Полный текст (427 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
حكم إنكار بعض صفات الله جهلاً
السؤال
ما حكم من ينكر صفة من صفات الله جهلاً، مع ظنه أن ما ذهب إليه هو الصحيح؟
الجواب
العلماء يفرقون بين من أنكر جحوداً وبين من أنكر جهلاً أو تأويلاً، فإذا كان جاهلاً حقيقة فهو معذور في هذه الحالة، ويُعلَّم ويبين له، أما إذا كان متأولاً فلا يكفر، مثل الذين تأولوا الصفات، فقالوا: استوى معناه: (استولى)، ونحن نثبت أن الله استوى، لكن من أنكر الاستواء وقال: إن الله لم يستو كفر، لأنه يكذب القرآن، وأما هؤلاء فيقولون: إن الله استوى على العرش، لكن معنى (استوى) (استولى)، فهؤلاء متأولون، فكذلك الذي أنكر عن جهل وهو لا يعلم، وقد يخفى عليه ذلك، فهو معذور في هذه الحال حتى يعلم.
стр. 37
ضابط الكفر البواح
السؤال
ما هو ضابط الكفر البواح؟
الجواب
البواح هو الصريح الذي لا لبس فيه ولا شبهة ولا إشكال، فإذا كان فيه لبس أو إشكال أو احتمال لا يسمى بواحاً.
стр. 38
دلالة الاسم على الصفة والصفة على الاسم
السؤال
ما صحة القول بأنه يلزم من إثبات الاسم إثبات الصفة، فالعزيز يلزم منه إثبات العزة، ولا يلزم من إثبات الصفة إثبات الاسم، كصفة الكلام لا يلزم من إثباتها إثبات اسم المتكلم؟
الجواب
أسماء الله ليست أعلاماً محضة، بل هي أعلام دالة على الصفات، فالرحمن دال على الرحمة، والعليم دال على العلم، أما الصفة فقد لا يشتق له اسم منها، فلا يلزم اشتقاق الاسم لله من الصفة، لكن الاسم يدل على الصفة، فأسماء الله ليست أعلاماً محضة كما يقول أهل التعطيل، بل هي أسماء دالة على صفات، أما الصفة فلا يلزم أن يشتق منها الاسم، فلا يقال: من أسماء الله المتكلم.
стр. 39
أثر النوايا في الأعمال
السؤال
من المعلوم أن الله خالق أفعال العباد، فما أثر النوايا على الخطيئة التي تدور في نفس الإنسان؟
الجواب
النوايا تختلف، فأحياناً تكتب للإنسان النية حسنة، وأحياناً تكتب سيئة، وأحياناً لا تكتب له ولا عليه، وقد ثبت: (أن العبد إذا هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله حسنة واحدة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عشر حسنات، وإن هم بالسيئة فلم يعملها كتبها الله حسنة واحدة، وإن هم بها فعملها كتبت عليه سيئة)، فالنصوص التي وردت في النية المنطوية على السيئة دلت على أحوال: الحالة الأولى: أن الإنسان إذا هم بالسيئة لكنه عجز عن عملها، ومنعه مانع، أو كان يعمل السيئة ثم تشاغل عنها ولم يهتم بها، كتبت عليه سيئة إذا فعل الأسباب التي يقدر عليها، لقوله ﵊: (القاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟! قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)، فالمقتول في النار؛ لأنه نوى وحاول أن يقتل صاحبه، لكن غلبه صاحبه.
إذاً: ما الذي منعه من فعل السيئة؟ إنه العجز، عجز فغلبه صاحبه فقتله، وإلا فقد كان حريصاً على قتل صاحبه، فهذا هم بالسيئة فكتبت عليه لأنه تركها عجزاً.
الحالة الثانية: أن ينوي السيئة ثم يتركها خوفاً من الله، ولا يمنعه العجز، لكن يمنعه خوف الله، فهذا تكتب له حسنة؛ لما جاء في الحديث: (إذا هم عبدي بسيئة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإنما تركها من جرائي) يعني: تركها من أجلي.
فإذا تركها خوفاً من الله كتبت له حسنة.
الحالة الثالثة: أنه ينويها ثم يعرض عنها، أو يتشاغل عنها، فما منعه الخوف ولا العجز، فهذا لا تكتب له ولا عليه، كما في الحديث: (وإن هم بسيئة فلم يعملها لا تكتب عليه، وإن هم بها فعملها كتبت عليه سيئة واحدة).
стр. 40
بيان المراد بأهل القبلة الناجين من الخلود في النار
السؤال
أشكل علي كلام شيخ الإسلام حيث قال: لا أقول بخلود أهل القبلة في النار، وحسبي حديث: (لا يحافظ على الوضوء إلا مسلم).
ووجه الإشكال أن هناك فرقاً يعدون في أهل القبلة، وقد كفرهم أئمة أهل السنة، مثل غلاة القدرية والجهمية وغيرهم، والكفر يقتضي التخليد في النار؟
الجواب
هذا الخلود عام، أما أهل القبلة على وجه العموم فلا يخلدون في النار، لكن من ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام أو شركاً في العبادة خلد في النار، فغلاة القدرية وغيرهم ارتكبوا ناقضاً من نواقض الإسلام، حيث أنكرواعلم الله وأنكروا كتابته، فإذا فعل المرء ناقضاً من نواقض الإسلام ولو كان من أهل القبلة كفر.
لكن على وجه العموم يقال: كل مؤمن في الجنة، وكل أهل القبلة لا يخلدون في النار، أي: إذا لم يأتوا بناقض من نواقض الإسلام، ولم يفعلوا شركاً في العبادة، وكلام العلماء يضم بعضه إلى بعض، كما أن النصوص يضم بعضها إلى بعض فيتبين الحق، وابن تيمية ﵀ بين هذا كما بينه غيره من أهل العلم.
والمراد أن أهل القبلة لا يخلدون في النار، إلا من فعل ناقضاً من نواقض الإسلام، أو أشرك في العبادة ومات على ذلك، فهذا خرج عن كونه من أهل القبلة، ولا ينفعه كونه مستقبلاً القبلة.
стр. 41
حكم العمل بالقوانين الوضعية في حق الولاة
السؤال
بعض ولاة الأمور يحكمون بالقوانين الوضعية، مع أنهم تقام عندهم الصلاة، ألا يكون هذا من الكفر وإن كان الوالي قد أقام الصلاة؟
الجواب
هذا فيه تفصيل، فمن حكم بغير ما أنزل الله إذا استحله ورأى أنه حلال فإنه يكفر، أما إذا لم يستحله فذلك فسق ومعصية عند أهل العلم، ولا يؤخذ بالكفر إلا بعد إقراره واعترافه بالاستحلال.
стр. 42
حكم دعاء غير الله
السؤال
هناك بعض الناس يقول: يا رسول الله! ويا شيخ فلان! فهل يخرجون من الإسلام بهذا، وهل نقول: إنهم كفار؟
الجواب
من دعا غير الله وطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله خرج من الملة، وصار من المشركين، كأن يقول: يا رسول الله! اشفع لي، يا رسول الله! خذ بيدي، يا رسول الله! اغفر ذنبي، أو يقول: يا عبد القادر الجيلاني! أو: يا سيدي البدوي! أو: يا دسوقي! أو: يا نفيسة! المدد المدد، خذ بيدي، أنا في حسبك، أنا في جوارك، اشفع لي، لا تخيب رجائي، فهذا كفر وردة، وخروج عن ملة الإسلام، وفاعله يصير من المشركين الوثنيين بعد أن كان من المؤمنين الموحدين، وإذا مات على ذلك صار من أهل النار.
فإذا قال: يا رسول الله! اشفع لي، قلنا: هذا لا يجوز، فإذا قال: الرسول ﷺ يشفع، نقول: نعم يشفع، لكن لا تسأل الرسول الشفاعة، بل سلها من الله، فقل: يا رب! شفع في نبيك، لكن إذا كان يوم القيامة وهو حي قادر فإنك تطلب منه الشفاعة، أما بعد وفاته فلا، فإذا قال: يا رسول الله! اشفع لي، نقول: هذا شرك، ولا يجوز سؤال غير الله، فمن دعا غير الله فقد أشرك، ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]، فإذا قال: يا رسول الله! اشفع لي، أو: يا رسول الله! أغثني، أو يا رسول الله! فرج كربي، أو يا رسول الله! المدد المدد، أو يا عبد القادر، أو: يا سيد البدوي! المدد المدد، خذ بيدي، لا تخيب رجائي، أنا في حسبك، أنا في جوارك، فهذا شرك وردة، أما إذا دعا حياً قادراً فلا يكون ذلك شركاً، كأن يقول: يا فلان! أعني على إصلاح سيارتي، أعني على إصلاح مزرعتي، أعني على بناء البيت، أعني على السيارة، أقرضني، أما أن تدعو ميتاً أو غائباً لا يسمع فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا شرك وردة، كأن تدعوه لأن يفرج كربتك، وهو ميت قد صار تراباً، ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر:١٣ - ١٤]، وقال سبحانه: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦] يعني: من المشركين، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٧] فنص الله على أن من فعل هذا كفر.
وقال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر:١٣ - ١٤] فسماه الله شركاً بنص القرآن، فمن دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد كفر وأشرك وخرج من الملة، لكن إذا تاب قبل الموت تاب الله عليه، فإن مات حبطت أعماله وصار من أهل النار بما فعل، نسأل الله السلامة والعافية.
وكذلك من ذبح لغير الله، أو نذر لغير الله، أو طاف بغير بيت الله تقرباً إليه، كأن يطوف بقبر الرسول ﵊ في الحجرة النبوية، فإذا قال: أنا أطوف بقبر النبي ﵊ وأتقرب لله، نقول: هذا بدعة، فليس هناك شيء يطاف به إلا الكعبة؛ لأن الله أمرنا فقال: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، فإذا قال: أنا أطوف لرسول الله، نقول: أنت وثني؛ لأنك صرفت الطواف الذي هو العبادة لغير الله.
وكذلك الذي يطوف على قبر البدوي أو قبر الحسين، ويقول: أنا أطوف على قبر السيد البدوي لله، فنقول له: هذا بدعة وحرام، فاذهب إلى الكعبة، فلا مكان يطاف به إلا الكعبة، فإذا قال: أنا أطوف للسيد البدوي، نقول له: أنت مشرك وثني، انتقلت من دين الإسلام إلى دين أبي جهل؛ لأنك صرفت الطواف الذي هو العبادة لغير الله.
كذلك الذي يطوف على قبر الحسين، فلو قال: أنا أطوف على قبر الحسين لله، نقول: لا تطف لله في هذا المكان، فهذا بدعة وحرام، وطف بالكعبة، فإذا قال: أنا أطوف للحسين، نقول له: هذا شرك، والعياذ بالله، إلا أن يوفقك الله للتوبة قبل الموت، نسأل الله السلامة والعافية.
والصواب أنه لا يعذر في ذلك، ولا يعذر إلا أهل الفترات، فالقرآن يتلى، والنصوص واضحة، وهذا هو الأمر الذي بعث الله به نبيه، فكونه صم عن سماع الحق، وأعرض عن النصوص ليس عذراً له، فالعذر إنما هو في حق أهل الفترات الذين ما بلغتهم الدعوة، وأما هذا فقد بلغته الدعوة، فالقرآن في كل مكان الآن يقرأ، والحمد لله.
стр. 43
حكم الصلاة إلى غير القبلة
السؤال
ما حكم من يصلي إلى جهة بيت المقدس؟
الجواب
إن كان جاهلاً لا يدري فإنا نقول له: ليست هذه القبلة، والله تعالى نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فإن بقي يتعبد لله بذلك مع العلم فهو مرتد؛ لأن صلاته تكون باطلة، ومن ترك الصلاة كفر على الصحيح، والنبي ﷺ يقول: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) أو يصلي للمشرق، أو غير جهة القبلة وهو يعلم ذلك معتقداً أنه يتعبد لله بذلك، فهذا غير مصلٍ، وهو تارك الصلاة، ومن ترك الصلاة كفر بنص حديث الرسول ﵊.
стр. 44
حكم الطواف بالقبور
السؤال
ما حكم الطواف حول القبور تقرباً إلى لله تعالى؟
الجواب
الطواف حول القبور لم يشرعه الله، لكن إذا طاف حول القبر تقرباً إلى الله قائلاً: أنا أتقرب إلى الله بذلك، ويظن أنه يتقرب إلى الله، فإنا نقول: هذا بدعة، فإن كان يتقرب للمقبور نفسه صار فعله شركاً، وصرفاً للعبادة لغير الله.
ومن أنواع الشرك أن بعض الناس إذا سقط من فوق البعير قال: يا محمد.
وبعض الناس إذا أراد أن يقوم أو أصابه شيء قال: يا رسول الله.
