← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37011

الدار الآخرة - عمر عبد الكافي

عمر عبد الكافي

Полный текст (549 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

استدعاء ملك الموت بعد الصعق وبعد الصعق يستدعي رب العباد سبحانه ملك الموت، وهو العليم الخبير فيقول له: يا ملك الموت! فيقول: نعم يا رب! فيقول الله له: هل بقي أحد على ظهر الأرض؟ وهذا السؤال من الله سؤال من يريد تقرير الحقيقة، وهذا كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٩]. وكقوله تعالى: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١٦ - ١١٨]. وقوله تعالى على لسان عيسى: (إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) فيه تقرير بأنه لا أحد يعلم الغيب إلا الله سبحانه، فلا تضرب الودع ونحوها؛ لأن عند المسلم يقيناً بالله فيتقي ربه، ولا يصدق بأن إنساناً لا يستطيع أن يعرف ما وراء الطبيعة إلا بإيمانه بالله وفتح الله عليه. فيقول إسرافيل: يا رب! بقي على وجه الأرض جبريل وميكائيل وإسرافيل وعبدك الماثل أمامك ملك الموت، فيقول الله له: يا ملك الموت! اقبض روح ميكائيل، فيقبض روح ميكائيل، ويبقى إسرافيل وجبريل، فيقول له الله: اقبض روح إسرافيل، وفي رواية: اقبض روح جبريل، ثم بعد قبض روح ميكائيل وإسرافيل وجبريل، يقول له الله: يا ملك الموت من على وجه الأرض؟ وتخيل ملك الموت أمام الله، أمام من يملك قضية الموت والحياة، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢]. وقد رأى رسول الله جبريل على هيئته مرتين له ستمائة جناح قد سد الأفق بجناحيه، فقال يا جبريل! أريد أن أراك على حقيقتك، وكان يأتيه في صورة دحية الكلبي أحد الصحابة، وكانت صورته جميلة، هو من قبيلة كلب، فهذا هو الذي كان يأتي جبريل في صورته إلى رسول ﷺ ، ثم قال له رسول الله ﷺ : أريد أن أراك على حقيقتك فقال له: (لا تستطيع، فقال الله: يا جبريل! لا ترد أمراً لحبيبي محمد، اخرج إلى البقيع يا رسول الله! فخرج، ورأى أجنحة جبريل وقد سدت مشرق الشمس ومغربها، رأسها في السماء ولم ير رجليه)، وكاد أن يغشى على الرسول من المفاجأة والهول، ما هذا الحجم وما أكبره؟ فلما عاد إلى حجمه، أي: لما عاد -يعني: إلى الحالة الطبيعية أو الشبه الذي كان يأتي به إلى الرسول - وقد قال جبريل: (أنا بالنسبة لإسرافيل وميكائيل كحلقة ملقاة في فلاة، ولو تراهما يا رسول الله! وقد تصاغرا خشية من الله ، حتى يصيرا كالعصفور الصغير). إذاً: فالملائكة معصومون، لا يعملون الغلط، والله جعلهم نورانيين في خوف من الله ، ونحن الذين ركب فينا الخير والشر، وشرنا أكثر من خيرنا إذا انحرفنا لا نخاف؟ بل يجب أن نخاف الله سبحانه، قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين. فقال الله لملك الموت: يا ملك الموت مت، وفي رواية الترمذي قال: (لم يبق إلا حملة العرش)، أي: الحاملين للعرش فقال: يا ملك الموت أمت حملة العرش، ثم قال له الله: من بقي؟ فيقول: عبدك فقال له: مت، ثم يقول الله : كنت أنا الله وأبقى أنا الله، أنا الله لا إله إلا أنا، أين الملوك؟ أين أهل الملك؟ أين أهل الجبروت؟ أين أهل القهر؟ لم يبق إلا أنا الواحد القهار.

стр. 177

نفخة البعث عادت الأرض كما كانت لا مخلوق فيها، ملك لخالقها سبحانه، فتمكث الأرض كذلك ما شاء الله لها أن تمكث، ثم يبعث الله إسرافيل لينفخ في البوق مرة أخرى، وهذه النفخة الثانية، وهي الإيذان بقيام القيامة، ودخلنا في مسألة البعث، قال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق:٤١ - ٤٢] أي: ينادي إسرافيل، وربما ينادي حملة العرش، -على خلاف في الروايات- وربما ينادي مناد من عند الله لا ندري من هو: يا أيتها العظام النخرة، يا أيتها اللحوم المتناثرة! قومي لفصل القضاء أمام الله رب العالمين، كما قال الله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ﴾ [القمر:٧]، وكما قال سبحانه: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج:٤٣] فيقول الله لهم: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢] فيقولون: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣] أي: اسأل الذين يعدون، أما نحن فلا نعرف كم لبثنا؟ أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة نبينا ﷺ ، فيقول جبريل والملائكة في لقائه: مرحباً يا خير خلق الله، وفي رواية ابن ماجه والإمام أحمد أن سبعين ألفاً من الملائكة تشرف بلقاء الحبيب وهو قائم من قبره، وهذا التشريف خاص بسيدنا الحبيب ﷺ ، وهو خارج من القبر، فيقول: كيف حال أمتي يا جبريل؟ أول ما يفتح عينيه يسأل: كيف حال الأمة؟ ما أعظم حنانك وعطفك على الأمة يا رسول الله! كما قال الله عنه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، أفلا يستحق أن نصلي عليه ليل نهار؟ ألا يستحق أن نحبه حباً جماً؟ ألا يستحق أن نسير خلفه وفي طريقه، ألا أيستحق أن نطيعه فيما قال وأمر، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]. لذلك سيدنا أنس يبكي وهو يوضئ الحبيب ﷺ ، فالماء ينزل من الإبريق من يد أنس ﵁ وهو يبكي، وأنس خدم الرسول عشر سنوات، أمه أسلمته للحبيب وهو في العاشرة، فمكث يخدم المصطفى إلى عشرين سنة، وعنده من العمر خمس عشرة سنة وهو يبكي! لأنه تربى في بيت النبوة، فقال: يا رسول الله! تذكرت يوم تقوم الساعة، تكون أنت عند الله في درجة عالية، وأنا لا أدري أين أكون؟ فهذا حال سيدنا أنس رضوان الله عليه، فلذا يكرمه الله ومن على شاكلته ومن يسير في طريقه بما في قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]، اللهم احشرنا في زمرتهم يا رب العالمين.

стр. 178

المواطن التي يفر المرء فيها من كل قريب وهذه السيدة عائشة تبكي بكاءً مراً على الرسول ﷺ ، فيقول: (ما لك يا عائش)، وكان يلاطفها، وهو حنون على زوجاته، فقالت: أيذكر ويعرف بعضنا بعضاً يا رسول الله يوم القيامة، أو (هل كلنا سيعرف الآخر عندما نخرج من القبور؟ قال: يعرف بعضنا بعضاً ويذكر بعضنا بعضاً، إلا في مواطن ثلاثة) في مواطن ثلاثة، متى يا حبيب الله؟ وفي رواية الإمام أحمد: (مواطن أربعة)، في رواية الإمام ابن ماجه والترمذي ومسلم: (في مواطن ثلاثة). وهي كالتالي: أولها: (عندما نخرج من قبورنا، لا يسأل حميم حميماً) أي: لا أحد يسأل عن أحد، لو لقيت أباك أو ابنك بجانبك لفررت منه، وكذا امرأتك، فيفر الإنسان من كل من يعرف في هذا الموقف. ثانيها: (عند تطاير الصحف). وثالثها: (عند نصب الموازين أيثقل أم يخف) اللهم اجعلنا من الذين تثقل موازينهم يا رب العالمين. ورابعها: (عند الصراط، أيهتز به الجسر أم يثبت قدمه عليه). اللهم ثبت أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام، وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين. يقوم الناس من قبورهم على غير هدى، من لدن آدم إلى آخر إنسان على الأرض، الراعي الذي ستقوم عليه الساعة، هو آخر من سيموت، ثم تقوم الساعة عليه ويموت وهو وسط غنمه، من أبينا آدم إلى هذا الراعي يعني: إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كل خارج من القبور من جميع أنحاء العالم يتجه إلى مكان واحد، لكن المؤمن الثابت الإيمان، التقي، النقي، الطاهر، الشريف على باب قبره ينتظره الملكان اللذان كانا أصحابه في الدنيا، أي: ملك الحسنات وملك السيئات، يثبتانه بالقول الثابت. اللهم اجعلنا منهم يا رب، فالمؤمن الثابت، التقي، النقي ينتظره رقيب وعتيد يثبتانه: لا تخف، مثل أن تنزل أرضاً أو بلداً غريبة، فتلقى في المطار أناساً يتكلمون باليابانية وآخرون بالصينية، وأنت لا تعرف يابانية ولا صينية، ثم تجد صديقك، له عشرون سنة في هذه البلاد، فقال لك: أهلاً وسهلاً كيف حالك؟ وماذا تعمل؟ فكذلك الملكان يثبتانه في القبر، ويلقنان المؤمن الحجة، اللهم لقنا حجتنا يا رب العالمين.

стр. 179

وصف أرض المحشر يسير الناس على غير هدى عند خروجهم من القبور، ولكن العلماء يقودون الناس كما كانوا يقودونهم في الدنيا إلى أرض المحشر. أما أرض المحشر فهي كما قال رسول الله ﷺ : (بيضاء نقية، كالفضة المذابة، ما ارتكبت عليها خطيئة ولا ذنب قط) ذلك لأن الله قال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨]. قال أيضاً سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٧] أي: ليس فيها حفرة، ولا تل ولا هضبة؛ وإنما هي أرض مستوية، كل شيء ظاهر فيها، فلا أحد يختبئ في حفرة، أو وراء تل أو جبل أبداً، بل كلها أرض واضحة المعالم، إلى أن قال رب العباد سبحانه: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٨] وقال سبحانه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه:١١١]. هذا كلام لو أن العبد تدبره لانصدع قلبه خوفاً من الله سبحانه، ولهذا جاء القرآن وكذا سنة الحبيب لذلك، أي: لكي ترشدنا إلى الخير إن تأملناها، اللهم أرشدنا بكتابك وسنة حبيبك يا رب العالمين. فيسير الناس على غير هدى إلى أن يجتمعوا جميعاً، فيا له من اجتماع مهول! نحن على ظهر الكرة الأرضية في هذا الوقت سنة واحد وتسعين خمسة مليار أو خمسة آلاف مليون، وهذا في حقبة من الزمن فقط، فانظر كم يكون من لدن أبينا آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كلهم يجتمعون في مكان واحد، الأمريكي والروسي والأفريقي والآسيوي وغيرهم، كلهم يكونون في مكان واحد. ولترى هذه الصورة في يوم عرفة، وهم كلهم مجتمعون، فيا ترى كيف يكون حالنا في ذلك اليوم؟ ترى النساء عورات الرجال والعكس؛ لأنهم كلهم عراة. انظر إلى أم المؤمنين على ماذا تخاف في ذلك اليوم؟ ليست مثل النساء اللاتي يمشين عاريات في الشوارع، قائلة لك: المهم الحجاب في القلب! فتقول أم المؤمنين: سبحان الله! ويرى الرجال عورات النساء؟ قال: (يا عائشة ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧])، أي: لا يوجد أحد في ذلك اليوم يهتم بهذه الأشياء يا أم المؤمنين، فالكل يذهب إلى مكان واحد. إذاً: فهناك بعث وانتشار من القبور.

стр. 180

كيفية الحشر بعد ذلك قال: واقتربت الشمس من الرءوس، فلقد تركت مدارها، وتغيرت الأرض والسماء وكذلك أشكالنا، أي: الأجساد سوف تتغير، ونخلق يوم القيامة على صورة أبينا آدم ستون ذراعاً في السماء، يعني: إذا كان الذراع يساوي خمسة وسبعين سنتيمتر مثلاً، فالواحد طوله يوم القيامة خمسة وأربعون متراً. وسوف نحشر يوم القيامة أصنافاً ثلاثة: ركباناً، ومشاة، وعلى الوجوه، يعني: سنخرج من القبور ثلاثة أصناف: صنف كانت الدنيا بالنسبة لهم مطية ووسيلة، وليست غاية، واتقوا الله ، وعاشوا ينشرون الدعوة والعلم، رغم ما يؤذون به وما يدخل بيوتهم من النكد والشر، لكن نصروا دين الله ، فلذا الخيول والدواب ووسائل الانتقال المريحة تنتظرهم عند القبور، من أجل ألا يمشوا، اللهم احشرنا معهم يا رب، فيحشرون ركباناً، ويحشر مشاة من كان عملهم أقل، وهناك - والعياذ بالله - من يحشرون على وجوههم، قالوا: (كيف يمشون على وجوههم يا رسول الله؟ قال: الذي أمشاهم على أرجلهم سوف يمشيهم على وجوههم). إذاً: يحشر الناس مشاة وركباناً، وعلى وجوههم، على قدر تعبك لله في الدنيا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] فإن كدحت لله في الدنيا وتعبت وعرقت من أجله، فستأتي يوم القيامة لا تعرق؛ لأنك أصابك العرق لله، وتعبت في سبيله، وجاهدت وحوربت، وضيقوا عليك الرزق، وراقبوك، وكرهت حياتك من أجله، وما زلت سائراً فيما يرضه، فلن تعرق وتتعب يوم القيامة. والمرأة المنقبة والمخمرة التي تمشي في عز الحر مغطية نفسها بجلباب أو اثنين، من أجل ألا يرى أي شخص شيئاً من جسمها، ومن أجل ألا يعرف أحد هل هي سمينة أم نحيفة، وألا يعرف أحد شكل يدها أو جسمها أو رجلها وهي مع ذلك تتصبب عرقاً، فهذا العرق يمنع عنها عرق الآخرة، وتوضع لها كل قطرة من عرقها في ميزان حسناتها يوم القيامة، والتي تمشي عريانة والذباب محيط بها، وعيون الذئاب البشرية تنظر إليها، فهذه سوف تسبح في عرقها يوم القيامة، نسأل الله السلامة لنا ولكم ولنسائنا أجمعين، إن ربنا على ما يشاء قدير. فالناس منهم من يمشي في عرقه إلى ركبتيه، ومنهم من يصل عرقه إلى حقويه -أي: نصف جسمه- ومنهم من يصل عرقه إلى صدره، ومنهم من يغطي العرق أذنيه. من لم يتعب في الدنيا مثل تعب المؤمنين، بل كان مستريحاً محارباً لعلماء الدين فهذا يبلغ منه العرق على قدر عداوته وعمله. يصل الناس إلى أرض المحشر، ونحن لسنا مثل أهل التوراة عندما يتكلمون عن ذلك قائلين: عند قبة الصخرة سوف يوضع عرش الرحمن، وتكون الموازين هناك والأرض، فنحن لا داعي لنا لمعرفة المكان، ولم يذكر في القرآن أو السنة ذلك، فلا يهمك المكان، وهذا حال التلميذ الغبي تماماً، فهو يهمه المكان الذي سيختبر فيه، وفي أي لجنة؟ وكم في جنة من طالب؟ وكم الأسئلة؟ وهذا ليس عليه، ونقول له: إنما عليك أن تذاكر وتمتحن حتى في المريخ. وكذلك قضية أرض المحشر، في أي مكان هي؟ هذا ليس علينا، فلا تسأل عن أشياء لن تعود عليك بشيء مفيد. وعندما يصل الناس إلى أرض المحشر جميعاً، تطول بهم الوقفة لأن اليوم في الآخرة بخمسين ألف سنة، فكم يمكث الناس يا ترى؟ يمكثون طويلاً، حتى إن الحبيب يذكر: أنه يتمنى كثير من الناس أن يذهب بهم إلى النار ولا تطول بهم الوقفة.

