← Акыда

Акыда · id 37010

دروس في العقيدة - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (427 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الاستدلال بقوله تعالى: (ويقولون في أنفسهم) ونقضه من أدلة الأشاعرة على أن الكلام معنى قائم بالنفس: قول الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة:٨]، ووجه الدلالة أنهم قالوا: إن الله أخبر أن القول إنما يكون في النفس، فدل على أن الحرف والصوت ليس من القول، وهذا يدل على أن كلام الله معنى قائم بنفسه لا يسمع. وأجاب أهل الحق عن استدلالهم بهذه الآية بجوابين: الجواب الأول: جواب بالمنع، والجواب الثاني: جواب بالتفنيد. فالجواب الأول: أننا نمنع أن يكون المراد بالقول في الآية هو القول في النفس، بل المراد بقوله تعالى: ((وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ)) أي: يتكلمون بألسنتهم سراً، وهذا هو الذي عليه أكثر المفسرين؛ فإن اليهود كانوا يأتون إلى النبي ﷺ فيقولون: (السام عليك) بدل أن يقولوا: السلام عليك، ويعنون بالسام الموت، فهم يوهمون بأنهم يقولون السلام عليك، وهم يقولون: السام. ثم إذا خرجوا من عنده يقول بعضهم لبعض سراً: لو كان نبياً لعذبنا الله بقولنا له ما نقول. فأنزل الله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة:٨]، وهذا هو الذي عليه أكثر المفسرين، ويؤيد ذلك الحديث القدسي الذي في الصحيحين أن النبي ﷺ قال عن ربه : (إن الله سبحانه قال: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه)، فقوله: (من ذكرني في نفسه) يعني: سراً، وليس المراد ذكر القلب دون اللسان، بل المراد: ذكرني بلسانه سراً. والجواب الثاني: جواب بالتفنيد، فنقول: سلمنا أن القول في الآية: ((وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ)) هو القول في النفس والقلب من دون تكلم باللسان، لكن القول في هذه الآية مقيد بأنه في النفس، حيث قيده الله فقال: ((وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ)) وإذا قيد تقيد، ومثله قول النبي ﷺ : (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل)، فقوله: (عما حدثت به أنفسها) قيد بأنه في النفس، وإذا قُيد تقيد، لكن النصوص الكثيرة التي جاءت بإثبات صفة الكلام ليس فيها تقييد بأنه في النفس، كقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، فلم يقل: وكلمه في نفسه، وقال: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]، ولم يقل: وكلمه في نفسه، فكيف تقيدونها؟!

стр. 387

الاستدلال ببيت الأخطل النصراني ونقضه ومن أدلة الأشاعرة على أن الكلام معنى قائم بالنفس بيت من الشعر منسوب إلى الأخطل، وهم يعتمدون على هذا البيت، وهو قوله: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً قالوا: وجه الدلالة أن هذا البيت قاله الأخطل، وهو عربي، والقرآن نزل بلغة العرب، وقد أثبت في البيت أن الكلام في الفؤاد، فدل على أن الكلام إنما يكون في النفس، وأما ما يقوله اللسان فهو دليل عليه، ولهذا قال: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً وهذا يدل على أن كلام الله معنى قائم بنفسه، وأما الحروف والأصوات والقرآن الذي بأيدينا فإنما هو دلالة وعبارة تدل على كلام الله وليس هو كلام الله. وأجاب العلماء عن استدلال الأشاعرة بهذا البيت بأجوبة: الجواب الأول: أن هذا البيت مصنوع مختلق لا يعرف له قائل، فهو منسوب إلى الأخطل ولا يوجد في ديوانه، فكيف تستدلون ببيت من الشعر لا يعرف له قائل، وكثير من العلماء والأدباء أنكروا نسبته إلى الأخطل. والإنسان إذا أراد أن يستدل فعليه أن يستدل بدليل واضح معروف قائله، فهذا لا يؤمن من أن يكون قد اختلقه واحد من الأشاعرة أو من غيرهم حتى يستدل به على مذهبه. الثاني: سلمنا جدلاً أن هذا البيت قاله الأخطل، فـ الأخطل واحد من الناس، فهو خبر واحد، ولا يقبل قوله حتى يوافقه أهل اللغة، وإذا كان حديث رسول الله ﷺ لا يقبل حتى يصح سنده وتثبت عدالة رواته، ولا يكون شاذاً ولا معلاً؛ فكيف يستدل بقول واحد من الناس يخالفه أهل اللغة جميعاً ولا يوافقونه على هذا القول؟! الثالث: سلمنا أن البيت قاله الأخطل وأنه صحيح، وسلمنا أنه يستدل بقول الواحد، لكن ليس المراد بقوله: (إن الكلام لفي الفؤاد): المعاني العارية عن الحروف والألفاظ، وإنما مراد الشاعر: الكلام الحقيقي الذي له تأثير، فهو الذي يقدره الإنسان في نفسه ويهيئه ويزنه بعقله قبل أن يتلفظ به، وهذا هو الكلام الذي له تأثير، بخلاف الكلام الذي يجري على اللسان من دون ترو وتقدير، فإنه يشبه كلام النائم والهازل، ولهذا روي البيت برواية أصح من هذه الرواية: إن البيان لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً وهذا هو الأصوب، فالبيان يكون في الفؤاد، ولهذا ثبت أن النبي ﷺ عندما توفي أسرع الأنصار إلى سقيفة بني ساعدة للبيعة، وأسرع إليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فأراد عمر أن يتكلم وقال: زَوَّرت -يعني: هيأت- في نفسي كلاماً خشيت ألا يبلغه أبو بكر، فأسكته أبو بكر وتكلم بأبلغ منه، فقال: أتى على ما في نفسي وزيادة. فالشاهد قول عمر: (وزورت في نفسي كلاماً خشيت ألا يبلغه أبو بكر)، فالكلام المهيأ في النفس ليس كالكلام الذي يجري على اللسان من دون تقدير ومن دون ترو. الرابع: سلمنا صحة البيت وأنه قول الأخطل، وسلمنا قبول خبر الواحد، وسلمنا أن مراد الشاعر الكلام العاري عن الحروف والألفاظ، لكن الأخطل نصراني، فكيف يستدل بقول نصراني؟! والنصارى قد ضلوا في نفس معنى الكلام، وقالوا: إن عيسى نفس كلمة الله، وإن فيه جزءاً من الله وجزءاً من البشر اتحدا وصارا شيئاً يقال له: المسيح، فالمسلمون يقولون: إن عيسى خلق بكلمة (كن)، لكن النصارى يقولون: عيسى هو نفس الكلمة، فكيف يستدل بقول نصراني قد ضل في معنى الكلام على معنى الكلام، ويترك ما يعرف من معنى الكلام من كتاب الله وسنة رسوله ولغة العرب؟! الخامس: سلمنا صحة البيت، وأن الأخطل قاله، وسلمنا قبول خبر الواحد، وسلمنا أن مراده الكلام العاري عن الحروف والألفاظ، وسلمنا الاستدلال بقول النصارى، لكن يلزم منه معنى فاسد، وهو أن يسمى الأخرس متكلماً؛ لقيام الكلام بنفسه وإن لم ينطق به، وتسمية الأخرس متكلماً باطل شرعاً وعقلاً وعرفاً؛ لأنه لا توجد لديه آلة للنطق أصلاً.

