Полный текст (549 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
مدافعة مؤمن آل فرعون لقومه عن موسى
فإذا بهم يدبرون مكيدة القتل لسيدنا موسى وأخيه هارون، فإذا بالله يقص علينا هذه القصة في سورة غافر، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر:٢٨] فبدأ بالكذب؛ لكي يطمئن من أمامه؛ لأن الذين أمامه أناس مكذبون، كما إذا جاءك شخص يشكو امرأته وأنها تعمل وتعمل، فلا تقل له: أنت غلطان، وإنما اسمع منه أولاً، ودعه يعبر عن وجهة نظره، ثم هدئه وريحه، وليس أول ما يأتي يكلمك تصده مباشرة، فهو أتى يشتكي لك، ويستشيرك، فاسمع منه أولاً، لأنه يريد من هذا كله عبارة عن أذن فقط، ولا يريد منك شيئاً آخر، فاسمعه، فإنه بعد أن يفرغ ما عنده سيهدأ، ثم اعمل له أنت عملية تفريغ نفسي، ففرغ الشحنة التي عنده، ثم بعد أن يهدأ ازرع فيه الخير، وقل له: يا رجل! امرأتك ما شاء الله، هذه صاحبتك يا شيخ! كل النساء يشكرنها، وأولادها هي حريصة عليهم ومنتبهة لهم، وتذكر له محاسنها.
وقد كان الجاحظ دميم الخلقة، وكانت امرأته عمشاء -يعني: نظرها ضعيف قليلاً- وكانت ساخطة عليه وازدادت سخطاً، فأتى بصديق له لكي ينصح لها، فقال له: تعال وقل كلمتين طيبتين في حقي، وأنني رجل كبير في الأدب وفي الشعر وفي البلاغة والناس كلها تأتيني من أقاصي البلاد، ما عدا امرأتي ليست مقتنعة بي، فقال: حسناً، فدخل عليها، فقال لها: ما الذي لا يرضيك في الجاحظ؟ لا يغرنك منه جحوظ عينيه، ولا كبر أنفه، ولا تعريش أذنيه، ولا تهطيل شفتيه، فقال له: عرفتها ما لم تكن تعرفه، أنا أتيت بك تقول خيراً، فشوهتني عندها.
وكان سيدنا أبو حنيفة ﵁ يقنع العالم كله ما عدا امرأته، ولما كانت تستفتيه بفتوى ويجيبها تقول له: أنا لست مقتنعة بهذه الفتوى، فيقول لها: من تريدين أن تستفتي، فتقول له: أبو يوسف تلميذه، فيقول لها: إن شاء الله حين نصلي العصر سآتي بـ أبي يوسف، فيذهب إلى أبي يوسف ويقول له: امرأتي تريد أن تستفتيك فتوى والسؤال كذا، فيقول له: وما هي الإجابة؟ فيقول له: الإجابة كذا، فيقول له: حسناً، فيأتي إليها فتقول له: والله أنا سألت أبا حنيفة سؤالاً ولست مقتنعة برأيه، فيقول لها: وما هو السؤال؟ ثم يقول لها: نفس الإجابة، فتقول له: هكذا الإجابة.
فمؤمن آل فرعون قال لهم: إن كان كذاباً فأنتم لم تخسروا شيئاً، فبدأ بقضية الكذب؛ لكي يعمل لهم تفريغاً نفسياً واستمالة قلبية له، فقال لهم: أنا معكم إنه إن كان كذاباً فالكذب سيرجع إليه، ونحن لن نخسر شيئاً، ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر:٢٨]، إن كان هذا الرجل صادقاً وقد وعدكم بالخير إذا أحسنتم، وبالشر إذا أسأتم، فسنذهب إلى الهاوية.
стр. 492
بيان عدم هداية الله للمسرف والكذاب
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٨] أي: مسرف على نفسه لم يتق الله، وكذاب أي: كذب ما جاء به كتاب الله، وما جاء به رسول الله ﷺ ، مسرف على نفسه.
والله لا يحب المسرفين، وليس الإسراف في المال فقط، بل أسوأ أنواع الإسراف أنك تسرف في تضييع حسناتك بالسيئات.
وفي الحديث قال ﷺ : (ما تعدون السارق فيكم؟ قالوا: يا رسول الله! السارق الذي يأخذ شيئاً ليس من حقه، قال: ما ذنبه عند الله؟ قالوا: كبيرة من الكبائر يا رسول الله! قال: ألا أنبئكم بأسوأ السرقات عند الله؟ قالوا: ماذا يا رسول الله؟! قال: الذي يسرق في صلاته)، يعني: الذي يصلي بسرعة، وهذا حرام، ويكتب عند الله لصاً؛ لأنه يسرق الصلاة؛ لأن الصلاة لها قواعد وقوانين، فهو يسرق هذه القوانين والقواعد ويعطلها، فهو لص، فإذا صليت فصل بتأن، اللهم اجعلنا من الخاشعين في صلاتنا يا رب! وأبو حنيفة ﵁، قيل له: يا أبا حنيفة! في كم تختم القرآن؟ قال لهم: في الصلاة أم في خارج الصلاة؟ يعني: السؤال ناقص هكذا، وسبحان الله! له ختم هنا وختم هنا، وأحدهم يقول لك: أنا مرة يا أستاذ! من سبع سنين ختمت القرآن في رمضان مرة، وهذا يقول لهم: في الصلاة أو في خارج الصلاة، فقالوا: لا، في الصلاة في كم تختم القرآن؟ فقال: في صلاة الليل أم في صلاة النهار؟ اللهم ربنا احشرنا في زمرة الصالحين.
стр. 493
تخويف مؤمن آل فرعون لقومه من بطش الله
ثم قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [غافر:٢٩] أي: هذا النهار أنتم أصحاب ملك، وعندكم ملك وجاه ومنصب، ومتبوئين مكانة عظيمة تأمرون وتنهون، فلكم الملك اليوم ظاهرين، وهذا الملك ملككم، ويوم القيامة يضل هذا الملك ويزول، ويكون الملك لله، ﴿فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٩] فمن سينصرنا حين تأتي اللحظة التي فيها بأس الله وبطشه، قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢] وما بالك ببطش الله ، فالعبد منا يتق الله استعداداً لهذا اليوم.
قال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩] ففرعون رأيه بصراحة أنه لا يوجد شيئاً صحيحاً ولا شيئاً مضبوطاً إلا الذي يراه فقط، وقد قال عن سيدنا موسى ﵇: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦] ومن الذي يظهر الفساد في الأرض غير فرعون؟! ولكنه يقول عن سيدنا موسى: أنا أخاف أنه يغير دينكم ويفسد المسائل، وفي هذه الأيام يقول بعضهم: أنت تعرف أن الذي يضيع البلد هؤلاء أصحاب المساجد وأصحاب اللحى والجلاليب وما الذي يغضبك من صاحب الجلابية البيضاء؟ فهو مثل الملك يمشي، فما الذي يغضبك منه؟ والذي يصلح البلد إما أصحاب الجامع، أو غير أصحاب الجامع، ولن يصلحه إلا الذي بينه وبين ربنا تواصل، وينزل ربنا الرحمة من أجله.
قال تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ﴾ [غافر:٣٠] وهؤلاء الأحزاب هم الأمم السابقة التي حقت عليها كلمة الله ، وأين الاتحاد السوفيتي اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ والمذيع الفرنسي يقول في النشرة: الاتحاد السوفيتي سابقاً.
فربنا قال للاتحاد السوفيتي: زل فزال.
وأمريكا لو أرادت أن تنهي الاتحاد السوفيتي ففي كم من السنوات كانت ستنهيه؟ أفي مائة سنة؟ فقد كانت مغلوبة منه ومن القنابل النووية التي عنده، وبين غمضة عين وانتباهتها لا يوجد اتحاد سوفيتي.
فانظر إلى الأحداث نظرة إيمانية، وانظر إليها بمنطق البصيرة لا بمنطق البصر، وإعلامنا ليس له دعوة بهذا المنطق، فلا يدخل في هذه القضية.
ولما استعمرت فرنسا الجزائر يقول لي أستاذي: إننا حين كنا نعلم الفاتحة كانت المديرة الفرنسية تسأل: ماذا تقول لهم؟ فيقول: أنا أعلمهم نشيد العلم؛ لكي لا تطرده.
فقد كان الحس الإسلامي موجوداً عند شعب الجزائر، فالشعوب الإسلامية مبرمجة على الإسلام، وفطرتها مع الإسلام، والبعد عن الإسلام هذه مسألة مرحلية، ولن تكون العودة إلا إلى كتاب الله، وهذا يقين عندي ثابت منذ سنوات طويلة، والذين يسمعون خطبنا من السبعينات والثمانينات يسمعون مني هذه المقولة، وإن شاء الله لن ينتهي هذا القرن، ويبدأ القرن الواحد والعشرون إلا والإسلام هو الذي على الساحة في كل البلاد إن شاء الله.
قال تعالى: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [غافر:٣١] وقوم نوح قد عاثوا فساداً في الأرض، فأغرقهم ربنا، وكذلك عاد وثمود، وكل هذه الأمم المتجبرة.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [غافر:٣١].
ويذكرهم لينتبهوا أن يحصل لكم مثل ما حصل للأمم السابقة، وقد صدق كلام الرجل، سبحان الله! قال تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر:٣١]؛ وربنا يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، فهو يتركه ثم يتركه ثم يتركه ويرفعه عالياً ثم حين يقع لا يستطيع القيام.
стр. 494
تحذير مؤمن آل فرعون لقومه من يوم القيامة
قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر:٣٢]، أي: يوم القيامة، ونحن رأينا النداءات المتعددة يوم القيامة، ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار، ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة، ونادوا على أصحاب الأعراف، وكل رسول ينادي على أمته، وكل أناس ينادون رسولهم، والخليل ينادي على خليله، والحبيب ينادي على حبيبه، والشيطان يهرب من أتباعه الذين ينادونه، ويقول: ليس لي من الأمر شيء، ويقول: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢].
فيقوم القيامة كله نداءات متعددة، حتى أمك تناديك وتأتي تقول لك: يا بني! كان بطني لك وعاء، وثدي لك سقاء، وحجري لك وطاء، فهل من حسنة عندك تنفعني في مثل هذا اليوم؟ فيقول لها: يا أماه! أنا أشكو مما تشكي أنت، أليس أنتِ عندك من حسنة واحدة؟ والابن يقول لأبيه: يا أبت! قد كنت باراً ورحيماً وشفيقاً بك، فهل عندك حسنة؟ فيقول له يا بني! أنا أشكو مما تشكو أنت منه، أليس عندك أنت من حسنة؟ وأنت نفسك حين ترى ابنك ستهرب منه، وتهرب من امرأتك، كما قال تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف:٦٧].
وسنرى وضع المتقين هناك إن شاء الله، اللهم اجعلنا من المتقين يا رب العالمين! قال تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر:٣٢] فينادون كل واحد فلا يسمع أحد، وعملك هو الذي ينجيك، اللهم حسن أعمالنا يا رب! قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر:٣٣] تولين مدبرين من النار لما تأتي عليكم، والعياذ بالله رب العالمين، قال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٣ - ٢٤]، أي ليتني كنت عملت خيراً، وقدمت خيراً.