فهذا دعاء لغير الله والعياذ بالله، وكذلك قوله: يا رسول الله! أعني، يا محمد! أعني، فيستعين بغير الله، وهذا شرك، وقد قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] فلا يستعان إلا بالله.
ومن استعان بالميت أو بالغائب فقد أشرك، وبعض الناس إذا نزلت به مصيبة أو ضربه إنسان قال: يا رسول الله.
فبدل أن يقول: يا ألله، يقول: يا رسول الله.
فقد تعودوا على الشرك والعياذ بالله.
نعم الرسول له حق، والله له حق، وحق الله العبادة، وحق الرسول الطاعة والاتباع والعظيم، والرسول ﷺ يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله فقولوا: عبد الله ورسوله)، فلا ترفع الرسول من مقام العبودية والرسالة إلى مقام الإلهية، فهذا حق الله، فلا تقل: يا محمد، بل قل: يا ألله، أتنسى ربك؟! فلا تكن مثل البوصيري الذي ينادي الرسول ﷺ في قصيدته فيقول: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم يقول: ليس لي من ألوذ به يوم القيامة عند الحادث العمم الذي يعم الناس إلا أنت، ونسي ربه، ثم قال: إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم يقول: إن لم تأخذ بيدي -يا رسول الله- فإني هالك.
وقال يخاطب الرسول ﷺ : فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم وما أبقي لله شيئاً، وإذا كان الرسول له الدنيا والآخرة، فماذا بقي لله؟! فجعل الدنيا والآخرة من جود الرسول ﵊، وهذا غلو والعياذ بالله، فالله تعالى أحق بالعبادة، والرسول له حق الطاعة والتعظيم.
стр. 45
دروس في العقيدة [٣]
إن علم أصول الدين هو أهم ما يحتاج العبد إلى معرفته، والضرورة إليه فوق كل ضرورة، وبه يعلم توحيد الله في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، وقد ضل في توحيد الأسماء والصفات أناس انحرفوا عن منهج الرسول ﷺ واعتاضوا عنه بزبالات الأذهان، فنفوا عن الله تعالى أسماءه وصفاته التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله، حتى وصل ببعضهم الحال إلى القول بحلول الله في المخلوقات واتحاده بها.
стр. 46
أهمية علم أصول الدين
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن الإمام الطحاوي ﵀ افتتح رسالته بعلم أصول الدين بقوله: [نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله ولا إله غيره].
وإن علم أصول الدين الحاجة إليه فوق كل حاجة، والضرورة إليه فوق كل ضرورة، وحاجة الإنسان إلى معرفة علم أصول الدين أشد من حاجته إلى الطعام والشراب، بل أشد من حاجته إلى الهواء وإلى النفس الذي يتردد بين جنبيه؛ لأنه إذا فقد الطعام والشراب وفقد الهواء مات الجسم، والموت لا بد منه، ولا يضر الإنسان أن يموت إذا كان مستقيماً على دين الله، لكن إذا فقد علم أصول الدين مات قلبه، وماتت روحه، وصار إلى النار والعياذ بالله، فلذلك كانت الضرورة إلى معرفة علم أصول الدين، وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته واستحقاقه للعبادة، فالله تعالى عرف العباد بنفسه بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعرفهم عظيم حقه .
فالحاجة ماسة إلى معرفة علم أصول الدين أشد من الحاجة إلى الطعام والشراب، بل أشد من حاجتهم إلى النفس الذي يتردد بين جنبي الواحد منهم؛ لأن من فقد علم أصول الدين ولم يعرف ربه، ولا أسماءه ولا صفاته، ولا أفعاله، ولا عظيم حقه؛ صار من الهالكين، وصار من أهل النار، وصار من الأموات وإن كان حياً يمشي بين الناس، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]، ولهذا سمى الله ما أنزله على نبيه الكريم ﵊ من الوحي روحاً؛ لتوقف الحياة الحقيقية عليه، وسماه نوراً لتوقف الاستنارة والاستضاءة عليه، قال تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر:١٥]، وقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣]، فسمى الله الوحي الذي أنزله على نبيه روحاً؛ لأن الحياة الحقيقية تتوقف على الوحي، وسماه نوراً؛ لأن الاستضاءة تتوقف عليه، فالكفرة الذين يمشون على الأرض -وإن كانوا أحياءً بأجسادهم- أموات في الحقيقة، وقلوبهم ميتة؛ لأنهم فقدوا الحياة الحقيقية، وسبب ذلك أنهم أعرضوا عن الوحي الذي هو كتاب الله وأعرضوا عن سنة رسول الله، وتركوا النظر والاستدلال الموصل إلى معرفة الله، فلما أعرضوا ضلوا، قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٦].
والكلام على التوحيد وأنواع التوحيد كله داخل في هذا الأمر العظيم، وهو علم أصول الدين؛ لأن الله تعالى يعرفنا بنفسه بأسمائه وصفاته وأفعاله، وبعظيم حقه.
ثم عرفنا بالأمر الثاني: وهو الأوامر والنواهي وعلم الحلال والحرام وعلم الفروض الذي أتت به الشريعة، ثم بعد ذلك يعرفنا بما يكون لنا إذا أقبلنا عليه، وما يحصل للإنسان إذا وصل إلى الله في الدار الآخرة من شئون المعاد، من البعث والنشور والحساب والجزاء والجنة والنار، وما أعد الله للمؤمنين من الكرامة والنعيم، وما أعد الله للكافرين من العذاب السرمدي المهين، وهذا هو الذي جاءت به الرسل، وهذه هي أقسام العلم النافع، فالكلام في توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات هو نفسه الكلام في علم الأصول، العلم الناتج عن معرفة هذه الأنواع الثلاثة التي عرفت بالاستقراء والتتبع بعلم أصول الدين، وهو الأمر الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه.
стр. 47
أقسام التوحيد
والتوحيد -كما سبق- قسمه العلماء إلى تلك الأقسام أخذاً من النصوص، حيث تتبعوا النصوص فوجدوا أن التوحيد ينقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة: الأول: توحيد الربوبية: وهو أن توحد الله بأفعاله ، وأفعال الله: الخلق والرزق والإماتة والإحياء ونحو ذلك، فتوحد الله بها، وتعتقد أنه هو الخالق وهو الرازق وهو المدبر وهو المحيي وهو المميت وهو الرب.
الثاني: توحيد الله بأسمائه وصفاته، والمعنى: أنك تثبت أسماء الله وصفاته له، وتعتقد أن الله سمى نفسه بهذه الأسماء ووصف نفسه بهذه الصفات، وأنها حق وأن أسماءه حسنى وصفاته عليا.
والثالث: توحيد الألوهية والعبادة، وهو توحيد الله بأفعالك -أيها العبد- من الصلاة والصيام والزكاة والحج، وبر الوالدين، وصلة الرحم، والدعاء، والذبح، والنذر، والاستعاذة، والاستغاثة، والخوف والرجاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، والإحسان إلى الناس، وكف الأذى، وترك المحرمات طاعة لله وخوفاً وخشية وتعظيماً له، وغير ذلك، فهذا هو توحيد العبادة، أن توحد الله فتفعل الأوامر، وتترك النواهي طاعة لله وخوفاً ورجاء وتعظيماً له .
وهذه الأنواع الثلاثة -وهي أنواع التوحيد- متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض، ولا يتم الإيمان ولا يصح إلا بالإيمان بهذه الأنواع الثلاثة كلها، وهي متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض، فتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية.
ومعنى (يستلزم): يدل عليه ويوجبه ويقتضيه، فإذا وحد الإنسان ربه بأفعاله، واعتقد أنه هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت وجب عليه أن يعبده، كأن تعتقد -مثلاً- أنه هو الخالق، وهو الرازق، وهو المحيي، وهو المميت، وهو الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو الذي خلقك وأوجدك من العدم، وأسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة، فبذلك وجب عليك أن تعبده ولزمك أن تخصه بالعبادة، وأن تقدم محبته على محبة كل شيء، على محبة نفسك وأولادك وأهلك، ولكن ليس كل واحد يلتزم بما لزمه، فكل من أقر بتوحيد الربوبية واعترف بتوحيد الربوبية لزمه أن يوحد الله في عبادته وألوهيته.
وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، بمعنى أن من وحد الله وعبد الله ففي ضمن ذلك اعترافه بأنه هو الرب الخالق الرازق المدبر، ولولا اعتقاد أنه هو الخالق الرازق المدبر المحيي والمميت لما عبده وخصه بالعبادة، فلما عبده وخصه بالعبادة دل ذلك على أنه يعتقد أنه هو الرب الخالق الرازق المدبر الذي يملك النفع والضر.
وكذلك توحيد الأسماء والصفات مستلزم لتوحيد الألوهية، وهذه هي الدلالات الثلاث المعروفة عند أهل العلم بدلالة الالتزام، ودلالة التضمن، ودلالة المطابقة.
فدلالة الالتزام: دلالة الشيء على خارج معناه، كدلالة توحيد الربوبية على توحيد الألوهية، ودلالة الوالد على الولد، ودلالة التوبة على السعي.
أما دلالة التضمن فهي دلالة الشيء على جزء معناه، لا على جميع معناه، فتوحيد الربوبية جزء من توحيد الإلوهية.
ودلالة توحيد الألوهية على الألوهية تسمى دلالة مطابقة؛ لأن دلالة المطابقة دلالة الشيء على جميع معناه، فتوحيد الألوهية يدل على الألوهية بالمطابقة؛ لأنه دل على جميع معناه، ويدل على الربوبية بالتضمن، وقد سبق ذكر الطوائف التي أنكرت الربوبية وأنكرت الرب العظيم وأخلت بهذا النوع العظيم من أنواع التوحيد مع أنه أمر فطري فطر الله عليه جميع الخلق.
стр. 48
المخالفون في توحيد الأسماء والصفات
وأما توحيد الأسماء والصفات فقد أخل به طوائف وخالفه طوائف، مثل طوائف المعطلة الذين عطلوا الرب من أسمائه وصفاته، فالتعطيل من العطل، وهو: الخلو والفراغ، فالدار إذا عطلت عن ساكن تسمى عاطلة، والبئر إذا هجرت ولم ينزح منها ماء تسمى بئراً معطلة، كقوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج:٤٥].
والإبل إذا خلت عن راعيها يقال: عطلت الإبل عن راعيها، ويقال للمرأة: عطل: إذا لم يكن عليها حلي، فمادة العين والطاء واللام تدور على الخلو والفراغ، ويقال لمن عطل العالم عن صانع أوجده وأتقنه: معطل، وهؤلاء المعطلة عطلوا الرب من أسمائه وصفاته، وهم ثلاث فرق: فرقة الجهمية، وفرقة المعتزلة، وفرقة الأشاعرة.
وهم متفاوتون في التعطيل، والكلام طويل في هؤلاء المعطلة؛ لأن الناس ابتلوا بهم، وهؤلاء المعطلة موجودون الآن في هذا الزمن وفي أزمنة سابقة، وكتبهم موجودة، ومؤلفاتهم موجودة، وشبههم موجودة ومنتشرة، فلا بد لطالب العلم من أن يعرف هذه الفرق ويعرف شبههم، ويعرف ما هم عليه من الباطل؛ حتى يحذره ولا يقع فيه.
وكان السلف الصالح في عافية من هذه الشبه والكلام في شبه هؤلاء، فلم يكن بهم حاجة إلى أن يتكلموا في هذا البحث، ولكن لما وجد هؤلاء المعطلة وانتشروا بين الناس، وانتشرت مؤلفاتهم، وانتشرت شبههم، وانطلت شبههم على بعض أهل السنة وتأثر بها بعض الناس صار لزاماً على أهل الحق وأهل السنة أن يكشفوا الباطل، وأن يردوه؛ إحقاقاً للحق وإبطالاً للباطل.
стр. 49
الجهمية
والجهمية هم الذين ينتسبون إلى جهم بن صفوان، وهذا الرجل ظهر في أوائل المائة الثانية، ونسب إليه تعطيل الصفات؛ لأنه هو الذي نشر عقيدة نفي الصفات بين الناس وأظهرها، وقد سبقه رجل آخر أسس عقيدة نفي الصفات، وهو الجعد بن درهم الذي قتله خالد بن عبد الله القسري أمير العراق.
وتعطيل الجعد بن درهم كان في كلمتين فقط: الكلمة الأولى: نفيه أن يكون الله اتخذ إبراهيم خليلاً، والكلمة الثانية: نفيه أن يكون الله كلم موسى تكليماً، فقتله خالد بن عبد الله القسري أمير العراق، بفتوى من علماء زمانه وأكثرهم من التابعين ﵏.
