Полный текст (549 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
كتمان شهادة الحق
ثم قال النبي ﷺ : (وكتمان شهادة الحق) هذه عكس الأولى.
دخلت امرأة على شريح القاضي تبكي بكاءً مراً، تقول: زوجي ظلمني أيها القاضي! وتبكي، والقاضي يرى مثل حالتها كل يوم، وقد عرف المغزى، فقال له من بجواره: أيها القاضي مظلومة، قال له: وما الذي أدراك؟ قال: ألا ترى بكاءها؟ فقال له: إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاءً يبكون، وقد رموا أخاهم في الجب، أي: جاءوا بعد غياب الشمس من أجل الدموع الكاذبة لا تكون واضحة، نسأل الله أن يجعلنا من أهل الصدق.
فإياك وكتمان شهادة الحق، وإن طلبت منك شهادة، فلا تقل: وأنا مالي؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة:٢٨٣].
стр. 142
قبض العلم
قال النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم) معنى: (يقبض العلم) أي: أن الله يميت العلماء الصالحين، فيكون العالم الملتزم الذي لا يخاف في الله لومة لائم بضاعة نادرة، فلا يبقى إلا علماء السلطة في كل مكان.
ولما مات الملك فؤاد كان عمر ابنه فاروق ست عشرة سنة ونصف سنة، وكان دستور المملكة المصرية أيامها أن الملك لا يصعد للملك إلا عندما يكون عمره ثماني عشرة سنة، فكيف العمل بالملك فاروق؟ أتوا بثلاثة أو أربعة من الأزهريين، ولا أغتاب العلماء، فهؤلاء أساتذتي وعلمائي وتعلمنا على أيديهم، وهذا المعهد له فضل على الآلاف المؤلفة بل الملايين على مر الزمن، اللهم أعده إلى ما كان عليه من الحق يا رب العالمين.
إذاً: فأتوا بعلماء من الذين يريدونهم، من أصحاب القوانين، فقالوا: كيف نجعل عمر فاروق ثماني عشرة سنة؟ فقالوا: نحسب سنه بالشهور الهجرية، والشيطان ينفث في روع أهل الفتاوى الباطلة فأوصلوا عمره إلى ثماني عشرة سنة، فصدر المرسوم بأنه الملك، فقللوا المدة، وهو لم يكمل ثماني عشرة سنة كاملة، ولكن ضيقوا المدة جداً، وبعدما تولى رجعوا سنه حقيقة مرة ثانية، سبحان الله! فهذا من انتزاع العلم، فليست العبرة بكميته، ولذا قال النبي ﷺ : (يميت العلماء الصالحين، الأول فالأول، فلا يبقى في الناس إلا جهال) الحديث سماهم جهلة رغم علمهم؛ لأنهم يفتون الناس فيَضلون ويُضلون والعياذ بالله، والمصيبة أنه يقول لك: حطها في رقبتي! ولماذا تحمل رقبتك؟! وما عساها أن تحمل رقبتك؟ فلا تجعل في رقبتك إلا شيئاً تعرفه، والله اعلم.
بينما كان سيدنا عمر ﵁ يمشي وجد امرأة حاملاً، فلقيت أمامها أمير المؤمنين فجأة، والمفاجأة التي حصلت لها أنها لما وصلت البيت أسقطت الذي في بطنها، فأشتكى زوجها لأمير المؤمنين، جئت أشكو إليك منك، فماذا حدث؟ قال له الرجل: لقد رأتك زوجتي على حين غرة فخافت منك، وأنت رجل مهيب، فسقط ما في بطنها.
فخاف سيدنا عمر، فصعد المنبر وقال: أيها الناس! بينما أنا سائر في الطريق إذ التقيت بامرأة فجأة، فسقط ما في بطنها أعلي شيء؟ قالوا: لا يا أمير المؤمنين! فقال سيدنا علي: يا أمير المؤمنين! إن كانوا قد نصحوك فقد غشوك، ويوم القيامة لن ينفعوك، عليك غرة، يعني: عليك دية؛ لأن هذا قتل خطأ.
ومثال قتل الخطأ: أن يمشي أحد ببندقية ولقي عصفوراً على الشجرة، فرمى العصفور، ونفذت الرصاصة من الشجرة إلى بلكونة فقتلت إنساناً، فهذا قتل خطأ، ونقول للقاتل: عليك مائة ألف جنية، وهي عدل مائة ناقة؛ لأن الناقة بألف جنية؛ لذلك أحذر الذين يعملون عملية إجهاض، فلينظروا كم مرة قتلوا ثم ليضربوا في مائة ألف!
стр. 143
كثرة الزلازل
قال النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل).
عندما تسمع هذا الكلام لا تملك إلا الصلاة والسلام على رسول الله.
قوله: (تكثر الزلازل) من فضل الله أن حزام الزلازل العالمي موجود في شرق إيران وغرب المغرب وجنوب السودان وشمال مصر، وعندما تنظر الخريطة تجد العالم الإسلامي داخل حزام الزلازل، والزلازل بعيدة عنه بفضل الله ، وعمل خبراء الجيولوجيا في جزيرة العرب بحثاً عن الزلازل، أي: هل سيوجد زلزال فيها أم لا، فلم يجدوا أي أثر لأي ثورات بركانية محتملة تحت الجزيرة العربية، وبالذات في منطقة مكة والمسجد النبوي الشريف، وتجد إيطاليا فيها زلازل، وبينها وبين مصر البحر الأبيض، وفي ناحية غرب إيران تقع الزلازل، وحزام الزلازل بعيد عنا، وهناك عند البربر، وهناك جماعة البوليساريو، وتجد هناك أناساً في الجنوب مشركين.
وقد حدث زلزال بسيط على زمن سيدنا عمر، فقال: أيها الناس! لا تتزلزل الأرض إلا لذنوب صنعت فوقها، فاتقوا الله عباد الله، واستقيموا يرحمكم الله، اللهم! لا تهلك أمة محمد وعمر بينهم.
стр. 144
تقارب الزمان
وقال النبي ﷺ : (ويتقارب الزمان) المراد: نزع البركة من الوقت، وفي الحديث: (السنة كشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كالضرمة) مر علينا أسبوع من الدرس الماضي وكأنه أمس.
فلا بركة في الوقت، ومن أجل ذلك قطع الناس الأرحام؛ لأن المسافة تأخذ وقتاً من الإنسان.
أحد الصالحين ذهب يحج من الشام، فكلما كان يمشي مرحلة، ينزل ويريح الدابة، ثم يصلي ركعتين، هذا غير الفرائض طبعاً، فالذين معه جلسوا يحسبون له، فقالوا: صلى ألفي ركعة، واحزناه لنزع البركة من الوقت.
اللهم بارك لنا في أوقاتنا، وبارك لنا في أعمارنا، وبارك لنا في أموالنا، وبارك لنا في أبنائنا وبناتنا وذرياتنا وزوجاتنا، إنك يا رب العباد على ما تشاء قدير.
стр. 145
ظهور الفتن
ثم قال النبي ﷺ : (فتظهر الفتن) أظن الفتن هذا الوقت متعددة متنوعة.
يسألني رجل فيقول: أصحيح يا شيخ أو أمعقول أن يمد ولد يديه على أمه؟ يقول: نجد الكثير ممن ضرب أباه أو أمه، أو بصق على وجه أبيه، أو طرد أمه من الشقة، هل هذا حقيقي؟ أقول: حقيقي في حالة واحدة فقط، ولعل السبب: أن الزوج أبا الولد عندما جاء يتزوج امرأته أكل عليها مؤخر الصداق، ونوى ألا يؤديه لها، فكأنما يزني بزوجته، أو يكون الزوج كثير الحلف بالطلاق، فطلق امرأته أكثر من خمس عشرة مرة، ويعيش معها، ويكون مع امرأته في الحرام، ورزق بولد يضرب أباه وأمه؛ لأنه ابن حرام والعياذ بالله، لا تفسير عندي إلا ذلك، أما ابن من صلب أبيه وصلب أمه، فلا يمد يده بالفطرة على والديه، ولا لسانه أيضاً، ولن يكره أباه ولا أمه فطرة، اللهم اجعل أبناءنا بررة بنا، واجعلنا بارين بآبائنا أحياءً وأمواتاً يا رب العالمين.
وقول النبي ﷺ : (وتظهر الفتن)، الفتن والبلايا كثيرة.
رجع النبي ﷺ مرة من غزوة في السنة السابعة من الهجرة فقال: (مالي أرى الفتن تتساقط على بيوتكم تساقط المطر)، أي: الفتن تتساقط على بيوت الصحابة، أما على بيوتنا فكيف؟! ماذا نصنع يا رسول الله؟ قال: (اتقوها بتقوى الله)، تقوى الله ألا يجدك حيث نهاك ولا يفتقدك حيث أمرك.
стр. 146
كثرة القتل
ثم قال النبي ﷺ : (ويكثر الهرج)، أي: القتل، كم حادثة تقرؤها في الجرائد عن القتل، فرجل قتل امرأته، وآخر قتل أباه، وثالث قتل ابن عمه، وهكذا.
وفي رواية ثانية: (لا يدري القاتل لم قتل، ولا المقتول لم قتل).
وقد قال النبي ﷺ : (من رفع على أخيه حديدة فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله) هذا لم يضرب، وإنما رفع فقط، أما الذي يضرب وبالذات الضرب على الوجه، فأمره عظيم، فاحذر أن تضرب امرأتك على وجهها، أو تضرب ابنك على وجهه، أو تضرب العامل الذي عندك على وجهه؛ لأنه في الحديث: (إن الله خلق آدم على صورته، فمن صفع مسلماً - والعياذ بالله - كأنما صفع وجه رب العباد سبحانه).
كان الرسول يؤدب بالسواك، ولم يكن يضرب، فما ضرب بيده امرأة قط، وما ضرب بيده إلا في سبيل الله، في ﷺ ، ولنا فيه أسوة حسنة، وكان يهدد أنساً فيخرج له السواك ويقول: يا أنيس! لولا مخافة القصاص يوم القيامة لأوجعتك ضرباً بهذا السواك، فهذه منتهى قسوة سيدنا الحبيب ﷺ .
стр. 147
فيضان المال
وقوله ﷺ : (ويفيض المال).
كيف يفيض المال؟ أي: يكثر، وليس فيه بركة، في الحديث الثاني: (حتى تعطي الصبي المائة دينار فيستقلها).
كان سيدنا عمر يذهب ليحج ويرجع بستة عشر درهماً، يعني: بأربعين قرشاً، فتجد من يتفلسف ويقول: سعر الذهب كذا، ويقول: قرأت في الأهرام منذ أسبوعين حلقات في تحليل الربا، أو تحليل الفوائد، فأقول: اقرأ براحتك يا أخي! اقرأ حتى الصبح، فالربا حرام.
فالمسألة: أن المال كثير ولكن ليس فيه بركة، تأتي للولد بمائة جنية فيقول لك ماذا أفعل بها؟! هل أشتري بها بنطلون أم جزمة أم قميص؟ وكان الأمر عند أجدادنا القريبين، يعن: سنة ١٩٠٠م أيام الشيخ محمد عبده رحمة الله عليه، فتجد أحدهم بمائة جنية يعد باشا، لكن في هذا الوقت صار الكل باشا.
стр. 148
علو أهل الفسق في المساجد
ثم قال ﷺ : (إن من علامات الساعة علو أهل الفسق في المساجد) وما دخل أهل الفسق في المساجد؟ تخيل أن مائة عالم من فقهاء المسلمين، التابعين لرابطة العالم الإسلامي في مكة، وأشرف أن أكون عضواً فيها، أصدرنا فتوى سنة ١٤٠٧هـ بتحريم السجائر؛ بناء على واحد وثلاثين سبباً، فليس لسبب واحد أو اثنين، وإنما لواحد وثلاثين سبباً، يعني اجتمعت اللجان العلمية وقررت إصدار الفتوى وتخيل هذا الحرام وهذه الرائحة السيئة تكون داخل بيوت الله فماذا تقول؟ ولما أن يلحق بالمساجد دور مناسبات، تلاقي رائحة السجائر تدخل على المصلين، وتجد أن المساجد تحدث فيها والعياذ بالله سرقات، فمن قائل: صندوق النذور الذي للمسجد الفلاني استرق منه ٥٤٠٠٠ جنيه.
ومن علو أهل الفسق في المساجد والعياذ بالله، أن تجد واحداً أول مرة يدخل الجامع، ويكون الإمام قد أخر الصلاة قليلاً، فتجده يقول: الآذان! الإقامة! وتجده بعد ذلك يقول لك: إن من السنة أن تخفف الخطبة قليلاً، فلا تطولها هكذا، فأقول: سأخفف الخطبة إلى ٢٥ دقيقة، مثلما تقول الأوقاف، لكن آخذ راحتي في الصلاة مثلما فعل الرسول، وسأقرأ جزءاً من البقرة في الركعة الأولى وهذا تخفيف فهل سترضى؟! وربنا يجعلنا وإياكم في المسجد كالسمك في الماء، إن خرج منه مات، اللهم اجعلنا من أهل المساجد ومن المحبين لها ولأهلها يا رب العالمين.
стр. 149
ظهور أهل المنكر على أهل المعروف
قال ﷺ : (وظهور أهل المنكر على أهل المعروف).
