Полный текст (549 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
من صفات عباد الرحمن كثرة السجود والقيام
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٤].
هذه حالة من حالات الصلاة، كان سيدنا الحبيب إذا استيقظ من الليل يذكر الله، لا يضيع ثانية واحدة، الواحد منا عندما يتقلب يقول: آه آه يا ظهري! يا أخي! يا حبيبي! تتألم حتى في الليل، اجعل الليل لله، قل: لا إله إلا الله، بدلاً من أن تقول: آه! قل: الله، أما: آه فقد تأثم بسببها، اصبر يا أخي، دخل رجل على عبد الله بن عباس يريد أن يعزيه في أبيه العباس، عم الرسول ﷺ ، فقعد الناس يعزون ابن عباس في أبيه، فقال أحدهم: اصبر نكن بك صابرين فإنما صبر الرعية عند صبر الرأس خير من العباس أجرك بعده والله خير منك للعباس يعني: أنت عندما تصبر تأخذ ثواباً يكون أحسن لك من العباس؛ وقوله: (خير من العباس أجرك بعده، والله خير منك للعباس) يعني: ربنا أرحم العباس منك، أنت سوف تحزن عليه سبحان الله، فهكذا المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٤] فلا تضيع وقتك، صل لله، بعض الإخوة أول ما يولد لهم ولد يقولون: نضع له خمسة جنيهات في الشهر حلال بدون فوائد، فيأتي الوقت الذي يتزوج فيه عنده ألفين أو ثلاثة آلاف جنيه على بعض، وهي شيء قليل وضع أولاً بأول سبحان الله! أنت بالله عليك عندما تعمل كل ليلة عشرين حسنة على مدى عشرين سنة، تأتي يوم القيامة ومعك كذا مليون حسنة، لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠] والسيئة بالعكس، قال ﷺ : (من هم بسيئة وحجزه إيمانه عن فعلها كتبت له حسنة)، بعدما هم امتنع مخافة الله، فكتبت له حسنة، مع أنه هم بالسيئة، لكنه رجع فيها عن قصد وعزيمة.
لو أن شخصاً ذهب يشتري زجاجة خمر فلما ذهب وجد المحل مقفلاً، أو وجدوه يغش في الخمر، فرجع، كتب عليه سيئة؛ لأن الأعمال بالنيات، لكن من ذهب يشتري فإذا به يعاتب نفسه قائلاً: بعد هذا السن تصلي وتصوم، وتعرف الله، وتحضر دروس العلم، ثم تشرب بيرة؟ لا، لا أستغفر الله، فهذا يأخذ حسنة، فإذا هم بالحسنة وما عملها كتبت له حسنة، فإن هم بها فعملها كتبت له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، اللهم ضاعف لنا حسناتنا، وتقبلها منا يا رب العالمين! قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٥] وقلنا: إن الدعاء ليس بقول نظري، وإنما لا بد أن نحول هذا الدعاء إلى عمل.
стр. 457
من صفات عباد الرحمن التوسط في النفقة
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:٦٧] سيدنا الرسول ﷺ يسأل سيدنا عمر: (يا عمر! ما نفقتك؟) لو سألت شخصاً سؤالاً: يا محمود! كم نفقتك؟ يا إبراهيم! كم نفقتك؟ يا أحمد! كم نفقتك؟ يقول: كل يوم ثلاثة جنيهات تقريباً أما سيدنا عمر فيقول: (يا رسول الله! إنما نفقتي الحسنة بين السيئتين) يعني: إذا عمل سيئة يعمل بعدها حسنة، ثم يأتي بعدها بسيئة فيعمل بعدها حسنة: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] سيدنا عمر ناصح، هذا هو الناصح! ولذلك أبشر سوف تجد في كتاب حسناتك يوم القيامة وستجد حسنات أنت لم تعملها، يقول ملك من قبل العلي الأعلى: يا عبد الله! هذه حسناتك، تقول: يا رب! أنا ما عملت شيئاً، وقد تجد قدر ألف حسنة من غيبة الذين اغتابوك، وظلم الذين ظلموك، وخيانة الذين خانوك: (لو يدري الظالم ما للمظلوم لضن عليه بظلمه) يعني: لو يعرف الظالم ما سيأخذه المظلوم من الحسنات لبخل عليه بالظلم.
وإذا ظلمت فلا تدع على الظالم؛ لأن ظلمه أسرع إليه من دعائك عليه، وكذلك أنت عندما تدعو عليه تمحو حسناتك بالدعاء عليه؛ لأن الله يستجيب دعاءك وينتقم منه لك فهذا مقابل الحسنات؛ لأن المظلوم يقول الله له: (وعزتي وجلالي لأنصرك ولو بعد حين) النصر آتٍ فما دام أن الله نصره فقد أعطاه حقه: (وأثقل شيء يوضع في الميزان جرعة غيظ يتجرعها المؤمن وهو قادر على إنفاذها).
انظر الرسول ﷺ قال (جرعة) كأنها دواء؛ لأنها صعبة ليست سهلة، جرعة غيظ يتجرعها المؤمن وهو قادر أن ينفذها، سبحان الله؛ ولذلك العفو عند المقدرة ممدوح، جاء أعرابي من اليمن، فقعد في خطبة الجمعة مع رسول الله ﷺ ، وكان سيدنا الحبيب أحياناً يقرأ سورة ق، تخيل أنت عندما تسمع سورة ق من فم الحبيب كيف يكون أثرها؟! فبعدما انتهى النبي من الصلاة وقف الأعرابي وقال: (يا رسول الله! من سوف يحاسبنا يوم القيامة؟ قال له: الله الكريم)، انظر الإجابة! لم يقل له: الله القهار، الله الجبار، الله المنتقم، مع أن هذه صفاته وأسماؤه، قال: (الله الكريم، قال: لقد أرحتني يا رسول الله، إن الكريم إذا قدر عفا، وإذا حاسب سامح) الكريم عندما يقدر يعفو، وعندما يحاسب يسامح، لكن انظر إلى المسرف على نفسه، الذي ليس معه ولا حسنة، يقول: تعالوا فاسحبوه إلى النار، وهو ذاهب إلى النار سيدنا جبريل يوقفه ويقول: (يا رب! هذا عبد من عبادك كان يداين الناس فيقول لغلمانه: أيسروا على المعسر) يعني: فتح الله عليه بمال وغنى فجعل يداين الناس ديون، فكان إذا أتى موعد سداد الدين يقول للموظفين: الذي لا يستطيع الدفع فاتركوه قليلاً، قال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠]، فيقول الله: أرجعوه إلي، فيقول: عبدي! أأنت أكرم منا؟! أدخلوه إلى الجنة.
فلا أحد أكرم من الله، لا كريم إلا الله، ومن كرمه أنه قال لسيدنا إبراهيم عندما كان عنده ضيف كافر فرفض أن يضيفه: يا إبراهيم! رفضت أن تضيفه في ملكك ساعة، وأنا أضيفه في ملكي رغم كفره بي منذ خمسين عاماً.
стр. 458
من صفات عباد الرحمن أنهم لا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق
قوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨] أي: عندهم التوحيد الخالص، ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان:٦٨] قلنا: إن القتل نوعان: نوع مادي، ونوع معنوي.
والقتل العمد لا جزاء له إلا النار: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء:٩٣] والعياذ بالله! والذي يقتل مسلماً خطأ عليه دية، والدية مائة ألف جنيه، كشخص صدم شخصاً بسيارة فمات، يدفع لأهله مائة ألف جنيه، فإذا لم يستطع دفع أهله معه، الذين سوف يرثون منه إلا أن يعفو أهل القتيل، فإذا لم يجد مائة ألف جنيه دية يصوم شهرين متتابعين.
وهذا الكلام للمرأة التي أجهضت سواء بأمر زوجها أو برأيها أو برأي الطبيب الذي ليس بمسلم لمجرد أنها ذهبت إليه وقالت له: عندي ثلاثة عيال، وعندي غرفة وصالة ومرتب قدر ستين جنيهاً فتأتي بالمقدمة من أجل أن تعمل إجهاضاً، فهذا حرام، وقتل للنفس المحرمة، السادة العلماء الذين علمونا الفقه أفتوا ألا نقدم على هذا الفعل إلا بفتوى من طبيب مسلم ماهر، يعني: يكون معروفاً ومشهوداً له بالكفاءة والأمانة، بأن يكون دكتوراً ناصحاً مسلماً يتقي الله، فتعرض عليه الحالة، فإذا كان فيها ما يسبب هلاكاً على الأم، أو هلاكاً على الجنين، أو خطراً على الاثنين فهذا لا بأس فيه بإسقاط الجنين فنعمل في ساعتها بفتوى الطبيب المسلم.
قال تعالى: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي﴾ [الفرقان:٦٨] فالآيات في السورة أتت أولاً بصفات الإيجاب التي هي: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٣ - ٦٥]، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:٦٧].
ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨] فبدأ بأول النهي وهو: ﴿لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨] فأهل العلم يقولون بدأت الآيات أولاً بصفات التحلي، ثم ختمت بصفات التخلي، ما معنى صفات التحلي، وصفات التخلي؟ أي: التحلي بمكارم الأخلاق، والتخلي عن سيئ الأخلاق، والتحلي يكون بالصفات الطيبة: الأول: (يمشون على الأرض هوناً) (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً) و (يبيتون لربهم سجداً وقياماً) تأتي بعدها صفات التخلي: (لا يدعون مع الله إلهاً آخر) (لا يقتلون النفس) (لا يزنون) إلى آخر الآيات الباقية.
فالقتل نوعان: قتل مادي، وقتل معنوي، فأنت عندما تدخل الكآبة والحزن على أخيك المسلم أو على زوجتك أو على عيالك والعياذ بالله فقد قتلتهم، ويحاسبك الله يوم القيامة على أنك قاتل؛ ولذلك الصراعات الموجودة على العمل وعلى المناصب يحصل فيها ذلك، هذا يريد أن يبقى مديراً، والثاني يريد أن يبقى عضو مجلس الإدارة، وهكذا فيطعن هذا في هذا، وهذا ينزل على هذا، فهذا قتل معنوي، والله ينهانا أن نقتل أنفسنا، وقتل النفس هنا بإماتتها عن طاعة الله، وبإقبالها على معصية الله والعياذ بالله رب العالمين! قوله: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان:٦٨] ولذلك يجب على المسلم أن يدرس تاريخ الإسلام وأن يدرس الفقه الإسلامي من أجل أن يعرف الصحيح من الخطأ.
سبعة من أهل اليمن قتلوا شخصاً في زمن سيدنا عمر؛ فقتل سيدنا عمر السبعة، فقالوا له: لماذا يا أمير المؤمنين تقتل سبعة بواحد؟! قال: لو اجتمع عليه أهل صنعاء لقتلت أهل صنعاء جميعاً، والقانون الوضعي يقول لك: هذا عبارة عن محرض وهذا مساعد إلخ، فيكون عقابه خمس سنين، وهذا سبع سنين، وهذا عشر، وهذا سجن تأبيد، وهذا ثلاثة عشر عاماً، مع أن الكل شاركوا في القتل والعياذ بالله رب العالمين؛ ولذلك أين يذهب الذين قتلوا علماء المسلمين من الله يوم القيامة؟! سبحان الله، فمن قتل أهل العلم، ومن يحملون رسالة رسول الله ﷺ ، ومن قتل الضعفاء والمساكين الذين لا ناصر لهم إلا الله ، أين سيذهبون يوم القيامة؟ يقول لك: هذا مات منتحراً، وهذا مات فجأة كيف؟! أيعقل أن حافظ القرآن يموت منتحراً؟! هذا ليس ممكناً، أكبر نعمة ينعم الله بها على العبد أن يعرفه كتابه، الذي يحفظ كتاب الله ليس من الممكن أن يتهموه بالانتحار، ولذلك ما عذب إنسان ظالم مسلماً أو عالماً أو ملتزماً فإنه يموت فيرى العذاب أكثر.
والله الذي لا إله إلا هو لقد كان هناك رجل مدير أحد السجون، وكان يجعل المسلمين الملتزمين والعلماء في الستينات يمشون أمامه منحنين لأظهرهم وواضعين أيديهم وراءهم، مكبلة في الأغلال، وربنا رزقه بولد والله أراه في الشارع فأرى آية الله ، وقد بلغ عمر الولد هذا ثلاثين سنة اليوم، هذا الولد عنده مرض عصبي لا يتزن إلا إذا انحنى ووضع يديه خلفه، والجزاء من جنس العمل وكما تدين تدان، مثل ما تعمل بالناس يعمل بك في أي شيء، في النظرة إلى الحرام أو إلى محارم الناس يأتي ربنا بمن ينظر إلى محارمك أنت، الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول: عفوا تعف نساؤكم في المحرم وتجنبوا ما لا يليق بمسلم من يزن في قوم بألفي درهم في أهله يزنى بربع الدرهم من يزن يزن به ولو بجداره إن كنت يا هذا لبيباً فافهم إن الزنا دين فإن أقرضته كان القضا من أهل بيتك فاعلم
стр. 459
من صفات عباد الرحمن ترك الزنا
قال تعالى: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨] والعياذ بالله! فساعة ارتكاب المعصية والزنا يغادرك الإيمان، ويبتعد عنك؛ لأنه (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)، فوقت ما يزني العبد ولو كان مؤمناً ما كان ليعمل هكذا؛ ولذلك الجوارح تأتي بالمقدمات: (إن العين لتزني وزناها النظر، وإن الأذن لتزني وزناها السمع، وإن اللسان ليزني وزناه السلام، وإن اليد لتزني وزناها اللمس، وإن الرجل لتزني وزناها المشي إلى ما حرم الله، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)، فيا مرتكب الفاحشة إلى أين ستذهب من الله؟ مما أعجب له مسائل الاغتصاب التي انتشرت في السنوات الأخيرة في مصر، وكانت جديدة على مجتمع المسلمين المصري؛ لأننا أولاً صعبنا أمر الحلال، فصار أمر الحرام ميسوراً.
