Полный текст (427 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
حكم الجهمية
ولو سأل سائل: أي الطائفتين أشد كفراً؟ نقول: الطائفة الثانية عند العلماء -وهم الذين نفوا وسلبوا عن الله النقيضين- أشد كفراً من الطائفة الأولى، أي: طائفة الحلولية؛ لأن الحلولية أثبتوا شيئاً حالاً في شيء، لكن طائفة النفاة أو الذين يسلبون النقيضين عن الله لم يثبتوا شيئاً، وقد اختلف العلماء في تكفير الجهمية، فهل هم كفار أو ليسوا بكفار؟ فمن العلماء من أخرجهم من الثنتين والسبعين فرقة من فرق أمة الإسلام، فقال: إنهم كفار، وليسوا داخلين في فرق الأمة المذكورة في قول النبي ﷺ : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة).
فقال بعض العلماء: الجهمية خارجون عن فرق الأمة، فهم كفار، وذكر العلامة ابن القيم ﵀ أنه قد كفرهم خمسمائة عالم، فقال في نونيته: ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان وهناك نصوص كثيرة لعلماء الأمة في تكفير الجهمية نقلها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كثير من كتبه، ونقلها غيره، ومن ذلك قول عبد الله بن المبارك ﵀ الإمام المعروف: إنا لنحكي أقوال اليهود والنصارى ولا نحكي قول الجهمية.
يعني: نستطيع أن نحكي قول اليهود، ولكن لا نستطيع أن نحكي أقوال الجهمية؛ لخبثها وشرها وشناعتها وبشاعتها وإيغالها في الكفر.
ومن العلماء من قال: إنهم مبتدعة.
ومن العلماء من فرق بين الغلاة وبين العامة، فقال: الغلاة كفار، وعامتهم مبتدعة.
وعلى كل حال فإن من قال بقول الجهمية وهو يعلم ذلك، وليس عنده شبهة، وليس جاهلاً؛ فلا شك في كفره، كالمعاند والمتعنت، ورؤسائهم الذين يعلمون ذلك، فهؤلاء لا شك في كفرهم، أما من كان جاهلاً، أو تابعاً لغيره، فهذا هو محل النظر.
стр. 72
إبطال شبه الجهمية بالأدلة الشرعية
يرد على هؤلاء الجهمية وغيرهم بقول الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٤ - ٦٥]، فقد أخبر الله في هذه الآيات الكريمة أنه أرسل الرسل ليطاعوا، وأمر بطاعتهم، وأمر بطلب الاستغفار منهم، ونفى الإيمان عمن لم يحكم الرسول في موارد النزاع أو كان في نفسه حرج من حكم الله ولم يسلم لحكم الله ورسوله تسليماً كاملاً.
ومن الأدلة قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]، فقد بين الله في هذه الآية أن علامة محبة الله اتباع الرسول، فمن اتبع الرسول ﵊ فهو من أحباب الله، ومن خالف الرسول فهو من أعداء الله، ومن لم ينقد لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فإنه يعمل بإرادة نفسه، وهذا غش للنفس، وهو من الكبر.
وإذا كان الذين يقولون: لن نؤمن حتى يكون لنا مثل الرسل كفاراً، فكيف بمن قال: إنه أعلى من الرسل؟! ولكن هؤلاء الجهمية -والعياذ بالله- استحوذ عليهم الشيطان فأعرضوا عن النصوص، ولم يعملوا بها، واتخذوها وراءهم ظهرياً، ولذلك وصلوا إلى ما وصلوا إليه من الضلال والتيه، نسأل الله السلامة والعافية.
وظاهر النصوص، وظاهر كلام العلماء يوحي بأن الجهمية كفار، وأنه ليس معهم من الإيمان أو الدين شيء، ولهذا قال كثير من العلماء -وعلى رأسهم الإمام أحمد ﵀: إن كلام الجهمية يدور على أنه ليس فوق العرش إله ولا رب، وقد رد عليهم الإمام أحمد ﵀ في رسالة له صغيرة الحجم، لكنها عظيمة المعنى والمتن، تسمى الرد على الزنادقة، أو الرد على الجهمية والزنادقة، وهي رسالة صغيرة مطبوعة، وكثيراً ما ينقلها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وينقل نصوصاً منها في كثير من كتبه، حتى إنه ربما نقلها كلها، وفرقها في كتبه، فهي رسالة عظيمة على صغر حجمها.
стр. 73
عقائد الجهم بن صفوان
قبل أن ننتقل إلى فرقة المعتزلة لابد من أن نبين أن جهم بن صفوان قبحه الله اشتهر بأربع عقائد: العقيدة الأولى: عقيدة نفي الأسماء والصفات، وورثها عنه المعطلة من المعتزلة وغيرهم بعد الجهمية.
العقيدة الثانية: عقيدة الإرجاء، وهو القول بأن الإيمان هو مجرد معرفة الرب بالقلب فقط، والكفر هو مجرد جهل الرب بالقلب، وأما الأعمال فليست من الإيمان، بل تكفي هذه المعرفة، فإذا عرف الإنسان ربه بقلبه فهو مؤمن، وإذا جهل ربه بقلبه فهو كافر، وورثها عنه المرجئة، ويلزم على هذه العقيدة أن يكون إبليس مؤمناً؛ لأنه عرف ربه، قال الله تعالى عنه: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦].
ويلزم على ذلك أيضاً أن يكون فرعون مؤمناً؛ لأن فرعون عرف ربه بقلبه، قال الله تعالى عنه وعن ملئه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤].
ويلزم على هذه العقيدة أن يكون اليهود مؤمنين؛ لأن الله تعالى قال عنهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] يعني: يعرفون الرسول ﵊.
وكذلك يلزم على هذه العقيدة أن يكون أبو طالب الذي دل الحديث الصحيح على أنه مات على الكفر مؤمناً؛ لأن أبا طالب يعرف صدق الرسول، ويعرف أن الدين حق، ولهذا يقول في قصيدته المشهورة: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً فيكون مؤمناً على مذهب الجهم، وقد ثبت في صحيح البخاري أن أبا طالب مات على الشرك، وأن النبي ﷺ لما حضرته الوفاة جاءه وأمره بأن يتشهد شهادة الحق، وكان عنده عبد الله بن أمية وأبو جهل بن هشام، فقال له النبي ﷺ : (يا عم! قل: (لا إله إلا الله) كلمة أحاج لك بها عند الله) لكن كان عنده قرينا السوء فلقناه الحجة الملعونة، وهي اتباع الأباطيل، فقالوا: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! أي: أترغب عن ملة أبيك عبد المطلب؟! وهذا من أضرار قرناء السوء والعياذ بالله، فأعاد عليه النبي ﷺ ، فأعاد عليه أصحاب الحجة المعلونة قولهم: تترك ملة آبائك وأجدادك؟ فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب.
وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، ومات على الشرك، نسأل الله السلامة والعافية، لكنه عند الجهم مؤمن؛ لأنه عرف أن الإسلام حق ولو لم يدخل فيه، نسأل الله السلامة والعافية.
العقيدة الثالثة: عقيدة الجبر، وهو القول بأن الإنسان ليس له أفعال، وإنما أفعاله هي أفعال الله، وتنسب إليه على سبيل المجاز، فالصلاة والصيام، والسرقة وغيرها كلها أفعال لله، والعياذ بالله، فالأفعال أفعال الله، والإنسان وعاء لها فقط، وإنما تمر عليه مروراً كالماء الذي يصب في الكوب، فهم يقولون: بنوا آدم كأنهم كأس، والله كصاب للماء فيه، فالأفعال أفعاله، وهذه هي عقيدة الجبر، وأول من قال بها وابتدعها الجهم، وورثها عنه الجبرية.
العقيدة الرابعة: القول بفناء الجنة والنار، أي أن الجنة والنار تفنيان.
стр. 74
أصول المعتزلة في الاعتقاد
стр. 75
التوحيد
فاشتهر بهذه العقائد الأربع، قبحه الله وأخزاه.
وورثت المعتزلة عن جهم نفي الصفات، وهم الفرقة الثانية من فرق المعطلة، وهم يقولون بالنفي، إلا أنهم أخف منهم؛ لأن الجهمية ينكرون الأسماء والصفات لله ، وأما المعتزلة فهم يثبتون الأسماء وينكرون الصفات، فتقول المعتزلة: نؤمن بأن الله عليم حي قدير سميع مسمى بهذا، لكن ليس له علم، ولا سمع، ولا بصر! أي: يثبتون الأسماء أعلاماً محضة فقط، فهو عندهم عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، وهكذا يثبتون الأسماء وينفون الصفات، وهذا داخل في أصلهم الذي أصلوه؛ لأن المعتزلة لهم أصول، فأصول الإيمان عندهم خمسة: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والمعتزلة فرقة منتشرة كثيرة، ولهم مؤلفات وأئمة، فمنهم المفسرون، كـ الزمخشري، وهو إمام طائفة تسمى: الزمخشرية، وله كتاب الكشاف، وينبغي لطالب العلم أن يكون على حذر من بدع هذه الطائفة، وأن يكون على بصيرة من أمره، وكتاب الكشاف للزمخشري -وهو إمام من أئمة المعتزلة عموماً وإمام الزمخشرية خصوصاً- قد يجرك إلى مذهب الاعتزال وأنت لا تشعر إذا لم يكن عندك حذر، ولم تكن على بصيرة، ولهذا قال البلقيني ﵀: استخرجت من كتاب الكشاف للزمخشري اعتزالاً بالمناقيش.
أي: بالإبر؛ لأنها شيء مخفي، ومنها أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَاز﴾ [آل عمران:١٨٥] قال الزمخشري تعليقاً عليها: أي فوز أعظم من الجنة؟! قال البلقيني: وقصده من ذلك إنكار رؤية الله في الآخرة؛ لأن رؤية الله أعظم فوز، وأعظم نعيم يعطاه أهل الجنة، فهذا من الأشياء الخفية، فهو يريد أن يقرر أن المؤمنين لا يرون ربهم يوم القيامة.
فلا بد لطالب العلم من أن يعرف هذه الفرقة، وشبهها، ومعتقداتها حتى يحذرها، وحتى يكون على بصيرة.
والمعتزلة قرروا أصول الإيمان عندهم، أما أصول الإيمان عند أهل الحق فهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وهي ستة أصول، ومنهم من يجعلها خمسة، ويجعل الإيمان بالقدر داخلاً في أصل الإيمان بالله، لكن المعتزلة استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، فقالوا: أصولنا غير هذه الأصول التي عندكم أهل السنة، فأصول الدين عندنا هي: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكل أصل من هذه الأصول ستروا تحته معنىً باطلاً، فإذا أردت أن تعرف مرادهم من التوحيد تجدهم يريدون بالتوحيد غير ما يريده أهل السنة والجماعة، والعدل كذلك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك.
فنفي الصفات داخل تحت الأصل الأول، فستروا تحت التوحيد القول بنفي الصفات، والقول بأن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة، هذا هو التوحيد عند المعتزلة!! فمن أثبت الصفات لله فليس بموحد عندهم، بل مشبه مجسم، ومن أثبت رؤية الله في الآخرة أو قال: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق؛ فليس بموحد عندهم، بل مشبه مجسم.
стр. 76
شبهة المعتزلة في القول بخلق القرآن والرد عليها
تقول المعتزلة: إن القرآن خلق من المخلوقات، ودليلنا قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] وكلام الله شيء من الأشياء، فيكون داخلاً في عموم الكل، إذاً: فهو من المخلوقات، وهذه من شبههم العظيمة.
وأجاب أهل الحق عن هذه الشبهة بأجوبة، منها أن الله هو الخالق بذاته وصفاته، فليست صفاته منفصلة عنه، وليست صفاته شيئاً آخر، بل هو سبحانه الخالق بذاته وصفاته، وما سواه مخلوق، فلا تدخل الصفات ولا يدخل كلام الله في عموم الكل؛ لأن أسماء الله وصفاته داخلة في مسمى اسمه الخالق، فهو الخالق سبحانه بذاته وصفاته، فلا يدخل الكلام، ولا العلم، ولا القدرة في الشيء المخلوق، بل هو الخالق بذاته وصفاته، وما سواه مخلوق، فقول المعتزلة: إن الصفات نخرجها من اسم الخالق ونجعلها مخلوقة من أبطل الباطل؛ لأن الصفة تابعة للموصوف، والله بذاته وصفاته هو الخالق.
ومما يدل على تعسف المعتزلة وانحرافهم أنهم أخرجوا من هذا العموم أفعال العباد، فقالوا: ليست مخلوقة لله، وأدخلوا في هذا العموم ما لا يصح دخوله، مثل كلام الله، وقالوا: نحن نخرج أفعال العباد من عموم الآية؛ لأنها لم يخلقها الله.
فنقول لهم: كيف تدخلون كلام الله الذي هو صفة من صفاته في هذا العموم مع أن كلامه داخل في مسمى اسمه وتخرجون أفعال العباد من هذا العموم، وتقولون: إنها ليست مخلوقة؟! هذا يدل على تعسفكم؛ لأن أفعال العباد داخلة في هذا العموم، ولا دليل معتبر على إخراجها، وصفات الله ليست داخلة؛ لأنه بذاته وصفاته هو الخالق.