стр. 181

شفاعة النبي لأهل الموقف يحشر الناس في صعيد واحد، كلهم عرايا كما ولدتهم أمهاتهم، ثم كما قال النبي ﷺ : (فيذهب الناس، كل أمة تذهب إلى علمائها) أي: كل أمة تجري وراء العلماء المخلصين، الذين كانوا يعلمونهم في الدنيا، يا علماءنا اعملوا شيئاً، فيذهب وفد من العلماء بعدما يتشاورون ماذا نعمل؟ فقالوا: نحن سمعنا رسول الله ﷺ يذكر أنه من أجل أن تبدأ الشفاعة في بداية الحساب، فأول واحد نذهب إليه آدم أبو البشر، الذي خلقه الله بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له الملائكة، فيقولون: يا أبانا اشفع لنا عند ربك، فيقول: لقد غضب ربي اليوم غضباً لم يغضب مثله قبله، ولن يغضب مثله بعده؛ ويكررون على آدم الرجاء: يا أبانا اشفع لنا، فيقول: وهل أخرج أباكم من الجنة إلا أن عصى ربه، بأي وجه ألقى الله ، رغم أن الله تاب عليه، لكن مازال مرعوباً، فليست المسألة سهلة، فيقول لهم آدم: أنا لست لها، اذهبوا إلى نوح، كل الذين ذهبوا إلى آدم يذهبون إلى نوح: يا نوح! يا أطول الأنبياء عمراً، يا أول الدعاة على الأرض! اشفع لنا عند ربك، فيقول مقالة أبيه آدم: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضبه من قبل ولن يغضب مثله بعد، أنا لست لها، لقد دعوت على قومي، وقلت: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧] أنا لست لها، اذهبوا إلى أبي الأنبياء إبراهيم. قالوا: إذاً حلت، أبو الأنبياء هذا الخليل، وله دلال على الله، وهو ذو المكانة من الله، فيقولون: يا خليل الرحمن! اشفع لنا عند ربك، وما هي الشفاعة هنا؟ هي بداية الحساب، يعني: كل هذا الرجاء من أجل أن يبتدئ الحساب، فلا تظن أن الشفاعة من أجل أن يدخل الناس الجنة! لا، بل من أجل أن يبدأ الحساب، فالمسألة خطيرة وصعبة، لذلك كان الرسول يقول دائماً: (لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً، ولضحكتم قليلاً، ولما هنأت لكم حياة، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وفيها جبهة ملك ساجد، يسبح بحمد الله، حتى إذا حشروا أمام ربهم يوم القيامة قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك). إذاً: فالمسألة خطيرة، والملائكة الذين يشغلون أنفسهم بعبادة الله، يقولون: ربنا لم نعبدك حق عبادتك، وأنت عندما يكرمك الله تنظر إلى وجه ربك يوم القيامة، يجب أن تستقل العبادة التي أمرك بها. يقول الخليل لهم: لقد كذبت، أنا لا أستطيع، لقد غضب ربي اليوم غضباً لم يغضب مثله قبل، ولن يغضب مثله بعد، أنا لست لها، اذهبوا إلى كليم الله موسى، قالوا: هو هذا الذي سيكلم ربنا، الإنسان دائماً يعيش على الرجاء، وهو في كل حلقة يرجو الحلقة التي تليها، فيقولون: يا موسى! ربنا اصطفاك على الناس برسالته وبكتبه، اشفع لنا عند ربك، فيقول: لست لها، لقد دعوت على قومي: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٨٨]. كل نبي من الأنبياء يرى نفسه مذنباً، إذاً فنحن بالله عليك أين نذهب؟ يعني: الأنبياء يقولون: لا، إن ربنا غضب اليوم، لا أحد يستطيع أن يتكلم، إلى درجة أن الله عند أن يجمعهم ويسألهم: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٩] وهم يعرفون الإجابة لكن يقولون: ﴿لا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة:١٠٩]، ولذلك قالوا: يا خليل الرحمن! لم لا تشفع لنا عند ربك يوم القيامة، -هؤلاء أتباعه- ألست خليل الرحمن؟ قال: خوفي من ربي أنساني خلتي معه، أي: الخوف أنساني أنني خليله، يا إلهي! انظروا خوفهم إلى أين أوصلهم؟ يقال: إن سيدنا أيوب كان يبكي خوفاً من الله حتى ينبت الزرع من كثرة دموعه، فكم كان مقدار دموعه؟ فيقول لهم إبراهيم: أنا لست لها، اذهبوا إلى روح الله عيسى، قالوا: إذاً هنا الحل، وقال مثلما قال إخوانه من قبل وأبوه آدم، أي: ربنا غضب اليوم غضباً لم يغضبه من قبل، ولن يغضب مثله بعد أنا لست لها، أين أنتم ممن قال أنا لها أنا لها! أين أنتم من أخي محمد؟ لماذا لا تأتون إليه مباشرة، كل واحد من الأنبياء يقول: لست لها لست لها لست لها، إلا محمداً ﵊. فيقولون له: يا رسول الله! يا خاتم النبيين! يا خير خلق الله! يا من كذا وكذا! - طبعاً فيه من الصفات الكثيرة - اشفع لنا عند ربك، فتكون أول إجابة له أن يقول: (أنا لها أنا لها) ﷺ ، يقول النبي ﵊: (فأنهض فأسجد بين يدي ربي تحت العرش، ويفتح الله علي من محامده ما لم يفتح من قبل)، يعني: يلهمه الله كلاماً لا يعرفه من قبل، فيظل يحمد الله ويثني على ربه بما هو أهله، ويبكي، لكن هل يبكي من أجل نفسه أو أهله؟ لا، من أجل فاطمة والحسن والحسين؟ لا، وإنما يقول: (يا رب أمتي يا رب أمتي، يقول له: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع). ارفع رأسك يا حبيبي! أما كفتك العبادة؟ أما كفاك القيام؟ أما كفاك الهجود؟ أما كفاك الصيام؟ أما كفاك الصلاة حتى تورمت منك الأقدام يا خير الأنام؟ ارفع رأسك فيقول: (يا رب أمتي يا رب أمتي) فيقول الله : (رحمتي لن تضيع أمة هذا رسولها، وهذا ربها الرحمن الرحيم). فاللهم شفع فينا نبينا، اللهم شفعه فينا اللهم شفعه فينا اللهم شفعه فينا يا رب العالمين. وفي أرض المحشر التي هي بيضاء نقية كالفضة لا حفرة فيها ولا تل، يكون مع الإنس فيها هناك الجن، والشياطين، والحيوانات، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير:٥]، قالوا: ويحيط بهذا كله الملائكة، كما قال تعالى: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان:٢٥]، فالملائكة تركت مدار العبادة الذي في السماوات والأرض، وأحاطت بأهل المحشر، فلا خلاص من أمر الله، ونكس الجميع رءوسهم خشية لله ، ثم نكست الوحوش رءوسها خشية من الله، وهي ما اقترفت ذنباً، ولن تحاسب بالحسنات والسيئات وهي في حالة من الخوف، إذاً: فنحن أولى أن نخاف ونرتعب، ونكون في الدنيا على وجل، وإن قوماً غرتهم الأماني، يقولون: نحسن بالله الظن، ووالله لقد كذبوا، ولو صدقوا لأحسنوا العمل. القضية: أن الإيمان ليس بالتمني، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، إياك أن تقول: هذا شخص قلبه أبيض، أو: صحيح أنه لا يصلي، ولكن قلبه أبيض، وصحيح أنه لا يخرج الزكاة، لكن قلبه أبيض! بل قل: هذا قلبه أسود؛ لأنه لا يقيم شرع الله ، فحذار أن تضيع شرع الله، وتضيع سنن الحبيب المصطفى، وحذار أن تبتعد عن مجالس العلم، والله يأمر حبيبه قائلاً: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا * وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٨ - ٢٩]. فاللهم اجعلنا من المؤمنين يا رب العالمين.

стр. 182

الأدلة على مسائل البعث واليوم الآخر

стр. 183

تكذيب أناس لربهم ندعم كلامنا المتقدم بالأحاديث الصحيحة المنقحة عن الصادق المعصوم ﷺ على ما يلي: روي الإمام البخاري وكذا الإمام مسلم وأصحاب السنن عن أبي هريرة ﵁، عن سيدنا رسول الله ﷺ ، عن ربه فيما يرويه عنه أنه يقول: (شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني، وكذبني وما ينبغي له أن يكذبني؛ فأما شتمه إياي فيقول: إن لي ولداً). وهؤلاء النصارى أصحاب العقيدة المنحرفة، ثم قال الله : (وأما تكذيبه فقوله: لن يعيدني مرة أخرى) مع أن الله يقول: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:٤٧].

стр. 184

حال صاحب الصور ويقول النبي ﷺ : (ما ترك صاحب الصور أو صاحب القرن الذي وكل به، ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه، كأن عينيه كوكبان دريان، ملوك الأرض يومها أذل أهل الجمع، حتى الوحوش تقبل من البراري منكسة رءوسها بعد توحشها، ذليلة بغير خطيئة، ثم تحشر الشياطين). قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم:٦٨]، هذا كلام الله ، وكلام حبيبه ﷺ .

стр. 185

إلقاء الأرض ما في جوفها ثم يقول ﵊: (أنا أول من تنشق عنه الأرض فأجلس في قبري، فيفتح لي باب في السماء بحيال رأسي حتى أنظر إلى العرش، ثم يفتح لي باب عن يميني حتى أنظر إلى الجنة وإلى منازل أصحابي، وإن الأرض تحركت تحتي فقلت: ما بالك أيتها الأرض؟ قالت: إن الله أمرني أن ألقي ما في جوفي وأن أتخلى فأكون كما كنت إذ لا شيء في)، ثم قرأ قول الله : ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق:٤ - ٥]، أي: سمعت وأطاعت وحق لها أن تسمع وتطيع.

стр. 186

حال العبد مع عمله ثم يقول ﷺ : (أول من يلقى العبد يوم القيامة ملك الحسنات) انظروا إلى التعبير (العبد)، الذي هو المؤمن، يعني: هو عبد لله لا للدنيا. ثم يجد رجلاً على هيئة نور، يقول له: اركبني، فيقول له: من أنت؟ فيقول له: أنا عملك الصالح، طالما ركبتك في الدنيا، فاليوم تركبني حتى آتي بك إلى الله . أما الثاني والعياذ بالله فعليه ظلام وكآبة، فيركب فوق ظهره، فيقول له: من أنت؟ فيقول له: أنا علمك السيئ، كما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم، كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام:٣١]. ويقول النبي ﷺ : (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرص نقي ليس فيها معلم لأحد) ومعنى: عفراء: أي بيضاء غير ناصعة البياض، يعني: بياض بزرقة قليلاً، وقال ﵊ عنها: (أرض بيضاء كالفضة لم يسفك عليها دم، ولم يعمل عليها خطيئة).

стр. 187

طرائق حشر الناس وفي حديث البخاري ومسلم يقول ﷺ : (يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين، وراهبين، واثنين على بعير، وثلاثة على بعير، وتحشر بقيتهم النار تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتمسي معهم حيث أمسوا). يعني: والعياذ بالله أن هنالك أناساً سوف يخرجون من القبور يلقون ركائب يركبونها، وهناك أناس يلقون الأعمال الصالحة يركبونها، وهنالك أناس تمشي النار -والعياذ بالله- معهم؛ لأنهم كانوا في الدنيا كالنار على الناس في كلامهم وألفاظهم، ومعاملاتهم. عندما يوضع العبد السيئ في القبر يخرج له تنين أو ثعبان أقرع له سبعون رأساً، وله أنياب قد جري السم في دمائه سنوات طويلة -والعياذ بالله- قال: سبحان الله هذا التنين كان حياً معه في الدنيا؛ لأنه في الدنيا كان عبارة عن حية تلدغ الناس، والحيات والعقارب التي تملأ القبر، وتحيط بالفاجر والفاسق هي عبارة عن أعماله السيئة؛ من الغيبة والنميمة، ولمز الناس، وهمز الأعراض، والخوض في الحرمات، وكتابة الشكاوى، وتعذيب الناس وسجنهم، وتضييع علماء الدين، وكل هذا يتمثل له يوم القيامة في هذه الصور من العذاب والعياذ بالله. فاللهم اجعل قبورنا روضة من رياض الجنة يا رب العالمين.