стр. 388

حقيقة مذهب الأشاعرة في كلام الله ووجه شبهه بقول النصارى حقيقة مذهب الأشاعرة: أن كلام الله مكون من شيئين: معنى قائم بالنفس. وهذا هو الكلام الحقيقي، وحروف وأصوات وهذه عبارة دالة عليه، فنصف الكلام مخلوق وهو الحروف والأصوات، ونصفه غير مخلوق، وهو المعنى القائم بالنفس، وهذا هو نصف مذهب المعتزلة، فالمعتزلة يقولون: الكلام بحروفه وألفاظه مخلوق، والأشاعرة يقولون: الكلام حروفه وألفاظه مخلوقة ومعانيه غير مخلوقة. فقول الأشاعرة: إن الكلام معنى قائم بالنفس والحروف والأصوات مخلوقة له شبه بقول النصارى الذين عبدوا المسيح، وقالوا: إن عيسى نفس كلمة الله، وقالوا: إن عيسى مكون من جزأين: جزء إلهي وهو كلمة (كن)، وجزء من الناس وهو عيسى، فاتحدا وامتزجا وصارا شيئاً يقال له: المسيح، ولهذا عبدوه من دون الله، ومذهب الأشاعرة في كلام الله فيه شبه بمذهب النصارى؛ لأن الأشاعرة يقولون: إن كلام الله معنى قائم بنفسه لا يسمع إلا بواسطة الألفاظ والحروف، فالنظم الموجود في المصاحف مخلوق والمعنى القائم بنفس الرب غير مخلوق، ولا يمكن أن يفهم المعنى القائم بنفس الرب إلا بواسطة النظم المخلوق، فإفهام المعنى القائم بنفس الرب بواسطة النظم المخلوق يشبه امتزاج اللاهوت بالناسوت الذي قالته النصارى في عيسى، فانظر إلى هذا الشبه ما أعجبه! كما أن قول الأشاعرة: إن القرآن الموجود عبارة عبّر به محمد ﷺ له شبه بقول الوليد بن المغيرة، حينما قال عن القرآن: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، فمن قال: إن محمداً ﷺ عبر بهذا القرآن فله نصيب من الوعيد الذي توعد الله به الوليد بن المغيرة، فالأشاعرة يقولون: إن كلام الرب معنى قائم بنفسه، وقال بعضهم: إن الله تعالى اضطر جبريل ففهم المعنى القائم بنفسه فعبر عنه، وقال آخرون: إن التعبير إنما هو من محمد ﷺ ، وقال بعضهم: إن جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ.

стр. 389

جملة من الردود تتضمن بطلان مذهب الأشاعرة في صفة كلام الله من المناقشات التي يناقش بها الأشاعرة في قولهم: إن الكلام معنى قائم بنفس الرب لا يتبعض ولا يتجزأ ولا يتعدد ولا يتكثر أن يقال لهم: أنتم مسلمون تقرون بأن الله كلم موسى وأن موسى سمع كلام الله، وأنتم تقولون: إن المعنى واحد قائم بنفس الرب لا يتجزأ ولا يتعدد، فهل سمع موسى جميع المعنى أم بعض المعنى؟ فإن قلتم: سمع موسى جميع المعنى فقد زعمتم أنه سمع جميع كلام الله وهذا ظاهر الفساد، وإن قلتم: سمع بعض المعنى فقد قلتم بالتبعيض وهذا خلاف مذهبكم. ويلزم أيضاً على قول الأشاعرة أن يكون الكلام معنى وإنما الاختلاف في العبارات والدلالات، لأنهم يقولون: الكلام معنى قائم بالنفس، وكونه أمراً ونهياً وخبراً واستفهاماً هذه صفات إضافية، وكونه قرآناً أو توراة أو إنجيلاً هذا تقسيم للعبارات، ويلزم على هذا أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢]، هو معنى قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، ويلزم أن يكون معنى (آية الدين) هو معنى (آية الربا)، وأن يكون معنى (سورة الإخلاص) هو معنى سورة (تبت يدا أبي لهب)، وهذا باطل. ولو كان ما في المصحف ليس هو كلام الله -كما يقوله الأشاعرة- لما حرم على المحدث مس المصحف ووجب عليه الوضوء، ولو كان القارئ لا يقرأ كلام الله وإنما يقرأ عبارة عن كلام الله؛ لما حرُم على الجنب قراءة كلام الله، وكذلك الحائض عند كثير من الفقهاء. ويقال للأشاعرة: أنتم تقولون: إن الكلام معنى قائم بنفسه وأما القرآن الذي بين أيدينا فليس فيه كلام الله، فنقول: إن الله تعالى تحدى البشر أن يأتوا بمثل هذا القرآن فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، فالإشارة بقوله: (أن يأتوا بمثل هذا القرآن)، هل هي إلى ما في نفس الله أو إلى هذا المتلو المسموع المقروء؟! لاشك في أنها إلى هذا المتلو المسموع المقروء، وأما ما في نفس الله فغير مشار إليه، وكذلك قوله ((لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ))، فالضمير يعود إلى ما بين أيدينا من كلام الله. فما في نفس الله غير متلو ولا مشار إليه ولا مسموع، وما في نفس الله لا حيلة إلى الوصول إليه، فكيف يتحدى بأن يؤتى بمثله؟! ومن الأدلة على بطلان مذهب الأشاعرة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فقال: ((فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ)) ولم يقل: فأجره حتى يسمع ما هو عبارة عن كلام الله. ومن الأدلة على بطلان مذهب الأشاعرة: ما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا نتكلم في الصلاة)، وقوله ﵊: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي لذكر الله)، وقد أجمع العلماء على أن الإنسان لو تكلم في الصلاة عامداً لغير مصلحة بطلت صلاته، وأجمعوا على أن ما يقوم في قلب الإنسان من تحدث بأمور دنيوية أو غيرها لا يبطل الصلاة، فأنت تصدق وتكذِّب وتطلب وتأمر وتنهى في نفسك، فهذا لا يبطل الصلاة، فدل على أن الكلام هو الذي يكون بحرف وصوت. ومن الأدلة في الرد عليهم: ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل)، ووجه الرد أن النبي ﷺ فرق بين حديث النفس وبين الكلام، فأخبر أن حديث النفس معفو عنه، وأن الكلام والعمل غير معفو عنه، فدل على أن الكلام هو ما يقوم باللسان وينطق به ويتكلم به. ومن الردود: ما ثبت أيضاً في السنن أن النبي ﷺ لما قال لـ معاذ: (يا معاذ! كف عليك هذا -وأشار إلى لسانه- فقال معاذ: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! فقال النبي ﷺ : ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟!)، فأخبره بأن الإنسان إنما يؤاخذ بما يتكلم به بلسانه وينطق به، فدل على أن الكلام لفظ ومعنى، وحرف وصوت، وأن كلام الله معانٍ وحروف وأصوات قائمة بذاته . والحق أن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن كلها من كلام الله، وكلام الله لا يتناهى، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان:٢٧]، فلو كان هذا البحر مداداً يكتب به ومد بسبعة أبحر وكانت الأشجار كلها أقلاماً يكتب بها؛ لتكسرت الأقلام ونفد الماء ولم ينفذ كلام الله، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩].

стр. 390

واجب المسلم تجاه بدعتي الأشاعرة والمعتزلة إن بدعة الأشاعرة وبدعة المعتزلة في كلام الله من أقوى البدع في باب الأسماء والصفات، وهما بدعتان عظيمتان منتشرتان، ولهما من يروج لهما في الكتب والمؤلفات والمحاضرات والندوات، خاصة بدعة الأشاعرة، فقد عمت الأرض، ولها من يروج لها ويدافع عنها ويسمون أنفسهم أهل السنة، ويقولون: إن هذا هو الحق، ويكفرون أهل السنة والجماعة، فحين قال أهل السنة: إن الرب يتكلم وإن كلامه بحرف وصوت، قالوا: أنتم تتنقصون الله وتجعلونه جسماً، وتحلون الحوادث في ذاته، كما أن إثباتكم العلو تنقص للرب وإثبات بأنه جسم وأنه متحيز. فينبغي للمسلم وطالب العلم خاصة أن يكون على إلمام بهذه الشبه، وأن يعرف حقيقة مذهب أهل السنة والجماعة ومعتقدهم في هذا الباب، وأن يعرف حقيقة مذهب الأشاعرة ومذهب المعتزلة في هذا الباب حتى يكون على حذر. وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح.

стр. 391

الأسئلة

стр. 392

نتيجة الخلاف في القول بخلق القرآن السؤال ما هي نتيجة الخلاف في القول بخلق القرآن؟ الجواب نتيجة الخلاف واضحة، فالقول بخلق القرآن إنكار لأن يكون الله متكلماً بالكلام، وإنكار صفة من صفات الله واعتقاد أن صفاته مخلوقة، وهذا كلام عظيم وباطل، فالله تعالى أثبت صفاته وأثبت أنه يتكلم ونسب الكلام إلى نفسه، وأثبته له رسوله ﷺ .