ثانياً: أن كلام الله صفة من صفاته به تكون المخلوقات، أي: يكون الخلق بالكلام، كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وقد فرق الله بين الخلق والأمر في قوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فعلمنا أنهما شيئان، ولو كان الكلام مخلوقاً للزم أن يكون مخلوقاً بكلام آخر، والآخر بآخر، والآخر بآخر، إلى ما لا نهاية، فيفضي هذا إلى التسلسل، وهو باطل، فثبت بهذا أن كلام الله صفة من صفاته به تكون المخلوقات، فلا يكون مخلوقاً، وإنما يخلق الله بالكلام، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
ثالثاً: يقال لهم: إن عموم الكل في كل شيء يختلف باختلاف مواضعه، فأحياناً يخرج من هذا العموم ما دل عليه الدليل، ومن ذلك أن الله تعالى قال في الريح التي أهلك الله بها عاداً: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥]، ثم قال: ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] فخرجت المساكن والأرض والسماء من هذا العموم، والمعنى -والله أعلم- أن الريح التي أرسلها الله على عاد تدمر كل شيء يستحق التدمير، ولهذا فإن المساكن ما دمرت.
وكذلك قول الله تعالى حكاية عن الهدهد في ملكة سبأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٢٣] والمعنى: أوتيت من كل شيء يصلح للملوك، أو يكون للملوك، وهناك أشياء لم تؤتها، فكذلك عموم: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، فالمراد: أن الله خالق كل شيء مخلوق، أما صفات الله فليست مخلوقة، فلا تدخل في هذا العموم.
رابعاً: يقال للمعتزلة: إن الله توعد من قال: إن القرآن كلام البشر بأن يصليه سقر، كما قال سبحانه في الوليد بن المغيرة: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:١٨ - ٢٥]، ثم قال الله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦]، والمعتزلة يقولون: إن كلام الله مخلوق، وأن الله خلقه، فهو -إذاً- قول البشر، وليس كلام الله، فهم إذاً داخلون في هذا الوعيد؛ لأن الله توعد من قال: إنه قول البشر بأن يصليه سقر، والمعتزلة لا يقولون: إنه قول الله ولا كلام الله، بل يقولون: إنه قول البشر خلقه الله فيهم، فلهم نصيب من هذا الوعيد.
فالمعتزلة يُدخلون في الأصل الأول الذي أصلوه -وهو التوحيد- القول بأن القرآن مخلوق، والقول بنفي الصفات.
стр. 77
اللوازم الباطلة التي تلزم القائل بخلق القرآن
يقال للمعتزلة: أنتم نفيتم الصفات، وقلتم: إن القرآن مخلوق، فيلزمكم أحدكم أمرين: إما أن تقولوا: جميع الصفات مخلوقة كما قلتم في الكلام، وإما ألا تقولوا ذلك.
فإن قلتم: إن جميع الصفات مخلوقة مثل الكلام؛ فإنه يلزمكم أن تقولوا: إن علم الله مخلوق، وقدرته مخلوقة، وحياته مخلوقة، ومن قال: إن حياة الله مخلوقة فقد وصل إلى الكفر الصريح.
وإما أن لا تقولوا إن الصفات مخلوقة فتخالفون أصلكم.
وإما أن تفرقوا بين الكلام وبين غيره من الصفات، فتقولوا: الكلام مخلوق، وبقية الصفات ليست مخلوقة، فتقعون في التناقض، وهو دليل فساد معتقدكم.
وعلى كل حال فإن الشبهة التي يعتمدون عليها هي قولهم: لو أثبتنا الصفات لله للزم من ذلك التشبيه والتجسيم والتركيب؛ لأننا لا نرى متصفاً بالصفات إلا ما هو جسم، والأجسام تتشابه، وهي مركبة.
فيقال لهم: يلزمكم -أيضاً- أن تنفوا الأسماء إذا نفيتم الصفات؛ لأنكم لا ترون متصفاً بهذه الصفات إلا ما هو جسم، فكذلك انفوا الأسماء؛ لأنكم لا ترون مسمى بهذه الأسماء إلا ما هو جسم.
ويقال لهم أيضاً: ما مرادكم بالتركيب؟ وما مرادكم بالجسم؟ فالجسم يطلق على عدة أمور، فهل تريدون بالجسم البدن الكثيف، فإن الذي لا يسمى جسماً في اللغة هو الشيء الخفيف، كالماء والهواء والنار، فمثل ذلك لا يسمى جسماً في اللغة العربية، فهل مرادكم بالجسم البدن الكثيف؟! إن كان هذا مرادكم فالله منزه عن ذلك، وإذا أردتم بالجسم ما هو مركب من متباينين -كالحيوان المركب من الطبائع الأربع: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، والمركب من أعضاء- إن أردتم هذا فالله منزه عنه، وإن أردتم بالتركيب تركيب الجوار -كمصراعي الباب- فالله منزه عن ذلك أيضاً، وإن أردتم بالتركيب التركيب من الهيولى والصورة -والهيولى هي: المادة، والصورة هي: الشكل، كالخاتم مثلاً، فهو مركب من الهيولى وهي: المادة الصلبة أو الذهب، والصورة، وهي كونه دائرياً مثلاً- فالله منزه عن هذا، وإن أردتم بالجسم ما هو مركب من الجواهر المفردة -وهي الأجزاء التي لا تقبل الانكسار- فالله منزه عن ذلك، وإن أردتم بالجسم ما هو متصل بالصفات -أي: كونه يسمع ويبصر ويعلم ويُرى يوم القيامة- فنحن نثبت هذه المعاني لله ولا ننفيها عنه، لكونكم تسمونهاً جسماً وتركيباً.
وهم يقولون: من اتصف بالصفات فهو مركب، وإثبات الصفات عندهم تركيب، ونقول: هذا باطل، فنحن نثبتها لله ولو سميتموها تركيباً، فالتسمية هذه باطلة، فالله متصف بالصفات كالعلم والقدرة والبصر وسائر ما ورد في الكتاب والسنة، وهذه نثبتها لله ولو سميتموها تركيباً، وهذه التسمية لا تمنعنا من إثبات الصفات لله ؛ لأن العبرة بالحقائق والمعاني لا بالألفاظ والمباني، وهذه هي طريقة أهل الزيغ الضلال، فهم يسمون الحق بأسماء باطلة؛ كي ينفروا الناس عنها، والعبرة بالمعاني والحقائق، فإذا سميت الأشياء الباطلة بأسماء تتضمن معاني صحيحة لا تخرجها هذه التسمية عن كونها باطلة، وكذلك إذا سميت المعاني الحقة بأسماء باطلة، فالتسمية لن تغير حقاً، كأن يصطلح الناس -مثلاً- على تسمية الخمر تسمية لا تنفر منه، فلو سموه شراباً روحياً أو الشراب اللذيذ، فهل معنى ذلك أن يكون الخمر حلالاً؟ لا؛ لأن الخمر حرام ولو سميته شراب الروح أو الشراب اللذيذ، وكذلك إذا سمى الناس الربا بالفائدة، أو العمولة، أو الربح المركب، وهو ربا، فهذه التسميات لا تخرجه عن كونه ربا.
فكذلك هؤلاء المعتزلة نقول لهم: إذا سميتم إثبات الصفات لله تركيباً فهي صفات لله نثبتها، ولا تضرنا هذه التسمية الباطلة؛ لأن العبرة بالمعاني، فهذا هو الأصل الأول من أصول المعتزلة، وهو التوحيد.
стр. 78
أصل العدل
الأصل الثاني من أصول المعتزلة: العدل، وستروا تحته معنى باطلاً، وهو التكذيب بالقدر، والقول بأن الله لا يخلق الشر، ولا يخلق المعاصي والكفر، إذ لو خلقها ثم عذب عليها لكان ظالماً، والله لا يظلم مثقال ذرة، وهكذا ستروا تحت هذا الأصل الذي سموه العدل التكذيب بالقدر، فلا يقولون: إنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، بل يقولوا: هناك شيء يشاؤه الله ولا يكون، ويكون شيء لا يريده الله، ولا يقولون: إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، بل يقولون: الإنسان هو الذي يهدي ويضل نفسه، فستروا تحت أصل العدل التكذيب بالقدر، والقول بأن الله لا يخلق المعاصي ولا الشرور ولا الكفر؛ لأنه لو خلقها وعذب عليها لكان ظالماً، والله عادل لا يجوز عليه هذا، هكذا يقولون! فنقول لهم: يلزم على قولكم هذا أن تقعوا في شر مما فررتم منه، وهو أنه يقع في ملك الله ما لا يريد، وأن الله يريد من العبد الإيمان والطاعة، ولكن العبد يريد من نفسه الكفر والمعصية، فتقع إرادة العبد ولا تقع إرادة الله، فيلزم من ذلك أن يقع في ملك الله ما لا يريد، ويلزم من ذلك وصف الله بالعجز، فيكون الله مريداً من العبد الإيمان والطاعة والعبد يريد المعصية والكفر، فتقع إرادة العبد ولا تقع إرادة الله، فيكون الله عاجزاً! والعياذ بالله.
فوقعوا في شرور أعظم من التي فروا منها.
أما الذي دلت عليه النصوص ويعتقده أهل السنة فهو أن الله خالق كل شيء، وأن كل ما في الكون خالقه الله، من المعاصي والكفريات وغيرها، وله الحكمة البالغة في ذلك، لكن العبد هو الذي باشر الكفر والمعاصي، وله قدرة واختيار، ولهذا فإن الذي فقد آلة التكليف لا يلزم به، فالمجنون والصغير والشيخ الخرف لا يكلفون، بخلاف القادر على امتثال الأوامر واجتناب النواهي، فهذا يكلف؛ لأن عنده آلة التكليف، وقدرة يستطيع بها على الفعل والترك، فأنت الآن تستطيع أن تذهب وتأتي، ولا يمنعك أحد، والناس يدركون هذا، فالإنسان إذا كان عنده عبد مقعد لا يأمره بالقيام، وإذا كان عنده أعمى لا يقول له: انقط المصحف؛ لأنه غير قادر، والله تعالى له الحكمة البالغة.
стр. 79
المصالح المترتبة على خلق الله للمتضادات
سبق ذكر أن الذي ينسب إلى الله خلق الخير والشر مصيب؛ لأن الخلق مبني على الحكمة، والله تعالى خلق الكفر والمعاصي لحكم ومصالح تترتب عليها، منها: ظهور قدرة الله على خلق المتضادات، فالكفر يقابل الإيمان، والمعصية تقابل الطاعة.
ومنها: حصول وترتب العبوديات المتنوعة على حصول الكفر والمعاصي، مثل عبودية الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، والصبر، والولاء والبراء، والتوبة، فقد يوفق للتوبة فتكون حاله بعدها أحسن من قبل إحداثه التوبة، والمعصية شر بالنسبة إلى العبد الذي باشرها وكسبها، أما الله الذي خلقها فليست شراً بالنسبة إليه، والمعتزلة يقولون: إن العبد هو الذي يهدي نفسه أو يضلها، ويقولون: معنى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر:٨] أي: يسميه مهتدياً، وإلا فالعبد هو الذي يهدي نفسه أو يضلها.
وقالوا: إن الله ما أعان المؤمن ولا وفقه ولا سدده ولا هداه! بل المؤمن هو الذي هدى نفسه، والكافر هو الذي خذل نفسه وأضلها، وهم في هذا يشبهون الله بخلقه، فيقولون: كرجل له ابنان أعطاهما سيفين وقال لهما: جاهدا بهذين السيفين في سبيل الله، فأما أحدهما فقاتل به في سبيل الله، وأما الآخر فاستعرض رقاب المسلمين وقطعها، فكل منهما اختار طريقاً مبايناً لصاحبه، فأحدهما قاتل المسلمين بسيفه والآخر قاتل الكفار بسيفه، فكذلك الله ترك الناس هكذا، فمنهم من يختار الإيمان ومنهم من يختار الكفر، فما وفق هذا ولا خذل هذا.
وهذا هو فهم المعتزلة معطلة الصفات مشبهة الأفعال، وقالوا: ما يحسن من العبد يحسن من الله، وما يقبح من العبد يقبح من الله، وكل ما كان حسناً من العبد فهو حسن من الله لو فعله، وكل ما كان قبيحاً من العبد فهو قبيح من الله إذا فعله، وما كان ظلماً من العبد فهو ظلم من الله لو فعله، هذا هو التشبيه، فهم مشبهة في الأفعال ومعطلة في الصفات.
стр. 80
الرد على المعتزلة في شبهة خلق العباد لأفعالهم
يقال للمعتزلة: يلزمكم أحد أمرين إذا قلتم: إن العبد هو الذي يخلق الكفر والمعاصي لنفسه، والله تعالى يراه ويقره على ذلك، يلزم من هذا أن الله أقره على القبيح واستحسنه منه، أو أنه عاجز عن منعه عنه، وكلا الأمرين باطل؛ لأن الإنسان من بني آدم إذا كان له إماء وعبيد ثم رأى العبيد تزني بالإماء فهل يسكت، أم ماذا يكون حاله؟! وإذا سكت حين يرى الذكور من عبيده تزني بالإناث من إمائه فإنه يلزم من سكوته أحد الأمرين: إما أن يكون عاجزاً عن منع هؤلاء الذكور عن هذه الإناث، أو يكون مستحسناً للقبيح راضياً به، ولله المثل الأعلى.
فكذلك هؤلاء المعتزلة يقولون: إن العبد هو الذي يخلق المعصية والكفر بنفسه، يلزم من كلامهم أن الله عاجز عن منع ما لا يريده أو أنه استحسن القبيح! تعالى الله عما يقول للظالمون علواً كبيراً.
والمعتزلة يقولون: إن الأصل الأول والثاني أصلان عقليان، أي: عرفا بالعقل قبل الشرع، بل هما اللذان دلا على الشرع، والذي دل عليهما هو العقل قبل أن يوجد الشرع، ثم جاء الشرع موافقاً للعقل في إثبات هذين الأصلين، وهما: التوحيد والعدل.