والسبب الآخر: أنه خرجت بناتنا ونساؤنا عرايا إلى الشوارع، فكان هذا المنظر مدعاة للشباب المستهتر والمنحرف، والرجال الفسقة أن يعتدوا عليهن، والذئب يأكل من الغنم الشاردة؛ لذلك أنا ثائر وغضبان جداً من أولياء الأمور الذين يخرجون بناتهم وأولادهم بالليل، لا ينبغي أن تخرج حتى ولو إلى المسجد إلا أن تكون مع محرم، قلت لكم يوم الجمعة: ذهاب البنت إلى الجامعة ليس بحرام، ولكن اذهب بها محتجبة، وعندما تطلع بالليل انتظرها على الباب، وإلا فأنت راع ومسئول عن رعيتك، وإن حدث لابنتك سوء فأنت السبب، فهي معلقة في رقبتك يوم القيامة، اتق الله يا عبد الله، ربنا يحفظ بناتنا ونساءنا وأهلينا وذوينا من كل سوء، ويطرد عن هذا المجتمع كل شر وفسق وفجور، ويجعله مجتمعاً آمناً مطمئناً بكتابه سبحانه وبسنة حبيبه! قوله: (ولا يزنون) ولذلك لما كانت الحدود تقام كانت المسألة مريحة؛ لأنه عندما يقام عليه الحد يغفر له ما قد سلف، فالمحصن يرجم، وغير المحصن يجلد مائة جلدة، وبعدها ربنا يقول: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]، لماذا نحفر حفرة ونوقع الزاني أو الزانية فيها ثم نرجم؟ لأنه لا يضرب الله بالحجارة إلا أسوأ الناس عند الله وأعدى أعداء الله يموتون بالحجارة، وذلك مثل أصحاب الفيل، والزاني عنده نفس القضية يرجم بكومة حجارة ويأتي إمام المنطقة أو الحاكم فيقول: ابدءوا الرجم، فيرجمونه حتى يموت، ولو هرب الزاني من ميدان الرجم لا يعاد إلى الميدان مرة أخرى، لأن الأمر انتهى: (ادرءوا الحدود بالشبهات)، ولذلك سيدنا خالد لما جيء بـ الغامدية مع ماعز ليرجما وضعوهما في الحفرة وبقوا يرمونهما بالحجارة، فطارت قطرة دم من الغامدية إلى فم سيدنا خالد فتأفف، فقال: (يا خالد! لقد تابت توبة لو وزعت على أهل المدينة لوسعتهم)، والرواية الثانية: (لو وزعت على أهل الأرض لوسعتهم)، والرواية الثالثة: (لو تابها صاحب مكس لغفر له)، صاحب مكس: هم أصحاب الضرائب.
وأريد أن أقول: لحد واحد يقام في الأرض خير من مطر أربعين سنة، فالمسلم يتقي الله، فمن واجب الناس أن يتوبوا، ولكن ترك الذنوب أوجب.
فنحن نحجب نساءنا وبناتنا وأخواتنا من أجل العيون الشاردة، والذئاب الجائعة، والنفوس المريضة الضعيفة التي تفعل ما حرم الله ، يقول النبي ﷺ : (ما ظهرت الفاحشة في قوم وأعلنوا بها)، في الجامعة، البنت والولد اللذان يقعدان داخل السيارة أليست هذه خلوة؟ هذه خلوة مؤكدة، وحتى ولو كانت مخطوبة له فلا يجوز أن يقعد معها، ولا أن يسلم عليها، ولا أن يوصلها البيت؛ لأنه ما زال أجنبياً عنها، يقول ﷺ : (ما ظهرت الفاحشة في قوم وأعلنوا بها إلا أصابهم الله بأمراض لم تكن في أسلافهم).
اليوم أتى للمجتمعات: مرض الإيدز، وفقد المناعة، والفشل الكلوي، وتصلب الشرايين، وأمراض ما أنزل الله بها من سلطان، كان آباؤنا وأجدادنا يعيشون بالرضا وبالتقوى، وكان الواحد منهم يأخذ كوب شاي مع الليمون ثم يدلك في ظهره فيقوم وهو نشيط من فضل الله ، كانوا يقولون: اقرءوا الفاتحة، فيقوم ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لكن لكثرة معاصينا كثرت الأمراض، والشفاء صار صعباً، ونسأل الله أن يشفي أمراضنا الظاهرة والباطنة، إن ربنا على ما يشاء قدير.
قال تعالى: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان:٦٨]، (أثاماً): واد في جهنم فيه حيات وعقارب، تلدغه الحية يسري سمها في عروقه سبعين سنة، نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم، المعذرة نحن في الجنة ونتكلم عن هذا الكلام، لكن المسألة مسألة أمر ونهي، والقرآن مثاني رحمة وعذاب، نسأل الله أن يرحمنا وإياكم.
يقول النبي ﷺ : (في كل حية أو عقرب سبعون قلة من قلال هجر) قلة هجر: هذه عبارة عن آنية مثل الصوامع، القلال والصاع والمد والمكاييل القديمة، وترجمتها إلى المكاييل الحديثة، لقيت أن كل عقرب أو كل حية والعياذ بالله فيها كمية من السم مقدار ثلاثة آلاف وخمسمائة كيلو، يعني: قدر ثلاثة طن ونصف في الحية الواحدة، تسلط على الذي يدعو مع الله إلهاً آخر، والذي يقتل النفس بغير حق، والذي يرتكب الفواحش، والذي لا يصلي، هذا هو الوادي الذي يستقبل هؤلاء.
قال تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم:٥٩ - ٦٠].
أي: إلا من تاب عن كل الذي فات، (وآمن) أي: بكل ما أنزل الله، (وعمل عملاً صالحاً)، فهم يتوبون إلى الله متاباً، ربنا تاب عليهم فكفر عنهم الذنوب التي ارتكبوها.
стр. 460
من صفات عباد الرحمن أنهم لا يشهدون الزور
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢].
وشهادة الزور ليست هي الشهادة في المحكمة أمام القاضي فقط، فلا تشهد إلا بالحق ولو على نفسك، تقول: أنا مخطئ، ابني مخطئ، امرأتي مخطئة، أخي مخطئ، فتقول الحق ولا تخاف في الله لومة لائم.
دخل يهودي على شريح القاضي في زمن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، فقال: يا قاضي المسلمين! هذا سيف ورثته عن آبائي وأجدادي، ويدعيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ويقول: إنه له، قال: ائتوني بـ علي، فدعي سيدنا علي فأتى وقال: السلام عليكم، وهو أمير المؤمنين، ثم جلس سيدنا علي بجوار شريح؛ فقال له: قم يا أبا الحسن! واجلس بجوار خصمك، فقعد سيدنا علي ﵁ بجواره، ثم قال له شريح: أهذا السيف سيفك يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، هذا السيف سيفي، فقال اليهودي: إنه سيفي، فـ شريح نظر إلى السيف وإذا بالسيف سيف سيدنا رسول الله، ما الذي أتى به لليهودي؟! فقال شريح: أمعك شهود يا أمير المؤمنين؟ قال له: نعم، فذهب وأتى بـ الحسن والحسين، فقال له: لا تصلح شهادتهما، أنتم علمتمونا أن الفرع لا يشهد لأصله، ولا الأصل لفرعه، ثم قال: معك شهود أخر؟ قال له: لا، قال له: السيف سيف اليهودي، البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، قال له: فلما وصل علي إلى الباب دعاه اليهودي: يا أمير المؤمنين! تعال، وقال: هكذا يقام الأمان، وهكذا تعيش الدول، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، السيف سيف علي.
ثم قال شريح: يا أمير المؤمنين! أغضبت؟ رأيت وجهك قد اكفهر عندما أمرتك أن تجلس بجوار خصمك، قال: لا، ما اكفهر وجهي من هذا، وإنما لأنك كنيتني وقلت: يا أبا الحسن! فقد فضلتني في مجلس الصلح.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢] يقولون الحق في أي وقت، انظر إلى سيدنا عمر وانظر أيضاً إلى تلاميذ الحبيب، كان هناك شخص يشهد مع آخر، فقال له سيدنا عمر: أأنت تعرفه؟ قال: لا، قال له: أأنت جاره الأدنى؟ قال له: لا، قال له: أرافقته في سفر؟ قال له: لا، قال له: أعاملته بالدرهم والدينار؟ وسمي المال مالاً لأنه يميل بالناس عن الحق، ويقول الشاعر: رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده مال ومن لا عنده مال فعنه الناس قد مالوا رأيت الناس قد ذهبوا إلى من عنده ذهب ومن لا عنده ذهب فعنه الناس قد ذهبوا رأيت الناس منفضة إلى من عنده فضة ومن لا عنده فضة فعنه الناس منفضة انظروا إلى هذا الكلام الجميل من أين أتى به هؤلاء الرجال؟! هذا يدل على أن عندهم صلة بالله حتى تجري الحكمة على ألسنتهم، اللهم ألحقنا بهم يا رب.
قال له: هل أنت جاره؟ أو عاملته بالدرهم والدينار؟ هل سافرت معه؟ هل رأيته في الركوع والسجود في المسجد ونظرت إليه يصلي؟ قال له: نعم، قال له: إذاً إنك لا تعرفه، ائتني بمن يعرفه، لا تكفي الصلاة والصوم هذا بينك وبين ربنا، لكن المحك هو التعامل، انظر الحديث: (إذا أثنى على الرجل جيرانه في الحضر، ورفقاؤه في السفر، ومعاملوه في الأسواق، فقل له: إنه من أهل الجنة)، هؤلاء ثلاثة: جارك في البلد الذي تعيش معه، ورفيقك في السفر، والمتعاملون معك في السوق.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢] أي: يقولون الحق، النبي ﷺ لما جاء إليه رجل يشهد، قال له: أتشهد؟ قال له: نعم يا رسول الله أشهد، قال له: انظر إلى الشمس أتراها؟ قال: نعم، قال له: على مثلها فاشهد، فقال له: اعفني يا رسول الله!
стр. 461
من صفات عباد الرحمن الإعراض عن اللغو
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢]؛ لأن المسلم كبير له قيمة واحترام، فالإنسان الذي يتقي الله الناس يعملون له حساباً حتى عندما يذهب إلى المسجد يلاقي الذين يسلكون وراء الشيطان، أول ما ينظر إليه أحدهم يخبئ يده التي فيها خاتم الذهب وراءه فتقول له: كيفك؟ وكيف صحتك؟ تجده أبداً مكسوف منه، فنقول له: لا تخجل منه واخجل من الله سبحانه!
стр. 462
من صفات عباد الرحمن الدعوة للذرية والأزواج بالصلاح
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤].
فهذه دعوة عظيمة! (ربنا هب لنا من أزواجنا) أي: الزوجات أو الأزواج، (وذرياتنا) أي: الأولاد (قرة أعين) يعني: ما تقر به عيني في طاعة زوجتي، وتقر به عين زوجتي بأدبي معها، فزوجتك تكون راضية عنك، وأنت راضٍ عنها، سبحان الله، وأريد أن أقول نقطة مهمة: الزوجة تستطيع أن تجامل زوجها، والزوج يستطيع أن يجامل زوجته، ولنفرض جدلاً أنك تريد أن ترتاح، لكن لو أنك أوصلت حماتك وأخت امرأتك وأخا امرأتك إلى بيوتهم مثلاً، فإن امرأتك تحبك كثيراً، فيا أخي جاملهم، تحبب إلى امرأتك في هذه النقطة، والمثل يقول: (حب يد حماتك ولا تحب يد امرأتك)؛ لأنه إذا أرضيت حماتك أطاعتك امرأتك، وإذا عاديت فإنك تعادي حلف شمال الأطلنطي فتدخل في دوامة! طرق رجل الباب على معاوية ﵁، فخرج الحاجب وقال له: من أنت؟ قال له: أنا أخو أمير المؤمنين، فدخل وقال لـ معاوية: معك أخ لا أعرفه يا أمير المؤمنين! قال له: ائذن له بالدخول، فلما دخل قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! قال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، قال: أنا أخوك، نظر فيه معاوية فلم يعرفه، قال له: من لدن من؟ قال له: من لدن آدم، قال: هاه رحم مقطوعة يكون أول من يصلها إن شاء الله أنا، وإنما المؤمنون إخوة فبالعكس، الأخوة في الدين أقوى من أخوة النسب والدم.
قال تعالى: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]، تقول: يا رب! اجعلني إماماً في الخير، واجعل امرأتي قدوة في الخير، واجعل أولادي قدوة في الخير، وكما قال لسيدنا موسى وسيدنا هارون: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس:٨٧]، أي: قبلة ليأتم الناس بها ويقتدون بها، فيكون البيت كله بركة ونعمة: (إن الله إذا أحب قوماً) أي: أهل بيت، (أنزل عليهم الرفق واللين، وإذا غضب الله على أهل بيت نزع منهم الرفق واللين)، تسمع ضجة وصياحاً طوال اليوم فالرجل يشتم، والمرأة تسب، والعيال يصيحون، وبجوارهم بيوت تقول: هؤلاء الجيران ما عندهم أولاد، فتنظر وإذا عندهم أربعة أو خمسة، لكن عندهم أدب وأخلاق، اللهم اهدنا وذرياتنا يا رب العالمين.
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان:٧٥] أي: الذين اتصفوا بصفات عباد الرحمن من قوله: (يمشون على الأرض هوناً) إلى آخره، فهم في الغرفات آمنون.
يعوضهم الله جزاء ما صبروا في الدنيا واتقوا الله .
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ [الفرقان:٧٥] تحية من الله وسلاماً من الله والملائكة، ومن الحور العين ومن الغلمان الذين: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ [الإنسان:١٩].
﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان:٧٦] الله جعل هذا هو المستقر وهو المقام في هذا المكان العظيم.
أنت في الدنيا أحياناً تحث على عمل المعروف، فتقول: كيف نعمل معروفاً والناس يردون علينا بالغلط، نقول لك: لا، لماذا؟ لأن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، يعني: الذين يعملون المعروف في الدنيا ربنا يعمل فيهم معروفاً يوم القيامة، وهل يوجد معروف أكثر من الذي يدخلك الجنة؟ قعد أبو بكر وعمر والعباس على عتبة باب رسول الله فخرج عليهم رسول الله فقال: (فيم تتحدثون؟ قال أبو بكر: نتحدث في المعروف يا رسول الله، فقال رسول الله: وماذا قلتم؟ أبو بكر قال: أنا قلت: خير المعروف ستره) يعني: لا أقوم أفضح في الجرائد وأقول: عملت كذا ثم قال: (وأنت يا عمر؟ قال: وأنا قلت: خير المعروف تصغيره، ثم قال: وأنت يا عباس؟ فقال: أنا قلت: خير المعروف تعجيله) يعني: الذي يريد أن يعمل خيراً يعمله دون تأخير، فقال النبي ﷺ : (المعروف فيه الثلاثة: إن سترته جملته، وإن صغرته عظمته، وإن عجلته هنأته)، عندما تستر المعروف تجمله، هذا جميل، وعندما تصغر المعروف تكون أنت عظمته، وعندما تعجل بالمعروف تكون أنت تشعر بالهناءة لمن صنعت فيه معروفاً، يقول ﷺ : (أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، قيل: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل المعروف فقال: قد غفرت لكم على ما كان منكم، وصانعت عنكم عبادي، فهبوه اليوم لمن شئتم لتكونوا أهل المعروف في الدنيا وأهل المعروف في الآخرة)، أي: فالذي تريدون أن تدخلوه الجنة فأدخلوه، فيكون المعروف هو الذي بقي هنا حتى إن صاحب المعروف يقول له: أنا عملت فيك معروفاً مرة، أتيت إلي فسقيتك! لذلك قال سيدنا الحبيب ﷺ : (من أطعم أخاه قطعة حلوى صرف الله عنه مرارة يوم القيامة)، ليس هناك شيء يضيع عند الله، والدال على الخير كفاعله، والدال على الشر كفاعله: (ومن سره أن تنفس كربته، وأن تستجاب دعوته، فلييسر على المعسر أو ليدعو له؛ فإن الله يحب إغاثة اللهفان).