стр. 393

الرد على شبهة سبق القرآن حدوث أفعال العباد السؤال عندما خلق الله القلم أمره بكتابة كل شيء كائن إلى يوم القيامة، أي أنه علم أفعال العباد قبل خلقهم، والقرآن في اللوح المحفوظ قبل حدوث أفعال العباد، فعلى هذا كيف يكون كلام الله حادثاً بعد حدوث الفعل كما أخبرتم؟ الجواب الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، لكن أفعال العباد خلقها في الوقت الذي قدر أن تنزل فيه، ومن يقول: إنه خلقها في الوقت الذي كتب فيه القلم؟! فالقلم كتب المقادير، والله تعالى علم الأشياء قبل كونها، وعلم ما كان وعلم ما يكون في المستقبل، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، وكتب كل شيء في اللوح المحفوظ، وأما كلام الله فهو يتكلم به في وقته، وهو قديم النوع حادث الآحاد كما في النصوص، فلما جاءت المجادِلة وجادلت النبي ﷺ تكلم الله، وأفعال العباد خلقها الله في الوقت الذي قدر أن توجد فيه، فأفعال العباد خلقها الله في وقتها، وإلا فهل تخلق أفعالك قبل أن تخلق أنت؟! إن الأفعال لا تكون إلا بعد خلق العباد.

стр. 394

بيان أوجه القربة بالقرآن السؤال قرأت كلاماً في كتاب (معارج القبول) للشيخ حافظ الحكمي ﵀ ينقل فيه كلاماً للإمام أحمد رحمه الله تعالى، يقول فيه الإمام أحمد ﵀: يتوجه العبد إلى الله بالقرآن على خمسة أوجه: تلاوة بلسان، وكتابة بيد، وسماعاً بأذن، ونظراً بعين، وتدبراً بقلب، فالمتلو غير مخلوق والتلاوة مخلوقة، والمسموع غير مخلوق والسمع مخلوق، والمكتوب غير مخلوق والكتابة مخلوقة، والمنظور غير مخلوق، والنظر مخلوق، والتدبر مخلوق، والمتدبر غير مخلوق، فما صحة نسبة هذا الكلام إلى الإمام أحمد؟ الجواب النقل والكلام صحيح، وقد ذكرناه في شرح اعتقاد أصول أهل السنة والجماعة، فالقرآن محفوظ في الصدور، فهو محفوظ في صدرك وصدرك مخلوق، ومكتوب في المصاحف، فالأوراق مخلوقة وكلام الله غير مخلوق، وكذلك تكتب القرآن وأنت مخلوق فكتابتك ومخلوقة والقرآن المكتوب كلام الله غير مخلوق. فالمقصود أنه يتوجه الإنسان إلى الله بهذه الأشياء، فالقرآن محفوظ في الصدور، متلو بالألسن، مكتوب في المصاحف، ومنظور في المصاحف، فأما الصدر والأوراق والمداد والكاتب فهذه كلها ليست كلام الله، فالمصحف به أوراق مخلوقة، وفيه خط فلان، وفيه مداد كتب به، وفيه كلام الله، كما بينا هذا.

стр. 395

معنى تسلسل الحوادث السؤال ما معنى تسلسل الحوادث؟ الجواب معناه الاستمرار، فكل حادث يسبقه حادث في الماضي، وكل مخلوق يسبقه مخلوق، وفي المستقبل كذلك، فتسلسلها يعني: استمرار حادث بعد حادث.

стр. 396

أزلية صفات الله تعالى الذاتية والفعلية وحدوث أفراد الصفات الفعلية السؤال من المعلوم أن كلام الله أزلي أبدي، وهذا ينطبق على جميع الصفات التي تليق بالله سبحانه بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ ، فهل هناك دليل يمكن أن نستدل به على ذلك، أم أننا نلتزم بما ورد عن السلف؟ الجواب كلام الله قديم النوع حادث الآحاد، وقد ذكرنا الأدلة في هذا، وصفات الله أزلية وأبدية، وصفات الله تتجدد، ولم يحدثها له أحد من المخلوقين، والكلام من الصفات الذاتية؛ لاتصاف الله بها أزلاً وأبداً، ومن صفاته الفعلية؛ لكون أفراده حادثة، فهو أزلي أبدي وأفراده حادثة، فلا منافاة بينهما وقد سبقت الأدلة.

стр. 397

دروس في العقيدة [١٨] من صفات الله تعالى الدالة على كماله وجلاله علوه على خلقه، فهو العلي ذاتاً، والعلي قدراً وشأناً، والعلي قهراً وسلطاناً، وقد أثبت تعالى لنفسه هذه الصفة وأثبتها له رسوله ﷺ ، ودلائل ذلك قد تفوق الحصر نقلاً وعقلاً وفطرة، ولذا يجب الإيمان بها وإثباتها لله تعالى كما يليق بجلاله من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل.

стр. 398

صفة العلو للعلي القهار بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد سبق الكلام على بعض البدع في صفات الله ، وذكرنا أن أشد البدع وأعظمها هي البدع في أسماء الله وصفاته، وأن من الصفات التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين مخالفيهم من أهل البدع صفة الكلام. وعرفنا البدع القولية في هذه الصفة، وأن منها ما يصل إلى حد الكفر، ومنها ما لا يصل. ومن الصفات التي اشتد النزاع فيها أيضاً بين أهل السنة وبين أهل البدع صفة العلو. والعلو في اللغة: الارتفاع، وهو وصف ذاتي لله ، فالله ذاته عالية فوق العرش، وهناك ثلاثة أنواع من العلو يتصف بها الرب ، وهي: علو الذات، وعلو القدر والشأن، وعلو القهر والسلطان، قال العلامة ابن القيم ﵀: والفوق أنواع ثلاث كلها لله ثابتة بلا نكران وصفة العلو للناس فيها مذاهب وأقوال، والقول الحق والصواب هو قول سلف الأمة وأئمتها، وقول أهل السنة والجماعة، وهو أن الله فوق سماواته مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، فهذا هو القول الصواب الذي تدل عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهذا هو الحق الذي قرره الصحابة والتابعون والأئمة والعلماء من أهل السنة والجماعة.

стр. 399

ذكر أقوال المبتدعة في صفة العلو في صفة العلو أقوال مبتدعة ثلاثة، وهي أقوال كفرية والعياذ بالله: القول الأول: أن الله ليس متصفاً بالعلو وليس فوق العرش، وإنما هو حال في مخلوقاته، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وهذا قول حلولية الجهمية، فهم يقولون: إن الله ليس فوق العرش، ولا هو فوق السماوات، بل هو في كل مكان، وهذا ما تقوله النجارية وغيرهم. القول الثاني المبتدع: أن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايث له، ولا متصل به ولا منفصل عنه، وهذا قول معطلة الجهمية ونفاتهم، وهو أشد كفراً من القول الذي قبله، وبهذا قال أكثر المعتزلة، وبعض الأشاعرة المتأخرين كـ الرازي، فقد قرر هذا في كثير من كتبه، فهؤلاء ينفون عنه الوصفين المتقابلين اللذين لا يخلو موجود عن واحد منهما، ويستحيل أن يكون هناك موجود لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا مخالط له؛ لأن النقيضين لا يرتفعان ولا يجتمعان معاً، فالموجود إما أن يكون داخل العالم وإما أن يكون خارجه، فالذي لا داخل العالم ولا خارجه لا وجود له، والذي ليس فوقه ولا تحته، ولا متصل به ولا منفصل عنه معدوم، بل ممتنع، نسأل الله السلامة والعافية، فهذا أشد كفراً من القول الذي قبله. القول الثالث من الأقوال المبتدعة: أن الله فوق العرش بذاته، وهو في كل مكان بذاته، وهذا قول طائفة من السالمية والصوفية، وهؤلاء أرادوا بزعمهم أن يجمعوا بين نصوص العلو ونصوص المعية. فهذه الأقوال الثلاثة كلها أقوال كفرية، ومع ذلك فهي منتشرة الآن في الكتب والمؤلفات، ولها أصحاب يدافعون عنها، ولهم شبه، ويعتقدون أنهم ينزهون الله في ذلك، وأنهم أهل الحق، ولهم مؤلفات تحقق وتدرس الآن، فالذي ينبغي على المسلم -وخصوصاً طالب العلم- أن يكون على بينة من هذا الأمر العظيم.

стр. 400

أدلة أهل السنة النقلية الدالة على علو الله وقد استدل أهل السنة والجماعة -رحمة الله تعالى عليهم- على ما قرروه من أن الله فوق خلقه وفوق السماوات بذاته، وأنه مستوٍ على عرشه، استدلوا على ذلك بالنقل الصحيح، والعقل الصريح، والفطرة السليمة. وقد ذكر العلامة ابن القيم وغيره أن أفراد الأدلة النقلية الدالة على علو الله على خلقه تزيد على ثلاثة آلاف دليل، وهناك أنواع من الأدلة العامة ترجع إليها هذه الأفراد، وسوف نستعرض بعض هذه الأنواع، فكل نوع من الأدلة تحته أفراد كثيرة.