ماذا يعني علو أهل المنكر على أهل المعروف، اذهب إلى قسم شرطة لتكتب محضراً وأنت ملتح تلبس جلباباً من الذين يقال عليهم أصحاب الجوامع، ودع راقصة من الراقصات تدخل في الوقت نفسه لكن تكون مشهورة! فبالله عليك لمن ينظر بعين الاحترام؟ إليك يا متطرف أم إليها؟ التفسير واضح وبين.
انظر سيدنا الحبيب ﷺ ، يعطيك العلاج فقال: (علو أهل الفسق على أهل التقوى) أي: علو أهل الفجور على أهل البر، وعلو أهل الانحراف على أهل الصلاح، عندما تأخذ الضرائب من رقاصة مليون جنيه ونصف، للتصالح فقط، أما لو كانوا متخاصمين كان سيأخذون عليها كم؟!
стр. 150
إماتة الصلاة والاستخفاف بالدماء وبيع الدين بالدنيا
وقال النبي ﷺ : (إذا ظهرت في أمتي هذه الخصال فارتقب الساعة) وهذا الحديث رواه ابن ماجة والترمذي.
(إذا أماتوا الصلاة).
معنى: أماتوا الصلاة أي: أن الصلاة ليس لها صوت، حتى القناة الثانية ليس فيها آذان، تأتي الموسيقى الحزينة التي تشبه الموسيقى الجنائزية هذه، فتعرف أن الأذان جاء، وبعدها تتابع المسلسل الأجنبي، تابعه وخذ راحتك في الحرام.
ثم قال النبي ﷺ : (واستخفوا بالدماء).
أي: صار الدم عند الناس رخيصاً، مع أن نقطة دم مسلم تساوي عند الله الكثير، بل في الحديث: (لهدم الكعبة أهون عند الله من سفك دم مسلم) فأين سيذهب من شنق الناس وتعذيبهم وقتلهم.
ثم قال ﷺ : (وباعوا الدين بالدنيا) العاقل يبيع دنياه بدينه، فيربحهما جميعاً، وإن كان ممن يبيع الدين بالدنيا فسيخسرهما جميعاً.
سيدنا سعيد بن جبير ﵀، لما أتى به الحجاج من أجل أن يقتله، وكان سعيد بن جبير من عظماء التابعين ﵁، فقال له: ما اسمك؟ قال له: اسمي سعيد بن جبير، قال: بل أنت شقي بن كسير، فقال له: أمي سمتني سعيداً.
انظر إجابات الناس المؤمنين بهدوء، قال له: لقد سعت في هلاكك، فيرد عليه سيدنا سعيد ويقول له: الغيب يعلمه غيرك، أي: هذا العلم ليس بيديك، قال له: لأبدلنك من دنياك ناراً تلظى، يرد سيدنا سعيد فيقول: لو أعلم أن ذلك لك ما اتخذت إلهاً غيرك.
أي: لو أن ييديك الجنة والنار كنت سجدت لك، لكنك عبد مثلي.
فأتوا له بخشبة وصلبوه عليها، وكلما عدلوا الخشبة بعيداً عن القبلة أبت إلا أن تتجه ناحية القبلة بجسم سعيد ﵁، قال: ألقوه على وجهه، قال سيدنا سعيد: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، قالوا: اطرحوه أرضاً، قال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥]، فلما قتل سعيد بن جبير ﵁، عاش الحجاج بعدها سبعة أيام، وفي كل يوم يرى سعيد يجري وراءه بسيف، فيقوم فزعاً، جاءت له حالة عصبية، ومات من هذا الخوف والعياذ بالله رب العالمين.
فإياك وظلم المسلمين أو استحلال دمائهم أو أموالهم أو أعراضهم، نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم.
стр. 151
ضعف الحكم وكثرة الطلاق والقذف وموت الفجأة ونزول المطر قيظاً
وقوله ﷺ : (ويكون الحكم ضعفاً) أي: يكون عدم اتخاذ القصاص وحدود الله، فيسرق السارق، ويتلاعب بالمرتبات بلا حسيب أو رقيب؛ لأن الحكم ضعف.
وقوله ﷺ : (ويكثر الطلاق).
أي: يتساهل الناس بالطلاق، لأتفه الأسباب، وإن بقيت معه سنين، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧].
وقوله ﵊: (وموت الفجأة).
أي: من ضمن علامات الساعة موت الفجأة، وقد كثر في هذا الزمان، فينبغي للمسلم أن يكون مستعداً دائماً للقاء الله، من أجل إذا جاءه ملك الموت فجأة فهو مستعد للقاء الله ، وموت الفجأة راحة للمؤمن، وحسرة على الفاجر.
وقوله ﵊: (وكثرة القذف).
أي: يقذف الناس بعضهم بعضاً؛ لأنه لا حدود تقام، أما لو كانت الحدود مقامة فلن يشتم أحد أحداً في أمه، فإما أن يأتي بأربعة شهود، وإما أن نجلده ثمانين جلدة، وعندما تقذف أمه أرأيتها تعمل ذلك؟ لا يجوز هذا ولو كنت تمزح معه، فإن كان معك ثلاثة شهود غيرك سلمت من الحد وإلا فتجلد ثمانين جلدة، بالله عليك هل كان يكثر الكلام في هذا؟ كتحية الصنايعية في الصباح، ولا يغضب من وقعت هذه الكلمات على رأسه، فلابد أن نقولها بصراحة، وماذا نفعل؟ فكثرة القذف من علامات الساعة.
وقوله ﷺ : (وكان المطر قيظاً).
أي: بعد ما ينزل المطر بالرحمة ينزل بالعذاب، أرأيتم السيول التي في بنجلادش ماذا تعمل؟ نسأل الله السلامة، سيول تقتلع القرى.
стр. 152
كثرة اللئام
وقوله ﷺ : (وفاض اللئام فيضاً).
أي: اللئام من كثرتهم يفيضون كفيضان البحر، قالوا لسيدنا أبو حنيفة ﵀: يا أبا حنيفة! كم عدد مجانين العراق؟ فابتسم سيدنا أبو حنيفة، وقال: أنا على عد عقلائهم أقدر.
وفي هذا الوقت تجد الصغير ابن أربع سنين لئيماً، تخاف من نظراته، بعدما كان قديماً وديعاً بريئاً؛ لأن كثيراً من الأمور ما يعرفها، وأطفالنا ولله الحمد فيهم ذكاء، يكلمني أحدهم بالإنجليزي: KG١ يعني: في أولى حضانة، ويقول أحدهم لأمه: يا ماما من أين جئنا؟ فتقول له: من عند ربنا، وقالت كذلك لأنها لا تستطيع أن تفهمه بالضبط، فتقول له: من بطني، أو إن ربنا جعلك في بطني كذا، وكبرت بطني، ثم خرجت.
стр. 153
فجور الأمراء وكذب الوزراء وخيانة الأمناء والقراء فسقة
ثم قال النبي ﷺ : (وكان الأمراء فجرة، والوزراء كذبة، والأمناء خونة) تجد أمين مخزن أو أمين اللجنة يختلس، وطالما أنه لا يوجد أمان ولا نصح، فليس إلا الخسار والدمار.
هناك شركة النفط من سنة ١٩٥٢م وهي في خسارة مستمرة؛ لأن الأمناء خونة.
قال: (والقراء فسقة).
بعض القراء يتاجرون بالقرآن وهذا فسق، والفسق هو الخروج عن الحق، وذلك كمن يقرأ ويأخذ خمسة آلاف جنية في الليلة.
стр. 154
مخالفة الباطن للظاهر
ثم قال النبي ﷺ : (إذا لبسوا مسوح الضأن، قلوبهم أنتن من الجيف، وأمر من الصبر، يغشيهم الله فتنة، يتهاوكون فيها كما تهاوك اليهود الظلمة).
يعني: تجد المرء يلبس لباساً نظيفاً جداً وتنظر إليه وتقول: هذا واحد لا أفضل منه، ثم يكون لصاً مرتشياً مختلساً مرابياً، سيئ الخلق، لا يتقي الله ولا يحافظ على الصلاة، ولا يزكي ماله، وإنما هو مظهر فقط، فلان ذهب وفلان أتى.
ومعنى (يلبسون مسوح الضأن) أي: يلبسون ما ليس لهم، أو يقولون ما ليس حقاً، مثلاً: مدير مكتب، يقول للسكرتير: من سأل عني فقل له: أنا غير موجود، وهو بالداخل.
стр. 155
كثرة الخطايا والغلول وتحلية المصاحف وزخرفة المساجد
وقوله ﷺ : (وتكثر الخطايا، وتغل الأمراء).
كل واحد في موقع يغل، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١] ربنا سيجعلها غلاً في عنقه، والعياذ بالله رب العالمين.
وقوله ﷺ : (وحليت المصاحف).
تنظر إلى المصحف في هذا الزمان في علبة ذهب، المصحف بخمسة جنيهات، لكن العلبة بـ جنيهاً، ويعطونه رشوة لأستاذ المادة، فانتفع هو بهذا نتيجة قيامه بهذا العمل.
لكن إن فعلنا حفلة تكريم لأحد وأعطيناه هدية فهذه ليست رشوة؛ لأن الرجل قد مضى، فمن باب شكره وإكرامه نعطيه هديه؛ لأنه قد تعب معنا طوال مدة الخدمة، وأسلوبه كان طيباً، فنحن نكرمه، فمن باب الوفاء إكرامه، والإسلام يحض على هذا.
وقوله ﵊: (وصورت المساجد).
صورت -بالصاد- يعني: كان فيها زخارف تلهيك عن الصلاة، وكان سيدنا عمر ﵁ يقول للذي يبني الجامع: لا تحمر ولا تصفر ولا تخضر، وإنما أكن الناس من الحر والمطر والبرد، وإنما أبني أربعة حيطان وسقف، وليس كل ما في المساجد يبقى، وإنما تشغل الناس عن الصلاة.
وقوله ﵊: (فالدمار عليكم) يعني: الهلاك، قال ﷺ في حديث آخر: (لا تزخرفونها ثم لا تعمروها إلا قليلاً) صدقت يا رسول الله! تلاقي مساجد بالفدان، وعدد المصلين فيها قليل.
стр. 156
تطويل المنابر وتخريب القلوب وتعطيل الحدود
وقال ﵊: (وطولت المنابر).
اليوم طولت المنابر، يكون ارتفاعه عشرين درجة أو نحوها، أما يكفي أن يجعل ثلاث درجات! فلا أشرف ولا أعلم من رسول الله عند الله.
ثم قال ﷺ : (وخربت القلوب) (خربت) أي: أنها لا تبقى عامرة بالإيمان، فاحذر أن يكون صدرك ضيقاً.
ثم قال ﷺ : (وعطلت الحدود).
أبو بكر وعمر وعثمان كانوا قاعدين حول النبي ﷺ مستغربين، أمعقول أن تعطل الحدود؟! من سنة ١٩٢٢م ونحن الآن داخلون على سنة ١٩٩٢م أي: منذ ٧٠ سنة، لما طبقوا الحدود في الحجاز، فأقاموا الحدود فقطعوا أيدي أربعة سرق، وتجد من يقول: هذه لا إنسانية، وهل الإنسانية أنه يسرقني؟ فربنا رحيم، قال: اقطع يده فقط، ولو أقيمت الحدود وقطعت أيدي اللصوص، فستختفي كل السرقات، وهكذا إن أقيمت سائر الحدود، فالانحرافات التي على الساحة ستختفي كلها.
стр. 157
تشبه النساء بالرجال والعكس والاستهانة بالأيمان والشهادة من غير طلب وكثرة الشرط وبيع الحكم واتخاذ القرآن مزامير
ثم قال النبي ﷺ : (وتشبه النساء بالرجال، والرجال بالنساء).
أحياناً لا يعرف الرجل هو مع من، أمع عزيزة أم مع محمود؟ وذلك لتشبه الرجال بالنساء.
ثم قال النبي ﷺ : (وحلف بالله).
ألم يكن الصحابة يحلفون بالله؟ بلى كانوا يحلفون، لكن لفظ الجلالة عندهم كان عظيماً، لا يؤتى به في أبسط الأشياء.
ثم قال النبي ﷺ : (وشهد المرء من غير أن يستشهد).
هذا كحال من وجد سيارتين ارتطمتا ببعضهما فمباشرة يقول لأحدهما: أنت غلطان، ولم ير ما حصل.
ثم قال ﷺ : (وعلت أصوات الفسقة في المساجد) والعياذ بالله.
(وبيع الحكم) وهذا وقع، كما يحصل في الانتخابات ونحوها.
ثم قال ﵊: (وكثر الشرط) أي: الشرطة.
(واتخذ القرآن مزامير).
وعندما يدفن أحد قريباً له، يأتي أناس يقرءون القرآن، فيحرفون ويغيرون، وتكون قراءتهم بصوت جماعي، ولم يرد جواز قراءة القرآن جماعياً إلا في التعليم فقط، ثم بعد قراءتهم يريدون مالاً.
стр. 158
اتخاذ المساجد طرقاً
ثم قال ﵊: (والمساجد طرقاً) أي: أن يبقى المسجد طريقاً فقط، فيدخل الإنسان ليتوضأ أو ليقضي حاجته ثم ينصرف، يعني: يستخدم المسجد كدورة مياه، أما أن يصلى فيه، أو تحضر الدروس العلمية فليس هذا عند كثير من الناس.