وصلى الله عليه وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 463
سلسلة الدار الآخرة_الجنة وعباد الرحمن [٢]
أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، فينبغي للمسلم أن يكون من أهل المعروف، وأن يأمر بالمعروف، وأن يعين المسلمين في حوائجهم ويظهر حسناتهم ويكظم غيظه ويعفو عمن ظلمه، فإن عند الله للمؤمن جنة فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وهي معدة لعباد الرحمن.
стр. 464
أهمية فعل المعروف
أحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله ﷺ .
وبعد: نعود مرة ثانية إلى ما كنا قد توقفنا عنده، ونحن اليوم بمشيئة الرحمن مع الحلقة التاسعة والعشرين، وهي الحلقة الثامنة في الجنة.
فاللهم اجعل الجنة مآلنا ومكاننا ومنزلنا يا رب العالمين! ارزقنا قبل الموت توبة وهداية، ولحظة الموت روحاً وراحة، وبعد الموت إكراماً ومغفرة ونعيماً.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، لا تجعل لنا في هذه الليلة العظيمة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، وإلا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا شيطاناً إلا طردته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا هديته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا مسافراً إلا أرجعته غانماً سالماً لأهله.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا، اللهم زين الإيمان في قلوبنا اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا يا رب الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا مولانا من الراشدين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل يا ربنا بيننا شقياً ولا محروماً.
اللهم تب على العصاة والمذنبين، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: توقفنا في الحلقة الثامنة والعشرين عند الحديث عن أهل المعروف جعلنا الله وإياكم من أهل المعروف في الدنيا والآخرة.
اتفقنا من قبل أنك تستطيع بمقياس إن أعطيناه لك أن تعرف هل هذا المعروف الذي تصنعه خالص لله أم أنه ابتغاء الشهرة؟! مثلاً: فلان من الناس صنعت له معروفاً عند إنسان وكررت معه المعروف، كأن وظفت ابنه، أو زوجت له ابنته، وعينته في منطقة جيدة، ووقفت معه في وقت الضيق؛ وقفت معه في مرض امرأته وتعب أولاده ونقل ابنه من المدرسة وو إلى آخره، ثم رد عليك هذا الإنسان في عمل ما برد سيئ، بأن قال لك: إنك مكلف أن تعمل هذا الفعل! فأنت غضبت، وأخذت في قلبك عليه، لك أن تغضب، لك أن تتغير، لكن ليس لك أن تمن عليه، فعندما تقول لك نفسك: ما هذا الرجل؟ أيعض اليد التي امتدت له؟! إن لحم كتفيه من خيري، ألسنا كلنا نقول ذلك؟! إذا قلت ذلك فثق تماماً أن كل ما صنعت ليس لله؛ لأنك لو عملت الشيء لله فإن رد عليك بخير أو رد عليك بشر أو لم يرد فالكل عندك سواء، كيف كان يتعامل الرسول ﷺ مع الناس؟ كان يحسن إليهم ويراعيهم، فهاهم أخرجوه من مكة، ثم بعد ذلك أرادوا أن يدبروا له مكيدة للقتل مع الترصد والتعمد وسبق الإصرار؛ وقفوا على بابه صفين حتى صلاة الصبح يريدون أن يضربوه ضربة رجل واحد، ويضيع دمه في القبائل، وقبل ذلك كانوا يأتون بسلى الجزور - التي هي كرشة الجمل المنتنة - ويضعونها على ظهره الشريف وهو يصلي في المسجد الحرام.
ثم بعد ذلك آذوا أصحابه؛ فكانوا يجرون بلالاً على الرمضاء في شدة الظهيرة في مكة، ويضعون عليه الصخر ويجرونه على الأرض ويضربونه بالسياط، وهو لا يمتنع عن قوله: أحد أحد، وأبو بكر الصديق ضربته قريش حتى كان عقبة بن أبي معيط يحرف نعله ويميل بكعبها من أجل أن يأتي الكعب في وجه أبي بكر أو في عينه، حتى استوى وجه أبي بكر بجسمه من شدة الضرب، حتى إنه عندما عاد إلى البيت لم تعرفه امرأته ولا أمه! وقتلوا سمية أم عمار من شدة التعذيب قال النبي ﷺ : (صبراً آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة).
ثم جاء يوم الفتح فوقفوا أذلاء بين يديه ﷺ ، قال: (ما تظنون أني فاعل بكم؟) أي: ماذا سأفعل بكم؟ آلمتمونا وضربتمونا وطردتمونا، وذهب أصحابي إلى الحبشة ورجعوا منها، وبعدها ذهبوا المدينة ذهبتم وراءهم، ورصدتم مائة ناقة مكافأة للذي يأتي بمحمد حياً أو ميتاً: (ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: لا أقول لكم إلا ما قاله يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اذهبوا فأنتم الطلقاء).
هل لنا في رسول الله الأسوة الحسنة؟ هل لنا أن نتعامل هذه المعاملة الطيبة مع الناس؟! تعامل هكذا مع امرأتك يا أخي! مع أقاربك، مع إخوانك الذين أكلوا ميراثك، إنهم أخرجوه بسبب أنه يقول لا إله إلا الله، وأنه ينشر دعوة الله ، قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣] لا أقول: أعطوني، ولكن الغرض أن تسمعوا أنتم وتقولوها، وإذا نطقتم بها أفلحتم، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا دنيا وأخرى.
ذهب إليه الوليد بن المغيرة وكان من علية القوم وقال له: يا ابن أخي! لقد جئت قومك بما لم يأت به أحد من قبلك؛ فرقت بين الأب وابنه، وبين الزوج وزوجته، وبين الأخ وأخيه، إن كان هذا الذي يأتيك رئيٌ من الجن جئنا لك بالأطباء، فسعوا في شفائك، وإن كانت هذه الحالة حالة مرضية نبحث لك عن العلاج، وإن كنت تريد المال جمعنا لك المال فصرت أغنانا، وإن أردت أن تكون ملكاً علينا ملكناك، فكان سيدنا الحبيب عنده سعة صبر، فقال له بأدب النبوة: (أفرغت يا عم؟) لأنه في سن والده، يقول ﷺ : (ليس منا من لم يوقر كبيرنا) قال: نعم، فتلا عليه الرسول سورة السجدة وبعد أن انتهى ووصل إلى آية السجدة سجد، والوليد كان من أعرف الناس باللغة، فمن شدة إعجابه بالقرآن وضع يديه خلفه وأنصت لرسول الله ﷺ ، إلى درجة أنه كان من شدة التركيز مقطباً عن جبينه، يريد أن يتأكد ويستجمع كل فكره وأعصابه وعقله، وبعد أن انتهى رجع والتقى بعظماء قريش كـ أبي جهل وأبي لهب قالوا: والله لقد عاد إليكم الوليد بوجه غير الذي ذهب به عنكم، يعني: وجهه غير الوجه الذي عهدتموه فقال: يا معشر قريش! أتقولون: إنه كاهن والله ما هو بكاهن، فأنا أعرفكم بسجع الكهان، أتقولون هو شاعر؟! والله ما هو بشاعر، أنا أعرفكم بالشعر، أتقولون مجنون؟ والله ما هو بالمجنون، إن لكلام محمد لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وما هو بقول البشر، قالوا له: إنك صبأت بهذا القول وإنك تريد أن تقول لك قريش: دخلت مع محمد وأصحابه، وإنك لن تخرج من هذا الموقف حتى تقول كلمة سيئة لمحمد، فقال: إن كلامه لسحر مستمر؛ فينزل جبريل بآيات من كتاب الله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر:١١] كان يسمى الوليد بالوحيد؛ لأن قريشاً تكسو الكعبة سنة، والوليد وحده يكسو الكعبة السنة التي تليها، قال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر:١١ - ١٣] أعطاه الله أحد عشر ولداً من مثل خالد بن الوليد، كان يمشي في المواكب والأحد عشر يمشون وراءه وهو أمامهم مفتخراً! قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ [المدثر:١٥ - ١٦].
ثم يصف القرآن الجلسة قال تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ [المدثر:١٨] إنه قدر الكلام وفكر فيه.
قال تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر:١٧] الصعود: جبل في جهنم يوضع فيه كل جبار عنيد كان يتجبر على عباد الله في الدنيا، يظل الوليد وأمثاله يتسلق الجبل حتى إن يديه ورجليه تحترق وتذوب من شدة النار، فإذا وصل إلى رأس الجبل من فوق انهار به الجبل في قعر جهنم! وهكذا أبد الآبدين! إذاً: النبي ﷺ كان واسع الصدر، وكان يصنع المعروف في الناس ولا ينتظر خيراً، جاءه رجل ولمح حب الرجل للمال، والرجل كان زعيماً في قومه، وهو يمشي في غزوة حنين بعدما انتهت الغزوة نظر إلى غنم بين جبلين عددها بالآلاف، فقال: ما أكثر هذه الغنم يا محمد! قال له: هي لك خذها، فرجع إلى قومه وقال لهم: اذهبوا فآمنوا بمحمد؛ فإنه يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، إنه يعطي ولا يخاف ما يحصل غداً، يعطي وهو متوكل على الله، فأسلم وراءه عشرون ألفاً.
إذاً: كان يصنع المعروف ولا ينتظر رد الجميل، فأنت إن صنعت المعروف في إنسان ورد عليك رداً سيئاً فحزنت، فأنت ما صنعت المعروف ابتغاء مرضاة الله، إن عملت المعروف لأقرب الناس كزوجتك تحسن إليها فتقطب الجبين في وجهك وأنت تبتسم، أو ترميك بالكلام وأنت تقول: بارك الله فيك ربنا يكرمك إن شاء الله ويشرح صدرك، وهي تغاظ؛ فهذه المرأة تشتكي تقول: زوجي يا أستاذ أعصابه باردة جداً، نقول: يا أختي! احمدي الله على ذلك، تقول لك: لكنه يغيظني، لا إله إلا الله إنه لو كان مثلك حاداً لاشتعلت بينكم النار، لكن من فضل الله أنه وضع على النار الماء، لكن ليس من تحت التبن.
إن الرجل مسكين يأتي البيت يريد أن يستريح ويريد أن ينام؛ ليرتاح من عناء العمل فيريد منها أن تسنده وتوصله إلى فراشه، وهي تريد أن تفتح معه موضوعاً عاماً، وموضوع الولد والبنت، والرجل يتغابى: ليس الغبي بسيد في قومه بل إن سيد قومه يتغابى هل هذا يعقل؟! تقول له: يا رجل! إنني كلما أفتح لك موضوعاً تقفله! هو متعب لا يريد أن يستجيب لكلامها، رأسه يؤلمه يريد أن ينام يقول لها: نعم، إن شاء الله ربنا يسهل، فالمرأة تكون سريعة الغضب، ومن فضل الله أن زوجها طباعه باردة، وهي مثل القط الذي يحب خناقه - تريد أن تثير المسائل والخلافات.
فمن فضل الله ع
стр. 465
أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة
توقفنا في الحلقات السابقة عند أصحاب المعروف، فاللهم اجعلنا من أهل المعروف يا رب العالمين! قال ﷺ : (أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، قيل: وكيف ذلك يا رسول الله؟) كيف يكون أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة؟ أنا ممكن أن أعطي مالاً في الدنيا أو أقول كلمة طيبة، أو أستغل جاهي أو منصبي في خدمة مسلم، لكن ما هو المعروف الذي يقدم في الآخرة؟ قال ﷺ : (إذا كان يوم القيامة جمع الله تعالى أهل المعروف، فقال: قد غفرت لكم على ما كان منكم، وصانعت عنكم عبادي فهبوها اليوم لمن شئتم لتكونوا أهل المعروف في الدنيا وأهل المعروف في الآخرة) يعني: العباد الذين لهم مظالم عندكم أنا أرضيتهم، ولن يطالبوكم بحسناتكم مقابل مظالمهم التي ظلمتموهم بها، والمعنى أن صاحب المعروف يمسح الله ذنوبه، ثم بعد ذلك يرضي له خصومه، ثم بعد ذلك يعوض السيئات التي كانت ستؤخذ منه بأنه يشفع لمن شاء من أهل بيته أو من أصحابه.
فالإنسان الذي صنع المعروف في الدنيا فإن الله سيصنع فيه معروفاً في الآخرة، لكن شتان بين المعروفين؛ معروف الدنيا أن يفرج عن المسلم كرباً في الدنيا، لكن في الآخرة يفرج الله عنك كرب القيامة فأيهما أعظم ثواباً وخيراً؟ عندما يزحزحك الله عن النار ويدخلك الجنة هل يقاس هذا بجنيه الدنيا؟ هل يقاس هذا بأنك سامحت شخصاً؟ كلا، إن معروف الآخرة لا يعوض، اللهم اجعلنا من أهل المعروف في الدنيا والآخرة يا رب! إن الدال على الخير كفاعله، الذي يدل على الخير مثل الذي يفعله تماماً، والله تعالى يحب إغاثة الملهوف، وفي الحديث قال: (من سره أن تنفس كربته، وأن تستجاب دعوته، فلييسر على معسر، أو فليدع له، فإن الله يحب إغاثة الملهوف) يعني: إما أن تنفس عن صاحب الكربة فتفرج عنه كربته، أو على الأقل تدعو له، فمثلاً: بلغك أن شخصاً له بنت ارتفعت حرارتها أربعين درجة لم تنزل عن هذا المستوى، وأنت لا يوجد لديك عشرة جنيهات في جيبك تعطيها له ليحضر بها الدواء أو يذهب إلى الدكتور، تقول: يا رب! يا رب! اجعل جسدها برداً وسلاماً من عندك، فإذا كانت دعوتك خالصة فإنها تصل إليها بإذن الله، يعني: هناك أناس سبحان الله العظيم دعوتهم عند الله مستجابة، فاللهم اجعلنا من الذين تستجاب دعواتهم.
آمين يا رب العالمين!