стр. 188

حال الناس عند حشرهم وقال النبي ﷺ كما في حديث ابن مسعود: (يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط، وأظمأ ما كانوا قط، وأعرى ما كانوا قط، وأنصب ما كانوا قط؛ فمن أطعم لله أطعمه الله، ومن سقى لله سقاه الله، ومن كسى لله كساه الله، ومن عمل لله كفاه الله، ومن نصر الله أراحه الله في ذلك اليوم). يعني: أنت عند أن تطعم لله، فالله سيطعمك يوم القيامة، وعند أن تسقي لله فالله سيسقيك، وإن تكس لله فالله سيكسوك، وإن تعمل أي شيء لله فالله سيعطيك مثل ما صنعت، ولن تعمل شيئاً لله إلا وجدته، والناس يبعثون على ما ماتوا عليه. شخص وافته المنية في حجة الوداع، فالرسول ﷺ قال لهم: (غسلوه وكفنوه، لكن لا تغطوا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة محرماً ملبياً). فمن مات وهو يقرأ القرآن يخرج من قبره وهو يمسك المصحف ويقرأ القرآن، والذي مات ويذكر الله يبعث يوم القيامة وهو يذكر الله، والذي مات وهو يلعب والعياذ بالله طاولة أو يشرب سجائر أو واقعاً في منكر أو مات وهو يغني أو يعمل أي منكر فسيبعث على ما مات عليه. فاللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها يا رب العالمين.

стр. 189

كيفية حشر أصناف من الأمة عن معاذ بن جبل ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ:١٨]؟ فبكى الرسول، وقال: يحشر عشرة أصناف من أمتي أشتاتاً، قد ميزهم الله من جماعة المسلمين، وبدل صورهم -والعياذ بالله- فمنهم على صورة القردة، ومنهم على صورة الخنازير، ويحشر بعضهم منكسين أرجلهم أعلاهم ووجوههم يسحبون عليها)؛ لأنه في الدنيا لم يكن يسمع لأهل العلم، بل كان ممن يؤذيهم، كأن يقفل مسجداً أو يؤذي مصلياً. ثم قال ﵊: (وبعضهم عمي يترددون، وبعضهم صم بكم لا يعقلون، وبعضهم لا يمضغون -والعياذ بالله- ألسنتهم مدلاة على صدورهم، يسيل منها القيح، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع النار، إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله في أحسن صورة وأطيب ريح، فيقول: هل تعرفني؟ يقول: لا، يقول: أنا عملك الصالح، طالما ركبتك في الدنيا فاركبني اليوم، ثم تلا: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم:٨٥]) اللهم اجعلنا منهم يا رب. قال أهل اللغة: الوفد: هم علية القوم، وعندما كان يقول العربي: وصل الوفد، فليس المراد أي أحد؛ لأن زعماء القبيلة هم الوفد، ثم قال تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٦]. لا تساق إلا البهائم، ومعنى: ورداً، أي: عطاشا، تخيل شخصاً في جهنم وهو عطشان. نسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وقال ﷺ : (وإن الكافر ليستقبله عمله في أقبح صوره وأنتن ريح، فيقول: هل تعرفني؟ يقول: لا، يقول: أنا عملك السيئ، طالما ركبتني في الدنيا وأنا اليوم أركبك، وتلا قول الله : ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام:٣١]). والعياذ بالله رب العالمين. وهنا نتوقف، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 190

سلسلة الدار الآخرة_أسماء يوم القيامة البعث والنشور حقيقة لا ريب فيها، وهي جزء من الإيمان بالآخرة، وجزء من إيمان المؤمن لا يتم إيمان المؤمن إلا به، وليوم القيامة أهوال وأحداث، وأسماء يوم القيامة توضح ذلك.

стр. 191

قضية البعث وتوجه الناس إلى المحشر الحمد لله حمد عباده الشاكرين، حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. فهذه بمشيئة الله هي الحلقة العاشرة في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة، أو عن الموت وما بعده، فهذا يوم مبارك وهو يوم عاشوراء الذي من صامه إيماناً بالله واحتساباً فقد غفر له ذنوب سنة مضت، فاللهم اجعلنا من الذين تقبلت منهم يا رب العالمين! اللهم تقبلنا في هذا اليوم الكريم، اللهم تقبل منا صلاتنا وصيامنا وقيامنا، واغفر يا مولانا بفضلك زلاتنا وآثامنا، وأعتق من النيران رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا، وأزواجنا وذرياتنا، وأصحاب الحقوق علينا، فرج اللهم الكرب عن المكروبين، وسد الدين عن المدينين، واقض حوائجنا وحوائج المحتاجين، ويسر أمورنا وأمور المسلمين، ولا تدع لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا شيطاناً إلا طردته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مسافراً إلا رددته غانماً سالماً. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. أكرمنا ولا تهنا، أعطنا ولا تحرمنا، زدنا ولا تنقصنا، كن لنا ولا تكن علينا، آثرنا ولا تؤثر علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فأنت علينا قادر. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، انزع اللهم الحقد والحسد والضغينة من قلوب المسلمين، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا. اللهم اجعلنا من المتحابين فيك، ومن المتزاورين فيك، ومن المتجالسين فيك، اللهم حببنا بحبك فيمن أحببت، وبغضنا ببغضك فيمن أبغضت، اللهم حببنا إلى الحلال وبارك لنا فيه وحببه إلينا وإن كان قليلاً، وباعد بيننا وبين الحرام يا رب! بعد المشرقين وبغضنا إليه وإن كان كثيراً، أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، نعوذ بك من عين لا تدمع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تقنع، ومن بطن لا تشبع، ومن دعاء لا يُسمع، نسألك من خير ما علمنا وما لم نعلم، ونعوذ بك من شر ما نعلم وما لا نعلم، إنك أنت الأعز الأكرم، انصر الإسلام والمسلمين، انصر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك. اللهم من أراد بالمسلمين كيداً فاجعل اللهم كيده في نحره، تعلم يا مولانا أننا مقهورون فانصرنا، أذلاء فأعزنا، تائهون فأرشدنا، مشتتون فاجمعنا، أصحاب شهوات فتب علينا. اللهم تب علينا من الذنوب كبيرها وصغيرها، وإن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك معافين غير فاتنين ولا مفتونين، ولا خزايا ولا ندامى ولا مبدلين. يا أرحم الراحمين ارحمنا! يا أرحم الراحمين ارحمنا! يا أرحم الراحمين ارحمنا! لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا يا أرحم الراحمين! أكرمنا بكرمك يا أكرم الأكرمين! اللهم أكرمنا يا أكرم الأكرمين! اللهم توفنا على الإيمان واحشرنا في زمرة المؤمنين، واجعلنا للمتقين إماماً، ثبت أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام، أظلنا بظل عرشك يوم لا ظل إلا ظله، واسقنا من حوض الكوثر شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً. اللهم فرح بنا قلب نبينا، اللهم فرح بنا قلب نبينا، اللهم فرح بنا قلب نبينا، اللهم شفعه فينا، اللهم شفعه فينا، اللهم شفعه فينا، اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠]. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. توقفنا في الحلقة السابقة عند الحديث عن البعث من القبور، وتوجه العباد إلى أرض المحشر وقد وصفها لنا الحبيب المصطفى ﷺ بأنها أرض بيضاء نقية لم ترتكب عليها معصية قط، ولم يسفك عليها دم قط، ولم يظلم إنسان عليها قط، ولم تقع عليها أي بلية قط، إنما هي أرض جديدة خلقها الله ليحاسب العباد عليها. إن أرض المحشر كما قلنا لا ندري أين مكانها، ولكن سوف يدلنا أهل الخير والعلماء الصالحون العاملون بعلمهم، وسوف يقومون بعمل الأدلاء أو المرشدين إلى أرض المحشر، حيث نخرج جميعاً من الأجداث سراعاً كأننا إلى نصب نوفض، أو كأننا جراد منتشر، وهنا إذا صيح بنا الصيحة الثانية ينادي المنادي من قِبل العلي الأعلى: أيتها العظام النخرة! أيتها اللحوم المتناثرة! أيتها الأعضاء المتفرقة! قومي لفصل القضاء أمام الله رب العالمين. وسوف نسرع ما بين راكب وماشٍ، وسائر على وجهه والعياذ بالله رب العالمين، حتى إن الصحابة الذين لا يجادلون أبداً تعجبوا وقالوا: يا رسول الله! كيف يمشون على وجوههم؟ قال: (الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم) وذلك لأن هذا الإنسان الذي سيمشي على وجهه والعياذ بالله يوم القيامة كان دائماً لا ينظر إلى الإسلام ولا إلى المسلمين، وإنما ينظر لمصلحته لا غير، ويرى مهمته فقط، فلم ينظر إلى مسلم برحمة، ولا إلى أرملة مسكينة برحمة، ولا إلى يتامى بشفقة، ولا إلى موظف مسكين يقف بجانبه، ولا إلى مظلوم، وإنما كان ينافق ويظهر ما لا يبطن. إنَّ المصطفى ﷺ كان يعلم أبا ذر وبالتالي يعلمنا أن الإنسان المسلم الصادق في إسلامه يجب أن يقول الحق ولا يخاف في الله لومة لائم؛ لأن قول الحق لا يقرب أجلاً، فأنت إذا رأيت ما يجب أن تقوله بحق وبصدق يجب أن تقول ولا تخاف أبداً أن يزج بك في سجن، أو تصاب في رزقك أو في ولدك، أو تعجل عليك المنية، كلا! فقل الحق، وإن مت فبقضاء الله وأنت مع حمزة ﵁ في الجنة، فخير الشهداء حمزة ورجل دخل على حاكم ظالم فوعظه فقتله. إذاً: هؤلاء سوف يُحشرون على وجوههم والعياذ بالله رب العالمين، ومنظر بشع أن يسحب الإنسان على وجهه، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢] فأيهما أهدى وأفضل؟ الذي يمشي في الحياة مستقيماً على الصراط القويم، أم ذلك الذي يمشي مكباً على وجهه لا يرى الحق حقاً، وإنما يرى الحق باطلاً، ويرى الباطل حقاً. إنَّ في زمننا هذا إذا رأت العائلة واحدة قد هداها الله إلى الحجاب وقفت ضدها وقالت: هذا غلط، هذا تطرف، هذا تشدد! إذاً والتي تنام على الشاطئ عريانة أليس ذلك تطرفاً؟ أليس ذلك تشدداً في الانفلات؟ أليس تشدداً في الانحراف؟ أليس ذلك تشدداً في التمسك بإبليس وأعوانه؟ لماذا التشدد يذكر عند المؤمنين والمؤمنات ولا يذكر عند الفاسقين والفاسقات، والفاجرين والفاجرات؟ لماذا عندما نلقى شاباً صالحاً يرتاد المسجد ويواظب على دروس العلم، نصفه بأوصاف سيئة؟ قال ﷺ : (كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً) فالمعروف صار في زمننا منكراً، والمنكر صار في زمننا معروفاً؛ لأن الناس قد ساروا على روسهم لا على أرجلهم فرأوا الحقائق مقلوبة، فهم لا يعيشون على منهج الكتاب والسنة، بل يعيشون في هذا الوقت مشاش على روسهم، فرأوا حقائق الأمور مقلوبة، رأوا الحق باطلاً والباطل حقاً، ورأوا الاستقامة انحرافاً والانحراف استقامة. إذا وعظت مدير مكتب وقلت له: لماذا تريدون سكرتيرة حسنة المظهر؟ قال: أريد أن أجلب بها الزبائن، والكارثة أن البنات يتسابقن أيتهن تفوز بمنصب السكرتيرة أو مديرة المكتب، فإن قلت له: لا بد أن يكون الموظف رجلاً حتى على الأقل لو تأخر مجلس الإدارة في الليل لاجتماع إلى الساعة الواحدة، أفضل من أن تتأخر الفتاة أو الأم عن أبنائها، فالرجل أفضل لأنه يتحمل ويصبر على الأوامر القاسية، لكن المرأة ضعيفة وفي نفس الوقت تخلو أنت بها في المكتب ومعكما الشيطان، فتراه يتأفف من هذا الوعظ؛ لأنه لا يحب هذا الحديث؛ فهو يرى الحق باطلاً، ويرى الحقيقة عرجاء، ويرى الأمر الأعرج الكسيح المشوه مكتملاً، فهو يرى أن هذا هو الصواب، أما ما تراه أنت فهو خطأ؛ فهذا من الذين يسحبون على وجوههم يوم القيامة؛ لأنه لا يرى إلا أن يقلب الحقائق، والموظف الذي تحت يديه مال لوزير أو مدير، فتراه ينافق ويضر الناس؛ حتى لا يصل إليه إلا كل مدح وصفة طيبة، من الذين يحشرون على وجوههم يوم القيامة. يحكى أن الفضيل بن عياض ﵀ وعظ هارون الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين! إن ملكاً من ملوك الصين وكان رجلاً عادلاً أصيب بالصمم، فكان لا يسمع شكوى الشاكين، فأذن بمؤذن في البلاد: من كان ذو ظلامة يلبس يوم كذا ثوباً أحمر فكان الفضيل يقول: يا أمير المؤمنين! هذا رجل مشرك ولكنه يعدل بين الناس. وأمة العدل الكافرة تستمر، وأمة الظلم المسلمة تضمحل، ولزوال الأرض والسماوات بما فيهن أهون عند الله من إراقة دم مسلم بريء. فهؤلاء -أي الذين يريقون دماء المسلمين البرآء- من الذين سوف يكبون على وجوههم في النار يوم القيامة، وقبل أن يكب على وجهه في النار يمشي مكباً على وجهه من القبر إلى أرض المحشر والعياذ بالله نستعيذ بالله وإياكم من هؤلاء ومن هذه الأعمال، وحشرنا الله في زمرة الصالحين المؤمنين المتقين. قلنا: إن الناس سوف يحشرون على هيئات ثلاث: صنف راكب، وصنف ماشٍ، وصنف يمشي مكباً على وجهه؛ ونحن الآن في أو

стр. 192

أسماء يوم القيامة ليوم القيامة أسماء كثيرة، فإننا حين نقرأ القرآن أو نقرأ السنة المطهرة نجد مسميات كثيرة تربو على الستين اسماً ليوم القيامة، وكل اسم من أسماء يوم القيامة له معنى، وهذه الأسماء يجب أن نعلمها؛ لأنه اسم اليوم الذي سنجمع فيه جميعاً من لدن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، سنجتمع فيه نحن وأهلنا وأقرباؤنا وأصحاب الحقوق والرؤساء والزعماء والملوك، والأمراء والوزراء والمدراء والكبير والصغير، وكسرى وقيصر والأنبياء جميعاً وأقوامهم، والنبي ﷺ وأمته من الكفار والمشركين والمنافقين، فكل هؤلاء مجموعون في مكان واحد والمسألة ليست من السهولة بمكان، فحلقات الدار الآخرة هي حلقات تخص العقيدة أولاً وأخيراً، فإذا كنا لم نخرج من حلقات الدار الآخرة بزيادة إيمان ونور يدخل إلى قلب العبد رويداً رويداً؛ فإن هذه دروس لم نستفد منها؛ فاللهم اجعلها في ميزان حسناتنا، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه يا رب العالمين!

