بالشك، كما في قول الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [التوبة:٧٤] أي: كفروا بالحلف، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] فأثبت لهم كفراً بعد الإيمان بالاستهزاء، وهو عمل، فالقول بأن الكفر لا يكون بالعمل ولا يكون بالقول وإنما يكون بالجحود فقط قول لم يقله أحد من العلماء، بل إذا قدر على التكلم بالشهادتين ولم يتكلم فهو كافر.
وكذلك من سب نبياً من الأنبياء، أو قتله، أو استهان بالمصحف قاصداً ذلك، أو لطخه بالنجاسة، أو بال عليه، فهو كافر باتفاق العلماء، ولم يخالف في هذا إلا المرجئة، والمرجئة والجهمية لا عبرة بخلافهم، فينبغي أن يعلم أن هذا القول -وهو أن الكفر لا يكون إلا بالجحود والإباء والاستكبار- قول باطل لا أساس له من الصحة، وهو مخالف لاتفاق العلماء ولما قرره الأئمة، ومخالف لما قرره السلف، وإنما نبهت على هذا الأمر لأهميته.
стр. 295
صور من الكفر العملي
والكفر العملي كما ثبت ينقسم إلى قسمين: قسم يخرج من الملة إذا كان شكاً في العبادة، أو ناقضاً من نواقض الإسلام.
والقسم الثاني: لا يخرج من الملة كما سبق.
стр. 296
حكم تارك الصلاة
ومن الكفر العملي: ترك الصلاة كسلاً وتهاوناً لا جحوداً لوجوبها، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة)، فأخبر أن ترك الصلاة كفر، وقال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، واختلف العلماء في هذا الكفر: هل هو كفر أكبر يخرج من الملة، ويوجب الخلود في النار، أو هو كفر أصغر يوجب استحقاق الوعيد ولا يوجب الخلود في النار؟ واتفق العلماء على أنه إذا جحد وجوب الصلاة عن علم ولم يكن مثله يجهل ذلك فإنه يكفر بالاتفاق، وكذلك إذا جحد وجوب الزكاة، أو جحد وجوب الصوم، أو جحد وجوب الحج، فإنه يكفر إذا كان عالماً، أما إذا كان مثله يجهل ذلك كأن يكون في بلاد بعيدة؛ فإنه لا يكفر حتى يستتاب وتقام عليه الحجة، فإذا أقيمت عليه الحجة وأصر حكم بكفره؛ لأنه أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، وكذلك لو أنكر تحريم شيء مجمع على تحريمه وهو معلوم من الدين بالضرورة، كأن ينكر تحريم الفواحش، أو تحريم الزنا، أو الربا، أو شرب الخمر، أو تحريم السرقة، فهذا يكفر، إلا إذا كان مثله يجهل ذلك، بأن نشأ في بلاد بعيدة، أو أسلم حديثاً وهو لا يعلم الحكم، فهذا لا يحكم بكفرة حتى تقام عليه الحجة، ويبين له ويستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافراً.
وأما إذا لم يجحد وجوب الصلاة وإنما تركها كسلاً وتهاوناً؛ فهذا هو موضع الخلاف، أو ترك الزكاة بخلاً وتهاوناً، أو ترك الصوم كسلاً وتهاوناً، أو ترك الحج كسلاً وتهاوناً، فهذه الأركان الأربعة إذا تركها كسلاً وهو مؤمن بها مصدق فللعلماء فيها أقوال، وهي روايات عن الإمام أحمد ﵀: القول الأول: أنه يكفر إذا ترك واحدة من هذه الفرائض الأربع، ولو كان مقراً بوجوبها؛ لأن هذه مباني الإسلام العظيمة، وقد قال ﵊ في حديث ابن عمر في الصحيحين: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا)، فجعل هذه الأركان الخمسة مباني الإسلام، فإذا ترك واحدة منها كفر، فهذا هو القول الأول للعلماء، وهو رواية عن الإمام أحمد.
القول الثاني: أنه لا يكفر بترك واحدة منها كفراً أكبر، وهو رواية عن الإمام أحمد أيضاً.
القول الثالث: أنه يكفر بترك الصلاة فقط، وأما إذا ترك غيرها تهاوناً فلا يكفر، لكن يرفع به إلى ولاة الأمر ويعزر، وتؤخذ منه الزكاة قهراً، ويعزره الحاكم بالضرب والسجن، حتى يزكي ويصوم ويحج.
القول الرابع: أنه يكفر إذا ترك الصلاة والزكاة دون الصوم والحج، وهي رواية عن الإمام أحمد.
القول الخامس: أنه يكفر إذا ترك الصلاة وكذلك إذا ترك الزكاة وقاتل عليها الإمام، وهذا هو الأقرب عندي، فإنه إذا ترك الزكاة وقاتل عليها فإنه يكفر، والدليل على ذلك أن أبا بكر ﵁ والصحابة قاتلوا الذين منعوا الزكاة واعتبروهم من المرتدين؛ لأنهم منعوها وقاتلوا عليها، فإذا منع الزكاة وقاتل عليها دل ذلك على إنكاره وجحوده لها، فيكون كافراً، أما إذا منعها ولم يقاتل عليها فلا يكفر، وإنما تؤخذ منه قهراً.
فالصواب أنه لا يكفر إذا ترك الزكاة إلا إذا قاتل عليها، ولا يكفر إذا ترك الصوم أو الحج، وإنما يكون مرتكباً لكبيرة، والدليل على ذلك أن الله قال في المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]، فعلق الأخوة في الدين على التوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فدل على أنه إذا لم يفعل واحدة من هذه الثلاث فلا يكف عنه، ولا يكون أخاً لنا في الدين.
فأما الزكاة فقد جاء ما يخرجها من هذا، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (من أتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته صفح له يوم القيامة صفائح من النار، فيكوى به جنبه وجبينه وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرر تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أخراها رد عليه أولاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار).
ووجه الدلالة أن النبي ﷺ قال: (ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار)، فدل هذا على أنه ليس بكافر، ولو كان كافراً لم يكن له سبيل إلى الجنة، إلا إذا قاتل الإمام عليها، فإن ذلك يدل على كفره وجحوده.
стр. 297
قتل تارك الصلاة
وقد اختلف العلماء فيمن ترك الصلاة: هل يقتل أو لا يقتل؟ فمن العلماء من قال: إنه يقتل، وهذا مذهب الجماهير من العلماء، واختلفوا في كيفية قتله، فالجمهور على أنه يقتل بالسيف، وقال بعضهم: يقتل بالخشب حتى يموت، وقال بعضهم: ينخس بالسيف نخساً حتى يموت.
وذهب بعض العلماء من الأحناف وغيرهم إلى أنه لا يقتل، وإنما يحبس حتى يصلي أو يموت، والصواب أنه يقتل، ويكون قْتله بالسيف؛ لأن القتل بالسيف أحسن القتلات، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته)، فإذا ترك الصلاة فإنه يقتل بالسيف؛ لأن المرتد يقتل بالسيف، وأما الزاني المحصن فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت، وهذه القِتلة من أشنع القتلات؛ لأمرين: الأمر الأول: أن الزاني وصلت اللذة المحرمة إلى جميع أجزاء جسده، فعاقبه الله تعالى بعقوبة يصل الألم فيها إلى جميع أجزاء جسده.
الثاني: أن الداعي إلى الزنا قوي، فجعل الله العقوبة قوية؛ حتى تكون رادعة وزاجرة، ولأن هذا الحد يذكر بما فعل الله تعالى بقوم لوط، حيث إن الله أمر جبريل فرفع مدائنهم وقراهم إلى السماء ثم نكسها عليهم، ثم أتبعوا بحجارة من سجيل مسومةٍ، كما قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر:٧٤]، ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣]، فأمطر الله عليهم حجارة، فهذه العقوبة تذكر بما فعل الله بقوم لوط.