فالمعتزلة يعتمدون على العقل أولاً، ثم جاء الشرع -الكتاب والسنة- موافقاً للعقل فأقر هذين الأصل، فمثل الشرع حينما جاء وأقر هذين الأصلين كالشاهدين الزائدين الذين قد يستغنى عنهما، فالقاضي إن طلب من أحد المتخاصمين شهوداً، فأتى بأربعة يقول له القاضي: تثبت الدعوة باثنين، واثنان احتياط، فكذلك الكتاب والسنة هما احتياط عند المعتزلة بالنسبة للتوحيد والعدل، ومثل الكتاب والسنة بالنسبة للتوحيد والعدل عند المعتزلة مثل المدد اللاحق بجيش والجيش مستغن عنه، فالتوحيد والعقل لا حاجة معهما إلى الشرع، ويكون مثل الشرع عند المعتزلة حينما جاء ووافق العقل في إثبات التوحيد والعدل مثل من يتبع هواه فصادف أن الشرع ما يهواه، فهو يتعبد على هواه ثم جاء الشرع مقراً له على ذلك، وهذا من أبطل الباطل؛ لأن النبي ﷺ يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).
والعمل تابع للنية والقصد، والنية الصالحة لا تكون إلا عن علم وإيمان وتصديق بالله ورسوله، فإذا عمل الإنسان عملاً بغير نية فهو باطل مردود عليه، كما أن الإنسان الذي يتعبد الله على وفق هواه عمله باطل مردود ولو وافق الشرع؛ لأنه على غير نية وإخلاص، وكذلك إذا ترك ما يتركه مما نهى عنه الشرع إذا كان هذا الترك عن غير نية وقصد وعن غير إيمان بالله ورسوله، فلا يثاب عليه.
стр. 81
المنزلة بين المنزلتين
الأصل الثالث من أصول المعتزلة: المنزلة بين المنزلتين، وقد ستروا تحت هذا الأصل معنى باطلاً، وهو القول بأن العاصي ومرتكب الكبيرة يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر، بل يكون في منزلة بين المنزلتين، أي: لا يسمى مؤمناً ولا يسمى كافراً، فهو عندهم خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، وشبهتهم في هذا نصوص الوعيد، ومن ذلك الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وفي غيرها، كقول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم فيها حين ينتهبها وهو مؤمن).
فقالوا: هذا نفي للإيمان عنه، فدل على أنه خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، فهو في منزلة بين المنزلتين، ومثله حديث: (من حمل علينا السلاح فليس منا).
وحديث: (من غشنا فليس منا)، وحديث: (ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)، وغير ذلك من نصوص الوعيد التي أخذوها واستدلوا بها على أن مرتكب الكبيرة يخرج من الإيمان لكنه لا يدخل في الكفر، فيكون في منزلة بينهما.
стр. 82
إنفاذ الوعيد
الأصل الرابع من أصول المعتزلة: إنفاذ الوعيد، وستروا تحته معنى باطلاً، وهو القول بخلود العصاة في النار، أي: خلود أهل الكبائر في النار وعدم خروجهم منها أبداً، واستدلوا -أيضاً- بنصوص الوعيد التي فيها الوعيد لبعض العصاة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]، وغير هذه من النصوص، وقالوا: هذه النصوص تدل على أن العصاة يخلدون في النار مثل الكفار! وأنكروا النصوص التي فيها الشفاعة للعصاة وأنهم يخرجون من النار، مع أنها متواترة.
ويرد على المعتزلة في هذين الأصلين -الثالث والرابع- بالأحاديث المتواترة في خروج عصاة الموحدين من النار، وأنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، كحديث: (أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان).
فالنبي ﷺ هنا أثبت للعاصي الإيمان، فدل على أنه لم يخرج من الإيمان، بخلاف قولهم بخروجه من الإيمان.
ودل الحديث -أيضاَ- على أنهم يخرجون من النار فلا يخلدون فيها، فبطل قولهم بإنفاذ الوعيد وأن العصاة يخلدون في النار.
فهذا الحديث ونحوه رد على أصلهم الثالث والرابع، والنصوص التي فيها إخراج عصاة الموحدين وأهل الكبائر من النار تبلغ حد التواتر، وقد تواترت الأحاديث في خروج عصاة الموحدين من النار، وأن لنبينا ﵊ أربع شفاعات، وفي كل شفاعة يحد الله له حداً مبيناً، وفي بعض الروايات يقول الله له في المرة الأولى: (أخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، أو حبة خردل من إيمان).
وفي المرة الثانية يقول له: (أخرج من كان في قلبه أدنى مثقال حبة من إيمان).
وفي المرة الثالثة يحد الله له حداً آخر ويقول له: (أخرج من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان).
وفي المرة الرابعة يقول له: (أخرج من قال: لا إله إلا الله).
وثبت أن الملائكة يشفعون، وأن الصالحين يشفعون، وأن الشهداء يشفعون، وأن النبيين يشفعون.
وثبت أنه تبقى بقية ليس لهم شفاعة، فيخرجهم الرب برحمته بعد شفاعة الملائكة والنبيين، فلم تبق إلا رحمة أرحم الراحمين، فيخرج الرب أقواماً من العصاة لم يعملوا خيراً قط، لكنهم ماتوا على التوحيد.
وثبت في الأحاديث الصحيحة أن عصاة الموحدين يموتون في النار موته، وأنهم يمتحشون ويصيرون فحماً، وأنه يدخل النار جملة من العصاة من المصلين، وأن النار لا تأكل مواضع السجود من جباههم ووجوههم، فمن الناس من يدخل النار لكونه عاقاً لوالديه، وهذا لكونه قاطعاً لرحمه، وهذا لكونه مات على الزنا أو السرقة، أو التعامل بالربا، أو أكل مال اليتيم أو شهادة الزور، أو غير ذلك من الكبائر، ومعتقد أهل السنة والجماعة أنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر، لكن الواحد بعينه لا يشهد له بجنة ولا نار.
وثبت -أيضاً- أنهم يخرجون منها ضبائر ضبائر قد امتحشوا وصاروا فحماً، ثم يلقون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم بدخول الجنة، فإذا خرجوا من النار، ولم يبق في النار موحد أطبقت النار على الكفرة بجميع أصنافهم، من اليهود والنصارى والشيوعيين والمنافقين والوثنيين والمجوس وغيرهم من أصناف الكفرة والمرتدين، وكذلك من مات على ناقض من نواقض الإسلام، فكل هؤلاء تطبق عليهم النار وتغلق، فلا يخرجون منها أبداً، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ﴾ [الهمزة:٨] أي: مطبقة مغلقة، وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة:٣٧]، وقال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]، وهذا بعد خروج عصاة الموحدين منها، فهذه النصوص الكثيرة المتواترة أنكرها المعتزلة والخوارج، وقالوا: إن عصاة الموحدين والمؤمنين يخلدون في النار كالكفار، والعياذ بالله.
ومن الأدلة التي يرد بها على المعتزلة: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فأخبر أن الشرك غير مغفور، وأن ما دون الشرك فقد علقه الله على مشيئته، والمعاصي والكبائر دون الشرك.
стр. 83
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الأصل الخامس من أصول المعتزلة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهذا الأصل له شقان: الأول: الأمر بالمعروف، وستروا تحته معنى باطلاً، والثاني: النهي عن المنكر، وسترواً تحته -أيضاً- معنى باطلاً.
فالأمر بالمعروف ستروا تحته القول بإلزام الناس بآرائهم واجتهاداتهم التي وصلوا إليها، ولهذا لما كانت لهم الدولة في خلافة المأمون وكان رئيس القضاة من المعتزلة -وهو أحمد بن أبي دؤاد - ألزموا الناس بالقول بخلق القرآن، وامتحن الإمام أحمد ﵀؛ لأنهم يعتقدون هذا الأصل، وهو الأمر بالمعروف، ويعنون به إلزام الناس باجتهاداتهم وآرائهم، فألزموا الناس بالقول بخلق القرآن وفتنوهم، ولذا امتحن الإمام أحمد ﵀، وضرب وسجن مرات، وثبت كالجبال الرواسي رحمه الله تعالى.
стр. 84
نشأة الاعتزال
اشتهر أمر المعتزلة في زمن المأمون عند ادعائهم خلق القرآن، وإلا فأصلهم ومبدؤهم في أوائل المائة الثانية، والمؤسس لمذهب المعتزلة هو واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وسموا معتزلة لأنهم اعتزلوا مجلس الحسن البصري، أو اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري، فيقال: هؤلاء المعتزلة، فاعتزلوا مجلس الحسن البصري وجعلوا يقررون أصولهم.
ويقال: إن سبب ذلك أن سائلاً سأل الحسن البصري عن العاصي والفاسق، فأجابه بما دلت عليه النصوص، فاعتزل واصل وعمرو مجلس الحسن وقال واصل: أنا في سارية، وقال: أنا لا أقول هو مؤمن ولا أقول كافر، وجعل يقرر هذا، وكان واصل بن عطاء هو المؤسس للمذهب، وقد آتاه الله الفصاحة والبلاغة والقوة على التفرد بالأساليب، حتى إنه كان يلقي الخطبة العظيمة الطويلة الساعات الطوال لا يتلعثم فيها، ومن الطرائف أنه كان في لسانه لثغة، لكن آتاه الله فصاحة وبلاغة وقوة على التصرف في الألفاظ، فكان يخطب الخطبة الطويلة الساعات ويتجنب النطق بالراء حتى لا تظهر اللثغة.
ومن الطرائف أنه قال له قائل: قل: أمر الأمير بحفر البئر في قارعة الطريق.
وكل كلمة في الجملة فيها راء إلا حرف الجر (في)، فقال: أوعز القائد بقلب القليب في الجادة.
فأتى بعبارة في جملة تدل على المعنى وليس فيها راء، فهذا من الابتلاء والامتحان؛ لأن هذا الرجل أوتي الفصاحة والبلاغة ليفصح عن مراده، ويبين هذا المذهب الباطل، فهذا من الابتلاء، والمقصود أن هذا هو مبدؤهم، واشتهر أمرهم في زمن المأمون.
ثم جاء رجل يسمى أبا هذيل العلاف وشرح المذهب وفرع عليه، وصنف لهم كتابين وبناه على الأصول الخمسة عندهم.
ومن آراء العلاف أن حركات أهل الجنة والنار تفنى يوم القيامة، ثم يبقون جامدين كالحجارة! والعياذ بالله.
فـ الجهم يقول: النار والجنة تفنيان بما فيهما.
أما أبو هذيل العلاف فإنه يقول: تفنى الحركات، وقد ناقشه ابن القيم ﵀ مناقشة دقيقة في قصيدته الكافية الشافية، يقول: أنت قلت: تفنى الحركات، وهذا يلزم منه معنى فاسداً، فإذا كان هناك رجل رفع لقمة ثم فنيت الحركات فهل يبقى على هذه الصورة؟! وما حال الذي يأخذ عنقوداً ويتناوله؟! هل تفنى حركاته؟! وما حال الذي يجامع أهله ثم تفنى الحركات، فهل يبقى كالحجارة؟! فـ ابن القيم ناقشه مناقشة من هذا القبيل، وهذا من آرائه الفاسدة، وهو شيخ المذهب الذي فرعه ووضحه وشرحه وبناه على الأصول الخمسة وصنف لهم كتابين.
فالمقصود أن الأمر بالمعروف -وهو الأصل الخامس- ستروا تحته هذا الشق من القول، وهو إلزام الناس باجتهاداتهم وآرائهم، ولو كانت باطلة.
стр. 85
أصل الأمر بالمعروف
يرد على المعتزلة بأن الاجتهادات والآراء لا يلزم بها الناس، وإنما يلزم الناس بالنصوص الشرعية، أما الاجتهادات والأفهام فلا يلزمون بها، فالمجتهد لا يلزم غيره، فإذا اجتهد عالم في فهم النصوص الشرعية فإنه يعبد الله بما وصل إليه باجتهاده، لكن ليس له أن يلزم غيره، فلا يلزم الناس بالاجتهادات، وإنما يلزمون بالنصوص، والدليل على ذلك ما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (لا يصلين العصر أحد إلا في بني قريظة)، وهذا بعد غزوة الأحزاب؛ لأن بني قريظة نقضوا العهد، وهم من قبائل اليهود في المدينة، وممن صالحهم النبي ﷺ ، والذين صالحهم الرسول ﷺ من اليهود في المدينة هم بنو قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع، فنقضوا العهد ومالئوا المشركين، فلما انتهى النبي ﷺ من الأحزاب جاء جبريل فقال له: (وضعت السلاح؟! لكنا لم نضعه، إن الله يأمرك أن تذهب إلى بني قريظة؛ لأنهم نقضوا العهد.
فقال النبي ﷺ لأصحابه: من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة)، فأسرع الصحابة رضوان الله عنهم في الذهاب، ثم أدركتهم الصلاة في أثناء الطريق، فاختلف الصحابة، فمن الصحابة من قال: نصلي في الطريق ثم نواصل السير؛ لأن النبي ﷺ ما أراد منا أن نؤخر الصلاة عن وقتها، وإنما أراد منا المبادرة والإسراع، وقد بادرنا، فنصلي ثم نواصل السير، وقال آخرون من الصحابة: لا نصلي حتى نصل إلى بني قريظة، ولو لم نصل إلا بعد غروب الشمس؛ لأن عندنا نصاً، فلم يصلوا حتى وصلوا إلى بني قريظة بعد الغروب، فالنبي ﷺ أقر كلتا الطائفتين، ولم يعنف هؤلاء ولا هؤلاء؛ لأن كلتا الطائفتين اجتهدت، فالأولون اجتهدوا وقالوا: عندنا النصوص التي تدل على توقيت المواقيت، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]، والآية محكمة، وهي الأصل، فنحن نبقى مع النصوص الواضحة الكثيرة فنصلي في الوقت ثم نواصل السير، ونتفقه في هذا النص الأخير، فنفهم منه أن مراد النبي ﷺ المبادرة في السير، لا أن نؤخر الصلاة عن وقتها، فنصلي ثم نواصل.
