← Акыда

Акыда · id 37012

شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (265 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عقيدة أهل السنة والجماعة في باب الصفات قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يعتقدون تشبيهاً لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيديه، كما نص سبحانه عليه في قوله عز من قائل: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]. ولا يحرفون الكلم عن مواضعه؛ بحمل اليدين على النعمتين أو القوتين تحريف المعتزلة والجهمية أهلكهم الله. ولا يكيفونهما بكيف أو يشبهونهما بأيدي المخلوقين، تشبيه المشبهة خذلهم الله. وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتشبيه والتكييف، ومَنَّ عليهم بالتعريف والتفهيم حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعليل والتشبيه، واتبعوا قول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. وكما ورد القرآن بذكر اليدين في قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]. ووردت الأخبار الصحاح عن رسول الله ﷺ بذكر اليد، كخبر محاجة موسى وآدم، وقوله له: (خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته)، ومثل قوله ﷺ : (لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي، كمن قلت له: كن فكان)، وقوله ﷺ : (خلق الله الفردوس بيده)]. يبين أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني ﵀ معتقد السلف وأصحاب الحديث فيقول ﵀: (إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة يشهدون لله تعالى بالوحدانية، ويشهدون لنبيه ﷺ بالرسالة والنبوة). وهذا هو أصل الدين وأساس الملة كما سبق.

стр. 37

إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله وأيضاً من معتقدهم: أنهم يعرفون الله بصفاته وأسمائه وأفعاله، وهذه الصفات والأسماء والأفعال إنما تؤخذ من الوحيين الكتاب والسنة، وليس للناس أن يخترعوا لله أسماء وصفات من عند أنفسهم، وهذا هو معنى قول أهل العلم: الأسماء والصفات توقيفية، يعني: يوقف فيها عند النصوص، فما ورد إثباته لله من الأسماء والصفات في الكتاب العزيز أو في السنة المطهرة نثبته لله، وما ورد في الكتاب العزيز أو في السنة المطهرة نفيه عن الله ننفيه عن الله، كما نفى عن نفسه السنة والنوم والعجز والظلم: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وما لم يرد في الكتاب ولا في السنة إثباته ولا نفيه نتوقف فيه، لا نثبته ولا ننفيه، مثل الجسم والحيز والعرض والحد والجهة والأعراض والأبعاض، فهذه الأمور التي أثبتها أهل البدع نتوقف فيها لا نثبتها ولا ننفيها؛ لأنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة إثباتها ولا نفيها، وهي مشتملة على حق وباطل، ونستفصل ممن أطلقها. من قال: إن لله جسماً، أو قال: ليس بجسم. لا نطلق لا نفيه ولا إثباته، فلا نقول: إن لله جسماً، ولا نقول: ليس بجسم، ولا نقول: إنه في حيز ولا غير متحيز؛ لأنه لم يرد في الكتاب والسنة لا إثباته ولا نفيه، ومن أطلقها نفياً أو إثباتاً فإننا نستفصل منه، نقول له: ما مرادك؟ إن قال: أنا مرادي أن الله متصف بالصفات، نقول: هذا المعنى صحيح، لكن هذا اللفظ مشتمل على حق وباطل. إذاً: إذا كان المعنى صحيحاً نقبله، لكن اللفظ نرده ونقول: عبر بالتعبيرات التي جاءت في النصوص؛ لأنها بريئة وسالمة من الخطأ، أما هذا اللفظ الذي جئت به فلا نقبله والمعنى صحيح. فإذا قال: أنا مقصودي أن الله يشبه المخلوقات، نقول: المعنى باطل، واللفظ باطل، ونرد المعنى واللفظ جميعاً. فإذا قال: ماذا أقول؟ نقول: قل ما قال الله وقال رسوله، إن الله هو السميع البصير، هو العليم الحكيم، هذه ألفاظ من النصوص بريئة وسالمة من احتمال الخطأ، أما هذا اللفظ الذي أتيت به لا نقبله والمعنى سليم. إذاً: القاعدة عند أهل السنة والجماعة في إثبات الأسماء والصفات والأفعال: ما ورد في الكتاب العزيز أو في السنة المطهرة إثباته لله وجب إثباتها لله، وما ورد في كتابه أو في السنة نفيه عن الله وجب نفيه عن الله، وما لم يرد في الكتاب ولا في السنة نفيه ولا إثباته لا ننفيه ولا نثبته، ومن أطلقه نفياً أو إثباتاً نستفصل منه: فإن أراد حقاً قبلنا المعنى ورددنا اللفظ، وإن أراد باطلاً رددنا اللفظ والمعنى جميعاً.

стр. 38

إثبات الصفات بلا تشبيه أو تمثيل قوله: [ولا يعتقدون تشبيهاً لصفاته بصفات خلقه]. أهل السنة والجماعة يثبتون الأسماء والصفات، لكن ينفون التمثيل والتشبيه، فيقولون: إن الله تعالى له سمع وبصر وعلم وقدرة لكن لا يماثل أحداً من مخلوقاته. المعنى معلوم، والعلم ضد الجهل، معنى السمع ضد الصمم، معنى البصر ضد العمى، لكن كيفية اتصاف الرب بالسمع والبصر والعلم لا نعلمه، ولا يعلم كيفية الصفات إلا هو. إذاً: معاني الصفات معلومة خلافاً للمفوضة، وهم طائفة يفوضون المعنى، يقولون: لا نعلم معنى السمع، ولا البصر، كأنها كلمات أعجمية، وهذا من أبطل الباطل. وبعضهم ينسب هذا إلى مذهب السلف، والسلف لا يفوضون بل يعرفون المعنى، لكن الذي يفوض هو علم الكيفية، كما قال الإمام مالك ﵀ لما سئل عن الاستواء قال: (الاستواء معلوم) يعني: معلوم معناه في اللغة العربية، كما قال السلف: استوى استقر وعلا وصعد وارتفع. لكن كيفية استواء الرب لا نعلمها؛ ولهذا قال الإمام مالك: (والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)، وهذا يقال في كل الصفات، فمعنى الصفات من السمع والبصر والعلم والقدرة معلومة، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وهذا معنى قول المؤلف ﵀: (ولا يعتقدون تشبيهاً للصفات بصفات خلقه)، يعني: لا نقول: إن صفات الخالق تشبه صفات المخلوقين، ولا نكيف ونقول: إن كيفيتها كذا، ولا نحرف ولا نعطل. الناس أقسام: من الناس من أثبت الصفات لكن شبهه بصفات المخلوقين، قال: لله سمع كسمعنا، وبصر كبصرنا، وعلم كعلمنا ويد كأيدينا، وهذا مذهب المشبهة، وهم غلاة الشيعة، ويسمونهم البيانية، وينسبون إلى بيان بن سمعان التميمي، والسالمية الذين ينسبون إلى هشام بن سالم الجواليقي، وكان بعضهم يقول: إن الله على صورة الإنسان، وينزل عشية عرفة على جمل، ويحاضر ويسامر ويصافح، ومنهم من قال: إنه يندم ويحزن ويبكي! قبحهم الله، تعالى الله عما يقولون. فغلاة الشيعة البيانية والهاشمية يقولون: صفات الخالق مثل صفات المخلوق سواء وهؤلاء المشبهة كفرة، فمن شبه الله بخلقه أو شبهه بصفة من صفات خلقه فهو في الحقيقة ما عبد الله، وإنما عبد وثناً، صوره له خياله، ونحته له فكره، فهو من عباد الأوثان لا من عباد الرحمن، قال العلامة ابن القيم ﵀ في الكافية الشافية: لسنا نشبه وصفه بصفاتنا إن المشبه عابد الأوثان والمشبه مشابه للنصارى الذين زعموا أن عيسى ابن الله، وشبهوا عيسى بالله، ولهذا يقول العلامة ابن القيم: من شبه الله العظيم بخلقه فهو النسيب للمشرك النصراني والطائفة الثانية: المعطلة، وهم الذين نفوا الصفات عن الله، وأنكروها، وقالوا: إن الله لا يسمع ولا يبصر، ولم يستو على العرش، ونفوا العلم وسائر الصفات، وهذا مذهب المعتزلة والجهمية، حيث يزعمون أنهم لو أثبتوا الصفات للزم من ذلك التشبيه بصفات المخلوقين، قالوا: لو قلنا: إن لله سمعاً لشبهنا الله بالخالق، ولو قلنا: إن لله له بصراً لشبهنا الخالق بالمخلوق، ولو قلنا: إن له استواء لشبهناه بالمخلوق. فهم على طرفي نقيض، المشبهة أثبتوا وزادوا في الإثبات حتى غلوا وشبهوا صفة الخالق بصفات المخلوقين، والمعطلة مثل الجهمية والمعتزلة -وكذلك الأشاعرة لا يثبتون لله إلا سبع صفات، وبقية الصفات ينفونها- نفوا الصفات وقالوا: إن الله لا يعلم ولا يسمع، وهؤلاء بزعمهم في التنزيه حتى نفوا الصفات، وأولئك المشبهة غلو في الإثبات حتى شبهوا الله بخلقه، وهدى الله أهل السنة والجماعة فتوسطوا، فقالوا: نحن نثبت الصفات لكن لا نغلو في الإثبات حتى نصل إلى التشبيه كما قالت المشبهة، ونزهوا الله عن صفات المخلوقين، قالوا: إن الله لا يشبه خلقه، لكن لم يغلوا في هذا التنزيه حتى يصلوا إلى التعظيم، فصار مذهب أهل السنة والجماعة وسطاً وحقاً بين باطلين، وهدى بين ضلالين؛ فهم أخذوا الحق الذي مع المعطلة، وهو التنزيه، وتركوا الباطل وهو الزيادة في هذا التنزيه حتى نفوا الصفات، والمشبهة معهم حق وهو أصل الإثبات، لكن معهم باطل وهو الزيادة في هذا الإثبات حتى شبهوا الله بالمخلوقين، فأهل السنة والجماعة أخذوا الحق الذي مع المعطلة، وأخذوا الحق الذي مع المشبهة، ونفوا الباطل الذي مع المشبهة، ونفوا الباطل الذي مع المعطلة، فخرج مذهب أهل السنة ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل:٦٦]، من بين ذم التشبيه وفرط التعظيم.