ولكن الجهم سبق له أن اتصل به وأخذ عنه، وكان الجهم قد حصل له مناظرة مع طائفة من أهل الهند في ذلك الزمان يقال لهم: السمنية، فناظروه وهم لا يؤمنون إلا بالحسيات، فقالوا: إلهك هذا الذي تعبد هل تراه؟! قال: لا، قالوا: هل سمعته؟! قال: لا، قالوا: هل شممته؟! قال: لا، قالوا: هل ذقته؟! قال: لا، قالوا: هل لمسته؟ قال: لا، قالوا: إذاً هو معدوم، فشك في ربه ومكث أربعين يوماً لا يصلي ولا يعرف أن له رباً، ثم وسوس الشيطان في ذهنه أن الله موجود وجوداً مطلقاً، فأثبت وجوداً لله مطلقاً، ونفى عنه جميع الأسماء والصفات، والوجود المطلق إذا قيل فمعناه أنه مطلق عن جميع الأسماء والصفات، وهذا معناه لا يكون إلا في الذهن فقط، فهو وجود يفرضه الذهن ويتخيله، ولا وجود له في الخارج، نسأل الله السلامة والعافية.
وكان هذا الرجل قد اتصل بـ الجعد كما سبق، والجعد أخذ عن أبان بن سمعان، وأبان بن سمعان أخذ عن طالوت ابن أخت لبيد، وطالوت أخذ عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي ﷺ ، وكان -أيضاً- قد نشأ في أرض حران، وفي ذلك الوقت انتشر فيها الصابئة والمشركون والوثنيون، فصارت عقيدة نفي الصفات متصلة باليهود والمشركين وعباد الكواكب والنصارى والوثنيين.
والجهم بن صفوان قتله سلم بن أحوز أمير خراسان في عهد آخر خلفاء بني أمية، لكن هذه العقيدة انتشرت فسميت بعقيدة الجهمية، نسبة إلى هذا الرجل؛ لأن هذا الرجل هو الذي ابتدع هذه العقيدة وهي عقيدة نفي الصفات، فإذا قيل: عقيدة الجهمية فالمراد بها: نفي الصفات والأسماء، والجهم هو الذي تمنى أن يحك من المصحف آية الاستواء: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] وكان له زوجة معطلة مثله، يقال: إن زوجته دخلت إلى سوق الدباغين فسمعت قارئاً يقرأ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] فقالت: محدود على محدود، وقصدها من ذلك إنكار الاستواء، أي: أن الله لا يحده شيء، وهذا إنكار لكون الله فوق السموات وعلى العرش، فمذهب الجهمية هو تعطيل الله عن أسمائه وصفاته.
стр. 50
ذكر شبه الجهمية في التعطيل
يقول الجهمية: لو قلنا إن الله متصف بالأسماء والصفات للزم من ذلك تعدد القدماء، فيكون القدماء متعددين، وهم يقولون: إن القديم واحد لا يتعدد، فالموجودات قسمان: القسم الأول: قديم، وهو الله الواحد لا شريك له.
والقسم الثاني: المخلوقات، وهي حادثة.
يقول الجهمية: فإذا أثبتنا لله العلم، والسمع، والقدرة، والعزة، والعظمة، والكبرياء صارت هذه أموراً متعددة، وصار القدماء متعددين، والله قديم واحد لا يتعدد، فقالوا بنفي الأسماء والصفات؛ حتى لا يتعدد القديم بزعمهم.
وكذلك قالوا: لو قلنا: إن الله له أسماء وصفات لشابه المخلوق، ولكان جسماً، فالله ليس بجسم ولا يشابه المخلوق، فلأجل الفرار من ذلك نفوا جميع الأسماء والصفات.
والحق أن الشيء الذي تُنفى عنه الأسماء والصفات لا وجود له في الخارج، وإنما يكون وجوده في الذهن، والذهن يتخيل المحال ويفرضه، فهاتوا شيئاً موجوداً في الخارج ليس له اسم ولا صفة! وهذا معروف عند العقلاء جميعاً.
وبذلك يكون مذهب الجهمية القول بأن الله لا وجود له في الخارج، وإنما وجوده في الذهن، ولهذا فإن مذهب الجهمية أفضى بقوم إلى القول بالحلول، وأفضى بقوم آخرين إلى القول بالاتحاد.
فأوصل قوماً إلى القول بأن الله حال في كل شيء، والذي فتح لهم باب هذا الشر هم الجهمية، ووجه ذلك أنهم لما نفوا الصفات والأسماء وبالغوا في نفيها تنزيهاً لله بزعمهم، وتعظيماً لمن أظهر الولاية لله، قالوا: إن من تمام تعظيم الله أن نقول بحلوله في فلان الصالح أو في الرجل الصالح، فقالوا بحلول الله في الصالحين فقط؛ لأن من تمام تعظيم الله أن نقول بحلوله في فلان الصالح؛ لأنهم عظموا الله بزعمهم ونزهوه وعظموا من أظهر الولاية له، فقالوا: إن الله حل فيه، ثم تدرج بهم الحال فقالوا: إن من تمام تعظيم الله أن نقول بحلوله في كل شيء وفي كل مكان حتى لا نجعله في شيء معين، فبذلك وصلوا إلى القول بأن الله حال في كل مكان، نسأل السلامة من الجهمية.
فليس هناك شيء إلا وهم يقولون: إن الله حل فيه، وهذا هو ربهم ومعبودهم الذي تخيلوه والعياذ بالله، وأما رب العالمين فهو فوق ما يظنون، وفوق ما يتصورون ويتوهمون، ومعبود الجهمية في كل مكان، والعياذ بالله، فهو في الحشوش والأبنية والأماكن القذرة، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
كما أن مذهب الجهمية -وهو القول بتعطيل الله من أسمائه وصفاته- أوصل قوماً آخرين إلى القول بالاتحاد، والقول بوحدة الوجود.
ووجه ذلك أن الذي حملهم على نفي الأسماء والصفات بزعمهم هو تنزيه الله حتى لا يشابه المخلوق، وحتى يكون هو الواحد فليس له شريك، فبالغوا في هذا التنزيه طلباً لمرضاة الله، فقالوا: إن من تمام تعظيم الله أن ننسى أنفسنا، فنسوا أنفسهم، وتناسوا كل شيء يرونه في هذا الوجود، فلما تناسوا ذلك صاروا يرون أنهم لا يرون في هذا الوجود شيئاً إلا الله، فقالوا: ننسى كل شيء، ومن تعظيم الله ومحبته أن ننظر إليه فقط، وأن نتناسى كل شيء، حتى لا تشوش علينا هذه الأشياء في سيرنا إلى الله وطريقنا إليه، فالسماوات والأرضون والشمس والقمر والآدميون يشوشون علينا، فنحن ننساها من الشهود لا من الوجود، وتناساها حتى لا تشوش علينا العبادة، فلا ننظر إلا إلى الله، ثم وصل بهم الحال إلى أن أنكروا وجودها، فقالوا: لا يوجد في هذا الكون إلا الله، فاتحد وجود الموجودات عندهم، فقالوا: إن كل شيء تراه هو الله والعياذ بالله، وهكذا فعلت الصوفية، فغلاة الصوفية وصلوا إلى القول بوحدة الوجود، وذلك أنهم قالوا: إن من تمام تعظيم الله وتنزيهه ألا نشاهد إلا الله، فالمغالي من الصوفية يقول: أنا أتناسى كل شيء، أتناسى السماوات والأرضين، ويقول: أنا لا أنكرها، لكن لا أشاهدها حتى لا تشوش علي، فلا أستطيع أن أنظر إلى هذه المخلوقات المتعددة فتشوش علي سيري إلى الله، فأنا ألغيها من الشهود وكأنها ليست موجودة، وألغي نفسي -أيضاً- حتى لا تشوش علي عبادتي مع الله، فأنكروها في الشهود، ثم وصل بهم الحال إلى أن أنكروها في الوجود، وقالوا: ليست موجودة، بل كل شيء تراه هو الله، وكل شيء تراه هو مظهر لتجلي الله، فالسماوات والأرضون والآدميون هي الله، وهي أسماء وصفات لله، وهي مظاهر لتجلي الله، فأنت الرب وأنت العبد، فاتحد وجود الموجودات عند الاتحادية والعياذ بالله، والذي فتح لهم هذا الباب وهذا الشر هم الجهمية.
стр. 51
الفرق بين الحلولية والاتحاد
الحلولية والاتحادية كلهم كفار والعياذ بالله، وهم من أكفر خلق الله، فالحلولية هم الذين يقولون: إن الله حل في كل مكان، كالماء حل في الكوز، فهم يقولون بوجودين اثنين، لكن أحدهما حل في الآخر، وبناء على ذلك كان من فروع مذهبهم أن عباد الأصنام على الحق والصواب، وأنهم إنما عبدوا الله، فإذا عبدوا الصنم فقد عبدوا الله؛ لأن الله حل في الصنم حسب زعمهم، فكل من عبد شيئاً فهو مصيب، وكذلك فرعون مصيب حينما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]؛ لأن الله حل فيه.
وأما الاتحادية فلا يقولون: إن هناك موجودين حل أحدهما في الآخر، بل يقولون: إن الموجودات كلها شيء واحد، فالرب عين العبد، والعبد عين الرب، فالحق المنزه هو عين الحق المشبه، فهو عين الآكل وعين المأكول، وعين الذابح وعين المذبوح، فليس هناك شيئان، فهو آية كل شيء وله في كل شيء آية، وهو نفس الدليل ونفس المستدل عليه، ونفس الآكل ونفس المأكول ونفس الذابح، ونفس المذبوح، فمن قال عنهم: إنهم حلولية يقولون له: أنت محجوب عن معرفة باطن المذهب وحقيقة المذهب، فالقول بالحلول تثنية ونحن لا نقول بالتثنية، وزعيم الاتحادية ورئيسهم هو ابن عربي الطائي رئيس وحدة الوجود، ومن أقواله: الرب عبد والعبد رب يا ليت شعري من المكلف فما دام أن الرب هو العبد والعبد هو الرب، فمن هو المكلف بالعبادة؟! يقول: إن قلت عبد فذاك ميت وإن قلت رب أنى يكلف وفي رواية: (إن قلت عبد فذاك نفي).
أي: منفي لا وجود له، وإن قلت: رب أنى يكلف، إذاً: لا يوجد تكليف.
ويقول ابن عربي أيضاً: من أسماء الله الحسنى العلي، ثم يقول: علي على من وما ثم إلا هو؟! وعن ماذا وما هو إلا هو؟! ويقول: سر حيث شئت فإن الله ثم وقل ما شئت فيه فالواسع الله.
يقول: (سر حيث شئت فالله ثم).
أي: كل شيء تراه هو الله، و (ثم) أي: هناك، (وقل ما شئت فيه فالواسع الله).
وبعض الناس قد يستغرب من مثل هذا الكلام، وهذا الكلام موجود الآن مؤلف ومدون، والاتحادية الآن يسمون العارفين بالله والمحققين، ويسمى ابن عربي أكبر العارفين، ومؤلفاته موجودة ومنتشرة في البلدان العربية وغيرها، وتطبع بطبعات واضحة، وأوراق فخمة، ويعتنى بها وتحقق، ويذكر عنهم أنهم بلغوا الغاية في المعرفة، فلا تظن أن هذا الكلام بعيد عنا، فلا بد لطالب العلم من أن يكون على بصيرة، فقد كان حذيفة ﵁ يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني.
وهذا ثابت في صحيح البخاري، فهذا شر بليت به الأمة، وهو أعظم أنواع الكفر.
стр. 52
معتقدات ابن عربي
إن ابن عربي يدعي لنفسه أنه أفضل من الأنبياء، حيث تدرج به الحال حتى قال: إن النبوة ختمت بمحمد ﵊، ولكنه ليس خاتم الأولياء، وادعى أنه خاتم الأولياء، فقال: إن خاتم الأنبياء محمد وخاتم الأولياء ابن عربي، ولكن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء؛ لأن النبي إنما يأخذ وحيه بواسطة الملك جبريل، أما خاتم الأولياء فلا يحتاج إلى واسطة؛ لأنه يأخذه من الله مباشرة، ويقول: إن خاتم الأولياء تابع لخاتم الأنبياء في الظاهر، وخاتم الأنبياء تابع لخاتم الأولياء في الباطن.
وابن عربي هذا يعارض حديث النبي ﷺ الذي يقول فيه: (مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى بيتاً فأكمله وأحسنه إلا موضع لبنة، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون ويقولون: لولا تلك اللبنة! فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين).
يقول ابن عربي في كتابه (فصوص الحكم) وكتاب (الفتوحات المكية)، وكتاب (الهو): إن خاتم الأنبياء رأى هذه الرؤيا، رأى هذا البيت ورأى موضع لبنة، ورأى نفسه تنطبع في هذه اللبنة التي يتم بها الحائط، ولا بد لخاتم الأولياء أن يرى مثل هذه الرؤيا.