وأما الآخرون فقالوا: عندنا نص من النبي ﷺ ، فنتمسك به، وهو: (لا يصلين العصر إلا في بني قريظة)، فلا نصلي إلا في بني قريظة، فالنبي ﷺ أقر هؤلاء وهؤلاء، ولم يعنف أحداً من الفريقين.
لكن عند التأمل أيهما المصيب؟ أي: هل المصيب من صلى في الطريق أم المصيب من صلى بعد وصوله إلى بني قريظة بعد غروب الشمس؟! لقد بحث ابن القيم ﵀ هذه المسألة وقال: إن الذين صلوا في الطريق قد سلكوا مسلك الأئمة ومسلك أهل القياس والمعاني، أي أنهم تفقهوا في النصوص وجمعوا بينها، وأما الذين أخذوا بالنص الأخير فقد سلكوا مسلك أهل الظاهر، حتى قال ابن حزم الظاهري: لو كنت معهم لم أصل إلا بعد الوصول.
فالنبي ﷺ ما عنف أحداً من الفريقين، فدل على أن الأمور الاجتهادية النظرية التي يشتبه أمرها لا يلزم بها الناس، فهذا فيه رد على المعتزلة في إلزامهم الناس باجتهاداتهم الباطلة، ويسمونه الأمر بالمعروف.
стр. 86
بيان معنى أصل النهي عن المنكر
الشق الثاني للأصل الخامس: النهي عن المنكر، وستروا تحته القول بالخروج على الأئمة إذا جاروا وظلموا، فقالوا: إذا ظلم ولي الأمر فإننا نخرج عليه، وكذلك إذا فعل معصية أو فساداً، وهذا باطل؛ لأنه مخالف للنصوص الكثيرة التي دلت على أنه لا يجوز الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي ولا بالظلم ولا بالجور، ومن تلك النصوص قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] فالآية عامة في وجوب الطاعة، لكن يطاعون في المعاصي ولا يخرج عليهم.
ومن ذلك ما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني).
قال العلماء: أما المعصية فلا يطاع فيها أحد؛ لقوله ﷺ : (إنما الطاعة في المعروف)، فلا يطاع أحد في المعاصي، لا الأمير، ولا الوالد، فلا تطع والدك في معصية، وكذلك الزوجة لا تطع زوجها في المعصية.
ومن ذلك حديث أبي ذر: (أمرني خليلي أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً حبشياً مجدع الأطراف).
ومن أقوى الأدلة حديث عوف بن مالك الأشجعي في صحيح مسلم: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم -يعني: تدعون لهم-، وشرار أمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم.
قلنا: يا رسول الله! أفلا نبادرهم بالسيف -أي: نقاتلهم ونخرج عليهم ما داموا شراراً-؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزع يداً من طاعة).
وفي حديث حذيفة: (فالزم جماعة المسلمين وإمامهم).
стр. 87
اعتقاد أهل السنة في مسألة الخروج على ولاة الأمر
قرر أهل السنة والجماعة معتقداً مأخوذاً من النصوص، وهو عدم جواز الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي وبالظلم وبالجور، ويدل على ذلك الحديث الآخر: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان)، ومعنى (كفراً بواحاً)، أي: واضحاً صريحاً لا لبس فيه ولا احتمال، ففي هذه الحالة يجوز الخروج مع القدرة، وأما مع عدمها فلا يجوز.
وأهل السنة حينما قرروا هذه القاعدة إنما قرروها انطلاقاً من هذه النصوص الكثيرة التي فيها النهي عن الخروج على ولاة الأمر بمطلق الظلم والمعاصي، وهي داخلة تحت قاعدة المصالح والمفاسد، أي: عند اجتماع المصالح والمفاسد يقدم درء المفاسد على جلب المصالح، ولتوضيح تنزيل القاعدة على هذه المسألة نقول: إن الصبر على جور الولاة وظلمهم يتعلق به مصالح عظيمة، وذلك أن الله علق بولاة الأمور مصالح عظيمة، فعلق عليهم إقامة الحدود، واستقرار الأمن، وأداء الحقوق، وردع الظالم، واجتماع الكلمة، والقوة أمام أعداء الأمة فلا تغلب، بخلاف ما يسببه الخروج من النزاع والفشل والفرقة، وتربص الأعداء بالأمة الدوائر، واختلال الأمن ونظام الحياة والتعليم والاقتصاد، وغير ذلك من المفاسد التي لا حصر لها، ومنها إراقة الدماء والتناحر والتطاعن والتطرف.
فأي المفسدتين أعظم: هذه المفاسد أم مفسدة الجور أو الظلم أو المعصية التي يفعلها ولي الأمر؟! لا شك في أن الصبر وعدم الخروج هو الذي تقتضيه المصلحة وتدل عليه النصوص.
فالواجب على طلبة العلم أن يعلموا هذا الأصل العظيم، وهو أصل من أصول أهل السنة، وأن يعلموا أن الخروج على ولاة الأمور من شعار أهل البدع كالرافضة والخوارج والمعتزلة الذين يرون الخروج على ولاة الأمور بمجرد ما تقدم، وهم في هذا منحرفون عن معتقد أهل السنة والجماعة، ومخالفون لأصولهم، ولهذا قرر العلماء في حصول العقائد -كـ الطحاوي وغيره- هذا الأمر، قال الطحاوي [ولا نرى الخروج على أئمتنا -يعني: بالمعاصي- وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة].
فأهل السنة في كتب العقائد كلها يقررون هذا الأصل، وهو عدم الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي والظلم والجور، وأهل السنة تميزوا عن أهل البدع بهذا الأصل.
كما أن العلماء يقررون في كتب العقائد مسألة المسح على الخفين، فيقولون: ونرى المسح على الخفين مخالفة للرافضة الذين لا يرون المسح على الخفين، فالرافضة لا يرون المسح على الخفين، بل يقولون: من كان عليه خفان وجب عليه أن يخلعهما وأن يمسح ظهور القدمين، ولا يغسل الرجلين، فلهذا قرر العلماء في كتب العقائد قولهم: ونرى المسح على الخفين مخالفة للرافضة الذين لا يرون المسح على الخفين.
وكذلك قالوا: ولا نرى الخروج على أئمتنا.
فقرروا عدم الخروج على ولاة الأمور أخذاً بهذه النصوص، ودفعاً لما يترتب على الخروج من المفاسد العظيمة، وأخذاً بما يترتب على الصبر على الولاة من المصالح العظيمة، والخروج من شعار أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والرافضة.
فينبغي لطالب العلم أن يكون على بصيرة في هذا الأمر؛ لأن كثيراً من الشباب ليست عندهم بصيرة، وقد حدثت استشكالات لكثير من الشباب في كثير من المقامات، وبينت لهم معتقد أهل السنة والجماعة في هذا، وبعضهم لا يزال عنده استشكالات وعدم قبول لهذا الأمر، فالواجب على طالب العلم أن يتبصر وأن يقرأ في كتب أهل العقائد، وأن يتأمل النصوص حتى يتبين له هذا الأصل العظيم الذي أقره أهل السنة، وخالفوا فيه أهل البدع.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 88
الأسئلة
стр. 89
المراد بلفظ الزنديق
السؤال
هل الزنادقة طائفة من الطوائف؟ أم أن الزندقة وصف يطلق على كل من خالف في الأسماء والصفات؟ وما معناه؟
الجواب
الزندقة وصف متأخر، والزنديق معناه المنافق، فالمنافق -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - هو: الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان، فهذا كان يسمى منافقاً في العصور الأولى، وفي العصور المتأخرة يسمى زنديقاً، فالزنديق هو المنافق الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان، ويطلق لفظ الزنديق -أيضاً- على الجاحد الذي أنكر وجود الله، فهو زنديق ملحد، فالمقصود أن الزنديق هو الملحد والكافر والمنافق الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان.
стр. 90
حكم التسمية بعبد المعبود
السؤال
هل يجوز التسمي بعبد المعبود؟
الجواب
لا يجوز إطلاق التعبيد إلا وهو يتبع باسم من أسماء الله التي ثبتت في صريح نصوص الكتاب والسنة.
أما ما ورد في السؤال فنقول: الله تعالى هو المعبود من باب الخبر، أي: يخبر عنه بأنه معبود، لكن لا أعلم أن من أسماء الله المعبود حتى يطلق التعبيد له، وإنما هذا خبر يخبر به عن الله، وباب الخبر عند أهل العلم أوسع من باب الوصف، فالله تعالى يخبر عنه بأنه موجود، وبأنه شيء، لكن لا يقال: من أسمائه الموجود، وكذلك يخبر عنه بأنه صانع العالم، لكن لا يقال: عبد الصانع، ولا عبد الموجود، ولا عبد الشيء، فكذلك لا يقال: عبد المعبود، وإنما يسمي ويعبد باسم من أسماء الله التي ثبتت في الكتاب والسنة، وأفضلها عبد الله وعبد الرحمن، ثم يعبد بسائر الأسماء والصفات التي ثبتت في الشرع، كعبد الملك، وعبد الحميد، وعبد المجيد، وعبد القدير، وعبد السميع، وعبد الرحيم، وعبد القيوم إلى آخر ذلك.
أما لفظ المعبود فلا يظهر لي أنه من أسماء الله، وإنما يخبر به عن الله، فيقال بأنه المعبود؛ لأنه المعبود بحق، وإلا فهناك معبودون غيره، لكن عبدوا بالباطل، فالله تعالى هو المعبود بحق، ومما يؤخذ على التسمية بعبد المعبود أن الله تعالى معبود وغيره معبود، فالنار معبودة، أي: عبدت من دون الله، والشمس كذلك عبدت من دون الله، والآدمي عبد، والملائكة عبدت، فالله هو المعبود بحق وغيره معبود بالباطل، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢].
стр. 91
حكم نصب القدم تجاه المصحف
السؤال
هل يجوز نصب القدم باتجاه المصاحف؟ وهل يجوز استدبار المصاحف؟
الجواب
إذا قصد الامتهان فلا يجوز له ذلك، لكن إذا كان بعيداً عن المصحف واحتاج إلى هذا الفعل، أو كان ناسياً فلا حرج عليه، لكن الأولى إذا كان قريباً أن لا يمد رجله أمام المصحف، وأما إذا قصد الامتهان فهذا هو الكفر، أما إذا لم يقصد الامتهان فالأمر في هذا واسع، خاصة إذا كان بعيداً عن المصحف.
стр. 92
بيان معنى قول العلماء: القرآن منزل غير مخلوق
السؤال
الإمام أحمد بن حنبل ﵀ يقول: القرآن منزل غير مخلوق، أم كان يقول بأن القرآن منزل فقط؟ وما الرد على الواقفة، فقد تكلمت مع أحدهم فكان يقول: إن الإمام أحمد لم يقل بأن القرآن غير مخلوق، ولكن أصحابه قالوا بهذا لمحادة أهل الاعتزال، فالنصوص كلها في التنزيل لا تفيد بأنه مخلوق أو غير مخلوق؟
الجواب
خصمك هذا إذا أثبت النصوص التي تفيد أنه منزل فهو غير مخلوق، والعلماء يضطرون إلى هذا، أي: القول بأنه منزل للرد على من قال: إنه مخلوق، فيقولون: هو منزل غير مخلوق، فهذا يقوله العلماء والأئمة، حيث قالوا: كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وهذا أقره العلماء، كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن قدامة في اللمعة وغيرهما، والمعنى في هذا واضح، فإذا كان منزلاً فهو غير مخلوق، ويلزم من كونه منزلاً أن يكون غير مخلوق، فلا ينبغي الاستشكال في مثل هذا.
стр. 93
حكم القراءة في تفسير الزمخشري
السؤال
هل يجوز اقتناء تفسير الزمخشري وقراءته؟
الجواب
إذا كان طالب العلم على بصيرة ولا يخشى من تأثيره عليه فلا بأس بأن يستفيد منه؛ لأن فيه بلاغة، والزمخشري يأتي ببلاغته تقريراً لمعانٍ عنده، فلا ينتبه لها الإحذاق الطلبة، أما المبتدئ فلا ينبغي له أن يقتنيه، وليقرأ في كتب التفسير الميسرة السهلة، كتفسير الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، وتفسير ابن كثير وغيرهما من التفاسير السلفية، أما أن يقتني المبتدئ الكشاف للزمخشري، أو تفسير الرازي فلا، وكتاب الرازي أيضاً فيه من الأباطيل شيء كثير، وفيه بيان لشبه أهل الباطل وتقرير لها، كتقرير وجوب تعلم السحر، حتى قال بعض العلماء: فيه كل شيء إلا التفسير.
وقد نقل الحافظ ابن كثير عن الرازي أنه أوجب تعلم السحر، واستدل بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] والعلم لذاته شريف، والسحر علم من العلوم، فيجب تعلمه، هكذا يقول الرازي، وهذا ما قرره في كتابه، أي: كتاب مفاتيح الغيب، فلا ينبغي للمبتدئ أن يقتنيهما، لكن طالب العلم الذي عنده بصيرة لا بأس عليه.
стр. 94
معنى الخلود في قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها)
السؤال
من المعلوم أن عصاة الموحدين لا يخلدون في النار، فما معنى الخلود في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]؟
الجواب
معنى الخلود عند أهل السنة والجماعة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] معناه المكث الطويل؛ لأن الخلود خلودان: خلود مؤبد لا نهاية له، وهذا خلود الكفرة، والثاني: خلود مؤمد له أمد ونهاية، وهذا خلود عصاة الموحدين، وقد يطول مكث بعض العصاة لعظم جريمته، كالقاتل وغيره، ولكن له نهاية، فما دام أنه مات على التوحيد والإيمان فلا يخلد في النار.