стр. 39

عقيدة أهل السنة في صفة اليد فيقولون -يعني أهل السنة والجماعة- إنه خلق آدم بيده أو بيديه كما نص سبحانه عليه في قوله : ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]) هذه الآية فيها إثبات اليدين لله، ونحن نقول: إن لله يدين لا يشابه فيها أيدي المخلوقين. قوله: (ولا يحرفون الكلم عن مواضعه؛ بحمل اليدين على النعمتين أو القوتين تحريف المعتزلة والجهمية أهلكهم الله)، هذا دعاء من المؤلف عليهم بالهلاك. فالمعتزلة والجهمية لما وردت عليهم النصوص التي فيها إثبات الصفات كان موقفهم منها النفي، فلما أوردت عليهم النصوص قيل لهم: ماذا تقولون في قوله تعالى: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وكذلك الآية الأخرى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] يعني: فيه صفة اليدين لله . وكذلك في الأحاديث التي ذكرها المؤلف خبر محاجة آدم موسى قال: (خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته)، وحديث: (خلق الفردوس بيده)، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١]، (والذي نفسي بيده). كل هذه فيها إثبات اليد لله، والمراد بيده الجنس، والمراد يدان لله، فأثبت اليدان لله. أما المعتزلة والجهمية فقالوا: نحن نفسر اليد بالنعمة، أو بالقدرة. ونحن نقول: الأول باطل؛ لأنه تحريف للكلم عن مواضعه ومعارضة للنصوص، وإبطال لها، وهل الله تعالى عاجز عن أن يقول: لما خلقت بنعمتي أو بقدرتي؟ لو كان مراده النعمة والقدرة لقال: لما خلقت بنعمتي أو بقدرتي. الرد الثاني: أن تفسير اليد بالنعمة أو القوة يفسد المعنى؛ لأن الله أخبر أن له يدان: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، فلو لم يأت إلا ذكر يد واحدة لكان لتأويلهم وجه، يعني: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] يقول اليد معناها: النعمة أو القدرة، لكن لما جاء في النصوص إطلاق اليدين: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] إذا فسرت اليد بالنعمة سيكون المعنى: بنعمتي، وهذا يفيد حصر النعمة بنعمتين؟! والله له نعم كثيرة. وإذا فسرتها بالقوة؛ فإن لله قوتان فقط، فيفسد المعنى. إذاً: تفسير اليد بالنعمة أو القوة يفسد المعنى، أولاً: هو إبطال للنصوص، وتحريف لكلام الله عن مواضعه، وثانياً: لأنه جاء إثبات اليدين لله ، فليست يد واحدة وإنما هي يدان. قوله: (ولا يكيفونهما بكيف) أي: لا يقولون: إن يد الله كيفيتها كذا، أو تكون على كيفية كذا، وإنما يقولون: الله أعلم كيفية اليد، فله يدان كريمتان تليقان بجلاله وعظمته لا تماثل أيدي المخلوقين، لا نقول: كيفيتها كذا ولا كذا. قوله: (أو يشبهونهما بأيدي المخلوقين) كذلك لا يقولون: إن يديه سبحانه تشبه يد المخلوقين، وهذا قول المشبهة الذين يكيفون ويمثلون ويشبهون تشبيه المشبهة خذلهم الله. قوله: (وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف والتشبيه والتكييف)، فلم يشبهوا أو لم يقولوا: إن صفات الخالق تشبه صفات المخلوقين، ولم يكيفوها فيقولون: إن الكيفية على كذا وكذا. فأعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتكييف والتشبيه الذي وقع فيه أهل البدع. قوله: (ومن عليهم بالتعريف والتفهيم حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه) يعني: عرفهم وفهمهم الحق، فعلموا الحق وسلكوا مسلك الأنبياء والمرسلين ومن تبعهم من الصحابة والتابعين والأئمة، فوحدوا الله ونزهوه عن مشابهة المخلوقين. قوله: (وتركوا القول بالتعليل والتشبيه) أي ما قالوا: إننا نفي اليد لئلا يلزم منه التشبيه، أو لعلة كذا، أو لأجل كذا. قوله: (واتبعوا قول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]) هذه الآية فيها رد على الطائفتين: المشبهة الممثلة والمعطلة، فقوله: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)) رد على المشبهة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ رد على المعطلة، حيث أثبت لنفسه السمع والبصر، والمعطلة ينفون السمع والبصر، وقوله: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)) رد على المشبهة الذين يقولون: إن صفات الخالق تماثل صفات المخلوقين. قوله: (وكما ورد القرآن بذكر اليدين في قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]. ووردت الأخبار في الصحاح عن رسول الله ﷺ بذكر اليد) يعني: كما ورد القرآن بذكر اليدين وردت السنة بذكر اليدين، فالمؤلف يقول: إن إثبات اليدين جاء في الكتاب العزيز وفي الأخبار الصحاح عن رسول الله ﷺ بذكر اليد. قوله: (كخبر محاجة آدم وقوله له: (خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته)). في الحديث يقول النبي ﷺ : لما لقي موسى آدم، احتج آدم وموسى، فقال موسى ﵊ لآدم: (أنت آدم الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فلماذا أخرجت نفسك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، فيكم وجدت مكتوباً علي قبل أن أخلق: وعصى آدم ربه فغوى فقال بكذا وكذا، قال النبي ﷺ : فحج آدم موسى)، يعني: غلبه بالحجة، ذلك أن آدم احتج عليه بأن هذه المصيبة -وهي إخراجه من الجنة- مكتوبة عليه؛ فاحتج بالقدر، ولهذا حج آدم موسى، والاحتجاج بالقدر على المصائب لا بأس به، لكن الممنوع أن يحتج بالقدر على المعاصي، فهذه طريقة المشركين، أما الاحتجاج بالقدر على المصائب لا بأس به، إذا أصابتك مصيبة قل: إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء فعل. فهذا آدم وموسى لما في خبر المحاجة قال موسى لآدم: (خلقك الله بيده)، أثبت اليد لله. قوله: (ومثل قوله ﷺ : لا أجعل صالح من خلقت بيدي، كمن قلت له: كن فكان)). هذا الحديث احتج به العلماء على تفضيل الأنبياء وصالح البشر على الملائكة، وهذا يظهر في النهاية عند دخولهم الجنة حينما يكملهم الله ويطهرهم، وهذه المسألة وهي: تفضيل الأنبياء وصالح البشر على الملائكة، أو تفضيل الملائكة على الأنبياء وصالح البشر، مسألة خلافية بين أهل العلم، والصواب كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الأنبياء وصالح البشر أفضل، ومن الأدلة هذا الحديث، فلما طلبت الملائكة من الله أن يجعلهم أفضل من بني آدم قالت: (ربنا جعلت لهم الدنيا يأكلون ويشربون)، والملائكة لا تأكل ولا تشرب، فاجعل لنا الآخرة، فقال الله : (لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان). فآدم خلقه الله بيده، والملائكة قال الله لهم: كن فكانوا، فهذا من الأدلة التي احتج بها المحققون من أهل العلم على أن الأنبياء وصالح البشر أفضل من الملائكة في النهاية، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: عندما يكملهم الله عند دخولهم الجنة. قوله: (وقوله ﷺ : (خلق الله الفردوس بيده) هذا الحديث فيه كلام لأهل العلم في صحته، فقد أعل بالإرسال، وسواء صح الحديث أو لم يصح فاليد ثابتة لله في القرآن العزيز وفي السنة المطهرة.

