Полный текст (265 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني [١]
رسالة عقيدة السلف وأصحاب الحديث لشيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني عقيدة شاملة لعقيدة أهل السنة والجماعة، وفق ما دلت عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما أجمع عليه الصحابة رضوان الله عليهم.
стр. 2
نبذة مختصرة عن رسالة عقيدة السلف وأصحاب الحديث
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على رسولنا ونبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وعلى أصحابه ومن تبعهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فإننا إن شاء الله بحوله وقوته نشرع في شرح هذه الرسالة المسماة: عقيدة السلف وأصحاب الحديث، للإمام المحدث المفسر شيخ الإسلام أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، وهو من علماء القرن الرابع والخامس الهجري، فإن ولادته عام ثلاث وسبعين وثلاثمائة، ووفاته عام تسع وأربعمائة، وهذه العقيدة شاملة، بين فيها المؤلف ﵀ عقيدة السلف وأصحاب الحديث في ألوهية الرب وربوبيته وأسمائه وصفاته، وأفاض وتوسع في الصفات التي اشتد فيها النزاع بين أهل السنة وبين أهل البدع كصفة الكلام، وناقش أهل البدع من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة الذين يقولون: إن كلام الله مخلوق، وإن القرآن مخلوق، وبين أن هذا كفر وضلال.
كما تكلم عن صفة النزول وبين أن النصوص فيها متواترة في الصحاح والسنن والمسانيد، وأنه يجب إثبات النزول لله على ما يليق بجلاله وعظمته، وكذلك صفة الاستواء وصفة الرؤية، فهذه الصفات: الكلام والعلو والاستواء والرؤية اشتد فيها النزاع بين أهل السنة وبين أهل البدع، ولذلك أفاض فيها المؤلف ﵀.
وهذه الصفات الثلاث هي العلامة الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدع، فمن أثبتها فهو من أهل السنة ومن أنكرها فهو من أهل البدع.
وكذلك أيضاً بين عقيدة أهل السنة في عذاب القبر ونعيمه، وفي الجنة والنار، وفي الخير والشر، وفي المقتول هل هو مقتول بأجله، وفي القضاء والقدر، وفي الموت.
كذلك شرح عقيدة أهل السنة في الإيمان، وأنه قول باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالقلب، وعمل بالجوارح، وبين عقيدة أهل السنة والجماعة في أنهم لا يكفرون بالذنب خلافاً للخوارج والمعتزلة.
وكذلك أيضاً بين عقيدة أهل السنة في الصحابة وأنهم يترضون عنهم ويتولونهم وينزلونهم منازلهم التي تليق بهم بالعدل والإنصاف على حسب النصوص لا بالهوى والتعصب، خلافاً للرافضة الذين كفروا الصحابة وفسقوهم وطعنوا فيهم، وعبدوا أهل البيت، وخلافاً للنواصب الذين نصبوا العداوة لأهل البيت.
وكذلك أيضاً بين عقيدة أهل السنة في وسوسة الشياطين وفي السحر والسحرة، وأن السحر له حقيقة وله خيال، خلافاً لمن قال: ليس منه حقيقة وإنما هو خيال.
وبين آداب أصحاب الحديث وبين علامات أهل البدع وعلامات أهل السنة وبين عواقب العباد، ومشيئة الله، وبين الإرادة وأنها تنقسم إلى نوعين، وتكلم عن الخير والشر، وتكلم عن الهداية وأقسامها، وبين أن أفعال العباد مخلوقة لله خلافاً للمعتزلة الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه.
وكذلك بين عقيدة أهل السنة في الحوض والكوثر، والشفاعة والبعث بعد الموت، وهو أصل من أصول الإيمان، ومن أنكر البعث فهو كافر بنص القرآن.
وذكر عقيدة السلف من الأخبار الواردة في الأسماء والصفات، وأنهم إذا ثبت الخبر والنقل بالعدول الثقات الضابطين واتصل السند فإنه يعمل به ويقبل في العقائد وفي الأعمال وفي كل شيء، فإذا صح سند الحديث وعدلت رواته ولم يكن فيه شذوذ ولا علة فإنه مقبول في العقائد والأعمال والأخلاق وفي كل شيء، فهي عقيدة أهل السنة والجماعة خلافاً لأهل البدع من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون: لا نقبل خبر الآحاد في العقائد، وهذا مذهب باطل مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة، فهي عقيدة شاملة بين فيها المؤلف ﵀ عقيدة السلف وأصحاب الحديث وفق ما دلت عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وما أجمع عليه الصحابة.
стр. 3
ترجمة أبي عثمان الصابوني
стр. 4
نسبه
قال المحقق: [هو أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عامر بن عابد الصابوني النيسابوري الحافظ المفسر المحدث الفقيه الواعظ الملقب بشيخ الإسلام.
وأما لفظ الصابوني، فقد ذكر السمعاني في كتاب الأنساب: أنه نسبة إلى عمل الصابون، وقال: هو بيت كبير بنيسابور الصابونية لعل بعض أجدادهم عمل الصابون فعرفوا به].
هذه الطبعة دراسة وتحقيق الدكتور ناصر الجديع.
قال: [وأما نسبه من جهة أمه فقد ذكر تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى، نقلاً عن عبد الغافر الفارسي في كتابه السير في تاريخ نيسابور: أنه النسيب المعمم المخول المدلي من جهة الأمومة إلى الحنفية والفضلية والشيبانية والقرشية والتميمية والمزنية والضبية، من الشعب النازلة إلى الشيخ أبي سعد يحيى بن منصور السلمي الزاهد الأكبر على ما هو مشهور من أنسابهم عند جماعة من العارفين بالأنساب بأنه أبو عثمان إسماعيل بن زين اليت ابنة الشيخ أبي سعد الزاهد ابن أحمد بن مريم بنت أبي سعد الأكبر الزاهد.
стр. 5
مولده ونشأته في طلب العلم
ولد في بوشنج من نواحي هراة في النصف من جماد الآخرة، سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة من الهجرة، قال عبد الغافر الفارسي: كان أبوه عبد الرحمن أبو نصر من كبار الواعظين في نيسابور، ففتك به لأجل التعصب والمذهب وقتل، وإسماعيل بعد حول سبع سنين، وأقعد بمجلس الوعظ مقام أبيه، وحضر أئمة الوقت مجالسه، وأخذ الإمام أبو الطيب سهل بن محمد الصعلوكي في تربيته وتهيئة أسبابه، وكان يحضر مجالسه ويثني عليه، وكذلك سائر الأئمة كالأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، والأستاذ الإمام أبو بكر بن فورك، وسائر الأئمة كانوا يحضرون مجلس تذكيره، ويتعجبون من كمال ذكائه وعقله وحسن إيراده الكلام عربيه وفارسيه، وحفظه الأحاديث، حتى كبر وبلغ مبلغ الرجال، ولم يزل يرتفع شأنه حتى صار إلى ما صار إليه، وهو في جميع أوقاته مشتغل بكثرة العبادات ووظائف الطاعات، بالغ في العفاف والسداد وصيانة النفس، معروف بحسن الصلاة، وطول القنوت، واستشعار الهيبة حتى كان يضرب به المثل.
стр. 6
أقوال أهل العلم في الصابوني
وصفه عبد الغافر بأنه الإمام شيخ الإسلام الخطيب المفسر المحدث الواعظ، أوحد وقته في طريقته، وعظ المسلمين في مجالس التذكير سبعين سنة، وخطب وصلى في الجامع -يعني: بنيسابور- نحواً من عشرين سنة.
وقال: كان أكثر أهل العصر من المشايخ سماعاً وحفظاً ونشراً لمسموعاته وتصنيفاته وجمعاً وتحريضاً على السماع، وإقامة لمجالس الحديث، سمع الحديث بنيسابور وبسرخس وبهراك وبالشام وبالحجاز وبالجبال، وحدث بكثير من البلاد، وأكثر الناس السماع منه.
وقد ذكره السيوطي والداودي في كتابيهما طبقات المفسرين، وأوردا أنه أقام شهراً في تفسير آية، وهذا يدل على سعة علمه في تفسير القرآن العظيم، وكان الصابوني ﵀ يحترم الحديث، ويهتم بالأسانيد، فقد حكى الفقيه أبو سعيد السكري عن بعض من يوثق بقوله من الصالحين: أن الصابوني قال: ما رويت خبراً ولا أثراً في المجلس إلا وعندي إسناده، وما دخلت بيت الكتب قط إلا على طهارة، وما رويت الحديث ولا عقدت المجلس ولا قعدت للتدريس إلا على طهارة.
وكان ﵀ ينظم الشعر أحياناً، قال عبد الغافر الفارسي: من فضائله نظم الشعر على ما يليق بالعلماء من غير مبالغة في تعمق يلحقه بالمنهي، وهذا نموذج من شعره، قال ﵀: ما لي أرى الدهر لا يشخو بذي كرم ولا يجود بمعوان ومفضال ولا أرى أحداً في الناس مشترياً حسن الثناء بإنعام وإفضال صاروا سواسية في لؤمهم شرعاً كأنما نسجوا فيه بمنوال وقال ﵀: إذا لم أصب من مالكم ونوالكم ولم أسل المعروف منكم ولا البَّر وكنتم عبيداً للذي أنا عبده فمن أجل ماذا أتعب البدن الحرَّ
стр. 7
أسرته
له ﵀ ولدان هما عبد الله أبو نصر مات في حياة والده في بعض ثغور أذربيجان وهو متوجه إلى الحجاز للحج، والآخر هو عبد الرحمن أبو بكر سمع أباه بنيسابور وسمع الحديث وأسمعه، وعقد مجلس الإملاء وتولى القضاء بأذربيجان، مات بأصبهان في حدود سنة خمسمائة، ومع أن كنية الصابوني أبو عثمان إلا أني لم أجد له ولداً بهذا الاسم في الكتب التي ترجمت له، وله أخ هو إسحاق بن عبد الرحمن الصابوني أبو يعلى الواعظ، ينوب عنه في الوعظ، سمع الحديث بهراة ونيسابور وبغداد.
كان مولده سنة خمس وسبعين وثلاثمائة للهجرة، ووفاته في ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وأربعمائة للهجرة.
ويتضح مما سبق أن عائلة إسماعيل الصابوني عائلة علم ومعرفة وإرشاد؛ حيث كان أبوه من كبار الواعظين، وكان ابنه عبد الرحمن ممن اشتغل بالحديث وتولى القضاء، وكان أخوه إسحاق ينوب عنه في وعظ الناس، وسمع الحديث بعدة نواحي.
أقول: أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني عالم مفسر محدث فقيه، من أهل السنة والجماعة نشأ في بيت علم، وتتلمذ على العلماء، وأخذ عنه العلم عدد من التلاميذ، وهو من أهل السنة والجماعة، ومن العلماء الذين يشار إليهم بالبنان، ﵀ وتغمده بواسع رحمته.