ويرى أن الحائط مكون من لبنتين: لبنة ذهب، ولبنة فضة، ويرى نفسه تنطبع مكان لبنة الذهب، وخاتم الأنبياء تنطبع نفسه مكان لبنة الفضة، فيجعل نفسه لبنة الذهب والرسول ﷺ لبنة الفضة.
ويقول: إن خاتم الأولياء يأخذ عن الله في السر، وفي الظاهر تابع لخاتم الأنبياء.
لأنهم منافقون زنادقة لا يظهرون الكفر كما سيأتي في حكمهم، فهم يتظاهرون بالإسلام حتى لا تقطع رقابهم، فيدعي أنه تابع في الظاهر للنبي ﷺ ، وقد يصلي مع الناس، كما كان عبد الله بن أبي رئيس المنافقين يصلي، ويؤدي الشعائر الظاهرة، لكنه في الباطن يعتقد هذه العقيدة الخبيثة، ويقول ابن عربي: فإن فهمت ذلك فقد حصل لك العلم النافع.
والعلم النافع الذي يريده هو حقيقة قول فرعون، وهو أن هذا الوجود المشهود هو عين وجود لله، فليس هناك رب وعبد، بل الرب هو العبد والعبد هو الرب، لكن فرعون أعرف بالله في الباطن من أصحاب وحدة الوجود، قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤] فهو معترف بوجود الله، ولكنه أنكر وجود الله في الظاهر، وتجاهله هذا تجاهل العارف، وأما ابن عربي فإنه يقول: إن الوجود واحد.
стр. 53
حكم الاتحادية والحلولية في الشرع
الاتحادية والحلولية منافقون زنادقة، من مات منهم على حاله فهو في الدرك الأسفل من النار؛ لأن الحلولية جعلوا الله حالاً في كل شيء، تعالى الله عما يقولون، وكفر كل كافر جزء من كفر الاتحادية.
وإذا كان الحلولي الذي يقول: إن معبوده حل في البطون وفي أجواف الطيور وفي بطون السباع وفي الأخلية والحشوش، فإن من هؤلاء من قال: إنه نفس البطون، ونفس الأجواف، ونفس الأخلية، تعالى الله عما يقولون.
وإذا كان المشبهة الذين شبهوا الله بخلقه كفاراً؛ فالذي يقول: هو نفس المخلوق أعظم كفراً، ولهذا لما قيل لبعضهم: أين كفر المشبهة وكفر النصيرية وكفر الحلولية؟ قال كفر الاتحادية أعظم كفراً من هؤلاء، ولما قيل لبعضهم: أنت نصيري؟ قال: نصير جزء مني.
إذاً: الاتحادية والحلولية منافقون زنادقة، ومن أعظمهم كفراً من ضرب لنفسه المثل بلبنة الذهب وللرسول ﷺ المثل بلبنة الفضة، وكفر هؤلاء فوق كفر الذين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٢٤] فهؤلاء الذين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٢٤] طلبوا أن يكونوا مثل الرسول فكفرهم الله، فكيف بمن قال: إنه أعلى من الرسل وأفضل؟! وبذلك يكون كفره أعظم، ويكفيك دليلاً على كفر الاتحادية أن من أقوالهم: إن فرعون مات مؤمناً بريئاً من الذنوب خلياً من الذنوب، ومات موحداً، وهو من أعظم العارفين، ويقولون: إنه مصيب حينما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، ويقولون: إنه على حق؛ لأن الوجود واحد، فهو صاحبهم وأخوهم، كما ذكر العلامة ابن القيم ﵀ في القصيدة النونية أنهم يقولون: إن فرعون أغرقه الله تطهيراً له من الحسبان، أي: حينما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، فهو مخطئ؛ لأنه يظن أنه هو الرب الأعلى، فأغرق تطهيراً له من هذا الحسبان ومن هذا الوهم، فلما أغرق تطهر، أي: صار بريئاً خلياً من الكفر.
فيقولون: هو مخطئ حينما قال: أنا ربكم الأعلى؛ لأن كل شيء تراه هو الرب، والكفر عند الاتحادية يكون بالتخصيص، فمن قال: لا تعبد إلا هذا الشيء فهذا كافر عند الاتحادية، بل كل شيء عند الاتحادية يعبد، فمن عبد الأصنام، ومن عبد الأوثان، ومن عبد النار، ومن عبد الصلبان، كلهم على حق، والكفر إنما هو بالتخصيص، فالذي يخصص هو الكافر، ولما خصص فرعون نفسه بالألوهية أغرق تطهيراً له من هذا الحسبان وهذا الوهم، فلما أغرق تطهر وصار بريئاً خلياً من الذنوب، هكذا يقول: ابن عربي والاتحادية، والعياذ بالله.
وعلى هذا فيكون مذهب الاتحادية أنه ليس هناك خالق ومخلوق، ولا رب ولا عبد، ولا شريعة، ولا حلال ولا حرام، ولا أمر ولا نهي، ولا كفر ولا إيمان، إلا الذي يخصص الشيء، فهو الكافر عندهم، والذي يترك الناس على حالهم، كل يعبد ما يشاء هو الموحد، فالذي يعبد الصنم على حق، والذي يعبد الله على حق، والذي يتدين باليهودية على حق، والذي يتدين بالنصرانية على حق، والذي يتدين بالوثنية على حق، لأن الوجود واحد، نسأل الله السلامة والعافية.
فهؤلاء كفار ملاحدة زنادقة، تجري عليهم أحكام المسلمين في الدنيا؛ لأنهم يخفون الكفر، وهو في مؤلفاتهم وفيما بينهم، وعلى مر العصور إذا وجدت الدولة الإسلامية التي تقيم الحدود فإنهم يخفونه حتى لا تقطع رقابهم، فهؤلاء الاتحادية تعاملهم الدولة الإسلامية معاملة المسلمين، كما كان النبي ﷺ يعامل المنافقين في زمنه معاملة المسلمين، فيغسلون ويصلى عليهم، ويدفنون في مقابر المسلمين ويورثون، إلا من أظهر كفراً أو أظهر شيئاً من كفره فإنه يعامل معاملة المرتد ويقتل، وعبد الله بن أبي هو رئيس المنافقين في زمن النبي ﷺ ، ولما مات -كما ثبت في صحيح البخاري - ودلي في حفرته جاءه النبي ﷺ وأمر به فأخرج من حفرته ونفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه، وصلى عليه، فلما أراد النبي ﷺ أن يصلي عليه جذب عمر ثوب النبي ﷺ ، وقال: يا رسول الله! تصلي عليه وقد قال كذا وكذا؟! فقال النبي ﷺ : (أخر عني يا عمر، فإني قد خيرت، فقيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠]، ولو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت) فصلى عليه؛ لأن النبي ﷺ لم يكن قد جاءه النهي عن هذا في أول الأمر، والنبي ﷺ إنما ألبسه قميصه مكافأة له؛ لأن عبد الله بن أبي أعطى قميصه للعباس عم النبي ﷺ ، فقد كان عبد الله بن أبي طويلاً وكان العباس طويلاً، ولم يجد العباس ثوباً يناسبه إلا ثوب عبد الله بن أبي، فأعطاه مكافأة له، ورجاء أن ينفعه الله بذلك؛ لأنه لم ينه، وكان في ذلك مراعاة للأنصار؛ فإن أصله من الأوس من الأنصار، ومراعاة لابنه عبد الله بن عبد الله، فقد كان من أصلح المؤمنين، ولما قال عبد الله بن أبي مقالته الخبيثة، كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨] وقف له ابنه عبد الله وقال: والله لا تدخل المدينة حتى تكون أنت الأذل ورسول الله ﷺ هو الأعز، وجاء إلى النبي ﷺ وقال ما معناه: سمعتك تريد قتل أبي، فإن كنت تريد ذلك فمرني آتيك برأسه، فلا أحب أن أرى قاتل أبي، وبعدما صلى عليه النبي ﷺ نزلت الآية بالنهي عن الصلاة على المنافقين، فقال تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤]، فلم يصل النبي ﷺ بعد ذلك على أحد من المنافقين، وهذا ثابت عند البخاري في كتاب الجنائز وفي غيره.
إذاً: الاتحادية زنادقة منافقون، والمنافقون تجري عليهم أحكام الإسلام في الدنيا إذا لم يظهر منهم ما يدل على كفرهم، فإن ظهر منهم ما يدل على كفرهم فإنهم يعاملون معاملة المرتدين ويقتلون، ومن ذلك القصة التي ساقها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتابه (التوحيد)، وساقها ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء:٦٠] وحاصلها أن رجلاً من اليهود ورجلاً من المنافقين اختصما في شيء، فقال: اليهودي نتحاكم إلى محمد.
لعلمه أنه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى كعب بن الأشرف.
لعلمه أنه يأخذ الرشوة، ثم بدا لهما أن يتحاكما إلى عمر، فتحاكما إليه وأخبراه بالخبر، فسأل عمر المنافق: أحق ما يقول صاحبك أنك لم ترض بحكم الرسول ﷺ ؟! قال: نعم.
فدخل عمر بيته واحتمل سيفه فضرب عنق المنافق؛ لأنه أظهر نفاقه، فإن صحت هذه القصة ففيها دليل على أن المنافق إذا أظهر نفاقه قتل، ولكن هذا يكون من قبل ولاة الأمور بعد أن يقام عليه الحكم الشرعي.
والمقصود أن الاتحادية والحلولية حكمهم في الدنيا حكم المنافقين الزنادقة؛ لأنهم يبطنون الكفر العظيم ويظهرون الإسلام، لكن من أظهر منهم نفاقه فإنه يقتل، أما في الآخرة فالاتحادي في الدرك الأسفل من النار إذا مات على ذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء:١٤٥]، وهل تقبل توبته أو لا تقبل؟ إذا أخذ قبل التوبة فإنه لا تقبل توبته، بل يقتل، وأما إذا أخذ بعدما أظهر التوبة، ففيه خلاف بين أهل العلم على قولين: القول الأول: أنه لا تقبل توبته؛ لأن هذا كفر عظيم، بل لا بد من قتله ولو ادعى التوبة، فالمنافق ومن سب الله أو سب الرسول ﵊، أو استهزأ بالله أو بكتابه ورسله، وكذلك الساحر لا تقبل توبته، بمعنى أنه لا بد من أن ينفذ فيهم حكم القتل، قرر هذا شيخ الإسلام ﵀ في الصارم المسلول على شاتم الرسول ﵊، وهذا هو الصواب.
وأما في الآخرة فأمرهم إلى الله، فمن صدق في توبته فالله يقبل توبة الصادقين، وإن كان كاذباً فله حكم الكاذبين، لكن في الدنيا يعاملون معاملة المرتدين ولا تقبل توبتهم، بل يقتلون حتى لا يتجرأ الناس على مثل هذا الكفر العظيم الوخيم.
فالاتحادية -والعياذ بالله- يقولون: إن الله هو الوجود المطلق، اكتسته الماهيات فهو عينها، والماهيات، هي الذوات، اكتسته فهو عينها، ولا تزال المحدثات تكتسيه وتلبسه وتخلعه، فالموجود المطلق معناه أنه موجود في كل شيء، تلبسه المحدثات، فالنبات يلبسه، والماء يلبسه، وهكذا، ويلبسه هذا ويخلعه، هذا هو الوجود المطلق، نسأل الله السلامة والعافية.
وهذا هو مذهب المعطلة والجهمية الغلاة، وهكذا وصل بهم الحال، وهذا سببه الإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والاعتماد على العقول وزبالة الأذهان، وضعف الأفكار، والاعتماد على مناهج أهل الفلسفة وأدلة أهل المنطق، والعياذ بالله.
стр. 54
استدلال الجهمية على التعطيل والرد عليهم
وأصل شبهة المعطلة والجهمية في نفي الصفات أنهم قالوا: لو أثبتنا الأسماء والصفات لله لشبهنا الله بالموجودات، والموجودات لها أسماء وصفات، وكذلك المخلوقات، فهذا ابن آدم عالم، فالذي يقول: إن الله يعلم فقد شبهه بالمخلوق، وإذا وصفنا الله بالقدرة، وصفنا المخلوق بالقدرة فقد شبهناه، ففروا من التشبيه والتجسيم فقالوا: ننفي الأسماء والصفات حتى لا نشبه الله بخلقه.
وقد ناقشهم أهل العلم -كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره- فقالوا: يلزمكم شر مما فررتم منه أنتم، فلماذا نفيتم الأسماء والصفات؟ فقالوا: نفيناها حتى لا نشبه الله بالمخلوقات.