стр. 40

إثبات جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تحريف قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت به الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة والعزة والعظمة والإرادة والمشيئة والقول والكلام والرضا والسخط والحب والبغض والفرح والضحك وغيرها]. في نسخة: (والحياة واليقظة)، بدون: (والحب والبغض)، وهذه أحسن. أما قوله: [من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى وقاله رسوله ﷺ من غير زيادة عليه، ولا إضافة إليه، ولا تكييف له، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه بتأويل منكر مستنكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله، كما أخبر الله عن الراسخين في العلم أنهم يقولونه في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧]. وآيات الكتاب وأخبار الرسول ﷺ الصحيحة المنيرة الناطقة بهذه الصفات وغيرها كثيرة يطول الكتاب بإحصائها، وذكر اتفاق أئمة الملة وعلمائها على صحة تلك الأخبار الواردة بها، وأكثرها مخرج بالأسانيد الصحيحة في كتاب الانتصار، وشرطنا في أول هذا الكتاب الاختصار، والاقتصار على أدنى المقدار دون الإكثار برواية الأخبار وذكر أسانيدها الصحيحة عن نقلة الآثار، ومصنفي المسانيد الصحاح الكبار]. يقول المؤلف ﵀: وكذلك معتقد أصحاب الحديث: أنهم في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن ووردت فيها الأخبار الصحاح يجرونها مجرىً واحداً، ويثبتون جميع الصفات كما يليق بجلال الله وعظمته، وينفون عنها التمثيل والتكييف، ويثبتون الصفات إثباتاً بلا تمثيل ولا تشبيه، وينفون عن الله مماثلة المخلوقين. وهم يثبتون الصفات، لا يعطلون كما تفعل المعطلة، ولا يمثلونها بصورة المخلوقين كما تفعل المشبهة. قوله: (كذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح) يعني: لا يشترط في ثبوت الصفة أن تأتي في القرآن وفي السنة، بل إذا أتت في القرآن أو في السنة وجب إثباتها. قوله: (من السمع والبصر) قال تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] هذا فيه إثبات صفة السمع والبصر. قوله: (والعين) صفة العين ثابتة في حديث الدجال، قال النبي ﷺ : (وإن ربكم ليس بأعور، وإن المسيح الدجال أعور عينه اليمنى، كأن عينه عنبة طافية)، استدل العلماء بهذا الحديث على إثبات العينين لله، وأن لله تعالى عينين سليمتين بخلاف الدجال؛ فإن له عيناً واحدة، والعين الأخرى طافية كأنها عنبة طافية. قوله: (والوجه) وكذلك إثبات الوجه قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، والعلم: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤]. قوله: (والقوة) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]. قوله: (والقدرة) قال الله تعالى:: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠]. قوله: (والعزة) قال الله تعالى:: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر:١٠]، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون:٨]. قوله: (والعظمة) لحديث: (العظمة إزاري والكبرياء ردائي). قوله: (والإرادة) قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] والإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية قدرية ترادف المشيئة، وإرادة دينية شرعية ترادف المحبة. قوله: (والمشيئة) قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]. قوله: (والقول) قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١١٠]. قوله: (والكلام): ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]. قوله: (والرضا): ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩]. قوله: (والسخط): ﴿سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة:٨٠]. قوله في نسخة أخرى: (والحياة واليقظة)، الحياة نعم ثابتة، قال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] أما اليقظة فهذا يحتاج إلى دليل. قوله: (والحب) قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]. قوله: (والبغض): (إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، ويحبه جبريل وتحبه الملائكة، ويوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبداً نادى جبريل: إني أبغض فلاناً فأبغضه، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء ثم توضع له البغضاء في الأرض). وفي الآية الكريمة يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر:١٠] والمقت أشد البغض. إذاً: الحياة ثابتة، أما اليقظة فيحتاج إلى دليل إثبات أنها من صفات الله، ولا أعلم دليلاً في الكتاب أو السنة فيه إثبات صفة اليقظة لله، إنما الحب والبغض والحياة. قوله: (والفرح) الفرح صفة ثابتة لله: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم يفقد راحلته في فلاة عليها طعامه ومتاعه)، إلى آخر الحديث. قوله: (والضحك): (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة)، قوله: (وغيرها). أي أن أهل السنة والجماعة والسلف وأهل الحديث يثبتون الصفات التي وردت في القرآن العزيز أو في السنة المطهرة، ومثل لهذه الصفات بالسمع والبصر والعينين والوجه والعلم والقوة والقدرة والعزة والعظمة والإرادة والمشيئة والقول والكلام والرضا والسخط والحياة والحب والبغض والفرح والضحك وغيرها. قوله: (من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين) يعني: لا يقولون: إن سمع الخالق مثل سمع المخلوق، بل الله تعالى له صفات تليق بجلاله وعظمته، لا يماثل أحداً من خلقه. قوله: (بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى وقاله رسول الله ﷺ من غير زيادةولا إضافة عليه). يعني: يقفون عند النصوص من غير زيادة على قول الله وقول الرسول، ولا يضيفون إليها شيئاً، بل يقولون كما قالوا: أثبت الله لنفسه السمع نثبت السمع، أثبت الله لنفسه البصر نثبت البصر، وهكذا من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه. قوله: (ولا تكييف له)، لا يقولون: إن كيفية سمع الله كذا، إن بصره كيفيته كذا، لا يكيف ولا يشبه بصفات المخلوقين. قوله: (ولا تحريف) لا يحرفون الصفات ويقولون: معنى اليد النعمة أو القدرة، فهذا تحريف وتبديل وتغيير، وهم لا يحرفون الألفاظ ولا المعاني. الجهمية حرفت وقالوا: معنى ((اسْتَوَى)) استولى، ولهذا يقول العلماء: إن الجهمية شابهوا اليهود، فإن اليهود قال الله لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة:٥٨] يعني: حط عنا يا الله ذنوبنا واغفرها لنا، وهم حرفوا وقالوا: حنطة، حرفوا في اللفظ والمعنى، وأمرهم الله أن يدخلوا سجداً فدخلوا يزحفون على أدبارهم. والجهمية غيروا (استوى) وقالوا: استولى، ولهذا يقول العلماء: لام الجهمية مثل نون اليهود، لام الجهمية استولى زادوها في النص، ونون اليهود زادوها في النص. أما أهل السنة والجماعة فلا يحرفون ولا يغيرون ولا يبدلون كما تفعل الجهمية وكما يفعل اليهود؛ ولهذا قال المؤلف ﵀: (بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى وقاله رسوله من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه ولا تكييف له ولا تشبيه ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير). فهم لا يقولون: كيفية الصفة على كذا وكذا، ولا يقولون: تشبه صفة المخلوقين، ولا يحرفون اللفظ، ولا يحرفون المعنى، ولا يبدلون ولا يغيرون. قوله: ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه في تأويل المنكر). فأهل السنة لا يزيلون لفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتؤوله عليه بتأويل منكر، مثل تأويل الجهمية في (استوى) باستولى، هذا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب بتأويل منكر. قوله: ويجرونه على الظاهر ويكلون علمه إلى الله، ويقرون بأنه تأويل لا يعلمه إلا الله، كما أخبر الله عن الراسخين في العلم أنهم يقولون في قوله : ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]) فالراسخون في العلم يؤمنون بالنصوص ولا يمثلون ولا يكيفون ولا يشبهون، يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] آمنا بالمتشابه وبالمحكم، ويعملون بالمحكم، ويؤمنون بالمتشابه، ولا يحرفون. قوله: (وآيات الكتاب وأخبار الرسول ﷺ الصحيحة المنيرة الناطقة بهذه الصفات وغيرها كثيرة) يعني: الآيات والنصوص التي فيها إثبات الصفات سواء من الكتاب ومن السنة كثيرة، يطول الكتاب بإحصائها، لكن أنا أعطيك قاعدة هي: يجب على كل مسلم أن يثبت النصوص التي وردت في الكتاب وفي السنة إثباتاً بغير تكييف ولا تمثيل، لكن تنزيه الله عن مشابهة المخلوق من غير تعطيل للصفات، ولا تمثلها بصفات المخلوقين كما يفعل المشركون، ولا تعطل بأن تنفي الصفات كما نفتها المعطلة. فكل نص في القرآن العزيز أو في السنة المطهرة جاء بإثبات صفة من صفات الله، أو اسم من أسماء الله، أو فعل من الأفعال أثبته لله، واجتنب أمرين باطلين: الباطل الأول: التمثيل بصفات المخلوقين، والباطل الثاني: تعطيل الصفة. إذاً: من مثل فقد شابه

стр. 41

شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني [٤] يعتقد أهل السنة أن القرآن كلام الله لفظه ومعناه، سمعه جبريل بحرف وصوت، ونزل به على محمد ﷺ .