و (يا ليت) هذه لا تنفع، وأنت الآن في الأمنية فافعل، فبدلاً من أن تقول: (يا ليت)، فالأمنية موجودة، والعمل موجود، والمساجد موجودة، ومجالس العلم موجودة، وكتاب الله موجود، وأهل العلم موجودون، والخير موجود، والمال الذي تقدر تزكيه منه موجود، فأنت في الأمنية، ولن ينفعك أحد يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر:٣٣] فليس هناك أحد يعصمك من الله إلا رحمته، وعملك هو الذي ينصرك يوم القيامة، اللهم حسن أعمالنا يا رب! قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر:٣٣] نعم، ربنا يضله -والعياذ بالله رب العالمين- بعمله.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر:٣١] فربنا لا يظلم أحداً، ولكن الناس كانوا أنفسهم يظلمون.
стр. 495
بيان رسالة يوسف ﵇ إلى أهل مصر
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر:٣٤].
يذكرهم بسيدنا يوسف، ورسالته كانت في مصر، فقعد يذكرهم وقال: لما هلك ومات ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر:٣٤]، وأن الرسالة انتهت، وهذه رسالة جاءت، وهذا أخو يوسف، وقد أتى برسالة، فذكرهم بالتاريخ.
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر:٣٤].
مرتاب يعني: عنده شك وريبة وقلق، فهو يقول: هذا طريق السلامة، وهذه طريق الندامة، وهذا طريق يذهب ولا يرجع، فمن أين تريد أن تمشي؟ فامش في طريق السلامة.
стр. 496
بيان كون الدين صراطاً مستقيماً
وأصحاب الهندسة يقولون: أقصر طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم، والمصيبة أننا حافظون وعارفون في الهندسة، وخبراء فيها، وما شاء الله، ولكننا نريد الهندسة التطبيقية لا النظرية.
فأقرب الخطوط الموصلة بين نقطتين هو الخط المستقيم، وربنا يقول: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣] فإذاً هو أقصر الطرق، فلا تتخبط وتنحرف وتبعد بعيداً، فطريق الله واضح، والرسول ﷺ يقول: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك).
وهي الطريق الواضح، وكان الرسول ﷺ والصحابة جالسين فخط لهم خطاً على الأرض، وقال: (هذا طريق الله المستقيم)، ثم خط خطوطاً متعرجة منه وقال: هذه طرق الشيطان حولها، فالذي يبعد عن الطريق يأخذه الشيطان الذي على مفترق الطريق، فإن لم يستطع الرجوع يوصله إلى الشيطان الذي بعده، ثم إلى الذي بعده، ثم إلى الذي بعده فيجد نفسه تائهاً في الصحراء.
стр. 497
ثمرة الاتباع
ويقول النبي ﷺ في الحديث: (إنما مثلي ومثلكم كمثل قوم خرجوا في مفازة، فلما أيقنوا الهلكة بعد أن فرغ منهم الطعام والشراب، خرج عليهم رجل، قالوا: إن هذا رجل قريب عهد بريف)، يعني: شكله يقول: إنه ليس من أهل السفر؛ لأن المسافر في الصحراء أو في السفر يظهر عليه الرمل والغبار والتراب، ولكن هذا شكله يظهر أنه قادم من ريف، (قال: يا قوم! أئن دللتكم على طعام وشراب ومسكن أتعطوني مواثيقكم على الطاعة؟ فأعطوه مواثيقهم، فلما ذهبوا واستقر بهم المقام)، أي: قعدوا وأكلوا وشربوا وارتاحوا.
(قال لهم: يا قوم عند الصباح سوف يغير علينا جيش، فما علينا إلا أن نرحل الساعة، فمنهم من أطاع، ومنهم من قال: أنا لا أرحل عن هذا النعيم، فلما أصبح الصباح - أخذ الذي معه وأطاعوه- غار عليهم الجيش فما بين قتيل وأسير).
ومن الذي أتى لهم من الريف؟ سيدنا الحبيب المصطفى ﷺ ، فالرسول ﷺ يمثل نفسه بهذا الرجل الذي جاء من الريف؛ ليريحك من الدنيا ويجعلك راضياً قانعاً، ذكر الله طعامك، والتوكل على الله سقاؤك، والرضا عن الله مسكنك، ثم قال لك: أطعني، فإن أطعتني دخلت الجنة، وإن عصيتني دخلت النار، والذين سلكوا خلف الحبيب المصطفى ﷺ نجوا، والذين انحرفوا عنه هجمت عليهم شياطين الدنيا فما بين قتيل وأسير.
وانظر ما أحلى كلام الحبيب ﷺ ، وما أجمل تشبيهاته، اللهم اجعلنا من أتباع رسولك يا رب العالمين!
стр. 498
نصح مؤمن آل فرعون لقومه
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٣٨].
هنا يرد على فرعون في قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩] فمؤمن آل فرعون يرد عليه ويقول: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٣٨].
ثم قال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ [غافر:٣٩] فالقلم الذي في جيبي متاع، والبساط الذي أجلس عليه متاع، وهذا الكرسي متاع يزول، فالحياة الدنيا متاع تزول، سبحان الله! قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر:٣٩] القرار يعني: الاستمرارية والاستقرار فيها.
قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى﴾ [غافر:٤٠].
الذي يعمل سيئة يأخذ سيئة، ومن عمل شراً فلن يجني من الشوك العنب، ومن زرع بطيخاً خرج بطيخاً.
قال تعالى: ﴿فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر:٤٠] هنا جاء لذكر الجنة، فالذي يعمل صالحاً وهو مؤمن، وهل هناك من يعمل صالحاً وهو غير مؤمن، مثل أديسون صاحب الكهرباء عمله هذا صالح، ولكنه ليس مؤمناً، فسيؤتى به يوم القيامة ويقال له: أنت من؟ فيقول: أنا أديسون الذي اخترع المصباح الكهربائي، فيقال له: أنت عملته لماذا؟ فيقول: عملته من أجل الإنسانية المعذبة، فيقال له: والإنسانية المعذبة ذكرتك بالخير أو لا؟ فيقول: نعم ذكرتني بالخير، فيقال له: إذاً: أخذت نصيبك، وإنما صنعت ليقال: عالم.
ولو كان مسلماً لحسب له على كل نور صدقة جارية.
قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر:٤٠]؛ وفي الدنيا تأخذ مرتبك على قدر السلم الوظيفي الذي لك، فواحد يأخذ ثلاثين جنيه، وآخر يأخذ مائة جنيه، وثالث يأخذ ألف دولار، والرابع يأخذ خمسة آلاف.
ولكن في الجنة تأخذ بغير حساب.
قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١].
وما أجمل هذا الكلام! فهو يقول لهم: أنا أقول لكم تعالوا، فإن تبعتموني واتبعتم هذا الرجل دخلتم الجنة، وسمى الجنة نجاة، قال: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١] وهم لم يقولوا له: تعال ادخل النار؟ لا، وإنما قالوا له: ابق معنا، كما لو دعاك أخوك؛ لأن بنته ستتزوج في الهيلتون في قاعة سبعة آلاف لليوم والليلة، فهؤلاء لا يدعونك لعرس، وإنما يدعونك دعوة إلى النار.
قال تعالى: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ [غافر:٤٢] وهم لم يقولوا له: تعال اكفر بالله، وإنما قالوا له: تعال اعمل معنا مثل ما نعمل.
وهذه هي دعوة الكفر والعياذ بالله، وهي تبتدئ هكذا، فتجد المسلم الشاب يكون ولداً صالحاً وبعيداً، وولد يقول له: اشرب الدخان، حتى تبقى رجلاً، وخذ من أنفك، فيبدأ الولد تدريجياً حتى يبتلى، فيقال له: أنا لم أضربك على يدك، وكذلك يبتلى من الملصقات التي يجدها في البسكويتات وفي الشوكلاتات وغيرها ويصلقها على يده، وهذه الملصقات فيها أشياء معينة تصنعها مؤسسة يهودية عالمية، وتعمل الصمغ الذي في هذه الملصقات، وتضع فيه شيء من المخدر الذي يؤثر على الجلد، الذي بعد مدة تجعل الولد مدمناً على المخدرات.
وما الفائدة إذا كنت تبني وغيرك يهدم، فأنت تبني الولد في المسجد وتقول له الكلام والمبادئ والمثل، وهو يعرف أن الراقصة في نصف ساعة تأخذ عشرة آلاف جنيه، ولو أن أباه وعائلته لا يأتون بعشرة آلاف مليم فإنه يصبح غلبان.
فلا راحة لهذا الشعب ولا أي شعب مسلم إلا بالعودة إلى كتاب الله والسير على طريق رسول الله ﷺ .
قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر:٤١ - ٤٢]، أي: أنا أقول لكم: تعالوا إلى العزة؛ لأن العز كل العز في طاعة الله، والذل كل الذل في معصية الله، وسبحان من أعز الذليل بطاعته! وأذل العزيز بمعصيته! سبحان الله! قال تعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ﴾ [غافر:٤٣].
فهذا الكلام الذي تقولونه لي ليس له وجه من الصحة لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالانحراف والفسق والفجور والبعد عن طريق الله ليس له دعوة لا في الدنيا ولا في الآخرة.
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر:٤٣] فمرجعنا كلنا إلى الدار الآخرة.
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ [غافر:٤٣ - ٤٤] فعندما تأتي الآخرة ستعرفون أن هذا الكلام حق.
ثم قال بعد ذلك: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤]، لأنهم قرروا قتله، فقال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر:٤٤].
قال تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر:٤٥] فنجاه الله بقوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ بصدق، وكان الله معه، وجربها وسترى، وأنت كمسلم تيقن بالله وتوكل عليه حق التوكل.
стр. 499
بيان كون الساعة تأتي بغتة
ونكمل الوقت الباقي في سورة الزخرف، ونقطف هذه الزهرات اليانعة والمعاني الطيبة من كتاب الله ؛ لكي تكمل الفائدة، وأنا كنت أود أن الحلقات نكملها ثلاثين، ولكن القضية ليست مسألة إنتاج، وليس هناك أحد يجري وراءنا، وإنما الزمن والعمر يجريان وراءنا، ولكن المهم نسأل الله أن يقضي أعمارنا في طاعته بعيداً عن معصيته.
قال تعالى سورة الزخرف: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزخرف:٦٦].
فهم ينتظرون الساعة وستأتيهم بغتة.
والساعة أو القيامة قيامتان: قيامة صغرى وقيامة كبرى، فإذا مات العبد قامت قيامته الصغرى، ويقول لك بعضهم: يا سيدنا الشيخ! لا يزال الوقت طويلاً، ألم تقل: إن الشمس ستطلع من المغرب، والمسيح الدجال يظهر، والدابة والدخان؟ نقول: نعم، ولكن لو مت هذه الليلة ولم تر هذا كله فقد قامت قيامتك.
قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزخرف:٦٦]، وقال تعالى في سورة محمد: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨] يعني: ظهر.
стр. 500
فضل صحبة الصالحين
ثم في الآية التي بعدها يقول: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧].
فكل خليل يمسك بيد خليله يوم القيامة؛ ولذلك روي في الأثر: (أكثروا من الأخلاء الصالحين؛ فإن لكل مؤمن شفاعة يوم القيامة).
فتكثر من الأصحاب، فإن لم يأخذك هذا يأخذك هذا.
والخليل ينكر خليله يوم القيامة، فأصحاب القهاوي والانحرافات والنوادي لا يعرف بضعهم بعضاً، ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦] فأنا وأنت عبدان مأموران؛ لأن العبودية عبوديتان: عبد عبادة، وعبد عبودة.
فعبد العبادة: أن يعبد الله رب العالمين.