стр. 95
ما يكون به الخروج على ولي الأمر
السؤال
هل يكون الخروج بغير السيف والقتال في منهج أهل السنة والجماعة؟
الجواب
الخروج يكون بالسيف، وكذلك يكون بالاجتماع في مكان معين ضد ولي الأمر، أو تأليب الناس عليه أو تنفيرهم منه، أو تحذيرهم من شره، أو حثهم على الخروج عليه، فالخروج يكون بما إذا حثهم على الخروج وأمرهم به، أو حسنه لهم، أو ما أشبه ذلك، وكذلك من الخروج إذا تجمعوا في مكان معين وخرجوا يطالبون أو ما أشبه ذلك، فهذا من الخروج.
стр. 96
الرد على مدعي ضعف أهل السنة في اعتقادهم حرمة الخروج على الولاة
السؤال
يرى البعض أن قول المعتزلة في الخروج على الأئمة الفساق فيه شيء من القوة والشدة الصارمة معهم، وقول أهل السنة فيه ضعف وخور وركون إلى الدنيا، وفيه الإقرار لهم على معاصيهم وفسقهم؟
الجواب
هذا السائل يميل إلى المعتزلة، وكلامه فيه ميل وركون إليهم، ونقول: أهل السنة كلامهم ليس فيه ضعف ولا خور ولا ركون إلى الدنيا؛ لأن أدلة أهل السنة واضحة كثيرة كحديث عوف بن مالك الأشجعي في صحيح مسلم، وهو من أصح الكتب بعد البخاري، وفيه قوله ﵊ رداً على من سأله عن الخروج عليهم: (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة) فأين يكون الضعف؟! لاشك في أنه في فهم هذا السائل، وإنما أتي من قبل نفسه، وأدلة أهل السنة واضحة قوية، وأهل السنة جمعوا بين النصوص جمعاً معقولاً، وعملوا بالنصوص من الجانبين، وعملوا بالقواعد العامة التي قررتها النصوص، كقاعدة المصالح والمفاسد، وفيها أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ومن يقول بعد هذا: إن أدلة أهل السنة فيها ضعف وهوى ومهانة، وأدلة المعتزلة فيها قوة؛ لا يكون مصيباً، وهو على غير بصيرة؛ لأنها قوة في الباطل.
стр. 97
بيان معنى الكفر البواح
السؤال
يقول بعضهم: إقرار البنوك الربوية وبناؤها من الكفر البواح، فما صحة ذلك؟
الجواب
ليس هذا من الكفر البواح، وإنما الكفر البواح هو الاستحلال، فمن استحل الأمور التي دلت النصوص الكثيرة على تحريمها، كالأمور المعلومة من الدين بالضرورة تحريمها، وصرح بأنه استحلها ففعله هو الكفر البواح، أما فعل المعاصي من غير استحلال فليس من الكفر البواح، والقول بأن فعل المعاصي من غير استحلال هو من الكفر البواح هو مذهب الخوارج والمعتزلة، أما أهل السنة فلا يرون أن فعل المعاصي من غير اعتقاد حلها من الكفر البواح، ومعنى الكفر البواح أي: الكفر الصريح الذي لا شبهة فيه، وأين البواح في مثل إنسان زنى؟! أتقول: هذا كفر كفراً بواحاً؟! وإنسان آخر تعامل بالربا؟! أتقول: هذا كفر كفراً بواحاً؟! أين الكفر البواح في مثل هذه المعاصي؟! لكن لو أن إنساناً أعلن قائلاً: الزنا حلال، وبينت له النصوص فقال: لا أقبلها، هو حلال، فهذا هو الكفر، أو سب الله أو استهزأ به أو بكتابه أو برسوله أو بدينه أمام الناس، فهذا هو الكفر البواح، فلا ينبغي أن يفسر الإنسان الكفر البواح على رغبته.
стр. 98
نصيحة ولاة الأمور وكيفيتها
السؤال
متى يجوز إنكار المنكر على الإمام إنكاراً عاماً؟
الجواب
لا يجوز الإنكار على ولاة الأمور بالخروج عليهم، ويقول العلماء في مثل هذا: إذا ترتب على إنكار منكر منكر أعظم فلا ينكر، فالإنكار على ولاة الأمور بالخروج عليهم من الشيء الذي يترتب عليه المنكر الأعظم، ولهذا قرر العلماء -كـ ابن القيم وغيره- أنه لا ينكر على ولي الأمر بالخروج عليه، وإنما بالنصيحة، والنصيحة إنما تكون سراً، وقد ثبت في صحيح البخاري عن بعض الصحابة أنه قيل له: ألا كلمت عثمان ﵁؟! وذلك في مسألة توليته لبعض الولاة، فقال هذا الصحابي: أترون أني لا أكلمه إلا وأنتم ترون؟! إني لأكلمه سراً فيما بيني وبينه حتى لا أفتح شراً.
أو كما قال ﵁، فالنصيحة لولاة الأمور إنما تكون سراً فيما بين الناصح وبينهم، وتكون عن طريق أصحاب البصيرة وأهل العلم؛ لأن العلماء وأهل البصيرة هم أعرف من غيرهم بالمعروف والمنكر، فلا يتولى هذا إنسان ليس عنده بصيرة، أو يتولاه إنسان حديث السن لم يتبصر ولم يتفقه في النصوص، وإنما عنده اندفاع، وتخفى عليه كثير من النصوص فلا يعرفها، ثم يندفع اندفاعاً على غير بصيرة.
стр. 99
أهل الفترة
السؤال
كيف نرد على من يقول: من نشأ في مجتمع كافر ولم يسمع قط بالإسلام، ولم ير مسلماً، ولم يسمع شيئاً من أمر هذا الدين، إلا الدين الذي رباه عليه أبواه، فليس عليه ذنب؛ لأنه لم تقم عليه الحجة؟
الجواب
هذا إذا وجد فظاهر النصوص أنه يكون من أهل الفترة، فإذا مات على ذلك فإنه يعامل معاملة المشركين في الدنيا، فلا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين في مقابرهم، وأمره في الآخرة إلى الله.
وقد اختلف العلماء في أهل الفترات الذين لم تبلغهم الدعوة فلم يعملوا شيئاً، فذكر شيخ الإسلام وابن القيم في آخر كتاب طريق الهجرتين أقوالاً، لكن اختاروا أنهم يمتحنون يوم القيامة، وجاءت في هذه المسألة أدلة وأحاديث كثيرة لا تخلوا من ضعف من ناحية الأسانيد، وفيها أنه يؤتى بالشيخ الكبير والهرم والفاني ومن لم تبلغه الدعوة ويوقفون بين يدي الله، وأنه يخرج لهم عنق من النار، فيقال لهم: ادخلوها، فمن وردها صارت عليه برداً وسلاماً، ومن لم يردها فقد عصى، جاءت بهذا المعنى أحاديث كثيرة لكنها لا تخلوا من ضعف، ويبدوا أنها بمجموعها يشد بعضها بعضاً، ولهذا قرر شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أن أهل الفترة يمتحنون أخذاً بهذه النصوص، والأصل في هذا قول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وهناك رسالة في مسألة حكم أهل الفترة موجودة في كلية أصول الدين، وهي رسالة ماجستير كنت أشرفت عليها منذ سنوات مضت، وعنوانها: (أهل الفترة).
стр. 100
حقيقة تلبس الجني بالإنسي
السؤال
وجد من طلبة العلم من أنكروا تلبس الجني بالإنسان وإلحاقه الضرر به، كما اعتقدوا -أيضاً- أن علم النفس هو أفضل من القرآن الكريم في علاج الأمراض النفسية، فهل هم على صواب أم لا؟ وكيف يكون الرد عليهم؟
الجواب
ليسوا على صواب، بل هم على باطل، وهذه سلسلة معروفة، وقد سُبِقوا إليها، وقبل سنوات أشيعت هذه المسألة، وبعض الناس سمع من يقررها في التلفاز، وقالوا: نحن نثبت الجن، لكن لا دليل يدل على تلبسهم بالإنس، فمن أنكر الجن فهو كافر؛ لأنه مكذب بالقرآن، وهما أحد الثقلين، لكن تلبسهم بالإنس أنكره بعض المتأخرين، وهي مسألة سبقتهم إليها المعتزلة، فالمعتزلة يقررونها هم وغيرهم، ويقولون: لا يمكن أن يتلبس الجني بالإنسي؛ لأن الجني جسم والإنسي جسم، فلا يمكن أن يدخل جسم في جسم، هكذا قرروا هذه المسألة، وهذا باطل بالعقل والسمع، والصواب الذي دلت عليه النصوص، ودل عليه العقل، ودل عليه الواقع والحس المشاهد أنه يمكن تلبس الجني بالإنسي، وهذا واقع مشاهد حادث لا ينكره إلا مكابر.
стр. 101
دروس في العقيدة [٥]
من الفرق التي انحرفت في فهم أسماء الله تعالى وصفاته فرقة الأشاعرة، حيث اعتمدت دليل العقل وقدمته على دليل الشرع، فأثبت أتباعها سبع صفات الله تعالى دل عليها دليل العقل القطعي الذي وافقه دليل الشرع، وما عدا ذلك فقد فوض بعضهم معناه وكيفيته، وأوله آخرون لظنية دليل الشرع الذي أثبته، كما أنهم والفرق المنحرفة الأخرى يعتقدون أن الإثبات تجسيم لله تعالى وتشبيه له بالمخلوقين.
стр. 102
بيان مذهب الأشاعرة في الصفات
عرفنا مما سبق أن العلماء قسموا التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية، وعرفنا الفرق التي انحرفت وأنكرت توحيد الربوبية، وشذت بذلك عن البشرية، وعرفنا الفرق التي انحرفت في باب الأسماء والصفات، وهي فرق التعطيل: الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، وأشدها انحرافاً الجهمية، ثم المعتزلة، ثم الأشاعرة.
وسبق الكلام عن الجهمية والمعتزلة، والحديث هنا سيكون عن الفرقة الثالثة إن شاء الله، وهي فرقة الأشاعرة.
والأشاعرة هم الذين ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري ﵀، فإن أبا الحسن الأشعري كان على مذهب المعتزلة أربعين سنة، ثم تحول إلى مذهب وسط، ثم بعد ذلك هداه الله، فاعتقد معتقد أهل السنة والجماعة، وقرر ذلك في كتبه، لكن بقيت أشياء يسيرة مأخوذة عليه ذكرها العلماء.
ومن العجيب أن الأشاعرة ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري مع أنه قد رجع عن معتقده السابق، واستمر هؤلاء على ما كان عليه سابقاً، وأما هو فقد رجع عنه وقرر معتقد أهل السنة والجماعة.
ومذهب الأشاعرة مذهب واسع الانتشار في الأرض، فقد عم كثيراً من أرجائها، وقد اعتنق هذا المذهب كثير من أهل الكلام، ومن أهل التصوف، ومن المحدثين، ومن الفقهاء من فقهاء الحنابلة والشافعية والمالكية والأحناف، حتى وقع في هذا المذهب بعض المحدثين الكبار، كالحافظين ابن حجر والنووي رحمة الله عليهما على جلالة قدرهما ومنزلتهما العظيمة في علم الحديث، فقد سلكا في الصفات مسلك الأشاعرة، وذلك بسبب أنهما نشأا منذ الصغر على هذا المذهب، وظنا أنه هو الحق، وأن هذا هو التنزيه، والإنسان إذا لم يوفق من أول أمره في المسير على معتقد أهل السنة والجماعة فإنه ينشأ على ما نُشِّئ عليه.
وقد نجد في بعض الأوقات أن هذا المذهب انتشر فيها انتشاراً كثيراً، وفي مقابل ذلك ينحصر مذهب أهل السنة والجماعة، فيحصل اللبس، ويظن بعض الناس أن مذهب الأشاعرة هو مذهب أهل السنة، حتى إن الأشاعرة أنفسهم يسمون أنفسهم أهل السنة، ومن هنا حصل اللبس، حتى قال السفاريني ﵀ في عقيدته: إن أهل السنة ثلاث طوائف: الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث، فجعل الجميع من أهل السنة.
وإن للأشاعرة شبهاً قوية قد يتأثر بها طالب العلم إذا كان في ابتداء الطلب ولم يكن عنده بصيرة، وقد تجرد الأئمة والعلماء للرد عليهم، كشيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم في كثير من كتبهما، وأبانا المعتقد الحق، وهو معتقد أهل السنة والجماعة الذي تقرره النصوص الشرعية، وتشهد له العقول الصحيحة، والفطر المستقيمة.
стр. 103
ما يثبته الأشاعرة من صفات الله تعالى
والمعروف المشهور عن الأشاعرة في الصفات أنهم يثبتون سبع صفات لله ، وهي: الحياة، والعلم، والإرادة، والسمع، والبصر، والقدرة، والكلام، وقد نظمها بعضهم فقال: له الحياة والكلام والبصر سمع إرادة وعلم واقتدر ومنهم من يثبت عشرين صفة، ومنهم من يثبت أربعين، لكن المشهور عنهم إثبات هذه الصفات السبع فقط، وأما ما عداها من الصفات فإنهم ينفونها ولا يثبتونها.
وهم في نفيها يسلكون أحد مسلكين: المسلك الأول: أن يرجعوها إلى معنى الصفات السبع، المحبة في قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] يقولون عنها: يريد أن يحبهم، فيرجعونها إلى معنى الإرادة، وهي من الصفات السبع التي يثبتونها.