стр. 42

عقيدة السلف في القرآن وصفة الكلام لله قال: [ويشهد أصحاب الحديث ويعتقدون أن القرآن كلام الله وخطابه ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ومن قال بخلقه واعتقده فهو كافر عندهم، والقرآن -الذي هو كلام الله ووحيه- هو الذي نزل به جبريل على الرسول ﷺ قرآنا عربياً لقوم يعلمون بشيراً ونذيراً، كما قال : ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٥]. وهو الذي بلغه الرسول ﷺ أمته كما أمر به في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] فكان الذي بلغهم بأمر الله تعالى كلامه ، وفيه قال ﷺ : (أتمنعونني أن أبلغ كلام ربي) وهو الذي تحفظه الصدور، وتتلوه الألسنة، ويكتب في المصاحف، كيفما تصرف بقراءة قارئ ولفظ لافظ وحفظ حافظ، وحيث تلي، وفي أي موضع قرئ أو كتب في مصاحف أهل الإسلام وألواح صبيانهم وغيرها كله كلام الله ﷻ غير مخلوق؛ فمن زعم أنه مخلوق فهو كافر بالله العظيم. سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا الوليد حسان بن محمد يقول: سمعت الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق؛ فمن قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم، ولا تقبل شهادته، ولا يعاد إن مرض، ولا يصلى عليه إن مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين، يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه]. هذا الكلام ذكره المؤلف ﵀ في إثبات القرآن، وأنه كلام الله ، وهو من الصفات التي اشتد فيها النزاع بين أهل السنة وبين أهل البدع. وهناك صفات اشتد فيها النزاع بين أهل السنة وبين أهل البدع، من أثبتها فهو من أهل السنة، ومن نفاها فهو من أهل البدعة، وهي ثلاث صفات: الصفة الأولى: صفة الكلام، والصفة الثانية: صفة رؤية الله ، والصفة الثالثة: صفة العلو. فالكلام لا يثبته الجهمية ولا المعتزلة، والأشاعرة يثبتون الكلام على أنه معنى قائم بالنفس، والرؤية كذلك ينكرها الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، وكذلك العلو. وهنا يبين المؤلف ﵀ عقيدة السلف وأصحاب الحديث: أنهم يعتقدون أن القرآن كلام الله، تكلم به بصوت وحرف، وسمعه منه جبرائيل ﵊، ونزل به وحياً على قلب محمد ﷺ ، كما قال الله : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٤ - ١٩٥]. أما الجهمية فقد أنكروا أن يكون الله تكلم، يقولون: هذا ليس كلام الله وإنما هو مخلوق. وكذلك المعتزلة قالوا: ليس لله كلام، وأنكروا اللفظ والمعنى، وقالوا: إن الله خلق الكلام وأضافه إليه، فيقولون: إن الله خلق الكلام في الشجرة، والشجرة هي التي كلمت موسى، وقالت: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠] هل الشجرة تقول: (إني أنا الله رب العاملين)؟ يقولون: الكلام نحن نثبت الكلام لكن ما نثبت الكلام على أنه لفظ ولا حرف ولا صوت، الكلام معنى قائم بنفس الرب لا يسمع، كما أن العلم في نفسه فكذلك الكلام قائم في نفسه. أما الأشاعرة فهم أقرب الطوائف إلى أهل السنة ومع ذلك ما أثبتوا الكلام، يقولون: إن القرآن الموجود في المصاحف ليس كلام الله، إنما كلام الله معنى قائم بنفسه، لكن هذا عبارة عن كلام الله عبر به جبريل أو عبر به محمد، وقالوا: إن الله لم يتكلم بحرف ولا صوت، ولم يسمع جبريل من الله حرفاً ولا صوتاً، ولكن يضطر اضطراراً جبريل، ففهم المعنى القائم بنفسه، وجعلوا الله والعياذ بالله كالأخرس لا يتكلم، والكلام معنىً قائم بنفسه ولا يستطيع أن يتكلم به نعوذ بالله!! ليس بحرف ولا صوت ولا يتكلم بقدرته ومشيئته، ومن أين هذا القرآن؟ قالوا: هذا القرآن الله تعالى اضطر جبريل اضطراراً ففهم المعنى القائم بنفسه، ثم ذهب فعبر بهذا القرآن وأوصله إلى محمد، فلفظه من جبريل، فهمه جبريل من الله فعبر عنه. وقالت طائفة من الأشاعرة: الذي عبر به محمد وليس بجبريل، وقالت طائفة أخرى من الأشاعرة: إن جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ وأنزله على محمد، وكل هذه أقوال باطلة، والذي يعتقده أهل السنة والجماعة وأهل الحديث والسلف: أن القرآن كلام الله لفظه ومعناه، بحرف وصوت، وأن الله تكلم به، فسمعه جبرائيل، ونزل به على محمد ﷺ . قوله: (ويشهد أصحاب الحديث ويعتقدون: أن القرآن كلام الله وكتابه وخطابه ووحيه وتنزيله غير مخلوق) فالقرآن لفظه ومعناه تكلم الله به، وهو كتاب الله وهو خطابه وهو وحيه وتنزيله، وهو كلام الله اللفظ والمعنى بحرف وصوت. قوله: (ومن قال بخلقه واعتقده فهو كافر عندهم) ولهذا قال كثير من السلف: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر. وهذا الحكم إنما هو على العموم، أما المعين فلان بن فلان إذا قال: القرآن مخلوق، فلا يكفر حتى تقام عليه الحجة وتزال الشبهة إذا كانت له شبهة، لكن على العموم يقال: من قال: القرآن مخلوق، أو كلام الله مخلوق فهو كافر، أما الشخص المعين إذا تكلم بهذا فإنه يكفر إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع وزالت الشبهة، فلابد أن يزال اللبس وتزال الشبهة، فإذا أصر قتل لكفره. قوله: (والقرآن الذي هو كلام الله ووحيه هو الذي نزل به جبريل على الرسول ﵊ نعم لفظه ومعناه نزل به من عند الله. قوله: (قرآناً عربياً لقوم يعلمون بشيراً ونذيراً) أي: فيه البشارة والنذارة. قوله: (كما قال عز من قائل: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٣] وهو جبريل: ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٤ - ١٩٥]. وهو الذي بلغه الرسول ﷺ أمته كما أمر به في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧])، هذا القرآن تكلم الله به وبلغه جبريل للنبي ﷺ والرسول ﷺ بلغه أمته، فهذا القرآن الذي نتلوه ونسمعه ونقرأه ونحفظه هو كلام الله الذي تكلم به بلفظه ومعناه، وسمعه منه جبرائيل، ونزل به على قلب محمد ﷺ ، والنبي ﷺ بلغه أمته، فالقرآن منزل من عند الله. قوله: (فكان الذي بلغهم بأمر الله تعالى كلامه ، الرسول ﷺ أمر بالتبليغ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] فالرسول بلغ كلام الله بأمر الله. قوله: (وفيه قال ﷺ : (أتمنعونني أن أبلغ كلام ربي)) هذا الحديث صحيح، لما منعه الكفار من دعوة الناس، قال: (أتمنعونني أن أبلغ كلام ربي)، فالرسول ﷺ أثبت أنه كلام الله الذي تكلم به. قوله: (وهو الذي تحفظه الصدور، وتتلوه الألسنة، ويكتب في المصاحف، كيفما تُصِرِّف بقراءة قارئ ولفظ لافظ وحفظ حافظ، وحيث تلي، وفي أي موضع قرئ أو كتب في مصاحف أهل الإسلام، وألواح صبيانهم وغيرها كله كلام الله) يعني: كلام الله كيفما تصرف فهو كلام الله، إن حفظه الحافظ فكلام الله له محفوظ، وإن تلاه التالي فكلام الله له متلو، وإن كتب فكلام الله مكتوب، كيفما تصرف فهو كلام الله حقيقة وليس مجازاً، كلام الله محفوظ في الصدور، متلو بالألسنة، مكتوب في المصاحف، إذا قرأه قارئ فهو كلام الله، إذا تلاه التالي يقال: تلا التالي كلام الله، إذا حفظه الحافظ يقال: حفظ الحافظ كلام الله، إذا كتبه كاتب يقال: كتب الكاتب كلام الله. وهذا حقيقة ليس مجازاً، ولو كان مجازاً لصح أن يوجه النفي إليه فيقال: ما قرأ القارئ كلام الله، ما تلا التالي كلام الله، ما كتب الكاتب كلام الله، وهذا باطل لا يقال، فإذا قرأ القارئ كلام الله يقال: كلام الله مقروء حقيقة، إذا تلاه يقال: كلام الله متلو، إذا حفظه يقال: كلام الله محفوظ في صدور المؤمنين، أو الذين أوتوا العلم، كما قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ * وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٦ - ٤٩]. إذاً: القرآن محفوظ في الصدور، متلو بالألسن، مكتوب في المصاحف، كيفما تصرف فهو كلام الله، حيث تلي أو لفظ أو حفظ أو قرئ أو كتب في مصاحف أهل الإسلام وفي ألواح الصبيان قبل أن توجد، اللوح قطعة من الخشب يطلى بالطين ثم يكتب عليه حتى يتعلم الصبي، فيقال: كتب في اللوح كلام الله، كتب في المصحف كلام الله، فكلام الله مكتوب في مصاحف الإسلام، وألواح الصبيان، وغيرها كله كلام الله ﷻ . قوله: (فمن زعم أنه مخلوق فهو كافر بالله العظيم) يعني: كلام الله في القرآن الذي مكتوب في المصاحف ومتلو بالألسن، وموضوع في الصدور هو القرآن بعينه الذي نقول: إنه غير مخلوق، فمن زعم