стр. 193

يوم الانشقاق إنَّ أول اسم من أسماء يوم القيامة اسم يتعلق بسورة من ضمن خمس سور عجلت بالشيب إلى رسول الله ﷺ ، فقد كان العربي لا يشيب إلا بعد الستين والسبعين سنة، لكن الرسول ﷺ لما بلغ اثنتين وأربعين سنة بدأ الشيب يدب في رأسه ولحيته ﷺ ، فقال الصحابة ﵃: عجباً! عجل عليك الشيب يا رسول الله! قال: (شيبتني هود وأخواتها) ما هي أخوات هود؟ أول واحده منها: الانشقاق، قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١]. فالله يأمر أن تنظر إلى السماء وأن ترجع البصر مرة ومرتين، قال تعالى: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك:٣] أي: هل ترى شقوقاً في السماء؟ الجواب قال الله تعالى: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات:٢٨] فالسماء ليس فيها تشقق ولا تصدع، لكن لكل سماء باب، والرسول ﷺ دخل من أبواب السماء ليلة المعراج، والله يقول: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر:١١] إذاً: السماء لها أبواب وليس باباً واحداً وهذه الأبواب نحن لا نراها، وعندما تنظر إلى السماء تجد أن الله رفعها بغير عمد نراها جل الخالق، وسكان السماوات كلهم من الملائكة، ولما خلق الله : السماوات والأرض أوحى إليهما بقوله: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] فدخلا في طاعة الله ، فأوحى الله في كل سماء أمرها، ودبر ملك السماوات والأرض، والله سبحانه يقول: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧]. روي عند الإمام الترمذي عن ملك من الملائكة أنه طلب طلباً غريباً من رب العباد سبحانه! فقال: أريد عمراً مائة ألف سنة، ومائة ألف جناح وقوة مائة ألف ملك؛ لكي أطوف مسبحاً بحمدك حول العرش. فالملك مطبوع على الطاعة ومع ذلك يطلب الاستزادة، فقال الله: لك ما أردت، وأجيبت الدعوة، وانتهت المائة ألف سنة فوقف فوجد أنه لم ينه لوناً واحد من ألوان العرش، إذ إن العرش له ألوان لا يعلم جمالها إلا الله سبحانه، فوقف الملك يبكي واقفاً عند جنة عدن فطلعت حورية من الحور العين تقول متعجبة: هل هناك أحد يبكي عند الجنة؟! إن جاز له البكاء فقد يبكي فرحاً، قال الشاعر: هجم السرور عليَّ حتى أنه من فرط ما قد سرني أبكاني تقول أم المؤمنين عائشة ﵂: لم أكن أفكر أن هناك أحداً يبكي فرحاً، إلا لما رأيت أبا بكر يبكي فرحاً عندما بشر بصحبته للرسول ﷺ في الهجرة. كذلك لما وقف الملك يبكي وتعجبت الحوراء منه وقالت: تبكي لماذا يا عبد الله؟! قال: طلبت من ربي كذا وكذا فأعطاني، لكنني لم أنهِ لوناً واحداً من ألوان العرش، فماذا أعمل؟ قالت له: يا هذا! بصنيعك الذي صنعت ما بلغت جزءاً من مائة ألف جزء من ملك أبي بكر الصديق في الجنة. وكان أبو بكر أخوف الناس، وكان إذا وقف يصلي لا يسمع القراءة من بكائه، وكان الرسول ﷺ يصعد على المنبر وأبو بكر قاعد على حافة المنبر لا ينزل عينيه من وجه رسول الله ﷺ ، وكان هو الصحابي الوحيد الذي عنده مقدرة أن يطيل النظر في وجه رسول الله ﷺ وكان يقول ﷺ : (ما من أحد له يد عندنا إلا وكافأناه عليها إلا أبا بكر، فإن له يداً عندنا لا يكافئه عليها إلا الله رب العالمين). إذاً: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك:٣] يعني: هل ترى من انشقاق أو انبعاج؟ قال تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك:٤] أي: انظر مرتين ﴿يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك:٤]. قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق:١ - ٢] أي: حق لها أن تسمع الإذن من الله بأن تنشق؛ لأن الله يقول لها: انشقي يا سماء! فتتشقق وتقع تمهيداً لسماء أخرى ليست كهذه السماء. قال تعالى: ﴿وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق:٣ - ٤] أي: يقول الله: يا أرض! أخرجي ما فيكِ، قال رسول الله ﷺ : (أترون ما إذنها؟) قالوا: لا يا رسول الله! قال: (تقول لي الأرض يوم القيامة: يا محمد! لقد أذن الله لي أن أمد، وأن أخرج ما في بطني، وأن أشهد بكل شيء عمله ابن آدم على ظهري، فاحذروا من الأرض فإنها أمكم)، كما قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه:٥٥] أي: خلقنا نحن منها فهي أم لنا، وستحضننا بعد هذا حضانة أخرى، فالأم تحضن ابنها في لحظة الحنان والشفقة والرضاعة، والقبر يحضن المؤمن كالأم حين تضم ابنها لصدرها عند الرضاعة بحنان، ومن الناس - والعياذ بالله رب العالمين - من يضيق القبر عليه حتى تختلف أضلاعه، فالذين يظلمون الناس ويفترون عليهم ويقتلونهم، والذين يحبسون الناس ويؤذونهم ويطردونهم من أعمالهم ويطاردونهم في معايشهم، ويتجسسون عليهم؛ أين يذهبون من رب العالمين؟ إذاً: يا عبد الله: تب إلى الله، فإن الكرسي سوف يزول، والمنصب سوف يزول، قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] أي: لا باقي إلا وجه الله، وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق:٣ - ٥] أي: حق لها أن تسمع الإذن من الله بأن تخرج ما فيها. وسمي هذا اليوم بيوم القيامة؛ لأن الناس يقومون فيه لرب العالمين، وسميت بالساعة؛ لأن كل الناس يسعون إليها وهي تسعى إليهم، يعني: إن كنت لا تحب أن تسعى إليها فهي التي ستسعى إليك، فإما أن تلقى حتفك بيدك، وإما أن يأتيك الموت، فالساعة لا ريب فيها، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٧]. كلَّم الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فقال: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ [طه:١٣] أي: صار رسولاً، قال: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه:١٣ - ١٤] فأرسله بالوحدانية أولاً، قال: ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] فالصلاة تنوب عن كل العبادات. وقال: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه:١٥] قال أهل التفسير: أكاد أخفيها فلا أقول إنها آتية، أراد الله شدة إخفائها، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف:١٨٧]. فقوله: (لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) أي: تأتي فجأة، فالأمر بيد من بيده الأمر كله، إذ يقول للشيء: كن فيكون.

стр. 194

يوم التكوير هناك سورة في القرآن اسمها سورة التكوير بالإضافة إلى سورة الانشقاق وسورة هود وهي من السور التي شيبت رسول الله ﷺ ، فأنت عندما تكتب في ورقة وتكتشف أنك أخطأت في الكتابة فإنك تكورها هكذا وترميها، وهذا مثل قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤] وفي قراءة: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكتَاب) ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤]. ثم يبشرنا الله سبحانه فيقول: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ) أي: ﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥]. فعندما يورثهم الله سبحانه يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر:٧٤] إذاً: الجنة أرض وهؤلاء هم الوارثون، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون:١٠ - ١١] اللهم اجعلنا من ورثة جنة النعيم. ودعا سيدنا إبراهيم به فقال: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء:٨٥ - ٨٦] دعا ربه أن يكون من الورثة الذين يرثون الفردوس؛ لأن في الجنة باباً يدخل منه المجاهدون المقاتلون في سبيل الله والشهداء، وباباً يدخل منه الصائمون، وباباً يدخل منه العلماء العاملون بعلمهم، وباباً يدخل منه الحاكم العادل، كذلك تدخل الجنة فتجد مساكن، قال تعالى: ﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ [التوبة:٢٤] في جنات عدن. وتجد الذين وصفهم الله بعباد الرحمن في لوحة كبيرة مكتوب عليها بحروف من نور يسكنون الجنة، وصفاتهم موجودة في القرآن الكريم. إذاً: عندما تستغني عن الورقة تطويها وتكورها ثم ترميها، وهكذا الأرض فإنها تكور وينتهي الأمر، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨] في هذه الآية حذف والتقدير: (والسماوات غير السماوات) فهذا هو يوم التكوير، وهو اسم من أسماء يوم القيامة.

стр. 195

يوم الانكدار قال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ [التكوير:٢]. إن الماء يكون صافياً عذباً ورائقاً وعندما تشوبه شوائب يصبح مكدراً. والكدر أصله من الكدرة والحزن، يقال: كدر الضابط، أي: أدخل الكآبة على نفسه، كذلك النجوم، فالنجوم أصلاً مضيئة، فإذا اضمحل نورها أصبحت منكدرة، وهذا يوم الانكدار فالشمس تركت المدار والكواكب تناثرت من السماء؛ لأن السماء تشققت، والمدارات اختلت، وكل شيء ضاع، ويكون النور كما قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر:٦٩] ففي النهار أنت تحيل الضوء إلى الشمس، وفي الليل وأنت في الحقل أو في الصحراء تحيل الضوء إلى القمر، وفي يوم القيامة تذهب كل هذه الوسائط، قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر:٦٩] فالذي يضيء الكون هو رب الكون، وهكذا ترجع الأمور إلى حقائقها، فذا يوم الانكدار.

стр. 196

يوم التسيير قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير:٣] هذه الجبال تسير! فتذهب إلى ما شاء الله، وهي عبارة عن أوتاد للكرة الأرضية، ومعلوم أن الكرة الأرضية التي نعيش عليها تدور حول نفسها وحول الشمس، تدور حول الشمس فتتكون الفصول الأربعة، وتدور حول نفسها ليتكون الليل والنهار. والفصول الأربعة: الخريف والشتاء والصيف والربيع، أما الليل والنهار فإنه إذا غربت الشمس في القاهرة لم تغرب بعد في الإسكندرية، وإذا غربت في الإسكندرية لم تغرب في السلوم، وإذا غربت في السلوم لم تغرب في طبرق، وإذا غربت في طبرق لم تغرب في طرابلس، وإذا غربت في طرابلس لم تغرب في وهران، وإذا غربت في وهران لم تغرب في الرباط، وإذا غربت في الرباط لم تغرب في أمريكا، وكل ذلك حتى يبقى في الأرض من يوحد الله في كل لحظة. إذاً: لا يوجد وقت ينتهي فيه الصلاة، وبذلك يستمر توحيد الله في الكون، قال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج:٤٠] هنا مشرق وهنا مغرب، وفي كل حين تسبيح وتوحيد لله ، كذلك الطائفون حول الكعبة عندما يقفون للصلاة يبعث الله بعثاً من الملائكة يطوفون حتى لا ينقطع الطواف. اشتكت الكعبة قلة زوارها زمناً من الأزمنة قبل بعثة النبي ﷺ فقال: يا كعبتي! وعزتي وجلالي لأخلقن أقواماً يحنون إليك كما يحن الطائر إلى وكره.

стр. 197

يوم التعطيل قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير:٤] العشار: اسم يطلق على البهائم التي تحمل في بطونها أجنتها، فالعشار تعطل وتضع حملها كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج:١ - ٢]، فإن قال قائل: لماذا لم يقل: الأم مع أن الأم تسمى مرضعة؟ الجواب لأن أكثر الحنان والعطف تظهره الأم ساعة الرضاعة، حتى إن الولد إذا مات أو أخذ إلى المستشفى بعيداً عن أمه حنَّ ثدي الأم، فكأن هناك شيئاً روحياً يربط ما بين هذا اللبن وبين الثدي وبين الابن، فينزل اللبن لوحده، فهذه أكبر اللحظات في الحنان والعطف. أما يوم القيامة إذا قامت والولد يرضع من ثدي أمه، ترمي الأم طفلها. قال تعالى: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ [الحج:٢] وأكبر حامل في التاريخ هي الأرض، فتخرج كل ما فيها من كنوز، وما الاستعمار الأمريكي والأوروبي على بلادنا إلا لأنها أرض حاملة للخيرات، وهذا من فضل الله ، فلتتقوا الله أهل الخليج وأهل الحجاز، فإن مخزون السعودية والخليج والعراق وإيران من البترول لمائة وخمسين سنة، أما مخزون أمريكا وروسيا لا يكفيها إلا لثلاث عشرة سنة مقبلة فقط، يعني: في عام ألفين يكون المخزون عندهم قد نفذ، ومن أجل ذلك يحاولون استعمارنا لكن نحن بإذن الله سننتصر عليهم.