стр. 401

التصريح باستواء الله على العرش بلفظ (على) النوع الأول من أنواع الأدلة: الإخبار والتصريح بأن الله استوى على العرش، وهذا في سبعة مواضع من كتاب الله بلفظ (على) الدالة والصريحة على علو الله على عرشه، وذلك في سورة الأعراف، وسورة يونس، وسورة الرعد، وسورة طه، وسورة الفرقان، وسورة السجدة، وسورة الحديد. قال الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، وقال سبحانه في سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس:٣]، وقال في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:٢]، وقال في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقال في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٩]، وقال في سورة السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤]، وقال في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]. فهذه السبعة المواضع ذكرت نوعاً واحداً من الأدلة، وهو تصريح بأن الله استوى على العرش، وكلها بلفظ (على) الصريحة والدالة على علو الله على عرشه.

стр. 402

التصريح بعلو الله سبحانه النوع الثاني من الأدلة: التصريح بأن الله في العلو، كقوله سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقوله سبحانه: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢].

стр. 403

التصريح بالعروج إليه النوع الثالث: التصريح بالعروج إليه، والعروج إنما يكون من الأسفل إلى الأعلى، كقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤].

стр. 404

التصريح بالصعود إليه النوع الرابع: التصريح بالصعود إليه، كقوله سبحانه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠].

стр. 405

التصريح برفع بعض المخلوقات إليه النوع الخامس: التصريح برفع بعض المخلوقات إليه، والرفع إنما يكون من الأسفل إلى الأعلى، كقوله في المسيح ﵊: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]، وثبت في الأحاديث والآثار أن دعوات المظلومين والمضطرين ترتفع إلى الله.

стр. 406

التصريح بتنزيل الكتاب منه النوع السادس: التصريح بتنزيل الكتاب منه، كقوله سبحانه: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١]، وقوله تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل:١٠٢]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء:١٠٦]، وقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢]، والنزول إنما يكون ممن هو عال.

стр. 407

التصريح بأن الله في السماء النوع السابع: التصريح بأن الله في السماء، كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦ - ١٧]، وقوله ﷺ في دعاء رقية المريض الذي رواه أبو داود: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمه)، والمراد بالسماء هنا العلو، والله سبحانه له أعلى العلو، فهو فوق العرش، وإذا أريد بالسماء الطباق المبنية فتكون (في) بمعنى: على، كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أي: من على السماء، كقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، أي: على جذوع النخل، وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:١١] أي: على الأرض.

стр. 408

الإخبار بأنه تعالى رفيع الدرجات النوع الثامن: الإخبار عن رفعته وارتفاع عظمته سبحانه، وأنه رفيع الدرجات، كقوله سبحانه: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر:١٥]، والمعنى: مرفوعة درجاته؛ لارتفاعه هو وعلو شأنه ، فـ (رفيع) على وزن (فعيل) بمعنى مفعول، وليست (رفيع) هنا بمعنى رافع كما قالت المعطلة الذين يقولون: (رفيع) بمعنى رافع درجات المؤمنين. وهذا باطل؛ لأن سياق الكلام يأباه، فإن الله قال قبل ذلك: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢]، ثم قال: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ [غافر:١٥]، فالضمير يعود إلى الله، أي: مرفوعة درجاته هو؛ لارتفاعه وعظمته وعلو شأنه، ونظير ذلك قول الله : ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج:٣] أي: المصاعد التي تصعد فيها الملائكة إلى الله جل شأنه، والقرآن يفسر بعضه بعضاً.

стр. 409

التصريح بأن بعض المخلوقات عنده النوع التاسع: التصريح بأن بعض المخلوقات عنده، كقوله سبحانه: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩]، وقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:٣٨]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٦]، وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لما خلق الله الخلق كتب في كتابه -فهو عنده فوق العرش-: إن رحمتي سبقت غضبي)، والإخبار بأن بعض المخلوقات عنده يدل على العلو، ولو لم يدل ذلك على العلو لما كان للتعبير بالعندية فائدة، ولكانت المخلوقات كلها في القرب والعندية سواء، فلما أخبر بأن بعض المخلوقات عنده دل على أن لها خصوصية وأنها في العلو، أما الملك فالله مالك لكل شيء، ولهذا قال: ((وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) أي: ملكاً وتصريفاً وتدبيراً، ((وَمَنْ عِنْدَهُ)) أي: في العلو، (لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ).

стр. 410

الإخبار بأن من أسماء الله الظاهر النوع العاشر: الإخبار بأن من أسماء الله سبحانه الظاهر، وتفسير النبي ﷺ لهذا الاسم بنفي فوقية أيّ شيء عليه، كقوله سبحانه: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]، فهذه أربعة أسماء متقابلة، فالأول والآخر اسمان لأبديته وأزليته، والظاهر والباطن اسمان لفوقيته وعلوه وعدم خفاء شيء عليه، وأنه لا يحجبه شيء من مخلوقاته ، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء)، فقول النبي ﷺ : (وأنت الظاهر فليس فوقك شيء) فسر (الظاهر) بنفي فوقية أي شيء عليه، وهذا يدل على علوه ، وذلك لأن الظهور والعلو متلازمان، فكلما علا الشيء ظهر وبان، كما أن السفول والخفاء متلازمان، فكلما سفل الشيء خفي واستتر، فالله تعالى هو الظاهر وليس فوقه شيء.

стр. 411

إشارة النبي بأصبعه إلى السماء في خطبته النوع الحادي عشر: الإشارة، أي: إشارة النبي ﷺ بأصبعه إلى السماء في خطبته في حجة الوداع عندما كان يستشهد الله على الناس قائلاً: (ألا هل بلغت؟! قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد)، فقد كان يرفع أصبعه إلى السماء ثم ينكتها إلى الناس ويقول: (اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد) فإشارة النبي ﷺ بأصبعه إلى السماء دليل صريح على أن الله في العلو. وأما المعطلة من الجهمية وغيرهم فهم ينكرون الإشارة بالأصبع، فلو رفعت أصبعك عند جهمي واستطاع قطعها لقطعها؛ لأنه يقول: إن الله في كل مكان، والإشارة إليه تنقص له، فإذا جعلته فوق فقد تنقصته وجعلته محدوداً في جهة محددة، وهو في كل مكان.

стр. 412

النصوص المتواترة الدالة على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة النوع الثاني عشر: ما ثبت في الآيات القرآنية والأحاديث المتواترة من رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، كقوله سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وقوله ﷺ كما ثبت في الصحيح: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته)، وفي لفظ: (كما ترون الشمس والقمر)، فهذه النصوص دلت على أن المؤمنين يرون ربهم من فوقهم. والرؤية المعقولة عند جميع بني آدم تقتضي مواجهة الرائي للمرئي ومباينته له، فهذا يدل على أنه ليس مختلطاً بخلقه، فهذا فيه بطلان لقولهم: إنه مختلط بالمخلوقات.

стр. 413

سؤال الرسول للجارية عن الله بـ (أين) النوع الثالث عشر: ما ثبت في صحيح مسلم وغيره من سؤال النبي ﷺ للجارية عن الله بـ (أين) كما في حديث معاوية بن الحكم السلمي لما صك الجارية وعاتبه النبي ﷺ فأراد أن يعتقها، فسألها النبي ﷺ فقال لها: (أين الله؟، قالت: في السماء، قال: من أنا، قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها؛ فإنها مؤمنة)، والسؤال عن الله بـ (أين) يدل على أن الله في العلو؛ لأن (أين) يسأل بها عن المكان. والجهمية يجيبون عن حديث الجارية بأن هذه الجارية أعجمية لا تفهم، فالرسول ﷺ خاطبها على قدر عقلها وفهمها، فسألها سؤالاً فاسداً يناسب حالها وأقرها على جواب فاسد؛ لأن هذا هو المناسب لحالها، لذلك فهم يقولون: إن مراد الرسول ﷺ (مَنْ الله؟) وليس مراده (أين الله) و (من) يطلب بها السؤال عن الحقيقة. هكذا جعلوا الرسول ﵊ عاجزاً عن أن يقول: (مَن الله) فقال: (أين الله) وعلى هذا يكونون قد اتهموا الرسول ﷺ بأنه لم يبلغ الشريعة، وأنه سأل سؤالاً فاسداً وأقر على جواب فاسد، وأنه لم يبين الحق، نسأل الله العافية، وهذه تهمة عظيمة، وطعن في النبي ﷺ . فتلك أنواع من الأدلة، وكل نوع تحته أفراد من الأدلة.