فقيل لهم: إذا نفيتم الأسماء والصفات عن الله فقد شبهتم الله بالمعدومات، فالمعدومات هي التي ليس لها أسماء ولا صفات، والتشبيه بالمعدومات أقبح من التشبيه بالموجودات.
أرأيت كيف فروا من شيء فوقعوا في شر مما فروا منه! فقال غلاتهم: نحن ننفي النفي وننفي الإثبات، ننفي النفي حتى لا يلزمنا التشبيه بالمعدومات، وننفي الإثبات حتى لا يلزمنا التشبيه بالموجودات، ونقول: لا هو موجود ولا ليس بموجود، ولا عالم ولا ليس بعالم، ولا حي ولا ليس بحي، ولا قدير ولا ليس بقدير، فننفي النفي وننفي الإثبات، فقال لهم العلماء: إذا نفيتم النفي والإثبات وقعتم في التشبيه بالممتنعات، والتشبيه بالممتنع أقبح من التشبيه بالمعدوم، والممتنع هو المستحيل؛ لأن الذي ينفى عنه النفي والإثبات مستحيل ممتنع، فإنه يمتنع أن ينفى عن الشيء الوجود والعدم، فلا يقال: لا موجود ولا معدوم، فيمتنع نفي الوجود ونفي العدم؛ لأن نفي الوجود والعدم يلزم منه رفع النقيضين ونفي النقيضين، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان عند جميع العقلاء، فإذا نفيتم النفي ونفيتم الإثبات وقعتم في التشبيه بالممتنع والمستحيل، ووقعتم في التشبيه بما اجتمع في النقيضان من الممتنعات، والنقيضان لا يرتفعان ولا يجتمعان.
والنقيضان هما اللذان لا يمكن اجتماعهما ولا ارتفاعهما، مثل الوجود والعدم، فلا يمكن أن تقول: هناك شيء موجود لا موجود ولا معدوم، بل إما موجود وإما معدوم، فإذا ثبت الوجود انتفى العدم، وإذا ثبت العدم انتفى الوجود، فلا يجتمع النقيضان ولا يرتفعان، وهذا معروف عند جميع العقلاء.
وأما الضدان فلا يجتمعان، وقد يرتفعان، فهناك فرق بين النقيضين وبين الضدين، فالضدان لا يجتمعان لكن قد يرتفعان، مثل: السواد والبياض، فهما ضدان، لكن قد يرتفعان، فيكون الشيء لا أسود ولا أبيض، بل قد يكون أحمر أو أخضر أو أزرق، فهما يرتفعان، بخلاف النقيضين، فلا يجتمعان ولا يرتفعان.
والمثلان: الشيئان المتماثلان، والخلافان: المتخالفان، مثل: العلم والحركة، هذا خلاف هذا.
فقال غلاة الجهمية: لا يلزمنا التشبيه بما اجتمع في النقيضين من الممتنعات إلا إذا نفينا الصفات عن محل قابل لهما، وهذه الصفات، تتقابل تقابل العدم والملكة، ولا تقابل السلب والإيجاب، فيقولون: لا يلزمنا التشبيه بما اجتمع في النقيضين من الممتنعات إلا إذا نفيناه عن محل قابل لهما، والله ليس قابلاً للصفات، فإن الجدار لا يقال له: أعمى ولا بصير ولا حي ولا ميت؛ لأنه ليس قابلاً لهما، فكما أن الجدار لا يوصف بالعمى والبصر والحياة والموت فكذلك الله لا يوصف بالصفات؛ لأن الله ليس قابلاً للصفات من الأساس، فلا يلزمنا التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات إلا إذا نفيناه عن محل قابل لهما، فهذه الصفات تتقابل تقابل العدم والملكة، وتقابل وجود الصفات ونفي الصفات، لا تقابل السلب والإيجاب، فنحن نقول: إن الرب ليس قابلاً للصفات حتى يلزمنا هذا، كما أن الجدار لا يوصف بالعمى والبصر والحياة والموت، فكذلك الله لا يوصف.
فقال أهل الحق نجيبكم عن هذه الشبه بأجوبة: الجواب الأول: أننا لا نسلم بعدم المقابلة في الوجود والعدم، بل الوجود والعدم متقابلان تقابل السلب والإيجاب باتفاق العقلاء، فلا يمكن أن ينفى الوجود والعدم عن شيء، فكل شيء لا ينفى عنه وجود، بل كل شيء موجود، ولا ينفى عنه وجود العدم، فإذا نفيت الوجود ثبت العدم، وإذا نفيت العدم ثبت الوجود، وإذا أثبت الوجود انتفى العدم، وإذا أثبت العدم انتفى الوجود، فهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب باتفاق العقلاء.
والجواب الثاني: أننا نقول: إن قولكم -أيها الجهمية الغلاة-: إن الله لا يوصف بالصفات، كما أن الجدار لا يوصف بالعلم والجهل والحياة والموت، هو اصطلاح اصطلحتم عليه، والاصطلاح لا يكون دليلاً على نفي الحقائق العلمية، فهو اصطلاح باطل وفاسد ينافي الحقائق العلمية، والاصطلاح لا يبطل الحقائق العلمية، فإن الله تعالى سمى الجماد ميتاً ونفى عنه الحياة وهو جماد، قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل:٢٠ - ٢١]، فالأصنام سماها أمواتاً ونفى عنها الحياة، فهي توصف بالحياة وتوصف بالموت وهي جماد، فقولكم: إن الجدار لا يقال له: حي ولا ميت باطل، وهذا اصطلاح تبطله الحقائق العلمية، والاصطلاح الفاسد لا يكون دليلاً على نفي الحقائق العلمية، فقولكم: إن الله ليس قابلاً للصفات كما أن الجدار ليس قابلاً للحياة والموت باطل، فنقول: إن الله ليس قابلاً للعلم والجهل حتى نقول: عالم وجاهل، وليس قابلاً للحياة والموت، فهذا اصطلاح فاسد تبطله الحقائق العلمية، والاصطلاح الفاسد لا يقضي على الحقائق العلمية، بل الحقائق العلمية هي التي تقضي على الاصطلاح الفاسد.
ويقال لكم أيضاً جواب ثالث، وهو أن الجمادات التي ينفى عنها العمى والبصر، وينفى عنها العلم والجهل أنقص من الحيوانات التي تقبل ذلك، فالأعمى الذي يقبل الاتصاف بالبصر أكمل من الجدار الذي لا يقبل الاتصاف بالعمى والبصر، والجاهل الذي يقبل الاتصاف بالعلم أكمل من الجدار الذي لا يقبل الاتصاف بالعلم والجهل، فأنتم فررتم من تشبيه الله بالحيوانات الناقصة التي تقبل صفات الكمال إلى تشبيهه بالجمادات التي لا تقبل واحدة منها، فالتشبيه بالحيوان الذي يقبل الصفة من صفات الكمال أكمل من التشبيه بالجماد الذي لا يقبل واحدة منها، ففررتم من تشبيهه بالحيوانات التي تقبل صفات الكمال إلى تشبيهه بالجمادات التي لا تقبل شيئاً من صفات الكمال.
وهناك جواب رابع يقال لكم: وهو أنكم نفيتم عن الله قبول الوجود والعدم، وهذا النفي أعظم امتناعاً من نفي الوجود والعدم، فما نفيت عنه قبول الوجود والعدم أعظم مما نفيت عنه الوجود والعدم، فهما ممتنعان مستحيلان أحدهما أشد استحالة من الآخر، فإذا قيل: هذا الشيء لا موجود ولا معدوم كان هذا مستحيلاً، فيستحيل أن يكون الشيء موجوداً وتنفي عنه الوجود والعدم، فتقول: هذا الشيء لا موجود ولا معدوم، ولكن هناك مستحيل أعظم منه، وهو الذي تنفي عنه قبول الوجود والعدم، فإذا قلت: هذا شيء لا موجود ولا معدوم فهذا مستحيل، وإذا قلت: هذا شيء لا يقبل الوجود والعدم فهذا أعلى درجات الاستحالة، وهم قالوا: إن الله لا يقبل الوجود والعدم، فشبهوه بالمستحيل الأعظم، فنفوا عن الله قبول الوجود والعدم الذي هو أعظم امتناعاً من نفي الوجود والعدم، فجعلوا وجود الله الواجب الذي وجوده أكمل من وجود كل موجود غاية الممتنعات وغاية المستحيلات، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
والله وجوده أظهر من كل موجود، وكل موجود لا بد من أن يرى، وليس هناك موجود لا يرى، وكلما كمل وجود الشيء كان أحق بأن يرى من غيره، والله تعالى أكمل وجوداً، ووجوده أكمل من وجود كل موجود، فهو الحي القيوم، قال سبحانه: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] أي: القائم بنفسه المقيم لغيره ، ولكن امتنعت وانتفت رؤيته في الدنيا؛ لأن البشر لا يتحملون رؤية الله في الدنيا، ولا يثبتون لرؤية الله، ولهذا لما سأل موسى ربه أن يريه نفسه فقال: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] قال الله له: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣]، وإذا كان الجبل لم يثبت أمام رؤية الله واندك، فكيف بالبشر الضعيف الناقص؟! فلا يمكن أن يتحمل إنسان رؤية الله ولن يثبت لها، وقد ثبت هذا في صحيح مسلم عن النبي ﷺ .
стр. 55
ذكر الأقوال في رؤية النبي ﷺ ربه في ليلة المعراج
الصواب من أقوال العلماء أن النبي ﷺ لم يرَ ربه ليلة المعراج، والصواب كذلك أنه لم يرَ أحد غير نبينا الله في الدنيا أبداً، وفي رؤية نبينا خلاف بين أهل العلم، أما غير نبينا ﷺ فاتفق العلماء على أنه لم يره أحد، ما عدا بعض الصوفية والملاحدة والمشبهة الذين يقولون: من الممكن أن يرى الله، ويقولون: إن الله ينزل عشية عرفة على الجبل ويصافح ويسامر ويعانق، وقال بعضهم: إنه يندم ويحزن ويبكي -تعالى الله عما يقولون- كما تقول اليهود، وكذلك بعض الصوفية يقولون: إن الله قد يوجد في الخضرة أو في كل خضرة، فلا ندري لعل الله ربنا يكون فيها، فهؤلاء شذوا ولا عبرة بهم، وقد اتفق العلماء على أن الله لم يره أحد في الدنيا من جميع المخلوقين ومن جميع الأنبياء والمرسلين، إلا نبينا ﷺ على خلاف، واتفقوا على أن النبي ﷺ لم ير ربه في الأرض، واختلفوا في رؤية النبي لربه ليلة المعراج على ثلاثة أقوال: القول الأول: رآه بعين رأسه.
القول الثاني: لم يره.
والقول الثالث: التوقف.
وجاء في رواية عن الإمام أحمد أن روي عن ابن عباس أنه قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء:٦٠] قال: رؤية النبي ﷺ ربه ليلة المعراج، وفي رواية: رؤية النبي ﷺ ربه بعينيه، وكذلك روي عن الإمام أحمد أنه رآه.
وذهب إلى هذا النووي في شرح مسلم، أي أن النبي رأى ربه بعيني رأسه، وذهب إلى هذا الهروي أيضاً، وجماعة أبي الحسن الأشعري قالوا: إن النبي رأى ربه في ليلة المعراج.
والصواب القول الثاني، وهو أن النبي لم ير ربه بعيني رأسه، وإنما رآه بعين قلبه، وقد أنكرت عائشة ﵂ على مسروق لما قال لها: هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت، ثم قالت: من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب.
فالصواب أن النبي ﷺ لم ير ربه بعين رأسه؛ لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر ﵁ (أنه سأل رسول ﷺ : هل رأيت ربك؟ قال: رأيت نوراً)، وفي لفظ: (نور أنى أراه؟!).
ولما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يرفع القسط ويخفضه، ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور -وفي رواية: النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) وهذا عام، وهو أن الله تعالى حجابه النور، فلو كشف النور لأحرقات سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، ومحمد من خلقه ﵊، ولأن الرؤية نعيم ادخره الله لأهل الجنة.
فالله تعالى وجوده أكمل من وجود كل موجود، لكن تعذرت رؤيته في الدنيا بسبب ضعف البشر، وعدم تحمل البشر رؤية الله، ولكن في يوم القيامة ينشئ الله المؤمنين نشأة قوية يثبتون فيها لرؤية الله ويتحملون رؤيته، فهم يرون الله في الموقف في يوم القيامة، ويرونه في الجنة، بل إن رؤية المؤمنين لربهم في الجنة أكمل نعيم، وأعظم نعيم يلقاه أهل الجنة، حتى إنهم ينسون جميع ما هم فيه من النعيم، وهي الزيادة التي قال الله تعالى فيها: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] نسأل الله الكريم من فضله، فأعظم نعيم يعطاه أهل الجنة هو رؤية الله في الآخرة، فادخرها الله لهم.