стр. 466
من موجبات المغفرة إدخال السرور على المسلم
وعن أنس ﵁ قال: (قمت أوضئ رسول الله ﷺ فرفع رأسه ونظر إلي وقال: يا أنس! أما علمت أنه من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم؟!) يعني: يغفر الله لك الذنوب بأن تدخل السرور على أخيك المسلم، لقد قلت من قبل إن الحبيب يدلنا على شيء جميل جداً، قال ﷺ : (من أطعم أخاه حلوى صرف الله عنه مرارة يوم القيامة).
سيدنا الحسن البصري تلاميذه يريدون أن ينظروا إليه وهو يحج، يا ترى ماذا سيعمل؟ فعندما بدأ بالطواف وصلى ركعتين في مقام إبراهيم، وشرب من زمزم، دخلوا عليه وقالوا: يا إمام! إننا نشرب ماء زمزم بنية الشفاء، ومنا من يشرب بنية تفريج الكربات ومنا من يشرب بنية كذا وأنت شربت بنية ماذا؟ قال: شربت ماء زمزم بنية أن يرويني الله يوم العطش، يشرب من زمزم بنية أن الله يرويه يوم أن يعطش الناس! إذاً: أما علمت أن من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم؛ تنفس عنه كربة، وإذا كان فيه ضيق نفسي بأن تحضر له طبيباً نفسياً فتنفس عنه كربة، أو تفرج عنه غماً، أو تقيم له صنعة، كل ذلك من المعروف.
ولو أن أصحاب الصنعة يتقون الله، فإن الله سيكرمهم، عندما يعلم المعلم الصبي العلم، وصاحب الحرفة يعلمه الحرفة، ولكن بدون سب أو لعن أو ضرب فإن الولد سيكون كامل الصنعة، وينشأ أحسن من الذي علمه؛ ولذا لا بد أن تعلمه اليقين والثقة وتعلمه مراقبة الله .
كذلك أهل البناء الذين يحملون الأسمنت ويصعدون الأدوار العليا، والذين يتعبون ويشتغلون في مصانع الحديد والصلب، هؤلاء لو اتقوا الله لغفر لهم جميع الذنوب التي كانوا قد عملوها أول اليوم، وهذا بتقوى الله فقط.
يقول ﷺ : (من بات كالاً من عمل يده بات مغفوراً له) الذي ينام وهو متعب من العمل فإن الله يمسح له ذنوب النهار كلها، لكن ليتقي الله في عمله، والمسلم لابد أن يكون صادقاً صابراً.
كذلك أن تقضي عنه ديناً، وما أحسن عندما تسدد الدين عن أخيك المسلم! (أو تقضي عنه ديناً، أو تخلفه في أهله) يعني: أسافر فهو يرعى بيتي ويأتي إلى البيت من خارج ولا يدخل ويقول: السلام عليكم أتريدون شيئاً من السوق؟ وإذا كان أحد الأولاد في المدرسة عنده مشكلة يذهب معه لينهيها له ويسأل: هل هناك مشكلة؟ هل هناك جار من الجيران يتعبكم؟! سيدنا عمر عندما كان يبعث الناس في السرايا والحروب يأتي إلى جانب الباب ومعه ورقة وقلم، وكان يقرأ ويكتب من فضل الله، فكان يضرب على الباب: يا بيت فلان! يا آل فلان! ألا تحتاجون شيئاً؟ فالمرأة التي بداخل البيت تقول له: نريد من السوق كذا وكذا وكذا يا أمير المؤمنين، فيأخذ الشيء الذي يضعون فيه حاجاتهم بداخله من السوق، فيضعها في حجره ويكتب عليها: هذه لبيت فلان ابن فلان! وهم يريدون كذا وكذا وكذا ثم يذهب إلى البيت الآخر فيقول: أتريدون شيئاً؟ وهكذا يحمل ويحمل، فيأتي له عبد الرحمن بن عوف فيقول: يا أمير المؤمنين! أتحمل هذا كله، دعني أحمل عنك، يقول: أتحمل وزري يوم القيامة؟! ويقول: أنا أبو العيال حتى يرجع المجاهدون؛ ولذلك عندما يموت الإنسان ويكون الأولاد يتامى فإن المجتمع كله يصير أباً لهؤلاء اليتامى، وليس أن يكون وقت الجنازة متفاعلاً فيقول: يا بني! لو احتجت شيئاً فإن بيتي مفتوح لك، وبعد فترة بسيطة جاء يطلب من هذا الرجل شيئاً، فإذا به قد تغير، فلا إله إلا الله! يا أخي! ألم تقل ذلك قبل؟! فنريد أن نتعامل بما يرضي الله في سلوكنا وحياتنا، وليس الإسلام عبارة عن كلام يقال، أو أننا نأتي المسجد ونرجع منه فقط، هأنت في الدرس، فما الذي استفدت منه؟ ثم هل عملت بالذي استفدت من الدرس؟! اللهم اجعله حجة لنا لا حجة علينا يا رب العالمين! قيل للنبي ﷺ : (من أحب العباد إلى الله؟ قال: أنفعهم للناس) الذي يؤدي منفعة للناس.
يقول ﷺ : (إن أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مؤمن؛ تكشف عنه كرباً أو تقضي عنه ديناً أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجته أحب إلي من المكث شهرين في مسجدي هذا).
لأن أمشي مع أخي المسلم أقضي له حاجته خير لي من أن أعتكف شهرين في المسجد؛ لأن الاعتكاف عبادة خاصة بي، لكن عندما أفرج عن مسلم كربة، يقول الله: أتقف بجانب عبدي المؤمن تفرج عنه كربة؟ فأنا سأفرج عنك كربات، وأقضي لك مصالحك، مادام أنك فرغت وقتك وحياتك من أجل هذا الرجل، فسوف أفرج عنك كربتك، وأقضي عنك ديونك وحوائجك، ولكن كن أنت عبداً ربانياً.
стр. 467
فضل من كظم غيظه عن أخيه المسلم
ثم يقول ﷺ : (ومن كف غضبه ستر الله عورته).
الجنس العربي - وهو مادة الإسلام - يبدو أنه من تراب ساخن قليلاً؛ لأن أصلنا من الأرض التي أتينا منها، يعني: الله لما خلق أبانا آدم أمر جبريل أن يجمع له قبضة من تراب الأرض كلها، فجاء الناس على قدر الأرض التي جاءوا منها بنص الحديث.
فمنهم سريع الغضب سريع الفيء، أي أنه يغضب بسرعة، ويرضى بسرعة ومنهم سريع الغضب بطيء الفيء، أحياناً والعياذ بالله تغضب زوجتك مباشرة ولا ترضى إلا بعد مدة، وكذلك بعض الرجال فبمجرد أن يحصل خلاف بينه وبين أحد يظل عشر سنين وهو على هذه الحال غاضباً.
ومنهم من هو بطيء الغضب سريع الفيء، هناك أناس أعصابهم هادئة، والله يعطيهم شرح صدر.
الحسن البصري ﵀ كان عنده خادم بذيء اللسان، وقليل الأدب، والحسن يسكت عنه ويصبر عليه، فقالوا: يا إمام! أتجعل هذا الخادم معك هل هذا يعقل؟ قال: أتعلم على يديه الصبر! انظر يا أخي إلى هذا الصبر العجيب.
شخص آخر يقول له: والله لو كنت في مكانه لأدبته وضربته ضرباً مبرحاً.
فيبدو أن المصريين يغضبون بشدة، ولكن جل المصريين سريعي الفيء، يعني: تركب (الأوتوبيس) فتسمعه يتضجر من الزحام ويسب الدولة قائلاً: انظر إلى الضيق والزحمة! ولو نزل ولقي أحد المسئولين لرأيته يسلم عليه كيف حالك يا أستاذ فلان؟ لماذا لا نراك؟ هذه الحكومة طيبة جداً! سبحان الله! إن أثقل ما يوضع للعبد في ميزان الحسنات غيظ يكظمه وهو قادر على أن ينفذه، إنك أحياناً تكون عصبياً، يا أخي! أمسك نفسك قليلاً؛ لأنك إذا تملكت نفسك عند الغضب فقد سترت على نفسك، وستفرح بنفسك جداً.
ولذلك قال سيدنا موسى لإبليس: يا لعين! متى تتحكم في بني آدم؟ قال: عندما يغضب ابن آدم يصير في أيدينا كالكرة في يد الصبي يقلبها كيف يشاء.
فعندما يغضب العبد يصير في يد الشيطان كالكرة في يد الولد الصغير، والشياطين يجعلون بأسنا بيننا، ولذلك أريد منك ألا تجيب امرأتك إذا أتيت من عملك متعباً وهي غاضبة، فهناك شيطان من أولاد إبليس عمله أن يزرع الخلاف بينك وبين زوجتك، يأتي إلى المرأة فيقول: ردي عليه، فترد على زوجها، ثم يأتي إليك أنت ويقول: ألا تسمع ما تقول؟! رد عليها ولا تسكت، فيرد عليها، فترد المرأة عليه أشد مما رد، فيأتي إليك ويقول: إنك يا رجل صاحب البيت، مد يدك عليها واضربها، فتضربها وتلصقها في الجدار، فيأتي إليها كذلك، ويقول لها: قولي له: إن كنت رجلاً فطلقني، ويأتي إليك، فيقول لك: بالطبع أنت رجل وابن رجل، ولكن إذا كنت رجلاً حقيقياً فطلقها فيقول الرجل: إنني رجل وابن رجل، وسأطلقك، أنت طالق.
ثم بعد ذلك يأتي إلى الشيخ: يا شيخ! إنني كنت مغضباً، وقرأت في الكتاب أن الشخص إذا كان غاضباً لا تقع طلقة نقول له: في ساعة الغضب عندما أوقعت الطلاق على زوجتك لماذا لا توقعه على أمك؟ يقول: لا إنها أمي، فنقول له: إذاً أنت تفهم وتعلم أن هذه زوجتك، وأن هذه هي محل الطلاق فطلاقك إذاً وقع، ولا تمزح في دين الله، أمسك عليك لسانك، فأنت تملك الكلمة قبل النطق، فإذا نطقت بها ملكتك.
قال ﷺ : (تكشف عنه كرباً أو تقضي عنه ديناً، ومن كف غضبه ستر الله عورته)، يعني: نحن لنا عورات والله عندما نكف غضبنا يستر عوراتنا، اللهم استر عوراتنا في الدنيا والآخرة يا رب العالمين! قال ﷺ : (ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضا) يجعلك الله راضياً، لأنك ماذا ستكسب إن أنفذت غيظك؟ افرض أن شخصاً ظلمك فدعوت عليه، ودعوة المظلوم مستجابة، فإن الله يقول لك: إنك تدعو على الظالم وأنت قد ظلمت، وإن المظلوم يدعو عليك، فإن شئت أجبنا لك وأجبنا عليك، وإن شئت أخرتكما حتى يسعكما عفوي يوم القيامة، إذاً: أتحب أن يكون لك وعليك؟ فانتظر حتى يكرمك الله .
ولا تدع على الظالم؛ لأن ظلمه أسرع إليه من دعائك عليه، الظالم تصل إليه العقوبة قبل أن تدعو عليه أنت.
стр. 468
فضل من مشى في حاجة أخيه المسلم
وقال ﷺ : (ومن مشى في حاجة أخيه المسلم حتى يثبتها له ثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل).
سوء الخلق مصيبة، العصبية والحماقة مصيبة، لكن الإنسان يتعلم الحلم، يقول الشاعر: كاد الحليم أن يكون نبياً ويقول ﷺ : (إن أفضل العطية ما أعطيت الرجل قبل المسألة، فإن سألك فأعطيته، فإنما تعطيه ثمن ماء وجهه الذي أراقه).
يعني: أفضل المسألة أن تعطيه قبل أن يسأل هو؛ لأنه إذا سأل فأعطيته فإنما تعطيه ثمن ذل المسألة.
جاء رجل إلى سيدنا علي وهو جالس مع أصحابه، فجاء على رمل عنده وكتب عليه كلمتين يسأله، فسيدنا علي مسح الكلمتين قبل أن ينتبه لها أحد، ثم كتب الإمام علي للرجل كلمتين، فلما نظر الرجل إلى الكلمتين مسح سيدنا علي على الكلام وقال له: إلى بيتك كأنك ما سألت وسوف يأتيك ما رزقك الله به، لا يريد أن يفضحه على صفحات الجرائد، فهؤلاء هم الناس القدوة!
стр. 469
حديث علي بن أبي طالب في فضل إسداء المعروف
يقول النبي ﷺ لـ علي: (يا علي كن سخياً؛ فإن الله يحب السخاء) وقلنا: إن الكريم قريب من الله وقريب من الناس، والبخيل بعيد عن الله، وبعيد عن الناس، وبعيد عن الجنة، وقريب من النار.
يقول ﷺ : (يا علي! كن سخياً؛ فإن الله يحب السخاء، وكن شجاعاً؛ فإن الله يحب الشجاعة) الشجاع: الذي يقول الكلمة ولا يخاف في الله لومة لائم؛ لأنك لو قلت كلمة الحق حوسبت عليها فمت بسببها فإنما تموت بقضاء الله، لا تظن أنك مت من أجل أنك قلت هذه الكلمة.
قال ﷺ : (وكن غيوراً فإن الله يحب الغيور) ولذلك أي شخص امرأته وابنته وأخته ليست محجبات ليس بغيور، وإنما هو ديوث ومكتوب على باب الجنة: (لن يدخل الجنة ديوث) والديوث: الذي يرى القبح في أهله ويسكت عليه.
يا أخي! قل لزوجتك: لا تخرجي من البيت إلا بحجاب، فإن قالت: أنا لن أتحجب، فقل لها: لن تخرجي من البيت وإن خرجت فسوف أصنع وأصنع هددها، لا خروج إلا بحجاب، هي تريد أن تأتي إلى خالتها أو عمتها أو أمها وهي لابسة لبساً جميلاً لا يظهر منها شيء إلا رجلاها وذراعاها وشعرها ورقبتها!! بالله عليك ماذا تقول في هذا المجتمع الذين نعيش فيه؟! تأمر بالمعروف تجد الكل يهاجمك ويقول: أنت المخطئ، تقول لك أمك: أنت لم تلق إلا هذه، إنها تمشي في ما يرضي الله! فأنت إن كنت رجلاً فقل لها: لا تخرجي بدون حجاب، فأهل العلم يقولون: المرأة لا تخرج من بيتها إلا محجبة، وأنت زوجتي ويوم القيامة أنا مسئول عنك.