стр. 8
ذكر سند الرسالة إلى أبي عثمان الصابوني
قال المصنف رحمه الله تعالى: [بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن بفضلك ورحمتك.
أخبرنا قاضي القضاة بدمشق نظام الدين عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح الصالحي الحنبلي إجازة مشافهة، قال: أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد بن المحب المقدسي إجازة إن لم يكن سماعاً، قال: أخبرنا الشيخان جمال الدين عبد الرحمن بن أحمد بن عمر بن شكر وأبو عبد الله بن محمد بن المحب عبد الله بن أحمد بن محمد المقدسيين قال الأول: أخبرنا إسماعيل بن أحمد بن الحسين بن محمد العراقي سماعاً، قال: أخبرنا أبو الفتح عبد الله بن أحمد الخرقي وقال الثاني: أخبرنا أحمد بن عبد الدائم وأخبرنا المحدث تاج الدين محمد ابن الحافظ عماد الدين إسماعيل بن محمد بن بغدش البعلي في كتابه، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن الخباز شفاهاً قال: أخبرنا أحمد بن عبد الدائم إجازة إن لم يكن سماعاً، قال: أخبرنا الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي قال: أخبرنا الخرقي سماعاً قال: أخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني قال: حدثنا والدي شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن فذكره.
وأخبرنا قاضي القضاة عز الدين عبد الرحيم بن محمد بن الفرات الحنفي إجازة مشافهة قال: أخبرنا محمود بن خليفة بن محمد بن خلف المنبجي إجازة قال: أخبرنا الجمال عبد الرحمن بن أحمد بن عمر بن شكر بسنده قال].
هذا سند الكتاب إلى المؤلف ﵀، فالرسالة ثابتة للمؤلف ﵀، والمقصود من ذكر السند أن يتحقق لطالب العلم أن هذه الرسالة للمؤلف وأنها ليست منسوبة إليه، وكثير من أهل البدع يشككون في نسبة كثير من المؤلفات إلى العلماء مع ثبوتها؛ لأنهم يريدون أن يطعنوا في معتقد أهل السنة والجماعة، فتجدهم يشككون في رسالة الإمام أحمد في الرد على الزنادقة، وفي ثبوت الرسالة في الصلاة للإمام أحمد، وهكذا.
فهذا السند الآن يبطل دعواهم، ولولا السند -كما قال عبد الله بن المبارك -لقال من شاء ما شاء، ولهذا قال كثير من المحدثين: بيننا وبينكم القوائم، وهي الإسناد، فالإسناد يبطل دعوى كثير من أهل البدع الذين يطعنون في ثبوت الرسائل والعقائد والكتب إلى الأئمة.
فهذه الرسالة ثابتة بهذا السند إلى الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني وهي من كلامه ﵀.
стр. 9
شرح مقدمة رسالة عقيدة السلف وأصحاب الحديث
قال المصنف ﵀: [الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإني لما وردت آمد طبرستان وبلاد جيلان متوجهاً إلى بيت الله الحرام، وزيارة قبر نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الكرام، سألني إخواني في الدين أن أجمع لهم فصولاً في أصول الدين التي استمسك بها الذين مضوا من أئمة الدين، وعلماء المسلمين، والسلف الصالحين، وهدوا ودعوا الناس إليها في كل حين].
قوله: (وهدوا) يعني: هم هدوا الناس وهدوا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ونهوا عما يضادها وينافيها جملة المؤمنين المصدقين المتقين، ووالوا في اتباعها، وعادوا فيها، وبدعوا وكفروا من اعتقد غيرها، وأحرزوا لأنفسهم ولمن دعوهم إليها بركتها وخيرها].
قوله: (بركتها) في نسخة بين قوسين زيادة (ويمنها).
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأفضوا إلى ما قدموه من ثواب اعتقادهم لها، واستمساكهم بها، وإرشاد العباد إليها، وحملهم إياهم عليها].
في نسخة: (وحملهم وحثهم) زيادة بين قوسين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فاستخرت الله تعالى، وأثبت في هذا الجزء ما تيسر منها على سبيل الاختصار، رجاء أن ينتفع به أولو الألباب والأبصار، والله سبحانه يحقق الظن، ويجزل علينا المن بالتوفيق للصواب، والصدق والهداية، والاستقامة على سبيل الرشد والحق بمنه وفضله].
في نسخة: (بالتوفيق للصواب، والصدق والهداية).
стр. 10
حمد الله والثناء عليه
افتتح المؤلف ﵀ هذه الرسالة بالحمد لله اقتداء بالكتاب العزيز؛ فإن الله افتتح كتابه العظيم بالحمد لله رب العالمين.
والحمد هو: الثناء على المحمود بالصفات الاختيارية، أما الثناء عليه فهو بالصفات الجبلية التي جبل الإنسان عليها فإنه يسمى مدحاً، ولا يسمى حمداً، فإن كان الثناء على الصفات الاختيارية التي يفعلها الموصوف باختياره مع حبه وإجلاله سمي حمداً، وإن كان الثناء عليه بالصفات الجبلية التي جبل عليها فإنه يسمى مدحاً، والحمد أكثر من المدح، ولهذا قال: الحمد لله رب العالمين، ولم يقل: أمدح الله رب العالمين، فالحمد معناه: الثناء على المحمود بصفاته الاختيارية مع حبه وإجلاله العظيم، فالله تعالى محمود بصفاته لما له من الصفات العظيمة، ولما له من الأسماء الحسنى، ولما له من النعم العظيمة على عباده، فهو الذي خلقهم وأوجدهم من العدم، ورباهم بنعمه، ومنَّ على المؤمنين بالإسلام والإيمان، وهو محمود على صفاته العظيمة، ومحمود على أسمائه، وهو المالك لجميع أنواع المحامد، وهو مستحق لها ، فله أنواع المحامد كلها لله ملكاً واستحقاقاً، بخلاف الثناء على المحمود بالصفات التي جبل عليها؛ فالأسد إذا مدحته وقلت: إنه قوي، وإنه مفتول الساعدين هذا يسمى مدحاً ولا يسمى حمداً؛ لأن الأسد جبله الله وخلقه الله على هذا الصفات، كونه قوي يفترس غيره، فهذه القوة التي أعطاه الله إياها، وجبله عليها بخلاف الإنسان إذا مدحته، قلت: فلان كريم، فلان محسن، فلان يحسن إلى الناس، فلان مقدام شجاع، لا يهاب الأعداء، فهذا صفات اختيارية يفعلها باختياره، ويسمى هذا حمداً.
(الحمد) أل للاستغراق، أي: أن الله تعالى له جميع أنواع المحامد كلها له ، وهو المالك والمستحق لها.
(الله) لفظ الجلالة لا يسمى به غيره ، أعرف المعارف لفظ الله، فالله معناه: ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، الذي تألهه القلوب محبة وإجلالاً وتعظيماً، وأصل الله الإله، ثم سهلت الهمزة ودمجت اللام في اللام، وتأتي أسماء الله كلها صفات له، كما قال : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر:٢٢ - ٢٤]، فلفظ الجلالة يأتي أولاً ثم تأتي بعدها الأسماء والصفات، فأعرف المعارف لفظ الجلالة ، ولا يسمى به غيره .
وأسماء الله قسمان: قسم لا يسمى به إلا هو مثل: الله، الرحمن، رب العالمين، خالق الخلق، مالك الملك.
وقسم يسمى به غيره ويشترك، مثل: العزيز والرحيم والحي والسميع والبصير والملك، هذه أسماء مشتركة تطلق على الله وتطلق على غيره: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف:٥١]، ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ [يوسف:٤٣].
وأسماء الله مشتقة مشتملة على معان، وكل اسم مشتمل على صفة، فالله مشتمل على الألوهية، الرحمن مشتمل صفة الرحمة، العليم صفة العلم، القدير صفة القدرة وهكذا فأسماء الله مشتملة على المعاني وعلى الصفات، بخلاف الصفة، مثلاً: صفة العلم ما يشتق منها اسم يقال له عالم، وإنما الأسماء مشتملة على الصفات والمعاني، وكل اسم مشتمل على الصفة فهي مشتقة.
قوله: (رب العالمين) الرب من أسمائه خاصة، فهو مربيهم بنعمه، هو الذي أوجدهم من العدم، ورباهم بنعمه ، فالله هو الرب وغيره المربوب، وهو الخالق وغيره المخلوق، وهو المالك وغيره المملوك، وهو المدبر وغيره المدَبر، فهو رب العالمين.
و (العالمين) كل ما سوى الله يسمى عالم، فالله تعالى رب المخلوقات كلها، وأنت واحد من ذلك العالم، والعوالم في السماوات والأرضين والبحار والجو، هذه المخلوقات كلها عالم، فكل ما سوى الله عالم والله تعالى رب الجميع.
стр. 11
بيان معنى قوله تعالى: (والعاقبة للمتقين)
قوله: (والعاقبة للمتقين) العاقبة يعني: ما يعقب الشيء ويأتي بعده.
والمتقين: جمع متقي، وهو الذي اتقى غضب الله وسخطه وناره بالإيمان والتوحيد، فالمتقون هم المؤمنون الموحدون، سموا متقين؛ لأنهم يتقون غضب الله وسخطه بإيمانهم وتوحيدهم، وأدائهم الواجبات، وتركهم المحرمات؛ فاستحقوا هذا الاسم؛ كما قال سبحانه في أول سورة البقرة: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢]، ثم ذكر أوصافهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٣ - ٥].
فالعاقبة الحميدة للمتقين، من اتقى الله ووحده وأخلص له العبادة، واتقى الشرك والمحرمات، وأدى الواجبات، فالعاقبة الحميدة له، لهم في الدنيا النصر والغلبة والتأييد، وفي الآخرة هم أهل الجنة وأهل الكرامة الذين ﵃، وأسكنهم جنته، وأحل عليم رضوانه.
стр. 12
معنى الصلاة على النبي وآله وأصحابه
قوله: (وصلى الله على محمد) صلاة الله على عبده أحسن ما قيل في تفسيرها ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي العالية - وهو تابعي جليل- قال: صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، فأنت تدعو الله وتسأله أن يصلي على نبيه، أي: يثني عليه في الملأ الأعلى، تقول: اللهم أثني على عبدك ورسولك محمد في الملأ الأعلى.
وهم الملائكة.
قوله: (وعلى آله) آله هم أتباعه على دينه، ويدخل في الآل ذريته وقرابته والمؤمنون وأزواجه والصحابة كلهم، وتطلق الآل على الذرية الأقارب، ويشمل الأزواج وأتباعه على دينه إلى يوم القيامة، فكل من تبعه على دينه فهو من آله ﵊، والصحابة يدخلون في ذلك دخولاً أولياً.