стр. 56
اختلاف العلماء في رؤية أهل الموقف لربهم
اختلف العلماء في رؤية أهل الموقف لربهم، فمن العلماء من قال: يراه أهل الموقف جميعاً مؤمنهم وكافرهم ثم يحتجب عن الكفار، ومنهم من قال: يراه المؤمنون والمنافقون فقط، وهذا له أدلة، كما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (إذا كان يوم القيامة يقول الله: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد) فتتبع اليهود غزيراً، وتتبع النصارى معبودها، فيتساقطون في النار، ويساقون إلى النار، وتبقى هذه الأمة وفيها منافقوها، فيتجلى الله لهم ، فيسجد له المؤمنون، ويذهب المنافقون ليسجدوا، فيجعل الله ظهر كل واحد منهم طبقة لا يستطيع بسببها السجود، قال الله : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢] فهذه علامة جعلها الله للمؤمنين، وهي الكشف عن ساقه، فهي علامة بينه وبينهم، فإذا رأوه سجدوا، والمنافقون كانوا مع المسلمين في الدنيا يظهرون الإسلام، فظنوا أن هذه الكونية تنفعهم، ولذلك يسير المؤمنون والمنافقون جميعاً ومعهم النور، ثم ينطفئ نور المنافقين، فيقول المنافقون وهم في الظلمة للمؤمنين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] أي: قفوا حتى نقتبس، ولا يزال بهم خداعهم -والعياذ بالله- حتى في موقف القيامة، فقالوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ ثم يقولون لهم: ألم نكن معكم في الدنيا نصلي ونصوم؟! ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد:١٤ - ١٥]، فإذا انقطع المنافقون قالوا للمؤمنين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] فلما انفصلوا وبقوا في الظلمة صاروا ينادون المؤمنين: ((انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ)) [الحديد:١٣] أي: أعطونا شيئاً من النور.
ولا فائدة في ذلك، فقد ذهب البهرج والباطل، وظهر الحق، نسأل الله السلامة والعافية، ونسأله أن يرزقنا وإياكم الثبات على دينه ولزوم الصراط المستقيم، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا؛ إنه على كل شيء قدير.
стр. 57
الأسئلة
стр. 58
الحكم على الرافضة وكيفية معاملتهم
السؤال
هل الرافضة اللذين في هذه البلاد يعاملون معاملة المنافقين، حيث إننا سمعنا سماحة الشيخ عبد العزيز يقول بهذا، فهل يعاملون بأن ظاهرهم الإسلام وباطنهم الكفر والشرك؟
الجواب
الشيعة طبقات، وقد ذكر أصحاب المؤلفات الذين ألفوا في الفرق -كـ الشهرستاني وغيره- أن الشيعة طبقات، وأنهم يبلغون اثنتين وعشرين طبقة وفرقة أو أكثر، وأن منهم الغلاة، ومنهم المتوسطين، فمنهم الغلاة الذين يزعمون أن الله حل في علي من نصيرية وغيرهم، هؤلاء ملاحدة كفار بإجماع المسلمين.
ومنهم المخطئة الذين يخطئون جبريل ويقولون: إنه أخطأ في الرسالة، فإن الله أرسله إلى علي فأخطأ فأوصلها إلى محمد، فخان الأمين وصده عن حيدرة الحق، ويقولون: إنهم الآن حينما يصلون يضربون أفخاذهم، وهذه إشارة إلى الخيانة، فهؤلاء كفار بلا إشكال.
,من الرافضة من يزعم أن القرآن طار ثلثاه، ولم يبق إلا الثلث، وأن هناك مصحف فاطمة، وقد ذكر هذا في كتب الشيعة، مثل الكافي وغيره، فهذا كفر وردة بلا إشكال، فمن زعم أن القرآن طار ثلثاه ولم يبق إلا الثلث فقد كذب الله في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
وكذلك من كان منهم يتوسل بالأئمة الإثني عشرية، ومعروف أن الرافضة يتوسلون ويقولون: إن النبي ﷺ توفي، لكن نص على أئمة منصوصين معصومين، فنص على أن الخلفية بعده علي بن أبي طالب ثم بعده الحسن بن علي، ثم الحسين بن علي ثم علي بن الحسين زين العابدين، ثم محمد بن علي الباقر، ثم جعفر بن محمد الصادق، ثم موسى بن جعفر الكاظم، ثم على بن موسى الرضا، ثم محمد بن علي الجواد، ثم علي بن محمد الهادي، ثم الحسن بن علي العسكري، ثم الخلف الحجة المهدي المنتظر محمد بن الحسن الذي دخل سرداب سامراء سنة ستين ومائتين ولم يخرج إلى الآن، يقول شيخ الإسلام: مضى عليه في زمنه أربعمائة سنة، ونحن نقول: مضى عليه ألف ومائتا سنة ولم يخرج، ويزعمون أنه في سرداب سامراء، ويتوسلون بهم ويعبدونهم من دون الله، وقد سمع أن بعض الرافضة الخمينيين يتوسلون عند الكعبة بهؤلاء الأئمة، فيبدءون بـ علي فيقولون: يا علي! يا ولي الله! اشفع لنا.
ثم ينتقلون إلى الحسن ثم الحسين حتى يصلوا إلى السرداب، فمن فعل ذلك فهو مشرك؛ لأنه عبد أهل البيت، وكذلك من كان يسب الصحابة كلهم ولا يستثني أحداً منهم، فهذا كفر وردة؛ لأنه سب للدين الذي حملوه، فهم يقولون: إن الصحابة كفروا وارتدوا بعد وفاة الرسول ﷺ وأخفوا النصوص التي تنص على أن الخليفة بعده علي، فإذا كان الصحابة -كما يقوولون- كفاراً مرتدين فكيف نثق بهذا الدين الذي حملوه؟! إن الذين حملوا إلينا القرآن والسنة هم الصحابة، فإذا كانوا كفاراً وفساقاً فكيف نثق بهذا الدين؟! وقد استنبط الإمام مالك ﵀ كفر من سب الصحابة جميعاً من قول الله في سورة الفتح في وصف الصحابة: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] قال: من أغاظه الصحابة فهو كافر بنص القرآن، والصحابة يغيظون الرافضة.
فالمقصودأن الذي يسب الصحابة جميعاً أو يتوسل بهم أو يعبدهم من دون الله أو يدعي أن القرآن طار ثلثاه أو يخطئ جبريل في الرسالة -وأعظم منه أن يدعي أن الله حل في علي - كافر بلا إشكال بإجماع المسلمين، أما من سب الواحد أو الاثنين، كأن سب معاوية فقد لا يكون كافراً، وهم الزيدية، فهناك فرق من الزيدية ليسوا كفاراً، وإنما هم مبتدعة.
стр. 59
حكم صلاة الرجل خلف الكافر والمبتدع
السؤال
ما حكم من صلى الفجر خلف رجل من الإباضية، وبعد الصلاة تبين له أنه من دعاة الإباضية؟
الجواب
يختلف الحكم باختلاف عقيدته، فإن كان يعتقد شيئاً يوصله إلى الكفر فليعد الصلاة، وإن كان يعتقد عقيدة توصله إلى البدعة لا إلى الكفر فلا يعيد الصلاة، والمعروف عند الجمهور أن الخوارج مبتدعة، والصواب أن الفاسق تصح الصلاة خلفه؛ لأن الصحابة صلوا خلف الحجاج، وكان الحجاج فاسقاً ظالماً، أما الكافر، فلا تصح الصلاة خلفه، فإذا كان كافراً، أو إذا كانت بدعته توصله إلى الكفر فإنه يعيد الصلاة، وإذا كانت بدعته لا توصله إلى الكفر فلا يعيد الصلاة، ولا أدري عن حال هذا الرجل الذي صلي خلفه.
стр. 60
الرد على ما استدل به الحلولية من الآيات القرآنية
السؤال
ما صحة القول بأن الذي جعل الذين يقولون بالحلول هو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:٣]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]، وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، وما هو الرد الصحيح عليهم؟
الجواب
نعم هذا من شبههم، كما ذكر الإمام أحمد في الرد على الزنادقة والملاحدة، قال: إنهم وجدوا هذه الآيات: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام:٣] لكن ضلوا، ومعنى الآية: وهو الله سبحانه يعلم، فقيدها بالعلم، فالله يعلم سركم وجهركم، وعلمه في السماء كما أن علمه في الأرض، فعلمه في السماء والأرض، وأما هو سبحانه فهو فوق العرش؛ لأن نصوص الاستواء والعلو محكمة، فلا يتعلق الإنسان بالمتشابه، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، وقال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] في سبعة مواضع من كتاب الله، وقال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦].
وقال النبي ﷺ للجارية في صحيح مسلم: (أين الله؟ قالت: في السماء.
قال: أعتقها فإنها مؤمنة).
فكيف تترك النصوص المحكمة وتذهب إلى التعلق بالمتشابه؟! فالواجب أن يضم المتشابه الذي فيه إشكال إلى النصوص المحكمة ويفسر بها ليزول الإشكال.
أما الذي يتعلق بالمتشابه ويترك النصوص المحكمة -كنصوص العلو والفوقية- فهو سالك طريقة أهل الزيغ، وقد ذكر العلماء أكثر من ثلاثة آلاف دليل كلها تدل على علو الله، وأنه فوق العرش، فكيف نترك هذه الأدلة ونتعلق ببعض النصوص التي فيها اشتباه وفيها احتمال وفيها إشكال؟! فهذه طريقة أهل الزيغ.
أما أهل الحق فإنهم يفسرون المتشابه بالمحكم فيتضح معناه، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧] فأهل الزيغ يتبعون المتشابه ويتركون المحكم، قالت عائشة ﵂: إذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه فهم الذين سمى الله فاحذروهم، أو كما قالت ﵂، وأظن أن هذا مرفوع إلى النبي ﷺ .
стр. 61
حكم قول بعض أهل التصوف: (خضت نهراً وقف الأنبياء على ساحله)
السؤال
كيف نرد على من يفسر قول بعض أهل التصوف: (خضت نهراً وقف الأنبياء على ساحله) بأن المعنى: إنني خضت نهراً في حين أن الأنبياء خاضوه ووقفوا على ساحله الآخر، إذ إن بعض الناس يقولون: أنتم لا تفهمون معاني أقوال هؤلاء العارفين؟
الجواب
هذا كلام فاسد، وما دام أنه قول لبعض المبتدعة فلا نشتغل بتحليله، وهو قول باطل وفاسد المعنى، ولم يتضح لي معناه، ولا أدري ما المراد به.
стр. 62
صلة الإباضية بالمعتزلة
السؤال
هل يعد الإباضية من المعطلة؟
الجواب
معروف أن الخوارج في الغالب سلكوا مسلك المعتزلة في نفي الصفات، والخوارج والإمامية قدماؤهم أحسن من المتأخرين، فالقدماء في الغالب يثبتون الصفات، والمتأخرون ينفون الصفات كالمعتزلة، فالغالب أنهم يسلكون مسلك المعتزلة في هذا.
стр. 63
طبقات الناس عند الصوفية
السؤال
ما هو موقف الصوفية من القرآن الكريم؟
الجواب
الصوفية طبقات، وهم يقسمون الناس إلى طبقات، والكلام فيهم نفس الكلام في الاتحادية، فهم يقولون: الناس طبقات: عامة، وخاصة، وخاصة الخاصة، ومن العامة جميع الأنبياء والمرسلين، فالعامة هم الذين عليهم التكاليف، فيقرءون القرآن ويصلون ويصومون ويدعون ويخافون الله ويرجونه.
والخاصة: هم الذين ألغوا صفاتهم وأفعالهم فجعلوها صفات لله، وعلم الواحد منهم أن ما قدر سيكون، ووصل إلى هذه المرتبة من العلم، فتسقط عنه التكاليف، فلا يكون عنده طاعة ولا معصية، بل جميع ما يفعله طاعات، وأما الطاعات والمعاصي فعند العامة، أما هؤلاء فقد سقطت عنهم التكاليف؛ لأنهم وصلوا إلى درجة من العلم، وألغوا صفاتهم وجعلوها صفات لله، واعتمدوا على المشيئة الكونية، فعلم الواحد أنه ما قدر سيكون، ووصل إلى العلم فسقطت عنه التكاليف، ويتأولون قول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] فقالوا: أي: إذا وصلت إلى العلم فقد انتهت العبادة.
أي: واعبد ربك حتى تصل إلى العلم.