فهذه خمسة وتسعون علامة من علامات الساعة الصغرى، وكلها ظهرت، ولم يبق إلا أن تطلع الشمس من مغربها، أو أن تظهر الدابة، أو ينزل المسيح ﵇، أو أن يظهر المسيخ الدجال، أو الدخان، أو يأجوج ومأجوج، وعندئذٍ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً.
أيها الأخ المسلم الكريم! إنها دروس مرعبة ومخيفة حقيقة، تعرفنا أصول ديننا وأحكامه، فليعد الإنسان إلى رحاب ربه، ولندع عسى أن تكون ساعة من ساعات الإجابة: اللهم اختم لنا منك بخاتمة السعادة أجمعين، اللهم اختم لنا بالإيمان يا رب العالمين.
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك.
اللهم إنا نسألك إيماناً صادقاً، وعلماً نافعاً، ونعوذ بك من علم لا ينفع، ومن دعاء لا يسمع، ومن عين لا تدمع، ومن بطن لا تشبع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تقنع، ومن دعاء لا يسمع.
اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، أكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، كن لنا ولا تكن علينا، آثرنا ولا تؤثر علينا، انصرنا ولا تنصر علينا، اغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.
اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا، واقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به الجنة، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وانصرنا على من عادانا.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها الإخوة الأحباب! يعز على الإنسان أن يدعكم مدة، وتتركون في قلب المسلم وقلبي فراغاً كبيراً، فإني أحبكم في الله ، وأنتم أحبتي في الله، جمعنا الله وإياكم دائماً في كل ما هو خير، وجمعنا وإياكم على تقواه وطاعته، وعلى الاستقامة على طريقه، إن ربنا على ما يشاء قدير.
لا تنسونا أبداً من صالح دعائكم، واجعلونا في بالكم دائماً، فإن دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجاب إن شاء الله، وأنا لن أنساكم أبداً إن شاء الله من الدعاء.
جزاكم الله عني خيراً، وبارك فيكم وبوركتم دنيا وأخرى، وأستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
стр. 159
سلسلة الدار الآخرة_علامات الساعة الكبرى
للساعة علامات صغرى وكبرى، والعلامات الصغرى نذير وتنبيه لتحقق العلامات الكبرى، وأول علامة من علامات الساعة الكبرى هي طلوع الشمس من مغربها ثم ظهور الدابة تكلم الناس أنهم كانوا بآيات الله لا يوقنون، ثم خروج الدخان ثم يظهر المسيح الدجال ثم ينزل المسيح ﵇ فيقتله، ثم يخرج الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق.
стр. 160
سؤال الجنة والاستعاذة من النار
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً وبعد: فقد تحدثنا في الحلقة السابقة وهي الحلقة السابعة عن علامات الساعة الصغرى، وتواعدنا أن تكون الحلقة الثامنة وهي حلقة اليوم إن شاء الله في علامات الساعة الكبرى، وأريد أن أكرر ما أقوله دائماً: إن الحديث عن الدار الآخرة أو عن الموت وما بعده أو عالم الغيب بعد أن تفيض روح الإنسان إلى بارئها وينزعها الملك الموكل بقبض الأرواح فإن كانت صالحة فهي في روضة من روضات الجنة إلى أن تقوم الساعة، وإن كانت غير ذلك فهي في حفرة من حفر النار إلى أن تقوم الساعة، والعياذ بالله رب العالمين.
نسأل الله أن يجعل قبورنا روضة من رياض الجنة، وأن يدخلنا وإياكم جنته بدون سابقة عذاب، ولقد قال لنا الصادق المعصوم ﷺ في حديث رواه الترمذي: (إن المسلم إذا انفتل من صلاته) وفي رواية ثانية: (إن المؤمن إذا انفتل من صلاته ولم يسأل الله الجنة قالت الجنة: يا ويح هذا انفتل من صلاته ولم يسأل الله أن يدخله عندي.
وإذا انفتل المؤمن من صلاته ولم يستعذ بالله من النار، قالت النار: يا ويح هذا امتثل من صلاته ولم يستعذ بالله مني ومن حري، وسعيري، وأغلالي، وسلاسلي.
وإذا انفتل العبد من صلاته ولم يسأل الله أن يزوجه من الحور العين، قالت الحور العين: يا ويح هذا انفتل من صلاته ولم يسأل الله أن يزوجه منا).
فهذا الحديث يدل على فضل الدعاء، والدعاء مخ العبادة، فالمؤمن يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار، عسى أن تكون ساعة الدعاء من ساعات الإجابة؛ فأهل الجنة سيقعدون مع بعض ويتذاكرون الدنيا وما عملوا فيها.
إن العبد سيكتشف أن كتاب أعماله فيه الضلال والهداية، والانحراف والاستقامة، ما بين ما اسود من صفحات وما ابيضت اللهم اجعل صفائح كتبنا بيضاء يا رب العالمين! رئي الإمام مالك في المنام بعد موته، والرؤيا لا تحقق قاعدة شرعية، ولكن رؤى الصالحين كلها خير، وكان الذي رآه هو تلميذه الليث بن سعد إمام أهل مصر، ولولا أنه لم يكن له تلاميذ لوصلت شهرته إلى ما وصل إليه مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وبسبب أنه ليس عنده تلاميذ فقد انطمر ذكر الليث بن سعد إلا للمتخصصين الذين يبحثون عن تاريخ الصالحين، اللهم الحقنا بهم يا رب العالمين.
فـ الليث رأى أستاذه مالكا في المنام ففرح به فقال له: ماذا صنع الله بك يا مالك؟ فقال: لقد غفر الله لي، وذلك أني كلما رأيت جنازة كنت أقول: سبحان الحي الذي لا يموت.
وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله له بها درجات)، فرب كلمة واحدة يقولها صاحبها فيدخل الجنة بها.
والعكس أن الكلمة من سخط الله قد تضيع الدنيا والآخرة.
وقال سيدنا داود ﵇: يا رب! أكرمتني، وأنعمت علي، وألنت لي الحديد وجعلت الجبال تؤوب معي وتسبح، والأنهار والمياه تقف عن الجريان عند سماع صوتي وأنا أقرأ الزبور، يا رب! أنا أريد أن أشكرك.
قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]، وسأل سيدنا داود ربه ومولاه فقال: يا رب! كيف أشكرك على نعمك الكثيرة؟ قال: يا داود! احمدني بأي كلمات شئت.
فقال: لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
فقالت الملائكة: يا رب عبدك داود قال كلمة لم نجد عندنا حسنات نكافئه عليها ونضع له في الكتاب، فقال: يا ملائكتي! اكتبوها كما هي وأنا الذي سوف أجازيه عليها يوم القيامة.
وسيدنا ركانة كان مصارع العرب، فأتى المدينة ليزور قريباً له.
فدخل المسجد النبوي وصاح فيه بأعلى صوته أنه يريد أن ينتقم من النبي ﵊ ويأخذ حقه منه بيده، فانزعج الصحابة انزعاجاً شديداً وقاموا إليه قومة رجل واحد، أما الرسول ﷺ فلاطفه بالقول، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
ودخل رجل على الحجاج فقال له: يا حجاج! لقد أوتيت ما لم يؤته رسول الله.
فقال الحجاج: وما هو؟ قال: قال الله لرسوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]، وأنت يا حجاج! فظ غليظ القلب وما انفضضنا من حولك إلا لأنننا خائفون من بطشك.
فقال رسول الله ﷺ ، لـ ركانة أنت ركانة؟ قال له: نعم أنا ركانة، قال: أتصارعني يا ركانة؟ قال له: يا محمد! لا تحرج نفسك أمام أصحابك قال له: لو صرعتك أتسلم؟ قال: نعم، فتصارعا فصرعه النبي ﷺ في المرة الأولى والثانية والثالثة فقال ركانة: لابد وأن الذي يغلبني بقدرة غير بشرية وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
فأحب الرسول والإسلام والصحابة والمدينة، ثم أتى بعياله وامرأته وعاش في المدينة.
(وكان ركانة واقفاً مع بعض الأنصار، فأتى النبي ﷺ من خلفه ووضع يديه على عيني ركانة ثم قال مازحاً: من يشتري هذا العبد مني؟ فقال ركانة: إذاً تجدني كاسداً يا رسول الله! فقال رسول الله: ولكنك عند الله لست بكاسد).
وكان ﷺ دائم التبسم لا يغضب إلا إذا انتهكت حرمة من حرمات الله.
فـ ركانة يريد أن يأخذ تصريحاً من فم الحبيب ﷺ أنه ليس كاسداً عند الله في الدنيا والآخرة وإنما هو عند الله غال، فالمهم أن الإنسان يثبت على كلمة التوحيد، وعلى كلمة الحق والصدق واليقين نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الصدق في القول والعمل والفعل إن ربنا على ما يشاء قدير.
وعلامات الساعة الصغرى قد ظهرت ورأيناها كلها رأي العين، فقد ثبت صدق أحاديث النبي ﷺ في ظهور علامات الساعة الصغرى.
وإذا كان الصحابة قد أيقنوا بأحاديث النبي ﵊ في علامات الساعة وإن لم تظهر في زمانهم، فإننا قد رأينا هذه العلامات على مر الزمن التي تدل على صدق النبي ﷺ في أقواله لنا، وهذا نذير لأن يتوب العبد إلى ربه، وأن يستيقظ من غفلته.
وسيدنا الإمام الشافعي صلى بالمسلمين صلاة الصبح فلما انتهى من الصلاة اقترب منه رجل فقال له: كيف حالك يا إمام؟! فقال له: كيف حال رجل وكتاب الله شاهد عليه، وسنة الحبيب ﷺ تأمره بالمتابعة، والشيطان يحثه على الشهوات، والعيال يشغلونه بالقوت، والنفس تمنيه وتشجعه على طول الأمل؟ فمن حقق هذه الأمور أيقن أن الله سوف يأخذه على حين غرة، ولذلك لما مات الشافعي ﵀ رآه تلميذه الوراق في الرؤيا فقال له: كيف حالك يا إمام؟! فبكى الشافعي وقال: حاسبونا فدققوا ثم منوا فأعتقوا هكذا تصنع الملوك بالمماليك يرفقوا إن قلبي يقول لي ولساني يصدق كل من مات مؤمناً ليس بالنار يحرق وعلامات الساعة الصغرى تربو على المائة وقد ظهرت كلها ولم يبق إلا علامات الساعة الكبرى.
وعلامات الساعة الكبرى قد يعجب العبد منها؛ لأنها لقلة إيماننا وضعف يقيننا نظن أنها أمر شبه مستحيل، لكن الصحابة فقد أيقنوا أن ما يخرج من فم الرسول ﷺ فهو صدق كله وحق، فما علينا إلا أن نصدق بما جاء في الكتاب وفي السنة على لسان الصادق المعصوم ﷺ .
стр. 161
علامات الساعة الكبرى
وعلامات الساعة الكبرى ست علامات واحدة وراء واحدة، وأول علامة تظهر فإنه يغلق باب التوبة ويغلق باب العمل، فمن الواجب أن نكون في حالة من الرعب والخوف؛ لأن العلامات الصغرى نذير لنا لنصحو من غفلتنا، وإن لم نصحو فلن نصحو إلا على علامات الساعة الكبرى، فإذا ظهرت أغلق باب العمل، وأغلق باب القبول، وأغلق باب التوبة، فلا يقبل عمل عامل لم يعمل من قبل.
أما المؤمن فعمله مستمر، فالمؤمن المواظب على الصلاة سيكون مواظباً عليها بعد ظهور علامات الساعة، والذي يزكي ويعمل الخير فإنه سيستمر على هذا الفعل.
أما الفاسق أو الفاجر أو الظالم الذي لا يريد أن يتوب فإنه لا يوفق للتوبة، وقد كان باب التوبة مفتوحاً له سنوات طويلة.
стр. 162
طلوع الشمس من مغربها
فظهور علامات الساعة الصغرى تنبيه ونذير لعلامات الساعة الكبرى.
فأول ما يظهر من علامات الساعة الكبرى كما في رواية الإمام مسلم أن النبي ﷺ قال: (لن تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، ثم تظهر الدابة فإذا ظهرت إحداهما فالأخرى على أثرها)، رواه الشيخان، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجة، والإمام أحمد في مسنده.
فأول علامة من علامات الساعة الكبرى: إما أن تطلع الشمس من الغرب، أو تظهر الدابة، فلو ظهرت الدابة فإن الشمس ستشرق من الغرب، أو إذا طلعت الشمس من الغرب فسيكون على أثرها ظهور الدابة.
وسيصبح الناس في يوم من الأيام ينتظرون شروق الشمس من مشرقها كما تشرق منذ ملايين السنين من المشرق، والسماء صاحية ليس فيها غيم، وفجأة إذا بصائح يصيح: إن الشمس قد أشرقت من مغربها، قال تعالى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢].
وسيحصل للناس ذعر لكن الله يثبت المؤمن الملتصق بجماعة المسلمين، وبأهل العلم، الذي دائماً تعودت رجلاه على المساجد آناء الليل وأطراف النهار، فهو يصلي ويسبح ويذكر الله ويقرأ القرآن ويتوكل على الله وعنده يقين وصدق وإيمان وثبات.
قال رسول الله ﷺ : (ستطلع من المغرب أربعين يوماً، يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وبقية الأيام كأيامنا في الدنيا) أي: أن اليوم يعادل ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً وإن كانت السنة قمرية هجرية فإن اليوم يعادل ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوماً.