فالصواب أن تارك الصلاة يقتل، وهل يستتاب أو لا يستتاب؟ ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يستتاب، وهؤلاء هم الذين قالوا: إنه يقتل حداً، حيث اختلفوا فيه: هل يقتل حداً أم كفراً؟ فقال بعضهم: يقتل كفراً، وقال آخرون: يقتل حداً، ومن قال: يقتل حداً قال: إنه لا يستتاب؛ لأن هذا حد، فما دام أنه ترك الصلاة فإنه يقتل بتركه لها، كما أن الزاني يجلد لفعله الزنا، وكما أن السارق تقطع يده لفعله السرقة، فإذا وصل إلى الحاكم الشرعي فلا بد من قتله وإن قال: إنه قد تاب.
وأما من قال: إنه يقتل كفراً فإنه يقول: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
وهل يقتل إذا ترك صلاة واحدة حتى خرج الوقت، أو إذا تضيق وقت الثانية التي تجمع إليها، بحيث ترك صلاة الظهر لا يقتل حتى يضيق وقت العصر قرب غروب الشمس؟ وهذا الثاني هو الأقرب؛ لأن الظهر يجمع مع العصر، والمغرب مع العشاء، فإذا تضيق وقت الثانية واستتيب ولم يتب فإنه يقتل، والدليل على قتل تارك الصلاة ما ثبت في الصحيحين عن علي ﵁: (أنه أرسل إلى النبي ﷺ بذهيبة من اليمن فقسمها بين أربعة من رؤساء القبائل يتألفهم على الإسلام، فقال له رجل: اتق الله، فقال له النبي ﷺ : ويلك! ألست أحق الناس أن يتقي الله؟! فقال له خالد بن الوليد: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه؟ فقال النبي ﷺ : أليس يصلي؟ فقال: يا رسول الله كم من مصل وما في قلبه يخالف ظاهره -أو كما قال في الحديث- فقال النبي ﷺ : إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أن أشق بطونهم)، وفي الحديث الآخر: (نهيت عن قتل المصلي)، فدل على أن غير المصلي يقتل، فالذين لا يصلون لم ينه النبي ﷺ عن قتلهم.
وثبت -أيضاً- في الحديث الآخر الذي رواه أحمد وغيره وبعض أهل السنن: (أن رجلاً من الأنصار جاء إلى النبي ﷺ يساره ويستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فجهر رسول الله ﷺ وقال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ فقال: بلى ولا شهادة له، فقال: أليس يشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: بلى ولا شهادة له، فقال: أليس يصلي؟ قال: بلى ولا صلاة له، فقال ﵊: إني لم أؤمر بقتل المصلين) أو كما قال ﵊، فدل على أن من لم يصل فإنه يقتل، وهذه أدلة واضحة.
стр. 298
النزاع في كفر تارك الصلاة
стр. 299
القائلون بعدم كفر تارك الصلاة وأدلتهم
وأما كفر تارك الصلاة فهذه مسألة عظيمة ومسألة مهمة، ولذلك أفردت الكلام عليها؛ لعظم شأنها، ولكثرة من ابتلي بترك الصلاة، فكثير من الناس ابتلي ببعض الأقارب ممن لا يصلي، أو بعض الأبناء، أو بعض الإخوان، فلا بد من تحقيق هذه المسألة العظيمة، فأقول: اختلف العلماء في تارك الصلاة: هل يكفر كفراً أكبر يخرج من الملة، أو يكون كفره كفراً أصغر لا يخرج من الملة؟ فذهب جمهور الفقهاء -ومنهم الإمام أبو حنيفة ومالك والشافعي، وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ﵀ إلى أنه يكفر كفراً أصغر يوجب استحقاق الوعيد، ولا يوجب الخلود في النار، واختار هذه الرواية من الحنابلة ابن بطة وقال: إن المذهب على هذا، ولم نجد فيه خلافاً فسره، وفي المغني والشرح الكبير أنه يكفر كفراً أصغر لا يخرج من الملة، واستدلوا على ذلك بأدلة: أولاً: قالوا: إن تارك الصلاة مصدق، وقد دخل في الإسلام بيقين، فلا يخرج من الإسلام إلا بيقين، هو مصدق يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وليس جاحداً ولا مكذباً، فقد دخل في الإسلام بيقين، فلا يخرج من الإسلام إلا بيقين، واستدلوا -أيضاً- بحديث عتبان الطويل، ففي الصحيحين أن النبي ﷺ قال في آخره: (فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) وتارك الصلاة يقول: (لا إله إلا الله)، فهو داخل في هذا الفضل.
واستدلوا -أيضاً- بحديث عبادة بن الصامت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) وتارك الصلاة يشهد هذه الشهادة.
واستدلوا -أيضاً- بحديث أنس ﵁: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة)، فهذا يدل على أن تارك الصلاة لا يخلد في النار.
واستدلوا -أيضاً- بحديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين أنه قال: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه) وفي رواية (صدقاً من قلبه)، وهذا ينطبق على تارك الصلاة.
واستدلوا -أيضاً- بحديث معاذ أنه كان رديف النبي ﷺ على حمار فقال له: (يا معاذ! قلت: لبيك وسعديك، قال: أتدري ما حق الله على العباد، وحق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً)، وتارك الصلاة يعبد الله موحداً وليس بمشرك، فهو داخل في هذا العموم.
واستدلوا -أيضاً- بحديث البطاقة، وفيه (يؤتى برجل يوم القيامة فيخرج له تسعة وتسعون سجلاًً كل سجل مد البصر، وكلها سيئات، فيقال له: هل لك حسنة؟ فلا يجيب، فيقول الله له: بلى إن لك عندنا حسنة واحدة، فيؤتى ببطاقة فيها (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)، فقال: وماذا تفعل هذه البطاقة مع هذه السجلات، فوضعت البطاقة في كفة والسجلات في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فغفر الله له)، قالوا: ومعلوم أن تارك الصلاة له هذه البطاقة، فهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وغير ذلك من النصوص التي تدل على فضل التوحيد والإيمان.
стр. 300
القائلون بكفر تارك الصلاة وأدلتهم
أما القول الثاني -وهو القول بأن تارك الصلاة يكفر كفراً أكبر يخرج من الملة، ويوجب الخلود في النار- فهو رواية عن الإمام أحمد، وهو قول عبد الملك بن حبيب من المالكية، وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام الشافعي، وحكاه الطحاوي عن الشافعي نفسه، وحكاه الإمام أبو محمد ابن حزم ﵀ عن أربعة من الصحابة: عن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة، وحكاه عبد الحق الإشبيلي عن جماعة كثيرين من الصحابة أيضاً، وهو قول سعيد بن جبير وعامر الشعبي وأبي عمرو الأوزاعي وإبراهيم النخعي وأيوب السختياني وإسحاق بن راهويه وغيرهم في جماعة من العلماء ومن السلف، واختار هذه الرواية من الحنابلة أبو إسحاق بن شاقلا وابن عقيل وابن حامد، فهؤلاء السلف كلهم ذهبوا إلى أن تارك الصلاة يكفر كفراً أكبر يخرج من الملة ويخلد في النار، فيكون من الكفر العملي الذي ينافي الإيمان ويناقض الإيمان بالكلية، وقد نقل عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي الجليل إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة وقال: كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة.
إذاً: فالصحابة أجمعوا على كفر تارك الصلاة، كما نقله عبد الله بن شقيق العقيلي ﵀.
وأدلة القائلين بكفر تارك الصلاة أدلة كثيرة من القرآن ومن السنة، فمن القرآن قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] ووجه الدلالة أن الله أخبر أنَّه لا يخلى سبيل المشركين حتى يتوبوا من الشرك، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فمفهومه أنهم إذا لم يتوبوا من الشرك، ولم يقيموا الصلاة، ولم يؤتوا الزكاة، فلا يخلى سبيلهم، بل يقاتلون، فدل على كفر تارك الصلاة، وأما تارك الزكاة فإخراجه في الحديث السابق، وهو أن النبي ﷺ قال: (ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) فبقي المشرك وتارك الصلاة، فدل على أن تارك الصلاة لا يخلى سبيله؛ لأنه كافر، ومن الأدلة قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]، فعلق الله تعالى الأخوة في الدين على ثلاثة أشياء: على التوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فدل على أنه إذا لم يصل فليس أخاً لنا في الدين؛ لكفره.