стр. 43

أقوال أئمة أهل السنة في القرآن ذكر المؤلف ﵀ سنده عن شيخه الحاكم، والحاكم يروي عن حسان بن محمد، وحسان بن محمد يروي عن الإمام أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة صاحب الصحيح يقول: (القرآن كلام الله غير مخلوق، فمن قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم، ولا تقبل شهادته، ولا يعاد إن مرض، ولا يصلى عليه إن مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين ويستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه). إذاً: الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة كفر من قال: القرآن مخلوق، يقول: كافر لا تقبل شهادته؛ لأنه لا تقبل شهادة الكافر على المسلم، ولا يعاد إن مرض؛ لأنه ليس من المسلمين، ولا يصلى عليه إذا مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ويستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه. وروي عنه أنه قال: من لم يقل بأن الله مستوٍ على خلقه، مستوٍ على عرشه، بائن عن خلقه، يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وطرح على مزبلة حتى لا يتأذى به أهل الإسلام ولا أهل الذمة؛ لأن كفره أشد من كفر، نسأل الله السلامة والعافية. والمؤلف ﵀ قصده من هذا: الرد على من أنكر أن يكون كلام الله في المصاحف، فالأشاعرة يقولون: كلام الله هو القائم بنفسه، أما المصاحف فلا يوجد فيها كلام الله، هذا مع أنهم أقرب الطوائف، حتى إن بعضهم غلا تجده يدوس المصحف بقدميه، فإذا قيل له في ذلك؟ قال: لا يوجد فيه كلام الله، كلام الله معنى قائم بنفسه، والمصحف عبارة عن كلام الله، والعياذ بالله. فالمؤلف ﵀ يرد على هؤلاء، ويبين بطلان مذهبهم، وأنه كفر وغلو، والقرآن كلام الله مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، مكتوب بالألسن. قال المصنف ﵀: [فأما اللفظ بالقرآن؛ فإن الشيخ أبا بكر الإسماعيلي الجرجاني ذكر في رسالته التي صنفها لأهل جيلان قال فيها: من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق -يريد به القرآن- فقد قال بخلق القرآن. وذكر ابن مهدي الطبري في كتابه الاعتقاد الذي صنفه لأهل هذه البلاد: أن مذهب أهل السنة والجماعة القول بأن القرآن كلام الله سبحانه ووحيه وتنزيله وأمره ونهيه غير مخلوق، ومن قال: مخلوق فهو كافر بالله العظيم، وأن القرآن في صدورنا محفوظ، وبألسنتنا مقروء، وفي مصاحفنا مكتوب، وهو الكلام الذي تكلم الله به، ومن قال: إن القرآن بلفظي مخلوق، أو لفظي به مخلوق، فهو جاهل ضال، كافر بالله العظيم. وإنما ذكرت هذا الفصل بعينه من كتاب ابن مهدي لاستحساني ذلك منه؛ فإنه اتبع السلف من أصحاب الحديث في ما ذكره مع تبحره في علم الكلام، وتصانيفه الكثيرة فيه، وتقدمه وتبرزه عند أهله]. يقول المؤلف ﵀: إن مسألة اللفظ في القرآن حدثت ولم تكن معروفة عند السلف، وهو أن بعضهم تكلم، وقال: لفظي بالقرآن مخلوق، فأنكر عليه العلماء وأهل الحديث، وقالوا: إن هذا الكلام ليس معروفاً عند أهل السلف وأصحاب الحديث. ولهذا نقل المؤلف ﵀ عن الشيخ أبي بكر الإسماعيلي الجرجاني أنه ذكر في المسألة التي صنفها لأهل جيلان قال فيها: من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فقد قال بخلق القرآن، وهذه المسألة حصل فيها فتنة في بين المحدثين، حتى أن البخاري ﵀ رمي بمسألة اللفظ، وهجره بعض أهل الحديث، وقالوا: إنه يقول بمسألة اللفظ، وهي مسألة محدثة، وهي قول: لفظي بالقرآن مخلوق، يقول: هذا باطل، هذا الكلام ليس معروفاً عند السلف، القرآن كلام الله منزل غير مخلوق؛ لأن هذا خلاف ما كان عليه السلف الصالح، والبخاري ﵀ ذكر في صحيحه في كتاب التوحيد أن الإنسان مخلوق في أقواله وأفعاله، وأما كلام الله فهو منزل غير مخلوق. فالذي يقول: إن لفظي بالقرآن مخلوق. قال قولاً مبتدعاً لم يقله السلف، ولهذا قال كثير من السلف كما نقل المؤلف ﵀ عن أبي بكر الإسماعيلي أنه قال: (من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فقد قال بخلق القرآن)، أنكر هذه اللفظة، لا تقل: لفظي بالقرآن مخلوق، قل: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، أما الإنسان فهو مخلوق في أقواله وأفعاله، لكن لا تخصص القرآن. وكذلك ذكر عن ابن مهدي في كتاب الاعتقاد: أن مذهب أهل السنة القول بأن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله وأمره ونهيه غير مخلوق، ومن قال: مخلوق فهو كافر بالله العظيم، وبين كما سبق: أن القرآن في صدورنا محفوظ، وبألسنتنا مقروء، وفي مصاحفنا مكتوب، وهو كلام الله الذي تكلم به . قوله: (ومن قال: إن القرآن بلفظي مخلوق أو لفظي به مخلوق؛ فهو جاهل ضال كافر بالله العظيم)؛ لأنه ابتدع قولاً لم يقله السلف، والمؤلف ﵀ يقول: إنما نقلت هذا الكلام عن ابن مهدي؛ لأن ابن مهدي وافق السلف في هذه المسألة، وإن كان قد تعمق في علم الكلام وتبحر فيه، وله تصانيف في الكلام، إلا أنه لما وافق أهل السنة نقلت كلامه؛ لأبين للناس أن بعض أهل الكلام وافق أهل السنة في هذه المسألة لظهور الحق فيها. قال المصنف ﵀: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: قرأت بخط أبي عمرو المستملي: سمعت أبا عثمان سعيد بن إشكاب يقول: سألت إسحاق بن إبراهيم بنيسابور عن اللفظ بالقرآن، فقال: لا ينبغي أن يناظر في هذا، القرآن كلام الله غير مخلوق. وذكر محمد بن جرير الطبري ﵀ في كتابه الاعتقاد الذي صنفه في هذه المسألة، وقال: أما القول في ألفاظ العباد بالقرآن فلا أثر فيه نعلمه عن صحابي ولا تابعي إلا عمن في قوله الغناء والشفاء، وفي اتباعه الرشد والهدى، ومن يقوم قوله مقام الأئمة الأول؛ أبي عبد الله أحمد بن حنبل ﵀؛ فإن أبا إسماعيل الترمذي حدثني قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ يقول: اللفظية جهمية، قال الله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ﴾ [التوبة:٦] ممن يسمع؟ قال: ثم سمعت جماعة من أصحابنا لا أحفظ أسماءهم يذكرون عنه ﵁ أنه كان يقول: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق. فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق. فهو مبتدع. قال محمد بن جرير: ولا قول في ذلك عندنا يجوز أن نقوله غير قوله؛ إذ لم يكن لنا فيه إمام نأتم به سواه، وفيه الكفاية والمقنع، وهو الإمام المتبع رحمة الله عليه ورضوانه. هذه ألفاظ محمد بن جرير التي نقلتها نفسها إلى ما هاهنا من كتاب الاعتقاد الذي صنفه]. المؤلف ﵀ نقل بسنده عن الإمام الحافظ إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الإمام المحدث المشهور قوله في مسألة اللفظ بالقرآن، فقال: (لا ينبغي أن يناظر في هذا)، يعني: لا ينبغي أن يتكلم إنسان باللفظ، ويقول: لفظي بالقرآن مخلوق. ثم نقل عن الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير المعروف في كتاب سماه الاعتقاد صنف في هذه المسألة، فقال الإمام ابن جرير الطبري: (أما القول في ألفاظ العباد بالقرآن)، هل نقول: ألفاظ العباد بالقرآن مخلوقة أو غير مخلوقة؟ يقول: هذه المسألة ما تكلم فيها أحد، ليس فيها أثر نعلمه عن صحابي ولا تابعي إلا عمن في قوله الغناء والشفاء، وفي اتباعه الرشد والهدى، ومن يقوم قوله مقام الأئمة الأولى، وهو الإمام أحمد ﵀. هل يقال: لفظي بالقرآن مخلوق، أو يقال: غير مخلوق؟ يقول الإمام ابن جرير: ما وجدنا فيها أثراً عن الصحابة، ولا عن التابعين إلا أننا وجدنا من يتبع كلامه، وفي كلامه الغناء والشفاء، وفي اتباعه الرشد والهدى، وهو الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إمام أهل السنة والجماعة، ثم روى بسنده عن أبي إسماعيل الترمذي أنه قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: اللفظية جهمية، واللفظية هم الذين يقولون: لفظي بالقرآن مخلوق. قال الله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] يقول الإمام أحمد من يسمع؟ الإمام أحمد استدل على أن اللفظية جهمية بالآية: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، قال الإمام أحمد ممن يسمع؟ أليس يسمع كلام الله؟ ثم قال أيضاً: سمعت جماعة من أصحابنا يذكرون عن الإمام أحمد أنه قال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق. فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق. فهو مبتدع. هذه العبارة مشهورة عن الإمام أحمد: فمن قال: غير مخلوق مبتدع؛ لأنه خالف ما عليه أهل السنة والجماعة. وقد اختلف العلماء في تفسير هذه الكلمة وذكرها ابن القيم ﵀ في الصواعق المرسلة وأطال وقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ لأنه قد يطلق اللفظ على الملفوظ، والملفوظ هو كلام الله، فيكون هذا قول الجهمية، وكذلك من قال: غير مخلوق؛ لأنه قد يطلق الملفوظ على اللفظ أيضاً، فيكون هذا مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة، فيكون مبتدعاً في هذه المقالة؛ ولأن اللفظ يطلق على الشيء الملفوظ وهو الشيء الساقط. فإذاً: الإمام أحمد سد الباب، ولا يوجد روايات بعده، لا تقل: لفظي بالقرآن مخلوق، ولا تقل: غير مخلوق، من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق، فهو مبتدع. إذاً قل: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، واترك مسألة اللفظ لا نفياً وإثباتاً، لا تقل: لفظي بالقرآن مخلوق ولا غير مخلوق. يقول محمد بن جرير الطبري ﵀: (لا قول في ذلك عندنا يجوز أن نقوله غير قوله)، أي: ليس هناك لنا قول يجوز أن نقوله ونعتمده إلا قول الإمام أحمد، ونحن نقول مثلما يقول الإمام أحمد لا نتكلم في اللفظ لا نفياً ولا إثباتاً،