وعبد العبودة: أن يعبد المال والزوجة والجاه والمنصب والمسئولين.
والعبودية هذه عبودية وذل، والمؤمن لا يذل إلا لله، ويذل للمؤمنين، ويصبح عزيزاً على الكافر.
قال تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] المتقي يقال له وهو خارج من القبر: أكان لك خليل في الدنيا تحبه؟ قال: أنا كنت أحبه؛ لأنه الذي أخذ بيدي إلى الخير وهو الذي علمني الصلاة، وهو الذي صنع في كذا، قال: تحب أن تراه؟ قال: أتمنى؟ فيذهب إلى الثاني فيقول: هل كان لك خليل في الدنيا تحب أن تراه؟ فيقول: نعم، أنا أتيت أزرع فيه خيراً فوجدت عنده خيراً كبيراً جداً، وأتيت أعلمه فأصبحت أتعلم منه لما وجدته استقام على الطريق، فيقال: خذوا بأيدي بعض وادخلوا الجنة.
стр. 501
أمن المسلمين يوم القيامة
قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ﴾ [الزخرف:٦٨] الله يخاطب المتقين فقط، ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٨].
فلا خوف من المستقبل ولا حزن على الماضي، ولا خوف من غدٍ ولا حزن على الذي فات، والحزن هذا والأسى والألم والابتلاءات كانت في الدنيا.
وعندما ينادي الله يوم القيامة (يا عباد) فكل العباد يرفعون رءوسهم أبو لهب وأبو جهل وأبو بكر كلهم، فكل من هو عبد في أرض المحشر يرفع رأسه.
وعندما يقول: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٨] يفرح الكفرة والفجرة، ويقولون للمؤمنين: انظروا تساوينا معكم، أنتم تصومون وتصلون، ولا تنظرون ولا تسمعون، ونحن تساوينا معكم، وقد أذللتم أرواحكم.
ثم يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٩].
فيطأطئ الكفار والفجار رءوسهم، ويرفع المؤمنون رءوسهم فرحين بهذا النصر الحقيقي، وفي الحديث: (إنما الأعمال بخواتيمها).
стр. 502
نعيم المؤمنين في الجنة
قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف:٧٠].
تحبرون يعني: تسرون من الحبرة والسرور والحبور.
اللهم اجعلنا من أهل الحبور يا رب! فيزينك وأنت تدخل الجنة ما دمت قد زينت نفسك بزينة الإيمان والتقوى ولباس التقوى في الدنيا، فربنا يزينك في الجنة بزينة أكبر، اللهم زينا بالإيمان في الدنيا وبالجنة في الآخرة يا رب العالمين! قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف:٧١]، أي: وأكواب أيضاً من ذهب.
والصحفة هي: الطبق الواسع الذي يكفي عشرة يأكلون فيه.
وأنت ما دمت حرمت على نفسك في الدنيا ما حرمه الرسول ﷺ عليك من الأكل في الذهب والفضة فإن ربنا يوم القيامة سيؤكلك في الأطباق والصحاف والأكواب والأباريق من الفضة والذهب، وإن أكلت منهما في الدنيا فلن تأكل منهما في الآخرة.
﴿وَفِيهَا﴾ [الزخرف:٧١]، أي: في الصحاف والأكواب، ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ [الزخرف:٧١]، يعني: عينك ليست كالعين التي تنظر إلى الفول وتتحسر، وإنما تنظر إلى أنواع الأكل وتنبسط، فلها كل ما تشتهيه، سبحان الله! ومن كرم الله عليك قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]، يعني: من النعمة، فوجه المسلم يقابل وجه المسلم، ولذلك كان سيدنا الحبيب ﷺ إذا كلم أحداً أعطاه وجهه، وكان يوزع وجهه على الجالسين، لدرجة أن كل أحد يظن أن الرسول ﷺ ليس مهتماً إلا به، فانظر حلاوة أخلاق الحبيب.
قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧١] في نعمة الخلد هنا، فلا يأس ولا قلق.
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢].
والعبد يولد وله مكانان: مكان في الجنة، ومكان والعياذ بالله في النار، فيؤتى للمؤمن في الجنة ويقال له: هذه الجنة لك؛ لأن هذا نصيبك في الجنة، والجنة الثانية كانت لفلان الكافر الفاجر الذي دخل النار وأنت ورثت مكانه، فلك جنتان، جنتك أنت، والجنة التي ورثتها، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون:١٠ - ١١].
والكافر يقال له: خذ، هذه قطعتك والعياذ بالله في النار، والقطعة الثانية قطعة المؤمن الذي نجاه ربنا وأنت ورثت قطعته، فيا نعم ميراث المؤمن! ويا بؤس ميراث الكافر! وبالله عليك الكلام الجميل الحلو هذا والنعمة التي هي من الله ألا تستوجب منا الصبر والعمل الصالح والتوكل على الله؟ وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله ﷺ .
стр. 503
الأسئلة
стр. 504
كفارة النذر
السؤال الأول: أخت تسأل وتقول: مرض ابنها الوحيد فنذرت صيام شهري رجب وشعبان كاملين كل سنة إذا شفي ابنها، واستمرت في الصيام حتى هذا العام، فإذا أصبح الصيام المتواصل خلال هذين الشهرين مشقة بالنسبة لها فماذا تفعل؟
الجواب
تخرج عن كل يوم لا تستطيع أن تصومه ما تطعم به مسكيناً.
стр. 505
حكم تمزيق المصحف
السؤال الثاني: أحدهم يسأل ويقول: أخت مسلمة في لحظة من غضب شديد والعياذ بالله مزقت المصحف؟
الجواب
الحقيقة الإنسان عندما يسمع هذا الكلام يقشعر جلده وبدنه، وعلى المرأة أن تكثر من الاستغفار والتوبة والرجوع إلى الله قبل أن يهبط غضب الله عليها.
ونسأل الله أن يهديها ويهدينا ويهدي عصاة المسلمين.
شكراً لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 506
سلسلة الدار الآخرة_أول من يدخل الجنة
ذكر الله في كتابه الكريم صفات أهل الجنة ومراتبهم وأصنافهم؛ فعلى المؤمنين عقد العزائم للعمل بأعمالهم، وللمنافسة في مضمارهم، فمن خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة.
стр. 507
الحالات الأربع التي يتقلب فيها المسلم
أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا، ويكافئ مزيده، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه بمشيئة الله هي الحلقة الحادية والثلاثون في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة أو عن الموت وما بعده، وهي الحلقة العاشرة في الجنة، جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وزحزحنا وإياكم عن النار.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً.
اللهم لا تجعل يا ربنا بيننا شقياً ولا محروماً، لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا هديته، ولا مسافراً إلا رددته غانماً سالماً لأهله، اللهم ارزقنا قبل الموت توبة وهداية، ولحظة الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً.
أكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا.
اللهم من أراد بالمسلمين كيداً فاجعل اللهم كيده في نحره، أوقع الكافرين في الكافرين، وأخرجنا من بينهم سالمين، ولا تجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم اطرد عن بيوتنا شياطين الإنس والجن، اللهم اطرد عن مجتمعاتنا شياطين الإنس والجن، ول أمورنا خيارنا، ولا تول أمورنا شرارنا، وأصلح يا رب أحوالنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، واختم لنا منك بخاتمة السعادة أجمعين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
نكرر دائماً ونقول: إن المسلم يتقلب في حالات أربع: إما في طاعة أو في معصية، وإما في نعمة أو في بلية، هذه هي الحالات الأربع التي يحياها كل واحد منا، وكل حالة تستوجب شيئاً، فالطاعة تستوجب الاستمرارية، فإذا فتح الله عليك باباً من أبواب الطاعة فلا تتكاسل، فإنك لا تعرف متى يرضى ربنا، وقد يرضى ربنا علينا في مجلس من مجالس العلم؛ لأن رضا الله مخبأ في طاعته، وإن سخط الله مخبأ في معصيته، فأنت عندما تكثر من الطاعات لا تعرف أي طاعة يقبلها رب العباد سبحانه، ولا تعرف متى ينظر الله إليك؛ لأن الذي سينظر الله إليه نظرة لن يعذبه يوم القيامة.
والمهم أن ينظر الله إليك وأنت تطيعه، فاحذر أن ينظر إليك وأنت تعصيه؛ لأنه إذا نظر إليك وأنت تعصيه فربما مقتك فطردك من رحمته، ولكن العبد المؤمن أواب، أي: رجاع إلى ربه كثير التوبة والاستغفار، كثير الرجوع إلى الله، وقال أهل العلم: لو نزل عذاب من السماء لما نجا إلا أهل المساجد.
ولقد حفظتم الحديث القدسي: (أكاد أهم عذاباً بأهل الأرض فأنظر إلى المتزاورين في، وإلى المتجالسين في، وإلى المتحابين في، وإلى عمار بيتي فأرفع عذابي عن أهل الأرض).
إذاً: رحمة الله أكثر ما تنزل في بيوته؛ لأن أطهر وأفضل وأعظم وأقرب الأماكن إلى الله هي بيوته، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق، وقد قلنا من قبل أنه جاء أعرابي عندما نزل جبريل فقال: (يا محمد! ما هي خير البقاع وشر البقاع؟ قال له: انتظر حتى أسأل من هو أعلم مني) وهذا من تواضع سيدنا رسول الله، ولنا فيه الأسوة الحسنة، ليس كل واحد منا يعرف كل شيء، وما أوتينا من العلم إلا قليلاً، والرجل الصالح قال لسيدنا موسى بعد رحلته الطويلة التي علمه فيها العلم الكثير وذلك عندما رأى العصفور واقفاً على حافة المركب أو السفينة ونقر في البحر نقرتين- فقال: يا موسى، ما علمي وعلمك وعلم الخلائق كلهم بالنسبة إلى علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من ذاك البحر، ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧]، ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف:١٠٩] أي: مداد حبر لكلمات الله .
وقلنا: إن كلمات الله نوعان: كلمات شرعية وكلمات كونية، فالكلمات الشرعية هي التكاليف والأوامر والنواهي، اعمل كذا لا تعمل كذا، صل وصم، ولا تشرب الخمر لا ترتكب كذا لا تفتر لا تظلم ونحوها وكلماته الكونية هي الكون وما فيه بكلمة (كن)، كوني سماء فكانت، كوني أرضاً فكانت، وقلنا: إن الكون عند الله نوعان: كون مستور، وكون منشور، الكون المستور: هو كلام الله في كتابه، كل العالم موجود في كتاب الله ، كل أحوالك: حالة الإيمان، وحالة الكفر، وحالة الطغيان، وحالة العدل، وحالة النصر، وحالة الهزيمة، وحالة الغنى، وحالة الفقر، الطاعة والمعصية، الجنة والنار هذه كلها موجودة في كون الله المستور والمقروء وهو القرآن.
وكون الله المنشور الذي هو: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠]، الذين يتفكرون ويتذكرون، وماذا يقولون؟ يقولون: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١] إذاً: الدعوة بالنجاة من عذاب النار في مسألة التفكر؛ لأن من تفكر تقرب، ومن تقرب هطلت عليه رحمة الله .
إذاً: عندما سأل الأعرابي الرسول ﷺ قال له: (انتظر حتى أسأل من هو أعلم مني، فنزل جبريل فقال: يا رسول الله! خير البقاع المساجد، وشرها الأسواق) لكن أنت عندما تدخل السوق تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أكسب فيها يميناً فاجرة، أو صفقة خاسرة، هذا دعاء السوق.