قوله: (وأصحابه الكرام) عطف الأصحاب على الآل من عطف الخاص على العام، فالصحابة صلى عليهم مرتين: مرة بالعموم في قوله: (وعلى آله) والمرة الثانية بالخصوص في قوله: (وأصحابه).
قوله: (الكرام) يعني: الذين اتصفوا بصفة الكرم، والصحابة لا شك أنهم أكرم الناس بعد الأنبياء، ومن كرمهم: أنهم سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، وإنفاق أموالهم، وبذلوا علمهم، ونشروا دين الله، وبذلوا أرواحهم رخيصة في الجهاد في سبيل الله، وبذلوا أموالهم في سبيل، هل هناك أعظم من هذا الكرم؟! فالصحابة أكرم الناس بعد الأنبياء، ﵃ وأرضاهم.
стр. 13
المراد بكلمة (أما بعد)
قوله: (أما بعد) هذه كلمة يؤتى بها للدخول في الموضوع الذي يريد أن يتكلم الإنسان فيه، ويؤتى بها للفصل ما بين السابق واللاحق، كأن المؤلف انتقل من الخطبة إلى الدخول في صلب الموضوع.
وكان النبي ﷺ يقول في خطبه الكثيرة: أما بعد، وثبت عنه ﷺ أنه كان يقول يوم الجمعة: (أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها).
وقد اختلف في أول من قال: أما بعد، فقيل: أول من قالها داود ﵊، وقيل: إنها من فصل الخطاب الذي أوتيه داود ﵊، وقيل: أول من قالها قس بن ساعدة الإيادي، وعلى كل حال، فأما بعد كان النبي ﷺ يستعملها في خطبه ورسائله، من ذلك: أنه ﵊ لما كتب لملك الروم قال: (من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من ابتع الهدى.
أما بعد: أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين، ويا أهل الكتاب! تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً)، فالنبي ﷺ كان يأتي بها في خطبه ورسائله، فينبغي الاقتداء به ﵊، وبعض الخطباء وبعض الكتاب يقول: وبعد، لكن (أما بعد) أحسن.
стр. 14
ذكر سبب تأليف الرسالة
قال المؤلف ﵀ مبيناً سبب تأليفه هذه الرسالة: (فإني لما وردت آمد طبرستان وبلاد جيلان متوجهاً إلى بيت الله الحرام، وزيارة قبر نبيه ﷺ ، وأصحابه الكرام، سألني إخواني في الدين أن أجمع لهم فصولاً في أصول الدين).
إذاً هذه الرسالة جواب لسؤال موجه من بعض الإخوان في الدين إلى أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، حيث طلبوا منه أن يجمع لهم فصولاً في أصول الدين التي استمسك بها أئمة الدين وعلماء المسلمين، فأجابهم وكتب هذه الرسالة، وبين فيها معتقد أهل السنة والجماعة في ألوهية الله وربوبيته وأسمائه وصفاته، والإيمان، والجنة والنار، والبعث بعد الموت، والصحابة، والخير والشر إلى غير ذلك.
أما قول المؤلف ﵀: (متوجهاً إلى بيت الله الحرام، وزيارة قبر نبيه محمد ﷺ ، هذا مما يلاحظ على المؤلف ﵀؛ فإنه لا يشرع شد الرحل إلى زيارة قبر النبي ﷺ ، ولا يشرع السفر لزيارة القبر بهذه النية، وإنما المشروع أن يشد الرحل وأن ينوي السفر لزيارة مسجد النبي ﷺ ، ثم إذا وصل إلى مسجد النبي ﷺ وصلى فيه ركعتين زار قبر النبي ﷺ وقبر صاحبيه، هذا هو المشروع؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)، والحديث رواه الشيخان وغيرهما، فالسفر إنما ينشأ لزيارة المسجد النبوي، وإن مشى في زيارة المسجد ولزيارة القبر بالنية فلا بأس، أما أن تكون النية لأجل زيارة القبور فقط فهذا ممنوع، وإنما تكون النية لزيارة مسجد النبي ﷺ ، وقد ذكر المحقق في هذا كلام شيخ الإسلام ﵀ فقال: بسط شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذا الموضوع في مجموع الفتاوى، وفيه قوله: (وما ذكره السائل من الأحاديث في زيارة قبر النبي ﷺ فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم في الحديث، بل هي موضوعة، لم يرو أحد من أهل السنن المعتمدة شيئاً منها، ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها، بل مالك إمام أهل المدينة النبوية الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة، كره أن يقول الرجل: زرت قبره ﷺ ، ولو كان هذا اللفظ معروفاً عندهم أو مشروعاً أو مأثوراً عن النبي ﷺ لما جهله عالم المدينة) انتهى.
فإذاً: الأولى أن يقول المؤلف ﵀: متوجهاً إلى بيت الله الحرام، وزيارة مسجد النبي ﷺ .
قوله: (التي استمسك بها الذين مضوا من أئمة الدين وعلماء المسلمين والسلف الصالحين)، بدأ بالأئمة ثم العلماء ثم السلف، والسلف هم الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وهم صدر هذه الأمة.
قوله: (وهدوا) يعني: الذين هداهم الله.
قوله: (ودعوا الناس إليها في كل حين) يعني: لابد أن يوجد في كل زمان من يقوم بالحق ويظهره ويدعو إليه ويستمسك به؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎.
قوله: (ونهوا عما يضادها) يعني: أن هؤلاء الأئمة وهؤلاء العلماء وهؤلاء السلف نهوا عما يضاد أصول الدين، وهي البدع.
قوله: (وينافيها جملة المؤمنين المصدقين المتقين) لأنهم هم الذين يقبلون وينتفعون بخلاف غير المؤمنين فلا يقبلون، وإن كانت الدعوة عامة لكل أحد؛ لكن خص المؤلف ﵀ جملة المؤمنين المصدقين المتقين؛ لأنهم هم الذين يقبلون وينتفعون بالنصائح والمواعظ.
قوله: (ووالوا في اتباعها) يعني: والوا المؤمنين في اتباع هذه الأصول؛ من الإيمان بالله والملائكة، والكتب المنزلة، والرسل، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، والصراط والميزان والحوض والجنة والنار، والإيمان بربوبية الله وألوهيته وأسمائه وصفاته، فهذه الأصول والوا من اتبعها وآمن بها وجعلوه من أحبابهم.
قوله: (وعادوا فيها) أي أن من خالف هذه الأصول وتنكر لها عادوه وأبغضوه.
قوله: (وبدعوا وكفروا من اعتقد غيرها) أي: بدعوا وكفروا من اعتقد من لم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
قوله: (وأحرزوا لأنفسهم ولمن دعوهم إليها بركتها ويمنها وخيرها)، يعني: حصلت لهم البركة والخير والفضل والأجر والثواب بسبب إيمانهم بهذه الأصول، وموالاتهم عليها، ومعاداتهم لمن خالفها.
قوله: (وأفضوا إلى ما قدموه من ثواب اعتقادهم لها، واستمساكهم بها وإرشاد العباد إليها، وحملهم إياهم عليها)، لما توفاهم الله وانتهت آجالهم قدموا على ما قدموا من خير عظيم، ووجدوا ثواب اعتقادهم لها واستمساكهم بها، وإرشاد العباد إليها؛ لأنهم حينما دعوا إلى هذا الخير وانتفع الناس بهم صار لهم مثل أجورهم، يقول النبي ﷺ : (من دعا إلى هدى كان له من الخير مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً)، فهؤلاء العلماء والأئمة والسلف الذين دعوا إلى أصول الدين، وإلى الإيمان بما ثبت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ مما يجب اعتقاده؛ حصلت لهم بركة هذه الدعوة وخيرها، وأفضوا إلى ما قدموه من ثواب اعتقادهم لها، واستمساكهم بها.
قوله: (فاستخرت الله تعالى، وأثبت في هذا الجزء ما تيسر منها على سبيل الاختصار).
يقول المؤلف ﵀: لما سألني هؤلاء الإخوان أن أكتب لهم أصولاً في الدين التي تمسك بها الأئمة، ودعوا إليها، ونهوا عما يضادها، وأفضوا إلى الثواب والأجر الذي حصل لهم بسبب نشرهم لدين الله، ودعوتهم إلى توحيد الله، استخرت الله، والاستخارة مشروعة في الأمور التي قد يكون فيها إشكال، والنبي ﷺ شرع الاستخارة وقال: (إذا كان لأحدكم أمر فليصل ركعتين من غير الفريضة ثم ليدع، فيقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم إلخ)، فالاستخارة مشروعة في الأمور التي يكون فيها إشكال، أما الأمور الواضحة فليس فيها استخارة، فلا تستخير هل تصلي الجماعة أو ما تصلي، ما تستخير في صوم رمضان في دفع الزكاة في الحج، قال العلماء: إلا إذا كان الحج عن طريق ليس بآمن، فهو يستخير: هل يحج هذا العام أو لا يحج، لكن الأمور التي فيها إشكال تستخير الله: أتتزوج من آل فلان، أتدخل في هذه التجارة مع فلان.
فالمؤلف ﵀ استخار، لكن كونه يكتب عقيدة أهل السنة والجماعة هل فيها إشكال؟ نعم.
قد يقال: إنه يستخير؛ لأن المؤلفات في العقيدة كثيرة، فهو أشكل عليه الأمر هل الكتابة في هذا الأمر لها فائدة أو ليست لها فائدة؟ لأن العلماء كفوا وكتبوا في هذا الموضوع، فأشكل عليه الأمر، فلهذا قال: استخرت الله تعالى، ثم لما استخار ترجح له أن يكتب هذه الرسالة.
فالإنسان يستخير في الشيء الذي يشكل عليه ويستشير أيضاً، ويمضي لما يشرح صدره له؛ وإذا لم يتبين له شيء يعيد الاستخارة ويكررها وهكذا.
المؤلف ﵀ كان أشكل عليه أن يكتب هذه الرسالة في العقيدة؛ لأن العلماء قد كفوه وكتبوا مؤلفات، فهل تكون الرسالة لها فائدة أو لا تكون؟ لأن العلماء كفوه وكتبوا رسائل ومؤلفات، ثم بعد الاستخارة ترجح له أن يكتب؛ لأن هذا الرسالة مختصرة لمعتقد أهل الحديث وأهل السنة، فهي تلخيص لما كتبه العلماء، فلهذا ترجح للمؤلف ﵀ بعد الاستخارة أن يكتب هذه الرسالة؛ لأن الرسائل السابقة قد تكون طويلة، وهذه الرسالة مختصرة يستطيع طالب العلم أن يحفظها ويستوعبها في وقت وجيز، ولهذا ترجح للمؤلف ﵀ الاستخارة فقال: (فاستخرت الله، تعالى وأثبت في هذا الجزء ما تيسر منها على سبيل الاختصار)، فهو اختصر هذه العقيدة ولخصها من كلام أهل العلم.