стр. 44

الأسئلة

стр. 45

حكم وصف الله باليقظة السؤال ألا يكون قول الله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] دليلاً على صفة اليقظة التي ذكرها المصنف استناداً إلى أن نفي الصفة يثبت كمال ضدها، أو يكون إثبات هذه الصفة مخالفة؟ الجواب لا ما نستنبط الصفات، إما نقول: الله تعالى ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وهنا نفى الله عن نفسه السنة والنوم، أما إثبات اليقظة فلابد من دليل ينص عليها؛ لأن الصفات لا تدخل في الاستنباط، الصفات توقيفية، ولابد أن تثبت الصفة في الكتاب أو في السنة.

стр. 46

حكم قول: (يد الله مع الجماعة) السؤال ما حكم قول القائل: يد الله مع الجماعة؟ الجواب لا بأس به: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] يد الله مع الجماعة، هذا ورد.

стр. 47

كفر من طعن في القرآن بزيادة أو نقصان السؤال من قال: إن في القرآن زيادة ونقص هل هو كافر أم لا؟ الجواب من قال: إن القرآن فيه نقص، أو فيه شيء من التحريف، كما تقول الرافضة: طار ثلثيه ولم يبق إلا الثلث. هذا كفر وردة، لأن الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] فالقرآن ليس فيه زيادة ولا نقصان، ومن قال: إنه يلحقه الزيادة أو النقصان فقد كذب الله في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ومن كذب الله كفر.

стр. 48

عقيدة الأشاعرة في القرآن السؤال يسأل عن الفرق بين من يقول: القرآن عبارة عن كلام، ومن يقول: إن القرآن كفاية عن الله؟ الجواب متقارب. هذا قول الأشاعرة، والعبارة والكفاية متقاربتان، وكلامهما معنى باطل، والصواب: أن القرآن كلام الله لفظه ومعناه.

стр. 49

الحديث القدسي لفظه ومعناه من الله السؤال الحديث القدسي هل هو كلام الله لفظاً ومعنى؟ الجواب الحديث القدسي لفظه ومعناه من الله كالقرآن، إلا أن له أحكاماً تختلف عن القرآن، وأما الحديث غير القدسي فمعناه من الله، ولفظه من الرسول ﵊، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].

стр. 50

حكم قول: (اشتريت قرآناً) ونحوه السؤال ما حكم قول الشخص: (اشتريت قرآناً أو بعت قرآناً) هل هذا يجوز؟ الجواب يعني: اشتريت المصحف، والمصحف فيه كلام الله وفيه خط فلان، وفيه الورق، وفيه المداد، هذا المقصود.

стр. 51

كفر من قال: إن القرآن مخلوق السؤال يسأل عمن قال: إن القرآن مخلوق: أنه كافر لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ألا يدل ذلك على تكفيره وكيف يدل على تكفيره مع أن الإمام أحمد لم يكفر المأمون؟ الجواب المراد تكفيره على العموم، أما الشخص المعين فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة، وتوجد الشروط، وتنتفي الموانع؛ لأنه قد يكون عنده شبهة، فإذا كشفت الشبهة وأصر حكم بكفره. فمن قال: القرآن مخلوق، فهو كافر. هذا على العموم. مثلاً: من أنكر رؤية الله في الآخرة فهو كافر، أما الشخص فلان بن فلان لابد أن تقوم عليه الحجة، وتوجد الشروط، وتنتفي الموانع.

стр. 52

حكم إثبات اسم (الحنان) لله تعالى السؤال اسم الحنان هل هو من أسماء الله؟ الجواب أما المنان فهو ثابت، أما الحنان ففيه كلام، وأذكر أن بعض الإخوان أتى فيه بحديث وذكر بعض أسانيده، وهو يحتاج إلى تأمل.