ومن الأدلة قول الله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الروم:٣١ - ٣٢] فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم:٣١] ومفهومه أن من لم يقم الصلاة فهو من المشركين.
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات:٤٨] وهذا وصف الكفار، فمن لم يركع ولم يسجد لله فليس بمسلم.
وأخبر عن الكفار أنهم يُسألون في النار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:٤٢] فذكروا أوصافاً أولها ترك الصلاة ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر:٤٣ - ٤٤]، فترك الصلاة من أوصاف أهل النار التي استحقوا بها دخول النار.
وقال : ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة:١٥]، والصلاة من أعظم ذكر الله، فمن لم يسجد فليس بمؤمن، فقد أخبر الله أن المؤمن هو الذي إذا ذكر بآيات الله خر ساجداً، فدل على أن من لم يسجد لله فليس بمسلم.
وقال : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٢ - ٤٣]، فأخبر أنهم يدعون يوم القيامة إلى السجود فلا يستطيعون؛ لأنهم دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا، فدل على كفرهم.
ومن السنة: ما ثبت في صحيح مسلم عن جابر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة)، ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل ترك الصلاة حداً فاصلاً بينه وبين الإسلام، فإذا أتى بها فهو مسلم، وإذا تركها فليس بمسلم، والبينية حد فاصل تفصل بين الشيئين، فبين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة، فالبينية تفصل هذا من هذا، فترك الصلاة كفر، وفعل الصلاة إيمان، فمن لم يصل فليس بمؤمن، ولأن النبي ﷺ عبر بالكفر، فقال: (بين الرجل وبين الكفر) و (أل) للاستغراق، ولهذا قال في القاموس: إن المراد به الكفر المستغرق وهو الكفر المخرج من الملة، قال شيخ الإسلام ﵀: المراد به الكفر الأكبر؛ لأنه أتى بلفظ (الكفر)، بخلاف الكفر المنكر، مثل: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت) فالكفر المنكر لا يخرج من الملة، أما الكفر المعرَّف؛ الذي جاء بـ (أل)، (بين فإنه يدل على أن المراد به كفرٌ أكبر مستغرق؛ لأن (أل) للاستغراق.
ومن الأدلة أيضاً: ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث بريدة بن الحصيب أن النبي ﷺ قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، فجعل ترك الصلاة كفراً، وهي العهد الذي بيننا وبين غيرنا، فمن تركها فليس منا؛ لأنه كافر، ومن صلى فهو منا.
ومن الأدلة قول النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)، فجعل النبي ﷺ الغاية في ترك القتال الشهادة لله بالوحدانية، والشهادة لنبيه بالرسالة، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وقال: (عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)، فدل هذا على كفر تارك الصلاة.
ومن الأدلة ما ثبت في صحيح البخاري من حديث بريدة أن النبي ﷺ قال: (بكروا بصلاة العصر، فمن ترك صلاة العصر فقد حبط عمله) والذي يحبط عمله هو الكافر، فدل على أن من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله بكفره، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧]، وبقية الصلوات حكمها حكم صلاة العصر، وإنما خصت العصر بالذكر لشرفها وفضلها.
ومن الأدلة -أيضاً- ما ثبت في صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي أن النبي ﷺ قال: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم، قلنا يا رسول الله! أفلا ننابذهم بالسيف؟! قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة) فنهى عن قتال الأمراء إذا أقاموا الصلاة.
وفي الحديث الآخر يقول النبي ﷺ في النهي عن الخروج عن الأمراء وولاة الأمور ما معناه: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان) فنهى عن الخروج إلا إذا وجد الكفر البواح، فإذا ضممت هذا الحديث إلى حديث عوف بن مالك الأشجعي: (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة) فمفهومه أنهم إذا لم يقيموا الصلاة فهم كفار يقاتلون، وفي الحديث الآخر نهى عن قتالهم إلا إذا وجد الكفر البواح، فدل على أن ترك الصلاة كفر بواح، وهذا من أقوى الأدلة في كفر تارك الصلاة.
فجمهور فقهاء المتأخرين الذين يقولون: إن تارك الصلاة لا يكفر مادام مصدقاً، ومعه أصل التصديق بماذا يجيبون عن هذه الأدلة التي استدل بها هؤلاء العلماء؟ يجيبون عنها فيقولون: هذه الأدلة محمولة على كفر النعمة لا كفر الجحود، أو أن المراد: قارب الكفر، يعنون قوله: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) فتأولوا فصار المعنى: قارب الكفر، أو أن ذلك محمول على كفر النعمة، مثل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل:١١٢] فتارك الصلاة كافر بالنعمة، لكن لا يخرج من الملة، وهو مثل قوله ﷺ : (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت) فالطعن والنياحة كفر لا يخرج من الملة، فكذلك تارك الصلاة، ومثل قوله: (من أتى امرأة في دبرها فقد كفر)، ومثل قوله: (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)، ومثل قوله ﷺ : (من تعلم الرمي ثم تركه فهو نعمة كفرها)، ومثل قوله: (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم) فمن رغب عن الانتساب إلى أبيه فقد كفر، فهذا كفر لا يخرج من الملة، ومثل قول ابن عباس لما سئل عن ا
стр. 301
ترجيح الإمام ابن القيم ﵀
ساق العلامة ابن القيم ﵀ الأدلة في هذه المسألة في كتابه (رسالة في الصلاة)، وساق أدلة القائلين بكفر تارك الصلاة كفراً أكبر يخرج من الملة، وساق أدلة القائلين بأنه يكفر كفراً أصغر لا يخرج من الملة، ثم عقد فصلاً للحكم بينهم فقال: فصل في الحكم بين الفريقين، وفصل الخطاب بين الطائفتين.
يريد أن يحكم بينهم، ثم قال: معرفة الصواب في هذه المسألة مبني على معرفة حقيقة الإيمان والكفر، ثم يصح النفي والإثبات بعد ذلك، ثم ذكر ﵀ كلاماً تستخلص منه الأصول الآتية: الأصل الأول: أن الإيمان والكفر متقابلان، فمتى زال أحدهما خلفه الآخر، فإذا زال الإيمان خلفه الكفر، وإذا زال الكفر خلفه الإيمان، فالكفر والإيمان متقابلان، فمتى زال أحدهما خلفه الآخر.
الأصل الثاني: أن الإيمان أصل له شعب متعددة، وكل شعبة منها تسمى إيماناً، والكفر أصل له شعب متعددة، وكل شعبة منها تسمى كفراً.
الأصل الثالث: أن شعب الإيمان متفاوته، كما في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق)، فالأصل الثالث: أن شعب الإيمان متفاوتة، فأعلاها شعبة الشهادة، وأدناها شعبة إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة، منها ما يقرب من شعبة الشهادة، ومنها ما يقرب من شعبة إماطة الأذى عن الطريق، وكذلك الكفر شعب متفاوتة.
الأصل الرابع: أن الإيمان قسمان: قول وعمل، وكذلك الكفر قسمان: قول وعمل، وأن الإيمان قد يحصل بشعبة قولية، كشعبة الشهادة، وقد يحصل بشعبة فعلية، كشعبة التصديق.
وكذلك الكفر قد يحصل بشعبة قولية، كالإتيان بكلمة الكفر اختياراً، وقد يحصل بشعبة فعلية، كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف.