قال ﷺ : (وكن غيوراً فإن الله يحب الغيور، وإن امرؤ سألك حاجة فاقضها، فإن لم يكن لها أهلاً كنت أنت لها أهلاً) يقول الناس: لا تصنع المعروف في غير أهله فتندم، وأنا قد قلت: إن هذه المقولة خاطئة، هذه ليست حكمة، هذا كلام خطأ، اسمع كلام الرسول ﷺ : (اصنع المعروف في أهله وفي غير أهله، فإن صنعت المعروف في أهله فقد أصبت أهله، وإن لم تصنع المعروف في أهله فأنت أهله) إن صنعت المعروف في غير أهله فأنت أهل للمعروف.
فأدخل السرور على امرأتك واجعلها دائماً راضية، وأدخل السرور على بنتك لا تنكد عليها، واجعلها تصاحبك، من أجل ألا تفضل صاحبتها عليك، قل لها: ما بك يا ابنتي! لماذا أنت حزينة؟ ما لك متضايقة؟ عندما تريدين شيئاً فاطلبيه مني، فالبنت بطبيعة الحال تشعر بالأمان، لكن عندما تقول لها: أنا مشغول، والأم مشغولة، فإلى أين تذهب البنت؟! لذلك أهيب بالمسئولين على التعليم أن يتقوا الله في بناتنا، ولا داعي للدراسة بعد الظهر، البنت تخرج من مدرستها المغرب الساعة السابعة وعمرها سبعة عشر عاماً، والمدارس بعيدة، فتأتي البنت من باب السوق، والشارع مظلم، أنا بنفسي أخاف أن أمشي وحيداً منه! فعندما تخرج البنات يتعرض لهن الأولاد الذين هم في غاية من الوقاحة، والذين يفتخرون بوقاحتهم ويقول القائل منهم: هذا الولد الصايع هو هو! أما صاحب المسجد فسوف يدخلنا في داهية، هم يقولون عليكم هذا القول! يقولون: الشاب الذي هو في المساجد هذا متطرف، وهذا هو الذي سيدخل البلاد في داهية، وأنا مشيت بنفسي على رصيف الشارع فوجدت مجموعة من شباب الأندية، وإذا بهم يقولون: هذا الذي سيعمر البلد! بل هو هذا الذي سوف يخربها.
يقول ﷺ : (إن الله ليبعث المعروف يوم القيامة في صورة الرجل المسلم، فيأتي صاحبه إذا انشق عنه قبره فيمسح عن وجهه التراب) المعروف يمسح عن وجهك التراب أول ما يلتقي بك! يقول ﷺ : (ويقول: أبشر يا ولي الله، لا يهولنك ما ترى من أهوال يوم القيامة فلا يزال يقول له: احذر هذا، اتق هذا، يسكن بهذا روعه حتى يجاوز به الصراط، فإذا جاوز به الصراط عدل به إلى منازل الله في الجنة، ثم ينثني عنه المعروف فيتعلق به يقول: يا عبد الله! من أنت؟ خذلني الخلائق يوم القيامة وما خذلتني، يقول: أما تعرفني؟ أنا المعروف الذي عملته أنت في الدنيا بعثني الله خلقاً ليجازيك به يوم القيامة).
إذاً: لا تقصر في عمل المعروف ما دمت تقدر على ذلك، وإذا لم تستطع فادع له بالتيسير وستفرج إن شاء الله.
стр. 470
وصف الجنة وأهلها
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [هود:١٠٦].
الأصل أننا نتكلم عن الجنة، ولكن قبلها نتكلم عن هذه الآيات التي تكلمت عن النار والعياذ بالله! قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧].
قوله: (ما شاء ربك) هل الكافر سيخرج من النار؟
الجواب
لا، العربي كان إذا أراد أن يعبر عن ديمومة الشيء يقول: إن هذا الشيء دائم لا ينتهي ما دامت السماوات والأرض؛ لأن العربي عندما نشأ في الجزيرة فوقه سماء، وتحته الأرض، وعاش أجداده وآباؤه ولم تنته إذاً: كان هذا دليلاً على أن الشيء دائم فأصبحوا يقولون: ما دامت السماوات والأرض، إذاً: الذين شقوا والعياذ بالله في النار ما دامت السماوات والأرض.
قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧] المستثنى هنا: من قال لا إله إلا الله، حيث قال: (أخرجوا من النار كل من قال لا إله إلا الله)، ولكن الكارثة أن بعض النساء اللائي لسن بمحجبات يقول لهن بعض الناس: ألم يقل لكن الشيخ: كل من قال لا إله إلا الله سيخرج من النار؟ الأمر سهل ستدخلينها مدةً ولكن هذه المدة كم مقدارها؟! اليوم عند الله كخمسين ألف سنة، فخمسة أيام بربع مليون سنة، وعشرة أيام بنصف مليون سنة، والشهر أكثر، وهذه مصيبة! يقول تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢].
والعبد لا ينظر إلى صغر الذنب، ولكن لينظر إلى عظمة من عصى، كان أحد الصالحين يقول: لو أوعدني -لو هددني- الله بأن يحبسني في حديقة، لكنت من الخائفين، فما بالكم وهو يهددنا أن يحبسنا في النار؟! ثم يقول تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] فالعطاء غير منقطع ولا منته، إذاً: الذين في الجنة هؤلاء هم أهل السعادة.
стр. 471
صفة الجنة في سورة الرعد
ويقول تعالى في سورة الرعد: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد:٣٥] والمقصود من الآية أن الأكل والظل دائم، لكن في الدنيا الأكل قد ينتهي؛ ولذلك الناس الذين في روسيا لا يجدون اليوم ما يأكلون، وقد تحصل مجاعة في أي بلد، لكن في الجنة لا توجد مجاعة.
الله عنده خير، وعنده خزائن لا تنفد، ولذلك يؤتى بك يا أيها الفقير الذي لم تذق طعم الراحة فيقال لك: كل يا من لم تأكل ولم تشرب، تنعم يا من لم يتنعم في الدنيا، لذلك قلنا إنه يؤتى بأبأس أهل الأرض ويغمس في الجنة غمسة ثم يقال له: (يا عبدي! أرأيت بؤساً من قبل قط؟ فيقول: وعزتك وجلالك، أنا في النعيم منذ أن خلقتني)، يعني: مجرد أن غمس غمسة واحدة في الجنة نسي كل شيء، نسي امرأته، ونسي هم أولاده وجاره الذي كان يؤذيه، فكيف إذا مكث فيها باستمرار؟ قال ﷺ : (ويؤتى بأنعم أهل الدنيا فيغمس في جهنم غمسة فيخرج كالفحمة السوداء، فيقال: عبدي هل رأيت نعيماً من قبل قط؟ فيقول: وعزتك وجلالك، لأنا في الشقاء منذ أن خلقتني).
وجاء في الأثر: إن أول شربة يشربها المؤمن من حوض الكوثر تجري في وجهه نضرة النعيم، ثم الشربة الثانية تنزع الحقد والهم والغل الذي في قلبه وعندما يدخل الجنة لا يمن على أحد.
стр. 472
صفة الجنة في سورة محمد
وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد:١٥] ومعنى (ماء غير آسن) أي: غير راكد وإنما هو ماء متجدد وجار.
قال تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد:١٥] فاللبن في الجنة ليس مثل لبن الدنيا، وإنما هو أنهار من لبن، وليس طعمه ولونه كلبن الدنيا، وإنما سماه الله لبناً لكي يقربه إلى الأفهام.
قال تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد:١٥] أي: ليس فيها كحول، ولا تسكر العقول، لأنك حرمت على نفسك خمر الدنيا فعوضك الله عنه خمر الجنة.
قال تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد:١٥] أي: لا يوجد فيه شمع، وهذا الشمع يأتي من النحل، لكن العسل الذي من عند الله عبارة عن أنهار في الجنة! كل هذا النعيم للناس المساكين في الدنيا، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة.
قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد:١٥] بعد كل هذا النعيم الثمرات التي تعرفها والتي لا تعرفها من الفواكه الغريبة التي لا توجد في الدنيا.
قال تعالى: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد:١٥] هذا أكبر وأجمل شيء.
قال تعالى: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ [محمد:١٥] أيعقل أن يكون هذا المؤمن الذي له كل هذا كمن هو خالد في النار؟ هل يستوون عند الله؟ لا يستوون.
قال تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥] أي: أهل النار، ولا داعي للتطرق لهم الآن، نحن في صفة الجنة وأهلها.
стр. 473
وصف الجنة وأهلها في سورة الفرقان
لنأت إلى الفرقان أولها ونصفها وآخرها، في أول الفرقان يقول تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ [الفرقان:١١] أي: ينكر الساعة بالمرة يقول لك: لا، يا أستاذ! المشايخ يضحكون عليكم فقط في الجامع من أجل أن يأتوا بكم إلى المساجد.
قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان:١١] والعياذ بالله رب العالمين.
﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [الفرقان:١٢] كما قلنا في حلقات النار: إنه ستخرج منها أعناق تلتقط أصحابها كما يلتقط الطير الحب، تشم رائحة صاحبها المتكبر والمتجبر والمغتاب والنمام والحسود والحقود، كل هؤلاء تأخذهم والعياذ بالله! قال تعالى: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان:١٢] تأكل بعضها! ولذلك كان الحسد من الكبائر لأنه صفة من صفات أهل النار؛ ولأن الحسود يأكل نفسه، حاله مثل حال النار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله، والعياذ بالله! قال تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ [الفرقان:١٣] أي: عندما يقدمون فيها مكبلين بالأغلال والسلاسل والعياذ بالله! قال تعالى: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان:١٣] الثبور: هو الهلاك والدمار والعياذ بالله رب العالمين! قال تعالى: ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا﴾ [الفرقان:١٤] إنه ليس هلاكاً واحداً، وإنما هو عدة هلاكات وراء بعضها، ولذا قال: ﴿وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان:١٤].
ثم بعد ذلك قال: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الفرقان:١٥] الله يقول لسيدنا محمد: قل يا محمد لهم: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ [الفرقان:١٥]، أيعقل أن تستوي جهنم التي تنادي على أصحابها وهم يسمعون لها تغيظاً وزفيراً، وعندما يلقون فيها يلقون مقرنين بالأصفاد ويقولون: يا هلاكنا! يا ويلنا! يا شقاءنا! أهذا خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون؟! اللهم اجعلنا من أهل التقوى لابد أن ندعو ربنا .
ثم يقول تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤] (مقيلاً) أي: يقيل فيها وهو مستقر في القيلولة.
ثم يقول تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان:٧٥ - ٧٦].
стр. 474
وصف الجنة وأهلها في سورة (ق)
ويقول تعالى في سورة (ق): ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق:٣١] يعني: قربت من أجل ألا يتعبوا، وكذلك غير بعيد في الدنيا، الذي يريد أن يدخل الجنة فإنها قريبة منه؛ لأن لها أبواباً وأماكن، فهذه المنطقة التي نجلس عليها الآن قطعة من الجنة: (إذا رأيتم رياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: مجالس العلم) يقول: إنك جالس في روضة من رياض الجنة، أتريد أن تذهب إلى أين تذهب؟ يقول لك: أريد أن أجلس حتى الصباح، إلى أين أذهب؟ أول ما أخرج من المسجد لا أسمع إلا البلاء والمشاكل؛ فالجنة قريبة بالصبر، إذا أردت أن تقرب من الجنة فاصبر، ونحن في الدنيا في دار ابتلاء، وهنيئاً للذي يبتلى ويصبر، ومن أصعب أنواع الابتلاءات موت الابن العزيز عليك، أو البنت، فلو صبرت أجرت، يقول الله : (أقبضتم روح ولد عبدي؟ يقولون: نعم يا رب، أخذتم فلذة كبده؟ يقولون: نعم يا رب، يقول: وماذا صنع عبدي؟ قالوا: حمدك واسترجع، قال: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد، ولا تكتبوا عليه سيئة حتى يموت).
إذاً: هذه هي الجنة، الأولاد الذين ماتوا صغاراً، الذين نزلوا إلى الدنيا ولم يعمل أحدهم إلا صوتاً أو مكث قليلاً ومات، هؤلاء يحدثون ضوضاء على باب الجنة والحساب لم يبدأ بعد، فيقول الله: ما هذا الذي أسمع يا جبريل؟ فيقول: يا رب! هؤلاء أبناء المسلمين الذين ماتوا صغاراً، رفضوا دخول الجنة إلا بصحبة آبائهم وأمهاتهم، فيقول: يا جبريل! من صبر من آبائهم وأمهاتهم فأدخلوهم معهم! الذين غرقوا في البحر كأصحاب الباخرة هؤلاء شهداء عند الله، والمرأة إذا ماتت وهي تضع شهيدة عند الله ، وشخص صدم بحادث سيارة فمات هو شهيد عند الله، وشخص سقط من مكان عال فمات هو شهيد عند الله، لكن المهم أن يكون عبداً لله ، والحمد لله شهداء أمة محمد كثيرون! فكل هذه أبواب من أبواب الجنة، لكن الذي يراد منك هو الصبر، قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ [ق:٣١ - ٣٢].
ما معنى الأواب؟ الرجاع إلى الله، يعني: أنه يخطئ ويرجع مرة أخرى، ويخطئ ثم يرجع مرة أخرى، مثلما حكينا عن الحسين ﵁ أنه جاء إليه رجل وحاله كحالنا فقال: يا إمام! عندي مرض، قال له: ما مرضك؟ قال له: مرضي أني كلما أريد أن أتوب أرجع إلى الذنوب مرة أخرى! بالله عليك أليس حال هذا الرجل كحالنا؟ قال له: سأدلك على حلول خمسة: قال له: هات الأول، قال: إن أردت أن تعصي الله فاعصه في مكان لا يراك فيه، قال له: وهل يعقل أن أعصي في مكان لا يراني فيه؟! بل يرى ويسمع دبيب النملة السوداء، فوق الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، فلا ورقة من شجرة تسقط إلا وهي مكتوبة عنده في كتاب، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب، ولا يابس إلا مكتوب كله عنده! ثم قال: أعطني الدواء الثاني قال له: إن أردت أن تعصي الله فاعصه في ملك غير ملكه، فكيف تعصيه في ملكه؟ هل يعقل أن أدخل بيتكم وأقل أدبي؟! سأكون قليل أدب.
ثم قال له: هات الثالثة، قال له: إن أردت أن تعصي الله فلا تأكل من رزق الله، يعني: كيف تأكل من رزق الله وتعصيه؟ إن الرجل ينفق على ابنه ومجرد أن الولد لا يحترم أباه إذا به يقول له: إنني قد أنفقت عليك كذا وكذا، فقال له الرجل: لا لا، إن هذه أصعب من الأولى.
ثم قال له: إن أردت أن تعصي الله وجاءك ملك الموت فقل له: أخرني حتى أتوب، قال له: هذا لا يعقل.