ومن دخل إلى السوق وقال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم كتب له عند الله مائة حسنة؛ لأن الذين في السوق مشتغلون بالبيع والشراء، فإذا ذكر الله شخص في الغافلين كان كالمقاتل بين الفارين، وكالشجرة الخضراء وسط الهشيم، وكان أبو هريرة ﵁ يدخل السوق ويخرج ولم يبع ولم يشتر ويقول: أنا أتيت فقط لأذكر الله في الغافلين! فلو دخل أحد اليوم السوق ليذكر الله لربما ضحكوا عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٢٩] يا أخي! دعه يضحك قليلاً لا بأس، تريد حسنات بدون أن يضحك عليك أحد، لعل عملك كان ينقصه الإخلاص، فأكثر من الحسنات سواء ضحك الناس أو سخروا؛ لأنك استقمت على طريق الله أنت وزوجتك وبناتك وأهلك.
فإما أنت في طاعة تستوجب الزيادة والاستمرار، وعندما يفتح لك الله باب طاعة فلا تكسل؛ لأن للقلوب إقبالاً وإدباراً كما أخبر الحبيب المصطفى ﵊، فإذا أقبلت فتنفلوا وإذا أدبرت فأدوا الفريضة.
وكما قلنا إن الدول والأمم والعباد يهلكون بالطغيان، وهو الذي ينهي الأمم من الوجود وليس الكفر؛ ولذلك قال الله لموسى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤] أما الكفر فهذه مسألة بينه وبين ربه، ولكن أن يطغى إنسان على إنسان فهذا هلاك.
قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص:٧٦]، مع أنه لم يعمل لهم شيئاً، والبغي: هو عدم تنفيذ أحكام الله .
فالإنسان الغني الذي لا يخرج زكاة ماله يكون باغياً؛ لأنه تكاسل أو قصر في تنفيذ أوامر الله سبحانه.
ذهب إليه رجل من عند سيدنا موسى فقال له: يا قارون أعطنا زكاة المال، قال: من الذي بعثك؟ قال له: موسى، قال له: أنا لا أعرف موسى ولا رب موسى، وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]، وكأنه يقول: إنه يوجد عندي ما يحول المعادن الخفيفة إلى معادن نفيسة، وما يحول الزئبق إلى ذهب، كما تحصل الآن في المفاعلات النووية والأفران الذرية، وهي مكلفة جداً، فهو وصل إلى هذه الحقيقة وقال: أنا أحضرته من عرقي وذكائي يعني: أنا واصلت الليل بالنهار، وكنت أعمل خلال الأربع والعشرين ساعة، ولقد رأيت الويل، وبعد ذلك تسألوني حق الله؟ فيقال لمثل هذا: من الذي أعطاك الصحة حتى تعمل وتكد؟ أين حق الله عليك؟ وأصحاب الدنيا يهمهم المنظر الخارجي قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص:٧٩] وتخيل أن مفاتيح خزائن قارون يحملها الجماعة من الناس! قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص:٧٦] العصبة: ما يقارب الأربعين أو الخمسين شخصاً يحملون مفاتيح الخزائن، إذاً: الخزائن كم حجمها؟ والذي بداخلها كم حجمه؟! فالذي يريد الدنيا يقول: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص:٧٩].
ولذلك كان هناك قارئ من حفظة كتاب الله نام وهو مهموم، فأتى له شخص في الرؤيا وقال له: ما لك؟ قال له: أنا مهموم عندي ضائقة مالية، فقال له: الأمر سهل، نأخذ منك سورة البقرة ونعطيك مائة ألف؟ فرفض، قال له: نأخذ منك آل عمران ونعطيك مائة ألف؟! فرفض قال له: نأخذ منك النساء؟! نأخذ منك الواقعة؟! ثم قال له: اضرب إذاً مائة ألف في مائة وأربع عشر سورة كم عندك؟! فمن حفظ كتاب الله وظن أن أحداً أوتي خيراً منه فقد ازدرى نعمة الله عليه، اللهم ثبت علينا حفظ كتابك يا رب العالمين! واجعلنا من العاملين به آناء الليل وأطراف النهار، فالإنسان لا يستقل نعمة ربه عليه، فصاحب الدنيا يقول: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩]، فأنت إذا نظرت إلى الناس بعين البصر وجدت غنياً وف
стр. 508
فوائد حضور مجالس العلم في المساجد
إذاً لك في مجلس العلم والإتيان إلى المسجد فوائد سبع: منها: أن تجد أخاً في الله، وهناك أخوة حصلت وأسر تصاهرت وحصل نسب بين الناس، وهذا بمجرد تعارف الناس مع بعض، وتجد الواحد وجهه منشرح لأخيه ومبتسم، ويأخذه حاضناً له قائلاً: كيف حالك وكيف حال ابنك وبنتك؟ وكيف عيالك وامرأتك وشغلك؟ إذاً يشعر أنه قريب منه.
ولذلك ما نظر مسلم إلى أخيه نظرة رحمة إلا نظر الله إليهما، ومن نظر الله إليه فلن يعذبه أبداً، فينظر إلى أخيه نظرة ليس فيها غل ولا حقد ولا ضغينة، قلبك عليه أبيض، كما روي في الحديث الصحيح: (المؤمن مرآة أخيه)، ويقول ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً).
وقلنا من قبل: أكثروا من الأخلاء الصالحين؛ فإن لكل مؤمن شفاعة يوم القيامة، اللهم شفعنا في بعض يا رب العالمين.
ومنها أن تجد علماً مستغرقاً أو رحمة مستنزلة؛ ولذلك كان الحبيب المصطفى ﷺ إذا ذهب الناس لشغلهم يقول للصحابة: تقاربوا، فيقرب الصحابة من بعضهم البعض؛ فإن رحمة الله سوف تهبط عليهم مثل الثوب الذي يتغطى به إذاً: أو رحمة مستنزلة.
الفائدة التي بعدها: أو كلمة تدلك على هدى، أو تمنعك من ردى، أي: من هلاك؛ فإتيانك إلى المسجد يزيد في علمك، ويمنعك من أن تقول للواحد: يا كافر، إلا إذا قال لك: أنا غير مؤمن بوجود الله والعياذ بالله! تقول له: أنت كافر، لكن شخص يقول: لا إله إلا الله كيف تكفره؟ لا يكفر من قال: لا إله إلا الله.
وقال رجل: يا أبا حنيفة! هل سيجمع الله هؤلاء كلهم في مكان واحد؟ قال له: نعم، قال له: هل يقدر على أن يجمعهم في خرم إبرة؟ قال له أبو حنيفة: نعم، فقال: كيف؟ قال له: إما أن يصغر الناس أو يوسع خرم الإبرة! وهذه الفلسفة والجدل صارت سمة وعلامة للمسملين هل يشك أحد في قدرة الله؟! ولذلك قال رجل لـ علي كرم الله وجهه: كيف يحاسب الله الناس على كثرة عددهم؟ قال: كما يرزقهم على كثرة عددهم، أي: سوف يحاسبهم مثلما يرزقهم، وهذه مسألة لا تشغل فكرك بها واشغل فكرك في الذي ينجيك؟ والذي يضيعك؟ كذلك من الفوائد: أو تترك الذنوب خشية أو حياء، فعندما تحضر مجلس العلم ثم تخرج فترى منظراً في الشارع فتغض بصرك مباشرة؛ لأن النظرة سهم من سهام إبليس، فهو يغض بصره ويترك الذنوب خشية أو حياء من الله ومن نفسه ومن الملائكة ومن الناس.
стр. 509
صفات أهل الجنة والبصيرة
يقول الله : ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد:١٩].
هذه الآية وما بعدها تقسم الناس إلى مبصر وأعمى، والأعمى ليس أعمى البصر، فإن العمى عمى البصيرة والقلب، فمن كان يرى ببصيرته فليس بأعمى وإن عمي بصره، والإنسان قد يسلب منه نعمة معينة قال الله : (لا أجد لعبدي إذا سلبت حبيبتيه جزاء يوم القيامة إلا أن أبيح له وجهي ينظر إليه بكرة وعشياً)، فالذي يسلبه الله نعمة البصر يعوضه الله فيعطيه ما أعطى أبا بكر الصديق وأقل ملك في الجنة رجل يسير في ملكه ألفي سنة، وتخيل أن ملكك في الجنة تظل تمشي فيه ألفي سنة، قال الصحابة: يا رسول الله! فمن أعلاهم؟ قال: (من ينظر إلى وجه ربه بكرة وعشياً) وأبو بكر قاعد فقال: (أمثال من يا رسول الله؟! قال: كمثلك أنت يا صديق) اللهم لا تحرمنا هذا الفضل يا رب! إذاً: سورة الرعد تقسم الناس إلى مبصر يرى بقلبه نور الحق، وأعمى لا يرى نور الحق، مع أن الحق واضح أبلج.
стр. 510
الوفاء بالعهد والميثاق
إذاً: ربنا يقول: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩]، وأولو الألباب الذين هم من أصحاب العقول النيرة، الذين يوفون بعهد الله قال أهل اللغة: كلمة (عهد) هنا اسم جنس، أي: الذين يوفون بكل عهود الله ، ولذلك الدراويش يقول أحدهم: هل دخلت الطريقة أم لا؟ يقول: لا.
فيقول له: تعالى أنا أجعل الشيخ يعطيك عهداً، فيذهب إلى عند الشيخ والشيخ متقمص شخصية المشيخة فيقول له: مد يدك الكريمة، فيمد يده ويصافحه فيكون ذلك عهداً، فتراه يعظم هذا العهد ويراه مثل عهد الله يعني: أنت خائف على العهد الزائف الذي بينك وبين العبد! وقطعت العهد الذي بينك وبين الله، ألم تعاهد الله وأنت في صلب أبيك آدم؟ حين أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، أي: يا رب! أنت ربنا، إذاً هذا هو عهد التوحيد الذي أخذه الله عليك، والتوحيد الخالص يجعلك لا تخاف من اليوم القادم، ويجعلك واثقاً في رحمة الله، لو كان عند المسلمين يقين مثلما قلنا فبدلاً من أن يقعوا في الشبهات وأرباح البنوك يذهب يفتح حساباً جارياً، وربنا يرزقه وييسر له الرزق الحلال.
قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [الرعد:٢٠] أول عهد عهد التوحيد، ثم عهد الأوامر والنواهي، فهذا عهد آخر قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٢٩]، فنولي وجوهنا للمساجد فنصلي الصلوات في الجماعة، ثم بعدها إيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الرحم، وفعل الخيرات، والكلمة الطيبة، وتبسمك في وجه أخيك كل هذه عهود بينك وبين الله، وعهود مكتوبة، ولذلك ربنا أخذ العهد على النبيين أنه لو جاء رسول في آخر الزمن أن يؤمنوا ويصدقوه قال تعالى: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران:٨١] أي: على العقد الموثق (قالوا أقررنا) انتهى الأمر.
ولذلك أنا أريد أن تقرأ القرآن بتمعن وتفكر، إن الله عندما يتحدث عن وحيه إلى رسله الكرام يتحدث عن التوصية في جانب نوح والنبيين من بعده، ولا تأتي كلمة التوصية في جانب رسول الله ﷺ قال تعالى: ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى:١٣]، فالتوصية تأتي عند الأنبياء وتأتي عند سيدنا رسول الله كوحي فقط، لأن العبودية ما تحققت فعلاً في أكمل مراحلها إلا في شخص رسول الله ﷺ .