الأصل الخامس: أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب وهو التصديق والاعتقاد، وقول اللسان: وهو التكلم بكلمة الإسلام، وعمل القلب: وهو نيته وإخلاصه واعتقاده، وعمل الجوارح، فحقيقة الإيمان مركبة من قول اللسان، وقول القلب، وعمل القلب، وعمل الجوارح، فإذا وجدت هذه الحقيقة المركبة من هذه الأمور الأربعة، وجد الإيمان بالاتفاق، وإذا فقدت هذه الأربعة، فقد الإيمان بالاتفاق، وإذا وجدت، وتخلف التصديق والاعتقاد، فإنه لا تنفع بقية الأجزاء؛ لأن التصديق شرط في صحتها، وإذا وجد التصديق، وانتفى عمل القلب: وهو نيته وإخلاصه، ومحبته وانقياده، فهذا موضع الخلاف والمعركة، بين أهل السنة وبين المرجئة، فأهل السنة يقولون: لا يحصل الإيمان، والمرجئة يقولون: يحصل الإيمان.
الأصل السادس: أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد، أن يسمى مؤمناً، وإن كان ما قام به إيماناً، ولا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر بالعبد، أن يسمى كافراً وإن كان ما قام به كفراً.
الأصل السابع: أن سلب اسم الإيمان عن تارك الصلاة، أولى من سلبه عن مرتكب الكبائر، فالنبي ﷺ سلب الإيمان عن مرتكب الكبائر، فقال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) فسلبه عن تارك الصلاة أولى، وسلب اسم الإسلام عن تارك الصلاة أولى، من سلبه عمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده، فقد قال ﷺ : (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) فالذي لم يسلم المسلمون من لسانه ويده سلب عنه الإسلام، فسلب الإسلام عن تارك الصلاة أولى.
الأصل الثامن: أنه إذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب -وهو المحبة والانقياد- فغير مستنكر أن يزول الإيمان بزوال أعظم أعمال الجوارح، وهي الصلاة.
ثم بعد ذلك عند التأمل قال: هل ينفع تارك الصلاة ما معه من التصديق، في عدم الخلود في النار أولا ينفعه؟ فتارك الصلاة معه شعبة واحدة من الإيمان، وهي شعبة التصديق، فهل ينفعه ما معه من الإيمان؟ وهل تنفعه هذه الشعبة -وهي التصديق- في عدم الخلود في النار أو لا تنفعه؟ والجواب أن يقال: تنفعه إن لم يكن المتروك شرطاً في صحة الباقي واعتباره، أما إذا كان المتروك شرطاً في صحة الباقي واعتباره فإنها لا تنفعه، ولهذا لم تنفع الشهادة لله بالوحدانية وأنه لا إله إلا هو، من أنكر رسالة محمد ﷺ ؛ لأن الشهادة للنبي ﷺ بالرسالة؛ شرط في صحة الشهادة لله بالوحدانية، ولم تنفع الصلاة لمن صلاها عمداً بغير وضوء؛ لأن الوضوء شرط في صحة الصلاة؛ لأن شعب الإيمان قد يتعلق بعضها ببعض؛ تعلق المشروط بشرطه، وقد لا يكون كذلك، فالصلاة هل تتعلق بالإيمان تعلق المشروط بشرطه؟ أي: هل هي شرط في صحته أو لا؟ هذا هو سر الاختلاف.
والأدلة الكثيرة التي سبقت وغيرها؛ تدل على أنه لا يقبل شيء من أعمال العبد إلا بفعل الصلاة، وأن الصلاة هي رأس مال ربح الإنسان، ومحال بقاء الربح؛ مع ضياع رأس المال، فإذ خسر الصلاة خسر أعماله كلها، كما أشار إلى ذلك النبي ﷺ في قوله: (فإن ضيعها فهو لما سواها أضيع) وقوله: (أول ما ينظر من عمل العبد الصلاة، فإن جازت له نظر في سائر عمله، وإن لم تجز له لم ينظر في سائر عمله)، وهي أول ما يحاسب العبد عنه، إذا وضع في قبره، فالأدلة الكثيرة تدل على أن ترك الصلاة، ملزوم بعدم محبة القلب وانقياده، وعدم محبة القلب وانقياده، ملزوم بعدم التصديق الجازم، وعدم التصديق الجازم، ملزوم بالكفر، فيلزم من ترك الصلاة، عدم محبة القلب وانقياده، ويلزم من عدم محبة القلب وانقياده، عدم التصديق الجازم، ويلزم من عدم التصديق الجازم، الكفر.
هذا هو ترجيح الإمام العلامة ابن القيم، فقد توصل إلى أنه يلزم من ترك الصلاة، عدم محبة القلب وانقياده، ويلزم من عدم محبة القلب وانقياده، عدم التصديق الجازم، ويلزم من عدم التصديق الجازم، الكفر.
ثم يصور ﵀ صورة واقعة لتارك الصلاة، فيقول فيمن يقول إن تارك الصلاة لا يكفر: ومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على ترك الصلاة، ودعي إلى فعلها على رءوس الملأ، وهو يرى بارقة السيف على رأسه، وعصبت عيناه، وشد للقتل، وقيل له: تصلي وإلا قتلناك، فيقول: اقتلوني ولا أصلي أبداً، فهل يقع الشك في كفر هذا؟! يقول: أنا مصدق، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن الصلاة واجبة، ولكني لا أصلي، فاقتلوني ولن أصلي أبداً، فهل يقع الشك في كفر هذا؟! يقول: ومن لا يكفر تارك الصلاة، ويقول في هذا الرجل الذي عصبت عيناه، وشد للقتل، ويرى بارقة السيف على رأسه، وقيل له: تصلي وإلا قتلناك فيقول: اقتلوني ولا أصلي أبداً، يقول: هذا مسلم مؤمن، يغسل ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين في مقابرهم؟ ثم يقول: وبعضهم يقول: إنه مؤمن كامل الإيمان، فإيمانه كإيمان جبريل وميكائيل، فهؤلاء هم المرجئة، فالمرجئة يقولون: إنه مؤمن كامل الإيمان، إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل، وكإيمان أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب.
ثم قال: أفلا يستحي مَنْ هذا قوله من إنكاره كفر من شهد بكفره الكتاب والسنة، واتفاق الصحابة؟! والله الموفق.
فهذه صورة لتارك الصلاة: رجل عصبت عيناه، وشد للقتل، وامتنع من الصلاة، فهل يكفر أو لا يكفر؟ فمن لا يكفر تارك الصلاة يقول: لا يكفر، وهل يعقل أن يكون شخص استقر الإيمان في قلبه، ويعرف الوعيد على ترك الصلاة، والفضل العظيم على فعلها، ثم يبقى طول دهره، وبقية عمره، لا يصلي، ويكون في قلبه إيمان؟! هل يعقل هذا؟! لا فلو كان في قلبه إيمان لصلى لله، فأين الإيمان؟! وهل يعقل أن يكون هناك شخص يقول: إنه مصدق، وإنه في قلبه إيمان، ويعترف بوجود الصلاة، ويعرف الأدلة على وجوبها، والفضل العظيم لمن أدى هذه الصلاة، والوعيد الشديد على من تركها، ثم يبقى دهره لم يصل، ولم يسجد لله سجدة واحدةً ويقول إنه مؤمن؟! هل يعقل هذا؟! لا يمكن ولا يعقل.
فلا ومن أقوى الأدلة ما ذكره ابن القيم ﵀ وهو حديث الأمراء، والنهي عن الخروج عليهم إلا عند الكفر البواح، أما حديث عوف بن مالك الأشجعي في النهي عن الخروج عليهم ما أقاموا الصلاة، وهذا من أقوى الأدلة، فنهى عن الخروج إلا عند الكفر البواح، وفي حديث عوف بن مالك نهى عن الخروج ما داموا يقيمون الصلاة، فدل على أنهم: إذا لم يقيموا الصلاة؛ فقد أتوا كفراً بواحاً، وكذلك حديث البخاري (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله) والذي يحبط عمله، هو الكافر، ثم إجماع الصحابة أيضاً، وكذلك حديث: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) فقد جعل حداً فاصلاً بين الكفر وبين الإيمان، فالبينية تفصل بين الشيء وغيره.