وحال الصحابة ليس مثل حالتنا، قال له: كيف نصلي يا رسول الله؟! الصحابي أول ما سمع الشمس تطلع من الغرب وتقعد سنة خطر في باله وأهمه أمر آخرته فقال: كيف نصلي في اليوم الذي يكون كسنة؟ قال ﷺ : (اقدروا لهذا اليوم قدره)، يعني: أن ما بين المغرب والعشاء -مثلاً- ساعة ونصف، وبين العشاء والفجر سبع ساعات، وبين الصبح والظهر ست ساعات، وبين الظهر والعصر ثلاث ساعات ونصف، وبين العصر والمغرب ثلاث ساعات ونصف.
والفتوى لإخواننا المسلمين الذين هم في ألاسكا شمال كندة حيث إن الليل عندهم ستة أشهر والنهار كذلك، وأناس آخرون يكون النوم عندهم ساعتين، واثنتان وعشرون ساعة تكون نهاراً، فإنهم يبدءون بالتوقيت من طلوع الفجر، ويحسبون ساعات الصيام كما تكون في مكة وهي أم القرى، ويفطرون بعد مرور هذه الساعات ولو كانت الشمس في كبد السماء.
فمثلاً: لو أن الفجر يكون في الساعة الثالثة وأم القرى تصوم خمس عشرة ساعة، فإنك تحسب خمس عشرة ساعة من بداية طلوع الفجر في الثالثة ثم تفطر بعد ذلك ولو كانت الشمس في كبد السماء.
ومن سافر صائماً من مصر مثلاً إلى أمريكا فإنه سيصل إلى أمريكا والشمس لا تزال في السماء خاصة إذا كانت مدة الرحلة تتجاوز العشرين ساعة فإن عليه أن يمسك ويفطر معهم ويعرف ذلك عن طريق الساعة التي في يده، ولو أن الشمس ما زالت في كبد السماء؛ لأن دين الله صالح لكل زمان ومكان.
فالشمس ستطلع في أول يوم كسنة، وثاني يوم كشهر أي: ثلاثين يوماً، وثالث يوم كجمعة أي: أسبوع، ورابع يوم إلى غاية اليوم الأربعين كأيامنا في الدنيا.
стр. 163
علامة ظهور الدابة
وأول علامة من علامات الساعة الكبرى طلوع الشمس من مغربها ثم تظهر الدابة التي جاء ذكرها في كتاب الله ، قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢].
وهذه الدابة تسمى الجساسة؛ لأنها تجوس في الأرض يعني: تتجول وتنتقل في بقاع الأرض، وتضع حافرها في آخر ما يقع عليه بصرها، وستمكث أربعين يوماً.
ولها ثلاث علامات: أنها تخرج من ناحية اليمن، ومن ناحية مكة، ومن ناحية المدينة، فأول ما تخرج من اليمن فإنها تدخل الحرم المكي ومعها عصا موسى وخاتم سليمان وتدخل على المصلين في المسجد الحرام، وبعد ذلك تدخل كل المساجد في كل البلاد، فتلمس وجه المنافق، والفاجر، والمنحرف، والمرتشي، والمختلس، والزنديق، والظالم بعصا موسى، فيبقى أسود الوجه عليه كآبة وغبرة، وتلمس وجه المؤمن بخاتم سليمان فينور وجهه مثل القمر.
فتختفي الأسماء بين الناس فلا يتعارفون فيما بينهم بالأسماء كما كانوا عليها في الدنيا، وإنما يعرف بعضهم بعضاً بيا مؤمن ويا كافر، فمن كان وجهه منوراً فيدعى مؤمناً، ومن كان وجهه مسوداً فإنه يدعى كافراً أو فاسقاً.
وقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم، والإمام الترمذي من حديث تميم الداري ﵁ وكان نصرانياً فأسلم فصار صحابياً، وجاء إلى الرسول ﷺ فقص عليه القصة، وكان الرسول قد شرح للصحابة علامات الساعة الكبرى، فلما جاء تميم الداري من سفره وأعلن إسلامه، وحكى ما رآه في سفره هو وثلاثين من النصارى فوافق كلامه كلام الرسول ﷺ .
والجساسة تجس في الأرض وتتنقل، وسرعتها كالريح المرسلة، فتنكشف الأمور للمسلمين من طلوع الشمس من مغربها وظهور الجساسة أو الدابة.
وجماعة من العلماء يقولون: إن الدابة هي الفصيل الذي ولدته ناقة سيدنا صالح ﵇، وذلك عندما قتل الناقة أشقى قوم سيدنا صالح، قال تعالى: ﴿انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس:١٢]، وقال: ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر:٢٩]، والتعاطي يكون بشرب الخمر، فهو لكي يقدم على هذا العمل شرب خمراً ثم اقترب من الناقة فضربها فقتلها فأسرع فصيلها أي: ابنها فاختبأ في جبل من الجبال.
وهذه الرواية ليست على درجة من الصحة لكن ذكرتها من باب الأمانة في العلم، وقد كان الإمام القرطبي ﵁ ينقل في تفسيره مثل هذه الروايات الضعيفة، وكان يقول: وليست هذه من حقائق العلم ولكنها من ملح التفسير.
وقد أذن رسول الله ﷺ أن نحدث عن بني إسرائيل لكن لا نصدقهم ولا نكذبهم إذا كان لا يتعارض مع نص من نصوص الكتاب أو السنة، فنأخذ بالكلام ما دام وأن فيه عبرة وعظة، وبنو إسرائيل كان فيهم أناس صالحون وفي قصصهم لنا عبرة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١]، اللهم اجعلنا من المعتبرين يا رب العالمين! أما قولهم إن دابة الأرض هي فصيل ناقة صالح، فإن ناقة صالح -أصلاً- كانت معجزة عربية، فقد كان لقوم صالح معرفة بالجبال والصخور المحيطة بهم، قال تعالى عنهم: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء:١٤٩]، فهم خبراء بمداخل الجبال ومخارجها، والمغارات، والكهوف، والتلال، والهضاب، فقال لهم نبي الله صالح: ما رأيكم لو أخرجت لكم ناقة من الجبل الذي بجواركم؟ قالوا: الجبل قطعة واحد لا يخرج منه شيء، فخرجت الناقة معجزة فكانت تشرب الماء كله في يوم، وتسقيهم كلهم لبنها في يوم وهكذا.
والحاصل: أن الدابة تظهر فيستبشر المؤمن، أما الكافر فيختم على علمه، نسأل الله أن يختم لنا ولكم بالإسلام.
стр. 164
علامة الدخان
وبعد ظهور الدابة تظهر العلامة الثالثة من علامات الساعة الكبرى ألا وهي الدخان، قال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:١٠]، أي: بدخان واضح، يظلل الناس فوق رءوسهم، فيكون على رأس المؤمن مثل قليل الزكام يقع عليه، وعلى رأس الكافر، والفاسق، والفاجر، والمنافق، كنيران تغلي فوق رءوسهم.
ولما حاصر المشركون الحبيب المصطفى ﷺ في شعب أبي طالب لمدة ثلاث سنوات حتى أن سيدنا سعد بن أبي وقاص بعد ما هاجر إلى المدينة وحكى للصحابة الجدد عن هذا الحصار، فقال لهم: لا تتاجروا معهم ولا تطعوهم أكلاً ولا شرباً ولا تعملوا لهم خيراً قط.
وما انحاز مع رسول الله ﷺ إلا بنو هاشم وبنو المطلب جميعاً مسلمهم وكافرهم ما عدا أبا لهب، فأقارب النبي صلى الله عليه سلم الكفار انحازوا معه في الشعب فحصل لهم قطيعة ومقاطعة ما عدا أبا لهب عمه.
فسيدنا سعد يحكي عن هذه المقاطعة فيقول: كنا نأكل مع الرسول ﷺ خرط القتاد، والقتاد نوع من الشجر له شوك ينبت في الصحراء في جزيرة العرب، فكنا ندقه ونأكله من شدة الجوع، وبينما أنا أسير ليلاً إذ وقعت رجلي على شيء رطب فوضعته في فمي فابتلعها فوالله! ما أدري إلى اليوم ما الذي ابتلعته.
وكانت صحيفة المقاطعة معلقة على جدار الكعبة بجوار الحجر الأسود ومكتوب أولها (باسمك اللهم) ثم أكلت الأرضة بنود المقاطعة وما تركت فيها إلا باسمك اللهم، فلما انتهت القطيعة دعا عليهم الرسول ﵊ بقوله: (اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف)، فحصل قحط في قريش وتوقفت التجارة، واستجيبت دعوة رسول الله ﷺ حتى أنه كان يحصل لأغنياء قريش وفقرائها دوخة من قلة الطعام والزاد، فذهب أبو سفيان إلى النبي ﷺ فقال له: يا محمد! أسألك بالله وبالرحم أن تدعو الله أن يفك عنا ما نحن فيه.
ولما نقضت قريش العهد الذي جرى بين المسلمين والكافرين في الحديبية، أيقنت قريش بالخزي والعار والهلاك فأرسلت زعيمها ورئيسها أبو سفيان لكي يحاول أن يمد في بنود معاهدة صلح الحديبية مرة ثانية، فاستجار بـ أبي بكر فقال له: يا أبا سفيان! أنا لا أجير على رسول الله أحداً أبداً، ثم ذهب إلى عمر فرد عليه بمثلما رد عليه أبو بكر، وذهب لسيدنا علي فرفضه كذلك، ثم ذهب إلى ابنته أم حبيبة وزوجة سيدنا الرسول ﷺ وهي أم المؤمنين السيدة رملة بنت أبي سفيان، فدق عليها الباب ففتحت له، فرأت أباها زعيم قريش، فدخل البيت فأراد أن يقعد على فراش سيدنا الحبيب المصطفى ﷺ فطوته من تحته، وقالت له: هذا فراش النبي ﷺ وأنت رجل نجس، فقال لها: لقد أصابك سوء من بعدي يا أم حبيبة! وقال بعض العلماء إن الدخان في قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:١٠]، هو الدخان الذي حصل لقريش، ولكن بعض العلماء قالوا: إن هذه الآية مدنية ونزلت في المدينة فيبقى إذاً أن الدخان علامة من علامات الساعة الكبرى.
стр. 165
علامة ظهور المسيخ الدجال
العلامة الرابعة من علامات الساعة الكبرى وهي أخطر العلامات وأشد العلامات قسوة، وأشدها على المسلمين، ألا وهي ظهور المسيخ الدجال.
والرسول ﷺ كان يحذر الصحابة من المسيخ الدجال حتى قال عمر: كنت انظر خلفي خشية أن يمر من جواري، فهذا يدل على مدى اقتناع الصحابة بكلام الرسول ﵊.
وكان الرسول ﷺ يخطب على المنبر فرأى عمر مرتبكاً، فقال: (يا ابن الخطاب! فإن ظهر وأنا بينكم فأنا حجيجه، وإن ظهر من بعدي فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مؤمن).
والمسيخ الدجال مخلوق من بني آدم خلقه الله ، وآخر فتنة تظهر في الأرض هي فتنة المسيخ الدجال، قال ﷺ : (ليس المسيخ الدجال أخوفني عليكم، إنما أخاف أن تفتح عليكم الدنيا فينسى بعضكم بعضاً، فينساكم رب السماء عند ذلك)، وهذا قد حصل فقد فتحت الدنيا.
وزكاة الركاز تؤخذ من الركاز وهو المعادن مثل: آبار البترول، فيؤخذ منها عشرون في المائة، أي: الخمس، أما زكاة الذهب والفضة وما يلحقها كالعملات المعدنية فزكاتها ربع العشر أي اثنان ونصف في المائة، وزكاة الزرع فيها خمسة في المائة أو عشرة في المائة أي: فيها العشر أو نصفه، أما زكاة المعادن ففيها عشرون في المائة؛ قال ﷺ : (أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فينسى بعضكم بعضاً، فينساكم رب السماء عند ذلك).
فالله جعل قوت الفقير في فضل مال الغني، فما جاع فقير إلا بتخمة غني، فالفقير الذي لم يجد ما يأكل يبقى الغني أكل أكثر من حقه.
قال أبو ذر أتعجب من الفقراء الذين لم يجدوا ما يأكلون لماذا لم يخرجوا السيوف فيطالبون الأغنياء بحق الله عندهم؟ قال ربنا: ﴿وفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٩].
والصحابة كانوا واضعين في آخر عمودين في المسجد النبوي الشريف حبلاً، فيعلق فيه الغني زكاة مال أو الصدقة فتذهب إلى الرسول ﷺ وتوزع في مصارفها.
وفتنة المسيخ الدجال آخر فتنة تظهر لأمة محمد ﷺ ، ومن أوصاف المسيخ الدجال أنه جعد قطط، أي: شعره مجعد، وعينه اليسرى كالعنبة الطافية، فهو أعور، وهو آدم بحمرة، أي: أسمر بحمرة، قليل الطول له بحة في صوته، أي: أنه مبحوح الصوت مثل الذي عنده سعلة ويتكلم فكذا صوته.
وكل هذه العلامات لا تظهر إلا للمؤمن، أما الذي لا يصلي ولا يصوم ولا يتقي الله فلا يعرف هذه العلامات.