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ [الرعد:٢٠] أي: الميثاق الذي بينك وبين ربنا من عبادته وتوحيده، وعدم عصيانه، والميثاق الذي بينك وبين الناس ألا تخلف الوعد كأن تعد بإنجاز موضوع وفي نيتك أنك لن تعمل له شيئاً، فهذه من صفات المنافق، لكن الذي يعد وهو ينوي أن يفي بوعده ولكن الظروف ما سمحت له، فهذا هو الممدوح.
стр. 511
من صفات أهل الجنة صلة الرحم
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد:٢١]، الله أمر بصلة الرحم، فيجب أن توصل، وما الرحم التي يجب أن توصل؟ هي كل من كان مسلماً قريباً لك، وستسأل عنه يوم القيامة، فأنت مأمور بصلته.
ولذلك قلنا من قبل: إن الله يقبل توبة كل تائب ما عدا ثلاثة: (العاق لوالديه، ومدمن الخمر، وقاطع الرحم) وفي حديث آخر: (والمخاصم لأخيه، والديوث) المخاصم لأخيه المسلم سواء بسبب أو بدون سبب، يقول الله لملك الحسنات: لا تكتب له حسنة إلا إذا ذهب يصالح أخاه.
ولذلك كان الصالحون إذا ضاقت الدنيا عليهم وكثرت المصائب والمشاكل يذهبون إلى ثلاثة أماكن: إلى السجون ليسمعوا أنين المساجين، فيتشعروا نعمة الله عليهم، ويذهبون إلى المستشفيات فينظرون إلى المرضى وأصحاب المصائب فيحمدون الله على العافية، ويذهبون إلى المقابر ليعرف العبد نهايته وقدومه على الله! فالمسلم عندما تضيق به الأمور عليه أن يزور بيوت الله ، وأن ينظر في الدنيا إلى من هو أقل منه؛ لكي لا يستقل نعمة الله عليه.
стр. 512
من صفات أهل الجنة الخشية من الله
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الرعد:٢١]، وقد عرفنا خشية الله قبل ذلك، وهي ألا يجدك حيث نهاك، ولا يفتقدك حيث أمرك، أمرك بالتواجد في أماكن الطاعة، ونهاك أن تتواجد في أماكن المعصية، إذاً: عندما ينظر إليك فيجدك في مكان الطاعة ولا يجدك في مكان المعصية يحل عليك رضوانه.
وقد تدعى إلى حفلة زواج لقريب لك، لكن هذه الحفلة قد استدعيت إليها راقصة وفرقة غنائية، فهل تجيب هذه الدعوة وقد اشتلمت على ما يغضب الله، مع العلم أنك إذا لم تذهب للحضور سيغضب منك صاحب الحفلة؟ والجواب أنه يحرم الذهاب؛ لأن الله قد ينظر إليك في مكان المعصية فيغضب عليك، وربما نزل عليك ملك الموت في هذه الحالة فتكون ممن ختم له بسوء الخاتمة! إذاً: هنا هم يخشون ولذلك ذكر من السبعة الذي يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين)، اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين!
стр. 513
من صفات أهل الجنة الخوف من سوء الحساب
قال تعالى: ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٢١] يعني: سوء الحساب ما يقع في المحشر كأن تخف الموازين أو يطرد عن الحوض أو لا يظله الله في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، أو لا يحشر في زمن الصالحين إلخ.
فهو يقول: أنا خائف من سوء الحساب وأخاف من الله أن يخرج لي الأعمال السيئة التي عملتها، فنسأل الله أن يختم لنا ولكم بخير، وأن يجيرنا وإياكم من سوء الحساب.
стр. 514
من صفات أهل الجنة الصبر
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [الرعد:٢٢] كأن تصبر على زوجتك تبتغي بذلك وجه الله؛ لأن أثقل ما يوضع في ميزان العبد يوم القيامة جرعة غيظ تجرعها المؤمن وهو قادر على إنفاذها، يقول النبي ﷺ : (ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب).
يحكى أن أحد المريدين دعا شيخه إلى بيته فأجابه، ففرح المريد وأعد له طعاماً فجاءت الدجاجة فقفزت على الطعام فصرفوها عنه، ثم إن الشيخ دعا المريد إلى بيته، وعندما ذهب المريد إلى بيت الشيخ ذهب وفي قلبه للشيخ هيبة وإجلال، وبينما هو جالس في بيت الشيخ ينتظر الطعام إذا به يسمع زوجة الشيخ ترفع صوتها عليه وتكلمه كلاماً لا يتناسب مع مقامه وتغضب عليه وهو صابر، فاستنكر المريد وعظم ذلك عليه، إذ كيف تهين المرأة الشيخ الذي يجله الناس ويكرمونه ويتبعونه.
ودخل عليه الشيخ فوجد وجهه متغيراً فعرف ما في نفسه فقال له: يا بني، لقد كنا عندكم الجمعة الماضية فقفزت الدجاجة إلى وسط الطعام فماذا صنعنا بها؟ قال: لا شيء.
قال: فإني أنزلت زوجتي منزلة الدجاجة! وهذا هو الصبر الحقيقي.
جلس الحسن البصري ﵀ وسط المريدين، وكان أهل العراق يحبونه، فأحد الحاضرين جاء وداس على رجل الحسن، والحسن البصري يبتسم، ثم قال لهم: إن أحدكم إذا ضرب رجله في حجر؛ فسقط على وجهه فهل يضرب الحجر؟ قالوا له: لا، قال لهم: فأنا أنزلته منزلة الحجر! انتهت القضية بسهولة، فأنت تصبر ابتغاء مرضاة الله إذا آذاك أحد لأن الصبر يشعرك بأمرين: أنك انتصرت على نفسك وعلى الشيطان، وأخذت ثواباً لا يعلمه إلا الله، اللهم اجعلنا من الصابرين يا رب!
стр. 515
من صفات أهل الجنة إقامة الصلاة
قال تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [الرعد:٢٢].
أي: صلوا كما يجب وينبغي: ﴿وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ [الرعد:٢٢].
سراً: الصدقة.
وعلانية: الزكاة، كما قال أهل العلم.
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد:٢٢] كان الإمام الشافعي ﵀ إذا اغتابه أحد يبحث عنه، حتى إذا وجده قال له: بلغنا أنك أعطيتني هدية بالأمس -فمسى الغيبة هدية؛ لأن المغتاب يهدي حسنات للغير-، فـ الشافعي ﵁ يقول: أهديتنا من أمور الآخرة ونحن نهديك من حطام الدنيا، خذ هذه الهداية.
ولذلك كان سيدنا الحبيب ﷺ قاعداً مع السيدة عائشة فقال لها: (يا عائش أعلم متى تكوني عني راضية ومتى تكوني علي غضبانة)، السيدة عائشة عندما كانت تغضب من الرسول ﷺ لا تكشر في وجهه، ولا بتغير وجهها، قالت عائشة: (وكيف تعرف ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا كنت راضية تقولين: لا ورب محمد، وعندما تكونين غاضبة تقولين: لا ورب إبراهيم)، مع أنه رب واحد وقسم واحد! (تقول: يا رسول الله! والله لا أهجرك إلا اسمك، ولكنك في قلبي).
انظر الأدب والتعامل مع النبي ﷺ ! لما كان السيدة حفصة تعرف أن عائشة تتضايق من أكل الحزير -العصيدة- تصنع حزيراً وهي تعرف أن الرسول ﷺ عند عائشة ثم ترسل له إلى الرسول ليأكل منه، فالسيدة عائشة ﵂ أخذت الصحفة يوماً وكسرتها فجعل الرسول يصلح الصحفة ويقول: (غارت أمكم! غارت أمكم) ويصبر ﷺ ابتغاء مرضاة الله.
الإمام أبو حنيفة ﵁ عندما كان يؤذيه أحد الناس كان يقول: يا فلان! أبيت إلا أن تعصي الله فينا ونحن نأبى إلا أن نطيع الله فيك.
يعني: أنت عزمت إلا أن تعصي الله فينا، ونحن عازمون أن نطيع ربنا فيك ﴿وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [الرعد:٢٢]، عقبى الدار والله إنها جنات عدن، وقلنا: عدن الإنسان في المكان أي: أقام فيه ولم يبرحه قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد:٢٣] يدخلون عليهم من كل باب بالهدايا تخيل أنت عندما يؤتى لك بهدية من واحد صاحب قدر وقيمة، فما بالك بالهدايا من رب الهدايا؟! ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤]، وأنت في الجنة لا تسمع إلا هذا الكلام ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦]، أي: السلامة من كل شيء، فلا يوجد مرض، ولا أذى، ولا حزن، ولا خوف، ولا أحد ينكد عليك.
стр. 516
ذكر أهل الجنة في سورة ص
يذكر الله طائفة من الصالحين يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [ص:٤٥].
بدأ بأبي الأنبياء عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، يقولون: إنه بنى أعظم بناء في التاريخ، وهي الكعبة، فالآمر ببنائها هو الرب الجليل، والمبلغ والمساعد هو الأمين جبريل، والمنفذ لما أمر هو إبراهيم الخليل، والذي يساعده هو الصديق إسماعيل، قال له: كيف أبنيها يا رب؟! فأرسل الله سحابة فظللت ما تحتها، فقال الله له: على حدود ظل السحابة ارفع القواعد من البيت، فرفع القواعد سيدنا إبراهيم، وقال الله فيه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٧]، فماذا وفى؟ قدم جسده للنيران، وابنه للقربان، وطعامه للضيفان، دائماً كان سيدنا إبراهيم لا يأكل إلا إذا أتى ضيف، يخرج عبيده ليأتوا بالضيفان، والشاعر العربي يقول: وإني لعبد الضيف مادام ثاوياً وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا يعني: عندما يحل عنده الضيف يكون هو عبداً للضيف، وليس فيه من صفات العبد إلا هذه الصفة! ولذلك الكريم قريب من الله، وقريب من الجنة، وقريب من الناس، وبعيد عن النار، والبخيل بعيد عن الله، وبعيد عن الجنة، وبعيد عن الناس، وقريب من النار، اللهم اجعلنا من أهل الكرم يا رب! فسيدنا إبراهيم مشهور في التاريخ بالكرم، وعندما كان يأكل لم يكن ينظر إلى الذي أمامه، هكذا كانت شريعته، ولم يكن يتكلم على الأكل، والسنة عندنا أن تكلم على الأكل: (تحدثوا على الطعام ولو بثمن الطعام) فلابد من الكلام على الأكل، ألست تعلم ابنك فتقول: عيب يا ولد انتبه تسقط الأكل؟! فالسنة أن نتحدث على الطعام من أجل أن نؤنس الضيف، ولو كنت سريع الأكل يا صاحب البيت فكل ببطء من أجل ألا يحرج الضيف، ولا تقل له: إنني آكل سريعاً كل براحتك! كيف سيأكل براحته مادام أنه يأكل بسرعة، كن أنت آخر من يقوم.
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [ص:٤٥] الأبصار هنا ليس معناها البصر المعروف، فقوله: ((أُوْلِي الأَيْدِي)) يعني: الكرام، ((وَالأَبْصَارِ)) جمع بصيرة والمراد: البصائر ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص:٤٦] أي: عندما تذكر اسم سيدنا إبراهيم تقول: ﵇، وهكذا سيدنا يعقوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وسيدنا إسحاق وهكذا فكل هذه نعمة من الله .
قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ﴾ [ص:٤٧].