ومن الأدلة أيضاً: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي رواه الإمام أحمد أن النبي ﷺ ذكر الصلاة يوماً فقال: (من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة يوم القيامة، وحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف).
ففيه أن من لم يحافظ عليها يحشر مع أئمة الكفر، مع قارون، ومع فرعون الطاغية؛ الذي ادعى الربوبية والألوهية، ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ومع هامان وزير فرعون، وقارون الذي خسف الله به الأرض، وأبي بن خلف تاجر الكفار بمكة، يحشر مع هؤلاء الكفرة، فالذي يحشر مع هؤلاء الكفرة هل هو مؤمن؟! لا يمكن ذلك، فدل على كفره، فلولا أنه كافر لما حشر مع هؤلاء الكفرة الذين هم رءوس الكفر، ففرعون هو الذي ادعى الألولهية، وهامان وزير فرعون، وقارون صاحب الأموال الكثيرة الذي خسف الله به الأرض، وأبي بن خلف تاجر كفار مكة.
قال العلماء: إن كون تارك الصلاة يحشر مع هؤلاء الأربعة لأنَّه إما أن يتركها لأنه اشتغل بملكه، أو يتركها اشتغالاً بماله، أو يتركها
стр. 302
الأسئلة
стр. 303
بيان كينونة الشيء سبباً في غيره
السؤال
تحدثتم فيما مضى عن السبب، وقلتم في معرض كلامكم: إذا اعتقد أن هذا الدواء سبب في العلاج أو الشفاء فإن ذلك شرك أصغر، ولكن الواقع يقتضي أن الدواء سبب للعلاج، كما أن حرث الأرض سبب للزرع، فهل إذا اعتقد المرء ذلك مفوضاً أمره إلى الله يدخل في الشرك الأصغر؟
الجواب
السبب الذي إذا اعتقده يكون شركاً هو الذي لم يجعله الله ولا رسوله سبباً، أي: ليس سبباً شرعياً ولا سبباً عقلياً ولا سبباً حسياً، فالسبب الشرعي جعله الله سبباً، فالرقية سبب شرعي، فإذا اعتقد أن الرقية سبب شرعي فهذا لا بأس به، لكن إذا اعتقد أن النجم سبب لإنزال المطر فهذا باطل وشرك؛ لأنه ليس سبباً شرعياً، والدواء كذلك، فإذا كان مباحاً فهو سبب شرعي، فأنت مأمور بالتداوي ولا بأس بذلك، وكذلك -أيضاً- حرث الأرض وبذرها، فهو سبب حسي، وقد فطر الله عليه الخلق، إنما يكون السبب شركاً إذا لم يجعله الله سبباً حسياً ولا شرعياً.
أما إذا جعله الله ورسوله سبباً؛ فلا يكون شركاً، فالرقية والتعويذات وقراءة الآيات أسباب شرعية، وبذر الأرض وحرثها وشقها أسباب حسية في النبات، وفي الزرع وفي حصول الثمرة، فهذا لا يكون شركاً.
أما إذا اعتقد أن النجم سبب لإنزال المطر، -والحال أنه ليس سبباً شرعياً ولا حسياً- فيكون ذلك شركاً؛ لأنه إذا اعتقد شيئاً سبباً ولم يجعله الله ورسوله سبباً فقد أشرك.
فالسبب الشرعي: هو ما جاء من الشرع ما يدل على أنه سبب فهذا مشروع، وكذلك إذا كان الحس والعقل يدل على أنه سبب: مثل: بذر الأرض وشقها، فهذا سبب حسي فطر الله عليه الخلق، أما إذا لم يكن هذا ولا هذا، فهذا هو الذي يكون شركاً، كما لو اعتقد أن النجم سبب في إنزال المطر.
стр. 304
حكم المتعمد ترك صلاة الفجر إلى طلوع الشمس
السؤال
هل الذي يترك صلاة الفجر فقط يعتبر كافراً، فإننا نرى كثيراً من الناس قد ابتلي بذلك؟
الجواب
يخشى عليه إذا تركها متعمداً متهاوناً بها، بحيث إنه لا يصلي إلا بعد طلوع الشمس دائماً، فإنه يخشى عليه من الكفر، وهذا أمر خطير جداً، وسمعت شيخنا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله يقول: إن من يترك صلاة الفجر باستمرار، وعادته ذلك كافر؛ لأنه تعمد ترك الصلاة، بينما يهيئ يشغل منبه الساعة لفطوره وعمله، فهذا معناه أنه تعمد ترك الصلاة، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 305
حكم الدعاء لمن ترك الصلاة
السؤال
رجل كان والده لا يصلي في عمره إلا صلوات معدودة، علماً بأنه قبل موته لم يصل قرابة ستة أشهر، فهل يجوز له أن يدعو لوالده، وإذا كان لا يجوز فهل في قوله: اللهم اغفر لي ولوالدي -وهو يقصد والدته- محذور؟
الجواب
إذا تحقق أنه ترك الصلاة متعمداً ستة أشهر وهو غير متأول فإنه يخشى عليه؛ لأن بعض المرضى يتأول بأنه مريض في المستشفى، ويظن أنه لا يصلي حتى يشفى من مرضه، وأن ثيابه نجسة، فهذا لا يكفر، أما إذا تركها عمداً من غير تأويل فإنه يخشى عليه.
فينبغي أن يعلم المرضى في المستشفى بأن المريض يصلي على حسب حاله، فإن استطاع أن يلبس ثوباً طاهراً لبسه، وإلا صلي بثوبه، وإن استطاع أن يتوضأ، وإلا فإنه يتيمم أو ييممه غيره، فإن لم يستطع صلى على حسب حالته من غير ماء ولا تراب، وإن استطاع أن يوجه السرير إلى القبلة وجهه، وإلا صلى إلى غير القبلة، ولا تؤخر الصلاة عن وقتها.
فالمريض الجاهل بالأحكام الشرعية أو المتأول لا يكفر، لكن الذي ترك الصلاة متعمداً بدون عذر ولا تأويل هذا هو الذي يخشى عليه، والخلاصة في هذه المسألة أن ترك الصلاة كفر، ومن أدلة القائلين بتكفير تارك الصلاة قوله : ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة:٣١ - ٣٢]؛ لأن الإيمان: تصديق الخبر والانقياد للأمر، أي: تصديق خبر الله ورسوله، وانقياد لأمرهما، وعدم التصديق هو التكذيب، وترك الصلاة هو التولي، قال تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة:٣١ - ٣٢]، فإذا كذب كفر، وإذا تولى عن الصلاة كفر.
وقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [مريم:٥٩ - ٦٠]، فاشترط في توبة من أضاع الصلاة الإيمان، فدل على أن تارك الصلاة ليس بمؤمن.
وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥]، أي: يسهون على الصلاة فيؤخرونها عن وقتها.
فالمقصود أنه إذا كان قد ترك الصلاة عمداً بغير تأويل؛ فإنك لا تستغفر له ولا تدع له، وأمره إلى الله، وإذا كنت تدعو لوالدتك فقل: اللهم اغفر لوالدتي فقط.
стр. 306
معنى قوله ﷺ (يخرج من النار قوم لم يعملوا خيراً قط)
السؤال
هناك دليل يتمسك به القائلون بعدم كفر تارك الصلاة، وهو قوله ﷺ في الحديث الطويل: (ثم يخرج من النار قوم لم يعملوا خيراً قط)؟
الجواب
ليس في هذا دليل؛ لأن معنى: (لم يعملوا خيراً قط) أي: لم يعملوا زيادة على التوحيد والإيمان، والصلاة شرط في صحة الإيمان، فإذا تركها فليس بمؤمن، فهؤلاء القوم ليس عندهم إلا التوحيد والإيمان، ولا يتم الإيمان والتوحيد إلا بالصلاة، فمن تركها فلا يكون عنده شيء من التوحيد والإيمان.