الخامسة قال له: إن أردت أن تعصي الله ووقفت بين يديه يوم القيامة وقال لك: عبدي لم عصيتني؟ فقل له: أنا لم أعصك يا رب، قال: أكون كذاباً في الدنيا وأكذب على الله يوم القيامة! أشهد الله أني قد تبت إليه توبة نصوحاً.
إذاً عندما تقترف الذنب جرب هذه الخمسة؛ أعصه في مكان لا يراك فيه، وفي ملك غير ملكه، ولا تأكل من رزقه، وعندما يأتيك ملك الموت قل له: انتظر حتى أتوب، وعندما تقف بين يدي الله قل له: أنا لم أذنب، لا يصح هذا كله، إذاً: تب أفضل لك.
قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ [ق:٣١ - ٣٢].
الحفيظ هو الذي يحافظ على حدود الله ، قال النبي ﷺ : (إلا وإن لكل ملك حمى، إلا وإن حمى الله محارمه) فلكل ملك حمى، تأتي إلى منطقة معينة تجدها مقفلة ممنوع الدخول فيها؛ لأن هذه المنطقة تبع للوزير الفلاني، وهذه المنطقة تبع لفلان، وهذه تبع الهيئة الفلانية، لا تدخل إن هذا حمى، والدخول في الحمى غلط، كذلك في حمى الله .
قوله: (لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظ) أي: محافظ على كتاب الله، محافظ على سنة الحبيب ﷺ ، محافظ على أوامر الله، يحافظ على أنه لا يدخل فيما حرم الله، من هو هذا؟ قال تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [ق:٣٣] أي: الذي يحفظ الله ويخشاه بالغيب، قال تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣٣] أي: قلبه منيب إلى الله، قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤] لابد أن ترجع، ورجعتك تكون لله رب العالمين.
قال تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق:٣٤] الذي يعيش مع الناس بسلام سوف يدخل في دار السلام، والذي يعيش مع الناس في حروب وصراعات ومشاجرات ومحاكم لن يدخل بسلام.
وهذا حبيب النجار صاحب (يس) عندما جاء رسولان من قبل الله ، فأصحاب جنوب فلسطين كذبوهم، قال الله: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس:١٤] أتى برسول ثالث ولكن لا فائدة، أتى حبيب النجار ومكث ينصحهم ويدعوهم: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ [يس:٢١] فلم يعجبهم كلام حبيب النجار؛ لأن هناك أناساً يضيقون ذرعاً بكلام المصلحين؛ فأضجعوا حبيب النجار ووقفوا على بطنه فخرجت أمعاؤه من دبره، فمات شهيداً.
فأول ما مات أحياه الله حياة برزخية ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧] فأول ما مات قال الله له: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ [يس:٢٦] ومثل عروة بن مسعود الثقفي ﵁، عندما أسلم وأراد أن يرجع إلى قومه قال: يا رسول الله إني أسلمت وسأعود لأدعو قومي إلى هذا الدين القويم، قال له: يا عروة سيؤذونك، قال: لا تخف يا رسول الله! إن قومي لو وجدوني نائماً لما أيقظوني، فلما رجع إليهم دعاهم إلى الله وإلى الإسلام فرفضوا دعوته وأسمعوه من الأذى، فلما كان وقت الفجر قام ليؤذن فرماه رجل بسهم فقتله، فقال ﷺ : (رحم الله عروة إنما هو كـ حبيب النجار) فهو شبيه بـ حبيب النجار صاحب يس، يسمى بصاحب يس، كمثل صاحب غافر التي هي سورة المؤمن، الذي هو مؤمن آل فرعون، رضي الله عن الجميع، وحشرنا الله وإياكم في زمرة الصالحين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 475
سلسلة الدار الآخرة_الجنة ومؤمن آل فرعون
الجنة دار النعيم المقيم والنار دار العذاب الأليم، ومن المؤمنين الذين ذكروا في القرآن واستحقوا الجنة مؤمن آل فرعون الذي جهر بالحق ونصح قومه ودعاهم إلى الجنة وحذرهم من النار.
стр. 476
التمسك بالأسباب الموصلة إلى رحمة الله
اللهم اجعلنا من أهل الجنة يا رب العالمين! اللهم أدخلنا الجنة بدون سابقة عذاب، اللهم قربنا من الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأبعدنا عن النار وما قرب إليها من قول أو عمل.
اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا أذهبته، ولا هماً إلا فرجته، ولا صدراً ضيقاً إلا شرحته، ولا طالباً إلا نجحته، ولا شيطاناً إلا طردته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مظلوماً إلا نصرته، ولا ظالماً إلا هديته، ولا مسافراً إلا رددته لأهله غانماً سالماً.
اللهم فرج كرب المكروبين، اللهم فرج كرب المكروبين، اللهم فرج كرب المكروبين، ولا تجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً.
اللهم حبب الإيمان إلينا وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا مولانا من الراشدين.
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، اللهم ول أمورنا خيارنا، ولا تول أمورنا شرارنا، وأصلح يا رب! أحوالنا، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، إنك يا مولانا! على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.
وصلى الله وسلم على البشير النذير، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم يا رب! تسليماً كثيراً.
وبعد: فقد عشنا حلقات ثمانياً في الجنة، وهذه هي التاسعة بإذن الله رب العالمين، اللهم اجعلنا من أهل الجنة يا رب العالمين! والمسلم يعيش على الأمل، ويعبد الله والأمل يحدوه إلى رحمة الله، فلولا الأمل لما استمرت الحياة، ولولا أن يحيا الإنسان على الأمل لضاقت السبل بين يديه، ولكن المؤمن دائماً يجب أن يكون مؤملاً في رحمة الله ، بعد أن يسلك الأسباب التي قدرها الله له، بأن يتجنب المحارم ويستقيم على طريق الله، ويتوكل على الله حق التوكل، وأن يكون بما في يد الله أوثق مما في يده هو، وأن يزهد في الدنيا، وألا يزهد في مجالس العلم.
وهناك أناس كثيرون جداً عندهم زهد لكن ليس في الدنيا، وإنما زهده في مجالس العلم، وربما هذه النصف الساعة التي نجلسها في مجالس العلم يكون بيننا فيها رجل صالح أو امرأة صالحة فينظر الله إليه نظرة رضا فيرضى عن الجميع من أجله.
ولذلك كان سيدنا عمر ﵁ عندما يجد صغاراً يلعبون في الشارع يدخل وسطهم، ويقول: السلام عليكم، فيردون: وعليك السلام يا أمير المؤمنين! فيقول: ادعوا لي، فيفهم الأولاد، فهم أولاد الصحابة، ويقولون: أندعو لك يا أمير المؤمنين؟! فيقول: إنه لم يجر عليكم القلم بعد، ولم تزل دعوتكم غضة طرية مقبولة.
وكان ابن عمر يختم القرآن كل ليلة جمعة، ويرتب أموره هكذا، فيختم القرآن أربع مرات في الشهر، ونحن نريد أن نعمل مثل ابن عمر إن شاء الله، ومن أحب قوماً حشر معهم.
اللهم اجعلنا من أهل القرآن يا رب، ومن المحبين لأهل القرآن يا رب! فـ ابن عمر كانت تأتي ليلة الجمعة فيجمع أولاده وأطفال الحي ويدعو في ختام القرآن والأطفال يؤمنون على الدعاء.
ولم يكن يعمل مثل المصريين اليوم يوزعون الثلاثين جزءاً على ثلاثين شخصاً ويقولون لك: نحن ختمنا القرآن.
ويريدون أن يعملوها بالحساب مع الله، وهذا استهبال، وكل واحد إنما قرأ جزءاً، وأنا لا أقول لك: حرام ولا بدعة، لكن لا أقول لك إنك أخذت ما أخذه من قرأ القرآن كله.
وهذا الأمر انتشر بين الناس كلهم، ونحن نريد أن نتأسى برسول الله ﷺ ، فالمصريون اخترعوا شيئاً لم يعرفه الصحابة وكأنهم أنصح من أبي بكر في الإيمان، وأقوى ديناً من عمر، وأنصح يقيناً من عثمان، وأقرب إلى الله من علي، وأعلم بسنة رسول الله من عمار ومن بلال! فهؤلاء لم يعملوا هذه الحكاية، وهذه لم تظهر إلا في عصور التكاسل عن العبادة، فنقعد كلنا قعدة واحدة وكل واحد يقرأ جزءاً، وما أسهلها من طريقة، فهي سهلة جداً.
ويقول لك: جاء في الحديث: (سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن).
ويقول لك: الذي يقرؤها ثلاث مرات كأنه قرأ القرآن كله.
ونعم هي تعدل ثلث القرآن؛ لأن القرآن ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين آية، وفيه تقريباً ألف آية تتحدث عن التوحيد، فثلث القرآن يتحدث عن التوحيد؟ وسورة الإخلاص كلها عبارة عن توحيد، وفيها المعايير التي في الألفين آية التي في التوحيد، وليس معنى هذا: أن من قرأ سورة الإخلاص ثلاث مرات كان كمن ختم القرآن.
وقد ورد في الحديث أن: (من صلاة في المسجد الأقصى تعدل ألف صلاة، وصلاة في مسجدي هذا تعدل عشرة آلاف صلاة، وصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة)، يعني: الذي يصلي ركعتين في المسجد الحرام يثاب ثواب مائة ألف ركعة، ويأخذ ثواب مائة ألف ركعة، وهذا خطاب جميل جداً، فلو صليت في أسبوع ثلاثمائة ركعة، فاضرب ثلاثمائة في مائة ألف يصبح لنا عند ربنا صلاة ثلاثين سنة، وهذا استهبال واستهزاء، وإذا قيل هذا الكلام للناس فإنهم يتلكئون في العبادة.
والعبادة لها قانون، كما أن للكرة قانوناً، حتى المخرج يقعد أمام الكاميرا ويقول لك: هذا غير مضبوط، أعد المشهد مرة أخرى.
سبحان الله! المخرج عنده قانون في التسجيل وفي الإخراج، وأنت في دين الله تريد أن تمشي من غير قانون؟! ونحن لنا كتاب وسنة، ولنا علماء، وما زالت والحمد لله مصر مليئة بالخير بفضل الله ، وأهل العلم الصادقون فيهم، والمزيفون موجودون أيضاً في كل مكان، ونحن لا نريد أن ننحرف بعيداً عن كتاب الله، فاللهم اجعلنا من العاملين بكتابك وسنة رسولك ﷺ يا رب العالمين!
стр. 477
الاتباع هو طريق الجنة
ما زلنا في آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن الجنة، وسنطوف في الجنة ونقطف أزهاراً ووروداً جميلة زكية عظيمة كريمة من كتاب الله الكريم ونحن نتحدث عن الجنة؛ لأن حديثنا عن الدار الآخرة قد اقتبسناه من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ ، لا يوجد حديث عن الدار الآخرة موضوع بالقياس ولا بالاجتهاد ولا بالمخ، وإنما قال الله قال رسوله ﷺ .
آخر الآيات التي توقفنا عندها في الحلقة السابقة كانت مع سورة يس، وكانت مع صاحب يس حبيب النجار، فإن حبيب النجار الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢٠ - ٢١]، يعني: إذا كنت تريد أن تدخل الجنة فاتبع المرسلين.
стр. 478
صكوك الغفران
وهناك في الأديان الأخرى يوجد صك الغفران في الكنيسة، يذهب ويقعد الزبون المذنب على الكرسي -كرسي الاعتراف- أمام أبوه، ثم يعترف له، ويقول له: يا أبت! أنا عملت وفعلت والأب يسمع، إذاً: ستدفع كم للكنيسة.
وعلى قدر ما يدفع تكون المغفرة.
فيقول: أدفع مثلاً خمسة آلاف جنيه.
فيقول: لا، هذه لا تنفع، ولا تخرجك من جهنم، ويقول له: زد قليلاً.
فيقول له: سبعة.
فيقول: أيضاً زد قليلاً.
فيقول له: عشرة آلاف.
فيقول له: نعم، عشرة آلاف جيدة.
ثم يقول له: أنا أبشرك، بعدما تدفع عشرة آلاف اذهب فقد غفر يسوع الرب لك، وأنت لن تدخل النار، فقد انتهى موضوعك.
والإسلام أعظم من هذا بفضل الله، هذا اسمه ضحك على الدقون، أناس مجانين يقودون أهل العمى.
стр. 479
كيفية التوبة في الإسلام
ونحن في دين الله الإسلام الدين الصحيح لا يوجد كلام التهريج، فالذي يذنب ذنباً صغيراً أو كبيراً لا يوجد شيء اسمه اعتراف أو أي كلام من هذا، وإنما يجب إذا أذنبت أن تستر ذنبك، وربنا من أسمائه الستير، فإذا أذنبت فلا تخبر أحداً، وتب بينك وبين ربنا، فقم وتوضأ وصل ركعتين، ركعة تقرأ فيها الفاتحة والكافرون، وركعة تقرأ فيها الفاتحة والإخلاص بنية التوبة، فإذا صليت هاتين الركعتين بنية التوبة ولم تحدث نفسك فيهما بشيء يعني: حاولت تركز فيهما، فقد خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك.
فلا تعترف أمام أحد، فأنت عملت الذنب بينك وبين نفسك وربنا هو الذي رآك، إذاً: فارجع إلى الله وأنب إليه حيث لا يراك أحد، وإنما يراك السميع البصير، فتقول: تبت يا رب! فيقول: قبلت يا عبد! وكأن العبد يقول: يا رب! إني قد أذنبت، فيقول: يا عبدي! وأنا قد رأيت، فيقول: يا رب! أنا قد أجرمت، فيقول: يا عبدي! وأنا قد علمت، فيقول: يا رب! إني قد انحرفت، فيقول الله : وأنا قد أمهلت، فيقول: يا رب! لقد عدت، فيقول الله له: وأنا قد قبلت.
وأفضل ما يحب أن يسمعه الرب من عبده كلمة: يا رب! والرب مشتق من التربية، والذي رباني هو الله، فهو الرب، والمرأة تسمى باسم لطيف جداً: ربة البيت، والمرأة قد تغضب جداً إذا كانت موظفة كبيرة أو أستاذة في الجامعة أو مهندسة، ثم تترك العمل وتخرج جواز سفرها أو البطاقة الشخصية الجديدة وفيها أنها ربة منزل، وتراها أعظم مهنة، ونحن عندنا الأم المثالية هي أن تكون ربة منزل.
стр. 480
بيان حب الله لعباده وحب عباده له
أعظم شيء أهداه الله إلينا وهدانا إليه هو الإسلام الدين الصحيح، وما دام أنه قد حبب إليك الإسلام وحبب إليك مجالس العلم فاعلم أن الله قد اختارك، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨].