стр. 198

يوم المحشر قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير:٥] فإن قيل: لم تحشر الوحوش وهي لا تحاسب؟ ف الجواب قد يكون من البشر من ظلم وحشاً من الوحوش، فقد دخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. إذاً سيحشر الله الوحوش لأنه من المحتمل أن يكون الإنسان قد ظلم وحشاً، أو ضرب حيواناً ضرباً مبرحاً، وقد كانت الحيوانات في عهد الرسول ﷺ تشكو للرسول ﷺ من ظلم أصحابها، فكان ينهرهم ويقول: أحسن إلى بعيرك، أحسن إلى حمارك، أحسن إلى فرسك وهكذا وللأسف الشديد أنشئت في أوروبا جمعيات للرفق بالحيوان، ووددت لو أن في بلدنا جمعيات للرفق بالإنسان المسلم.

стр. 199

يوم التسجير قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:٦] أي: اشتعلت فالبحر يشتعل، وقد ثبت في الكيمياء أنَّه إذا وضع هيدروجين مع أوكسجين بنسبة اثنين إلى واحد حصل انفجار، فالماء الذي نشربه، وماء النهر والبحر بنفس التركيب، فسبحان الذي أعطى الماء هذه الخاصية وسلبها خاصية الانفجار ليستفيد منها ابن آدم في الدنيا؛ فإذا أراد الله أن تقوم القيامة عاد الماء إلى خاصيته فيكون نسبة الهيدروجين إلى الأوكسجين بنسبة واحد إلى اثنين فيحصل اشتعال في البحار وتحترق، يعني: البحر الأبيض والبحر الأحمر والمحيط الأطلنطي والمحيط الهادي والبحر الكاريبي، والقطب الشمالي والقطب الجنوبي والبحر الأسود والبحر الميت وبحيرة طبرية، وبحيرات المرة وبحيرة التمساح والخليج العربي ستشتعل كلها ناراً والعياذ بالله رب العالمين. إذاً: سيكون الواقع منظره مخيف: الجبال سارت، والسماء تشققت، والشمس اقتربت من الروس، والنجوم انطمس ضوؤها، والعشار عطلت، والوحوش حشرت، وسيحاسب الإنسان على كل مخلوق ظلمه.

стр. 200

يوم التزويج يوم التزويج اسم من أسماء يوم القيامة قال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير:٧] فأسماء يوم القيامة من الأهمية بمكان، ونحن نتحدث عن حلقات الدار الآخرة لكي تكمل الفائدة، ولكي نخرج من هذه الدروس بما يعود علينا بالخير في الدنيا والآخرة، فاللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه يا رب العالمين! إذاً: الوحوش سوف تحشر معنا يوم القيامة منكسة روسها خوفاً من العلي القدير رغم أنها ليست ذوات جناية، أو ذوات تكليف معين قد قصرت فيه، ولكن الله سوف يغضب يوم القيامة غضباً لم يغضب مثله من قبل، ولن يغضب مثله بعد، فاللهم ارض عنا في الدنيا والآخرة يا رب العالمين!

стр. 201

يوم السؤال ويسمى يوم القيامة بيوم السؤال، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩]. ولا بد أن نتكلم عن مسألة الإجهاض، كثير من الناس يظن أنه في أربعة أشهر من حمل المرأة يجوز أن تنزل المرأة ما في بطنها، وهذا افتراء على الله ، إذ إن الجنين صارت تدب فيه الحياة منذ اليوم الأول، يعني: باجتماع الحيوان المنوي مع البويضة صار هناك ما يسمى بالزيجوت وهي عبارة عن البنية الأساسية والخلية الأولى لتكون الجنين؛ لأن الولد بعد تسعة أشهر أتى من اللحظة الأولى من اجتماع البويضة في المرأة مع الحيوان المنوي في الرجل. إذاً: من أجهضت ما في بطنها لسبب قوي جداً، لا قبل أن يخبرها طبيب مسلم مؤمن فاهم حاذق وقال: إن الحمل إذا اكتمل فإنه ستموت المرأة فهنا جاز الإجهاض، ولي أيضاً تحفظ على مسألة التشوه، فقد عرفوا في هذا الوقت بالعلم الحديث أن الولد قد يخرج مشوهاً نتيجة للتلوث الذي نعيش فيه، ونتيجة تدخين الأمهات، أو جلوس الأمهات الحوامل في مكاتب فيها مدخنون، فإن هذا كله يصيب الأولاد بالتشوهات المعينة في بطون أمهاتهم، فلو أننا فرضنا جدلاً أن إنساناً منا رزق بابن مشلول كفيف لا يتكلم ولا يسمع، أي: كل حواسه معطلة وأصبح عمره خمس سنين وذهب به إلى الطبيب، فقال الطبيب: هذه الحالة لا نستطيع أن نرجعها، والسمع هذا لا نستطيع أن نرجعه، والشلل هذا لا نستطيع أن نعمل فيه شيئاً، فهل تستطيع الأم أن تقول: إذاً: يا طبيب اقتله؟! فمسألة قول الطبيب: إن هذا الولد سيخرج مشوهاً، هذا قدر الله ، فإن الله يبتليك بولد كفيف أو مشلول، أو بولد تفكيره ضعيف، أو يبتليك بولد لا يتكلم، فهذا اختبار من الله لك ولا اعتراض على قدر الله، فإذا تجرأت وقلت: الطبيب قال هكذا! فنحن سنجهضه، فإني أقول لك: لا، اذهب واستفت عالماً آخر؛ لأن هذا رأيي ورأي الإخوة العلماء في رابطة العالم الإسلامي، ونحن مجمعون على هذا الرأي بفضل الله ونفتي به في أي مكان في العالم. فلا يجوز الإجهاض إلا إذا كان هناك هلاك محقق للأم، أما غير ذلك فلا يجوز، فقد تكون المرأة لديها أربعة أولاد، فأمرها زوجها أن تجهض الخامس فأجهضته، فتراهما يدعيان الغباء ويقولان: عندنا أربعة أولاد، وفي بيتنا غرفتان وصالة فأين نضع الخامس؟! أليس الله يقول: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧] فإن الله هو الذي سيوسع عليك، فهو الذي يعلم السر وأخفى. رب العباد إذا وهب لا تسألنّ عن السبب ولا تقل: أنا موظف ومرتبي ثمانون جنيهاً وعندي ثلاثة أولاد، فلو رزقت الرابع عجزت عن كفايتهم فيا عجباً! هل أنت الذي ترزق ابنك؟ لا، هذا كفر وشرك بالله ، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٣١]. إذاً: قتل الجنين يلزم قاتله الدية؛ لأنه قتل مسلماً بغير حق، فإن كان المقتول ولداً فعلى الأب والأم مائة ألف جنيه، فإن كان المقتول بنتاً فعلى الأب والأم خمسين ألف جنيه؛ لأن دية المسلم مائة ناقة، فإن لم يكن لدى الأبوين مقدرة على دفع الدية، فيصوم الأب وتصوم الأم شهرين متتابعين هذا هو الحل. فإني أقول لأب الطفل: أنت أخذت الأمانة وأنت وذاك، إن كنت أجهضت الجنين فإما أن تصوم ستين يوماً متتابعة، أو تخرج الكفارة؛ لأنك قتلت، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩] ستحضرك الملائكة وتسألك: لماذا قتلت ابنك؟ قال بعض أهل العلم: لو أسقطت المرأة ما في بطنها! فإنه إجهاض طبيعي، وحجتهم أنها تنط وتجري لكي يسقط الذي في بطنها، وهذا خطأ مخالف للشريعة، فترى المرأة تسقط جنينها، فيقول أبوه: لا بد ن أن أسميه اسماً طيباً حتى لا يتعلق برقبتي يوم القيامة ولا يدخلني الجنة. نقول: إن الحقوق في الإسلام كثيرة، فانظر كم من الأنفس ستتعلق برقابنا يوم القيامة.

стр. 202

يوم النشور من أسماء يوم القيامة يوم النشور، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير:١٠] أي: ينشر المختبئ فيها، فالإنسان سيأخذ كتابه الذي سجل فيه كل أعماله ويأخذ كذلك الشهادة ودرجاته، فأنت عندما تمتحن الطلاب في المدرسة أو في الكلية فإن الطالب يجيب في أوراق الإجابة، فيمتحن بعشر مواد في عشر كراسات، فيقوم المدرسون بتصحيح الإجابات ثم كتابة الدرجة النهائية للمادة الواحدة، فيقوم الكنترول بأخذ الدرجات ورصدها في كشف، ثم يرصد الكشف في الشهادة التي بها يعرف الطالب هل هو ناجح أو راسب. كذلك يوم القيامة تنشر فيه الصحف، وسينشر من الصحف شيئان: مجمل الحسنات ومجمل السيئات، فتوضع الحسنات في كفة من الميزان والسيئات في كفة فإذا ثقل الميزان قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة:٦ - ٧]، وإذا خف الميزان قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٨ - ٩] إذاً: سيكون معك شيئان يوم القيامة: الشهادة الذي فيها المجموع الكلي، ثم يناديك الله على روس الأشهاد وينشر لك أعمالك كلها فترى كل عمل عملته، فيُخرَجُ للمسلم من تحت العرش تسعةٌ وتسعون سجلاً كل سجل مد البصر، فيطلع عليه المسلم كله بالتفصيل ولا تظلم نفس شيئاً، قال تعالى: ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧].

стр. 203

يوم التسعير قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير:١٢] سعرت يعني: اشتعلت فيها النيران، سأل الصحابة رضوان الله عليهم الرسول ﷺ عن شرر جهنم فقال: (أوما قرأتم قول الله : ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات:٣٢ - ٣٣]؟) فشرر جهنم كالمدائن والحصون ولو أن أهل جهنم رأوا نيراناً من نيران الدنيا لا ستراحوا فيها وناموا، وفي يوم القيامة يقول الله سبحانه: يا آدم! ابعث بعث النار، فيقوم آدم فيبعث من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، يأخذهم آدم إلى النار، فلما أخبر رسول الله ﷺ أصحابه بذلك خافوا وارتجفوا، فقال رسول الله ﷺ : (لا تخافوا، لا تخافوا، أنتم آخر الأمم وأولها دخولاً إلى الجنة، ما أنتم في الأمم إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو الشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض). قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير:١٢] ويقول سبحانه: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر:٢٣] جيء: فعل ماض مبني للمجهول، أي: يجيء بها الملائكة، قال رسول الله ﷺ : (يجرها ملائكة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك). وإذا الجحيم سعرت جاءت ولها زفرات ثلاث تزفر على أهل المحشر، تهجم عليهم ثلاثة أنواع من الهجوم المتتابع، كالأسد الذي يستعد للوثوب على فريسته، وهكذا منظر جهنم تستعد للوثوب على أرض المحشر؛ فأول زفرة قال: (يهرب أهل المحشر من أمامها سراعاً فينكفئون بعضهم على بعض وعلى وجوههم). ونضرب مثلاً بنار في قصر يبلغ أربعة عشر طابقاً، فترى من يسكنه يقفز وهو يعلم أنه ميت، لكن القفز عنده أسهل من أن تلحقه النار، كذلك إذا زفرت جهنم الزفرة الأولى هرب أهل المحشر كلهم فعادت، ثم زفرت الزفرة الثانية فما من نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا آخذ بقوائم العرش، قال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية:٢٨] من جثا يجثو على ركبتيه، فترى جميع أهل المحشر جاثين من هول جهنم، ويقال: إن الشهداء والعلماء المخلصين سيرفعون رؤوسهم فيطمئنون الناس أنها قد عادت، فتأتي الزفرة الثالثة وهي أكبر من سابقتيها ثم تعود فتنصب في هذه اللحظة الموازين. ووقود النار كما قال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة:٢٤]، وقال الله سبحانه: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. اللهم الطف بنا يا رب العالمين! وأبعدنا عن نار جهنم، وأبعدنا عنها عملاً في الدنيا وجزاءً في الآخرة، اللهم أدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب، اللهم زحزحنا عن النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وقربنا من الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، واجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم أن نلقاك يا رب العالمين! آمين يا رب العالمين! الحكيم الترمذي رحمه يجمع هذه الأسماء كلها في مقولة شهيرة، يقول فيها: مثل لنفسك أيها المغرور! يوم القيامة والسماء تمور قد كورت شمس النهار وأضعفت حراً على رأس العباد تفور وإذا النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلت بعد الضياء كدور وإذا العشار تعطلت عن أهلها خلت الديار فما بها معمور وإذا الجبال تقلعت بأصولها فرأيتها مثل السحاب تسير وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت وتقول للأملاك: أين نسير؟ وإذا تقاة المسلمين تزوجت من حور عين زانهن شعور وإذا الجليل طوى السما بيمينه طي السجل كتابه المنشور وإذا الصحائف عند ذاك تساقطت تبدي لنا يوم القصاص أمور وإذا الصحائف نشرت فتطايرت وتهتكت للمؤمنين ستور وإذا السماء تكشطت عن أهلها ورأيت أفلاك السماء تدور وإذا الجحيم تسعرت نيرانها فلها على أهل الذنوب زفير وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت لفتى على طول البلاد صبور وإذا الجنين بأمه متعلق يخشى القصاص وقلبه مذعور هذا بلا ذنب يخاف جناية كيف المصر على الذنوب دهور

стр. 204

القارعة والزلزلة من أسماء يوم القيامة القارعة، سميت بذلك لأنها تقرع أسماع الناس، يقال: سمعنا قرع الطبول، قرع الطبل أي: دق عليه بشدة القارعة. كذلك تسمى بالزلزلة، قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة:١] ولا يعني الزلازل التي في الدنيا، وإنما زلزالها الحقيقي يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:١ - ٨]. يروى أن صحابياً تعلم سورة الزلزلة من أبي ذر فقال له أبو ذر: يكفي هذه.