وقوله: (رجاء أن ينتفع بها أولو الألباب والأبصار) الرجاء الانتفاع، وإذا انتفع بها صار له مثل أجره، فلهذا أقدم المؤلف ﵀ على هذه الكتابة.
قوله: (أولوا الألباب والأبصار) يعني: أصحاب العقول؛ كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٢١] فأصحاب العقول السليمة أرشدهم الله إلى توحيده، وإخلاص الدين له، وقبول الحق، وأولو الألباب هم الذين ينتفعون، أما من لم يرد الله هدايته فلا حيلة فيه إن لم يوفق ولم يرزق عقلاً سليماً ولباً من الألباب التي يرشده إلى قبول الحق).
قوله: (والله يحقق الظن، ويجزل علينا المن بالتوفيق للصواب والصدق والهداية والاستقامة على سبيل الرشد والحق بمنه وفضله) هذا دعاء من المؤلف ﵀ بأن يحقق الله له ظنه، ويجزل عليه المن، فيمن عليه بالتوفيق للصواب فيما كتبه، وأن يمن عليه بالصدق والهداية والاستقامة على سبيل الرشد والحق بمنه وفضله، ونرجو أن الله تعالى قد حقق للمؤلف ما أراد إن شاء الله.
стр. 15
شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني [٢]
يتميز أهل السنة والجماعة بأنهم يشهدون لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة، ويعرفون ربهم بصفاته التي نطق الله بها في الكتاب والسنة، فيثبتون ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله في سنته الصحيحة.
стр. 16
صفات أصحاب الحديث
قال المصنف ﵀: [قلت وبالله التوفيق: إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة -حفظ الله تعالى أحياءهم ورحم أمواتهم- يشهدون لله تعالى بالوحدانية، وللرسول ﷺ بالرسالة والنبوة، ويعرفون ربهم بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله].
أو شهد له بها رسوله ﷺ على ما وردت الأخبار الصحاح به، ونقلته العدول الثقات عنه، ويثبتون له ﷻ ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، ولا يعتقدون تشبيهاً لصفاته بصفات خلقه.
قوله: (قلت وبالله التوفيق) التوفيق هو أن يوفق الإنسان للصواب، وأن يجعله الله يقول بالحق ويعمل به.
стр. 17
التمسك بالكتاب والسنة
قوله: (إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة) أوحى الله إلى نبيه الكريم وحيين: الوحي الأول: القرآن، أوحاه إلى نبيه ﷺ بلفظه ومعناه، فهو كلام الله لفظه ومعناه، والوحي الثاني: السنة المطهرة، وهي نوعان: النوع الأول: الحديث القدسي، وهذا من كلام الله لفظاً ومعنى، كما في حديث أبي ذر عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا) فهذا حديث قدسي نسبه النبي ﷺ إلى ربه ، فهو من كلام الله لفظاً ومعنى.
والنوع الثاني: الحديث غير القدسي، فهذا من كلام الله معنى، ومن كلام النبي ﷺ لفظاً، كقوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، فهذا الحديث وحي من الله، إلا أن لفظ الحديث من النبي ﷺ قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، فالحديث لفظه من الرسول ﷺ ومعناه من الله، أما الحديث القدسي فلفظه ومعناه من الله، مثل القرآن، إلا أن له أحكاماً تختلف عن القرآن: - فالقرآن يتعبد بتلاوته، والحديث القدسي لا يتعبد بتلاوته.
- القرآن يقرأ في الصلاة، والحديث القدسي لا يقرأ في الصلاة.
- القرآن معجز بلفظه ومعناه، والحديث القدسي قد لا يكون له وصف الإعجاز.
- القرآن لا يمسه إلا المتوضئ، والحديث القدسي يمسه غير المتوضئ.
أما السنة فلها مع القرآن على أحوال ثلاثة: الحالة الأولى: أنها تبين المجمل، مثل الصلاة: جاء في القرآن: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، جاءت السنة وفصلت الصلاة، وبينت أن الصلاة خمس صلوات في اليوم والليلة، وبينت عدد ركعات الصلاة؛ إذ ليس في القرآن أن صلاة الظهر أربعاً، وصلاة العصر أربعاً، وصلاة المغرب ثلاثاً فالسنة وضحت وفصلت هذا الإجمال.
كذلك الزكاة أوجبها الله في القرآن، وجاءت السنة وفصلت وبينت أن لا زكاة في المال حتى يحول عليه الحول، وأنه لابد من النصاب.
كذلك الحج جاء في القرآن، وجاءت السنة وفصلت هذه المناسك.
الحالة الثانية: أن تقيد المطلق وتخصص العام.
الحالة الثالثة: أن تأتي بأحكام جديدة ليست في القرآن؛ كتحريم كل ذي ناب من السباع، وتحريم كل ذي مخلب من الطير، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والجمع بين المرأة وخالتها، هذه أحكام ليست في القرآن جاءت بها السنة، فالسنة وحي ثان، قال النبي ﷺ : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه).
قوله: (حفظ الله أحياءهم، ورحم أمواتهم)، هذا دعاء من المؤلف لأهل الحديث بأن يحفظ الله الأحياء ويرحم الأموات.
стр. 18
الشهادة لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة
قوله: (يشهدون لله تعالى بالوحدانية، وللرسول ﷺ بالرسالة والنبوة).
هذا أصل الدين وأساس الملة، أن تشهد لله تعالى بالوحدانية، ولنبيه ﷺ بالرسالة والنبوة.
ومعنى شاهدة أن لا إله إلا الله أن تشهد لله تعالى بالوحدانية، وأن الله واحد في ربوبيته، وألوهيته وأسمائه وصفاته، فهو واجب الوجود بذاته، وهو فوق العرش، وهو الرب وغيره مربوب، وهو الخالق وغيره مخلوق، وهو المالك وغيره مملوك، وهو المدبر وغيره المدبَر، وكذلك تشهد لله تعالى بالوحدانية في أسمائه وصفاته، وأنه ليس له شريك في أسمائه وصفاته، كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠]، وليس له شريك في أفعاله أيضاً، وليس له شريك في ألوهيته وعبادته، فهو مستحق العبادة وغيره لا يستحق شيئاً من العبادة، فلا يستحق العبادة أحد لا ملك مقرب ولا نبي مرسل.
وتشهد لنبيه الكريم ﵊ بالرسالة والنبوة، ومن لم يشهد لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة فليس بمؤمن.
ومعنى أن تشهد لله تعالى بالوحدانية: أن تنطق بلسانك وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وتعتقد بقلبك وتصدق بأن الله هو الرب وغيره مربوب، وأنه الخالق وغيره مخلوق، وأنه المالك وغيره مملوك، وأنه المدبر وغيره المدَبر، وتشهد بأن الله له الأسماء الحسنى والصفات العلى التي لا يشاركه فيها أحد، وتشهد بأن الله هو مستحق العبادة بجميع أنواعها، لا يستحقها غيره لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فالله تعالى هو المعبود بالحق، هو الذي يدعى ولا يدعى غيره، يذبح له وينذر ويتوكل عليه ويرجى ويخاف منه، والعبادة حق الله لا يستحقها النبي ﷺ ولا جبريل ولا غيره، ومن صرف شيئاً من أنواع العبادة لغيره فهو مشرك كافر وتنتقض عليه الشهادة، فمن قال: لا إله إلا الله، ثم دعا غير الله، أو ذبح لغير الله، أو نذر لغير الله، بطلت شهادته.
الشهادة لله تعالى بالوحدانية ولنبيه ﷺ بالرسالة أصل الدين وأساس الملة، وهذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، تشهد بربوبية الله، وبألوهيته، وبأسمائه وصفاته، فلا تصرف شيئاً منها لغير الله، ولا يقع في عمل الشرك حتى لا تنتقض عليه العبادة، الشهادة لله تعالى بالوحدانية في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وأفعاله بشرط ألا يفعل الإنسان ناقضاً من نواقض الإسلام، فإن فعل ناقضاً من نواقض الإسلام بطلت هذه الشهادة؛ كما يتوضأ الإنسان أحسن الوضوء يتطهر أحسن الطاهرة ثم خرج منه بول أو غائط أو ريح فقد بطلت الطهارة، فكذلك إذا شهد لله تعالى بالوحدانية، ثم دعا غير الله، أو ذبح لغير الله، أو فعل ناقضاً من نواقض الإسلام بأن اعتقد أن الصلاة غير واجبة، أو الحج غير واجب، أو الصوم غير واجب، أو أن الزنا ليس بمحرم، أو أنكر تحريم الربا أو الزنا أو الخمر أو عقوق الوالدين أو ما هو معلوم من الدين بالضرورة بطلت الشهادة وانتقضت.
стр. 19
الشهادة للنبي بالرسالة
ومعنى الشهادة للنبي ﷺ بالرسالة والنبوة: أن تشهد أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي العربي المكي ثم المدني هو رسول الله حقاً، وأن رسالته عامة للعرب وللعجم وللجن والإنس، وأنه خاتم النبيين ليس بعده نبي، فمن قال: إن رسالته خاصة بالعرب أو بالإنس أو بعده نبي فهو كافر بإجماع المسلمين ولا تنفعه، وتبطل شهادة أن لا إله إلا الله؛ لأن من شرط الشهادتان: أنه لابد منهما جميعاً، فهما متلازمتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى، فمن شهد: أن لا إله إلا الله، ولم يشهد أن محمداً رسول لم تقبل منه، ومن شهد: أن محمداً رسول الله، ولم يشهد أن لا إله إلا الله لم تقبل منه، حتى يشهد أن لا إله إلا الله ويشهد أن محمداً رسول الله، فمن قال: إن محمداً ﵊ ليس بعده نبي، أو ليست رسالته عامة، لا تنفعه شهادة أن لا إله إلا الله؛ لأنه لم يأت بشرطها، ولذلك لما أنكر اليهود والنصارى رسالة محمد ﷺ وهم يزعمون أنهم يؤمنون بالله، بين الله أن إيمانهم لا شيء، وأنه لا قيمة له، فقال سبحانه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]، فنفى عنهم الإيمان وقال: ((لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ))، وهم يزعمون أنهم يؤمنون بالله، لكن لما لم يؤمنوا بمحمد ﷺ نفى الله عنهم الإيمان.
كذلك يشهدون أن محمداً رسول الله، ويصدقونه في أخباره ﵊، ويمتثلون أوامره، ويجتنبون نواهيه، ويتعبدون لله بما شرعه.