فعلم الصوفية يسقط العبادة، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين، فمن قال: إن أحداً تسقط عنه التكاليف وهو مكلف بالغ عاقل -إلا الحائض تسقط عنها الصلاة- وعقله قائم فهو كافر بإجماع المسلمين؛ لأنه ليس هناك أحد تسقط عنه التكاليف أبداً إلا المجنون أو الصغير أو الشيخ المخرف أو الحائض والنفساء، ولا تسقط عنهما إلا الصلاة فقط، فهؤلاء يسقطون التكاليف والعياذ بالله، ويقولون: إن العامة هم أهل الشريعة، فعندهم طاعات ومعاص وتكاليف، أما الخاصة فهم أهل الحقيقة ليس عندهم طاعات ومعاصٍ، بل كل ما يصدر عنهم طاعات، وليس عليهم تكاليف، فالكافر لو صدر عنه الكفر فهو طاعة، والعاصي لو صدر عنه المعصية فهي طاعة.
والطبقة الثالثة خاصة الخاصة، ويسمون أهل التحقيق، وهم الذين يقولون: إن الوجود واحد، فليس عندهم طاعات ولا معاص، وهم الذين اتحد وجود الموجودات عندهم، وصار الوجود هو الرب وهو العبد، وهؤلاء يسمون أهل التحقيق عندهم، والأذكار مقسمة على حسب الطوائف الثلاث: فذكر العامة: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، أما الخاصة فلا يحتاج الواحد منهم إلى أن يقول: لا إله إلا الله، بل يأخذ لفظ الجلالة ويكرره: الله الله، الله الله، الله الله، وقد ذكر بعض الإخوان أنه سافر إلى إفريقيا ورأى أناساً من بعد العصر إلى المغرب يكرر أحدهم فيقول: الله الله، الله الله، الله الله، حتى يغشى عليه ويسقط.
والخاصة يستدلون على قولهم: (الله)، -كما يقول شيخ الإسلام ﵀ بقول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام:٩١] فقوله تعالى: (قل الله) هو دليل الخاصة.
وأما خاصة الخاصة فذكرهم هو الهاء فقط، فلا يحتاجون إلى أن يقولوا: (الله)، بل تأخذ الهاء، فيقولون: هو، هو، وهي وهوهة كالكلاب، فهذا ذكرهم، ويقولون: عندنا دليل من القرآن على أن ذكر خاصة الخاصة: (هو هو)، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] والتقدير حسب زعمهم: (وما يعلم تأويل (هو) إلا الله)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فقلت لهم: لو كانت كما تقولون لصارت أيضاً: وما يعلم تأويله هو إلا الله.
وأما الخاصة الذين يقولون: (الله الله)، فهم موجودون الآن في إفريقيا، وفي غير إفريقيا، والصوفية هؤلاء الذين يوهوهون بقولهم: (هو هو)، موجودون، والعياذ بالله.
وابن عربي رئيس وحدة الوجود ألف كتاباً سماه كتاب الـ (هو)، وحكي أن بعض الصوفية الآن من خاصة الخاصة إذا أذن المؤذن شتمه، وإذا نبح الكلب أو الحمار أثنى عليه، ويقولون: لأن الحمار والكلب ينسيك كل شيء، فليس في الوجود إلا الله، أما المؤذن حين يؤذن فقد أثبت وجودين، أثبت نفسه وأثبت ربه، فيقول: الله أكبر، فالمؤذن مشرك؛ لأنه أثبت وجودين، بخلاف الحمار والكلب، ولما قيل لبعضهم: إن القرآن يخالف ما أنتم تقولونه، قالوا: القرآن كله من أوله إلى آخره شرك، والحق ما نقوله، والعياذ بالله، نسأل الله السلامة والعافية.
ولا تظن -أيها المسلم- أن هذه الأشياء غير موجودة، بل هي موجودة الآن في باكستان وفي أفريقيا، وتجد في البلد الواحد خمسين طريقة، ومائة طريقة، وكل طريقة لها شيخ، وكلها توصل إلى النار، كالقادرية، والنقشبندية، والشاذلية، إلى آخره، وكلها طرق توصل إلى النار، والعياذ بالله.
ومنها الطريقة المبتدعة، ومنها ما يُوصل إلى الكفر، ومنها ما دون ذلك، وبعضهم يذكرون ويذكرون ويدورون حتى يسقط أحدهم ويغمى عليه، نسأل الله السلامة والعافية، ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم الثبات على دينه.
стр. 64
الجمع بين بعث الميت المحرم بملابسه وحشر الناس عراة
السؤال
روي أنه (من مات على شيء بعث عليه) هل معنى ذلك أن الذي يموت محرماً يبعث في إحرامه، وكيف نجمع بين هذا وبين قول النبي ﷺ : (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً)؟
الجواب
ثبت في الصحيحين: (أن رجلاً كان مع النبي ﷺ في عرفة محرماً في حجة الوداع فوقصته ناقته فسقط، فاندقت عنقه فمات، فقال النبي ﷺ : كفنوه في ثوبين وجنبوه الطيب، ولا تخمروا رأسه -وفي بعض الروايات: ولا وجهه- فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً) وهذا وصف بأنه يبعث يوم القيامة ملبياً، ولكن لا ينافي هذا كونهم يبعثون حفاة عراة، فكونه يلبي وهو حاف عار ليس على رأسه شيء وليس عليه ثياب لا يمنع ذلك، والناس يبعثون حفاة، أي: لا نعال عليهم، عراة: لا ثياب عليهم، غرلاً: غير مختونين، وجاء في الأثر أن عائشة سألت النبي ﷺ فقالت: الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! فقال النبي ﷺ : (الأمر أشد من ذلك) وقد يحصل للإنسان أمر يذهله حتى لا يدري عن نفسه، وينسى كل شيء، وهذا معروف الآن، فإذا حصل للإنسان أمر يذهله فإنه ينسى الأكل والشرب، ولا يرى ما أمامه، فكيف بالأمر العظيم حينما يحصل، حين ينفخ في الصور ويخرج الناس من قبورهم؟! فهل يكوي أحد على أحد يوم القيامة كما كان يلوي عليه في الدنيا؟! أنه إذا دهش ينسى الأكل، وينسى الشرب، وينسى من أمامه، ولا يرى من حوله، وقد يحصره البول فيبول ولا يحس بشيء، فكيف بمثل هذا؟! وثبت أن أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم الخليل ﵊، وهذه منقبة عظيمة لإبراهيم ﵊.
стр. 65
بيان معنى قوله ﷺ (ما انتهى إليه بصره من خلقه)
السؤال
هل ينتهي نور الله تعالى؛ لما جاء في الحديث: (لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)؟
الجواب
قوله ﷺ : (ما انتهى إليه بصره من خلقه) يعني: ما يصل إليه من خلقه يقيده، و (ما): موصولة بمعنى: الذي.
стр. 66
دروس في العقيدة [٤]
لقد ظهر في عصور الإسلام طوائف انحرفت في فهم مراد الله تعالى وحادت عن منهجه فيما يتعلق بما سمى به نفسه تعالى من الأسماء الحسنى واتصف به من الصفات العليا، ومن هؤلاء طائفة الجهمية الذين غلوا في نفي صفات الله وأسمائه عنه تعالى فمنهم من قال بنفي النقيضين عن الله تعالى، ومنهم من وصل به الحال إلى القول بالحلول والاتحاد، ومن المنحرفين في ذلك المعتزلة الذين أثبتوا أسماء الله تعالى ونفوا مدلولها ونفوا صفاته تعالى، ثم أسسوا مذهبهم على تقديس العقل، متكئين على أصول خمسة عارضوا بها أركان الإيمان وتدينوا بها.
стр. 67
إثبات التوحيد لله وبيان ضلال الجهمية في ذلك
يقول الإمام الطحاوي ﵀: [نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا إله غيره].
يدخل في هذه الجملة التي قررها الإمام الطحاوي ﵀ أنواع التوحيد الثلاثة التي عرفت بالاستقراء والتتبع من النصوص الشرعية، وهي المعروفة عند أهل العلم بتوحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
وقد عرفنا أن توحيد الربوبية جحدته بعض الطوائف التي شذت عن المجموعة البشرية.
وعرفنا أن توحيد الأسماء والصفات انحرفت فيه فرق المعطلة عن جادة الصواب، فلم يوحدوا الله في أسمائه وصفاته.
وعرفنا أن فرق المعطلة ثلاث: الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، وأن فرقة الجهمية هي أصل الفرق في التعطيل؛ لأنهم ينفون أسماء الله وصفاته سبحانه وتعالى عما يقول الجاهلون علواً كبيراً.
стр. 68
طوائف الجهمية
يقول الإمام الطحاوي ﵀: [نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا إله غيره].
يدخل في هذه الجملة التي قررها الإمام الطحاوي ﵀ أنواع التوحيد الثلاثة التي عرفت بالاستقراء والتتبع من النصوص الشرعية، وهي المعروفة عند أهل العلم بتوحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
وقد عرفنا أن توحيد الربوبية جحدته بعض الطوائف التي شذت عن المجموعة البشرية.
وعرفنا أن توحيد الأسماء والصفات انحرفت فيه فرق المعطلة عن جادة الصواب، فلم يوحدوا الله في أسمائه وصفاته.
وعرفنا أن فرق المعطلة ثلاث: الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، وأن فرقة الجهمية هي أصل الفرق في التعطيل؛ لأنهم ينفون أسماء الله وصفاته سبحانه وتعالى عما يقول الجاهلون علواً كبيراً.
стр. 69
الجهمية الحلولية والاتحادية
والجهمية: هم الذين ينتسبون إلى جهم بن صفوان، وهم طائفتان، ويجمع هاتين الطائفتين نفي الأسماء والصفات، ونفي العلو واستواء الرب على عرشه.
فالطائفة الأولى: المتقدمون، وهم عبادهم وصوفيتهم الذين يقولون بالحلول والاتحاد، فقد قالوا بحلول الرب في جميع الأشياء، أو باتحاده معها، أي أنه اتحد مع جميع الموجودات، فصار الموجود شيئاً واحداً، ومن هؤلاء الاتحادية رئيسهم ابن عربي الطائي الذي تدرج في القول بالحلول والاتحاد، وسلك مسلك المنافقين الزنادقة، فزعم في أول الأمر أن النبوة ختمت بمحمد ﵊، ولكن الولاية لم تختم، وإنما ختمت به، فهو يزعم أنه خاتم الأولياء، ويزعم أن الولاية أعظم درجة من النبوة، وأن الأنبياء مستفيدون من الولاية، وقال: إن الولاية هي أعلى درجة، ثم تليها النبوة، ثم تليها الرسالة، هكذا زعم! فهي عنده آخر المراتب، ولهذا يقول: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي فقوله: (مقام النبوة في برزخ)، يعني: في مكان متوسط، وقوله: (فويق الرسول ودون الولي)، أي: مقام النبوة أعلى من مقام الرسول، ولكنه دون مرتبة الولي.
فهذه الطائفة الأولى من الجهمية، وهم عبادهم وصوفيتهم الذين قالوا بحلول الرب في خلقه، أو باتحاده معهم، فهذا التوحيد -أعني توحيد الجهمية، وهو القول بنفي الأسماء والصفات- قد أوصل قوماً إلى القول بالحلول، وأوصل آخرين إلى القول بالاتحاد.
وتوحيدهم هذا له فروع، ومن فروعه القول بأن فرعون وقومه على الحق والصواب! وأن فرعون حينما ادعى الألوهية وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] مصيب؛ لأن الرب حل في جميع الأشياء، أو لأنه اتحد بها.
ومن فروع توحيدهم هذا أن عباد الأصنام على الحق والصواب! لأنهم إنما عبدوا الله لا غيره، وكل من عبد معبوداً فهو مصيب، سواء أكان المعبود ناراً، أم صليباً، أم شجراً، أم شمساً، أم قمراً، أم آدمياً، أم جنياً، أم ملكاً، أو ما شاء أن يعبد، فالعابد مصيب؛ لأن الخالق والمخلوق واحد، أو لأن الرب حل في كل شيء، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
ومن فروع هذا التوحيد أنه لا فرق في التحريم بين الأم والأخت وبين الأجنبية، بل ليس هناك شيء حرام! ولا فرق في التحريم والتحليل بين الزنا والنكاح! ولا فرق في التحليل والتحريم بين الماء والخمر! لأن الكل من عين واحدة، بل هو العين الواحدة.
ومن فروع هذا التوحيد أن الأنبياء ضيقوا على الناس، أبعدوا عنهم المقصود؛ حيث فرقوا بين الزنا والنكاح، فالزنا حرموه، والنكاح أباحوه، وفرقوا بين الخمر والماء، فالخمر حرموه، والماء أباحوه، وفرقوا بين الأم والأخت وبين الأجنبية، فالأم والأخت حرموهما، والأجنبية أحلوها، فهم ضيقوا على الناس بمثل هذا وأبعدوا عنهم المقصود، والأمر عندهم وراء ذلك كله.