ومن العلامات أيضاً أن المؤمن يقرأ على جبهته كلمة كافر، والرسول ﷺ فسر ذلك فقال: (يقرأ المؤمن على جبهته كفر ك ف ر).
والمؤمن يتغلب على المسيخ الدجال بالمداومة على قراءة فواتح سورة الكهف وخواتيمها في كل ليلة قبل أن ينام.
ومن العلامات أيضاً أنه يمكث في الأرض أربعين يوماً، وسرعته في الأرض كالريح المرسلة، ويدخل كل بلد وفي كل مكان ما عدا ثلاثة أماكن وهي: بيت المقدس، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، فإنه يأتي إلى حدودها ويحاول أن يدخلها قال ﷺ : (إن على أبواب المدينة ملائكة يحفظونها من شياطين الإنس والجن)، فليس هنالك شياطين تدخل المدينة المنورة.
فتخرج المدينة المنافقين الذين يعيشون فيها لكي يتبعوا المسيخ الدجال، قال ﷺ : (فتنفي المدينة خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد).
أما أتباعه فهم كما أخبر رسول الله بقوله: (أتباعه ثلاثة أصناف: اليهود، والمنافقون، والنساء)، وعدد اليهود سبعون ألفاً من يهود أصفهان من ناحية إيران.
ويخرج المسيخ الدجال ما بين العراق والشام، ويعيث في الأرض فساداً، وقد أعطاه الله من الإمكانيات ومن الخوارق للعادات ما ينبهر بها ضعفاء الإيمان.
والمسيخ الدجال أكثر أتباعه من اليهود والمنافقين والنساء؛ لأنهم أتباع كل موضة، فمنذ أربعين سنة والرجل اليهودي بيكر صاحب الموضة في الملابس النسائية.
أما المؤمنات اللاتي يحضرن دروس العلم واللاتي يعرفن أوامر الله ونواهيه فلا يخرجن فيتبعن المسيخ الدجال.
وأول ما يخرج المسيخ الدجال فإنه يدعي الإيمان ثم يدعي النبوة ثم يدعي الألوهية، ولا يقول لهم إنه الله رب العالمين وإنما يقول: معي جنة ونار، فيعرفه المؤمن فيقول: اخسأ يا لعين! والله ما ازددت بك إلا كفراً وأنت المسيخ الدجال الذي حذرنا الرسول منه.
وسيأتي على الناس خمس سنوات فيها قحط أي: كساد عالمي فيقول للسماء: أمطري فتمطر، ويقول للأرض: أنبتي الزرع فيطلع الزرع، ويا ضروع البهائم امتلئي فتمتلئ لبناً، فهذه فتنة عظيمة، ولذلك فإن الصحابة خافوا وسألوا الرسول ﷺ عن طعام المؤمنين حينئذ، فقال: (طعام المؤمنين يومئذ كطعام الملائكة)، والملائكة لا يأكلون ويشربون، وإنما طعامهم التسبيح، والتهليل، والتقديس، والتكبير، فالمؤمن يقول: سبحان الله فيشبع، والحمد لله فيشرب، ولا إله إلا الله فيرتوي.
فإذا كان طعام رواد الفضاء كبسولات فيها جميع أنواع الفيتامينات والعناصر التي يحتاجها الجسم وأقل كمية إخراج.
فمن باب أولى ما يصنعه رب العالمين للمؤمنين، فالله على كل شيء قدير.
ويأتي إليه شاب مؤمن فيكذبه فيضربه الدجال بسيفه فيتخيل المحيطون به أنه انقسم إلى نصفين وإنما هو سحر، ثم يرجعه مرة أخرى، فيقول الشاب المؤمن: والله! ما ازددت بك إلا كفراً، فإن ربي الله لا تراه العينان، قال تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣].
وعندما يزداد الابتلاء على المؤمنين يستغيثون الله ويدعونه أن يرفع عنهم هذا البلاء، فيستجيب الله دعاءهم ويرحمهم فينزل المسيح ﵇ عند المنارة البيضاء شرقي دمشق في مهرودتين أي: ثوبين، أو جلابية وعباءة، أو جلابيتين، أو قميص وعباءة، إذا طأطأ وتتقاطر من جبينه حبات عرق كالجمان أي كالفضة، وإذا رفع رأسه علاه البهاء ﵇، أي: أن وجهه منور، ولا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، فـ المسيخ الدجال يقتله سيدنا عيسى عند باب لد في فلسطين.
وفي هذا إشارة أن إسرائيل ستزول إن شاء الله وبإذن الله فلا تطبيع علاقات معهم، فنحن أعداء اليهود وسنظل أعداء اليهود إلى أن تقوم الساعة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من طليعة الزحف الذي يحرر بيت المقدس ويعاد إلى المسلمين إن شاء الله رب العالمين.
فيلقى المسيح ﵇ المسيخ الدجال على باب لد فيذوب المسيخ الدجال كما يذوب الملح في الماء، ثم يدخل عيسى ابن مريم مساجد المسلمين ويطمئن المؤمنين على إيمانهم ويتفاءل المسلمون بوجود المسيح بينهم حتى إذا أقيمت الصلاة في مسجد من المساجد يقول الإمام للمسيح: تقدم يا نبي الله! فيقول: بل تقدم أنت فأنا تبع لأخي محمد، فالإمام يمثل الرسول ﷺ والمسيح ﵇ يصلي مأموماً تواضعاً منه.
وعن تميم الداري ﵁ قال: (صلى رسول الله ﷺ صلاة الغداة بالمسلمين، أي: صلاة الصبح- وقال: ليلزم كل مصلاه، ثم قال: أتدرون لم جمعتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم) أي: الله ورسوله أعلم في قصد أمور الدين، أما في أمور الدنيا فيقول المسلم: الله أعلم فقط.
فيقول النبي ﷺ : (إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة -أي: ما جمعتكم لرغبة في الجنة ولا لرهبة من النار- ولكن جمعتكم؛ لأن تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً فجاء فبايع فأسلم وحدثني حديثاً وافق الذي كنتم أحدثكم عن مسيح الدجال، فحدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من قومه، فلعب بهم الموج شهراً -أي: تاهوا في البحر لمدة شهر- ثم أرفوا إلى جزيرة -يعني: رسوا على الشاطئ- حتى مغرب الشمس فجلسوا في أقرب السفينة، ثم دخلوا فلقيتهم دابة كبيرة كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره- يعني: لا يعرفون وجهه من ذيله -واسم الحيوان يجوز أن يؤنث ويذكر- فقالوا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة، قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم! انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق، قال: لما سمت لنا رجلاً فرقنا منها أن تكون شيطاناً -أي: خفنا أن تكون من الشياطين؛ لأن العرب كانوا مقتنعين أن هنالك شياطين وغولة- قال: فانطلقنا سراعاً حتى دخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه خلقاً وأشده وثاقاً -يعني: أنه مقيد بسلاسل من حديد ومربوط لجدار الكهف- مجموعة يداه إلى عنقه -أي: أنه مكتف ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد- قلنا: ويلك من أنت؟! قال: قد وصلتم إلي فأخبروني من أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب ركبنا سفينة بحرية فصادفنا البحر حين هيجانه، فلعب بنا الموج شهراً، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه فجلسنا في أقربها فلقينا دابة أهدب الشعر لا يدري قبلها من دبرها من كثرة الشعر فقلنا: ويلك ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة، قلنا: وما الجساسة؟ قال: اعمدوا إلى هذا الرجل في هذا الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعاً، وفزعنا منها، ولم نأمن من أن تكون شيطانة، قال: أخبروني عن نخل بيسان في شمال جزيرة العرب؟ قلنا: عن أي شيء تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ قلنا نعم، قال: أما إنه يوشك ألا يثمر، أخبروني عن بحيرة طبرية؟ -وهي في فلسطين- قلنا: عن أي شيء تستخبر؟ قال: هل ما زال فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء، وماؤها عذب، قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب).
وقد ذكرت في سنة خمسة وسبعين أنه جاءني أحد الإخوة بصورة
стр. 166
نزول عيسى بن مريم
أما قضية سيدنا المسيح ﵇ ففي نص الحديث الذي رواه الإمام البخاري: (فبينا هم كذلك إذ يبعث الله عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق في مهرودتين ممصرتين -يعني: فيهما لون- إذا طأطأ رأسه قطر وإن لم يصبه بلل، وإذا رفعه تجدر منه كالجمان -أي كاللؤلؤ- مربوع إلى الحمرة والبياض -يعني: أن سيدنا عيسى ليس طويلاً ولا قصيراً ولونه أبيض بحمرة- فلا يشم كافر ولا منافق ريح عيسى إلا مات -أي: أن رائحة سيدنا عيسى خير للمؤمن- ورائحته حيث ينتهي إليه طرفه، فيطلب المسيخ حتى يدركه عند باب لد فينماع كما ينماع الملح في الماء -أي: يذوب- فيمشي إليه فيقتله، فتقام الصلاة فيقال: تقدم يا روح الله! فيقول: ليتقدم إمامكم فليصل بكم، ثم يأتي قوماً عصمهم الله من المسيخ الدجال، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم عن درجاتهم في الجنة فبينا هم كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إني أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم -وهم يأجوج ومأجوج - فاخرج بعبادي جانب الطور).
стр. 167
خروج يأجوج ومأجوج
قال تعالى في يأجوج ومأجوج: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء:٩٦ - ٩٧].
وأيضاً: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف:٩٤ - ٩٥] إلى قوله: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا * وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا * وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف:٩٨ - ١٠٠] إلى آخر سورة الكهف.
ويأجوج ومأجوج قبائل متوحشة، والواحد منهم كان ينام على أذنه ويتغطى بالأذن الثانية، وهما قبيلتان ولا يعلم بمكانهما إلا الله.
ويأجوج ومأجوج مذكوران في القرآن والسنة ونحن نصدق القرآن والسنة، وما يقوله بعض الناس إن الأقمار الصناعية قد اكتشفت كل شيء في الأرض فأين يأجوج ومأجوج؟ فلا يلتفت إليه فنحن لا نصدق الأقمار الصناعية ولا غيرها.
ويأجوج ومأجوج سيعيثون فساداً في الأرض فيأتون على بحيرة طبرية وفيها قليل من الماء فيشرب أولهم فيأتي آخرهم فيقولون: (لقد كان في هذه البحيرة ماء منذ زمن طويل.
فيدعو عيسى ﵇ ومن معه ربنا أن ينقذهم من هذا الخطر الداهم، فيصاب يأجوج ومأجوج بالنغف في رقابهم، وهي مثل الديدان والحشرات فيصبحون وهم أموات، فتأتي طيور لها أعناق كأعناق البخت -أي: الإبل- فترفع جثثهم فتلقيها في البحر ثم يقول الله للسماء: أمطري فتغسل الأرض بمطرها) يعني: أن السيول تأخذ كل البلايا المتبقية من يأجوج ومأجوج.
وروى الشيخان وأحمد والدارقطني وابن عساكر أن سيدنا الحبيب ﷺ قال: (فيبعث الله يأجوج ومأجوج وهم كما قال: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦]، ويكون رأس الثور لأحدهم خير من مائة دينار لأحدكم اليوم -والذي كان عنده مائة دينار أيام الصحابة كان من أصحاب الملايين- فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى -أي: قتلى- كموت نفس واحدة، ويهبط نبي الله عيسى وأصحابه فلا يجدون موضع شبر من الأرض إلا وقد ملئ من زهمهم وهي رائحتهم الخبيثة الباقية، فيرغبون إلى الله في الدعاء، ويرسل الله عليهم طيراً كأعناق البخت فتحملهم وتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله عليهم مطراً لا يكن منه بيت مدر ولا وبر إلا ويغسله الماء حتى يتركه كالزلقة.
ثم يقال للأرض: أخرجي بركتك فيومئذ يأكل العصابة)، والمراد بالعصابة هي العصابة المؤمنة، قال سيدنا الرسول في بدر: (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض)، وليس معناها جماعة من اللصوص أو القتلة كما هو المتبادر إلى أذهان كثير من الناس اليوم.
قال ﷺ : (فيومئذ يأكل العصابة من الرمانة فتشبعهم، ويستظلون بقحفها، حتى أن اللقحة من الإبل تكفي الفئام من الناس)، أي: الجماعة من الناس الذين يتجاوز عددهم المائة والمائتي رجل، والمسلم بعد أن يأكل طعاماً يقول: اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وارزقنا خيراً منه، أما إذا شرب اللبن فإنه يقول: اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وزدنا منه.
وقال ﷺ : (واللقحة من البقر تكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم تكفي الفخذ من الناس، فبينا هم كذلك بعث الله ريحاً طيبة فتأخذ المؤمنين من تحت آباطهم فتقبض روح كل مسلم، ويبقى سائر الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر -يعني: تبقى الفاحشة علناً في الشوارع- وعليهم تقوم الساعة).
وقال ﷺ : (ليهبطن عيسى ابن مريم حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً، وليسلكن فجاجها معتمراً أو حاجاً إلى البيت، وليأتين قبري حتى يسلم علي ولأردن عليه).