стр. 20
معرفة صفات الله بوحيه وتنزيله
قوله: (ويعرفون ربهم بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله)، من عقيدة أصحاب: الحديث أنهم يعرفون ربهم بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، فالله تعالى وصف نفسه بأنه الحي القيوم، وأنه الخالق الرازق المدبر المحيي المميت، ووصف نفسه بالعلم والسمع والبصر والقدرة قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر:٢٢]، يعرفون ربهم بأنه لا إله إلا هو، لا معبود بحق سواه، وأنه عالم الغيب والشهادة، وأنه الرحمن الرحيم: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر:٢٣]، يعرفونه بأسمائه: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر:٢٣ - ٢٤] يؤمنون بذلك.
قوله: (أو شهد له بها رسوله ﷺ على ما وردت الأخبار الصحاح به ونقلته العدول الثقات عنه)، فما ورد في السنة من الأسماء والصفات يجب إثباتها لله ، فإذا ثبت وصح سند الحديث، وعدلت الرواة، ولم يكن شاذاً ولا معللاً فيجب إثبات ما ورد في السنة من أسماء الله وصفاته، ولذلك قيد المؤلف الأخبار -يعني: الأحاديث- بالصحاح، وهي جمع صحيح، يعني: الحديث الصحيح، أما الحديث الضعيف فلا، كما لو كان الحديث في سنده انقطاع أو راو ضعيف في الحفظ أو الديانة فلا يصح الحديث ولا يقبل ما دل عليه، لابد أن يكون الحديث صحيحاً.
وشروط الحديث الصحيح عند المحدثين: أن يكون متصل السند، وأن يكون الرواة عدول ثقات ضابطين، وألا يكون الحديث فيه شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة ولأصول الشريعة، وألا يخالف الثقة من هو أوثق منه، وألا يكون الحديث فيه علة قادحة ظاهرة أو خفية، فإذا وجدت هذه الشروط فإن الحديث صحيح، ويجب قبوله، والعمل بما دل عليه في العقائد والأخلاق والأعمال وكل شيء، خلافاً لأهل البدع من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون: إنما يقبل خبر الآحاد في الأعمال، أما العقائد فلا يقبل فيها أخبار الآحاد، وهذا منهج باطل.
ولقد بوب البخاري ﵀ في صحيحه باباً سماه: باب أخبار الآحاد، وذكر نصوصاً كثيرة في قبول خبر الآحاد، والنبي ﷺ كان يرسل كتبه إلى الملوك والرؤساء، والذي يرسله واحد، ومع ذلك يقبل خبر الواحد.
стр. 21
إثبات ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله
قوله: (ويثبتون له ﷻ منها ما أثبت لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، هكذا أهل السنة يثبتون لله ما أثبته لنفسه في كتابه العزيز من الأسماء والصفات، أو ما ثبت في سنة النبي ﷺ على لسان رسول الله ﷺ كما سبق في الآيات: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:٢٤] ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر:٢٣]، ومثلما ورد أيضاً: (إن الله جميل يحب الجمال) وهكذا (إن الله حيي ستير) فمن أسماء الله الستير وهكذا.
فما ثبت في الحديث مثلما ورد في القرآن الكريم إذا كان الحديث صحيحاً.
стр. 22
عدم اعتقاد التشبيه في صفات الله
قوله: (ولا يعتقدون تشبيهاً لصفاته بصفات خلقه) هكذا أهل السنة يثبتون الأسماء والصفات لله ولا يشبهون ولا يمثلون، كما قال سبحانه عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فالصفات والأسماء ثابتة لله على ما يليق بجلالته وعظمته، لا يماثل أحداً من خلقه.
أهل السنة لا يكيفون فيقولون: صفة الله كيفيتها كذا، ولا يمثلون فيقولون: مثل صفات المخلوقين، بل يثبتون الأسماء والصفات ويثبتون المعنى، ويفوضون الكيفية إلى الله، كما قال الإمام مالك ﵀ لما سئل عن الاستواء: (الاستواء معلوم) يعني: معلوم معناه في اللغة العربية، فالاستواء: هو الاستقرار والصعود والعلو والارتفاع، (والكيف مجهول) كيفية استواء الله على عرشه مجهولة لا نعلمها، (والإيمان به واجب) يجب الإيمان باستوائه، (والسؤال عنه بدعة) وهذا يقال في النزول والاستواء والعلو والسمع والبصر كلها: معلوم معناه في اللغة العربية، نعرف أن العلم ضد الجهل، السمع ضد الصمم، والبصر ضد العمى، والعلو ضد السفول، أما كيفية استواء الرب وكيفية علوه وكيفية سمعه وبصره فلا يعلم به إلا الله، هذا معنى قول الإمام مالك.
стр. 23
الأسئلة
стр. 24
حالات السنة مع القرآن
السؤال
ذكرتم أحسن الله إليكم أن السنة لها ثلاث حالات مع القرآن، فما هي؟
الجواب
الحالة الأولى: أنها تبين المجمل في القرآن العظيم.
والحالة الثانية: تخصيص العام وتقييد المطلق.
والحالة الثالثة: أنها تأتي بأحكام جديدة.
فالسنة أحياناً تفصل وتبين ما أجمل في القرآن، مثل الصلاة أوجبها الله في القرآن وجاءت السنة وفصلت مواقيت الصلاة وعدد الركعات، وكذلك الزكاة جاءت في القرآن الكريم مجملة، وجاء في السنة بيان الشروط، وأنه لابد من الحول، والنصاب، وكذلك الحج جاء مجملاً في القرآن، وجاء التفصيل في السنة أن الحج محدد بخمسة أيام أو ستة هي الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، وكذلك أيضاً فصلت السنة الطواف: طواف الإفاضة، وطواف الوداع، والوقوف بعرفة، والمبيت في منى، ورمي الجمار.
وكذلك أيضاً تأتي السنة تقيد المطلق إذا كان مطلقاً، أو كان عاماً ففي السنة ما يخصصه.
وكذلك تأتي بأحكام جديدة ليست في القرآن، مثل تحريم كل ذي ناب من السباع وتحريم كل ذي مخلب من الطير، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها في النكاح، هذه أحكام في السنة وليست في القرآن.
стр. 25
معنى: (الخلق عيال الله)
السؤال
ما معنى: الخلق عيال الله، حيث ذكرتم أن الله تعالى هو الذي يربي العالمين بنعمه؟
الجواب
بمعنى أنه يربيهم بنعمه، فهو الذي خلقهم وأوجدهم من العدم ورباهم بنعمه.
стр. 26
قراءة طالب العلم في الملل والنحل
السؤال
هل على طالب العلم القراءة عن الملل والنحل، وما ترتيبه في الطلب؟
الجواب
القراءة في الملل والنحل فيها تفصيل، فإذا كان طالب العلم مبتدئاً فلا ينبغي له أن يقرأ في الملل والنحل؛ لأن ملل جمع ملة وهي الدين، والنِحل جمع نِحلة وهي الفرقة، وفرق المبتدعة وشبههم قد يتشكك بسببها ويحصل له بلبلة في فكره؛ فلا ينبغي للمبتدئ أن يقرأ في الملل والنحل، لكن إذا كان الإنسان طالب علم متوسع، فلا بأس أن يقرأ الملل والنحل لتفنيد شبههم والرد عليهم، أما المبتدئ فلا ينصح بقراءته في الملل والنحل، وإنما يقرأ في كتب التوحيد وأهل السنة والجماعة، ولا يقرأ في كتب الملل والنحل لئلا يحصل له التشويش والتشكيك.
стр. 27
المقصود بالآل عند الشيعة
السؤال
من هم الآل عند الشيعة؟
الجواب
الشيعة يقصدون الآل ذريته، وقد يقصرونه على علي وفاطمة والحسن والحسين، وبعضهم يقصره على العباس، وبعضهم لا، والآل له معان، قد يطلق على الأزواج والذرية وأتباعه على دينه إلى يوم القيامة، أما تخصيص الشيعة بأنه بـ علي وفاطمة والحسن والحسين فهذا من اصطلاحات الشيعة الرافضة.
стр. 28
حكم الإفتاء بجواز شد الرحال لقبر النبي
السؤال
هل الذي يفتي بجواز شد الرحال لقبر النبي ﷺ مبتدع، أما أن المسألة اجتهادية؟
الجواب
هذه المسألة حصل فيها نزاع، وامتحن فيها شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ وأوذي، والصواب مع شيخ الإسلام، بدليل حديث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) فالصواب أنه لا يسافر لمكان يتعبد فيه إلا في هذه المواضع الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ ، والمسجد الأقصى، ولهذا لما رحل أبو هريرة إلى جبل الطور أنكر عليه أبو ذر الغفاري وقال: لو علمت ما سافرت إلى جبل الطور.
стр. 29
ضابط اختصاص الله بأسماء معينة
السؤال
ما الضابط في كون الاسم خاصاً بالله أو في كونه مشتركاً؟
الجواب
الضابط: إذا كان لا يسمى به الله ما كان من صفاته، مثل لفظ الجلالة الله، الرحمن، رب العالمين، خالق الخلق، مالك الملك، هذا من أوصافه، وأما المشترك مثلما وردت النصوص في إطلاقه على غير الله، مثل الملك: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يوسف:٥٤]، والله من أسمائه الملك، ومثل العزيز: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف:٥١]، ومثل الحي: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام:٩٥] ومن أسمائه الحي والسميع والبصير، وهذه أيضاً تطلق على المخلوق، قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢].
стр. 30
الحديث القدسي والقرآن
السؤال
ذكرتم حفظكم الله أن الحديث القدسي لفظاً ومعنى من الله جل وعلا، فهل نزل به جبريل ﵊ كالقرآن أم هو نوع آخر من أنواع الوحي؟
الجواب
نعم مثل القرآن، وحي من الله لفظه ومعناه، إلا أن له أحكاماً تختلف، وأما غير الحديث القدسي فلفظه من النبي ﷺ ومعناه من الله، ولو قرأتم في كتب أصول التفسير للسيوطي وغيره تجدونه يقول: إن الحديث القدسي معناه من الله فقط، كما يقولون في القرآن؛ لأن الأشاعرة يقولون: إن القرآن ليس كلام الله حق حروفه ومعناه، لكن المعنى يقولون من الله، أو كلام الله اسم للمعنى القائم بنفس الرب، ويقولون: إن الله تعالى اضطر جبريل ففهم المعنى القائم بنفسه فعبر بالقرآن، فهذا القرآن تكلم به جبريل أو تكلم به محمد، وأما كلام الله فهو معنى قائم بنفسه، ويقولون: إن القرآن الذي نقرؤه ليس كلام الله، وإنما هو عبارة عن كلام الله، وهذا من أبطل الباطل، وبعض الأشاعرة يقول: إن جبريل أخذه من اللوح المحفوظ، وبعضهم يقول: إن القرآن عبر به محمد، وبعضهم يقول: عبر به جبريل، وهذا كله كلام باطل، والصواب: أن القرآن لفظه ومعناه من الله، الله تعالى تكلم به وسمعه جبرائيل ونزل به على قلب محمد ﷺ ، كما قال الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٥].