стр. 414

موقف المعطلة من النصوص الدالة على علو الله ما موقف المعطلة الذين أنكروا علو الله بذاته على الخلق من هذه النصوص؟ فهل سكتوا؟ وهل وقفوا مكتوفي الأيدي؟ أم أجابوا عليها واعترضوا عليها؟ الجواب اعترض نفاة العلو على هذه النصوص، فقالوا: إن المراد بالعلو والفوقية في هذه النصوص ليس فوقية الذات، وأن ذاته فوق العرش، بل المراد بها فوقية الخيرية والأفضلية، فقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، أي: هو خير من العرش، وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، أي: هو خير من عباده وأفضل، فالمراد بالفوقية إما فوقية الخيرية والأفضلية، أو فوقية القهر والسلطان؛ لأن المعطلة يثبتون نوعين من العلو: علو الخيرية والأفضلية، وعلو القهر والسلطان، والذي ينكرونه هو علو الذات، فهم يقولون: لا نوافق أن الله بذاته فوق العرش، بل المراد أن قدره عال وعظمته عاليه، ولهذا تأولوا النصوص وقالوا: إن هذا يلزم منه معنى فاسد، وهو أن يكون الله محدوداً ومتحيزاً، وهذا تنقص لله، وأيضاً قالوا: واللغة العربية تدل على ما ذهبنا إليه، فالعرب تقول: الأمير فوق الوزير، فهل معنى ذلك أن الأمير راكب فوق الوزير؟! لا، بل المعنى أنه خير وأفضل منه، وقولهم: الدينار فوق الدرهم، يعني أن الدينار أفضل من الدرهم، وقولهم: الذهب فوق الفضة، يعني: أن الذهب خير من الفضة، فالمراد فوقية الخيرية والأفضلية لا فوقية الذات.

стр. 415

ردود أهل السنة على المعطلة في مسألة علو الله وقد أجاب أهل الحق على اعتراضات المعطلة على نصوص العلو وتأويلاتهم بعدة أجوبة: الجواب الأول: أن تأويلكم لنصوص الفوقية بفوقية الخيرية والأفضلية، أو بفوقية القهر والسلطان على خلاف الحقيقة، فالتأويل هو صرف للفظ عن حقيقته إلى المجاز، والأصل في الألفاظ الحقيقة، وحقيقة الفوقية أن تكون ذات الشيء فوق الشيء، ولا يجوز صرف اللفظ عن حقيقته إلى المجاز إلا بقرينة، ولا قرينة هنا، فإذا وجدت قرينة فلا مانع، بل ليس هناك قرينة تدل على صرف الفوقية في هذه النصوص إلى فوقية الخيرية والأفضلية، لكن إذا وجدت قرينة فنعم، كما في قوله تعالى حكاية عن فرعون أنه قال عن بني إسرائيل: ﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف:١٢٧]، فهذه فوقية قهر وغلبة، والقرينة أن فرعون ومن معه كانوا كلهم على الأرض مستوين عليها، فليس فرعون أعلى منهم، بخلاف الفوقية في هذه النصوص والآيات، فليس الله مستوياً مع خلقه في الأرض حتى تؤولوها وتصرفوها إلى فوقية القهر والغلبة، بل الله فوق مخلوقاته بذاته. الجواب الثاني: أن تفضيل الله على خلقه لم يأت في النصوص ابتداءً، وإنما جاء ذلك في سياق الرد على من اتخذ مع الله نداً، وعبده مع الله، وأشركه في الإلهيه، فتأتي النصوص للرد على هؤلاء وبيان أن الله خير من ذلك الند وأفضل، كما في قوله سبحانه عن يوسف ﵊ أنه قال: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩]، وقوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل:٥٩]، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:١٧]، فهذه الخيرية جاءت في سياق الرد، وذلك أنه يحسن في الخطاب الداحض لحجة الخصم وإلزامه بالحجة والرد عليه ما لا يحسن في الابتداء، وهذا أمر واضح لا ينكره إلا غبي. الجواب الثالث: أن تأويل النفاة والمعطلة لنصوص العلو والفوقية بفوقية الخيرية والأفضلية تأويل باطل يفسد به معنى الآيات، حيث تشمئز منه العقول السليمة، وتنفر منه القلوب الصحيحة، وليس في هذا التأويل مدح ولا تمجيد ولا ثناء على الله، والله تعالى لم يمدح نفسه بأنه خير من العرش وأفضل منه، وبأنه خير من عباده وأفضل منهم، فلا مقارنة بين الخالق والمخلوق حتى يقال: إن الخالق خير من المخلوق وأفضل، بل إن المخلوقات المتفاوتة في الخلق لو قارنت بينها وفضلت بعضها على بعض لتنقصت الفاضل، فلو قال قائل: الشمس أفضل من السراج لتنقص الشمس، أو قال: السماء أعلى من سطح الدار، أو: السماء أكبر من الرغيف، أو: الجبل أثقل من الحصى، أو: رسول الله أفضل من اليهود، أو: السيف أحسن من العصا وأقوى، فكل هذا تنقص، كما قال الشاعر: ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا وإذا كان يقبح كل القبح -ويضحك من ذلك العقلاء- لو قلت: الجوهر أفضل من قشر البصل؛ فكيف تؤول آيات الفوقية بأن الرب خير من المخلوق وأفضل من المخلوق؟! فهذا باطل وهذا تنقص لله. الجواب الرابع: أن الله أثبت لنفسه الفوقية المطلقة، وهي تشمل فوقية الذات، وفوقية القهر والغلبة، وفوقية الخيرية والأفضلية، فمن أثبت بعضها ونفى بعضها فقد جحد ما أثبته الله لنفسه وتنقّص الله . وإثبات الفوقية لله لا يستلزم محذوراً، ولا يوجب نقصاً، فالله تعالى لا يحتاج إلى العرش، ولا إلى حملة العرش، ولا إلى شيء من مخلوقاته، فالله هو الحامل للعرش ولحملة العرش بقوته وقدرته، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر:٤١]، وهذه الشبه موجودة ومقررة، بل هناك من يعتنقها الآن ويدافع عنها ويقررها، فهناك من يدرس في التفسير والفقه والحديث ويقرر أن الله ليس فوق مخلوقاته، بل يقول: إن الله حال في مخلوقاته، أو يقول: إن الله ليس داخل العالم ولا خارجه. فمن هنا تكون الحاجة ماسة وملحة إلى معرفة هذه الشبه وإبطالها وردها ودحضها.