ثم قال الله: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ [ص:٤٩] أي: هذا ذكر حسن، ولكن عندما تذكر قارون تقول: أعوذ بالله! قال تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص:٤٩] يعني: الذكر الحسن في الدنيا، أما في الآخرة فإن للمتقين لحسن مآب.
قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ﴾ [ص:٥٠]، وهناك فرق بين (مفتحة) و (مفتوحة)، فالمفتوحة هي التي تفتحها بمفتاح أو بالدفع فيكون الفتح بفعل فاعل، لكن لفظ (مفتحة) أي: بالأمر، يعني: الله أمر أبواب الجنة أن تفتح، ففتحت؛ ولذلك لا تفتح أبواب الجنة لأحد قبل رسول الله ﷺ ، فرضوان واقف على باب الجنة، ونبينا هو أول من سيفتح له باب الجنة: (أول من يقعقع حلقتها نبيكم ولا فخر، فأجد امرأة تريد أن تسبقني إليها، فأقول: من أنت يا أمة الله؟ قالت: أنا امرأة مات زوجها وترك لها يتامى، فقعدت عليهم فربتهم، فيأخذ الرسول بيدها إلى الجنة).
قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ [ص:٥١] الاتكاء نعمة من النعم، وليس مثل أن تتكئ في بيتك من كثرة الألم، بل الاتكاء هناك ﴿عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن:٥٤] أي: حشوها من الداخل حرير، فكيف تكون من خارجها؟ ألست أنت محروماً من هذه الأشياء في الدنيا؟ سيعوضك الله إياها في الآخرة، ولكن اصبر! قال تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص:٥١ - ٥٢] يعني: ليست صاحبة عيون جريئة، بل ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [ص:٥٢] أي: قصرت نظرها إلى زوجها، ومن النعمة أن تكون مطمئن القلب أن امرأتك لا تنظر إلا إليك فقط، يعني: في زمن جدتي وجدتك لم يكن عند المرأة إلا زوجها في الدنيا، ولكن الموظفة اليوم تقارن بين الأستاذ درويش الذي بجانبها وهو مسرح شعره وشكله كيف يكون؟! والكرفتا كيف هي؟! والملاية التي عليه هل هي من الكساء الشعبي؟ وتقارن كيف شكله أمام زوجها، وهذا صحيح ووراد، لكن قاصرة الطَّرْفِ لم تكن تخرج؛ لذلك مدح الله البنتين اللتين رآهما سيدنا موسى حيث حصل له ذعر عندما نظرهما، وقال: ﴿مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣] ثم قال: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ [القصص:٢٤].
ثم بعد ذلك قال: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص:٢٥] أنا أريد أن يعلم هذا الحياء في المدارس، نريد من مدرسي التربية الدينية واللغة والعربية في المدارس وبالذات في مدارس البنات أن يعلموهن ما معنى المشي على استحياء، قال سيدنا عمر: (غير ولاجة ولا خراجة)، يعني: أنها لا يعرفها الناس بسبب قلة خروجها من بيتها إلى الشارع فليست داخلة خارجة كل يوم، وليس هناك اجتماع بعد الظهر، وجمعية عمومية، وداخلة في النقابة.
قال تعالى: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص:٥٢] يعني: في سن واحدة، والترب هو الند والمشابه والمثيل، يعني: من أجل ألا يقول أحد لأحد في الجنة: زوجتي أحسن من زوجتك.
قال تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ * إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص:٥٣ - ٥٤] فهذه نعم عظيمة!
стр. 517
أقسام الناس في سورة الواقعة
وهذه سورة الواقعة كلها تتحدث عن الدارة الآخرة قال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة:١ - ٣] أي: خافضة لأهل الكبر، ورافعة لأهل التواضع، خافضة لأهل الفسق، ورافعة لأهل الإيمان، خافضة لأهل الانحراف، ورافعة لأهل الاستقامة.
ثم بعد ذلك قال: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة:٤] ها هي مشاهد يوم القيامة! ﴿إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا﴾ الأرض ترج كما ترج زجاجة الدواء قبل أن تستخدمه، يقول لك: رج الزجاجة رجاً جيداً، هذا هو المعنى، الأرض ترتج بما فيها وما عليها! قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة:١] فهو زلزال حقيقي! قال تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة:٤ - ٥] البسيس: هو الدقيق مع قليل من الماء أو التراب مع الرمل يسميه العرب بسة، إذاً: هذه الجبال تكون كالتراب الذي وضع عليه كأس من الماء، فكيف يكون الشكل؟! قال تعالى: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة:٦] (هباء) أي: متناثراً! ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة:٧] قسمنا ربنا في سورة الواقعة إلى ثلاثة أقسام قال تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة:٨] اللهم اجعلنا منهم يا رب! ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة:٩] والعياذ بالله! ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١٤].
إذاً: الأقسام ثلاثة: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون.
سيدنا الحسن البصري ﵀ ربيب أم سلمة عندما كان يقرأ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١٠] يقول: يا رب! لقد ذهب السابقون فاجعلنا من أهل اليمين.
أي يقول: إن السابقين قد ذهبوا مع سيدنا رسول الله، ومنهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبو ذر وخالد وأبو عبيدة وعمار وبلال كل هؤلاء هم السابقون.
وأصحاب الميمنة هم: كل إنسان يذنب فيتوب، ويواظب على توبته، فهو من أصحاب الميمنة يقول ﷺ : (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بأناس يخطئون، فيستغفرون فيغفر الله لهم)، فكيف وهو الغفور الرحيم؟! إذاً: لابد أن يخطئ العبد منا، لكن المهم أن خير الخطائين التوابون.
قال تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة:٨ - ٩] وهم أهل النار.
стр. 518
ما أعد الله للسابقين من نعيم
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١١] أي: المقربون في الدنيا من الكتاب والسنة، ومقربون في الآخرة من الله ومن رسول الله.
قال تعالى: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ﴾ [الواقعة:١٢ - ١٣]، أي: مجموعة ضخمة من أوائل الصحابة: ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٤]، يعني: في آخر الأمة.
أول أهل الجنة دخولاً بعد رسول الله هم أمة الحبيب المصطفى، فنحن آخر الأمم وأول الأمم دخولاً إلى الجنة، حتى يقول رضوان: والله ما أمرت أن أفتح لأحد إلا لأتباع محمد، ثم لمن بعدهم، اللهم اجعلنا من أتباع محمد يا رب! قال تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ [الواقعة:١٣ - ١٥] أي: مدثرة بحرير مغلف بماء الذهب! قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ [الواقعة:١٦] يا أخي! هذا التقابل نعمة من النعم، لابد أن أرى وجهك وأنت تتكلم، كان النبي ﷺ إذا تحدث للصحابة أعطاهم وجهه، وأعطى كل واحد وجهه، حتى يظن كل جالس أن الرسول لا يهتم إلا به، انظر إلى أدب الحديث! وكأن الذي هو جالس يقول في نفسه: كأن الرسول ليس مهتماً بأحد غيري.
قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة:١٦ - ١٧] الذين هم أولاد المسلمين الذين ماتوا صغاراً، وصبر عليهم آباؤهم، هؤلاء هم خدم أهل الجنة، مخلدون لا يموتون أبداً.
قال تعالى: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ [الواقعة:١٨] قلنا: إن الكوب الذي ليس له ممسك في الوسط، والإبريق: الشيء الذي له أذن وخرطوم يخرج منه الماء وغيره.
قال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة:١٧ - ١٨] العرب لا تقول كلمة (كأس) إلا عند أن تكون مليئة بالخمر، ولكن خمر الآخرة غير خمر الدنيا، لا يحصل له في رأسه صداع أو سكر، ولا يحصل له أن رأسه يهتز، فخمر الجنة تشربه من كأس فقط؛ ولذلك الذي يشرب الخمر في الدنيا لن يشرب الخمر في الآخرة، بل بالعكس، من أدمن الخمر في الدنيا ولم يتب قال: (سقي من طينة الخبال يوم القيامة في النار، قالوا: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: عصارة أهل جهنم وحيضهم وصديدهم).
قال تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢١] يا رسول الله! كيف يكون شكل هذه الطيور؟ قال: طيور لها أعناق كأعناق البخت، واقفة أمام العبد وشكلها جميل، ويخطر ببال العبد أنه يريد طيراً جميلاً مشوياً؛ فينزل الطير مباشرة في الطبق مشوياً، تقول: لو أنه كان محشياً؛ فينزل محشياً مثلما تريد، كل هذا سوف تلقاه، إذاً بالله عليك اصبر على طاعة الله، وواظب على دروس العلم.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة.
اللهم اجعل الجنة مآلنا اللهم اجعل الجنة مآلنا اللهم اجعل الجنة مآلنا اللهم أدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب اللهم أدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب اللهم أدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب.
اللهم اختم لنا منك بخاتمة السعادة أجمعين اللهم ارزقنا قبل الموت توبة وهداية، ولحظة الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً.
أكرمنا يا رب ولا تهنا أعطنا ولا تحرمنا زدنا ولا تنقصنا كن لنا ولا تكن علينا آثرنا ولا تؤثر علينا انصرنا ولا تنصر علينا.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
اللهم اجعل قبورنا روضة من رياض الجنة، ولا تجعلها حفرة من حفر النار، اللهم أظلنا بظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، اللهم ثبت أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام واسقنا من حوض الكوثر شربة لا نظمأ بعدها أبداً، وزحزحنا عن النار وما قرب إليها من قول أو عمل وقربنا من الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل واختم لنا منك بخاتمة السعادة أجمعين.
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم يا رب تسليماً كثيراً.
стр. 519
الأسئلة
стр. 520
كيفية توبة من ارتكب الذنوب والمعاصي
السؤال
شخص ارتكب كثيراً من الفواحش ويريد أن يتوب الله عليه؟
الجواب
الله يغفر كل الذنوب إلا الشرك به ، طالما أيقنت أنك قد أخطأت في حق الله، وتجرأت على الله في حدوده، وتبت وندمت، وأكثرت من الحسنات، فإن الله يقبل التوبة.
стр. 521
شؤم معصية العاق لوالديه
السؤال
أرجو النصيحة لإخوة زوجي، حيث يسبون أمهم ويضربونها وقد نصحتهم في ذلك ولم يمتنعوا؟
الجواب
أولاً: من نظر إلى أبيه أو إلى أمه نظرة فيها كبر أو سخرية أو استهزاء، أمسكت الملائكة عرش الرحمة خشية أن يسقط من غضب الجبار سبحانه، واحذر أن تزوج ابنتك من عاق والديه، اسأل عن خطيب ابنتك فإذا عرفت أنه عاق لوالديه فلا تزوجه ابنتك؛ لأن هذا إنسان لن يبارك الله له في حياته، فبالتالي لن يبارك لابنتك، فنسأل الله الهداية لكل من لا يتقي الله .
стр. 522
حكم من أقسم على زوجته بالطلاق ثلاث مرات
السؤال
رجل أقسم على ابنته الراسبة دراسياً بالطلاق ألا تذهب إلى المدرسة مرة أخرى، ولكن عند بداية العام الدراسي تركها تذهب، ثم تكرر ذلك في العام الذي يليه، وأقسم مرة أخرى، ثم تركها تذهب، وبعد ذلك تقدم لها شخص يريد زواجها، فحدثت بعض المشاكل فأقسم بالطلاق ألا تتزوجه، والآن يريد هذا الشخص أن يرجع مرة أخرى ويلح في السؤال، هل تكون الزوجة طالقاً؟
الجواب
الزوجة طالق، يقول النبي ﷺ : (ثلاث جدهن جدن وهزلهن جد) يعني: لم تجد في قسمك إلا الحلف بالطلاق، فمن أقسم بالطلاق فزوجته طالق، ويحرم أن تعيش معه، ولا يصح أن تعيش معه، ولا ينفع المحلل، قال ﷺ : (لعن الله المحلل والمحلل له).