والمسلك الثاني: أنهم يفسرونها ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات التي هي أثر من آثار الصفات، ولا يفسرونها بالصفات، فيفسرون اليد -مثلاً- بالنعمة، وأحياناً يفسرونها بالقدرة؛ لأن القدرة من الصفات التي يثبتونها، ويفسرون الغضب بالانتقام، والانتقام أثر من آثار الغضب وليس هو الغضب، ويفسرون الرضا بالثواب، والثواب أثر من آثار الرضا، ويفسرون الرحمة بالإنعام.
فقيل لهم: لماذا نفيتم هذه الصفات وأثبتم الصفات السبع، ولم يكن مسلككم في الصفات واحداً كما فعل أهل السنة، فإن الباب واحد، والقول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فكيف تفرقون بين الصفات فتنفون بعضها وتثبتون بعضها؟! وهذه القاعدة من الأصول التي رد بها أهل السنة على الأشاعرة، وهي أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فباب الصفات باب واحد.
فيجب إثبات الصفات لله جميعاً كما يجب إثبات الأسماء، ولا يجوز للإنسان أن يفرق بين الصفات فيثبت بعضها وينفي البعض الآخر.
فقالوا: إن إثبات غير الصفات السبع يلزم منه التشبيه والتمثيل؛ لأننا لا نشاهد في الخارج متصفاً بغير الصفات السبع إلا ما هو جسم، والأجسام تتشابه، فلذلك نفينا هذه الصفات عن الله، فالله ليس له مثيل ولا يشبهه شيء من مخلوقاته، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
فقصدنا من نفي بقية الصفات غير الصفات السبع تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات والأجسام، فلا نرى من يغضب ويرضى ويرحم إلا المخلوق، فإذا قلنا إن الله يغضب ويرضى ويرحم ويكره فقد شبهناه بالمخلوق، والله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
فقال لهم أهل السنة: إذا كنتم نفيتم بقية الصفات خوفاً من التشبيه والتمثيل؛ لأنكم لا تشاهدون متصفاً بهذه الصفات إلا ما هو جسم، فيلزمكم -أيضاً- أن تنفوا الصفات السبع؛ لأنكم لا تشاهدون متصفاً بالصفات السبع إلا ما هو جسم، فالمخلوق يتصف بالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، فكيف تثبتون سبع صفات مع أن هذه الصفات السبع موجودة في المخلوقات؟! فقالوا: إن هذه الصفات السبع نثبتها على وجه لا يماثل فيه الخالق المخلوق ولا يشابهه، فلا يلزم من إثباتها التمثيل.
فقال لهم أهل السنة والجماعة: وكذلك بقية الصفات يجب عليكم أن تثبتوها لله على وجه لا يماثل فيها الخالق صفات المخلوقين، فاسلكوا فيها ما سلكتم في الصفات السبع، فإذا كنتم تثبتون الصفات السبع على وجه لا يماثل الرب فيها صفات المخلوقين، فكذلك اثبتوا بقية الصفات على وجه لا يماثل فيها الرب صفات المخلوقين.
فقالوا: إن هناك فرقاً بين الصفات السبع وبين غيرها، وهذا الفرق هو الذي حملنا على أن نفرق بينها فنثبت الصفات السبع ولا نثبت بقية الصفات، وهو أن الصفات السبع دل عليها العقل مع الشرع، فأثبتناها، وأما بقية الصفات فإنه لم يدل عليها العقل وإنما دل عليها الشرع، ودلالة الشرع ظنية محتملة وليست صريحة.
وهذا الاستدلال مبني على قاعدتهم الفاسدة، وهي قاعدة لأهل البدع عموماً، وهي: أن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين، وأدلة القرآن والسنة دلالتها لفظية لا تفيد اليقين، والذي يفيد اليقين هو دليل العقل، ويسمون الأدلة العقلية قواطع عقلية، وبراهين يقينية، وأما دلالة النصوص فهي دلالة لفظية محتملة لا تفيد اليقين ولا القطع.
وهذا من البلاء والمصائب، أعني اعتقاد أن دلالة النصوص ظنية لا تفيد اليقين، وقد جعله ابن القيم ﵀ طاغوتاً، وحكم عليه بالكفر؛ لأنه منعهم من العمل بالنصوص والأخذ بها واعتقاد أنها تفيد اليقين، وهذا من أبطل الباطل، ويلزم بهذا لوازم فاسدة، منها أنه لا يوثق بالكلام ولا بالعقود، فإذا عقد الإنسان مع آخر عقد بيع فهذا لفظ يمكن ألا يتم به البيع، فله الفسخ، وإذا عقد عقداً للنكاح فإنه يقول: هذا عقد لفظي يمكن ألا يتم به النكاح، وهكذا.
ويلزم منه فساد المعاملة، وفساد الدنيا والآخرة، ويلزم منه أن كلام الله وكلام الرسول لا يوثق بهما ولا يعمل بهما، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى.
وهذا الطاغوت يجب كسره، وقد كسره ابن القيم رحمه الله تعالى.
فالمقصود أن هذه الشبهة أو هذا الطاغوت يتعلق به جميع أهل البدع، فالأشاعرة يقولون: إننا أثبتنا الصفات السبع لأنها دل عليها العقل مع الشرع، والعقل دليل قطعي، بخلاف بقية الصفات، فإنها لم يدل عليها العقل، وإنما دل عليها الشرع، ودلالة الشرع ظنية محتملة، فلذلك لم نثبتها.
فمثلاً: الفعل الحادث المتجدد يدل على القدرة، فهذا يخلق، وهذا يولد، وهذا يموت، وهذا نبات ينبت، وهذا يزول، وهذا غني، وهذا فقير، وهذا عزيز، وهذا ذليل، وهذه دولة تزول، وهذه دولة تنشأ، وهكذا، فهذا الفعل الحادث يدل على القدرة وأن الله قادر، فلذلك أثبتنا القدرة.
قالوا: وتخصيص بعض المخلوقات بخواص دون الأخرى يدل على الإرادة، فمثلاً: تخصيص هذا بالعلم، وهذا بالعقل، وهذا بالغنى، وهذا بالفقر، وهذا بالملك، وهذا بكونه مملوكاً، وهذا بالإمارة، وهذا بالوزارة، وهذا بالصعلكة، وهذا بكونه بطيء الغضب، وهذا بكونه سريع الغضب، هذا التخصيص يدل على أن الله مريده.
وكون الأحكام في غاية السداد والملاءمة في الأحوال يُدل على العلم، فهذا لا يصدر إلا عن علم، فأحكام الله الشرعية، وأحكام الله الجزائية، وأحكام الله القدرية في غاية السداد والملاءمة للأحوال، وهي تدل على العلم.
قالوا: فثبت لنا صفات القدرة والإرادة والعلم، وهذه الصفات الثلاث تستدعي الحياة، فلا تصدر إلا عن حي، فثبتت بذلك صفة الحياة، والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام أو ضد ذلك، والله له الكمال، فيتصف -إذاً- بالسمع والبصر والكلام.
قالوا: فثبتت لنا الصفات السبع بالعقل مع الشرع، والدليل العقل دليل قطعي، فالعمدة عليه، والشرع جاء موافقاً له، فاعتمدنا إثبات الصفات السبع، وأما بقية الصفات السبع فإنها لم يدل عليها العقل، ودلالة النصوص عليها دلالة ظنية محتملة لا تفيد اليقين، ولذلك لا نجزم بأن هذه الصفات ثابتة لله.
стр. 104
رد أهل السنة على الأشاعرة في طريقة الاستدلال
فقال لهم أهل السنة والجماعة: لنا جوابان عن هذا: الجواب الأول: جواب بالمنع، والجواب الثاني: جواب بالتسليم.
فالجواب الأول -جواب المنع- نقول: نمنع أن يكون العقل قد دل على الصفات السبع ولم يدل على ما سواها، بل إن العقل يدل على الصفات السبع ويدل على بقية الصفات أيضاً، ونحن نثبت لكم أن العقل يدل على بقية الصفات كما دل على الصفات السبع، فمثلاً: نفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة، فإذا كان الله تعالى ينفع عباده، ويحسن إليهم، فهذا يدل على الرحمة، فثبتت بذلك صفة الرحمة، وإكرام الله للطائعين ونصره لهم في الدنيا على أعدائهم يدل على المحبة، فثبتت لنا المحبة، وعقاب الله للكافرين وتسليطه المؤمنين عليهم يدل على البغض، وعقوبته لهم في الدنيا والآخرة يدل على البغض، فثبتت بذلك صفة البغض، والغايات المحمودة في مفعولات الله ومأموراته تدل على الحكمة البالغة، فحينما أوجب القصاص، وقطع يد السارق، وجلد الزاني، فهذه أراء محمودة تؤدي إلى الزجر عن المعاصي، فالغايات المحمودة في مأمورات الله الشرعية وفي مفعولاته تدل على حكمته البالغة، فثبتت الحكمة بالأصل، إذاًً فثبتت الرحمة والمحبة والحكمة بالعقل.
فنقول لهم: فلماذا لم تثبتوها -مع أن العقل قد أثبتها- كما أثبتم الصفات السبع؟! فهذا منكم تفريق بين متماثلين، وهو مكابرة منكم.
والجواب الثاني -وهو الجواب بالتسليم- أن يقال لهم: سلمنا تنازلاً مع الخصم أن العقل يدل على الصفات السبع ولا يدل على ما عداها، لكنه لا ينفي ذلك، وكون العقل لا ينفيها لا يدل على أنها ليست ثابتة في نفس الوقت، بل أثبت سبعاً وسكت عن الباقي، وإذا سكت عنها فليس معناه أنه ينفيها، بل قد دل دليل آخر عليها بأنها ثابتة، فالأدلة متعددة وليست محصورة في العقل، فإذا كان العقل لا يثبتها فهو لا ينفيها، وكونه لا ينفيها لا يدل على أنها ليست ثابتة في نفس الأمر؛ لجواز أن تكون ثابتة بدليل آخر، وهو الواقع هنا، فالعقل لم يثبتها لكن أثبتها الشرع، والشرع دليل مستقل بنفسه، كما أن العقل دليل مستقل، والطمأنينة إلى الشرع في باب الاعتقاد أقوى من الطمأنينة إلى العقل، فإذا كان الدليل العقلي يثبت الصفات السبع والدليل الشرعي يثبت بعض الصفات، وهذا دليل وهذا دليل، وكلاهما دليل معترف به، والطمأنينة إلى الدليل الشرعي في باب الاعتقاد أقوى من الطمأنينة إلى العقل؛ فما الذي سوغ لكم نفي مدلول الدليل الشرعي مع أنه دليل ومعترف به؟! فإثباتكم للصفات السبع بالعقل ونفيكم لما عداها -مع أن بقية الصفات قد دل عليها دليل آخر مماثل للعقل- مكابرة منكم.
وبهذا يبطل ما ذهب إليه الأشاعرة من التفريق بين الصفات من إثبات بعضها ونفي بعضها، ويتبين من هذا أن الأشاعرة متناقضون، فهم يفرقون بين الصفات مع أن الباب واحد، والقول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر.
ولهذا تسلط عليهم المعتزلة، فقالوا لهم: مذهبكم هذا غير معقول وغير متصور، بل أنتم مذبذبون، فكيف تثبتون بعض الصفات وتنفون البعض؟! فإما أن تثبتوا الجميع فتكونوا أعداء لنا كأهل السنة، أو تنفوا الجميع فتكونوا إخواناً لنا من جميع الوجوه.
فليس لكم إلا واحد من أمرين: أن تنفوا السبع الصفات فتكونوا معتزلة مثلنا، أو تثبتوا بقية الصفات فتكونوا مشبهة مجسمة -لأنهم يسمون أهل السنة مشبهة ومجسمة- أما أن تبقوا مذبذبين فهذا لا يصح؛ لأنه تناقض.
стр. 105
دحض شبهة أهل التعطيل
فالشبهة التي يعتمد عليها جميع فرق أهل التعطيل من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة هي أنهم يقولون: يلزم من إثبات الصفات التشبيه والتجسيم، والأجسام تتشابه، والله ليس له شبيه ولا مثيل، والأشاعرة يقولون: يلزم من إثبات الصفات -عدا الصفات السبع- التشبيه والتجسيم، والمعتزلة يقولون: يلزم من إثبات الصفات التشبيه والتجسيم، بخلاف الأسماء، فإنه لا يلزم منه التشبيه أو التجسيم عندهم.
والجهمية يقولون: يلزم من إثبات الأسماء والصفات جميعاً التشبيه والتجسيم؛ لأننا لا نرى متصفاً بهذه الصفات أو مسمى بهذه الأسماء إلا وهو جسم، والله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، لكنهم عموا عن آخر الآية: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وهذه طريقة أهل البدع، فإنهم يقولون ببعض النصوص ويتركون البعض الآخر، فأخذوا بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وعموا عن قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
ولما أصلوا هذه الشبهة واعتمدوا عليها، ثم جاءت النصوص في إثبات الصفات صاروا مترددين بين أحد أمرين: إما أن يسلكوا مسلك التفويض، وإما أن يسلكوا مسلك التحريف، وهذا يسمونه تأويلاً، والتفويض معناه: أن يسكتوا عن تفسير معناها ويعتقدوا أنها ليس لها معنى، ويفوضون المعنى إلى الله، فيقولون: لا نعلم معناها، فالعلم والقدرة والاستواء لا نعلم معناها، وطريقة التفويض هذه نسبوها إلى السلف زوراً وبهتاناً، والصحيح أنها ليست طريقة السلف، فالسلف يعرفون المعنى، وهؤلاء يفوضون ويقولون: لا نعلم معناها، فلفظ (استوى) والعلم والقدرة والسمع مثل الحروف الأعجمية، فكما أن العربي لا يفهم معنى الحروف الأعجمية فكذلك لا يفهم معنى (استوى) والقدرة والعلم والسمع والبصر إلى آخر الصفات.