стр. 416

أدلة أهل السنة العقلية الدالة على علو الله استدل أهل الحق على ما ذهبوا إليه من أن الله فوق السماوات وفوق العرش بذاته بالعقل الصريح، وذلك عن طريق السبر والتقسيم، والسبر والتقسيم عند أهل الأصول وأهل المنطق هو أن تحصر الأقسام التي يتصورها العقل ثم تبطلها واحداً بعد واحد وتثبت القول الحق، فقالوا: لما خلق الله الخلق فلا يخلو من أن يكون خلقهم داخل ذاته، أو يكون خلقهم خارج ذاته، أو يكون خلقهم لا خارج ذاته ولا داخلها، فهذه ثلاث صور عقلية لا يمكن للعقل أن يتصور أكثر منها، أما الأولى -وهو كون الله خلق الخلق داخل ذاته- فباطل، لأنه يلزم منها أن يكون الله محلاً للخسائس والقاذورات تعالى الله عن ذلك، وهذا قول الحلولية، وهو كفر وباطل بالاتفاق. وأما الثانية -وهي أن الله خلقهم لا داخل ذاته ولا خارجها- فباطل أيضاً؛ لأنه يلزم منها نفي الله وعدم وجوده بالكلية، ولأنه يلزم منها وصف الله بارتفاع النقيضين، وهذا غير ممكن، وهو قول معطلة الجهمية، وهو كفر. وأما الثالثة -وهي أن الله خلق الخلق خارج ذاته- فلا يخلو إما أن يكون خلقهم خارج ذاته من فوقهم، أو خلقهم خارج ذاته من تحتهم، أو خلقهم خارج ذاته أمامهم، أو خلقهم خارج ذاته خلفهم، أو عن أيمانهم، أو عن شمائلهم. وأليقها بالله جهة العلو، فثبت أن الله خلق الخلق خارج ذاته من فوقهم، ويلزم من ذلك أن الله عليٌ على عرشه فوق مخلوقاته. وقد اعترض النفاة والمعطلة على هذا الدليل فقالوا: لا نسلم بأن هذا دليل عقلي واضح وبدهي تثبته العقول وتقرره، بل هو قضية وهمية خيالية، بدليل أن جمهور العقلاء أنكروا بداهته ولم يقولوا: إنه معروف. فأجاب أهل الحق عن هذا الاعتراض بقولهم: إذا كان قولكم حقاً مقبولاً في العقل فقولنا أعظم وأولى بأن يكون حقاً، وإن كان قولنا باطلاً بحكم العقل فقولكم أعظم رداً، وعامة فطر الناس توافقنا على هذا، فإن قبلتم فطرهم ترجحنا عليكم، وإن رددتم فطر جميع الناس بطلت عقلياتنا، فيبطل دليلنا ودليلكم العقلي؛ لأنهما تعارضا فتساقطا، وحينئذ نرجع إلى النصوص الشرعية، فالعقل مشترك بيننا وبينكم, ونحن متمسكون بالأدلة السمعية هنا. أما قولكم: إن أكثر العقلاء ينكرون بداهة هذا الدليل فهذا القول باطل، فليس أكثر العقلاء هم الذين ينكرون هذا؛ بل الذي يقول: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه طائفة قليلة من النظار، وأول من قال بذلك الجهم بن صفوان. الدليل العقلي الثاني: دليل عقلي بطريقة الملازمة والاستثنائية، قال أهل الحق: لو لم يكن الرب متصفاً بفوقية الذات مع أنه قائم بنفسه غير مختلط بالعالم لكان متصفاً بضدها، وهو السفول؛ لأن القابل للشيء لا يخلو منه أو من ضده، وضد الفوقية السفول، والسفول مذموم على الإطلاق، وهو مستقر إبليس وجنده، فدل على أنه قابل للفوقية. واعترض هؤلاء النفاة فقالوا: لا نسلم أن الله قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها، بل نقول: إن الله ليس قابلاً للفوقية حتى تلزمونا بأنه إذا لم يكن فوق كان أسفل. وقد أجاب أهل الحق على هذا بجوابين: الجواب الأول: أنه لو لم يكن قابلاً للفوقية مع أنه قائم بنفسه وموجود، ووجوده خارجي؛ لكان قابلاً لضدها، فلو لم يكن قابلاً للفوقية لم يكن له ذات قائمة بنفسها، فكل موجود في الخارج لا بد من أن يكون قابلاً للفوقية أو للسفول، فمتى أقررتم بأن لله ذاتاً وأنه قائم بنفسه وأنه موجود في الخارج وليس وجوده ذهنياً لزمكم قبول الفوقية. الجواب الثاني: لو لم يكن قابلاً للفوقية لكان كل عال على غيره أكمل منه، فإن من يقبل العلو والفوقية أكمل مما لا يقبل، والفوقية صفة كمال لا تستلزم نقصاً ولا توجب محذوراً ولا تخالف كتاباً ولا سنة ولا عقلاً، فنفيها يكون عين الباطل.

стр. 417

دليل الفطرة الدال على علو الله تعالى استدل أهل الحق على أن الله فوق العرش بالفطرة السليمة، فقالوا: إن الخلق جميعاً بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم عند الدعاء إلى السماء، ويتوجهون عند التضرع إلى الله تعالى، وهذا شيء يجدونه في نفوسهم من غير أن يتلقوه من المرسلين، بل يجدون طلباً ضرورياً يتوجه إلى الله ويطلبه في العلو، فالجارية الأعجمية التي سألها النبي ﷺ : (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) أخبرت عن الفطرة التي فطرها الله عليها، فأقرها النبي ﷺ على ذلك وشهد لها بالإيمان. ولما كان أبو المعالي الجويني -وهو معروف ومن الأشاعرة- يقرر في درس له أن الله ليس فوق العرش وليس فوق السماوات، وجعل يأتي بالشبه التي فيها أن الله ليس فوق العرش، بل هو في كل مكان، قام أحد التلاميذ وقال: يا أستاذ! دعنا من هذا الكلام، أخبرنا عن هذه الضرورة التي يجدها الإنسان في نفسه، ما قال قائل قط: يا ألله إلا اتجه إلى العلو، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا؟ فلطم الشيخ نفسه وجعل يقول: حيرني الهمذاني، حيرني الهمذاني، حيرني الهمذاني. فتحير ولم يستطع أن يرد عليه، وهذا هو الدليل الفطري.

стр. 418

اعتراض النفاة على دليل الفطرة والرد عليهم وقد اعترض النفاة على الدليل الفطري باعتراضين: الاعتراض الأول: قالوا: إن رفع اليدين عند الدعاء إلى السماء ليس لأن الله في السماء؛ بل لأن السماء قبلة للدعاء كما أن الكعبة قبلة للصلاة. وبعضهم يقول: إن الإنسان يرفع يديه في الدعاء لأن المطر ينزل من فوق، ولأن الأنوار تأتي من فوق، ولأن الملائكة تنزل من فوق. وأجاب أهل الحق على هذا القول بأجوبة: الجواب الأول: أن ادعاءكم أن السماء قبلة للدعاء ادعاء باطل لم يرد به كتاب ولا سنة ولا قاله أحد من سلف الأمة وعلمائها، وهذا من الأمور الشرعية، فكيف يخفى على سلف الأمة وأئمتها؟! الجواب الثاني: أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، كما كان النبي ﷺ يتوجه إلى القبلة في دعائه في مواطن كثيرة، فمن ادعى أن السماء قبلة للدعاء أو أن هناك قبلتين: قبلة للدعاء، وقبلة للصلاة، فقد ابتدع في الدين وخالف جماعة المسلمين. الجواب الثالث: أن القبلة هي ما يستقبله العبد بوجه لا ما يستقبله بيديه، وقد كان النبي ﷺ يستقبل القبلة ويتوجه إلى القبلة في مواقف كثيرة، في الدعاء وفي الذكر وفي الذبح، فقبلة الدعاء هي قبلة الصلاة. رابعاً: لو كانت السماء قبلة للدعاء لكان المشروع أن يوجه الداعي وجهه إليها، وهذا لم يشرع. الجواب الخامس: أن أمر القبلة مما يقبل النسخ والتحويل، كما تحولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وأمر الدعاء إلى الجهة العلوية مركوز في الفطر لا يقبل النسخ ولا التحويل. سادساً: أن المستقبل إلى الكعبة يعلم أن الله ليس هناك، بخلاف المتوجه إلى السماء، فإنه يعلم أن الله هناك، فهو يرجوه ويتضرع إليه ويرجو أن تنزل الرحمة من عنده. وبهذا يبطل الاعتراض الأول. الاعتراض الثاني: اعترضوا على الدليل الفطري فقالوا: إن دليلكم منقوض بوضع المصلي جبهته على الأرض، والله ليس في جهة الأرض، فهل معنى ذلك أن الله في الأرض؟! فكذلك إذا رفع يديه في الدعاء فلا يدل ذلك على أن الله في السماء. وأجيب على هذا الاعتراض بأن وضع المصلي جبهته على الأرض إنما قصده الخضوع لمن فوقه، والذل والخشوع له، وليس قصده بأن يميل إليه لأنه تحته، فهذا لا يخطر في قلب إنسان إلا من انتكست فطرته وعميت بصيرته، كـ بشر المريسي، فقد سُمع وهو يقول في سجوده: سبحان ربي الأسفل، قبحه الله وأخزاه.