стр. 205

بعض أسماء يوم القيامة من أسماء يوم القيامة: يوم البعث، يوم النشور، يوم الخروج، يوم الحشر، يوم العرض. يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له: ألم أجعل لك سمعاً وبصراً ومالاً وولداً؟ فيقول: نعم يا رب! يقول: وتركتك ترأس وترتع؟ قال: نعم يا رب! فيقول: فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ فيقول: لا، فيقول: اليوم أنساك. ومن أسماء يقوم القيامة: يوم الفرق: الخوف، يوم الجمع لا ريب فيه، يوم الفزع والعياذ بالله رب العالمين، يوم التغابن، يوم الدعاء أو النداء، فالنداء كثير، الرجل ينادي أمه، والأب ينادي ابنه، وينادي أهل الجنة أهل النار، وأهل النار أهل الجنة، وينادي أهل الأعراف أهل الجنة وأهل النار، والملائكة تنادي، وأصحاب المظالم ينادون، وكل ينادي فنسأل الله أن لا يخزينا يوم النداء. ومن أسماء يوم القيامة: يوم الواقعة، يوم الخافضة الرافعة: يرفع أصحاب محمد ﷺ ، ويرفع الذين يشفع فيهم رسول الله ﷺ ، ويرفع السالكين في طريق الله، ويرفع المتقين، ويرفع الفقير الصابر، ويرفع الغني الشاكر، ويخفض المغرور، ويخفض المتكبر، ويخفض المغتاب، ويخفض النمام، ويخفض الفاسق، ويخفض الذين يدخلون الحزن على بيوت المسلمين. ومن أسماء يوم القيامة: يوم الحساب، يوم السؤال، يوم الشهادة: شهادة الناس علينا، وشهادة الجوارح، وشهادة الله رب العالمين، وشهادة رسولنا علينا ﷺ . ومنها أيضاً: يوم التبديل، يوم التلاق: سيلقى بعضنا بعضاً ويقابل بعضنا بعضاً ويحاسبنا الله سبحانه. ومنها أيضاً: يوم الآزفة، يوم المآب، يوم المصير، يوم القضاء، يوم الوزن، يوم عقيم، يوم الجدال، يوم الطامَّة، يوم الصاخَّة، يوم الوعيد، يوم الدين، يوم الندامة، يوم عبوس قمطرير، يوم تبلى السرائر، يوم التقلب، يوم الفتنة، يوم الغاشية، يوم لا بيع فيه ولا خلال، يوم الشفاعة، يوم العرض، يوم الفرار. هذه الأسماء في كتاب سبيل الفلاح لـ ابن نجاح القتي وكتب الإمام الغزالي والإمام القاضي أبي بكر بن العربي ﵏ جميعاً. اللهم خفف عنا الحساب، وثقل موازيننا، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 206

سلسلة الدار الآخرة_الحساب [١] يوم الحساب اسم من أسماء يوم القيامة، يوم توضع فيه الموازين وتحاسب فيه كل نفس على ما كسبت، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، ويظهر في ذلك اليوم الرهيب فضله سبحانه وكرمه، وعدله في قضائه، وتنكشف الأعمال وتفضح بعد أن كانت مستورة في الدنيا ولا يظلم ربك أحداً.

стр. 207

ذكر ما جاء في الحساب يوم القيامة أحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه بمشيئة الله هي الحلقة الحادية عشرة في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة أو عن الموت وما بعده، ندعو رب العباد في بداية هذه الحلقة أن يجعلها في ميزان حسناتنا يوم القيامة، اللهم ثبت بها أقدامنا على الصراط يوم القيامة، اللهم علمنا ما جهلنا وذكرنا ما نسينا، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فأنت علينا قادر، اجعل اللهم خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة وفي الآخرة ويوم يقوم الأشهاد، اللهم أظلنا بظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، اللهم باعدنا عن النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وقربنا من الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل. اللهم ثقل موازيننا يوم تخف الموازين، اللهم اجعلنا من الذين ثقلت موازينهم يا رب العالمين! اللهم ألهمنا حجتنا عند الحساب يا أكرم الأكرمين! اللهم شفع فينا نبينا، اللهم شفعه فينا، اللهم شفعه فينا، اللهم شفعه فينا، واسقنا من يده الشريفة شربة من حوض الكوثر لا نظمأ بعدها أبداً، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن أمته منا فأمته على الإسلام. أحينا إن كانت الحياة خيراً، وأمتنا إن كان الموت خيراً لنا، أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم إن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك معافين غير فاتنين ولا مفتونين، وغير خزايا ولا ندامى ولا مبدلين، لا تدع لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، اللهم لا تدع لنا وللمسلمين ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا شيطاناً إلا طردته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا قصمته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مسافراً إلا رددته غانماً سالماً لأهله. تعلم يا مولانا أننا مقهورون فانصرنا، أذلاء فأعزنا، تائهون فأرشدنا، مشتتون فاجمعنا، أصحاب شهوات فتب علينا، اللهم إنا أصحاب شهوات فتب علينا، اللهم تب علينا من الذنوب كبيرها وصغيرها، أخرجنا من الدنيا مسلمين، وأمتنا في دينك موحدين. اللهم اجعلنا من الذين يدافعون عن كتابك وسنة حبيبك ﷺ ، اللهم أوردنا حوضه، واحشرنا تحت لوائه، اللهم فرح بنا قلب نبينا، اللهم فرح بنا قلب نبينا، اللهم فرح بنا قلب نبينا، وأعطنا كتابنا بأيماننا، فلا تعطه إيانا بشمائلنا أو من وراء ظهورنا، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، بمقعد صدق عند مليك مقتدر. وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. هذه بمشيئة الله هي الحلقة الحادية عشرة وهي أولى الحلقات التي تتحدث عن الحساب. اللهم اجعلنا من الذين رضيت عنهم في الدارين يا رب العالمين! هذه بمشيئة الله هي الحلقة الأولى عن الحساب، اللهم خفف حسابنا، اللهم ثبتنا عند الحساب، اللهم ثبتنا عند الحساب، اللهم ثبتنا عند الحساب، واجعلنا فيه من الناجحين الفائزين، آمين يا رب العالمين.

стр. 208

معنى الحساب في الدنيا كلمة حساب إذا أطلقت في الدنيا إنما يخطر على بال الواحد منا أنه الجمع والطرح، والتجار يتحاسبون فحساب التجار أرباح وخسائر فإذا كانت الشركة في آخر السنة عند إعداد الحساب الختامي أو الحساب الموسمي خزانتها زائدة فهي شركة ناجحة؛ لأن فيها الزيادة، وإذا كانت الديون أكثر مما في الخزانة، إذاً: الشركة خاسرة. إذاً: قضية الحساب إذا خطرت على بال العبد بمسائل الدنيا فهي عبارة عن زيادة ونقص، ولا يوجد ما بين البينين، فإن كانت الشركة بين ربح وخسران فهي محتاجة إلى لجنة رأفة، فأرباح الشركة بقدر خسائرها تريد شفاعة من رئيس الوزراء أو من المسئول كي يرجح جانب الربح عن جانب الخسارة، أو جانب الزيادة عن جانب النقص. ونحن ندخل على حلقة الحساب فعندي تهيب غريب لهذه الحلقة بالذات. ذكرنا أن الخلق قد حشروا في أرض المحشر ووقفوا أمام الله عرايا كما ولدتهم أمهاتهم، وأول من يكسى الحلة خليل الله إبراهيم كما روي عن الصادق المعصوم ﷺ ، يحشر الله الخلائق من لدن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. تخيل أنت هذا الموقف وشبهه بموقف من مواقف الدنيا، فالمحكمة عبارة عن قاض قاعد ومستشار كادح على قدر حاله، إذا أصيب بالأنفلونزا لا يذهب إلى المحكمة، وإن جاء غيره لا يقدر أن ينطق بالحكم، وإن جاء ابنه أخطأ في المسألة ونسي القانون الذي درسه؛ نتيجة أنه أصيب بشيء من المرض أو دخل في غيبوبة أو أخذوه إلى غرفة الانعاش، نفس القضية في المحامي من يترافع عنك قد يموت ساعة الجلسة أو ابنه يموت، أو تأتيه سفرية فيموت هو، فلا تجد من يدافع عنك في المحكمة. فإذا كانت المحكمة الدنيوية صورة مصغرة، فلست أريد تشبيه يوم الحساب بالمحكمة الدنيوية؛ لأن الأمر أكبر من ذلك، لكنه مثل قريب قوي لمسألة التوتر الحاصل للمدعي أو المدعى عليه في مسألة أو قضية من القضايا، كقضية ميراث أو قضية أرض أو قضية طلاق أو شهادة، كل هذه المسائل مسائل دنيوية مصغرة، ولكن أمر الآخرة أكبر من ذلك. يقول أبو بكر ﵁: يا رب! ليس لك وزير فيؤتى ولا حاجب فيرشى وليس لنا إلا أن نخلص في أعمالنا عسى أن تتقبلها منا يا رب العالمين! هذا قول أبي بكر الصديق ﵁ الذي لو أن إيمانه وضع كفة وإيمان الأمة كلها في كفة لرجحت كفة الصديق بإيمانه. إذاً: الأمر خطير؛ ولذلك يقول الحبيب ﷺ : (يا عباس! يا عم رسول الله! اعمل ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية! يا عمة رسول الله! اعملي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد! سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئاً، يا بني هاشم! لا يأتيني الناس بحسنات يوم القيامة وتأتوني بأوزاركم على ظهوركم تقعون بها على الصراط تقولون: أدركنا يا محمد! أقول ما قاله أخي عيسى: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم). قيل: يا خليل الرحمن! إنك تشبث بقوائم العرش عندما تزفر النار زفرة وتنسى ابنك إسماعيل، وتنسى أنك خليل الرحمن، قال: خوفي من ربي أنساني خلتي له. خوف سيدنا الخليل من الله أنساه أنه خليل الرحمن، إذاً: الخوف وصل إلى درجة كبيرة؛ ولذلك يقول عمر بن الخطاب: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم.

стр. 209

نماذج من قصص الصحابة رضوان الله عليهم أسر عبد الله بن حذافة السهمي ﵁ مع عشرين من أصحابه في إحدى الغزوات، أسره هرقل ملك الروم، فحاولوا إغراءه بالمال والجاه والنساء، فوجدوا منه شمماً وأنفة وعزة ويقيناً ليس بعده شك، فقال له هرقل: سوف أفك أسرك إن قبلت رأسي، فقال عبد الله: أقبل رأسك بشرط أن تفك أسري وأسر أصحابي، قال له: وافقت، فقبل رأسه وعاد إلى المدينة، وحكى القصة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فقال عمر ﵁: قبلت رأس هرقل لكي يفك أسر أصحابك، ونحن أولى أن نقبل رأسك جميعاً وأنا أول أصحابي. فقام عمر ﵁ وقبل رأسه وجعل كل الصحابة يقبلون رأسه. وفي قصة شهداء الرجيع كان منهم عاصم بن ثابت الأنصاري ﵁، دعا الله أن يمنع جلده من أن يمسه كافر أو مشرك، فاستشهد ﵁ مع أصحابه، وأراد أناس من هذيل أن يأخذوا رأسه ويبيعوه من سفانة بنت محلم وكان عاصم قد قتل ولدين من أولادها في غزوة أحد، فنذرت إن ظفرت به أن تأخذ رأسه وتشرب فيها خمراً شكراً للآلهة، فلما أرادوا أخذ رأسه وجدوا الدبر مجتمعاً حول جثة عاصم ﵁، فما استطاع أحد أن يقترب من جثته، فسبحان من جعل هذه الدبر تدافع عن الذين آمنوا، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]. فاتفقوا على تركه إلى المغرب عند عودة الدبر إلى بيوته، ثم يأخذون رأسه، ولله في خلقه شئون، وإن لله يداً تعمل في الخفاء، فلا تتعجل يد الله وهي تعمل، ودع الله ينزل قدره في الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد أنت، فما إن غربت الشمس حتى أرسل الله سيلاً جرف كل ما حوله، وكان من بين ما جُرِف جثة عاصم ﵁، حتى إذا هدأ السيل أخذوا يبحثون عن جثته فلم يجدوها، وهكذا ذهبت إلى حيث شاء الله لها أن تذهب، واستجاب الله دعوة عاصم ﵁ أن لا يمس جلده جلد كافر حياً ولا ميتاً. هؤلاء هم أهل الصلاح أكرمهم الله بِمَا صَبَرُوا فنحن إذا صبرنا يوماً جزعنا أياماً، وإذا صبرنا شهراً جزعنا شهوراً، فالله يطلب منا أن نصبر صبراً جميلاً، وكلمة جميل جاءت في القرآن كله في ثلاثة مواضع: قال الله في المزمل: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل:١٠]، أي: هجراً بدون انقطاع، فإن كان لك أخ يشرب الخمر أو يرتكب فاحشة، فاهجره في الله هجراً جميلاً، فإذا رأيته قلت له: كيف حالك؟ كذلك وردت كلمة (جميل) في سورة الحجر، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر:٨٥] وهو العفو عن المسيء بلا عتاب، كذلك وردت كلمة جميل في قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف:١٨] وهو الصبر مع الرضا بقضاء الله فلا يشكو لأحد، قال رسول الله ﷺ : (ومن صبر من قلبه على بلية وضع الله يده على قلبه) تخيل يد الله وقد وضعت على قلبك، مثل أم سيدنا موسى التي قال الله عنها: ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:١٠] فالربط على القلب يأتي بعد العصر. وإنني لأحزن من كثير من المسلمين، ممن يقول لك: وظيفتي هذه ليست ثابتة، فتقول له: لم؟ يقول: إن القطاع الحكومي العام وظائفه مضمونة، أما وظائف القطاع الخاص فهي على كف الرحمن، فأنت أيها المسلم إذا أخذت ولدك على كفك هل تكون أمه خائفة أو مطمئنة؟ الجواب مطمئنة؛ لأن الولد على كف أبيه، فما بالك بمن على كف الرحمن؟ أليس في هذا القول سوء أدب مع الله؟