стр. 307
حكم رفع الصوت داخل المسجد
السؤال
رجل يقوم بعد كل صلاة ويرفع صوته على الإمام ويقول له: إنك تتغيب عن المسجد، ويحدث فوضى في المسجد، فما نصيحتكم لهذا الرجل؟
الجواب
هذه المسألة تعالج بالنصيحة للرجل، فيجتمع أهل المسجد ويتكلمون مع هذا الرجل فيبينون له أنه لا ينبغي رفع الصوت، وأن الأمور تعالج من غير رفع الصوت، وإذا كان الإمام عليه شيء فإنه ينصح فيما بينه وبينهم من دون رفع صوت.
стр. 308
مسألة التكفير والتساهل فيها
السؤال
نرجو من فضيلتكم التنبيه على مسألة التكفير والتساهل فيها من بعض طلبة العلم؟
الجواب
لا ينبغي للإنسان أن يكفر إلا عن بصيرة، فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله، ثم إن الشخص المعين إذا كان له شبهة لا يكفر حتى تقوم عليه الحجة، فقد يتكلم الإنسان بكلام كفري، فيقال في هذه المقالة: إنها كفرية، والشخص لا يكفر حتى تقوم عليه الحجة؛ لأنه قد يكون له تأويل، وقد يكون له قصد آخر، فلا يكفر الإنسان إلا عن بصيرة، فإذا قامت عليه الحجة وأصر وعاند والأمر واضح ليس فيه لبس ففي هذه الحالة يكفر.
стр. 309
دروس في العقيدة [١٥]
رغب الإسلام المسلمين في تحقيق التوحيد لرب العالمين، والحذر من كل ما يقدح فيه بنقص أو نقض، وقد ذكر القرآن الكريم كل ما على المسلم أن يحذر منه، خاصة النفاق الذي تعرضت لذكره كثير من آيات القرآن، فوصفت حال أهله وكشفت عوراتهم وأبانت عن سرائرهم.
стр. 310
القوادح في جناب التوحيد
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد سبق الكلام على التوحيد وما يناقضه وينافيه، وينافي كماله، وعرفنا أن التوحيد يناقضه وينافيه الشرك والكفر، والشرك يتنوع إلى أنواع، كما أن الكفر يتنوع إلى أنواع، فالشرك نوعان: أكبر وأصغر، والكفر نوعان: أكبر وأصغر.
وكذلك الظلم نوعان: ظلم أكبر، وظلم أصغر، وكذلك الفسق يتنوع إلى نوعين: فسق أكبر وفسق أصغر، وكذلك النفاق نوعان: نفاق أكبر ونفاق أصغر.
стр. 311
الظلم وأنواعه
فالظلم نوعان: الأول: ظلم أكبر، وهو الشرك والكفر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، فجعل الشرك ظلماً، فهذا ظلم أكبر يخرج من الملة، وقال سبحانه: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤]، فالكفر ظلم أكبر يخرج من الملة، ويوجب الخلود في النار، ويحبط جميع الأعمال ولا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦] أي: من المشركين.
والنوع الثاني: ظلم أصغر، وهو ظلم الإنسان نفسه بالمعاصي، فهذا تحت مشيئة الله، ولا يحبط الأعمال ولا يخرج من الملة ولا يوجب الخلود في النار، وهذا كقوله بعد أن ذكر النكاح والرجعة والخلع والطلاق: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٢٩]، فجعل من تعدى حدوده في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالماً.
ومثله قوله تعالى عن الأبوين -آدم وحواء-: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]، فالأكل من الشجرة معصية وهي ظلم.
ومثله قوله تعالى عن موسى ﵊: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص:١٦] أي: غفر له المعصية.
ومثله خبر الله تعالى عن يونس أنه قال وهو في بطن الحوت: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] فظلم نفسه، فهذا ظلم المعصية.
стр. 312
الفسق وأنواعه
وكذلك الفسق ينقسم إلى قسمين: الأول: فسق أكبر، وهو فسق كفري، وهذا يخرج من الملة، ولا يغفره الله إلا بالتوبة منه، ويحبط جميع الأعمال، ويخلد صاحبه في النار، ومثال ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٦ - ٢٨]، فجعل الفسق كفراً بالله، فهذا فسق الكفر.
ومثاله أيضاً قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة:٩٩]، أي: فسوق كفر، ومثاله أيضاً قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠] أي: فسق فسقاً كفر أخرجه من الملة، وهو كفر الإباء والاستكبار والعياذ بالله.
والنوع الثاني: فسق أصغر، وهو فسق المعاصي، وهذا لا يوجب الخلود في النار، ولا يخرج من الملة، ولا يحبط الأعمال، ويكون صاحبه إذا مات عليه من غير توبة تحت مشيئة الله، ومثاله قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] أي: فسق بكذبه في الخبر.
ومثله قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] يعني: لا فسوق بمعصية في الحج.
ومثله قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤] أي: فسوق معصية لا يخرج من الملة.
стр. 313
الجهل وأنواعه
وكذلك الجهل ينقسم إلى قسمين: الأول: جهل أكبر، وهو جهل الكفر، وهذا لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، ويخرج من الملة، ويحبط الأعمال، ويخلد صاحبه في النار، والعياذ بالله، ومثاله قول الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] أي: الجاهلين جهل كفر، وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤].
وهذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ﴾ [الزخرف:٨٩]، أي: اصفح عن المشركين، وهذا قبل أن يؤمر بالجهاد ﵊.
والثاني: جهل أصغر، وهو جهل المعصية، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧]، فكل من عصى الله فهو جاهل ولو كان عالماً بالمعصية.
стр. 314
النفاق وأنواعه
وكذلك النفاق ينقسم إلى قسمين: نفاق أكبر، ونفاق أصغر.
فالنفاق الأكبر: لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، ويخرج من ملة الإسلام، ويحبط جميع الأعمال، ويوجب لصاحبه الخلود في النار في دركها الأسفل تحت اليهود والنصارى والوثنيين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء:١٤٥].
والنفاق الأكبر: هو أن يظهر الإنسان إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، وهو في الباطن منصرف من ذلك كله، فلا يؤمن بالله في الباطن، ولا بالملائكة ولا بالكتب ولا بالرسل ولا باليوم الآخر ولا بالقدر، ولا يؤمن بالقرآن وأن الله تكلم به، وأن الله أنزله هداية للناس، وشفاء لما في الصدور، وأن الله أنزله للإنذار والبشارة، ففيه بشارة المؤمنين وإنذار لبأس الله وعقابه.
والنوع الثاني: نفاق أصغر، وهذا النفاق الأصغر تحت مشيئة الله، وقد يكون معصية من المعاصي، وقد يغفره الله، ولا يخرج من ملة الإسلام، ولا يحبط الأعمال، ولا يوجب الخلود في النار.
والفرق بين النوعين: أن النفاق الأكبر يكون في القلب، والنفاق الأصغر يكون في العمل، فالنفاق الأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، فمن مات على ذلك فهو كافر مشرك لا يغفر له، وهو خارج من ملة الإسلام، وأعماله كلها حابطة، وهو من المخلدين في النار في دركها الأسفل، نسأل الله السلامة والعافية.
وهو أن يكون للإنسان باطن وظاهر، فباطنه الكفر وظاهره الإسلام، ففي الظاهر يصلي مع الناس ويصوم ويحج ويجاهد ويتصدق، وقد يتكلم بكلام طيب نفاقاً، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لكنه في الباطن كاذب، وقلبه غير منقاد، وإن صدق وعرف الحق لكنه ليس مقراً ولا معتقداً به.