فهذه هي فروع توحيدهم هذا ولوازمه.
стр. 70
الجهمية القائلون بنفي النقيضين
والطائفة الثانية من الجهمية هم الذين يقولون بنفي النقيضين عن الله، وسلبهما عنه، فيقولون: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايث له، ولا متصل به ولا منفصل عنه.
وهذا وصف المعدوم، بل هو وصف الممتنع، ولو أردت وصف المعدوم بأكثر من هذا لما استطعت، فعجيب أن يكون شيء لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايث له، ومعنى (ولا محايث له)، ليس داخله، فالمحايث: الداخل، وهو -أيضاً- لا متصل به ولا منفصل عنه، فماذا يكون هذا؟! هل يكون له وجود؟! فهؤلاء هم المتأخرون من الجهمية، وأولئك هم المتقدمون من عبادهم وصوفيتهم الذين يقولون بالحلول والاتحاد.
ويقول بهذا القول -أيضاً- بعض المتأخرين من الأشاعرة، كـ الرازي، بل هو إمام المتأخرين من الأشاعرة، وقد قرر هذا في كتبه المتعددة كأساس التقديس وغيره، وهو يقول: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايث له، فـ الرازي قال بقول الجهمية، لكنه أشعري، فهو أشعري جهمي يقول بنفي النقيضين عن الله، وكلتا الطائفتين قد قالت على الله قولاً عظيماً.
стр. 71
حكم الجهمية
ولو سأل سائل: أي الطائفتين أشد كفراً؟ نقول: الطائفة الثانية عند العلماء -وهم الذين نفوا وسلبوا عن الله النقيضين- أشد كفراً من الطائفة الأولى، أي: طائفة الحلولية؛ لأن الحلولية أثبتوا شيئاً حالاً في شيء، لكن طائفة النفاة أو الذين يسلبون النقيضين عن الله لم يثبتوا شيئاً، وقد اختلف العلماء في تكفير الجهمية، فهل هم كفار أو ليسوا بكفار؟ فمن العلماء من أخرجهم من الثنتين والسبعين فرقة من فرق أمة الإسلام، فقال: إنهم كفار، وليسوا داخلين في فرق الأمة المذكورة في قول النبي ﷺ : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة).
فقال بعض العلماء: الجهمية خارجون عن فرق الأمة، فهم كفار، وذكر العلامة ابن القيم ﵀ أنه قد كفرهم خمسمائة عالم، فقال في نونيته: ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان وهناك نصوص كثيرة لعلماء الأمة في تكفير الجهمية نقلها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كثير من كتبه، ونقلها غيره، ومن ذلك قول عبد الله بن المبارك ﵀ الإمام المعروف: إنا لنحكي أقوال اليهود والنصارى ولا نحكي قول الجهمية.
يعني: نستطيع أن نحكي قول اليهود، ولكن لا نستطيع أن نحكي أقوال الجهمية؛ لخبثها وشرها وشناعتها وبشاعتها وإيغالها في الكفر.
ومن العلماء من قال: إنهم مبتدعة.
ومن العلماء من فرق بين الغلاة وبين العامة، فقال: الغلاة كفار، وعامتهم مبتدعة.
وعلى كل حال فإن من قال بقول الجهمية وهو يعلم ذلك، وليس عنده شبهة، وليس جاهلاً؛ فلا شك في كفره، كالمعاند والمتعنت، ورؤسائهم الذين يعلمون ذلك، فهؤلاء لا شك في كفرهم، أما من كان جاهلاً، أو تابعاً لغيره، فهذا هو محل النظر.
стр. 72
إبطال شبه الجهمية بالأدلة الشرعية
يرد على هؤلاء الجهمية وغيرهم بقول الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٤ - ٦٥]، فقد أخبر الله في هذه الآيات الكريمة أنه أرسل الرسل ليطاعوا، وأمر بطاعتهم، وأمر بطلب الاستغفار منهم، ونفى الإيمان عمن لم يحكم الرسول في موارد النزاع أو كان في نفسه حرج من حكم الله ولم يسلم لحكم الله ورسوله تسليماً كاملاً.
ومن الأدلة قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]، فقد بين الله في هذه الآية أن علامة محبة الله اتباع الرسول، فمن اتبع الرسول ﵊ فهو من أحباب الله، ومن خالف الرسول فهو من أعداء الله، ومن لم ينقد لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فإنه يعمل بإرادة نفسه، وهذا غش للنفس، وهو من الكبر.
وإذا كان الذين يقولون: لن نؤمن حتى يكون لنا مثل الرسل كفاراً، فكيف بمن قال: إنه أعلى من الرسل؟! ولكن هؤلاء الجهمية -والعياذ بالله- استحوذ عليهم الشيطان فأعرضوا عن النصوص، ولم يعملوا بها، واتخذوها وراءهم ظهرياً، ولذلك وصلوا إلى ما وصلوا إليه من الضلال والتيه، نسأل الله السلامة والعافية.
وظاهر النصوص، وظاهر كلام العلماء يوحي بأن الجهمية كفار، وأنه ليس معهم من الإيمان أو الدين شيء، ولهذا قال كثير من العلماء -وعلى رأسهم الإمام أحمد ﵀: إن كلام الجهمية يدور على أنه ليس فوق العرش إله ولا رب، وقد رد عليهم الإمام أحمد ﵀ في رسالة له صغيرة الحجم، لكنها عظيمة المعنى والمتن، تسمى الرد على الزنادقة، أو الرد على الجهمية والزنادقة، وهي رسالة صغيرة مطبوعة، وكثيراً ما ينقلها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وينقل نصوصاً منها في كثير من كتبه، حتى إنه ربما نقلها كلها، وفرقها في كتبه، فهي رسالة عظيمة على صغر حجمها.
стр. 73
عقائد الجهم بن صفوان
قبل أن ننتقل إلى فرقة المعتزلة لابد من أن نبين أن جهم بن صفوان قبحه الله اشتهر بأربع عقائد: العقيدة الأولى: عقيدة نفي الأسماء والصفات، وورثها عنه المعطلة من المعتزلة وغيرهم بعد الجهمية.
العقيدة الثانية: عقيدة الإرجاء، وهو القول بأن الإيمان هو مجرد معرفة الرب بالقلب فقط، والكفر هو مجرد جهل الرب بالقلب، وأما الأعمال فليست من الإيمان، بل تكفي هذه المعرفة، فإذا عرف الإنسان ربه بقلبه فهو مؤمن، وإذا جهل ربه بقلبه فهو كافر، وورثها عنه المرجئة، ويلزم على هذه العقيدة أن يكون إبليس مؤمناً؛ لأنه عرف ربه، قال الله تعالى عنه: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦].
ويلزم على ذلك أيضاً أن يكون فرعون مؤمناً؛ لأن فرعون عرف ربه بقلبه، قال الله تعالى عنه وعن ملئه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤].
ويلزم على هذه العقيدة أن يكون اليهود مؤمنين؛ لأن الله تعالى قال عنهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] يعني: يعرفون الرسول ﵊.
وكذلك يلزم على هذه العقيدة أن يكون أبو طالب الذي دل الحديث الصحيح على أنه مات على الكفر مؤمناً؛ لأن أبا طالب يعرف صدق الرسول، ويعرف أن الدين حق، ولهذا يقول في قصيدته المشهورة: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً فيكون مؤمناً على مذهب الجهم، وقد ثبت في صحيح البخاري أن أبا طالب مات على الشرك، وأن النبي ﷺ لما حضرته الوفاة جاءه وأمره بأن يتشهد شهادة الحق، وكان عنده عبد الله بن أمية وأبو جهل بن هشام، فقال له النبي ﷺ : (يا عم! قل: (لا إله إلا الله) كلمة أحاج لك بها عند الله) لكن كان عنده قرينا السوء فلقناه الحجة الملعونة، وهي اتباع الأباطيل، فقالوا: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! أي: أترغب عن ملة أبيك عبد المطلب؟! وهذا من أضرار قرناء السوء والعياذ بالله، فأعاد عليه النبي ﷺ ، فأعاد عليه أصحاب الحجة المعلونة قولهم: تترك ملة آبائك وأجدادك؟ فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب.
وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، ومات على الشرك، نسأل الله السلامة والعافية، لكنه عند الجهم مؤمن؛ لأنه عرف أن الإسلام حق ولو لم يدخل فيه، نسأل الله السلامة والعافية.
العقيدة الثالثة: عقيدة الجبر، وهو القول بأن الإنسان ليس له أفعال، وإنما أفعاله هي أفعال الله، وتنسب إليه على سبيل المجاز، فالصلاة والصيام، والسرقة وغيرها كلها أفعال لله، والعياذ بالله، فالأفعال أفعال الله، والإنسان وعاء لها فقط، وإنما تمر عليه مروراً كالماء الذي يصب في الكوب، فهم يقولون: بنوا آدم كأنهم كأس، والله كصاب للماء فيه، فالأفعال أفعاله، وهذه هي عقيدة الجبر، وأول من قال بها وابتدعها الجهم، وورثها عنه الجبرية.
العقيدة الرابعة: القول بفناء الجنة والنار، أي أن الجنة والنار تفنيان.
стр. 74
أصول المعتزلة في الاعتقاد
стр. 75
التوحيد
فاشتهر بهذه العقائد الأربع، قبحه الله وأخزاه.
وورثت المعتزلة عن جهم نفي الصفات، وهم الفرقة الثانية من فرق المعطلة، وهم يقولون بالنفي، إلا أنهم أخف منهم؛ لأن الجهمية ينكرون الأسماء والصفات لله ، وأما المعتزلة فهم يثبتون الأسماء وينكرون الصفات، فتقول المعتزلة: نؤمن بأن الله عليم حي قدير سميع مسمى بهذا، لكن ليس له علم، ولا سمع، ولا بصر! أي: يثبتون الأسماء أعلاماً محضة فقط، فهو عندهم عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، وهكذا يثبتون الأسماء وينفون الصفات، وهذا داخل في أصلهم الذي أصلوه؛ لأن المعتزلة لهم أصول، فأصول الإيمان عندهم خمسة: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والمعتزلة فرقة منتشرة كثيرة، ولهم مؤلفات وأئمة، فمنهم المفسرون، كـ الزمخشري، وهو إمام طائفة تسمى: الزمخشرية، وله كتاب الكشاف، وينبغي لطالب العلم أن يكون على حذر من بدع هذه الطائفة، وأن يكون على بصيرة من أمره، وكتاب الكشاف للزمخشري -وهو إمام من أئمة المعتزلة عموماً وإمام الزمخشرية خصوصاً- قد يجرك إلى مذهب الاعتزال وأنت لا تشعر إذا لم يكن عندك حذر، ولم تكن على بصيرة، ولهذا قال البلقيني ﵀: استخرجت من كتاب الكشاف للزمخشري اعتزالاً بالمناقيش.
أي: بالإبر؛ لأنها شيء مخفي، ومنها أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَاز﴾ [آل عمران:١٨٥] قال الزمخشري تعليقاً عليها: أي فوز أعظم من الجنة؟! قال البلقيني: وقصده من ذلك إنكار رؤية الله في الآخرة؛ لأن رؤية الله أعظم فوز، وأعظم نعيم يعطاه أهل الجنة، فهذا من الأشياء الخفية، فهو يريد أن يقرر أن المؤمنين لا يرون ربهم يوم القيامة.
فلا بد لطالب العلم من أن يعرف هذه الفرقة، وشبهها، ومعتقداتها حتى يحذرها، وحتى يكون على بصيرة.
والمعتزلة قرروا أصول الإيمان عندهم، أما أصول الإيمان عند أهل الحق فهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وهي ستة أصول، ومنهم من يجعلها خمسة، ويجعل الإيمان بالقدر داخلاً في أصل الإيمان بالله، لكن المعتزلة استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، فقالوا: أصولنا غير هذه الأصول التي عندكم أهل السنة، فأصول الدين عندنا هي: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكل أصل من هذه الأصول ستروا تحته معنىً باطلاً، فإذا أردت أن تعرف مرادهم من التوحيد تجدهم يريدون بالتوحيد غير ما يريده أهل السنة والجماعة، والعدل كذلك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك.
فنفي الصفات داخل تحت الأصل الأول، فستروا تحت التوحيد القول بنفي الصفات، والقول بأن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة، هذا هو التوحيد عند المعتزلة!! فمن أثبت الصفات لله فليس بموحد عندهم، بل مشبه مجسم، ومن أثبت رؤية الله في الآخرة أو قال: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق؛ فليس بموحد عندهم، بل مشبه مجسم.
следующие страницы →