стр. 31
حكم دفن الموتى في المساجد قياساً على دفن النبي في المسجد النبوي
السؤال
يقول بعض المبتدعة: يجوز إدخال القبر ودفن الميت في المسجد، ويقيسون ذلك على المسجد النبوي؛ فما الرد على مثل هؤلاء؟
الجواب
هؤلاء وثنيون يريدون إحياء الوثنية، هذا لا يجوز أبداً، ولا يجوز إبقاء القبر في المسجد، والحكم للأغلب، فإن كان المسجد هو الأول، ثم دفن فيه الميت، فإنه يجب نبش القبر ودفنه في مقابر المسلمين، وإن كان السابق هو القبر وبني عليه المسجد فيجب هدم المسجد ويبنى في مكان آخر، أما النبي ﷺ فإنه لم يدفن في مسجده، ولم يبن مسجده على قبره، لا هذا ولا هذا، الرسول ﷺ إنما دفن في بيته، والبيت خارج المسجد، ومسجد النبي ﷺ ما بني على قبره في حياته، ولكن الوليد بن عبد الملك لما أراد أن يوسع المسجد أدخل كل حجرات النبي ﷺ وهذا خطأ، فكون الوليد أخطأ وأدخل حجرات بيوت أزواج النبي ﷺ فيه لا يجيزه ولا يقال: إن النبي ﷺ دفن في المسجد، ولا أن مسجده بني على قبره.
المحظور: أن يدفن الميت في القبر، أو يبنى المسجد على القبر، وكل من الأمرين لم يوجد في قبره النبي ﷺ ومسجده، فالنبي ﷺ ما دفن في المسجد، وإنما دفن في بيته، ومسجد النبي ﷺ ما بني على قبره، غاية الأمر أن الوليد أدخل البيت كاملاً في المسجد؛ لأنه وسع المسجد وهذا خطأ منه.
стр. 32
حكم تشريك النية بزيارة المسجد النبوي وقبر النبي
السؤال
هل يصح تشريك النية في زيارة المسجد النبوي وزيارة القبر معاً؟
الجواب
لو شركت لا بأس، لكن المحظور أن تتمحض النية لزيارة القبر، والأولى أن تكون النية لزيارة مسجد النبي ﷺ ، ثم بعد ذلك تأتي لزيارته.
стр. 33
حكم الإخبار عن الله بالرمي
السؤال
هل يقال: إن صفة الرمي من صفات الله؛ لقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]؟
الجواب
هذا من باب الخبر، وباب الخبر أوسع من باب الصفات، أخبر الله عن نفسه أنه رمى، ويُخبَر عن الله بأنه موجود، وبأنه ذات، وبأنه شيء، وبأنه شخص لا شخص مثله، ولا يقال: من أسمائه الذات ولا الموجود ولا الشيء: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:١٩]، فباب الخبر أوسع من باب الصفات.
стр. 34
واجب طلبة العلم تجاه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
السؤال
لوحظ في هذه الأيام كثرة طلاب العلم ولله الحمد والمنة، ولكن يلاحظ مع ذلك قلة الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهل من تعليق لكم وفقكم الله؟
الجواب
يجب على طلبة العلم أن يكونوا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، والله تعالى بين أن الخيرية لهذه الأمة إنما حصلت بذلك، فقال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فالخيرية إنما صحت بهذه الأمور الثلاثة: الإيمان بالله، وبالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فمن عمل بهذه الصفات وانطبقت عليه حصلت له الخيرية، ومن فاتته هذه الصفات فاتته الخيرية، قال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] الأمر من الله أن تكون أمة منتصبة بهذا الأمر بالقيام بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال سبحانه في وصف المؤمنين: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٧١] يرحمهم الله بهذه الصفات، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، فينبغي لطلبة العلم أن يكونوا في المقدمة، وأن يمتثلوا أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، فما قيمة العلم الذي لا يعمل به الإنسان، من العمل بالعلم أن يكون طالب العلم آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، لكن بالحكمة والموعظة الحسنة، باللين والرفق.
وإنكار المنكر له ثلاث مراتب: أولاً: الإنكار باليد إذا كان الإنسان يستطيع أن يغير بإن كان له سلطة كالأمير، وإن كان في بيته إذا كان يستطيع غير بيده، وثانياً: إذا عجز باللسان والبيان، وثالثاً: الإنكار بالقلب؛ كما في حديث أبي سعيد ﵁ الذي رواه الإمام مسلم أن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، والإنكار بالقلب لابد فيه من البعد عن المنكر، فإذا كنت لا تستطيع أن تنكر باللسان لا تجلس معهم، بل تقوم وتظهر علامة الإنكار على وجهك، أما إذا كنت تجلس معهم وتدعي أنك تنكر المنكر بقلبك فأنت شريك لهم في الإثم، فإن كانوا يشربون الخمر فحكمك حكم من يشرب الخمر، وإن كانوا يغتابون الناس وأنت ساكت وتستطيع أن تقوم فحكمك حكمهم، وإن كانوا يسبون الإسلام أو يسبون الله، فحكمك حكمهم، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٤٠]، فمن جلس مع قوم يكفرون بالله ولم ينكر عليهم ولم يقم فحكمه حكمهم، ومن جلس مع قوم يشربون الدخان ولم ينكر عليهم فحكمه حكمهم في الإثم، نسأل الله السلامة والعافية، ونسأله أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع العمل الصالح، ونسأله أن يتوفانا على الإسلام، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 35
شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني [٣]
يثبت أهل السنة والجماعة جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة إثباتاً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه من غير تمثيل أو تكييف أو تعطيل أو تحريف.
стр. 36
عقيدة أهل السنة والجماعة في باب الصفات
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يعتقدون تشبيهاً لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيديه، كما نص سبحانه عليه في قوله عز من قائل: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥].
ولا يحرفون الكلم عن مواضعه؛ بحمل اليدين على النعمتين أو القوتين تحريف المعتزلة والجهمية أهلكهم الله.
ولا يكيفونهما بكيف أو يشبهونهما بأيدي المخلوقين، تشبيه المشبهة خذلهم الله.
وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتشبيه والتكييف، ومَنَّ عليهم بالتعريف والتفهيم حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعليل والتشبيه، واتبعوا قول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
وكما ورد القرآن بذكر اليدين في قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤].
ووردت الأخبار الصحاح عن رسول الله ﷺ بذكر اليد، كخبر محاجة موسى وآدم، وقوله له: (خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته)، ومثل قوله ﷺ : (لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي، كمن قلت له: كن فكان)، وقوله ﷺ : (خلق الله الفردوس بيده)].
يبين أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني ﵀ معتقد السلف وأصحاب الحديث فيقول ﵀: (إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة يشهدون لله تعالى بالوحدانية، ويشهدون لنبيه ﷺ بالرسالة والنبوة).
وهذا هو أصل الدين وأساس الملة كما سبق.
стр. 37
إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله
وأيضاً من معتقدهم: أنهم يعرفون الله بصفاته وأسمائه وأفعاله، وهذه الصفات والأسماء والأفعال إنما تؤخذ من الوحيين الكتاب والسنة، وليس للناس أن يخترعوا لله أسماء وصفات من عند أنفسهم، وهذا هو معنى قول أهل العلم: الأسماء والصفات توقيفية، يعني: يوقف فيها عند النصوص، فما ورد إثباته لله من الأسماء والصفات في الكتاب العزيز أو في السنة المطهرة نثبته لله، وما ورد في الكتاب العزيز أو في السنة المطهرة نفيه عن الله ننفيه عن الله، كما نفى عن نفسه السنة والنوم والعجز والظلم: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وما لم يرد في الكتاب ولا في السنة إثباته ولا نفيه نتوقف فيه، لا نثبته ولا ننفيه، مثل الجسم والحيز والعرض والحد والجهة والأعراض والأبعاض، فهذه الأمور التي أثبتها أهل البدع نتوقف فيها لا نثبتها ولا ننفيها؛ لأنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة إثباتها ولا نفيها، وهي مشتملة على حق وباطل، ونستفصل ممن أطلقها.
من قال: إن لله جسماً، أو قال: ليس بجسم.
لا نطلق لا نفيه ولا إثباته، فلا نقول: إن لله جسماً، ولا نقول: ليس بجسم، ولا نقول: إنه في حيز ولا غير متحيز؛ لأنه لم يرد في الكتاب والسنة لا إثباته ولا نفيه، ومن أطلقها نفياً أو إثباتاً فإننا نستفصل منه، نقول له: ما مرادك؟ إن قال: أنا مرادي أن الله متصف بالصفات، نقول: هذا المعنى صحيح، لكن هذا اللفظ مشتمل على حق وباطل.
إذاً: إذا كان المعنى صحيحاً نقبله، لكن اللفظ نرده ونقول: عبر بالتعبيرات التي جاءت في النصوص؛ لأنها بريئة وسالمة من الخطأ، أما هذا اللفظ الذي جئت به فلا نقبله والمعنى صحيح.
فإذا قال: أنا مقصودي أن الله يشبه المخلوقات، نقول: المعنى باطل، واللفظ باطل، ونرد المعنى واللفظ جميعاً.
فإذا قال: ماذا أقول؟ نقول: قل ما قال الله وقال رسوله، إن الله هو السميع البصير، هو العليم الحكيم، هذه ألفاظ من النصوص بريئة وسالمة من احتمال الخطأ، أما هذا اللفظ الذي أتيت به لا نقبله والمعنى سليم.
إذاً: القاعدة عند أهل السنة والجماعة في إثبات الأسماء والصفات والأفعال: ما ورد في الكتاب العزيز أو في السنة المطهرة إثباته لله وجب إثباتها لله، وما ورد في كتابه أو في السنة نفيه عن الله وجب نفيه عن الله، وما لم يرد في الكتاب ولا في السنة نفيه ولا إثباته لا ننفيه ولا نثبته، ومن أطلقه نفياً أو إثباتاً نستفصل منه: فإن أراد حقاً قبلنا المعنى ورددنا اللفظ، وإن أراد باطلاً رددنا اللفظ والمعنى جميعاً.
стр. 38
إثبات الصفات بلا تشبيه أو تمثيل
قوله: [ولا يعتقدون تشبيهاً لصفاته بصفات خلقه].
أهل السنة والجماعة يثبتون الأسماء والصفات، لكن ينفون التمثيل والتشبيه، فيقولون: إن الله تعالى له سمع وبصر وعلم وقدرة لكن لا يماثل أحداً من مخلوقاته.