يعني: أن سيدنا عيسى سيحج ويعتمر، ويزور قبر الحبيب المصطفى ﷺ ، ويسلم على سيدنا رسول الله ﷺ ويهلك الله في زمانه المسيخ الدجال، ويقع الأمن على أهل الأرض حتى ترعى الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات فلا تضرهم ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويشيع العدل في الأرض، ثم يتوفى بعد أن يمكث في الأرض أربعين سنة، ويصلي عليه المسلمون عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
فاللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، واجعلنا من الذين يعيذهم الله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يبعدنا وإياكم من فتن الدنيا وفتن المحيا والممات، وأن يميتنا وإياكم على الإيمان والإسلام الكاملين إن ربنا على ما يشاء قدير.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
стр. 168
سلسلة الدار الآخرة_البعث من القبور ويوم الحشر
الإيمان بالبعث بعد الموت ركن من أركان الإيمان، فلا يصح إيمان أحد بدون التصديق به، فنؤمن بأن ربنا سيخرج العباد من قبورهم حفاةً عراة غرلاً بهماً، ويجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
والبعث بعد الموت يكون بعد النفخة الثانية في الصور، فيخرج الناس على إثرها إلى أرض المحشر، وهي أرض بيضاء نقية مستوية، يجمع فيها الأولون والآخرون.
стр. 169
أهمية التنبه للألفاظ
الحمد لله حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه بمشيئة الله هي الحلقة التاسعة في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة، أو عن الموت وما بعده، ندعو الله في أولها أن يجعلها في ميزان حسناتنا يوم القيامة.
اللهم ثقل بهذه المجالس موازيننا يوم القيامة، وثبت على الصراط أقدامنا، وأنر طريقنا بها يوم القيامة.
اللهم ثبت بها أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام.
اللهم أعطنا بها كتبنا بأيماننا، ولا تعطنا كتبنا بشمائلنا أو من وراء ظهورنا، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، لا تدع لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مسافراً إلا رددته غانماً سالماً.
اللهم من أراد بالمسلمين كيداً فاجعل كيده في نحره.
اللهم من أراد بمسلم سوءاً فاجعل كيده في نحره، أوقع الكافرين في الكافرين، أوقع الظالمين في الظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين، اطرد عن بيوتنا شياطين الإنس والجن.
اللهم أبعد عن بيوتنا شياطين الإنس والجن، اللهم أبعد عن أبنائنا وبناتنا وزوجاتنا وأزواجنا وذرياتنا وأهلينا شياطين الإنس والجن.
اللهم يا أرحم الراحمين ارحمنا برحمتك، واغفر لنا واسترنا.
اللهم يا من سترتنا في الدنيا لا تفضحنا على رءوس الأشهاد يوم القيامة.
اللهم أظلنا بظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، أبعدنا عن النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وقربنا من الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، أكرمنا ولا تهنا، اللهم أكرمنا ولا تهنا اللهم أكرمنا ولا تهنا، إن لم نكن أهلاً لرحمتك فرحمتك أهل أن تصلنا، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.
اللهم رقق قلوبنا بالإيمان، اللهم وأحسن خلاصنا، وفك أسرنا، وثبت يقيننا، وقو عقيدتنا، وانصر ديننا.
اللهم انصر الإسلام والمسلمين اللهم انصر الإسلام والمسلمين اللهم انصر الإسلام والمسلمين، حول حالنا إلى أحسن حال اللهم حول حالنا إلى أحسن حال اللهم حول حالنا إلى أحسن حال، اجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، اجعل قبورنا روضة من رياض الجنة، لا تجعلها حفرة من حفر النار، ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم ارزقنا يا مولانا قبل الموت توبة وهداية، ولحظة الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً.
اللهم اجعل من أمامنا نوراً، ومن خلفنا نوراً، وعن أيماننا نوراً، وعن شمائلنا نوراً، ومن فوقنا نوراً، ومن تحتنا نوراً، واجعل لنا نوراً، واجعلنا نوراً.
اللهم أكرمنا بالقرآن، وأكرمنا برسول القرآن، اللهم أكرمنا به يا رب العالمين، فرح اللهم قلبه بنا يوم القيامة، اسقنا من حوضه الشريف شربة لا نظمأ بعدها أبداً.
اللهم أظلنا بظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك.
اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم.
نسألك يا ربنا رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم تقبل منا دعاءنا، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله، وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
هذه بمشيئة الله هي الحلقة التاسعة التي تخص حلقة من أخطر حلقات الدار الآخرة، وهي تخص الحديث عن البعث والنشور والحشر إلى الله .
فاللهم ابعثنا مسلمين مؤمنين موحدين، ابعثنا في زمرة الصالحين، في معية رسولك ﷺ يا رب العالمين.
قضية البعث ككل حلقات الدار الآخرة قضية غيبية، ومعنى أنها قضية غيبية، أي: ليس للعقل فيها مكان أو اجتهاد أو رأي، فليس لشخص أن يقول في قضية غيبية: أنا يتصور لي كذا! أو أتخيل كذا! أو أظن كذا! ولكن قضية البعث ككل قضايا وأمور الدار الآخرة، قضية لا إعمال للعقل فيها، وأحزن كثيراً على الإخوة الذين يشغلون أنفسهم بأشياء خارج نطاق قدرتهم؛ فتعطلهم عن حضور مجالس ودروس الدار الآخرة.
ودروس الدار الآخرة هي عبارة عن دروس تقوي عقيدة المؤمن، وتفهمه وتعلمه كيف يكون لقاء الله ، فيكون مستعداً لهذا اللقاء.
اللهم اجعلنا من المستعدين للقائك يا رب، حتى نكون من السعداء، لذلك لا ينبغي أن تقول أيها المسلم على ابنك أو ابنتك الذي يمرح كثيراً في البيت: هذا ولد شقي؛ لأن الشقي: من حرم رحمة الله، ولكن قل: هذا ولد متعب، أو عصبي، أو مشاكس قليلاً، فلا داعي لكلمة شقي؛ لأنك حكمت على ابنك بالشقاء، ونسأل الله أن يبعدنا وإياكم عن أهل الشقاء؛ لأن الله يقول يوم القيامة عن الناس: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٥]، فاللهم اجعلنا من السعداء في الدارين يا رب؛ لأن كلمة (شقي) قد تؤمن الملائكة عليها، فتخسر الولد دنيا وآخرة، فلا داعي لكلمة (شقي)، كما وضح لنا النبي ﷺ ، وكان له اهتمام بمدلول الألفاظ: (جيء برجل مغيب العقل)، ونعرف أن مغيب العقل هو المجنون، فقالوا: هذا رجل مجنون يا رسول الله، فقال: (لا تقولوا: مجنون، قولوا: مصاب، إنما المجنون من حرم رحمة الله .
إذاً: فالمجنون هو الذي ترك دروس العلم، وترك قراءة القرآن، هو الذي لا يصلي، ونحوه، فهذا هو المجنون الحقيقي، أما لو أصيب شخص في عقله فهو مصاب، نسأل الله أن يشفي كل مريض.
إذاً: فالقضية أن يتنبه المرء لمدلول الألفاظ، وموقف الشرع منها.
стр. 170
علامات السعداء
والسعيد له علامات ثلاث، سأذكر هذه العلامات الثلاث وكل منا سيعرف علته، وهل هذه العلامات موجودة فيه أو بعضها، وهي على النحو التالي: أولها: من ترك الدنيا قبل أن تتركه.
أي: المسلم يترك الدنيا قبل أن تتركه بغير رضاه، يعني: يكون زاهداً فيها، ولا مانع من أن يأكل ويشرب ويتمتع قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢] أي: ليست هنالك مشكلة في هذا، ولكن المشكلة أن تستخدم ما آتاك الله في إغضابه .
مثل أن تقول لابنك: لحم أكتافك من خيري، أو تقول لسكرتيرك وسواق سيارتك: أنت لحمك ولحم أولادك ولحم أكتافك من خيري، ثم أقول لك: اعمل الشيء الفلاني لا تعمله؟! ولله المثل الأعلى؛ فمن الذي خلقنا؟ ومن ذا الذي يرزقنا ويعطينا؟ إنما هو الله، فعند أن يأمرني بأمر أعصي أمر الله؟! يا من لا يستطيع أن ينظر إلى وجه أبيه، يا من يقول له: لا تسمع فيقول: بل أسمع، يا من يقول له أبوه: لا تذهب المكان الفلاني فهو سيئ فيقول: بل أذهب! يقول لك: اذهب فصل أو اذهب مجلس العلم فتقول: لا، لا.
إذاً: من علامة المسلم السعيد: تركه الدنيا قبل أن تتركه.
ثانيها: وبنى قبره قبل أن يسكنه.
ليس المعنى: بناه البناء الحسي، من بناء المباني! وإنما باستعداده للقاء الله، فمن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه.
اللهم اجعلنا من المحبين للقائك يا رب العالمين.
كان أحمد بن خضرويه رحمه الله تعالى أحد تابعي التابعين، مات وعمره مائة وخمس سنوات، فعند الموت بكى، قالوا له: يا إمام! أنت عالم المسلمين وتبكي؟! قال: منذ خمسة وتسعين عاماً وأنا أدق بابه فهاهو الباب سوف يفتح، فلا أدري أأجد جنة أم ناراً، أي: منذ بلوغه عشر سنوات وهو يصلي ويصوم ويتقي الله ويتعلم العلم، وعندما كبر أصبح يعلم الناس، ومن ثم فهو يدق الباب ويخاف أن يفتح ويلقى ما لا يحمد عقباه.
اللهم إن فتحت لنا الباب فأدخلنا جنة الرضوان يا رب.
إذاً: فالسعيد من ترك الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل أن يسكنه.
ثالثها: وأرضى خالقه قبل أن يلقاه.
يا ترى هل توفرت فيك هذه الصفات؟ وهل مازالت الدنيا متمسكة بك وما زلت متمسكاً بها؟ دخل الحسن البصري على رجل مات له ابن فبكى، فقال له الحسن: عجباً لك يا رجل! أسرك وهو فتنة وبلية، وأحزنك وغمك وهو صلاة ورحمة؟ يعني: عندما كان موجوداً في الدنيا فهو كما قال الله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤].
إذاً: فالزوجة قد تكون عدوة لك، فتجعلك تكتسب من حرام، أو من شبهة، والولد كذلك، إذاً: فأنت سعيد به في وقت كان بلية واختباراً وامتحاناً ومصيبة، وعندما مات إن قلت كما قال الله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦] فسيثني الله عليك ويثيبك كما قال سبحانه: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٥٧].
اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم يا رب العالمين.
فالسعيد هو الذي توفرت فيه هذه الثلاث الصفات، وعندما تخرج من درس الدار الآخرة فكن كسيدنا عمر بن عبد العزيز ﵀، فقد كان كل ليلة قبل أن ينتهي مجلس الحكم الذي كان يعقده يحضر العلماء، وكل عالم من العلماء يمثل مرحلة من مراحل الدار الآخرة، يعني: كأن في الحلقات التي نتكلم فيها، عالم عند أمير المؤمنين يتكلم بحلقة، فيقول: هاهو ملك الموت أتى، وأنا أنظر إليه الآن يعمل كذا! ويعمل! ويشرح، ويأتي الثاني الذي بعده، فيقول: هاهم أهلي أدخلوني القبر، ويحكي ما في القبر، ويأتي الثالث قائلاً: هاهو ربي بعثني من القبر، وها هو الحشر بدأ، أو حصل النشور، أو نصب الميزان، أو نشرت الكتب، إلى آخره، سبحان الله.
فكان الذين يحضرون درس عمر بن عبد العزيز كل ليلة يقولون: فكنا ننتشر من عند أمير المؤمنين، كأنما بعثنا من قبورنا إلى الله رب العالمين، فعند أن يخرج الرجل منهم من عند الأمير ماذا يعمل؟ لا كحال كثير من الناس يسمع الكلام ثم يتلف عمله، فيفتح التلفزيون ويضيع كل ما حصله، بل امض إلى بيتك وقم بتنفيذ الكلام الذي سمعته، فتعود إلى بيتك وتراجع حساباتك، يا إلهي هذا الكلام خطير مرعب، فلا تكن مرعوباً راهباً وقت الدرس فقط، ثم كأن شيئاً لم يكن.
فاللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه يا رب العالمين.
стр. 171
علة عدم سماعنا لعذاب القبر
تحدثنا سابقاً عن علامات الساعة الصغرى، وعلامات الساعة الكبرى، وقلنا قبلها كلاماً عن القبر وما فيه، وموجبات عذاب القبر، والمنجيات منه.
اليوم -إن شاء الله- حديثنا عن قضية هامة، وهي قضية البعث، فقد مات الناس وأقبروا -أي: داخلوا القبور- وهي في ظاهرها أحجار وتراب، لكن في داخلها إما نعيم أو عذاب، ومن رحمة الله -كما أسلفنا- أنه لا يسمعنا صوت المعذبين في القبور، وعلى قدر فهمي الضعيف الضئيل، أنه ربما كان ذلك لحكمتين، والحكم كثيرة لكن أفهم منها علتين: العلة الأولى: ألا يعير الناس بعضهم بعضاً بما يعذب به أهلوهم في القبور.
نفرض أن شخصاً رفعت أنا عليه قضية في المحكمة، ويعذب أبوه في قبره لأجل حرام كان ارتكبه، فأعيره بعذاب أبيه في القبر، وهذه ستكون مصيبة علي أولاً؛ لأن من عير أخاه بذنب صنعه لن يموت إلا وقد ارتكب هذا الذنب، ولذلك عندما تسمع عن شخص أنه يرتكب ذنباً معيناً فاسأل الله العفو والعافية، وقل: يا رب عافنا وإياه، وهكذا المؤمن.