стр. 315
صور من الكفر الأكبر
والكفر الأكبر الذي يخرج من الملة له أنواع وأمثلة: النوع الأول: تكذيب الله ورسوله ﷺ ، أو تكذيب أحدهما.
الثاني: تكذيب بعض ما جاء عن الله، أو بعض ما جاء عن رسول الله، ومن أدلة ذلك قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة:١٠]، وقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف:٣٥]، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٣٩].
الثالث: بغض الله ورسوله ﷺ ، أو بغض أحدهما.
الرابع: بغض شيء مما جاء عن الله أو عن رسول الله ﷺ .
فهذه أربعة، وإن شئت جعلتها ثمانية فقلت.
أولاً: تكذيب الله تعالى.
ثانياً: تكذيب الرسول ﷺ .
ثالثاً: تكذيب بعض ما جاء عن الله.
رابعاً: تكذيب بعض ما جاء عن رسول الله.
خامساً: بغض الله.
سادساً: بعض رسول الله.
سابعاً: بغض شيء مما جاء عن الله.
ثامناً: بغض شيء مما جاء عن رسول الله.
تاسعاً: المسرة بانخفاض دين الرسول ﷺ ، أي: السرور والمحبة لضعف الإسلام والمسلمين، فإذا ضعف المسلمون وانخفض دين الإسلام فرح المنافق واستبشر وسره ذلك.
عاشراً: الكراهية لانتصار دين الرسول ﷺ ، فالمنافق يكون عنده كراهية وأسف إذا انتصر دين الرسول ﷺ أو انتصر الإسلام والمسلمون، فإذا انتصر الإسلام والمسلمون كره ذلك وساءه ذلك، فهذا منافق في الدرك الأسفل من النار، نعوذ بالله.
الحادي عشر: اعتقاد عدم وجوب تصديق الرسول ﷺ في أخباره، أي: يعتقد أنه لا يجب تصديق الرسول ﷺ في أخباره، أو يعتقد أنه لا يجب تصديق الله ولا تصديق رسوله ﷺ في الأخبار التي جاءت في القرآن وفي السنة، فيقول: يجوز أن تصدق خبر الله ورسوله ﷺ لكنه ليس بواجب، أي: إن شئت فصدق، وإن شئت فلا تصدق، فأنت بالخيار، إن شئت أن تصدق خبر الله وخبر رسوله فافعل، وإن شئت أن تصدق كلام المنجمين أو غيرهم فافعل، فهذا نفاق، فلابد من أن يعتقد وجوب تصديق الله والرسول ﷺ في أخبارهما.
الثاني عشر: اعتقاد عدم وجوب طاعة الله وطاعة الرسول ﷺ ، أي أنه تجوز طاعة الله ورسوله، لكنها ليست واجبة، فهذا نفاق.
الثالث عشر: أن يطلب العلم بالله من غير أخبار الله ورسوله، فيطلب معرفة الله بأسمائه وصفاته عن طريق الفلاسفة، أو يطلبها عن طريق التقليد.
الرابع عشر: أن يطلب العمل لله من غير أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، ويعمل لله ويتقرب إلى الله، لكن من غير أوامر الله وأوامر رسوله، بل من طريق الوجد أو الذوق أو القياس أو التقليد، فهذا نفاق.
стр. 316
النفاق وخطره
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد سبق الكلام على التوحيد وما يناقضه وينافيه، وينافي كماله، وعرفنا أن التوحيد يناقضه وينافيه الشرك والكفر، والشرك يتنوع إلى أنواع، كما أن الكفر يتنوع إلى أنواع، فالشرك نوعان: أكبر وأصغر، والكفر نوعان: أكبر وأصغر.
وكذلك الظلم نوعان: ظلم أكبر، وظلم أصغر، وكذلك الفسق يتنوع إلى نوعين: فسق أكبر وفسق أصغر، وكذلك النفاق نوعان: نفاق أكبر ونفاق أصغر.
стр. 317
صور من الكفر الأكبر
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبيناً أن الأربعة الأنواع الأخيرة من النفاق: ثم هنا نفاقان: نفاق لأهل العلم والكلام، ونفاق لأهل العمل والعبادة.
فأما النفاق المحض الذي لا ريب في كفر صاحبه، كأن لا يرى وجوب تصديق الرسول ﷺ في خبره، ولا وجوب طاعته في أمره، وإن اعتقد مع ذلك أن الرسول عظيم القدر علماً وعملاً، وأنه يجوز تصديقه وطاعته، لكنه يقول: لا يضر اختلاف الملل إذا كان المعبود واحداً، وأنه تحصل النجاة والسعادة بمتابعة الرسول ﷺ وبغير متابعته، كما هو قول الصابئة الفلاسفة، يقولون: تحصل السعادة والنجاة بمتابعة الرسول صلى الله وسلم وبغير متابعته، إما من جهة الفلسفة والصبو، أو من جهة التهود والتنصر، فإنهم وإن صدقوا الرسول ﷺ وأطاعوه لكنهم لا يوجبون ذلك، ولا يرون وجوب ذلك على أهل الأرض جميعاً، بحيث يكون التارك لتصديقه وطاعته معذباً، بل يرون ذلك مثل التمسك بمذهب إمام أو طريقة شيخ أو طاعة ملك، قال: وهذا دين التتار ومن دخل معهم.
أي: وبيان هذا النفاق أنه لا يرى أنه يجب تصديق الرسول ﷺ وتجب طاعته، بل يجوز أن تصدقه ويجوز أن تطيعه، والسعادة والنجاة تحصل من طريق الرسول ومن غير طريقه، كطريق الفلسفة أو الصبو أو التهود أو التنصر، فهؤلاء منافقون ولو صدقوا الرسول وأطاعوه؛ لأنهم لا يرون وجوب تصديقه ولا يرون وجوب طاعته على الناس جميعاً، بحيث لا يكون الذي لم يصدق الرسول ولم يتبعه معذباً، بل يرون طاعة الرسول مثل التمسك بمذهب إمام من الأئمة، أو مثل الدخول في طريقة شيخ من الشيوخ، أو مثل الدخول في طاعة ملك من الملوك، وهذا دين التتار ومن دخل معهم.
ثم قال ﵀: فأما النفاق الذي هو دون هذا كأن يطلب العلم بالله من غير خبره، أو العمل لله من غير أمره، كما يبتلى بالأول كثير من المتكلمة، وبالثاني كثير من المتصوفة، فإنهم يوجبون تصديق الرسول ﷺ ويوجبون طاعته، لكنهم في سلوكهم العلمي والعملي غير سالكين هذا المسلك، بل يسلكون مسلكاً آخر، إما من جهة القياس والنظر، وإما من جهة الذوق والوجد، وإما من جهة التقليد.
قال ﵀: فانظر نفاق الصنفين مع اعترافهم باطناً وظاهراً بأن الرسول أفضل الخلق وأكمل الخلق، وأنه رسول وأنه أعلم الناس، لكنهم لم يوجبوا متابعته وسوغوا ترك متابعته، فقد كفروا.
وإذا أرادوا أن يعلموا ما يتصف به الله من الصفات؛ فلا يأخذون ذلك من الكتاب والسنة، وإنما يأخذونه عن طريق العقل أو عن طريق مناهج أهل الفلسفة، فهذا هو النفاق الأكبر الذي يخرج من الملة ويحبط الأعمال ولا يغفره الله ويوجب الخلود في الدرك الأسفل من النار.
стр. 318
صور من النفاق الأصغر
أما النوع الثاني من النفاق: فهو نفاق أصغر لا يخرج من الملة ولا يحبط الأعمال ولا يوجب الخلود في النار، بل هو معصية من المعاصي، وضابطه أنه يكون في العمل، وهو كل ما ورد من الأعمال تسميته نفاقاً، وهذا له أمثلة، منها: الكذب في الحديث، والخلف في الوعد، والخيانة في الأمانة، والفجور في الخصومة، والغدر في العهد، والإعراض عن الجهاد، والكسل عند القيام إلى الصلاة، والمراءاة للناس في العمل، وعدم ذكر الله في الصلاة إلا قليلاً، وتأخير الصلاة عن وقتها، ونقرها كنقر الغراب، والتخلف عن صلاة الجماعة، فكل هذه أمثلة للنفاق الأصغر، ولها أدلتها من الكتاب والسنة.
وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (آية - أي: علامة- المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)، وفي صحيح مسلم: (وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم)، يعني: وزعم أنه مسلم حقاً، فليس إسلامه حقيقياً، وإنما إسلامه ناقص.
وثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر).
قال بعض العلماء تعليقاً على هذا الحديث: هذه الخصال التي ذكرها النبي ﷺ الأربع قد تجتمع مع أصل الإسلام أو الإيمان، ولكنها إذا استحكمت وكملت فقد ينسلخ صاحبها من الإسلام بالكلية، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهى عن هذا الخلال، فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا لا يكون إلا منافقاً خالصاً، وقد تجتمع كلها في العبد ويكون عاصياً، لكنها إذا بلغت الغاية والنهاية في الاستحكام والكمال فهي تدل على النفاق الأكبر وتجره إليه، لأنه لو لم يكن منافقاً نفاق كفر لما استحكمت وكملت، فلما استحكمت وكملت وبلغت الغاية والنهاية دل ذلك على أن صاحبها ليس عنده شيء من الإيمان وأنه منافق خالص، وإلا فالأصل أنها معاص.
والدليل على أن الإعراض عن الجهاد من النفاق: ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق)، فالإعراض عن الجهاد خصلة من خصال النفاق.
والدليل على أن الكسل والرياء وعدم ذكر الله إلا قليلاً من النفاق قول الله تعالى عن المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢].
والدليل على أن تأخير الصلاة عن وقتها ونقرها كنقر الغراب من صفات المنافقين ما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كادت أن تغرب بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً)، فهو يؤخر صلاة العصر إلى غروب الشمس، وينقرها كنقر الغراب.
والدليل على أن التخلف عن الجماعة من صفات المنافقين، أو من النفاق العملي ما ثبت عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: (من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، وإنكم لو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق).
فقوله: (ولقد رأيتنا)، يعني الصحابة، (وما يتخلف عنها)، يعني: عن صلاة الجماعة في المسجد، ثم قال: (ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف).
فـ عبد الله بن مسعود ﵁ يذكر أنه لا يتخلف عن صلاة الجماعة إلا منافق معلوم النفاق.
стр. 319
خوف الصالحين من النفاق
والنفاق قد خافه الصحابة رضوان الله عليهم على أنفسهم لكمال علمهم بالله، وكمال معرفتهم بربهم، وكمال تعظيمهم له، وكانوا يخشون من النفاق على أنفسهم، حتى قال عبد الله بن أبي مليكة رحمه الله تعالى -وهو تابعي جليل-: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه! ما منهم من يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل.
وهذا النفاق الذي خشيه الصحابة على أنفسهم هو النفاق العملي؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم يعلمون أنهم مؤمنون بالله ورسوله، ولا يخشون من الكفر، وإنما يخشون من النفاق أن يكون في الأعمال، ومثله قول عمر ﵁ لـ حذيفة: هل تعلم فيَّ شيئاً من النفاق؟ وفي رواية: هل عدني رسول الله ﷺ من المنافقين؟ قال: لا، ولا أزكي بعدك أحداً أبداً.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: والمراد بالنفاق النفاق العملي.
والنفاق الأكبر هو الذي يخرج من الملة ويحبط الأعمال ولا يغفره الله إلا بالتوبة منه ويوجب الخلود في النار في دركها الأسفل.
فهذا النفاق داء عضال، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: قد يكون الرجل ممتلئاً منه وهو لا يشعر، فإنه أمر خفي، أي أنه خفي على الناس وقد يتلبس به الإنسان وهو لا يشعر، فيظن أنه مصلح وهو مفسد.
стр. 320
كيف يعامل المنافقون
ولقد هتك الله أستار المنافقين، وكشف أسرارهم وجلّى صفاتهم وأمورهم لعباده المؤمنين حتى يكونوا منهم على حذر، فإن المنافقين كثيرون ويعيشون بين المسلمين في كل زمان ومكان، وبلية الإسلام منهم عظيمة، وفتنتهم شديدة، وهم يعيشون بين المسلمين ويتظاهرون بالإسلام وينسبون إليه وإلى أهله، ويظهرون أنهم ينصرون الإسلام، وهم يكيدون له ولأهله، وهم أعداء الإسلام في الحقيقة، يتلونون بكل لون، ويظهرون كفرهم في قالب متنوع ومتلون، في قالب العلم والصلاح وهو الجهل والإلحاد.
وكفر المنافقين أشد من كفر الكفار باطناً وظاهراً، والمنافقون كفار في الباطن مسلمون في الظاهر، وتجرى عليهم أحكام الإسلام في الظاهر إذا لم يظهروا نفاقهم، فهم يغسلون إذا ماتوا ويصلى عليهم، ويدفنون مع المسلمين في مقابرهم، ويرثون ويورثون، لكن من أظهر منهم نفاقه فإنه يقتل ويعامل معاملة الكفار، فإذا أخفى نفاقه ولم يظهر لنا إلا الإسلام فإنه تجرى عليه أحكام الإسلام، كما كان الرسول ﷺ يجري أحكام الإسلام على المنافقين في زمنه، فإن عبد الله بن أبي بن سلول رئيس المنافقين كان يصلي الجمعة مع النبي ﷺ ، وكان يعظ الناس ويقول: احمدوا الله واشكروه على هذا النبي واتبعوه.
فلما كان بعد غزوة أحد وانحاز بثلث الجيش تكلم بعض أصحابه وقال: عرفناك يا عدو الله، أو كلمة نحوها، فخرج وجعل يتكلم وهو يمشي ويقول: أنا أريد أن أشد أمره، وهو يريد أن يعليه.
أو كما قال.
ولما مات عبد الله بن أبي ووضع في حفرته جاءه النبي ﷺ فاستخرجه من القبر وألبسه قميصه ونفث فيه من ريقه، وقام ليصلي عليه، فجره عمر وقال: يا رسول الله تصلي عليه وقد قال كذا وكذا؟! فقال النبي ﷺ : (أخر عني يا عمر، فإني خيرت، فقيل: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠]، فو الله لو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت على السبعين)، وهذا ثبت في صحيح البخاري، ثم صلى عليه، وذلك قبل النهي عن الصلاة عليهم، ثم بعد ذلك نزلت الآية، وهي قول الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤]، فلم يصلِّ النبي ﷺ على أحد بعد ذلك، والنبي ﷺ عندما استخرج عبد الله بن أبي من قبره وكفنه قميصه ونفخ فيه من ريقه فعل ذلك رجاء أن ينفعه الله بذلك، ومراعاة لابنه عبد الله وللأوس والخزرج؛ فإن عبد الله بن عبد الله بن أبي من أصلح عباد الله، وألبسه قميصه مكافأة له؛ لأنه أعطى العباس عم النبي قميصاً، وكان العباس رجلاً طويلاً، فلم يوجد للعباس ثوب يناسبه في الطول إلا ثوب عبد الله بن أبي، فأعطاه إياه، فكافأه النبي ﷺ وألبسه قميصه، وصلى عليه؛ لأنه ما نهي عن الصلاة عليه، ولعل الله أن ينفعه.
فالمنافقون تجرى عليهم أحكام الإسلام في الظاهر، والله تعالى هو الذي يتولى السرائر، وفي الآخرة إذا كانوا كفاراً فهم في الدرك الأسفل من النار، فإن أظهروا شيئاً من كفرهم كالعمل أو القول الكفري فإنهم يقتلون من قبل الحاكم الشرعي، أو من قبل ولاة الأمر.
следующие страницы →