المعنى معلوم، والعلم ضد الجهل، معنى السمع ضد الصمم، معنى البصر ضد العمى، لكن كيفية اتصاف الرب بالسمع والبصر والعلم لا نعلمه، ولا يعلم كيفية الصفات إلا هو.
إذاً: معاني الصفات معلومة خلافاً للمفوضة، وهم طائفة يفوضون المعنى، يقولون: لا نعلم معنى السمع، ولا البصر، كأنها كلمات أعجمية، وهذا من أبطل الباطل.
وبعضهم ينسب هذا إلى مذهب السلف، والسلف لا يفوضون بل يعرفون المعنى، لكن الذي يفوض هو علم الكيفية، كما قال الإمام مالك ﵀ لما سئل عن الاستواء قال: (الاستواء معلوم) يعني: معلوم معناه في اللغة العربية، كما قال السلف: استوى استقر وعلا وصعد وارتفع.
لكن كيفية استواء الرب لا نعلمها؛ ولهذا قال الإمام مالك: (والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)، وهذا يقال في كل الصفات، فمعنى الصفات من السمع والبصر والعلم والقدرة معلومة، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وهذا معنى قول المؤلف ﵀: (ولا يعتقدون تشبيهاً للصفات بصفات خلقه)، يعني: لا نقول: إن صفات الخالق تشبه صفات المخلوقين، ولا نكيف ونقول: إن كيفيتها كذا، ولا نحرف ولا نعطل.
الناس أقسام: من الناس من أثبت الصفات لكن شبهه بصفات المخلوقين، قال: لله سمع كسمعنا، وبصر كبصرنا، وعلم كعلمنا ويد كأيدينا، وهذا مذهب المشبهة، وهم غلاة الشيعة، ويسمونهم البيانية، وينسبون إلى بيان بن سمعان التميمي، والسالمية الذين ينسبون إلى هشام بن سالم الجواليقي، وكان بعضهم يقول: إن الله على صورة الإنسان، وينزل عشية عرفة على جمل، ويحاضر ويسامر ويصافح، ومنهم من قال: إنه يندم ويحزن ويبكي! قبحهم الله، تعالى الله عما يقولون.
فغلاة الشيعة البيانية والهاشمية يقولون: صفات الخالق مثل صفات المخلوق سواء وهؤلاء المشبهة كفرة، فمن شبه الله بخلقه أو شبهه بصفة من صفات خلقه فهو في الحقيقة ما عبد الله، وإنما عبد وثناً، صوره له خياله، ونحته له فكره، فهو من عباد الأوثان لا من عباد الرحمن، قال العلامة ابن القيم ﵀ في الكافية الشافية: لسنا نشبه وصفه بصفاتنا إن المشبه عابد الأوثان والمشبه مشابه للنصارى الذين زعموا أن عيسى ابن الله، وشبهوا عيسى بالله، ولهذا يقول العلامة ابن القيم: من شبه الله العظيم بخلقه فهو النسيب للمشرك النصراني والطائفة الثانية: المعطلة، وهم الذين نفوا الصفات عن الله، وأنكروها، وقالوا: إن الله لا يسمع ولا يبصر، ولم يستو على العرش، ونفوا العلم وسائر الصفات، وهذا مذهب المعتزلة والجهمية، حيث يزعمون أنهم لو أثبتوا الصفات للزم من ذلك التشبيه بصفات المخلوقين، قالوا: لو قلنا: إن لله سمعاً لشبهنا الله بالخالق، ولو قلنا: إن لله له بصراً لشبهنا الخالق بالمخلوق، ولو قلنا: إن له استواء لشبهناه بالمخلوق.
فهم على طرفي نقيض، المشبهة أثبتوا وزادوا في الإثبات حتى غلوا وشبهوا صفة الخالق بصفات المخلوقين، والمعطلة مثل الجهمية والمعتزلة -وكذلك الأشاعرة لا يثبتون لله إلا سبع صفات، وبقية الصفات ينفونها- نفوا الصفات وقالوا: إن الله لا يعلم ولا يسمع، وهؤلاء بزعمهم في التنزيه حتى نفوا الصفات، وأولئك المشبهة غلو في الإثبات حتى شبهوا الله بخلقه، وهدى الله أهل السنة والجماعة فتوسطوا، فقالوا: نحن نثبت الصفات لكن لا نغلو في الإثبات حتى نصل إلى التشبيه كما قالت المشبهة، ونزهوا الله عن صفات المخلوقين، قالوا: إن الله لا يشبه خلقه، لكن لم يغلوا في هذا التنزيه حتى يصلوا إلى التعظيم، فصار مذهب أهل السنة والجماعة وسطاً وحقاً بين باطلين، وهدى بين ضلالين؛ فهم أخذوا الحق الذي مع المعطلة، وهو التنزيه، وتركوا الباطل وهو الزيادة في هذا التنزيه حتى نفوا الصفات، والمشبهة معهم حق وهو أصل الإثبات، لكن معهم باطل وهو الزيادة في هذا الإثبات حتى شبهوا الله بالمخلوقين، فأهل السنة والجماعة أخذوا الحق الذي مع المعطلة، وأخذوا الحق الذي مع المشبهة، ونفوا الباطل الذي مع المشبهة، ونفوا الباطل الذي مع المعطلة، فخرج مذهب أهل السنة ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل:٦٦]، من بين ذم التشبيه وفرط التعظيم.
стр. 39
عقيدة أهل السنة في صفة اليد
فيقولون -يعني أهل السنة والجماعة- إنه خلق آدم بيده أو بيديه كما نص سبحانه عليه في قوله : ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]) هذه الآية فيها إثبات اليدين لله، ونحن نقول: إن لله يدين لا يشابه فيها أيدي المخلوقين.
قوله: (ولا يحرفون الكلم عن مواضعه؛ بحمل اليدين على النعمتين أو القوتين تحريف المعتزلة والجهمية أهلكهم الله)، هذا دعاء من المؤلف عليهم بالهلاك.
فالمعتزلة والجهمية لما وردت عليهم النصوص التي فيها إثبات الصفات كان موقفهم منها النفي، فلما أوردت عليهم النصوص قيل لهم: ماذا تقولون في قوله تعالى: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وكذلك الآية الأخرى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] يعني: فيه صفة اليدين لله .
وكذلك في الأحاديث التي ذكرها المؤلف خبر محاجة آدم موسى قال: (خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته)، وحديث: (خلق الفردوس بيده)، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١]، (والذي نفسي بيده).
كل هذه فيها إثبات اليد لله، والمراد بيده الجنس، والمراد يدان لله، فأثبت اليدان لله.
أما المعتزلة والجهمية فقالوا: نحن نفسر اليد بالنعمة، أو بالقدرة.
ونحن نقول: الأول باطل؛ لأنه تحريف للكلم عن مواضعه ومعارضة للنصوص، وإبطال لها، وهل الله تعالى عاجز عن أن يقول: لما خلقت بنعمتي أو بقدرتي؟ لو كان مراده النعمة والقدرة لقال: لما خلقت بنعمتي أو بقدرتي.
الرد الثاني: أن تفسير اليد بالنعمة أو القوة يفسد المعنى؛ لأن الله أخبر أن له يدان: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، فلو لم يأت إلا ذكر يد واحدة لكان لتأويلهم وجه، يعني: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] يقول اليد معناها: النعمة أو القدرة، لكن لما جاء في النصوص إطلاق اليدين: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] إذا فسرت اليد بالنعمة سيكون المعنى: بنعمتي، وهذا يفيد حصر النعمة بنعمتين؟! والله له نعم كثيرة.
وإذا فسرتها بالقوة؛ فإن لله قوتان فقط، فيفسد المعنى.
إذاً: تفسير اليد بالنعمة أو القوة يفسد المعنى، أولاً: هو إبطال للنصوص، وتحريف لكلام الله عن مواضعه، وثانياً: لأنه جاء إثبات اليدين لله ، فليست يد واحدة وإنما هي يدان.
قوله: (ولا يكيفونهما بكيف) أي: لا يقولون: إن يد الله كيفيتها كذا، أو تكون على كيفية كذا، وإنما يقولون: الله أعلم كيفية اليد، فله يدان كريمتان تليقان بجلاله وعظمته لا تماثل أيدي المخلوقين، لا نقول: كيفيتها كذا ولا كذا.
قوله: (أو يشبهونهما بأيدي المخلوقين) كذلك لا يقولون: إن يديه سبحانه تشبه يد المخلوقين، وهذا قول المشبهة الذين يكيفون ويمثلون ويشبهون تشبيه المشبهة خذلهم الله.
قوله: (وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف والتشبيه والتكييف)، فلم يشبهوا أو لم يقولوا: إن صفات الخالق تشبه صفات المخلوقين، ولم يكيفوها فيقولون: إن الكيفية على كذا وكذا.
فأعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتكييف والتشبيه الذي وقع فيه أهل البدع.
قوله: (ومن عليهم بالتعريف والتفهيم حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه) يعني: عرفهم وفهمهم الحق، فعلموا الحق وسلكوا مسلك الأنبياء والمرسلين ومن تبعهم من الصحابة والتابعين والأئمة، فوحدوا الله ونزهوه عن مشابهة المخلوقين.
قوله: (وتركوا القول بالتعليل والتشبيه) أي ما قالوا: إننا نفي اليد لئلا يلزم منه التشبيه، أو لعلة كذا، أو لأجل كذا.
قوله: (واتبعوا قول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]) هذه الآية فيها رد على الطائفتين: المشبهة الممثلة والمعطلة، فقوله: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)) رد على المشبهة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ رد على المعطلة، حيث أثبت لنفسه السمع والبصر، والمعطلة ينفون السمع والبصر، وقوله: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)) رد على المشبهة الذين يقولون: إن صفات الخالق تماثل صفات المخلوقين.
قوله: (وكما ورد القرآن بذكر اليدين في قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤].
ووردت الأخبار في الصحاح عن رسول الله ﷺ بذكر اليد) يعني: كما ورد القرآن بذكر اليدين وردت السنة بذكر اليدين، فالمؤلف يقول: إن إثبات اليدين جاء في الكتاب العزيز وفي الأخبار الصحاح عن رسول الله ﷺ بذكر اليد.
قوله: (كخبر محاجة آدم وقوله له: (خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته)).
في الحديث يقول النبي ﷺ : لما لقي موسى آدم، احتج آدم وموسى، فقال موسى ﵊ لآدم: (أنت آدم الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فلماذا أخرجت نفسك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، فيكم وجدت مكتوباً علي قبل أن أخلق: وعصى آدم ربه فغوى فقال بكذا وكذا، قال النبي ﷺ : فحج آدم موسى)، يعني: غلبه بالحجة، ذلك أن آدم احتج عليه بأن هذه المصيبة -وهي إخراجه من الجنة- مكتوبة عليه؛ فاحتج بالقدر، ولهذا حج آدم موسى، والاحتجاج بالقدر على المصائب لا بأس به، لكن الممنوع أن يحتج بالقدر على المعاصي، فهذه طريقة المشركين، أما الاحتجاج بالقدر على المصائب لا بأس به، إذا أصابتك مصيبة قل: إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء فعل.