стр. 419

شبه نفاة العلو والرد عليهم

стр. 420

استلزام إثبات العلو للجهة إن نفاة العلو الذين نفوا أن الله فوق العرش وفوق السماوات ليس لهم أدلة من الكتاب ولا من السنة، وإنما لهم شبه عقلية، وبيانها على النحو الآتي: الشبهة الأولى: أنه يلزم من إثبات أن الله فوق العرش وفوق السماوات أن يكون الله في جهة، ويلزم أن يكون محتاجاً إلى الجهة، ويلزم أن يكون جسماً، ويلزم أن يكون محدوداً ومتحيزاً. وأجاب أهل الحق عن هذه الشبهة بجوابين: جواب مجمل وجواب مفصل. الجواب المجمل أن نقول: إن أردتم بالجهة الجهة الوجودية التي هي خلق من المخلوقات، بمعنى أنها تحويه وتحصره وتحيط به إحاطة الظرف بالمظروف فهذا باطل، فالله أعلى من ذلك وأجل؛ لأنه سبحانه لا يحصره ولا يحيط به شيء من المخلوقات، وإن أردتم بالجهة ما وراء العالم فالله فوق العالم بعد أن تنتهي المخلوقات، هذا هو الجواب المجمل. والجواب التفصيلي من وجوه: الوجه الأول: أن نقول: قولكم: إنه يلزم من إثبات العلو الجهة إن أردتم بالجهة جهة وجودية كالعرش وأن الله داخل السماء فهذا باطل، فليس الله داخل العرش ولا داخل السماء، بل هو بائن من خلقه لم يدخل في ذاته شيء من مخلوقاته ولا في مخلوقاته شيء من ذاته، فهو بائن من خلقه منفصل عنهم. الثاني: إن أردتم بالجهة السماء وأن المراد بكونه في السماء، أي: على السماء؛ فهذا حق، وحينئذ لا يكون هناك جهة وجودية حتى يقال: إنه محتاج إليها أو غير محتاج إليها. الثالث: إن أردتم بالجهة ما فوق العالم، فهذه جهة عدمية، وما وراء العالم نهاية المخلوقات، فالمخلوقات سقفها عرش الرحمن، والله فوق العرش بعد أن تنتهي المخلوقات، وليس فوق العرش جهات وجودية. الرابع: أنه لا يلزم من كون الله فوق العرش أن يكون محتاجاً إلى العرش، أو إلى شيء غيره، ولا يلزم من كون الشيء فوق الشيء أن يكون محتاجاً إليه، فالله تعالى جعل هذه المخلوقات بعضها فوق بعض ولم يجعل العالي محتاجاً إلى السافل، فالهواء فوق الأرض وليس الهواء محتاجاً إلى الأرض، والسحاب فوق الهواء وفوق الأرض وليس محتاجاً إلى الهواء ولا إلى الأرض، والسماء فوق السحاب وفوق الهواء وفوق الأرض وليست السماء محتاجة إليها، والسماء الثانية فوق السماء الأولى وليست محتاجة إليها، إلى السماء السابعة، والكرسي فوقها وليس محتاجاً إليها، والعرش فوق الكرسي والسماوات وليس محتاجاً إلى الكرسي ولا إلى السماوات، فإذا كانت المخلوقات بعضها فوق بعض ولا يكون العالي محتاجاً إلى السافل، فكيف يقال: إن الله إذا كان فوق العرش يكون محتاجاً إلى العرش؟! تعالى الله عن هذا، فالله فوق العرش ولا يحتاج إلى شيء من مخلوقاته. فهو الحامل للعرش ولحملة العرش بقوته وقدرته ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر:٤١]. الخامس: قولكم: إنكم تثبتون الجهة والحيز والحد والعرض والجسم، نقول: كل هذه ألفاظ اصطلاحية فيها إجمال وإيهام وإبهام، فالمعارضة بها ليست معارضة بدلالة شرعية؛ لأن هذه الألفاظ لم ترد في الكتاب ولا في السنة، ولا قالها أحد من السلف، فلا يجوز إثباتها ولا نفيها. وقد وقف علماء الإسلام من أهل الكلام موقفاً واضحاً، وأنكروا عليهم إطلاق هذه الألفاظ وبدعوهم، وقال فيهم الإمام الشافعي رحمة الله عليه: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، وأن يطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام. وصح عن إمام الأئمة محمد بن إسحاق ابن خزيمة ﵀ أنه قال: من لم يؤمن بأن الله فوق سماواته على عرشه وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه وطرح على مزبلة. أي: قمامة. وفي لفظ: حتى لا يتأذى به أهل السنة ولا أهل الذمة. فهذا يدل على أنه ارتد، وكفره أعظم من كفر اليهود والنصارى؛ لأن اليهود والنصارى كفرهم أخف، لذلك يجوز بقاؤهم مع دفع الجزية، وتحل نساؤهم وذبائحهم، أما هذا فهو وثني مرتد لا تحل ذبيحته، فليس له إلا الإسلام أو السيف، فيستتاب فإن تاب وإلا قتل.

стр. 421

شبهة استلزام إثبات العلو لكون الله في السماء وخلقه نفسه الشبهة الثانية من شبه نفاة العلو شبهة وردت على لسان الرازي، وهو من علماء الأشاعرة المتأخرين، لكنه اعتنق مذهب الجهمية وصار من النفاة المعطلة الذين يقولون: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، وقد وقرر هذا في كثير من كتبه، مثل كتاب (مفاتيح الغيب) وكتاب (السر المكتوم في مخاطبة الشمس والنجوم)، وقد رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وذكر أنه تاب في آخر حياته وترحم عليه. وهذه الشبهة مكونة من مقدمتين ونتيجة، والقاعدة عند أهل الكلام وأهل المنطق أنه إذا كان الدليل مكوناً من مقدمتين أن تأتي بالمقدمة الأولى ثم تسلمها، ثم تأتي بالمقدمة الثانية ثم تسلمها، فإذا سلمت للمقدمة الأولى وسلمت للمقدمة الثانية لزمتك النتيجة. لكن الطريقة السليمة أن تعارض المقدمة الأولى أو تعارض المقدمة الثانية أو تعارض المقدمتين حتى ينقض الدليل. يقول الرازي في هذه الشبهة التي يبطل بها أن الله فوق السماوات وفوق العرش: لو كان الله في جهة فوق لكان السماء، هذه المقدمة الأولى، والمقدمة الثانية: ولو كان السماء لكان مخلوقاً لنفسه، فكونه في جهة فوق محال، وكونه مخلوقاً لنفسه محال. ففي المقدمة الأولى: لو كان الله في جهة فوق لكان السماء قال: عندي دليلان يثبتانها: الدليل الأول من اللغة، وهو أن اشتقاق السماء من السمو، وكل شيء سماك فهو سماء، وهو كذلك في عرف القرآن، فهذا الدليل الأول الذي أثبت به هذه المقدمة. والدليل الثاني عقلي: قال: لو كان الله فوق العرش لكان من جلس في العرش ونظر إلى فوق لم ير إلا نهاية السطح الأخير من ذات الله، فكانت نسبة نهاية السطح الأخير من ذات الله إلى سكان العرش كنسبة السطح الأخير من السماوات إلى سكان الأرض، فثبت من ذلك أنه لو كان فوق لكان سماءً. المقدمة الثانية: ولو كان السماء لكان مخلوقاً لنفسه، قال: الدليل على ذلك أن السماء مخلوقة بنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧]، وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف:٥٤]، فالسماء مخلوقة، فلو كان السماء لكان مخلوقاً لنفسه، وكونه مخلوقاً لنفسه محال، فثبت أن كونه فوق العرش محال. ويرد على هذه الشبهة بأنه لما كان قد استقر في نفوس المخاطبين في عهد النبوة أن الله هو العلي الأعلى؛ كان هذا هو المفهوم من النصوص، كقوله سبحانه: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، فالمفهوم أن الله في العلو من غير تخصيصه بالأجسام وحلوله فيها، فالجارية التي قال لها النبي: (أين الله؟ قالت: في السماء) مرادها أن الله في العلو من غير تخصيصه بالأجسام وحلوله فيها، ولو قدر أن المراد بالسماء الأفلاك تكون (في) بمعنى على، كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، أي: على السماء، وكقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، أي: على جذوع النخل، وقوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:١١]، أي: على الأرض، ويقال: فلان في السطح وإن كان على السطح. الجواب الثاني: أن من فهم من قول الله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أن السماء تحيط بالله وأن الله داخل السماء فهو كاذب إن نقله عن غيره، وضال إن اعتقده في ربه، وما سمعنا أحداً يفهم هذا من اللفظ، ولا رأينا أحداً نقله عن أحد من أهل العلم. ولو سئل سائر المسلمين عن قول الله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، وقول الرسول ﷺ : (ربنا الله الذي في السماء) فهل سيفهمون من قوله: (في السماء) أن الله داخل السماء؟! بل لبادر كل واحد منهم قائلاً: لعل هذا لا يخطر ببال واحد منا، وإذا كان كذلك فمن التعسف والتمحل أن يحمّل النص معنى فاسداً لا يحتمله، ثم يريد أن ينفي النص ويبطله. الجواب الثالث: أن الأصل في ما ورد في النصوص من قول الله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، وقول الرسول ﷺ : (ربنا الله الذي في السماء)، الأصل أن المراد بالسماء العلو، وهذا هو المعروف في اللغة، وتكون (في) للظرفية، فقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، أي: من في العلو. فالسماء اسم جنس للعالي، فهو اسم للعرش، والعرش يسمى سماء؛ لأنه علو، فالعرش وما دونه كله علو، ولكن قد يفهم بعض الناس أن المراد بالسماء الطباق المبنية، وحينئذٍ فلابد من قرينة، وإذا أريد بها الطباق المبنية فتكون (في) بمعنى على، كقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، أي: من على السماء، وكقوله ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:١١]، أي: على الأرض، وقوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة:٢]، أي: على الأرض، وقوله عن فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١]، أي: على جذوع النخل، فليس المعنى أنه يدخلهم في وسط الجذوع، بل المراد على جذوع النخل. ولكن لا حاجة إلى هذا؛ لأن السماء اسم جنس للعالي والعرش فما دونه، والله تعالى له أعلى العلو وهو فوق العرش، وهو العلي الأعلى . وبهذا ينتهي البحث في هذه المسألة العظيمة، وهي مسألة العلو، وهي محل نزاع ومفترق طرق، فمن أثبت العلو لله فهو من أهل السنة، ومن نفاه فهو من أهل البدعة ومن أهل التجهم، وهناك بدع أخرى في صفات أخرى. وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العمل الصالح الذي يرضيه، ووفقنا جميعاً للعلم النافع والعمل الصالح، وجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، ونسأله أن يرزقنا الثبات على دينه والاستقامة عليه حتى الممات، إنه على كل شيء قدير.