стр. 210

نبذة عن يوم الحشر يجمع الله سبحانه الخلائق جميعاً في أرض المحشر، مؤمنهم وكافرهم، مستقيمهم ومنحرفهم، طيبهم وعاصيهم، ثم تحشر الوحوش وتنزل الملائكة تنزيلاً لتحيط بأرض المحشر، وكل نفس معها سائق وشهيد، أي: كل واحد منا معه ملكان سائق يسوقه وشاهد يشهد عليه. ولذلك فإنك إذا وجدت طفلاً صغيراً تفرح به وتقول له: تعال يا بني! أنا سأدعو وأنت تقول: آمين، لم؟ لأن الولد لم يبلغ الحلم، وبالتالي فإن ملك السيئات لم يكتب عليه سيئة، فكلمة آمين منه مستجابة عند الله، لكن عمر عندما كان يختم المصحف يقول لأولاده وأولاد جيرانه: أنا أدعو وأنتم تقولون آمين، عسى الله أن يتقبل منا. فنحن نستخدم الأطفال في التأمين على الدعاء؛ لأننا أصبحنا نغترف السيئات اغترافاً. أخي المسلم! عندما يزورك ملك الموت تبدأ الملائكة بتفريغ ما ارتكبته من سيئات في كتاب أعمالك. إذاً: العبيد وقفوا أمام الله ومع كل نفس سائق وشهيد. وقال عمر في رسالته الشهيرة لـ سعد بن أبي وقاص: يا سعد! اعلم أن عليكم حفظة من الله، فاستحيوا منهم كما تستحيون من أنفسكم. قال أحد الصالحين: استح من ربك كما تستحيي من رجل صالح من عشيرتك، وليس معنى قوله: (استحي من ربك) أنك ظالم أو مجرم أو غير ذلك، إنما الاستحياء من الإحسان، فإن أغلقت الأبواب وظننت أنه لا أحد يراك فإن الله يراك؛ لأن مقام الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. يوم المحشر تأتي كل نفس معها سائق وشهيد، أو رقيب وعتيد ووقف الخلق فلا تسمع إلا همساً، وعنت الوجوه للحي القيوم، وكلهم في حالة من الوجل والخوف، حتى قال النبي ﷺ : (دعوة الأنبياء والصالحين والملائكة يومها: رب سلم! رب سلم!) فالأنبياء والرسل والملائكة المقربون كلهم لا يملكون من الدعاء إلا أن يقولوا: يا رب سلم يا رب سلم، إذاً: هذا اليوم صعب وليس من السهولة بمكان، وأنا حزين كل الحزن على من تفوته حلقات الدار الآخرة، وأرجو من الإخوة الذين يقومون بالتسجيل أن ينشروها بأي وسيلة وعلى قدر المستطاع، ولك فيها الثواب العظيم إن شاء الله؛ لأنه أمر يخص العقيدة، ويجعل العبد يستعد من الآن ويستفيق من غفلته. كما قال الإمام علي ﵁: قصم ظهري رجلان: عالم متهتك وجاهل متنسك. فالعالم يغر الناس بتهتكه، والجاهل يغر الناس بتنسكه، فترى العالم جالساً يتعاطى السجائر ويقعد في أماكن مشبوهة ويغر الناس، والجاهل يغر الناس بتنسكه حيث يعبد الله وعبادته كلها غلط، فتراه يطوف حول قبر الحسين سبع مرات كالكعبة تماماً، ويقبل الأحجار والأعتاب ويظن أنه على صواب، نسأل الله أن يوقظنا من غفلتنا، وأن ينبهنا من غفوتنا، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه؛ إن ربنا على ما يشاء قدير. إذاً: وقفت الخلائق كلها منتظرة، ووضعت الموازين، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧]. وفي يوم المحشر كل أمة تقف وراء إمامها، محمد ﷺ يقف أتباعه وراءه، وموسى ﵇ أتباعه وراءه، ثم تتطاير الصحف. والصحف: عبارة عن كتب لا يعلم مادتها إلا الله، فيها مجمل الحسنات ومجمل السيئات، يعني: ليست ورقة تفصيلية أو كراسة تفسيرية، وليست كتاباً مفصلاً بأجزاء، إنما هي عبارة عن شيء له وجهان: وجه فيه حسناتك ومجموعها، ووجه فيه سيئاتك ومجموعها، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤]. الصحف لها مرحلتان: المرحلة الأولى: الطائر، سماه الله طائراً؛ لأنه يطير حتى يلتصق برقبة صاحبه، كالسالب والموجب، فكل كتاب يعرف صاحبه ويلتصق في رقبته، فإذا كنت من المؤمنين تمسك كتابك بيمينك، وإذا كنت من أهل الفسق والفجور والاعتراض المستمر على أهل العلم تمسك كتابك بالشمال والعياذ بالله، وهناك صنف ثالث أسوأ عذبوا الرسل وأهل الدين وحبسوا أهل العلم ونكلوا بهم وشردوهم، فمثل هذا والعياذ بالله يتلقى كتابه من وراء ظهره، فيضع الله وجهه مكان قفاه، مثلما كان يعيش في الدنيا بالمقلوب. فإن قلت لأستاذ: عيب عليك يا أستاذ! إن امرأتك تمشي عارية في الشارع، وتكشف شعرها ورقبتها ووجهها وذراعها ورجلها ووسطها، فاتقوا الله في شبابنا ورجالنا، فإنه يقول: اسكت يكفي كلاماً فارغاً، نحن لسنا في عصر الحرام، لا حول ولا قوة إلا بالله. وللأسف الشديد ظهرت في مصر جمعية تسمى جمعية المرأة الجديدة، والقائمون عليها نساء يقال عنهن: سيدات المجتمع، لهن صحافة وإعلام، وللأسف الشديد هن نساء لا يتقين الله ، إذ يدعين إلى أن المرأة لا تلبس الحجاب إلا حين تموت -يعني: عند الكفن فقط- وأنه ليس هناك شيء يدعو إلى أن المرأة تتحجب، فقد مضى عصر الحريم، والعودة إلى عصر الحريم عودة إلى عصر التخلف، فهؤلاء من ألد الأعداء للإسلام. وقالت رئيسة الجمعية في اجتماع لها: إنه يجب عند ولادة البنت أن نزيل غشاء بكارتها، كما أن الولد يختن، حتى إذا كبرت البنت صارت حرة طليقة تفعل ما تشاء، واستمرت الحكومة في السكوت عنها، حتى إذا بدأت تتكلم في السياسة أغلقوا الجمعية الأسبوع الماضي؛ لا لأنها تقول هذا الكلام الفاجر، وإنما لأنها بدأت تتحدث في السياسة، وكأنه يجوز أن يتحدث الإنسان في الكفر، ولكن لا يحق له أن يتحدث في أشياء أخرى، نسأل الله أن يريحنا من هؤلاء وأن يبلغنا الأمان والإيمان والاستقامة والهداية، وأن يتوفانا على الإسلام، وأن يجعلنا من الذين ينصرون الإسلام في كل وقت وحين. إذاً: إما أن يأخذ كتابه بيمينه وإما أن يأخذ كتابه بشماله أو يأخذ الكتاب والعياذ بالله من وراء ظهره.

стр. 211

ذكر ما يحصل لأئمة الخير ولأئمة الشر يوم الحساب هناك أئمة للخير وأئمة للشر، والله يوم القيامة جل في علاه ينادي إمام الخير، أي: ينادي من يقود الناس إلى الخير على رءوس الأشهاد، فيمتلئ خوفاً حين يطلع على سيئاته، يقول الله : (عبدي! هذه سيئاتك وقد محوناها وغفرناها لك)، فيطمئن لأنها مسحت، فيطلع على حسناته فيجدها قليلة، فيقول الله : (وهذه حسناتك قد ضاعفناها لك وقبلناها منك) فيزداد فرحاً ويرجع بوجه قد أشرق نوراً، فيقول لمن كان معه من قبل: السلام عليكم، ألا تعرفونني؟ فيقولون: نعم، أنت رجل قد أشرقت فيك كرامة الله ، لكن من أنت؟ فيقول: أنا فلان بن فلان، وقد أخبرني الله أن أبشر كل واحد منكم بما بشرني أن زحزحني وإياكم عن النار وسوف يدخلني وإياكم الجنة، وهذا تفسير قول الله : ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]، ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان:٧٥]. أما إمام الشر فلا يلقى إلا سيئاً، قال رسول الله ﷺ : (من استن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن استن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيئاً) فهذا أدخل الفجور إلى مصر، وهذا أدخل ما يسمى بالرقص الشرقي إلى مصر، وهذا أدخل المسرح والتمثيليات الهدامة إلى مصر، ولا أقول هذا تعصباً لمصر؛ وإنما هي شريحة من شرائح الدول الإسلامية أو التي تدعي الإسلام. فمن أدخل هذا الشر في بلاد المسلمين فإنه يكتسب ذنباً بذنب من أساء على مر الزمن إلى أن تقوم الساعة وهذا كأي قتيل على وجه الأرض، إذ تجمع ذنوب هؤلاء القتلة وتوضع في ميزان من اخترع القتل في الأرض. إن طلابنا في المدارس يدرسون أن عمرو بن العاص كان مكاراً، وهذا سوء أدب مع صحابة رسول الله ﷺ ، فإن عمرو بن العاص هو الذي أدخل الإسلام إلى مصر، فكل مصلٍّ يصلي في مساجد مصر يأخذ ثواباً ولـ عمرو بن العاص أجر كأجر كل مصلٍّ في مصر لا ينقص من أجور المصلين شيئاً، كذلك ثواب الصيام لكل صائم في مصر تكون صحيفة حسنات عمرو بن العاص مثله، وهكذا في الزكاة إلى أن تقوم الساعة. أما إمام الشر فيقال له: تعال يا عبد الله! فينظر في كتابه فيلقى حسنات قليلة ويفرح فيقول: هذه حسناتي، لكن الأعمال بخواتيمها، فيقال له: هذه حسناتك وقد رددناها عليك ولم نقبلها منك، وهذه سيئاتك وقد ضاعفناها عليك والعياذ بالله، فيسود وجهه ويرجع إلى الفرقة التابعة له فرقة الطاولة والشطرنج والبريدج والمريدج وغير ذلك، يرجع إليهم ووجهه عليه غبرة، فيقول: هل تعرفونني؟ فيقولون: لا نعرفك، فيقول: أنا فلان بن فلان وقد أمرني ربي أن أبلغكم بأني وأنتم في نار جهنم. إذاً: حاذر أن تكون رأساً في الشر. يذكر أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ طلب من كل واحد من الصحابة أن يقول أمنية، فقال أحدهم: أتمنى أن يكون لي جبل كجبل أحد من الذهب والفضة لكي أنفقه في سبيل الله تعالى، وقال الآخر: أتمنى أن يكون لي وادٍ كوداي عوف مليء بالخيل أغزو بها في سبيل الله تعالى، وهكذا استمرت الأماني على هذه الوتيرة إلى أن وصل الأمر إلى أمير المؤمنين، فقالوا له: وأنت يا أمير المؤمنين؟! قال: أتمنى أن يكون لي مسجد كهذا المسجد مليء برجال من أمثال أبي بكر الصديق. يقول ذلك لأن أبا بكر كان إماماً لأهل الخير، فقد أسلم على يده ستة من العشرة المبشرين بالجنة، وكل واحد منهم أصبح إماماً في الخير، وكل ثواب من ثواب هؤلاء الستة تجمع في صحيفة حسنات أبي بكر ولا ينقص من ثوابهم شيء. إن طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة قال لرسول الله ﷺ : هناك يوم القيامة آلاف أسماؤهم طلحة فكيف أعرف عند النداء أنني المقصود؟ قال: (يا طلحة! عندما ينادى عليك لن تقوم إلا أنت) فأحسنوا تسمية أبنائكم فإن العبد ينادى يوم القيامة باسمه وباسم أبيه، فمن قال: اسمي ظالم بن سارق، يقال له: تظلم أنت ويسرق أبوك فقد كان.

стр. 212

محاضرة الله سبحانه لكل عبد من عباده قال رسول الله ﷺ : (ما من عبد يوم القيامة إلا وسيحاضره الله محاضرة) فالمحاضرة هذه ليست في الجامعة فقط، حاضر الإنسان إنساناً، أي: وقف وجهاً لوجه وحدثه، ولله المثل الأعلى، قال رسول الله ﷺ : (ما من عبد إلا وسوف يقف بين يدي مولاه يحاضره محاضرة ليس بينه وبين الله ترجمان). قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤]. فإن قال الأمي: أنا لا أستطيع أن أقرأ، أنا رجل أمي نقول: الأمي وغير الأمي القارئ وغير القارئ العربي وغير العربي كل واحد سيقرأ، ويقرئه الذي يعلم السر وأخفى.