فربنا اختارك لأجل أن تقعد هذه القعدة، فإذاً: هو يحبك، لكن المهم أنك تحبه، وكلنا نحب ربنا، ولكن درجاتنا في الحب مختلفة، أو تعبيراتنا في الحب أو عن الحب متباينة، فشخص يعبر عن الحب بكثرة البكاء، وشخص يحب ربنا بأن يقوم الليل، وآخر يصوم ويكثر من الصيام، وشخص يتصدق، وشخص يستخدم جاهه في خدمات الناس، وشخص يفرج الكربات عن الناس.
فكل يعبر عن حبه لله والتقرب منه بالعمل الذي يسره الله له.
اللهم يسر لنا حبك يا رب العالمين! قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] وأحب العباد إلى الله كما قال: من أحبني وحببني إلى عبادي وحبب العباد إلي، وكونه يحبب العباد إلى الله ويحبه هذه واضحة، أما كيف يحببه للعباد فقال الله: يذكرهم بنعمائي، فيحبني عبادي، فأحبهم، فأرضى عنهم، فأنعمهم في الجنة، فيبدأ العبد يذكر الناس بنعم الله عليهم، وأنت حين تعد نعم الله لا تستطيع أن تعد، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤] ولا يستطيع إنسان أن يحصي نعم الله أبداً.
стр. 481
بعض السور التي ورد لها اسمان
سورة المؤمن هي سورة غافر، فلو وجدت في مصحف من المصاحف سورة المؤمن فلا تقل: هذا المصحف محرف، وهي مثل سورة الإسراء تسمى سورة بني إسرائيل، وسورة التوبة تسمى سورة براءة.
اللهم علمنا ما جهلنا وذكرنا ما نسينا يا رب العالمين.
стр. 482
أقسام الخوف
الحديث عن مؤمن آل فرعون هو حديث عن كل مؤمن يقول الحق، ولا يخاف في الله لومة لائم، والمؤمن لا يخاف إلا من الله، ولذلك روي في الأثر: خف من الله، وخف من ذنوبك، وخف ممن لا يخاف الله.
والخوف من الله معروف، والخوف من الذنوب حتى لا تلقيك إلى الهاوية، ويختم لك بها، اللهم اختم لنا بخير يا رب! وخف ممن لا يخاف الله، وهذه مقولة ذات وجهين.
فمثلاً: شخص لا يخاف من ربنا، ويفطر عمداً في رمضان، وتجده يشرب الدخان في نهار رمضان، فتقول له: عيب يا أستاذ فلان! فيقول لك: نحن لم نخف من ربنا، نخاف منك أنت؟! فهذه بدعة، ولو كان هناك دولة إسلامية فإنها تأخذه وتضعه في السجن وتمنع عنه الأكل، ولا تعطيه الأكل إلا في ساعة المغرب؛ لأنه يفطر في رمضان، فيجب أن يشهر به؛ لأنه مجاهر بالمعصية.
стр. 483
تردي الأخلاق وانتشار المعاصي، وواجبنا تجاهها
والفلاسفة يقولون: حرية الرأي، وليس عندنا في الإسلام حرية رأي في هذه المسألة، وأصحاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يغضبون، وعملهم مثل رجال المرور الذين ينظمون المرور في الشارع وشرطة المرافق وأصحاب الآداب، والمصيبة أن أصحاب الآداب لا يشتغلون إلا في قلة الأدب.
ونحن عندنا فرع من الآداب الذي يخرج عن الآداب الإسلامية، فتجد الواحد يسب الدين في الشارع، وآخر يضرب ولداً صغيراً، وثالثاً لا يصلي، ورابعاً يفطر رمضان عمداً، وامرأة تمشي بلباس خليع في الشارع وكل الناس تنظر إليها وترتكب المحرمات، وما دام لا يوجد حكم إسلامي فالذي نستطيع أن نعمله أن كل واحد يربط ويضبط بيته، لا أن نتركها غنماً بلا راع، فما لا يدرك كله لا يترك كله، والذي لا نستطيع أن نعمله كله لا نتركه كله، فنعمل على قدر ما نستطيع، وكل واحد في بيته، أنا في بيتي، وأنت في بيتك، وهذا في بيته، وهذه في بيتها، فينضبط المجتمع، وهذا الكم الذي معنا لو أن كل أحد استقام في بيته فكم أسرة ستستقيم، وهكذا المسجد الثاني والثالث والرابع، فستجد الخير ينتشر، ولا تيأس أبداً حين تلقى الشر ينتشر، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] فإن شاء الله الخير سيأتي.
стр. 484
لكل حاكم بطانتان
سيدنا موسى ذهب هو وأخوه هارون إلى فرعون وملئه، فقام يدعوهم، وجلس فرعون يستشير حاشية السوء، وأي حاكم على مستوى التاريخ كله له بطانتان، بطانة خير تحضه على الخير والحق، وبطانة شر تحضه على الشر والسوء، فأيهما غلب غلب، فلو كانوا أهل خير فسيدلونه على الخير، ولو كانوا أهل شر فسيأخذونه دائماً ويزينون له المعصية.
والمرأة لما دخلت على الحجاج بن يوسف فوعظته وأغلظت في الموعظة، فقال الذين حول الحجاج: اقتلها يا أمير! تتجرأ وتكلم الرأس الكبير بلا أدب، فتبسمت المسلمة وقالت: أصحاب أخيك فرعون كانوا أفضل من أصحابك.
فقال: لماذا؟ قالت: حاشية فرعون قالوا لـ فرعون: ﴿أَرْجِه وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٣٦ - ٣٧]، يعني: أنظره قليلاً، واعرض الوجه الآخر والرأي الآخر.
ونحن نقول دائماً: إن كثيراً من حكام عصرنا في البلاد التي تقول: إنها إسلامية لا يوجد عندهم ربع ديمقراطية فرعون، فإن فرعون المتجبر كان عنده ديمقراطية، فقد أراد أن ينتظر قليلاً؛ لكي يعرضوا وجه النظر الآخر.
стр. 485
عصمة كلام الرسول ﷺ
وكل الناس يؤخذ منهم ويرد إلا رسول الله ﷺ ، يعني: أي أحد قد تأخذ من كلامه وقد لا تقتنع به، إلا سيدنا الحبيب المصطفى ﷺ ؛ لأنه لا ينطق عن الهوى.
وأنا أخاف وأشعر برعب عندما أجلس في مجلس أحد يناقشني ويقول لي: يا سيدنا الشيخ! نحن جئنا زيارة خمس دقائق وسنقوم، هل الحجاب فرض؟ فأقول: نعم فرض يا أستاذ! فيقول: من الذي فرضه؟ فأقول: ربنا.
وترد المرأة وتقول: لكن الرسول ﷺ لم يقل هكذا.
وسبحان الله! فكأنما تنكر شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة، يعني: تنكر أمراً من أوامر الله.
فالمصيبة أن يكذب رسول الله ﷺ فيما يقول.
ويقول: إنه لم يقله.
فلا تقعد تتجادل مع شخص لا يفهم في الدين، فتقول له: الرسول ﷺ قال، ويقول لك: الرسول ﷺ لم يقل، فتخرجه من ملة الإسلام من غير أن تشعر.
وقد تقول له: هذا في البخاري، فيقول لك: البخاري كم فيه من حديث ضعيف!
стр. 486
الفرج بعد الشدة
في الأخير قرروا قتل موسى وأخيه، وهذه حجة الضعيف دائماً، وكما يقال: ارميه في السكة.
ثم يطلع من بين السواد نور، ويطلع في حلكة الليل ضياء القمر.
وإذا ادلهمت الظلماء وأحلولك عليك ظلام الظلم من حولك فثق أن الفرج قريب، وإذا ضاقت واستحكمت وظننت أنه لا مخرج ولا فرج منها فاعلم أن فرج الله آت، فإذا ضاقت عليك جداً جداً وقلت: إنها أقفلت فاعرف أنها ستفتح الآن ما دام أنها اشتدت جداً، فالله يترك العبد يأخذ كل أسبابه حتى يقول: يا رب! انتهيت من الذي عندي، فيقول له: نحن نخلص لك الموضوع، ويقول للشيء: كن فيكون.
فعندما تضيق بك الأحداث وتشعر أن كل الدنيا ضدك وأنك مظلوم وتقول: قد أقفلت ولا يوجد نتيجة فاعلم أن للكون مدبراً، وأن لله يداً تعمل في الخفاء، فدعها تعمل ولا تتعجلها، فإن الله لا يعجل لعجلة عبده، وإنما يقضي الأمر في الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد، وبالطريقة التي يريد لا بالطريقة التي تريد.
стр. 487
ثمرة التوكل على الله
وسيدنا أبو حمزة الكسائي ﵀ أحد التابعين سمع حديثاً عن أبي هريرة يبين أن الله أقرب إليك من حبل الوريد، وأن من سلك طريق الله فتح الله له الأبواب، قال أبو هريرة ﵁: (كنت سابع سبعة عند رسول الله ﷺ فقال الرسول ﷺ : من يبايعني؟ قال: فمددنا أيدينا) ولم يسألوه على ماذا؟ فقال: (ألا تسألون علام تبايعونني؟ قالوا: بايعناك يا رسول الله! -وهذا من الأدب- قال: بايعونني على ألا تشركوا بالله شيئاً، وأن تقيموا الصلاة، وأن تؤتوا الزكاة، وأن تنصفوا المظلوم، وألا تسألوا أحداً شيئاً إلا الله، قال: فكان الواحد يسقط سوطه من يده وهو على ظهر ناقته، فينزل عن ظهر الناقة ليأخذه قبل أن يسأل أحداً)؛ لكي يتم العهد والبيعة مع رسول الله ﷺ ؛ لكي تبقى المعاهدة مثل ما هي.
وأبو حمزة ﵀ تابعي والتابعون لم يروا الرسول ﷺ ، وإنما رأوا الصحابة، فقال: وأنا يا رب أي: عاهد الرسول ﷺ على ما عاهد عليه السبعة، فذهب يحج قادماً من الشام إلى مكة، وبينما هو يمشي تخلف عن الركب يقضي حاجته، فرجع وقد مشي الركب، فمشى وحده، فسقط في بئر ليس فيها ماء، قال: فقلت: أستغيث؛ لعل أحداً ينقذني، فتذكرت بيعتي لله ولرسوله ﷺ ألا أسأل أحداً شيئاً -والفلسفة الكذابة في زماننا هذا تقول: قل: يا سيدنا الشيخ! فسيجيبك، وهذا نظام لا ينفع- فسمع أصواتاً خارج البئر، والعربي كان يعرف البئر الذي فيه ماء والبئر التي ليست فيها ماء بالصوت، فقالوا: هذه البئر ليس فيها ماء، فحتى لا يقع فيه أحد نسده، وأبو حمزة تحته، فأتوا بخشب سدوه بالتراب، قال: فكدت أن أستغيث لولا أني تذكرت بيعتي لله ولرسوله ﷺ ألا أسأل أحداً إلا الله، قال: فجلست راضياً.
قال: فإذا بيد تمتد وتقول: هات يدك يا متوكل! يا مؤمن! قال: فأعطيته يدي فانتشلت من البئر، فرأيت نفسي على وجه الأرض، فلم أر أحداً، فسمعت صوتاً يقول: أرأيت ثمرة التوكل يا عبد الوكيل! والقصة هذه تصديقها أقرب إلى قلبي من تكذيبها؛ لأن هذا كلام تابعي من التابعين، ولكننا نحن نقيس بمقاييس المادة والنجاة وعدم النجاة، وكلما ازداد بالله يقينك كلما قلت أسبابك، وخطوتان وتصل: خطوة عن الدنيا، وخطوة إلى الآخرة، لأن اليقين يعوض السبب.
قال ابن عطاء الله: سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار.
يعني: كأن القدر له سور، فمهما تكن عندك من همة، فإن العمل لا يتم إلا بمرضاة الله، ففي حلكة الليل البهيم يظهر النور المضيء.
стр. 488
مؤمن آل فرعون ومدافعته عن موسى ﵇
فلما أراد فرعون وملؤه قتل موسى وهارون، إذا بصوت مليء بالإيمان هو صوت مؤمن آل فرعون، ومؤمن آل فرعون هو ابن عم فرعون.
وتخيل فرعون وهامان وجنودهما حاشيتهما وكل هؤلاء كفرة والعياذ بالله، وفيهم واحد كان يكتم إيمانه، فلما سمع أنهم يريدون أن يقتلوا موسى، وسيدنا موسى ﵇ كلمه الله أن فرعون يريد قتله.
يقول الحبيب المصطفى ﷺ : (إنما المؤمنون ثلاثة: حبيب النجار، ومؤمن آل فرعون، ومؤمن آل محمد) ومؤمن آل محمد هو أبو بكر الصديق؛ لأن الفرق بين مؤمن آل فرعون ومؤمن آل محمد: أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه، لكن الصديق حين كان أبو جهل وأبو لهب يؤذيان رسول الله ﷺ قال: (أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله)، كان في ذلك الوقت أبو بكر مظهراً لإيمانه، فهناك فرق.
стр. 489
إنكار مؤمن آل فرعون على قومه في قتل المؤمنين
قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨] أيعقل أن يكون هذا سبباً للقتل؟ يا ويل من قتل عالماً من العلماء، يا ويل من قتل من قال: لا إله إلا الله.
وأسامة ﵁ وعن أبيه زيد لما رأى كافراً في إحدى الغزوات ورفع السيف عليه قال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله فقتله أسامة، فبلغ الرسول ﷺ الخبر، فقال: (يا أسامة كيف تقتله وقد قال لا إله إلا الله، قال: قالها لما رأى بريق سيفي يا رسول الله) يعني: هو نطقها خوفاً، قال: (وماذا تصنع يوم القيامة بلا إله إلا الله، اللهم إني لم آمر ولم أرض).
ولكن هناك نواقض لها، وعليها نحيا وعليها نموت وعليها نبعث إن شاء الله آمنين، ونحن لو قطعنا إرباً لما كان يثنينا ذلك عن قول: لا إله إلا الله ونشر كلمة لا إله إلا الله، وهذا قدرنا، ونحن كتب علينا جميعاً أن نسبح ضد التيار.
قال تعالى: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨]، أيعقل هذا؟ وهل هذا يكون سبباً لقتله؟
стр. 490
معجزات موسى ﵇
قال تعالى: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٨].
أتى لكم بالبينات الواضحة، فالعصا بيده يلقيها فتصبح حية، ويضع يده في جيبه فتخرج بيضاء، وهذه بينات.