стр. 422

الأسئلة

стр. 423

حكم تكفير منكري علو الله على عرشه السؤال هل يكفر من أنكر صفة العلو كالجهمية وغيرهم؟ الجواب هذه مسألة مختلف فيها، فمن العلماء من كفرهم بإطلاق، وقال بكفر كل من أنكر العلو، ومنهم من قال: لا يكفرون بإطلاق، ومنهم من قال: العامي المقلد لا يكفر وإنما يكفر علماؤهم وخاصتهم، ولعل هذا هو الأقرب، ولكن لا بد من أن تقوم عليه الحجة، وقد ذكر العلامة ابن القيم كما سبق أنه كفر الجهمية من العلماء خمسمائة عالم، فقال في نونيته: ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان واللالكائي الإمام حكاه عنهم بل حكاه قبله الطبراني وعلى كل حال فالجاهل الذي لا يعلم لا بد من إقامة الحجة عليه، بخلاف الخاصة الذين عندهم علم ومعرفة وقامت عليهم الحجة.

стр. 424

أهمية معرفة حقيقية التوحيد السؤال نرجو إلقاء الضوء على أهمية التوحيد، ووجوب العناية به تعلماً وعملاً وتعليماً؛ لما لهذا الأمر من أهمية عظيمة؟ الجواب لا شك في أن معرفة حقيقة التوحيد أمر مهم؛ لأنه أمر عظيم، ولأنه الأمر الذي خلق الله من أجله الخلق، وبعث من أجله الرسل، وأنزل من أجله الكتب، وهو الذي يترتب عليه السعادة والشقاوة، فجدير بالمسلم وطالب العلم خاصة أن يعلم حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزله به كتبه، وأن يدرس كتب العلماء المحققين، وأن يدرس على أيدي علماء الشريعة ويسأل عما أشكل عليه، ويبحث حتى يتبين له الحق، ويفرق بين توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات، ويعلم أن توحيد الربوبية والأسماء والصفات توحيد فطري، قد فطر الله عليه الخلق وأقر به المشركون، ولكن النزاع في توحيد العبادة أو الإلهية، لا سيما أن هناك بعض المخرفين من المحاضرين والأساتذة وغيرهم يسبون أهل التوحيد، ويسمونهم أهل التلحيد. فعلى طالب العلم أن يكون على علم وإلمام بهؤلاء، فليس كل من تكلم أو استطاع أن يتكلم وأن يحاضر طالب علم عنده تحقيق، بل قد يكون مخرفاً، ولهذا حذر الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ من علماء المشركين، وقال: إن علماء المشركين عندهم علوم وفهوم وشبه، لكن على باطل، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر:٨٣]، فعندهم علم لكنه مزيف، وهناك كثير من المخرفين من المحاضرين والدكاترة، وكثير من المؤلفين في الساحة يقررون الشرك ويقولون: إن دعاء الموتى والذبح لهم والنذر لهم ليس شركاً. فهم يقررون مذهب الصوفية. إذاً: فلا بد لطالب العلم من أن يكون على حذر، ولا بد من أن يدرس العلم الشرعي من معادنه ومنابعه الصافية، من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ويدرس على أهل العلم المعتبرين من أهل السنة والجماعة، أهل الحق الذين يوثق بهم؛ لأن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. فاختر أهل العلم العارفين بالله الواقفين عند كتاب الله وسنة رسوله، الذين يأخذون بكتاب الله وسنة رسوله وبأقوال سلف الأمة وأئمتهم من الصحابة والتابعين؛ لأنهم أفضل الناس وأعلم الناس بمراد الله ومراد رسوله ﷺ ، فالذي قرره السلف من الصحابة والتابعين والعلماء والأئمة من كتاب الله وسنة رسوله هو الحق، وإياك وبنيات الطريق، وإياك أن تنحرف، فما أكثر المنحرفين! وما أكثر دعاة الضلال! وما أكثر المخرفين من المؤلفين والمحاضرين والدكاترة والمدرسين في الجامعات والأندية وفي الندوات، وفي الأمكنة العامة وفي كل مكان! فكن على حذر، وخذ دينك عمن تثق به، وادرس كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وخذ العقيدة الصحيحة الصافية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والعلم إنما يؤخذ من أفواه العلماء، فلا يكفي طالب العلم أن يطلب العلم من الكتب؛ لأنه لم يكن هناك طالب علم أو عالم ناشئ من الكتب أبداً، والعلماء والأئمة لهم مشايخ كانوا يأخذون العلم عنهم. وجلسة واحدة تجلسها مع شيخ تعدل ساعات طويلة وأياماً طويلة تقرؤها بنفسك من الكتب، وهذا شيء مجرب ومعروف، والدروس في المساجد فيها خير وبركة، فالإنسان إذا قصد المسجد وأخلص نيته لله فهو على خير عظيم، والملائكة تحفه وتدعو له، وهو في روضة من رياض الجنة، وكذلك الدروس في الجامعات والكليات فيها خير وبركة إذا أخلص الإنسان فيها نيته.

стр. 425

الموقف من رؤية الله تعالى يوم القيامة السؤال نرجو توضيح مسألة الرؤية، وما يدور حولها من نزاع؟ الجواب مسألة الرؤية من المسائل العظيمة التي اشتد النزاع فيها، وكذلك مسألة الاستواء، وكذلك مسألة المعية والقرب، فكلها تحتاج إلى وقت طويل، وتحتاج إلى دروس حتى يبين الحق فيها ويبين مواقف أهل البدع. والخلاصة أن أهل الحق يثبتون رؤية الله في الآخرة، وأن الله يرى في الآخرة، وأما أهل البدع من المعتزلة والجهمية فيقولون: إن الله لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنهم يقولون: إن إثبات الرؤية يلزم منه الجهة؛ لأن المرئي يكون في جهة، والله ليس في جهة، وهم ينكرون العلو كما سبق، أما الأشاعرة فإنهم يثبتون الرؤية وينكرون الجهة، فصاروا مذبذبين، فيقولون: إن الله يرى، لكن ليس في جهة، وهذا غير معقول وغير متصور، ولذلك تسلط عليهم المعتزلة وقالوا: يجب عليكم أن تثبتوا الجهة حتى تكونوا أعداء لنا، أو تنكروا الجهة حتى تكونوا أصدقاء لنا في الجميع، أما أن تكونوا هكذا مذبذبين وتقولون: رؤية بدون جهة فهذا غير معقول وغير متصور. فالمقصود أن إثبات الرؤية من العلامات الفارقة بين أهل السنة وأهل البدعة، فمن أثبتها فهو من أهل السنة، ومن أنكرها فهو من أهل البدعة.
следующие страницы →