стр. 53

اختلاف أهل السنة مع الأشاعرة في الرؤية السؤال ما سبب الخلاف بين أهل السنة والأشاعرة في الصفات الثلاث بالذات: العلو والرؤية والكلام؟ الجواب الرؤية الأشاعرة يثبتونها، لكن لا يثبتون الجهة، يقولون: إن الله يرى لا في جهة، فهم لا يثبتون العلو، وهم وسط بين أهل السنة وبين المعتزلة، فهم مع المعتزلة في نفي الجهة، وهم مع أهل السنة في إثبات الرؤية، ولهذا قال أهل السنة: هم كالخنثى، لا أنثى ولا ذكر، ليسوا مع أهل السنة وليسوا مع المعتزلة. فهم جعلوا يداً مع المعتزلة فأنكروا العلو، وجعلوا يداً مع أهل السنة فأثبتوا الرؤية، فقالوا: إن الله يرى لا في جهة، وهذا غير معقول وغير متصور.

стр. 54

طريق الراسخين في العلم السؤال كيف أكون من العلماء الراسخين في علم العقيدة، ودلني على بعض الكتب لذلك؟ الجواب تعلم كما تعلم العلماء، وتدبر كلام الله وسنة رسوله ﷺ ، واجلس مع أهل العلم، وزاحم الطلبة في حلق الدروس العلمية، ولاسيما أهل البصيرة، واقرأ في كتب أهل العلم، واسأل عما أشكل عليك، واجتهد واسأل الله التوفيق، فتكون نسأل الله أن يوفقك ويجعلك من الراسخين في العلم. نسأل الله للجميع الثبات على دينه والإقامة على شرعه إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 55

شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني [٥] يعتقد أهل السنة والجماعة أن الله تعالى فوق سبع سماواته على عرشه، يثبتون من ذلك ما أثبته الله تعالى، ويؤمنون به، ويصدقون الرب ﷻ في خبره، ويطلقون ما أطلقه من استوائه على العرش، ويمرون هذا على ظاهره، ويكلون علم كيفية ذلك إليه تعالى.

стр. 56

اعتقاد استواء الله على عرشه فوق سماواته قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله سبحانه فوق سبع سماواته على عرشه مستوٍ كما نطق به كتابه في قوله في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، وقوله جل وعلا في سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس:٣]، وقوله جل وعلا في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:٢]، وقوله في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٩]، وقوله في سورة السجدة: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤]، وقوله في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]].

стр. 57

الأدلة الدالة على إثبات استواء الله على عرشه استواء الله على العرش من الصفات التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين أهل البدع، وصفتي الاستواء والعلو من الصفات التي ثبتت بالنصوص وبالعقل وبالفطرة، ومن الصفات اللازمة للرب التي لا تنفك عن الباري، فالرب لم يزل عالياً فوق مخلوقاته، وفوق سماواته، وهو فوق العرش، الذي هو سقف المخلوقات، والله تعالى فوق العرش بعد أن تنتهي المخلوقات، والعلو من الصفات التي ثبتت بالنصوص والعقل والفطرة، فالله تعالى فطر الخلق على أن الله في العلو. والأدلة التي فيها إثبات علو الله على خلقه تزيد على ثلاثة آلاف دليل، وهناك أنواع من الأدلة كل نوع تحته أفراد كثيرة. والاستواء على العرش علو خاص، وهو علو على العرش، وهو من الصفات الفعلية، والعلو من الصفات الذاتية، فالفرق بين العلو والاستواء يكون من جهتين: أولاً: أن صفة العلو من الصفات الثابتة بالعقل والشرع والفطرة، أما صفة الاستواء فهي ثابتة بالشرع، فلولا أن الله أخبرنا بأنه استوى على العرش لما علمنا ذلك. ثانياً: أن صفة العلو من الصفات الذاتية التي لا تنفك عن الباري، وصفة الاستواء من الصفات الفعلية، فالله تعالى خلق العرش أولاً، ثم خلق السماوات والأرض، ثم استوى على العرش بعد خلق السماوات والأرض. والنصوص التي فيها بيان استواء الله على العرش في القرآن - نصوص الاستواء - وردت في سبعة مواضع: الموضع الأول: في سورة الأعراف، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف:٥٤]. الموضع الثاني: في سورة يونس، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس:٣]. الموضع الثالث: في سورة الرعد، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:٢]. الموضع الرابع: في سورة طه، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]. الموضع الخامس: في سورة الفرقان، قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٩]. الموضع السادس: في سورة السجدة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة:٤]. الموضع السابع: في سورة الحديد، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤]، فهذه سبعة مواضع فيها التصريح بأن الله استوى على العرش بأداة (على) الصريحة والدالة على العلو والارتفاع. وفي السنة توجد نصوص أخرى.

стр. 58

ذكر الأدلة الدالة على علو الله تعلى على خلقه قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأخبر الله سبحانه عن فرعون اللعين أنه قال لـ هامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧]، وإنما قال ذلك لأنه سمع موسى ﵊ يذكر أن ربه في السماء، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٧]، يعني: في قوله: إن في السماء إلهاً. وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف ﵏ لم يختلفوا في أن الله تعالى على عرشه، وعرشه فوق سماواته، يثبتون له من ذلك ما أثبته الله تعالى، ويؤمنون به، ويصدقون الرب ﷻ في خبره، ويطلقون ما أطلقه من استوائه على العرش، ويمرونه على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله جل وعلا ويقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧]، كما أخبر الله تعالى عن الراسخين في العلم أنهم يقولون ذلك، ورضيه منهم فأثنى عليهم به]. بدأ المؤلف ﵀ هنا يذكر الأدلة الدالة على علو الله تعالى على خلقه، واستوائه على عرشه، وجاء في النسخة التي معي فيها قبل الآية التي ذكرها ذكر آيات، وهي قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، استدل بها على العلو، والصعود إنما يكون من أسفل إلى أعلى، فدل على أن الله في العلو، وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥]، فالأمر ينزل من السماء التي هي العلو، فدل على أن الله في العلو، وقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، والسماء تطلق ويراد بها العلو، والله تعالى له أعلى العلو وهو ما فوق العرش. وتطلق السماء على الطباق المبنية، فإذا أريد بالسماء الطباق المبنية فتكون (في) بمعنى: على، أي: أأمنتم من على السماء، وإذا أريد بالسماء العلو تكون (في) للظرفية على بابها، وله تعالى أعلى العلو، وهو ما فوق العرش، قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥]، وقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]. قوله: [وأخبر الله سبحانه عن فرعون اللعين أنه قال لـ هامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧]، وإنما قال ذلك لأن موسى ﵊ يذكر أن ربه في السماء، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٧]، يعني: في قوله: إن في السماء إلها]. هذه الآية فيها إثبات العلو، ووجه الدلالة أن فرعون وقد ادعى الربوبية قال للناس: أنا ربكم الأعلى، وما علمت لكم من إله غيري، فهو منكر لوجود الله في الظاهر، وإن كان مستيقناً به في الباطن، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، ففرعون منكر لوجود الله في الظاهر، وطلب من وزيره هامان أن يبني له صرحاً ليطلع إلى إله موسى؛ لأن موسى أعلمه أن الله في العلو، فطلب فرعون من وزيره هامان أن يبني له صرحاً ليطلع وليكذب موسى فيما زعمه أن الله في العلو، ولهذا قال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٧]، أي: في دعواه أن الله في العلو. فإذاً: فرعون منكر لوجود الله، ولهذا قال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٧]، ولكن بعض الجهمية الآن في القديم والحديث قلبوا معنى الآية، وقالوا: إن فرعون طلب من وزيره هامان أن يبني له صرحاً، ففرعون مجسم لأنه مثبت لوجود الله في العلو، فمن قال: إن الله في العلو، وأثبت أن الله في العلو فمذهبه مذهب فرعون، ومن أنكر العلو فهو على الصواب! فهذا القول يقوله الجهمية المتقدمون والمتأخرون، حتى بعض المتأخرين الآن يقولون: إن من أثبت العلو فهو على مذهب فرعون. فالجهمية يقولون: لو قلنا: إن الله فوق السماء لصار جسماً، ولصار محدوداً ومتحيزاً وهذا تنقص لله، حيث جعلوه مختلطاً بالمخلوقات نعوذ بالله! فالجهمية أنكروا أن يكون الله في العلو زعماً منهم أن إثبات العلو فيه تجسيم وتنقص لله، ولهذا قالت الجهمية: إن فرعون مثبت للعلو لأنه مجسم، وقالوا: إن من أثبت العلو فهو على مذهب فرعون. وهذا قلب للحقائق، ففرعون منكر لوجود الله، وقال للناس: أنا ربكم الأعلى، وقال: ما علمت لكم من إله غيري، وطلب من وزيره هامان أن يبني له صرحاً ليكذب موسى في دعواه أن الله في العلو. يقول العلماء: من أثبت العلو فهو على دين محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام، ومن أنكر العلو فهو على دين فرعون.