إذاً: فهذه هي العلة الأولى.
والله أعلم.
العلة الثانية: لو سمعنا عذاب أهل القبور لكانت عبادتنا لله رهبة لا رغبة.
يعني: أنا عند أن أسمع العذاب تكون عبادتي لله عبادة خوف، مع أن الله يريد أن تكون عبادتنا له عبادة حب؛ لأنه هو الغفور الودود، ينادي بعدما تثور عليك الأرض قائلة: يا رب! هذا الرجل أكل من رزقك ولم يشكرك، والجبل يقول: يا رب! هذا يأكل من رزقك ولم يشكرك، اجعلني أضمه أضيعه أميل فوقه، والسماء تقول: دعني يا رب! أنزل عليه غضباً؛ لأنه لا يشكرك، والبحر يقول: دعني أغرقه، فماذا يقول الرحمن الرحيم الذي يريدنا أن نعبده على حب؟ أأنتم خلقتموه؟ يقولون: لا يا ربنا، ويقول: لو خلقتموه لرحمتموه، دعوني وعبادي، من تاب إلي منهم فأنا حبيبهم، ومن لم يتب فإني طبيبهم، وأنا لهم أرحم من الأم بأولادها.
стр. 172
أهمية عبادة الله حباً
إذاً: فالله يريد منا أن نعبده عبادة حب؛ لأنه مدح حبيبه ﷺ فقال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٦ - ٧].
سبحان الله، هل الرسول ﷺ ضل؟ أم أنت لم تتنبه لمدلولات اللغة؟ الضلال في اللغة: شدة الحب، وهو درجة من درجات الحب الكبير؛ لأن الرسول كان بحاثة عن الحقيقة واليقين؛ بدليل أنه كان في كل شهر رمضان يختلي بنفسه قبل البعثة يبحث عن الله ؛ وكأنه يقول: الناس الذين يعبدون هذه الأصنام ليسوا على حق فدلني عليك يا رب السماء والأرض، دلني عليك يا من جعلت البحار زخارة بأمواجها، ونوارة بما فيها، يا من ترسل الرياح، يا من تصنع كذا وكذا، فقال له الله جل وعلا: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ [الضحى:٧] أي: شديد الحب لمعرفتنا فهديناك إلينا، وليس معناه: أن الرسول ضال بمعنى منحرف أو مخطئ، حاشى رسول الله أن يضل بهذا المعنى.
احترام المخلوقات لسيد الخلق ﷺ أمر ظاهر، فهذه السيدة عائشة تقول: كنا نأتي بوحش بري في البيت عند رسول الله، ومعنى: وحش بري، أي: غير مستأنس، فيركض ويلعب في البيت، ويقطع السجاد، فقالت: أول ما يدخل النبي ﷺ يسكن الوحش بجواره حتى يخرج، أي: لا يريد أن يعمل فوضى يقلق بها الحبيب المصطفى ﵊، وهذا وحش بري غير مدرب أو معلم، لكن ربنا يعلمه من أجل حبيبه المصطفى ﷺ .
فالله من رحمته لا يسمعنا عذاب أهل القبور، ومن الذي يسمع عذاب أهل القبور؟ يقول الرسول ﷺ : (كل المخلوقات تسمع عذاب أهل القبور، إلا الثقلين الإنس والجن) الذين هم مكلفون، لأنهم ما داموا مكلفين فلن يسمعوا عذاب أهل القبور من أجل أن تكون العبادة غيبية؛ لأن الله مدح المؤمنين في أول البقرة فقال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]، وصل الأمر بسيدنا علي أن قال: لو كشف عني الحجاب لما ازددت من الله قرباً، وهذا كلام مرتفع جداً، يعني: لو رفع الحجاب بين سيدنا علي وبين ربه، لما ازداد من الله قرباً؛ ليقينه في الله ، فلا يريد إثباتات ولا براهين، ولا أدلة، وأحسن من قال: وفي كل شيء آية تدل على أنه الواحد لذلك عمر بن عبد العزيز وهو في النزع، قالوا: قل: لا إله إلا الله، فتبسم ونظر إلى السماء، وقال: ومتى نسيت ربي حتى تذكروني به.
ذكرك في فمي جمالك في وجهي حبك في قلبي فكيف تغيب؟ ولسان حاله: كيف أنت دائماً معي وأنا معك، هذه معية الله التي بها كل خير.
стр. 173
الفرق بين الصديق وأصحاب موسى
وسيدنا أبو بكر عندما ارتجف في الغار قائلاً: يا رسول الله! ما أظن إلا أن القوم قد رأونا، وما ذلك إلا لأن عينيه وقعتا في عيني أبي جهل، أو وقعت عينا أبي جهل في عيني أبي بكر، فقد رآه بلا شك، فماذا يعمل الحبيب؟ هو يعرف رصيد أبي بكر الإيماني، فقال له: (لا تحزن يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما) أي: فمن الذي يغلبهما؟ وانظروا الفرق بين أبي بكر وبين أصحاب موسى عند أن قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، ولذلك حديث الدار الآخرة مهم للعقيدة، من أجل أن الذي يخاف من غير الله لا يخاف إلا منه سبحانه، فالطالب الذي دخل الامتحان أو الموظف الذي يخاف من مديره، أو الرجل الذي يخاف من أمن الدولة أن تعمل به كذا وكذا، فكل هؤلاء ينبغي عليهم ألا يخافوا إلا من الله وحده، فإن خفت من الله أخاف منك المخلوقات كلها، ولذلك لما قال لموسى أصحابه: (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) لأن فرعون من ورائهم، قال لهم موسى: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] وهل هذا من أدب النبوة؟ أي: أن يقدم معيته على لفظ الجلالة؟ ألم يكن الواجب أن يقول: إن ربي معي كما قال الرسول لـ أبي بكر: (إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) فقدم لفظ الجلالة على لفظ المعية، أما سيدنا موسى فقدم لفظ المعية على لفظ الجلالة فلماذا؟ لأن الذي مع رسول الله ﷺ هو أبو بكر وإيمانه كامل، فأول ما قرأ: (إن الله) سكن قلب أبي بكر؛ أما الذين مع سيدنا موسى فهم يهود مذعورون خائفون على أنفسهم، فيطمئنهم أولاً على أنفسهم، ثم بعد ذلك يأتي بلفظ الجلالة قائلاً: (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي).
إذاً: فالفرق قائم بين المخاطبين، مثل الذي يجلس على جبل عرفات، وهو متعب يقول: يا إلهي، متى سيكتمل هذا النسك، ما هذا الحر؟ هذا غير معقول؟ لم أكن أتخيل أن الأمر هكذا، فهو ينتظر المغرب بفارغ الصبر، والثاني بجانبه مؤمن لا يريد المغرب أن يأتي، فلا يشعر بالحر، ويقول: يا ليت أن المغرب لا يأتي، فهذا اليوم قد لا يعوض مرة أخرى، فهذا لا يحس بالحر، والأول قد أتعبه الحر مع أن الجو واحد.
إذاً: فقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)، هذا لسيدنا أبي بكر ﵁، فاللهم اجعلنا معه في الجنة يا رب العالمين.
وقد كان رسول الله ﷺ ربعة بين الرجال، لا طويلاً جداً ولا قصيراً، يعني: كان متوسطاً في الطول، لا نحيف ولا سمين، بل كان ربعة بين الرجال، لكن كان إذا سار مع طويل خيل للرائي أن الرسول أطول، ولذلك قالوا: يا عباس قال: نعم، قالوا: أنت عم رسول الله وحبيبه، قال: نعم، قالوا: إذاً أنت الأكبر أو الرسول؟ والعباس هذا من آل بيت النبي ﷺ ، وآل بيت النبوة ألهمهم ربنا الرشد في الكلام وقال فيهم: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود:٧٣]، فاللهم احشرنا في زمرتهم يا رب، فقال العباس: رسول الله أكبر مني، ولكني ولدت قبله.
أي: لا يصلح أن أكون أنا الأكبر وهو رسول الله، بالله عليك لو أن شخصاً سألك في هذا الزمان، أنت أكبر أم ابن أخيك؟ لقال لك غالباً: يا بني! ابن أخي من سن أولادي، لكن العباس تخرج الحكمة من لسانه، اللهم أنطقنا بالحكمة يا رب.
стр. 174
نفخة الصعق
قبل قيام الساعة هناك نفختان في الصور: النفخة الأولى: قال الله فيها: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] يعني: هناك استثناء، ومن الموجود في تلك اللحظة؟ الموجود الجنة، والنار، واللوح، والقلم، والعرش، والكرسي، وعجب الذنب، وما هو عجب الذنب؟ هو ما قال فيه رسول الله ﷺ : (كل ابن آدم يفنى إلا عجب الذنب).
وعجب الذنب: هو آخر فقرة في العصعص، الذي في العمود الفقري، وهذا مشاهد عندما تنظر الهيكل العظمي، فآخر فقرة هذه لا تفنى، بل تبقى منها بعض من الذرات، وهي دليل على أن هذا هو الشخص الفلاني، أو أنها فلانة، وربما يكتشف في المستقبل طباً أن في هذا المكان سراً ما، ولو أن عندنا من الأساتذة الفضلاء والعلماء أصحاب الطب واستطاعوا أن يفحصوا في هذه الحالة فلا بد أن يجدوا فيه سراً، ولماذا هذا بالذات؟ لماذا قال النبي ﷺ : (كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب)؟ لأنه البقية الباقية التي ستبقى من جسد ابن آدم، ولن تنفى إلا أن يشاء الله.
إذاً: فعجب الذنب واحد من سبعة أشياء تظل باقية عند قيام الساعة، أو عند الصعقة في الصور.
стр. 175
وصف من ينفخ في الصور
ومن الذي يصعق في الصور؟ أو من الذي ينفخ في البوق؟ ملك موكل بهذا اسمه إسرافيل، وهذا هو عمله من يوم أن خلق الله الجنة والنار، والرسول ﷺ رآه ليلة المعراج يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، وحنى جبهته، لا يرتد إليه طرفه، عينه لا ترمش، شاخصاً إلى العرش، ممسكاً بالبوق في يديه وعلى فمه، يخاف أن تغمض عيناه وقد أمر من الله بالنفخ في البوق.
وفي الحديث: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم قرنه وحنى جبهته، ينتظر الإذن من الله بالنفخ في البوق).
إذاً: فالرسول عند أن ينظر هذا أمامه كيف يأتي له نوم بعد ذلك؟ فأنت عند أن تتعلم العلم وتحضر حلقات الدار الآخرة تكون مستعداً للقاء الله، وعند أن يطرق عليك ملك الموت يومها فأنت مستعد للقائه سبحانه، اللهم اجعلنا من المستعدين للقائك يا رب العالمين.
стр. 176
استدعاء ملك الموت بعد الصعق
وبعد الصعق يستدعي رب العباد سبحانه ملك الموت، وهو العليم الخبير فيقول له: يا ملك الموت! فيقول: نعم يا رب! فيقول الله له: هل بقي أحد على ظهر الأرض؟ وهذا السؤال من الله سؤال من يريد تقرير الحقيقة، وهذا كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٩].
وكقوله تعالى: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١٦ - ١١٨].
وقوله تعالى على لسان عيسى: (إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) فيه تقرير بأنه لا أحد يعلم الغيب إلا الله سبحانه، فلا تضرب الودع ونحوها؛ لأن عند المسلم يقيناً بالله فيتقي ربه، ولا يصدق بأن إنساناً لا يستطيع أن يعرف ما وراء الطبيعة إلا بإيمانه بالله وفتح الله عليه.
فيقول إسرافيل: يا رب! بقي على وجه الأرض جبريل وميكائيل وإسرافيل وعبدك الماثل أمامك ملك الموت، فيقول الله له: يا ملك الموت! اقبض روح ميكائيل، فيقبض روح ميكائيل، ويبقى إسرافيل وجبريل، فيقول له الله: اقبض روح إسرافيل، وفي رواية: اقبض روح جبريل، ثم بعد قبض روح ميكائيل وإسرافيل وجبريل، يقول له الله: يا ملك الموت من على وجه الأرض؟ وتخيل ملك الموت أمام الله، أمام من يملك قضية الموت والحياة، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢].
وقد رأى رسول الله جبريل على هيئته مرتين له ستمائة جناح قد سد الأفق بجناحيه، فقال يا جبريل! أريد أن أراك على حقيقتك، وكان يأتيه في صورة دحية الكلبي أحد الصحابة، وكانت صورته جميلة، هو من قبيلة كلب، فهذا هو الذي كان يأتي جبريل في صورته إلى رسول ﷺ ، ثم قال له رسول الله ﷺ : أريد أن أراك على حقيقتك فقال له: (لا تستطيع، فقال الله: يا جبريل! لا ترد أمراً لحبيبي محمد، اخرج إلى البقيع يا رسول الله! فخرج، ورأى أجنحة جبريل وقد سدت مشرق الشمس ومغربها، رأسها في السماء ولم ير رجليه)، وكاد أن يغشى على الرسول من المفاجأة والهول، ما هذا الحجم وما أكبره؟ فلما عاد إلى حجمه، أي: لما عاد -يعني: إلى الحالة الطبيعية أو الشبه الذي كان يأتي به إلى الرسول - وقد قال جبريل: (أنا بالنسبة لإسرافيل وميكائيل كحلقة ملقاة في فلاة، ولو تراهما يا رسول الله! وقد تصاغرا خشية من الله ، حتى يصيرا كالعصفور الصغير).