стр. 523
حكم من ساعد امرأة على الإجهاض من الزنا
السؤال
ساعدت بنتاً من الجيران في الإجهاض من الزنا بالمال، هل أنا مشترك معها؟
الجواب
الدال على الخير كفاعله، والدال على الشر كفاعله، عند أن تأتي لك مشكلة مثل هذه فلا تتعاون معهم، قل لا أعرف؛ لأنه احتمال أن تكون قد سترت شيئاً الله لم يكن يريد ستره، لا تعرض نفسك لهذا الموقف، إن الإخوة الأطباء والأخوات الطبيبات يأتون فيسألوننا، يقولون: امرأة أتت بابنتها وتقول: يا دكتور! استر علي ربنا يستر عليك بنتي وهكذا سبحان الله، فالحقيقة نقول لهم: كأنك ما رأيت، لماذا تريد أن تضع نفسك في هذه المشكلة؟!
стр. 524
حكم إهداء هدية لشخص مقابل توفير فرصة عمل
السؤال
أنا لا أعمل وأمامي فرصة عمل بشرط أن أعطي للرجل الذي سيوفر لي فرصة العمل هدية قيمة، فهل تعتبر رشوة؟
الجواب
هذه رشوة، فهي رشوة من وقت ما تعامل في هذا العمل حتى تبدأ العمل، وما أقيم على الباطل فهو باطل، وما أقيم على الحرام فهو حرام، رزقنا الله وإياكم من الحلال.
وجزاكم الله خيراً.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 525
سلسلة الدار الآخرة_الجنة وآخر منازلها
الحديث عن الدار الآخرة -وخصوصاً عن الجنة- حديث ذو شجون، فإن الجنة هي الغاية الأسمى والأمنية العليا والمبتغى الأرفع لكل مسلم موحد، فيها ما لم تره عين، وما لم تسمعه أذن، وما لم يخطر ببال رجل من قبل، فيا فوز كل من وفقه الله لدخولها، وجعله من السائرين على الطريق الموصل إليها، ويا ندامة من مشى في طريق غير طريقها.
стр. 526
أهمية الحديث عن الجنة والآخرة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً رسول الله، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد فهذه بمشيئة الله هي الحلقة الثانية والثلاثون في سلسلة حديثنا عن الدار الآخرة أو عن الموت وما بعده، وهي الحلقة الحادية عشرة في الحديث عن الجنة.
اللهم! اجعل الجنة مآلنا، ومصيرنا، ومكاننا يا رب العالمين، بدون سابقة عذاب.
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، واجعل اللهم جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل بيننا شقياً ولا محروماً.
اللهم تب على كل عاصٍ واهد كل ضال، واشف كل مريض، واشرح صدر كل ذي صدر ضيق، وارحم أمواتنا، وأموات المسلمين.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم من أراد بمسلم كيداً فاجعل كيده في نحره، وأوقع الكافرين بالكافرين، وأوقع الظالمين في الظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين.
اللهم إن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك معافين غير فاتنين ولا مفتونين، وغير خزايا ولا ندامى ولا مبدلين.
اجعل هذه الجلسات خالصة لوجهك الكريم، ثقل بها موازيننا يوم القيامة.
اللهم أظلنا في ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، اللهم أبعدنا عن النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وثبت أقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام، واسقنا من حوض الكوثر شربة لا نظمأ بعدها أبداً.
اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، واختم لنا منك بخاتمة السعادة أجمعين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
إن الحديث عن الجنة يشرح الصدور الضيقة، وصدورنا تضيق بالدنيا وما فيها ومن فيها، ومن لم يحزن على نفسه فليحزن على دين الله الذي يُستهزأ به عند الكبير وعند الصغير.
فالمسلم يغار على دين الله، والمؤمن القوي هو الذي يغار عندما يرى حرمة من حرمات الله تنتهك، ويحدث في قلبه ثورة، وما عليه عند ذلك إلا أن يحسن المعاملة بينه وبين ربه، وأن يدعو الله مخلصاً له الدين، ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]، بقلب تقي نقي، من الشيطان بريء، ولله ولي، نسأل الله أن ينصر الإسلام وأن يعز المسلمين، وأن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
قلنا من قبل ونكرر كلام الحبيب المصطفى ﷺ : (عجبت للجنة كيف نام طالبها، وعجبت للنار كيف نام هاربها)، فمن يريد الجنة قد نام، ومن يهرب من النار قد نام، مع أن الإنسان لو طلب شيئاً لحث في سبيل الوصول إلى هذا الشيء، ولو خاف من شيء لرفع المحاذير أمامه كي لا يقع ولا يتورط في هذا الشيء، على سبيل المثال: لكي تصل بابنك إلى بر السلامة لغرض المؤهل فإنك تتعب من أجله، وتقوم بتدريسه دروساً خصوصية، وتأتي له بمدرسين جيدين، وتختار له المدرسة الجيدة، وتظل تواصل الليل بالنهار حتى يكبر الابن ويتخرج ويصبح في يده عمل يستطيع أن يأكل منه لقمة العيش، وفي المقابل تحمي نفسك، وابنك، وزوجتك عن كل سوء قد يقع فيه، فهناك محاذير تضعها نصب عينيك لكي لا تقع في المحظور، فهل يا ترى في مسألة الجنة والنار نصنع هذا؟ هل المسلم يصنع ما يرضي الله عنه حتى يدخل الجنة، ويبعد عن كل ما يغضب الله حتى يبتعد أيضاً عن النار؛ لأننا قلنا: إن الله لن يدخل أحداً الجنة بعمله ولكن دخول الجنة برحمة الله ، فكلنا تحت عنوان: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:١٤٩].
стр. 527
الحث على إطابة المطعم
فالمسألة كلها مسألة رحمة؛ لأن ربنا لو يحاسبنا على الذنوب التي نعملها فنحن لسنا بجيدين حقيقة، سواء الكبير منا أو الصغير أو الرجال أو النساء أو المدعي الإيمان أو غيره، كلنا أعمالنا عندما تزنها بميزان الشرع تجد أن معظم الوقت الذي سيحاسبنا ربنا عليه ضائع فيما لا يرضي الله ، فأغلب الناس وقته ضائع في لقمة العيش، ولقمة العيش أكثر ما تحصل في زماننا تحصل بالشبهات، نسأل الله السلامة لنا ولكم وللمسلمين، فإن لقمة العيش تحصل بوسائل غريبة.
والناس صارت لا تستحي من الله فلو كان عنده حياء من الله لم يكن ليأخذ منك خمسة جنيهات كي يمشي لك المصلحة، وما كان لأصحاب المهن الذي يأتي ليصلح لك الآلة ألّا يقوم بإصلاحها بشكل تام لكي تستدعيه مرة ثانية، وهذا كله مال حرام، والأموال الحرام لا تُصرف إلا في الحرام، فإنه لا يوجد مال يؤخذ بالحرام فيُصرف بالحلال.
وإن أنفقها في حلال كانت زاده إلى النار يوم القيامة، فقليل من يحصل اليوم على مال ويتحرى مصدره، وعلى سبيل المثال: استخدام تلفون المصلحة من قبل الموظفين فيتصل للبيت ولخالته ولعمته، ولو كان التلفون فيه اشتراك دولي وإلا اشتراك محلي فإنه يتصل بعمته في أسيوط، وبخالته في الإسكندرية، وبأخيه الذي في الكويت، وابن أخته التي في أمريكا وكل هذا على حساب المصلحة، وفي يوم القيامة يقال: من أخذ من حق أخيه دانقاً -والدانق جزء من الدرهم كالفلس أو المليم- أي أنك لا تستطيع أن تشتري به شيئاً.
من أخذ من أخيه دانقاً بغير وجه حق لكن هذا الدانق لا يُعلم كم من الحسنات سيأخذ، فهل تكون بمقدار الحسنات الناتجة عن قول: سبحان الله، أم أنه يساوي سبعمائة صلاة مكتوبة مقبولة، فلا يتهاون الإنسان في حقوق العباد، قال ﵊ في الحديث القدسي: إن الله يقول يوم القيامة: (يا عبادي! ما بيني وبينكم قد غفرته لكم فتغافروا)، وفي رواية الإمام الترمذي قال: (فتصالحوا).
وإن الإنسان لن يرفض حسنة تأتيه يوم القيامة، وخصوصاً إذا كان ذاهباً إلى النار والعياذ بالله، فإذا كان يذهب إلى النار وقيل له: إن فلاناً من الناس عليه لك مئات أو ملايين من الحسنات فإنه سيأخذ ذلك.
فإن الإنسان يوم القيامة يهرب من ابنه ومن زوجته ومن صديقه ومن جاره ومن أبيه ومن أمه، وتقول الأم مذكرة ابنها: يا بني! كانت بطني لك وعاء، وصدري لك سقاء، وحجري لك وطاء، هل من حسنة عندك تنفعني في مثل هذا اليوم؟ فيقول: يا أماه! أنا لا أنكر شيئاً من ذلك، ولكني أشكو مما تشكين منه، أوَ ليس عندك أنت من حسنة؟ فالأمومة في مثل هذا الموقف والبنوة انتهت، والأب يقول للابن: أعطني، فيقول الابن: أعطني أنت يا أبي! أتذكر كم كنت شفيقاً عليك، وباراً بك، وقد خدمتك لغاية ما مت، فيقول له: يا بني! أنا لم أنسَ ولكني أشكو مما تشكو أنت منه، أليس عندك أنت من حسنة؟ يوم يقول فيه عيسى: يا رب! لا أسألك عن مريم بنت عمران وإنما نفسي نفسي، سيدنا إبراهيم الخليل، وسيدنا موسى الكليم وهم من أولي العزم وسيدنا موسى آخذ بإحدى قوائم العرش، ودعوة الأنبياء جميعاً والملائكة في ذلك اليوم: يا رب سلم! يا ربِ سلم.
стр. 528
أهمية وضع اليوم الآخر وأهواله نصب العينين
وأقسم بالله! لو أن كل مسلم في مصر وفي غير مصر حاكماً كان أو محكوماً وضع هذا الأمر -وهو اليوم الآخر- نصب عينيه لصلح حال المسلمين؛ لأن الإنسان عندما يضع في ذهنه أن المظالم يوم القيامة لن يدافع أحد عن أحد فيها فلن يأكل أحد حق أحد.
فـ أبو بكر لم تحتمل بطنه -التي لا تتعود إلا على الحلال- جرعة لبن شك في مصدرها، فبعد ما شرب قال له خادمه: يا خليفة رسول الله! ألا تسألني من أين أتيت به؟ فسأله عن ذلك فقال: تكهنت لقوم في الجاهلية، أي: كنت أعمل كعراف يقرأ الحظ أو كعبقري الفلك أو شيئاً من هذا القبيل فلما مررت عليهم وكان عندهم عرس أعطوني قليلاً من اللبن، فوضع أبو بكر أصبعه في فمه فتقيأ ما شرب ثم نظر إلى السماء وقال: اللهم إني أعتذر إليك مما علق باللحم والعروق.