стр. 213

كشف الأعمال وفضيحة المذنب يوم القيامة في يوم القيامة كل الخلائق ينظرون إليك، وما عملت من عمل مستتراً به في الدنيا يصبح مكشوفاً أمام الناس جميعاً؛ نسأل الله أن يسترنا دنيا وأخرى. سيدنا عمر لما نقض وضوءه على المنبر قال: أيها الناس! على مصافكم، ثم نزل وعاد وآثار الوضوء يقطر من أطرافه، فقال: لقد نقض وضوء إمامكم فذهبت فتوضأت، فقال علي ﵁: يا أمير المؤمنين! ما كان يلزمك أن تقول ذلك، قال: يا علي! فضوح الدنيا أهون عند الله من فضوح الآخرة. إن الذي يتتبع عورات المسلمين يفضحه الله سبحانه ولو في جوف بيته، ثم يفضحه على رءوس الأشهاد يوم القيامة، لكن فضيحة الآخرة ليس بعدها فضيحة، وكان سيدنا أبو بكر يقول: اللهم يا من سترت في الدنيا! لا تفضحنا على رءوس الأشهاد يوم القيامة، آمين يا رب. فالعملية صعبة وكل الناس ينظرون، وبعد ذلك تقف أمام الله، فيقال: (أخرجوا له أعماله) ويقال: (لن تظلم اليوم شيئاً) ويخرج له من تحت العرش تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مد البصر مكتوب فيه كل صغيرة وكبيرة، وقالوا: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]. فيطلع العبد على هذه السجلات صفحة صفحة قال رجل لأمير المؤمنين علي ﵁: كيف يحاسب الله العباد يوم القيامة على كثرة عددهم؟ قال له: كما يرزقهم على كثرة عددهم، فكما أنه يرزقهم في الدنيا رغم كثرة العدد فإنه سوف يحاسبهم يوم القيامة رغم كثرة العدد، وأنت الآن أيها العبد! لا تذكر إلا القليل القليل وقد نسيت الكثير الكثير. قال الله تعالى: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤]، وقال تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢]. يحكى: أن الحسن البصري بكى لما قرأ الآية: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩] قال: ضجوا من الصغائر قبل الكبائر، فكل شيء مكتوب سواء غفرت أو لم تغفر، فكل شيء يكتبه ملك الحسنات وملك السيئات، إلا دائم التوبة إلى الله سبحانه، فإنه سبحانه من رحمته ينسي الملك الذي يكتب السيئات وينسي الأرض والليل والنهار والشمس والقمر والجوارح فلا يذكر ذنوب التائب إلا الله، وما دام أنه وحده هو الشاهد والشهيد فسوف يغفر لك؛ لأنه ستار حليم. وحين يكشف للعبد أعماله يطلع على سيئات كثيرة فيخاف، وينظر في الصفحة الثانية فيرى حسنات قليلة ويزيد خوفه، فيقال: إن عبدك فلاناً كان في الدنيا لا يفضح عورة أحد، ولا ينشر سر أحد، ولا يتجسس على عورات الناس، بل كان يحفظ حرمات الناس، فيغفر الله له ما كان من ذنوب في حقه سبحانه، ويدخله الجنة. يقول الله سبحانه للعبد: (عبدي! هل اطلعت فيقول: نعم يا رب! اطلعت، فيقول الله له: يا عبدي! ألك حسنة مخفية؟ فيقول: لا يا رب، كل شيء مكتوب، فيقول الله: هذه غيبة الذين اغتابوك، وظلم الذين ظلموك، ودعاء الذين دعوا لك بالخير، ودعاء الملائكة لك في جنح الليل وأنت نائم، وكرم الله عليك في الدنيا وضعناه في كتاب حسناتك)، كذلك ولد صالح وعلم ينتفع به، وبناء مسجد، وغير ذلك. وبعدما يطلع الناس على الحسنات والسيئات ينادى: يا أهل المحشر! -فينصتون- هذا فلان ابن فلان فمن كان له عنده مظلمة فليأت، فيأتون إليه فمنهم من يقول: بعتني سلعة فغششتني، وذاك يقول: رأيتني مظلوماً وكنت تستطيع أن تنصرني فما نصرتني، وذاك يقول: مررت مرة فلم تسلم علي، وذاك يقول: عطست مرة فحمدت الله فلم تقل لي: يرحمك الله، وذاك: مرضت مرة فلم تعدني، وذاك يقول: أعنتك بشيء وكنت تستطيع أن تقضيه فلم تقضه، وهكذا حتى لو بقيت حسنة في كتاب الحسنات أحبطت بالرياء والغش والسوء، وأخذها الخصماء عوضاً عن حقوقهم. يقول الله: (يا عبدي! ألك حسنة مخفية؟ فيقول: لا يا رب، يقول الله: هل ظلمك حفظتي) أي: هل الملائكة كتبوا عليك سيئات جزافاً؟ وهذا غير ممكن، بل إن العبد الصالح تستغفر له الملائكة وهو نائم، فيجيب العبد ويقول: لا يا رب! أي: أنا مقر بما كتب. ومن رحمة الله عليك كما قلنا أن جعل ملك الحسنات رئيساً على ملك السيئات، فإن عملت خطأً فإن ملك السيئات مكلف بكتابتها، لكن ملك الحسنات يقول له: انتظر وأمهله حتى يتوب، وفي نفس الوقت يستغفر له ملك الحسنات ويدعو الله له أن ينبهه ويجعله من المستغفرين، فإن تبت فإن الله ينسي ملك السيئات، فيأتي التائب يوم القيامة وليس عليه سيئة، طالما صلحت سريرته، فالله يمدح المؤمنين الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم، واللمم: صغائر الذنوب يستغفر منها العبد أولاً بأول، ما بين الصلاة والصلاة، وما بين الجمعة إلى الجمعة، ومن رمضان إلى رمضان، وما بين عمرة إلى عمرة، وما بين حج إلى حج، وما بين درس علم إلى درس علم آخر، كذلك قيام ليل أو صيام نهار أو صدقة، فكل هذه الأعمال الصالحة تمسح السيئات واللمم، ولكن لا بد أن يحذر الإنسان من المواظبة على الصغيرة، قال رسول الله ﷺ : (إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على ابن آدم حتى يهلكنه) فمحقرات الذنوب مسألة خطيرة، ولا تنظر إلى صغر ذنبك ولكن انظر إلى عظم من تعصيه. يا مؤمن أنت في بعض الأمور لا تستطيع أن تفعلها أمام طفل صغير عمره سنتان، وربما حقك الشرعي في بيتك لا تقدر أن تعمله أو تمارسه في وجود طفل صغير السن. فما بالك وأنت تعصي الله ، وتظن أنك إن أغلقت الباب لن يراك أحد؟ فإن فعلت ذلك فقد غررت وغرك بالله الغرور وظننت ألا يراك أحد. يحكى: أن عالماً كان عنده ثلاثة أولاد، فقال: يا ترى من سيمسك الإمامة من بعدي؟ فأحب أن يمتحن أولاده، فقال لهم: ليأخذ كل واحد منكم ديكاً، ويذبحه في مكان لا يراه فيه أحد، فأغلق الأول والثاني أبوابهما وكل منهما ذبح ديكه، وجاء الثالث بالديك ضاحكاً، فقال له أبوه: يا بني! لم لم تذبح الديك؟ قال: كلما غلقت الأبواب على نفسي رأيت الله معي، فالذي لا يريد أن يتوب عليه أن يذكر كلام إبراهيم بن أدهم ﵀ للرجل الذي لم يرض أن يتوب. قال الرجل لـ إبراهيم بن أدهم: إني أعاني من مرض مستعصٍ، فقال له إبراهيم: إنني منشغل عنك، قال: بل علاجي عندك، قال إبراهيم: فأخبرني ما مرضك؟ قال: مرضي كلما أردت أن أتوب عدت إلى الذنوب، قال إبراهيم: إذا أردت أن تعصي الله فاعصه في مكان لا يراك فيه، قال: لا، هذا تعجيز فلا يخفى على الله خافية في كل مكان، هات الثاني. قال له: إن أردت أن تعصي الله فاعصه في ملك غير ملكه؛ قال: لا، هذه أصعب من سابقتها، وهل هناك ملك غير ملك الله؟! هات الثالثة. قال: إن أردت أن تعصي الله فلا تأكل من رزقه، قال: إذا لم آكل من رزق الله فمن أين آكل؟ هذه أصعب من سابقتها، هات الرابعة. قال: إن جاءك ملك الموت فقل له: أخرني حتى أتوب، قال: لا، هذه أصعب، فهات الخامسة. قال: إذا أردت أن تعصي الله وجاءك الملائكة ليأخذوك للحساب فلا تذهب معهم، فقال هذا الرجل: أشهد الله أمامك أني قد تبت إليه توبةً خالصةً نصوحاً، فلا بد للإنسان أن يتوب قبل فوات الأوان، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. ويقول الله: (يا عبدي! هل ظلمك حفظتي؟ يقول: لا يا رب! لم يظلموني، فيقول الله: ألك عذر تعتذر إلينا به؟). ولو جئنا لأصحاب الأعذار وسألنا واحداً منهم: لم لم تكن تصلي؟ قال: لم يكن هناك ماء حتى أتوضأ، نقول له: كذبت، يقول: لم يكن عندنا سجادة، تقول له: صلِّ على الأرض، يقول: لم تكن الأرض طاهرة، تقول له: صلِّ في مكان آخر، يقول: لا أستطيع أن أقرأ سورة من القرآن، تقول له: اقرأ الفاتحة، يقول لك: لا أتقن قراءة الفاتحة، فتقول له: قف وصلِّ مثلما يصلون، فليس لك عذر أبداً. ولو سألنا امرأة غير متحجبة: لم لم تحتجبي؟ تقول: والله لو تحجبت لطلقني زوجي، فلو طلقك كان هذا خيراً لك، وستتزوجين رجلاً يحافظ عليك ولا يرضى أن يكون ديوثاً، فتأتي بعذر أقبح وتقول: شكلي ليس جميلاً في الحجاب، فإن قلت لها: أنت في البيت لست محجبة، فتقول لك: العلماء الذين يقولون: حلال وحرام، هم كذا وكذا، وفي آخر الأمر غير المحجبة ليس لها عذر. وإن قلت لحامل الأثقال أو لاعب الجودو: لم لم تكن تصلي؟ سيقول: إن الرياضة تأخذ كل وقتي، وهذا ليس عذراً. وإن قلت لصاحب المال: لم لم تكن تزكي؟ هل مال المال بك عن الحق؟! سيقول: السبب كذا وكذا، فلن يقبل الله منه عذراً في ذلك اليوم. يؤتى بالأغنياء يوم القيامة، فيقال لهم: لم كنتم لا تصلون في الدنيا؟ يقولون: شغلتنا أموالنا وأهلونا، فيقال لهم: أأنتم كنتم أغنى أم سليمان بن داود؟ يقولون: بل سليمان كان أغنى، فيقال: ما شغله ماله عن ذكر الله. وسأل شاباً يافعاً حسن الصورة: لم لم تكن تصلي؟ يقول: أنا ما زلت شباباً، فتقول: أأنتم أنضر شباباً أم يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم؟ يقول: بل يوسف ﵇ أنضر، فتقول: يوم القيامة يقال لك: ما شغله شبابه وجماله عن ذكر الله، بل قال: رب! السجن أحب إلي مما يدعونني إليه. إن الرجل الصالح في هذا الزمان تشدد عليه الرقابة من قبل الدولة، فترى شخصاً يلازمه مثل ظله ومعه هاتفه وسيارته فإذا بدأ الرجل يخف قليلاً عن الذهاب للمساجد، خفت عليه الرقابة قليلاً، وإن التقى بالأصحاب في القهوة أغلقت الرقابة نهائياً، فإذا بدأ يلعب طاولة كتبوا على الملف: استقام وصلح حاله، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. ويؤتى بالفقير، يوم القيامة فيقال له: لم لم

стр. 214

أول ما يقضى فيه يوم القيامة إن أول ما يقضى فيه يوم القيامة الدماء والصلاة، يؤتى بالمقتول الذي قتل سواء الشهداء أو من قتل زوراً وظلماً أو قتل بحق، فيقال له: من قتلك؟ يقول: قتلني فلان ابن فلان، فيؤتى بالقاتل فيقال له: لم قتلته؟ فيقول: يا رب! قتلته لتكون كلمتك هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، فيقول الله: (صدق عبدي، ادخلوا هذا القتيل إلى النار) هذا عندما يكون القاتل يقاتل في سبيل الله. ويؤتى بآخر فيقال له: لم قتلته؟ يقول: لتكون العزة لي أو لمن أمرني، إذاًَ: قتله لأنه أمر بقتله، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦] فيفر المتبوع من التابع، فيقول التابع: يا رب! خذ لي حقي من هؤلاء، وهات لهم ضعفاً من العذاب، قال: لكل ضعف. فأول ما يقضى بين العباد في الدماء، فيؤتى بأول قاتل سنَّ القتل، قال تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٢٨ - ٣٠]، وبعدما قتله احتقر نفسه: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة:٣١]. قال: (من رفع على أخيه حديدة لن يشم رائحة الجنة يوم القيامة). وقال رسول الله ﷺ : (يخرج القتيل من قتله يشخب جرحه دماً، يقول: يا رب! سل هذا لم قتلني؟). ويقال: هناك قتل مادي وقتل معنوي، فهناك أناس يقتلون الناس معنوياً، فمن الرجال من يتتبع امرأته ويضيق عليها عيشها حتى تكره جنس الرجال، ومن النساء من تقتل زوجها معنوياً حتى يكره صنف النساء، وكلاهما قتل أخاه، وسيحاسبه الله يوم القيامة على أنه قاتل قتلاً معنوياً، فقد قتل فيه الكرامة الإنسانية. قال ﷺ : (لا تضرب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته)، فمن لطم وجه مسلم فكأنما لطم وجه الكريم سبحانه، وحاذر من ذلك، فأول ما يقضى يوم القيامة في الدماء، ثم يقضى في الصلاة. اللهم خفف عنا الحساب يوم القيامة، اللهم ثقل موازيننا يوم القيامة، واجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك. اللهم اغفر لنا وارحمنا، وعافنا واعف عنا، وسامحنا وتقبل منا، وصلنا بك ولا تقطعنا عنك، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك. أحينا إن كانت الحياة خيراً لنا، وأمتنا إن كان الموت خيراً لنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا. اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك سبحانك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تبارك يا ربنا! وتعاليت، لك الحمد على ما أعطيت، ولك الشكر على ما أوليت، نستغفرك ونتوب إليك، نستغفرك ونتوب إليك، نستغفرك ونتوب إليك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، أنت القوي ونحن الضعفاء، أنت الغني ونحن الفقراء إليك. اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك، اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك، اللهم يا من سترتنا في الدنيا! لا تفضحنا على رءوس الأشهاد يوم القيامة، اللهم تب على كل عاصٍ، اللهم تب على كل عاصٍ، اللهم تب على كل عاصٍ، واهد كل ضال، واهد كل ضال، واهد كل ضال، واشف كل مريض، وارحم كل ميت، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وجزاكم الله خيراً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 215

سلسلة الدار الآخرة_الحساب [٢] لقد أخبر الله أنه سيحاسب عبده على كل صغيرة وكبيرة، وأنه لن يضيع شيء فعله العبد في الدنيا من الأعمال الصالحة والسيئة، وأخبر سبحانه بمراحل الحساب من السجلات التي تعطى العبد، ووزن أعماله الصالحة والسيئة، ومساءلة الله له بما عمل في هذه الدنيا، ولذا كان لزاماً للعبد أن يحاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب في الآخرة، وأن يحرص على فعل الخيرات وترك المنكرات!
следующие страницы →