وهذه الطريقة يسمونها طريقة التفويض، وهي باطلة؛ لأنها ليست طريقة السلف، وطريقة السلف هي إثبات المعنى وتفويض الكيفية، ولهذا لما سئل الإمام مالك ﵀ عن الاستواء قال: الاستواء معلوم -أي: معلوم معناه في اللغة العربية- والكيف مجهول، يعني أن الكيفية مجهولة، فلا نعلم كيف اتصف بهذه الصفة، فهذا هو الذي نفوضه إلى الله.
ولهذا فسر العلماء الاستواء بالاستقرار والصعود والعلو والارتفاع، لكن كيفية استواء الرب أمر مجهول، وهو الذي نفوضه؛ لأنه لا يعلم كيفية الاستواء إلا هو، ولا يعلم كيفية النزول إلا هو، ولا يعلم كيفية العلم إلا هو، ولا يعلم كيفية القدرة إلا هو، وهكذا يقال في جميع الصفات، فالصفة معلومة، والكيف مجهول، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة، لكن هؤلاء سلكوا مسلك التفويض، فهم يفوضون المعنى لا الكيفية، وهذا غلط.
الطريق الثاني: طريق التحريف، وهم يسمونه تأويلاً، وهو أن يخترعوا للصفات معاني يبتدعونها من عند أنفسهم، فمثلاً صفة اليد قالوا: معناها القدرة، والرحمة معناها: النعمة، والرضا معناه: الثواب أو الإنعام، والغضب معناه: العقاب، وهكذا، فهذه طريقة التحريف الذي يسمونه تأويلاً.
ويقولون: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، وقصدهم بطريقة السلف طريقة التفويض، وهذا من أبطل الباطل، فليست هذه ولا تلك طريقة السلف، بل طريقة السلف هي إثبات معاني الصفات، فهم يثبتونها، وإثباتهم لها على ما يليق بجلاله وعظمته، ويقولون: كيفية الصفات لا يعلمها إلا الله ، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات فكذلك صفاته لا تشبه الصفات، فنحن نقطع ونجزم بأن لله صفات لكنها صفات لا تشبه صفات المخلوقين، فنحن نثبتها لله ونعلم معناها، لكن لا نعلم الكيفية هذه هي الشبهة التي يعتمد عليها أهل البدع، وقد رددنا عليها تفصيلاً، فقد رددنا على الجهمية، ثم على المعتزلة، ثم على الأشاعرة.
وهناك جواب إجمالي -وهو نافع ومفيد- على هذه الشبهة التي يعتمد عليها جميع فرق المعطلة، وهو أن يقال: إن الله أثبت لنفسه الصفات، وأثبت لنفسه الأسماء، وكذلك أثبتها له رسوله، وفي المقابل نفى عن نفسه المشابهة والمثل فقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وقال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥].
فالله تعالى نفى عن نفسه المشابهة والمماثلة، فلو كان يلزم من إثبات الصفات التشبيه والتمثيل لما أثبتها تعالى لنفسه، فالقرآن والسنة أثبتا الصفات، ونفيا التمثيل والتشبيه.
ومع نفيه سبحانه عن نفسه المشابهة أثبت لنفسه الصفات في نص واحد، فقال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فهنا نفى عن نفسه المماثلة، ثم أثبت لنفسه الصفات فقال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] فنهى عن ضرب الأمثال له، ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤]، فأثبت لنفسه العلم.
فلو كان نفي المماثلة يستلزم نفي الصفة لما أثبت الله الصفة لنفسه، وللزم من ذلك التناقض في كلام الله وكلام رسوله، وحاشا أن يكون في كلام الله تناقض، فالله ينفي عن نفسه المماثلة ويثبت لنفسه الصفات في نص واحد، فلو كان إثبات الصفة تمثيلاً للزم التناقض في كلام الله؛ لأنه القائل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فهذا نفي المماثلة، وقال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ومن المعلوم أنه ليس هناك شيئان في الوجود إلا وهناك قدر مشترك بينهما، فيشتركان في مسمى الشيء، ووجوده في الذهن، فكل شيئين في الدنيا بينهما اشتراك في الذهن يشتركان فيه، لكن متى يكون هذا الاشتراك؟! يكون عند القطع عن الإضافة والتخصيص، وهذا لا يلزم منه المشابهة والمماثلة في الخالق، فليس هناك شيئان إلا وبينهما قدر مشترك يشتركان فيه في الذهن، فهناك تشابه لا بد منه في الذهن، ومن نفى التشابه فقد نفى وجود الله، ونفى صفاته، كما قرر ذلك الإمام أحمد ﵀ في رسالته: (الرد على الزنادقة)، وكما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية، فمن قال: إن الله لا يشبه المخلوقات بوجه من الوجوه فقد أنكر وجود الله، بل هناك وجه تحتمله المشابهة، وهو القطع عن الإضافة والتخصيص في الذهن لا في الخارج، وهو مسمى الشيء والوجود.
فكلمة (شيء) وكلمة (موجود) تشملان الخالق والمخلوق، فالله شيء، قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:١٩] والله موجود، والمخلوق شيء، وهو موجود، فهذا اشتراك في الذهن وليس في الخارج، ويزول هذا الاشتراك عند الإضافة والتخصيص، فنقول: وجود الله، ووجود المخلوق، فينتهي الاشتراك، فوجود الله أكمل من وجود كل موجود، ووجود المخلوق ناقص مسبوق بالعدم، وأيضاً يلحقه النقص من النوم والموت، بخلاف وجود الخالق سبحانه.
إذاً: فليس هناك شيئان إلا وهما يشتركان في مسمى الشيء ووجوده، فلفظ (موجود) لا يلزم منه الاشتباه في مسمى الأمر ووجوده الذي هو أمر ذهني، ولا ينسحب هذا الاشتباه إلى الاشتباه عند وجوده في الخارج، وهذا هو أصل بلاء المعطلة الذين ظنوا أن الاشتباه الذي يكون في الذهن في مسمى الشيء والوجود ينسحب إلى المماثلة في الخالق، وهذا باطل.
فالعرش والبعوضة والفيل تشترك في مسمى الشيء ووجوده، فالبعوضة شيء، والعرش شيء، والفيل شيء، فهل يقول عاقل: إن اشتراك البعوضة والفيل أو العرش في مسمى الشيء والوجود يلزم منه الاشتراك في الصفات؟ لا يقول بذلك أحد، وهذا عند القطع عن الإضافة والتخصيص، لكن إذا قلت: وجود الفيل، ووجود البعوضة، ووجود العرش، فلا اشتراك حينئذ؛ لأنك أضفت وخصصت، وإنما يوجد الاشتراك عند القطع عن الإضافة والتخصيص، وهو يكون في الذهن.
وكذلك أسماء المخلوقين وصفات المخلوقين تشارك أسماء الله وصفاته عند القطع عن الإضافة والتخصيص، وهذا يكون في الذهن، فإذا قيل: هل لفظ العلم، ولفظ القدرة، ولفظ السمع، ولفظ البصر، فيها اشتراك؟ قلنا: نعم؛ لأن السمع يشمل سمع الخالق وسمع المخلوق، والبصر يشمل بصر الخالق وبصر المخلوق، والعلم يشمل علم الخالق وعلم المخلوق، والقدرة تشمل قدرة الخالق وقدرة المخلوق، ويزول الاشتباه عند الإضافة والتخصيص، فتقول: علم الخالق، وعلم المخلوق، وقدرة الخالق وقدرة المخلوق، وهكذا بقية الصفات.
وكذلك لفظ (الإنسانية) في الذهن يشترك فيه عمر وخالد وبكر، وعمر وخالد لا يشتبهان في الخارج، لكنهما يشتبهان في مسمى الإنسانية، فكل منهما إنسان.
ومثله مسمى الحيوانية، ففيه اشتراك، فيدخل فيه الأسد والنمر والخيل والحمار والكلب والقرد، لكن إذا جئت إلى أوصاف هذه الحيوانات فلن تجد اشتباهاً بين القرد والفرس في الخارج.
стр. 106
ضلال أهل الكلام والفلسفة في إثبات توحيد الربوبية
إن توحيد الأسماء والصفات أثبته الله لنفسه في كتابه، وأثبته له رسوله ﵊ في سنته، فالأسماء والصفات كلها ثابتة لله، وهذه الطوائف انحرفت في هذا التوحيد مع أنه فطري، كما أن توحيد الربوبية أمر فطري أيضاً، ومع ذلك انحرفت فيه هذه الطوائف، وأقر بهما المشركون ولم ينكروهما، وقد عرف الله تعالى العباد بنفسه وبصفاته وأفعاله، وعرفهم بعظيم حقه حتى يعبدوه، ولهذا فتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وسيلة إلى توحيد الألوهية والعبادة، فالغاية هي توحيد الألوهية والعبادة، فقد خلق الله الخلق ليعبدوه ويوحدوه، ويخلصوا له العبادة.
ولهذا نجد القرآن الكريم يحتج على المشركين في إلزامهم بتوحيد الألوهية بتقريرهم بتوحيد الربوبية، فكما أنكم تقرون بتوحيد الربوبية فأقروا بتوحيد الألوهية، واعبدوا الله وأخلصوا له الدين، فهو يلزمهم بشيء يعتقدونه ويثبتونه.
فتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات أمران فطريان فطر الله عليهما جميع الخلق، إلا من شذ، وقد أثبتهما المشركون في أزمنة متعددة من الأزمنة الغابرة.
مع ذلك فكثير من أهل الكلام، وكثير من أهل النظر، وكثير من أهل الفلسفة، وكثير من أهل التصوف قد تعبوا في إثبات توحيد الربوبية، حتى قال بعضهم: إنه لا يمكن إثباته بالعقل، مع أنه أمر فطري أقر به المشركون، وأقر به قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وأقر به مشركوا العرب، كما في القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت:٦١]، وقال: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٨]، وقال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس:٣١].
إذاً: فهؤلاء لم ينكروا توحيد الربوبية، ولم تنكره الأمم السابقة، ومع ذلك جاء أهل الكلام والنظر والفلسفة والتصوف فقالوا: لا نستطيع إثبات توحيد الربوبية بالعقل، وقالوا: إنما يتلقى بالسمع لا بالعقل.
فالفلاسفة وفرق المتصوفة تعبوا وهم يقررون النظريات والمناهج الفلسفية ويؤلفون الكتب في إثبات توحيد الربوبية، فقد سئموا وتعبوا كثيراً حتى وصلوا إلى توحيد الربوبية، وظنوا أنهم بوصولهم إلى توحيد الربوبية قد وصلوا إلى الغاية والنهاية، فهم مع تعبهم العظيم وإضاعتهم للأوقات، وتفنيدهم للكتب والأوراق يصلون في النهاية إلى شيء قد سبقهم إليه عباد الأصنام والأوثان، فعباد الأصنام والأوثان أقروا بتوحيد الربوبية بكل يسر وسهولة، وليس عندهم فيه إشكال، وأهل الكلام والتصوف صعب عليهم توحيد الربوبية.
وقال كثير من أهل الكلام: إن الدليل على وجود الرب هو دليل التمانع، وهو أمر فطري، قال تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم:١٠] ففطر الله جميع الخلق على إثبات وجوده، وهؤلاء يقولون: الدليل على إثبات توحيد الربوبية دليل التمانع.
ودليل التمانع عندهم هو دليل بطريقة السبر والتقسيم، فيقولون: لو كان للعالم خالقان وربان، فعند اختلافهما -كأن يريد أحدهما تحريك جسم والآخر يريد تسكينه، أو يريد أحدهما إحياء شيء والآخر يريد إماتته- لا يخلو الأمر من أن يحصل مرادهما، أو يحصل مراد واحد منهما، أو لا يحصل مرادهما جميعاً، والعقل لا يتصور أكثر من هذا التقسيم، فأما الأول فباطل تماماً، وهو أن يحصل مرادهما جميعاً؛ لأنه يلزم منه الجمع بين المتناقضين، فيكون الشيء متحركاً ساكناً في نفس الوقت، أو يكون حياً ميتاً في نفس الوقت، وهذا مستحيل وممتنع، فبطل الأمر الأول.
والثالث -أيضاً- مستحيل، وهو أنه لا يحصل مراد واحد منهما؛ لأنه يلزم منه رفع النقيضين معاً، فيكون الشيء غير متحرك ولا ساكن، ولا حي ولا ميت، وهذا مستحيل، فرفع النقيضين كالجميع بينهما، ويلزم منه عجز كل منهما، والعاجز لا يصلح أن يكون إلهاً.
ولم يبق إلا الأمر الثاني، وهو أن يحصل مراد أحدهما ولا يحصل مراد الآخر، فالذي يحصل مراده هو الإله القادر، والذي لا يحصل مراده عاجز لا يصلح للألوهية ولا للربوبية.
قالوا: فهذا هو الدليل على إثبات الرب، فنقول لهم: لا حاجة إلى هذا؛ لأن إثبات الرب أمر فطري فطر الله عليه الخلق، وهو أمر ضروري لا يستطيع الإنسان أن ينكره.
وبعضهم يظن أن هذا الدليل هو معنى قول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]؛ لاعتقادهم أن توحيد الربوبية الذي قرروه هو توحيد الألوهية، وهذا باطل، فإن الآية ليست في دليل التمانع في الخالق، وإنما هي تمانع في الألوهية؛ لأن الله قال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ﴾ [الأنبياء:٢٢].
وهذا أيضاً إنما يكون بعد وجودهما؛ لأنه قال: ﴿لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، فهذا فساد بعد الوجود، فبين أنه لو كان فيهما معبودان لفسد نظام السموات والأرض، وأن الفساد يلزم من وجود إلهين، وأنه لا صلاح للسموات والأرض إلا بأن يكون فيهما معبود واحد، وأن يكون هذا المعبود هو الله وحده؛ لأن السموات والأرض إنما قامتا بالعدل، وأعدل العدل هو توحيد الله ، وأظلم الظلم هو الشرك.