فكيف الحال بمن يأخذ مال أخته، أو يغتصب أرض أخيه، فيجب أن يُسمع مثل هذا الكلام بأذن القلب لا بأذن الرأس، ويجب أن ينفتح القلب لمثل هذا الكلام.
والله! لو أدرك المسلمون مسألة هول المطلع يوم القيامة لصلح حالهم كما قال سلمان الفارسي ﵁: ثلاث أحزنتني حتى أبكتني: فراق الأحبة محمد ﵊ وحزبه، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الله .
ويروى أن عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ﵁ عندما يرى امرأته قد أشعلت النار يقرب إصبعه من النار ويقول: يا ابن الخطاب! ألك صبر على مثل هذا؟ ويبكي حتى تظن زوجته أنه لن يسكت.
والإنسان الذي يدمن شرب الدخان قد يشعر بالحرارة على أصبعه أفلا يتذكر مثل هذا الشخص دخان النار يوم القيامة؟! فالنار أمام فيه ولو نسي نفسه بالكلام ستحرق السيجارة يديه، فهو بذلك يحرق جسمه ويحرق فلوسه ويحرق صحته ويحرق نعمة الله ، ويدعي أن الشيخ يقول: إنها مكروهة، وهذا خطأ فادح فهي حرام؛ لأن أصل التدخين يلوث الأخلاق ويلوث هواء البيئة الخلقي، فضلاً عن تلويث الهواء النقي على الآخرين، وبعضهم يقول: إن التدخين حرام لكن الشيشة ليست حراماً؛ لأن الشيخ الفلاني أفتى بذلك، فيقتطع ما أعجبه من الفتوى.
ومن الغريب أن نجد في أوساط المسلمين أعداداً كثيرة ممن يدعون الفقه ويتصدرون الفتوى وهم لا يجيدون ولا يتقنون ما يتكلمون فيه، فإن الإنسان -لا قدر الله- إذا أراد أن يؤلف قطعة موسيقى فإنه لا يستطيع إلا إذا أتقن فن الموسيقى، وكذلك في اللعب وفي غيرها.
فالعبد لو وضع الآخرة نصب عينيه لما ظلم الظالم ولما ارتشى المرتشي، ولما اختلس المختلس، ولما كذب الكذاب، فالكذاب يكذب لأنه ظن أن ربنا ما سمعه، والعبد يعصي لأنه يظن أن الله لا يراه، وهذا بسبب انعدام المراقبة التي كانت موجودة في قلوب الصحابة ومنهم أبو بكر الذي سئل: كيف خوفك من الله؟ قال: ما خطوت خطوة إلا ورأيت الله أمامي، وكان ﵁ لا يتحلل من ثيابه بمفرده في الحجرة، فسئل: لماذا تفعل هذا يا خليفة رسول الله؟! قال: أستحي إن ربي معي.
وبهذا تحقق معنى الإحسان الذي هو: (أن تعبد الله كأنك تراك فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، والمصيبة أن يحفظ الإنسان هذا الكلام دون العمل به.
وقد يهتم الناس بالمظاهر فلا يراقبون الله، ومثال ذلك: إذا جاء ولد صغير مع أبيه فإن الناس يمدحون الولد ويمسحون رأسه، بينما لو جاء ولد فدخل الصف الأول ووالده لم يكن معه فإنه سيُنهر ويُزجر.
وكذلك قد يأتي صاحب سيارة أجرة يريد البنزين فيصادف أن يكون العامل مشغولاً، فلا يُجيب صاحب السيارة، وإن أتى صاحب سيارة فخمة فإن العامل سينتفض من عمله ويرحب فيه، وهذا بسبب التلوث الأخلاقي الذي أصابنا، فنحن لا نعاني من تلوث في الهواء فإن هذا قد حمانا الله من عواقبه بأن منحنا مناعات قوية، لكننا نعاني من تلوث خلقي نسأل الله أن يعافينا.
رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده مال ومن لا عنده مال فعنه الناس قد مالوا رأيت الناس منفضة إلى من عنده فضة ومن لا عنده فضة فعنه الناس منفضة رأيت الناس قد ذهبوا إلى من عنده ذهب ومن لا عنده ذهب فعنه الناس قد ذهبوا يجب أن نضع الدار الآخرة نصب أعيننا، ونضع مسألة مظالم العباد نصب أعيننا، ويجب على الإنسان أن يذكر نفسه بهول المطلع والوقوف بين يدي الله بين الآونة والأخرى، ويوم ينادي المنادي: تعال هذا فلان ابن فلان من كان له عنده مظلمة فليأتِ يأخذها منه، سواءًَ كانت هذه المظلمة غيبة أو نميمة أو غيرها، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته فإذا انتهت حسناته يؤخذ من سيئات المظلومين وتوضع على سيئات الظالم، وهذا هو المفلس الذي أخبر الرسول ﷺ عنه، ثم يطرح على وجهه في النار والعياذ بالله رب العالمين.
فلهذا يجب أن ينتبه الإنسان فقد يتقبل الله منه في الدنيا عملاً عمله كالصلاة مثلاً فهو يصليها بإتقان وبخشوع وفي جماعة ويحاول ألا يسهو ويبكي فيتقبلها الله، وتكتب في ميزان حسناته، فيأتي شخص يأخذ أجرها بسبب أنه ظلمه، فإن المظلوم يبحث عن الحسنة الخالصة للظالم، وعندما يأخذ حسناتك المظلومون فإنك تصبح مفلساً، فالمسألة تريد مراجعة، فليس المقصود من هذه الحلقات مجرد الاستماع فقط وإنما العمل مطلوب.
نسأل الله أن يكون هذا العلم لنا لا علينا.
стр. 529
أقسام الناس يوم القيامة حسب تقسيم سورة الواقعة
стр. 530
السابقون الأولون
كنا قد توقفنا في الحديث عن الجنة في سورة الواقعة عند كلام الله عن السابقين وعن المقربين، وقد قسمت السورة الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أقسام، وقلنا: إن السابقين كصحابة رسول الله ﷺ كانوا يسيرون على الأرض ولكن قلوبهم معلقة بالله وبالدار الآخرة، فهم مثلنا يأكلون ويشربون ويبتسمون لكن قلوبهم مع الله، ثم جاء من بعدهم جيل وهو جيل التابعين وتابعي التابعين، اللهم احشرنا في زمرة الصالحين يا رب العالمين! وبسبب التباعد عن عصر النبوة تغيرت بعض الأمور، فقد قال سيدنا علي ﵁ في سنة ستة وثلاثين هجرية: كان الرجل يأتي -أي في أيام سيدنا رسول الله- فيدخل إلى السوق فيقول: من أعامل؟ فيقال له: عامل من شئت.
وهذا يدل على أن كل التجار في السوق يتصفون بالأمانة! ثم جاء زمن فيسأل الرجل: من أعامل؟ فيقال: عامل من شئت إلا فلاناً وفلاناً! والبعض قد يقول لك: هذه غيبة، وهذا خطأ ففرق بين الغيبة والنصيحة فعندما أراك تمشي مع واحد ليس بجيد فليس لي أن أسكت، بل من الواجب أن أنصحك، (الدين النصيحة)، فإذاً: هذه ليست غيبة.
فالسوق كله فيه مئات التجار الصالحين ولكن فيهم من هو ليس كذلك، ثم جاء زمن فيسأل الرجل: من أعامل؟ فيقال له: لا تعامل أحداً إلا فلاناً أو فلاناً! فصار معظم تجار السوق من السيئين، هذا سيدنا علي في سنة ستة وثلاثين هجرية فكيف لو جاء سنة ١٤١٢هـ فماذا سيقول؟! وأبو حنيفة رضي الله عليه كان أكبر تاجر حرير في أرض العراق، عندما باع ابن أخيه ثوباً بأكثر من ثمنه، فرجع أبو حنيفة من الصلاة فلقي الرجل معه الثوب الذي اشتراه من ابن أخيه فقال له: من أين هذا؟ قال له: أتيت به من متجر أبي حنيفة -وما يعرف أن الذي يملكه هو أبو حنيفة - قال له: بكم هذا؟ قال له: بأربعمائة، فقال أبو حنيفة: هذا غالٍ فهو لا يساوي إلا مائتين؛ قال هذا لأنه عارف بضاعته، قال: في بلدتنا يساوي ستمائة، فهو الرابح.
فالبعض يقول: ما هي المشلكة، فإنه يذهب في الليل إلى البقال المسكين الذي يشكو نظره ويعطيه جنيهاً شبه ممزق، ويبقى الجنيه السليم في جيبه، وهذا قد آثر نفسه وترك الشر لأخيه، ولن يكمل إيمان أحدنا حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
فذهب أبو حنيفة وقال لابن أخيه: الثوب هذا لا يساوي إلا مائتين، فكيف تبيعه بأربعمائة، فقال: يا عم هو راضٍ وأنا راضٍ، قال: إذا كان هو قد رضي فإن الله لم يرضَ.
ولهذا قال سيدنا الحبيب المصطفى ﷺ -والكلام هذا لإخواننا التجار-: (الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون) والجالب هو الذي يجلب السلعة لكي يبعيها بالحلال فإن ربنا يوسع عليه، والمحتكر هو الذي يسمع خبر الغلاء فيخبئ السلع، سواء كانت دواء أو غيره، فإذا جاء المريض إلى صاحب الصيدلية فإنه يكذب بأن الدواء غير موجود بل وقد يحلف، ولكن عندما يقول له: أنا من طرف فلان من الناس ويخرج البطاقة فإنه يقول: كانت آخر واحدة وسأعطيها لك.
فالمحتكر ملعون ومحتكر السلعة كإبليس مطرود من رحمة الله.
ولذلك نهى النبي ﷺ عن التناجش فقال: (لا تناجشوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض)، والتناجش هو أن يأتي البائع بمن يزيد له في السلعة وهو لا يريد الشراء بغرض أن يزيد في سعر السلعة على المشتري.
فالسابقون وهم جيل صحابة رسول الله ﷺ كانوا رهبان الليل، فرسان النهار ﵃، والواحد منهم تكون الآخرة أمامه دائماً ولا تغيب عنه أبداً.
سيدنا أبو بكر في يوم أن مات نادى عائشة، فقالت: نعم يا أبتي! قال لها: خذي إلى بيت المال الأشياء التي كنت أملكها، فوجدوا عنده زيراً يضع فيه ماء، ورحى يُطحن فيها، وسجادة قديمة من الصوف كان يفرش نصفها ويتغطى هو وزوجته بنصفها، فقال: يا عائشة! عندما أموت قومي بإرجاع هذا لبيت المال لكي أعود إلى الله كما خرجت إلى الدنيا.
وعمر ﵁ يقول وهو ينازع سكرات الموت: وددت أن كنت قد عشت كفافاً لا عليَّ ولا لي ولا ألي أمر المسلمين يوماً واحداً، وكان يمسك تبنة ويقول: ليتني كنت تبنة، ليت أم عمر لم تلد عمر، يا ليتني كنت نسياً منسياً.
وكان سيدنا عثمان ﵁ في حجرته في الدور العلوي وكان يقرأ من أواخر سورة التوبة فدخلوا عليه وهو يقرأ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٨ - ١٢٩]، فقتلوه وسالت دماؤه الزكية على المصحف، وذهب إلى الله شهيداً.
ثم جاء علي كرم الله وجهه في ليلة السابع عشر من رمضان وهو ذاهب يصلي الفجر فطعنه ابن ملجم.
وغيرهم أمثال: عمار بن ياسر وبلال وأبو ذر وعبد الرحمن بن عوف فهؤلاء طبقة السابقين.
следующие страницы →