وربنا ابتلى فرعون بالجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات، فقد امتلأت البلاد جراداً، والسماء غيمت من الجراد الذي ملأ السماء المصرية، وأكل الزرع، فقال فرعون: يا موسى! ادع لنا ربك، فإن كشف عنا هذا آمنا بك، فقال: يا رب! سيؤمنون فاصرف عنهم الجراد، فجعل الله الجراد يذهب إلى البحر، فرجع فرعون عن كلامه.
فابتلاهم بالحشرات في الثياب وفي البيوت فكانوا ينظفون البيوت ثم يجدونها ممتلئة؛ ابتلاء من الله، فقال: يا موسى! ادع لنا ربك يكشف عنا ما نحن فيه، ويأخذ القمل والحشرات التي تؤذينا وتمتص دمنا وسنؤمن، فقال: يا رب! فزالت من غير مبيد ولا غيره، فرجع فرعون عن كلامه.
ثم ابتلاهم الله بالضفادع، فإذا كان الواحد منهم قاعداً كانت الضفادع من حوله تتقافز، فعندما يتكلم إذا بالضفدعة تدخل في فمه، برغوث واحد لا يتركك تنام إلى الصباح، فما بالك بالضفادع؟ وفي عام أربعة وثمانين وخمسة وثمانين لما أتى الإسرائيليون أتوا لنا بالفيران كانت تأكل آذان العيال ومناخيرهم في الريف، فهذه ابتلاءات من الله؛ لعصيان العباد لله .
ثم ابتلاهم الله بابتلاء شديد جداً، وهو الدم، فقد كانوا يطبخون الطبيخ -حتى في قصر فرعون- ثم يغرفونه في الأطباق، ويضعونه أمام فرعون، فتتحول إلى دم، فحرص على الأكل وعلى المطابخ وعلى الطباخين وعلى القصر، ومنع الدخول عليهم، ومع ذلك كانوا يغرفون دماً، فاستغاثوا بموسى، فدعا ربه، فكشف ربنا عنهم.
стр. 491
مدافعة مؤمن آل فرعون لقومه عن موسى
فإذا بهم يدبرون مكيدة القتل لسيدنا موسى وأخيه هارون، فإذا بالله يقص علينا هذه القصة في سورة غافر، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر:٢٨] فبدأ بالكذب؛ لكي يطمئن من أمامه؛ لأن الذين أمامه أناس مكذبون، كما إذا جاءك شخص يشكو امرأته وأنها تعمل وتعمل، فلا تقل له: أنت غلطان، وإنما اسمع منه أولاً، ودعه يعبر عن وجهة نظره، ثم هدئه وريحه، وليس أول ما يأتي يكلمك تصده مباشرة، فهو أتى يشتكي لك، ويستشيرك، فاسمع منه أولاً، لأنه يريد من هذا كله عبارة عن أذن فقط، ولا يريد منك شيئاً آخر، فاسمعه، فإنه بعد أن يفرغ ما عنده سيهدأ، ثم اعمل له أنت عملية تفريغ نفسي، ففرغ الشحنة التي عنده، ثم بعد أن يهدأ ازرع فيه الخير، وقل له: يا رجل! امرأتك ما شاء الله، هذه صاحبتك يا شيخ! كل النساء يشكرنها، وأولادها هي حريصة عليهم ومنتبهة لهم، وتذكر له محاسنها.
وقد كان الجاحظ دميم الخلقة، وكانت امرأته عمشاء -يعني: نظرها ضعيف قليلاً- وكانت ساخطة عليه وازدادت سخطاً، فأتى بصديق له لكي ينصح لها، فقال له: تعال وقل كلمتين طيبتين في حقي، وأنني رجل كبير في الأدب وفي الشعر وفي البلاغة والناس كلها تأتيني من أقاصي البلاد، ما عدا امرأتي ليست مقتنعة بي، فقال: حسناً، فدخل عليها، فقال لها: ما الذي لا يرضيك في الجاحظ؟ لا يغرنك منه جحوظ عينيه، ولا كبر أنفه، ولا تعريش أذنيه، ولا تهطيل شفتيه، فقال له: عرفتها ما لم تكن تعرفه، أنا أتيت بك تقول خيراً، فشوهتني عندها.
وكان سيدنا أبو حنيفة ﵁ يقنع العالم كله ما عدا امرأته، ولما كانت تستفتيه بفتوى ويجيبها تقول له: أنا لست مقتنعة بهذه الفتوى، فيقول لها: من تريدين أن تستفتي، فتقول له: أبو يوسف تلميذه، فيقول لها: إن شاء الله حين نصلي العصر سآتي بـ أبي يوسف، فيذهب إلى أبي يوسف ويقول له: امرأتي تريد أن تستفتيك فتوى والسؤال كذا، فيقول له: وما هي الإجابة؟ فيقول له: الإجابة كذا، فيقول له: حسناً، فيأتي إليها فتقول له: والله أنا سألت أبا حنيفة سؤالاً ولست مقتنعة برأيه، فيقول لها: وما هو السؤال؟ ثم يقول لها: نفس الإجابة، فتقول له: هكذا الإجابة.
فمؤمن آل فرعون قال لهم: إن كان كذاباً فأنتم لم تخسروا شيئاً، فبدأ بقضية الكذب؛ لكي يعمل لهم تفريغاً نفسياً واستمالة قلبية له، فقال لهم: أنا معكم إنه إن كان كذاباً فالكذب سيرجع إليه، ونحن لن نخسر شيئاً، ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر:٢٨]، إن كان هذا الرجل صادقاً وقد وعدكم بالخير إذا أحسنتم، وبالشر إذا أسأتم، فسنذهب إلى الهاوية.
стр. 492
بيان عدم هداية الله للمسرف والكذاب
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٨] أي: مسرف على نفسه لم يتق الله، وكذاب أي: كذب ما جاء به كتاب الله، وما جاء به رسول الله ﷺ ، مسرف على نفسه.
والله لا يحب المسرفين، وليس الإسراف في المال فقط، بل أسوأ أنواع الإسراف أنك تسرف في تضييع حسناتك بالسيئات.
وفي الحديث قال ﷺ : (ما تعدون السارق فيكم؟ قالوا: يا رسول الله! السارق الذي يأخذ شيئاً ليس من حقه، قال: ما ذنبه عند الله؟ قالوا: كبيرة من الكبائر يا رسول الله! قال: ألا أنبئكم بأسوأ السرقات عند الله؟ قالوا: ماذا يا رسول الله؟! قال: الذي يسرق في صلاته)، يعني: الذي يصلي بسرعة، وهذا حرام، ويكتب عند الله لصاً؛ لأنه يسرق الصلاة؛ لأن الصلاة لها قواعد وقوانين، فهو يسرق هذه القوانين والقواعد ويعطلها، فهو لص، فإذا صليت فصل بتأن، اللهم اجعلنا من الخاشعين في صلاتنا يا رب! وأبو حنيفة ﵁، قيل له: يا أبا حنيفة! في كم تختم القرآن؟ قال لهم: في الصلاة أم في خارج الصلاة؟ يعني: السؤال ناقص هكذا، وسبحان الله! له ختم هنا وختم هنا، وأحدهم يقول لك: أنا مرة يا أستاذ! من سبع سنين ختمت القرآن في رمضان مرة، وهذا يقول لهم: في الصلاة أو في خارج الصلاة، فقالوا: لا، في الصلاة في كم تختم القرآن؟ فقال: في صلاة الليل أم في صلاة النهار؟ اللهم ربنا احشرنا في زمرة الصالحين.
стр. 493
تخويف مؤمن آل فرعون لقومه من بطش الله
ثم قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [غافر:٢٩] أي: هذا النهار أنتم أصحاب ملك، وعندكم ملك وجاه ومنصب، ومتبوئين مكانة عظيمة تأمرون وتنهون، فلكم الملك اليوم ظاهرين، وهذا الملك ملككم، ويوم القيامة يضل هذا الملك ويزول، ويكون الملك لله، ﴿فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٩] فمن سينصرنا حين تأتي اللحظة التي فيها بأس الله وبطشه، قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢] وما بالك ببطش الله ، فالعبد منا يتق الله استعداداً لهذا اليوم.
قال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩] ففرعون رأيه بصراحة أنه لا يوجد شيئاً صحيحاً ولا شيئاً مضبوطاً إلا الذي يراه فقط، وقد قال عن سيدنا موسى ﵇: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦] ومن الذي يظهر الفساد في الأرض غير فرعون؟! ولكنه يقول عن سيدنا موسى: أنا أخاف أنه يغير دينكم ويفسد المسائل، وفي هذه الأيام يقول بعضهم: أنت تعرف أن الذي يضيع البلد هؤلاء أصحاب المساجد وأصحاب اللحى والجلاليب وما الذي يغضبك من صاحب الجلابية البيضاء؟ فهو مثل الملك يمشي، فما الذي يغضبك منه؟ والذي يصلح البلد إما أصحاب الجامع، أو غير أصحاب الجامع، ولن يصلحه إلا الذي بينه وبين ربنا تواصل، وينزل ربنا الرحمة من أجله.
قال تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ﴾ [غافر:٣٠] وهؤلاء الأحزاب هم الأمم السابقة التي حقت عليها كلمة الله ، وأين الاتحاد السوفيتي اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ والمذيع الفرنسي يقول في النشرة: الاتحاد السوفيتي سابقاً.
فربنا قال للاتحاد السوفيتي: زل فزال.
وأمريكا لو أرادت أن تنهي الاتحاد السوفيتي ففي كم من السنوات كانت ستنهيه؟ أفي مائة سنة؟ فقد كانت مغلوبة منه ومن القنابل النووية التي عنده، وبين غمضة عين وانتباهتها لا يوجد اتحاد سوفيتي.
فانظر إلى الأحداث نظرة إيمانية، وانظر إليها بمنطق البصيرة لا بمنطق البصر، وإعلامنا ليس له دعوة بهذا المنطق، فلا يدخل في هذه القضية.
ولما استعمرت فرنسا الجزائر يقول لي أستاذي: إننا حين كنا نعلم الفاتحة كانت المديرة الفرنسية تسأل: ماذا تقول لهم؟ فيقول: أنا أعلمهم نشيد العلم؛ لكي لا تطرده.
فقد كان الحس الإسلامي موجوداً عند شعب الجزائر، فالشعوب الإسلامية مبرمجة على الإسلام، وفطرتها مع الإسلام، والبعد عن الإسلام هذه مسألة مرحلية، ولن تكون العودة إلا إلى كتاب الله، وهذا يقين عندي ثابت منذ سنوات طويلة، والذين يسمعون خطبنا من السبعينات والثمانينات يسمعون مني هذه المقولة، وإن شاء الله لن ينتهي هذا القرن، ويبدأ القرن الواحد والعشرون إلا والإسلام هو الذي على الساحة في كل البلاد إن شاء الله.
قال تعالى: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [غافر:٣١] وقوم نوح قد عاثوا فساداً في الأرض، فأغرقهم ربنا، وكذلك عاد وثمود، وكل هذه الأمم المتجبرة.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [غافر:٣١].
ويذكرهم لينتبهوا أن يحصل لكم مثل ما حصل للأمم السابقة، وقد صدق كلام الرجل، سبحان الله! قال تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر:٣١]؛ وربنا يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، فهو يتركه ثم يتركه ثم يتركه ويرفعه عالياً ثم حين يقع لا يستطيع القيام.
стр. 494
تحذير مؤمن آل فرعون لقومه من يوم القيامة
قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر:٣٢]، أي: يوم القيامة، ونحن رأينا النداءات المتعددة يوم القيامة، ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار، ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة، ونادوا على أصحاب الأعراف، وكل رسول ينادي على أمته، وكل أناس ينادون رسولهم، والخليل ينادي على خليله، والحبيب ينادي على حبيبه، والشيطان يهرب من أتباعه الذين ينادونه، ويقول: ليس لي من الأمر شيء، ويقول: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢].
فيقوم القيامة كله نداءات متعددة، حتى أمك تناديك وتأتي تقول لك: يا بني! كان بطني لك وعاء، وثدي لك سقاء، وحجري لك وطاء، فهل من حسنة عندك تنفعني في مثل هذا اليوم؟ فيقول لها: يا أماه! أنا أشكو مما تشكي أنت، أليس أنتِ عندك من حسنة واحدة؟ والابن يقول لأبيه: يا أبت! قد كنت باراً ورحيماً وشفيقاً بك، فهل عندك حسنة؟ فيقول له يا بني! أنا أشكو مما تشكو أنت منه، أليس عندك أنت من حسنة؟ وأنت نفسك حين ترى ابنك ستهرب منه، وتهرب من امرأتك، كما قال تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف:٦٧].
وسنرى وضع المتقين هناك إن شاء الله، اللهم اجعلنا من المتقين يا رب العالمين! قال تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر:٣٢] فينادون كل واحد فلا يسمع أحد، وعملك هو الذي ينجيك، اللهم حسن أعمالنا يا رب! قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر:٣٣] تولين مدبرين من النار لما تأتي عليكم، والعياذ بالله رب العالمين، قال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٣ - ٢٤]، أي ليتني كنت عملت خيراً، وقدمت خيراً.
و (يا ليت) هذه لا تنفع، وأنت الآن في الأمنية فافعل، فبدلاً من أن تقول: (يا ليت)، فالأمنية موجودة، والعمل موجود، والمساجد موجودة، ومجالس العلم موجودة، وكتاب الله موجود، وأهل العلم موجودون، والخير موجود، والمال الذي تقدر تزكيه منه موجود، فأنت في الأمنية، ولن ينفعك أحد يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر:٣٣] فليس هناك أحد يعصمك من الله إلا رحمته، وعملك هو الذي ينصرك يوم القيامة، اللهم حسن أعمالنا يا رب! قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر:٣٣] نعم، ربنا يضله -والعياذ بالله رب العالمين- بعمله.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر:٣١] فربنا لا يظلم أحداً، ولكن الناس كانوا أنفسهم يظلمون.
стр. 495
بيان رسالة يوسف ﵇ إلى أهل مصر
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر:٣٤].
يذكرهم بسيدنا يوسف، ورسالته كانت في مصر، فقعد يذكرهم وقال: لما هلك ومات ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر:٣٤]، وأن الرسالة انتهت، وهذه رسالة جاءت، وهذا أخو يوسف، وقد أتى برسالة، فذكرهم بالتاريخ.
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر:٣٤].
مرتاب يعني: عنده شك وريبة وقلق، فهو يقول: هذا طريق السلامة، وهذه طريق الندامة، وهذا طريق يذهب ولا يرجع، فمن أين تريد أن تمشي؟ فامش في طريق السلامة.
следующие страницы →