فهذا آدم وموسى لما في خبر المحاجة قال موسى لآدم: (خلقك الله بيده)، أثبت اليد لله.
قوله: (ومثل قوله ﷺ : لا أجعل صالح من خلقت بيدي، كمن قلت له: كن فكان)).
هذا الحديث احتج به العلماء على تفضيل الأنبياء وصالح البشر على الملائكة، وهذا يظهر في النهاية عند دخولهم الجنة حينما يكملهم الله ويطهرهم، وهذه المسألة وهي: تفضيل الأنبياء وصالح البشر على الملائكة، أو تفضيل الملائكة على الأنبياء وصالح البشر، مسألة خلافية بين أهل العلم، والصواب كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الأنبياء وصالح البشر أفضل، ومن الأدلة هذا الحديث، فلما طلبت الملائكة من الله أن يجعلهم أفضل من بني آدم قالت: (ربنا جعلت لهم الدنيا يأكلون ويشربون)، والملائكة لا تأكل ولا تشرب، فاجعل لنا الآخرة، فقال الله : (لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان).
فآدم خلقه الله بيده، والملائكة قال الله لهم: كن فكانوا، فهذا من الأدلة التي احتج بها المحققون من أهل العلم على أن الأنبياء وصالح البشر أفضل من الملائكة في النهاية، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: عندما يكملهم الله عند دخولهم الجنة.
قوله: (وقوله ﷺ : (خلق الله الفردوس بيده) هذا الحديث فيه كلام لأهل العلم في صحته، فقد أعل بالإرسال، وسواء صح الحديث أو لم يصح فاليد ثابتة لله في القرآن العزيز وفي السنة المطهرة.
стр. 40
إثبات جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تحريف
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت به الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة والعزة والعظمة والإرادة والمشيئة والقول والكلام والرضا والسخط والحب والبغض والفرح والضحك وغيرها].
في نسخة: (والحياة واليقظة)، بدون: (والحب والبغض)، وهذه أحسن.
أما قوله: [من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى وقاله رسوله ﷺ من غير زيادة عليه، ولا إضافة إليه، ولا تكييف له، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه بتأويل منكر مستنكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله، كما أخبر الله عن الراسخين في العلم أنهم يقولونه في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧].
وآيات الكتاب وأخبار الرسول ﷺ الصحيحة المنيرة الناطقة بهذه الصفات وغيرها كثيرة يطول الكتاب بإحصائها، وذكر اتفاق أئمة الملة وعلمائها على صحة تلك الأخبار الواردة بها، وأكثرها مخرج بالأسانيد الصحيحة في كتاب الانتصار، وشرطنا في أول هذا الكتاب الاختصار، والاقتصار على أدنى المقدار دون الإكثار برواية الأخبار وذكر أسانيدها الصحيحة عن نقلة الآثار، ومصنفي المسانيد الصحاح الكبار].
يقول المؤلف ﵀: وكذلك معتقد أصحاب الحديث: أنهم في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن ووردت فيها الأخبار الصحاح يجرونها مجرىً واحداً، ويثبتون جميع الصفات كما يليق بجلال الله وعظمته، وينفون عنها التمثيل والتكييف، ويثبتون الصفات إثباتاً بلا تمثيل ولا تشبيه، وينفون عن الله مماثلة المخلوقين.
وهم يثبتون الصفات، لا يعطلون كما تفعل المعطلة، ولا يمثلونها بصورة المخلوقين كما تفعل المشبهة.
قوله: (كذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح) يعني: لا يشترط في ثبوت الصفة أن تأتي في القرآن وفي السنة، بل إذا أتت في القرآن أو في السنة وجب إثباتها.
قوله: (من السمع والبصر) قال تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] هذا فيه إثبات صفة السمع والبصر.
قوله: (والعين) صفة العين ثابتة في حديث الدجال، قال النبي ﷺ : (وإن ربكم ليس بأعور، وإن المسيح الدجال أعور عينه اليمنى، كأن عينه عنبة طافية)، استدل العلماء بهذا الحديث على إثبات العينين لله، وأن لله تعالى عينين سليمتين بخلاف الدجال؛ فإن له عيناً واحدة، والعين الأخرى طافية كأنها عنبة طافية.
قوله: (والوجه) وكذلك إثبات الوجه قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، والعلم: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤].
قوله: (والقوة) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨].
قوله: (والقدرة) قال الله تعالى:: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠].
قوله: (والعزة) قال الله تعالى:: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر:١٠]، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون:٨].
قوله: (والعظمة) لحديث: (العظمة إزاري والكبرياء ردائي).
قوله: (والإرادة) قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] والإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية قدرية ترادف المشيئة، وإرادة دينية شرعية ترادف المحبة.
قوله: (والمشيئة) قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠].
قوله: (والقول) قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١١٠].
قوله: (والكلام): ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤].
قوله: (والرضا): ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩].
قوله: (والسخط): ﴿سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة:٨٠].
قوله في نسخة أخرى: (والحياة واليقظة)، الحياة نعم ثابتة، قال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] أما اليقظة فهذا يحتاج إلى دليل.
قوله: (والحب) قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤].
قوله: (والبغض): (إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، ويحبه جبريل وتحبه الملائكة، ويوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبداً نادى جبريل: إني أبغض فلاناً فأبغضه، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء ثم توضع له البغضاء في الأرض).
وفي الآية الكريمة يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر:١٠] والمقت أشد البغض.
إذاً: الحياة ثابتة، أما اليقظة فيحتاج إلى دليل إثبات أنها من صفات الله، ولا أعلم دليلاً في الكتاب أو السنة فيه إثبات صفة اليقظة لله، إنما الحب والبغض والحياة.
قوله: (والفرح) الفرح صفة ثابتة لله: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم يفقد راحلته في فلاة عليها طعامه ومتاعه)، إلى آخر الحديث.
قوله: (والضحك): (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة)، قوله: (وغيرها).
أي أن أهل السنة والجماعة والسلف وأهل الحديث يثبتون الصفات التي وردت في القرآن العزيز أو في السنة المطهرة، ومثل لهذه الصفات بالسمع والبصر والعينين والوجه والعلم والقوة والقدرة والعزة والعظمة والإرادة والمشيئة والقول والكلام والرضا والسخط والحياة والحب والبغض والفرح والضحك وغيرها.
قوله: (من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين) يعني: لا يقولون: إن سمع الخالق مثل سمع المخلوق، بل الله تعالى له صفات تليق بجلاله وعظمته، لا يماثل أحداً من خلقه.
قوله: (بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى وقاله رسول الله ﷺ من غير زيادةولا إضافة عليه).
يعني: يقفون عند النصوص من غير زيادة على قول الله وقول الرسول، ولا يضيفون إليها شيئاً، بل يقولون كما قالوا: أثبت الله لنفسه السمع نثبت السمع، أثبت الله لنفسه البصر نثبت البصر، وهكذا من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه.
قوله: (ولا تكييف له)، لا يقولون: إن كيفية سمع الله كذا، إن بصره كيفيته كذا، لا يكيف ولا يشبه بصفات المخلوقين.
قوله: (ولا تحريف) لا يحرفون الصفات ويقولون: معنى اليد النعمة أو القدرة، فهذا تحريف وتبديل وتغيير، وهم لا يحرفون الألفاظ ولا المعاني.
الجهمية حرفت وقالوا: معنى ((اسْتَوَى)) استولى، ولهذا يقول العلماء: إن الجهمية شابهوا اليهود، فإن اليهود قال الله لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة:٥٨] يعني: حط عنا يا الله ذنوبنا واغفرها لنا، وهم حرفوا وقالوا: حنطة، حرفوا في اللفظ والمعنى، وأمرهم الله أن يدخلوا سجداً فدخلوا يزحفون على أدبارهم.
والجهمية غيروا (استوى) وقالوا: استولى، ولهذا يقول العلماء: لام الجهمية مثل نون اليهود، لام الجهمية استولى زادوها في النص، ونون اليهود زادوها في النص.
أما أهل السنة والجماعة فلا يحرفون ولا يغيرون ولا يبدلون كما تفعل الجهمية وكما يفعل اليهود؛ ولهذا قال المؤلف ﵀: (بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى وقاله رسوله من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه ولا تكييف له ولا تشبيه ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير).
فهم لا يقولون: كيفية الصفة على كذا وكذا، ولا يقولون: تشبه صفة المخلوقين، ولا يحرفون اللفظ، ولا يحرفون المعنى، ولا يبدلون ولا يغيرون.
قوله: ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه في تأويل المنكر).
فأهل السنة لا يزيلون لفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتؤوله عليه بتأويل منكر، مثل تأويل الجهمية في (استوى) باستولى، هذا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب بتأويل منكر.
قوله: ويجرونه على الظاهر ويكلون علمه إلى الله، ويقرون بأنه تأويل لا يعلمه إلا الله، كما أخبر الله عن الراسخين في العلم أنهم يقولون في قوله : ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]) فالراسخون في العلم يؤمنون بالنصوص ولا يمثلون ولا يكيفون ولا يشبهون، يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] آمنا بالمتشابه وبالمحكم، ويعملون بالمحكم، ويؤمنون بالمتشابه، ولا يحرفون.
قوله: (وآيات الكتاب وأخبار الرسول ﷺ الصحيحة المنيرة الناطقة بهذه الصفات وغيرها كثيرة) يعني: الآيات والنصوص التي فيها إثبات الصفات سواء من الكتاب ومن السنة كثيرة، يطول الكتاب بإحصائها، لكن أنا أعطيك قاعدة هي: يجب على كل مسلم أن يثبت النصوص التي وردت في الكتاب وفي السنة إثباتاً بغير تكييف ولا تمثيل، لكن تنزيه الله عن مشابهة المخلوق من غير تعطيل للصفات، ولا تمثلها بصفات المخلوقين كما يفعل المشركون، ولا تعطل بأن تنفي الصفات كما نفتها المعطلة.
فكل نص في القرآن العزيز أو في السنة المطهرة جاء بإثبات صفة من صفات الله، أو اسم من أسماء الله، أو فعل من الأفعال أثبته لله، واجتنب أمرين باطلين: الباطل الأول: التمثيل بصفات المخلوقين، والباطل الثاني: تعطيل الصفة.
إذاً: من مثل فقد شابه
следующие страницы →