فأهل البدع يظنون أن هذه الآية تدل على توحيد الربوبية، وهذا خطأ، وإنما تدل على توحيد الألوهية الذي يتضمن توحيد الربوبية.
стр. 107
أهمية العلم بالفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد العبادة
إن كثيراً من الناس لا يفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، ويظنون أن الموحد هو الذي يثبت الرب ويثبت أسمائه وصفاته وأفعاله فقط، ولو لم يعبده، وهذا باطل.
فالتوحيد الذي أثبته القرآن، والذي خلق الله الخلق من أجله، وأرسل به الرسل، وأنزل به الكتب، هو توحيد العبادة والألوهية الذي يتضمن توحيد الربوبية، فالمعبود هو الخالق، والعاجز لا يصلح للعبادة، فالله تعالى معبود لكماله؛ لما اتصف به من الصفات العظيمة، فهو له الكمال المطلق؛ لأنه متصف بالأسماء الحسنى، ولأنه خلق الخلق وأوجدهم من العدم، ولأن هذا الكون قام به سبحانه، وهو الحي القيوم.
إذاً: فالتوحيد الذي قرره القرآن هو توحيد العبادة، وهو الذي أنكره المشركون، لكن كثيراً من أهل الكلام وأهل النظر وأهل الفلسفة وأهل التصوف لا يعرفون توحيد العبادة، ويظنون أن توحيد الربوبية هو توحيد العبادة، وأنه لا فرق بينهما، وأن من أثبت الربوبية فقد عبد الله، وهذا من أبطل الباطل، والأدلة على هذا كثيرة، وقد أخبر الله سبحانه عن الأمم السابقة أنهم كانوا يقرون بالربوبية، وإنما حصل شركهم في العبادة، قال عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣]، وقد ثبت في صحيح البخاري وفي كتب التفسير وقصص الأنبياء أن هذه الأسماء -وهي: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر- أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا وغلا فيهم من بعدهم لصلاحهم، وعكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.
إذاً فشرك قوم نوح كان في العبادة، فأرسل الله إليهم نوحاً ﵇ ليدعوهم إلى الله، ويدعوهم إلى توحيد وإخلاص العبادة له، فمكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى التوحيد.
فالمطلوب هو توحيد العبادة، ولا يكفي توحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية وسيلة إلى توحيد العبادة.
وكذلك قوم صالح ﵇، فقد كانوا كفاراً، ومع ذلك كانوا يقرون بوجود الله، وكان كفرهم هو عدم توحيد الله، وعدم الاعتراف والإقرار والإيمان بنبوة صالح ﵊، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل:٤٨ - ٤٩]، فهؤلاء التسعة الرهط من قوم صالح كانوا كفاراً، ومع ذلك أقسموا بالله على قتل نبيهم صالح ﵇ وأهله، فهم مقرون بتوحيد الربوبية، قال تعالى: ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ [النمل:٤٩]، وكان شركهم في العبادة، وقد دعاهم صالح ﵊ إلى عبادة الله ولم يدعهم إلى توحيد الربوبية؛ لأنهم مقرون بتوحيد الربوبية.
وكذلك المشركون في زمن النبي ﷺ ، وسائر الأمم السابقة، كأمة الهند والترك والبربر، كل شركها كان في العبادة، بدليل أن هذه الأصنام التي وجدت في قوم نوح انتقلت إلى العرب، كما ثبت ذلك عن ابن عباس، وقد أخبر الله تعالى عن المشركين أنهم كانوا يقرون بالربوبية، وأن شركهم إنما هو في عبادة هذه الأصنام، قال الله تعالى عنهم وهم يطلبون شفاعتهم وتقريبهم إلى الله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر:٣] أي: قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، فهم أشركوا في العبادة، فهم يطلبون القربى من الله بهذه الأصنام والأوثان، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨].
وثبت في الصحيحين أن أم سلمة وأم حبيبة كانتا قد هاجرتا إلى الحبشة، فذكرتا للنبي ﷺ كنيسة رأتاها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله).
وقال ﵊: (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك) لأن ذلك ذريعة إلى الشرك.
وقال ﵊ قبل أن يموت بخمس ليال: (لا تتخذوا القبور مساجد)، وقال: (لا تتخذوا قبري عيداً)، قالت عائشة: لولا ذلك لأبرز قبره ﵊.
إذاً: فالتوحيد مطلوب من الأمم، وهو خلاصة دعوة الرسل وزبدتها، وأما أهل الكلام وأهل النظر وأهل الفلسفة وأهل التصوف؛ فلا يفرقون بين توحيد الربوبية وبين توحيد الألوهية، وهذا من البلاء، فلا بد من أن يكون طالب العلم على بصيرة من هذا الأمر، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﵊ قال: (كل مولود يولد على الفطرة -وفي رواية: على الملة- فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، ولم يقل: أو يمسلمانه، فدل هذا على أنه مفطور على الإسلام.
وفي الحديث الذي رواه الإمام مسلم وأحمد -وهو حديث قدسي- يقول الرب : (إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشيطان عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم).
وأما توحيد الربوبية فهو أمر فطر الله عليه جميع الخلق، قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ * وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ * وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم:٣٠ - ٣٧].
ففي هذه الآيات مناقشة ومحاجة ومجادلة للمشركين، وإثبات لتوحيد الألوهية والربوبية، فلابد من معرفة هذا الأمر.
وهؤلاء -أعني الفلاسفة وأهل التصوف وأهل النظر وأهل الكلام الذين غايتهم ونهايتهم توحيد الربوبية- إن لم يوحدوا الله في ألوهيته فهم مشركون من جنس أمثالهم من المشركين والوثنيين، فإذا ماتوا على ذلك فهم من أهل النار؛ لأن من مات وهو مثبت لتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات ولا يعبد الله ولا يوحده؛ فهو من أهل النار، ولا ينفعه هذا التوحيد؛ لأن الرسول ﵊ كفر المشركين، واستحل دماءهم وأموالهم مع أنهم كانهوا يقرون بتوحيد الربوبية.
إن كثيراً من أهل الكلام -ومنهم بعض الأشاعرة- لا يفرقون بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، ويفسرون (لا إله إلا الله) بتوحيد الربوبية، ويقولون معناها: لا خالق إلا الله.
وهذا غير صحيح؛ لأنه لو كان معناها (لا خالق إلا الله) لما امتنع المشركون من اعتقادها، ولهذا لما قال النبي ﷺ لكفار قريش: (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) امتنعوا وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص:٥ - ٦] أي: اصبروا على عبادة الأصنام والأوثان، ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص:٦ - ٧] أي: ما سمعنا بهذا الكلام في الأمم السابقة، فبعض الأشاعرة يقول: المعنى: لا خالق إلا الله.
فيفسرون الإله بالخالق، وبعضهم يقول: لا قادر على الاختراع إلا الله، وهذا تفسير باطل، فمعنى (لا إله) ك لا معبود بحق (إلا الله)، وهذه هي كلمة التوحيد، وهي كلمة عظيمة لأجلها خلق الله الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وحقت الحاقة، ووقعت الواقعة، وقامت القيامة، وانقسم الناس إلى فريقين: شقي وسعيد، فكيف يكون معناها: لا قادر إلا الله؟! إن عظمة هذه الكلمة لا تتبين، ولا يظهر منها أنها تنفي الألهية عن جميع المعبودات إلا إذا فسر الإله بالمعبود، فيكون معنى (لا إله)، أي: لا معبود، فـ (لا) نافية للجنس تعمل عمل (إن)، فتنصب الاسم وترفع الخبر، و (إله): اسمها، والخبر محذوف والتقدير: لا إله حق إلا الله، والمعنى: لا معبود بحق إلا الله، وهذا هو الذي دلت عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله.
وأما تفسير بعض الأشاعرة وبعض أهل الكلام للإله بأنه القادر أو الخالق؛ فهو تفسير باطل؛ لأن معناه تفسير كلمة التوحيد بتوحيد الربوبية، وهذا باطل، فلو كان المعنى: (لا خالق إلا الله)، فهل يمتنع المشركون من أن يقولوا: لا خالق إلا الله وقد قال تعالى عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]؟! إن كثيراً من الصوفية لا يفرقون بين توحيد الر
стр. 108
الأسئلة
стр. 109
اعتقاد الأشاعرة في ذات الله تعالى
السؤال
هل صحيح أن الأشاعرة يعتقدون أن الله في كل مكان؟
الجواب
المعروف عن المتقدمين من الأشاعرة أنهم لا يعتقدون هذا الاعتقاد، فـ أبو الحسن الأشعري وغيره لا يثبتون العلو، وقد يفسرون الاستواء بالقدرة.
وأما متأخروا الأشاعرة -كـ الرازي - فقالوا بنفي النقيضين عن الله، وهذا القول أشد من القول بالحلول.
والرازي أشعري، لكنه تحول بنفيه النقيضين عن الله إلى جهمي، فقرر في كتابه (أساس التقديس) وغيره أن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايث له، ولا متصل به ولا منفصل عنه! وهذا أشد من القول بالحلول، والأشاعرة لا يقولون بالحلول، وإنما يقول بهذا الجهمية ومن تحول إليهم من الأشاعرة كـ الرازي.
والجهمية -كما سبق- طائفتان: طائفة تقول بالحلول والاتحاد، وهم المتقدمون منهم، كعباد الصوفية، وطائفة تقول بنفي النقيضين عن الله، وهؤلاء أشد كفراً ممن يقول بالحلول والاتحاد؛ لأن هذا وصف لله بالممتنع، فمن كان لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايث له، ولا متصل به ولا منفصل عنه، فكيف سيكون؟! سيكون معدوماً، بل أشد من المعدوم، فإنه يمتنع ويستحيل وجود من يتصف بهذه الأوصاف.
وأما الذين يقولون بالحلول والاتحاد فإنهم أثبتوا وجودين أحدهما حل في الآخر، وهذا كفر، ولكنه أقل كفراً من نفي النقيضين.
فالمقصود أن الأصل في الأشاعرة أنهم لا يقولون بهذا، لكن من قال منهم بالحلول أو الاتحاد، أو قال بنفي النقيضين فإنه يتحول من كونه أشعرياً إلى كونه حلولياً أو اتحادياً.
стр. 110
الأشاعرة والقول بخلق القرآن
السؤال
هل يقول الأشاعرة بخلق القرآن؟
الجواب
لا يقول الأشاعرة بذلك، والمعروف أن الذين قالوا بخلق القرآن هم الجهمية والمعتزلة، وأما الأشاعرة فيثبتون الكلام لله تعالى، لكن لا يثبتونه على الوجه الصحيح، فكلام الله عندهم معنىً قائم ليس بحرف ولا صوت؛ لأن الحرف والصوت عندهم مخلوقان، ويقولون: إن كلام الله تعالى في نفسه كالعلم، فلا يسمع، وإن جبريل عبر عن المعنى القائم في نفس الله بالقرآن، فالله تعالى اضطره حتى فهم المعنى الذي قام في نفسه، فعبر به.
ويقولون أحياناً: إن الذي عبر بالقرآن هو محمد ﷺ ، فالقرآن قول محمد وقول جبريل، فالمعنى من الله واللفظ من محمد وجبريل ﵉، فجبريل فهمه من نفس الله، والله تعالى لا يتكلم بحرف ولا صوت؛ لأن الحرف والصوت حادثان، هكذا يقولون.
وقال بعضهم: إن الذي تكلم بالقرآن هو محمد ﷺ ، وقال بعضهم: هو جبريل، وقال بعضهم: إن جبريل أخذه من اللوح المحفوظ ولم يتكلم به الله، وعلى هذا فيكون القرآن الموجود بين أيدينا على مذهب الأشاعرة يسمى قرآناً مجازاً؛ لأن كلام الله تأدى بالقرآن، وكلام الله معنى تأدى بهذا النص؛ لأن الكلام معنى نفسي لا يسمع، لكن هذا القرآن تأدى به كلام الله، فيسمى كلام الله مجازاً.
وهم أحياناً يقولون عند خصومهم: القرآن كلام الله، وأما عند المناظرة فيقولون: إن مقصودنا بذلك أنه كلام الله مجازاً، وقلنا: كلام الله لأنه تأدى به كلام الله.
وعلى هذا المذهب تكون الحروف والأصوات مخلوقة، والمعنى غير مخلوق، فيكون مذهبهم نصف مذهب الجهمية والمعتزلة، فالمعتزلة يقولون: إن القرآن مخلوق حروفه ومعانيه، والأشاعرة يقولون: إن المعاني ليست مخلوقة، وأما الحروف والألفاظ فمخلوقة.
وصفة الكلام من الصفات السبع التي أثبتوها، لكنهم لم يثبتوها على وجهها، فالكلام عندهم معنىً قائم بالنفس لا يسمع، والحروف والأصوات دليل على ذلك المعنى، ويستدلون بقول الأخطل النصراني: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا فالكلام في القلب، واللسان يعبر عما في القلب ويترجم عنه ويدل عليه فقط، فهذا القرآن الموجود في المصاحف ليس كلام الله، بل هو عبارة عن كلام الله؛ لأنه تأدى به كلام الله تعالى، وهذا مذهب خطير.
ولهذا تجرد الإمام ابن القيم ﵀ في كثير من كتبه، وكذلك شيخ الإسلام وغيرهم من علماء السنة للرد على هؤلاء؛ لأن أمرهم ملتبس أكثر من التباس مذهب الجهمية والمعتزلة، ولأنهم يسمون كتبهم كتب أهل السنة.
следующие страницы →