إذاً: فالملائكة معصومون، لا يعملون الغلط، والله جعلهم نورانيين في خوف من الله ، ونحن الذين ركب فينا الخير والشر، وشرنا أكثر من خيرنا إذا انحرفنا لا نخاف؟ بل يجب أن نخاف الله سبحانه، قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين.
فقال الله لملك الموت: يا ملك الموت مت، وفي رواية الترمذي قال: (لم يبق إلا حملة العرش)، أي: الحاملين للعرش فقال: يا ملك الموت أمت حملة العرش، ثم قال له الله: من بقي؟ فيقول: عبدك فقال له: مت، ثم يقول الله : كنت أنا الله وأبقى أنا الله، أنا الله لا إله إلا أنا، أين الملوك؟ أين أهل الملك؟ أين أهل الجبروت؟ أين أهل القهر؟ لم يبق إلا أنا الواحد القهار.
стр. 177
نفخة البعث
عادت الأرض كما كانت لا مخلوق فيها، ملك لخالقها سبحانه، فتمكث الأرض كذلك ما شاء الله لها أن تمكث، ثم يبعث الله إسرافيل لينفخ في البوق مرة أخرى، وهذه النفخة الثانية، وهي الإيذان بقيام القيامة، ودخلنا في مسألة البعث، قال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق:٤١ - ٤٢] أي: ينادي إسرافيل، وربما ينادي حملة العرش، -على خلاف في الروايات- وربما ينادي مناد من عند الله لا ندري من هو: يا أيتها العظام النخرة، يا أيتها اللحوم المتناثرة! قومي لفصل القضاء أمام الله رب العالمين، كما قال الله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ﴾ [القمر:٧]، وكما قال سبحانه: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج:٤٣] فيقول الله لهم: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢] فيقولون: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣] أي: اسأل الذين يعدون، أما نحن فلا نعرف كم لبثنا؟ أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة نبينا ﷺ ، فيقول جبريل والملائكة في لقائه: مرحباً يا خير خلق الله، وفي رواية ابن ماجه والإمام أحمد أن سبعين ألفاً من الملائكة تشرف بلقاء الحبيب وهو قائم من قبره، وهذا التشريف خاص بسيدنا الحبيب ﷺ ، وهو خارج من القبر، فيقول: كيف حال أمتي يا جبريل؟ أول ما يفتح عينيه يسأل: كيف حال الأمة؟ ما أعظم حنانك وعطفك على الأمة يا رسول الله! كما قال الله عنه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، أفلا يستحق أن نصلي عليه ليل نهار؟ ألا يستحق أن نحبه حباً جماً؟ ألا يستحق أن نسير خلفه وفي طريقه، ألا أيستحق أن نطيعه فيما قال وأمر، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١].
لذلك سيدنا أنس يبكي وهو يوضئ الحبيب ﷺ ، فالماء ينزل من الإبريق من يد أنس ﵁ وهو يبكي، وأنس خدم الرسول عشر سنوات، أمه أسلمته للحبيب وهو في العاشرة، فمكث يخدم المصطفى إلى عشرين سنة، وعنده من العمر خمس عشرة سنة وهو يبكي! لأنه تربى في بيت النبوة، فقال: يا رسول الله! تذكرت يوم تقوم الساعة، تكون أنت عند الله في درجة عالية، وأنا لا أدري أين أكون؟ فهذا حال سيدنا أنس رضوان الله عليه، فلذا يكرمه الله ومن على شاكلته ومن يسير في طريقه بما في قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]، اللهم احشرنا في زمرتهم يا رب العالمين.
стр. 178
المواطن التي يفر المرء فيها من كل قريب
وهذه السيدة عائشة تبكي بكاءً مراً على الرسول ﷺ ، فيقول: (ما لك يا عائش)، وكان يلاطفها، وهو حنون على زوجاته، فقالت: أيذكر ويعرف بعضنا بعضاً يا رسول الله يوم القيامة، أو (هل كلنا سيعرف الآخر عندما نخرج من القبور؟ قال: يعرف بعضنا بعضاً ويذكر بعضنا بعضاً، إلا في مواطن ثلاثة) في مواطن ثلاثة، متى يا حبيب الله؟ وفي رواية الإمام أحمد: (مواطن أربعة)، في رواية الإمام ابن ماجه والترمذي ومسلم: (في مواطن ثلاثة).
وهي كالتالي: أولها: (عندما نخرج من قبورنا، لا يسأل حميم حميماً) أي: لا أحد يسأل عن أحد، لو لقيت أباك أو ابنك بجانبك لفررت منه، وكذا امرأتك، فيفر الإنسان من كل من يعرف في هذا الموقف.
ثانيها: (عند تطاير الصحف).
وثالثها: (عند نصب الموازين أيثقل أم يخف) اللهم اجعلنا من الذين تثقل موازينهم يا رب العالمين.
ورابعها: (عند الصراط، أيهتز به الجسر أم يثبت قدمه عليه).
اللهم ثبت أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام، وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
يقوم الناس من قبورهم على غير هدى، من لدن آدم إلى آخر إنسان على الأرض، الراعي الذي ستقوم عليه الساعة، هو آخر من سيموت، ثم تقوم الساعة عليه ويموت وهو وسط غنمه، من أبينا آدم إلى هذا الراعي يعني: إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كل خارج من القبور من جميع أنحاء العالم يتجه إلى مكان واحد، لكن المؤمن الثابت الإيمان، التقي، النقي، الطاهر، الشريف على باب قبره ينتظره الملكان اللذان كانا أصحابه في الدنيا، أي: ملك الحسنات وملك السيئات، يثبتانه بالقول الثابت.
اللهم اجعلنا منهم يا رب، فالمؤمن الثابت، التقي، النقي ينتظره رقيب وعتيد يثبتانه: لا تخف، مثل أن تنزل أرضاً أو بلداً غريبة، فتلقى في المطار أناساً يتكلمون باليابانية وآخرون بالصينية، وأنت لا تعرف يابانية ولا صينية، ثم تجد صديقك، له عشرون سنة في هذه البلاد، فقال لك: أهلاً وسهلاً كيف حالك؟ وماذا تعمل؟ فكذلك الملكان يثبتانه في القبر، ويلقنان المؤمن الحجة، اللهم لقنا حجتنا يا رب العالمين.
стр. 179
وصف أرض المحشر
يسير الناس على غير هدى عند خروجهم من القبور، ولكن العلماء يقودون الناس كما كانوا يقودونهم في الدنيا إلى أرض المحشر.
أما أرض المحشر فهي كما قال رسول الله ﷺ : (بيضاء نقية، كالفضة المذابة، ما ارتكبت عليها خطيئة ولا ذنب قط) ذلك لأن الله قال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨].
قال أيضاً سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٧] أي: ليس فيها حفرة، ولا تل ولا هضبة؛ وإنما هي أرض مستوية، كل شيء ظاهر فيها، فلا أحد يختبئ في حفرة، أو وراء تل أو جبل أبداً، بل كلها أرض واضحة المعالم، إلى أن قال رب العباد سبحانه: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٨] وقال سبحانه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه:١١١].
هذا كلام لو أن العبد تدبره لانصدع قلبه خوفاً من الله سبحانه، ولهذا جاء القرآن وكذا سنة الحبيب لذلك، أي: لكي ترشدنا إلى الخير إن تأملناها، اللهم أرشدنا بكتابك وسنة حبيبك يا رب العالمين.
فيسير الناس على غير هدى إلى أن يجتمعوا جميعاً، فيا له من اجتماع مهول! نحن على ظهر الكرة الأرضية في هذا الوقت سنة واحد وتسعين خمسة مليار أو خمسة آلاف مليون، وهذا في حقبة من الزمن فقط، فانظر كم يكون من لدن أبينا آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كلهم يجتمعون في مكان واحد، الأمريكي والروسي والأفريقي والآسيوي وغيرهم، كلهم يكونون في مكان واحد.
ولترى هذه الصورة في يوم عرفة، وهم كلهم مجتمعون، فيا ترى كيف يكون حالنا في ذلك اليوم؟ ترى النساء عورات الرجال والعكس؛ لأنهم كلهم عراة.
انظر إلى أم المؤمنين على ماذا تخاف في ذلك اليوم؟ ليست مثل النساء اللاتي يمشين عاريات في الشوارع، قائلة لك: المهم الحجاب في القلب! فتقول أم المؤمنين: سبحان الله! ويرى الرجال عورات النساء؟ قال: (يا عائشة ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧])، أي: لا يوجد أحد في ذلك اليوم يهتم بهذه الأشياء يا أم المؤمنين، فالكل يذهب إلى مكان واحد.
إذاً: فهناك بعث وانتشار من القبور.
стр. 180
كيفية الحشر
بعد ذلك قال: واقتربت الشمس من الرءوس، فلقد تركت مدارها، وتغيرت الأرض والسماء وكذلك أشكالنا، أي: الأجساد سوف تتغير، ونخلق يوم القيامة على صورة أبينا آدم ستون ذراعاً في السماء، يعني: إذا كان الذراع يساوي خمسة وسبعين سنتيمتر مثلاً، فالواحد طوله يوم القيامة خمسة وأربعون متراً.
وسوف نحشر يوم القيامة أصنافاً ثلاثة: ركباناً، ومشاة، وعلى الوجوه، يعني: سنخرج من القبور ثلاثة أصناف: صنف كانت الدنيا بالنسبة لهم مطية ووسيلة، وليست غاية، واتقوا الله ، وعاشوا ينشرون الدعوة والعلم، رغم ما يؤذون به وما يدخل بيوتهم من النكد والشر، لكن نصروا دين الله ، فلذا الخيول والدواب ووسائل الانتقال المريحة تنتظرهم عند القبور، من أجل ألا يمشوا، اللهم احشرنا معهم يا رب، فيحشرون ركباناً، ويحشر مشاة من كان عملهم أقل، وهناك - والعياذ بالله - من يحشرون على وجوههم، قالوا: (كيف يمشون على وجوههم يا رسول الله؟ قال: الذي أمشاهم على أرجلهم سوف يمشيهم على وجوههم).
إذاً: يحشر الناس مشاة وركباناً، وعلى وجوههم، على قدر تعبك لله في الدنيا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] فإن كدحت لله في الدنيا وتعبت وعرقت من أجله، فستأتي يوم القيامة لا تعرق؛ لأنك أصابك العرق لله، وتعبت في سبيله، وجاهدت وحوربت، وضيقوا عليك الرزق، وراقبوك، وكرهت حياتك من أجله، وما زلت سائراً فيما يرضه، فلن تعرق وتتعب يوم القيامة.
والمرأة المنقبة والمخمرة التي تمشي في عز الحر مغطية نفسها بجلباب أو اثنين، من أجل ألا يرى أي شخص شيئاً من جسمها، ومن أجل ألا يعرف أحد هل هي سمينة أم نحيفة، وألا يعرف أحد شكل يدها أو جسمها أو رجلها وهي مع ذلك تتصبب عرقاً، فهذا العرق يمنع عنها عرق الآخرة، وتوضع لها كل قطرة من عرقها في ميزان حسناتها يوم القيامة، والتي تمشي عريانة والذباب محيط بها، وعيون الذئاب البشرية تنظر إليها، فهذه سوف تسبح في عرقها يوم القيامة، نسأل الله السلامة لنا ولكم ولنسائنا أجمعين، إن ربنا على ما يشاء قدير.
فالناس منهم من يمشي في عرقه إلى ركبتيه، ومنهم من يصل عرقه إلى حقويه -أي: نصف جسمه- ومنهم من يصل عرقه إلى صدره، ومنهم من يغطي العرق أذنيه.
من لم يتعب في الدنيا مثل تعب المؤمنين، بل كان مستريحاً محارباً لعلماء الدين فهذا يبلغ منه العرق على قدر عداوته وعمله.
يصل الناس إلى أرض المحشر، ونحن لسنا مثل أهل التوراة عندما يتكلمون عن ذلك قائلين: عند قبة الصخرة سوف يوضع عرش الرحمن، وتكون الموازين هناك والأرض، فنحن لا داعي لنا لمعرفة المكان، ولم يذكر في القرآن أو السنة ذلك، فلا يهمك المكان، وهذا حال التلميذ الغبي تماماً، فهو يهمه المكان الذي سيختبر فيه، وفي أي لجنة؟ وكم في جنة من طالب؟ وكم الأسئلة؟ وهذا ليس عليه، ونقول له: إنما عليك أن تذاكر وتمتحن حتى في المريخ.
وكذلك قضية أرض المحشر، في أي مكان هي؟ هذا ليس علينا، فلا تسأل عن أشياء لن تعود عليك بشيء مفيد.
وعندما يصل الناس إلى أرض المحشر جميعاً، تطول بهم الوقفة لأن اليوم في الآخرة بخمسين ألف سنة، فكم يمكث الناس يا ترى؟ يمكثون طويلاً، حتى إن الحبيب يذكر: أنه يتمنى كثير من الناس أن يذهب بهم إلى النار ولا تطول بهم الوقفة.
следующие страницы →