стр. 59

أقوال علماء السلف في إثبات استواء الله على عرشه قوله: [وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف ﵏ لم يختلفوا في أن الله تعالى على عرشه، وعرشه فوق سماواته - العرش: سقف المخلوفات - يثبتون له من ذلك ما أثبته الله تعالى ويؤمنون به، ويصدقون الرب جل جلال في خبره]. أي: فيما أخبر عن نفسه أنه في العلو ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، هو أعلم بنفسه . قوله: (ويطلقون ما أطلقه من استوائه على عرشه، ويمرونه على ظاهره) يقولون: إن الله في العلو (ويكلون علمه إلى الله) الكيفية لا نعلمها (ويقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧]). هذا وصف الرب سبحانه أنهم يؤمنون بالمحكم والمتشابه، ويعملون بالمحكم.

стр. 60

قول أم سلمة في إثبات استواء الله على عرشه قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى المعلى حدثني محمد بن داود بن سليمان الزاهد أخبرني علي بن محمد بن عبيد أبو الحسن الحافظ من أصله العتيق، قال: حدثنا أبو يحيى بن بشر الوراق حدثنا محمد بن الأشرس الوراق أبو كنانة حدثنا أبو المغيرة الحنفي حدثنا قرة بن خالد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة ﵂ في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، قالت: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر]. هذا الحديث نقله المؤلف ﵀ بالسند عن أم سلمة ﵂ أنها قالت في قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر. (الاستواء غير مجهول) أي: معلوم معناه كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم، يعني: معلوم معناه في اللغة العربية، وله أربعة معان في اللغة العربية، وعليها تدور تفاسير السلف للفظ الاستواء، وهي: استقر، وعلا، وصعد، وارتفع. (والكيف غير معقول) وفي العبارة المروية عن مالك: والكيف مجهول. فكيفية استواء الرب على العرش لا نعقلها، ولا نعلمها، فهي مجهولة لدينا. (والإقرار به إيمان) يجب عليك أن تقر بأن الله استوى على العرش؛ لأن الله أخبر عن نفسه. (والجحود به كفر) جحود الآية كفر. هذه المقالة المروية عن أم سلمة، ولكن السند ضعيف إلى أم سلمة، ولكن المعنى صحيح، وهذا ثابت عن الإمام مالك ﵀، وثابت أيضاً عن ربيعة شيخ الإمام مالك، وموقوف أيضاً على أم سلمة ولكن المرفوع إليها فيه ضعف. وهذا القول يقال في جميع الصفات، فكل الصفات معانيها معلومة، والكيفية مجهولة، أي: كيفية اتصاف الرب بها مجهول.

стр. 61

قول الإمام مالك في إثبات استواء الله على عرشه قال المصنف رحمه الله تعالى: [وحدثنا أبو الحسن بن أبي إسحاق المدني حدثنا أحمد بن الخضر أبو الحسن الشافعي حدثنا شاذان حدثنا ابن مخلد بن يزيد القهستاني حدثنا جعفر بن ميمون قال: سئل مالك بن أنس ﵀ عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا ضالاً، وأمر به أن يخرج من مجلسه]. هذه المقالة ثابتة عن الإمام مالك ﵀ نقلها المؤلف ﵀ بالسند، أن مالكاً ﵀ جاءه سائل وهو في مجلس التحديث يحدث الناس في المسجد، فقال: يا مالك! (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) كيف استوى؟ فأطرق مالك كما جاء في رواية أخرى وسكت ملياً، ثم علته الرحضاء (العرق) ثم رفع رأسه، وقال: أين السائل؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا رجل سوء ثم أمر به أن يخرج من مجلسه. المؤلف ذكر القول بهذا اللفظ: كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، ومعناه: أنه معلوم باللغة العربية، وفي اللفظ الآخر أنه قال: الاستواء معلوم، أي: معلوم معناه. (والكيف غير معقول) وفي اللفظ الآخر قال: (والكيف مجهول) وغير معقول يساوي مجهول، وغير مجهول يساوي معلوم، فقوله: (الاستواء غير مجهول) أي: معلوم، والكيف غير معقول، أي: مجهول. (والإيمان به واجب) الإيمان بالاستواء واجب لأنه ثبت في القرآن وفي السنة. (والسؤال عنه بدعة) السؤال عن الكيفية بدعة. ثم قال: (وما أراك إلا ضالاً) وفي اللفظ الآخر: وما أراك إلا رجل سوء، وأمر به أن يخرج من مجلسه. وهذا يقال في جميع الصفات، فلو سأل شخص وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٠]، كيف هذا العلم؟ يقال له: العلم معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨]، كيف السمع؟ يقال: السمع معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. فهذه المقالة عن الإمام مالك ﵀ تلقاها أهل العلم بالقبول والتصديق، واحتجوا بها، وصارت قاعدة عند أهل السنة في الصفات، أن كل صفة ثبتت للرب يقال فيها كما قال الإمام مالك. قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو محمد المخلدي العدل حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد الإسفراييني حدثنا أبو الحسين علي بن الحسن حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا مهدي بن جعفر بن ميمون الرملي عن جعفر بن عبد الله قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس ﵀ يعني يسأله عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، قال: فما رأيته وجد من شيء كوجده من مقالته، وعلاه الرحضاء وأطرق القوم فجعلوا ينظرون الأمر به فيه ثم سرِّي عن مالك ﵀ فقال: الكيف غير معلوم، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني لأخاف أن تكون ضالاً، ثم أمر به فأخرج]. وهذا صحيح ثابت عن مالك ﵀، وهذه رواية أخرى، والمؤلف رواه بعدة روايات، ففي هذه الرواية أن هذا الرجل جاء وسأل الإمام مالك ﵀ عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، كيف استوى؟ قال الراوي: (فما رأيته) - يعني: الإمام مالك - (وجد من شيء كوجده من مقالته) يعني: فما رأيته غضب من شيء أشد من غضبه ذلك، (وعلاه الرحضاء) يعني: صار يتصبب عرقاً، من ثقل هذه المقالة وشدتها على الإمام مالك ﵀، (وأطرق برأسه أيضاً) أي: سكت ولم يتكلم، (وأطرق القوم فجعلوا ينتظرون الأمر به فيه) أي: ينتظرون ماذا يقول الإمام مالك، وهو قد غضب وجعل يتصبب عرقاً وسكت، والرجل واقف ينتظر. (ثم سرِّي عن مالك) يعني: انكشف وزال ما به، (فقال: الكيف غير معلوم) يعني: كيفية الاستواء غير معلومة، بل هي مجهولة، (والاستواء غير مجهول) بل هو معلوم معناه في اللغة العربية، وهو: الاستقرار والعلو، والصعود والارتفاع، وكيفية اتصاف الرب بالاستواء هذا غير معلوم، (والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) الإيمان بالصفة واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة. ثم قال الإمام مالك: (وإني لأخاف أن تكون ضالاً) يعني: هذا الرجل الذي سأل عن الكيفية، وهذا سؤال باطل، لا ينبغي أن يسأل عن الكيفية، بل يجب عليه أن يؤمن بالاستواء، يقول: آمنت بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله. فقول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، يجب على الإنسان أن يقول: آمنت بالله ورسوله، الله استوى على العرش استواءً يليق بجلاله وعظمته، أما أن يسأل: كيف استوى؟ فهذا بدعة، لا تسأل عن الكيفية، فهي لا يعلمها إلا هو ، ولهذا قال الإمام مالك ﵀: (وإني أخاف أن تكون ضالاً). (ثم أمر به فأخرج) طُرد من الحلقة ومن المسجد ومن المجلس بسبب بدعته وسؤاله سؤالاً مبتدعاً؛ حتى لا تسري بدعته إلى غيره. فإذا كان الإمام مالك ﵀ يعاقب الذي يسأل عن الكيفية فيطرد ويخرج من المسجد ويهجر، فكيف وقد صار الكل يتكلم بما يشاء في هذا الزمان، فصار المبتدعة يكتبون والمعتزلة يكتبون والأشاعرة يكتبون والضلال يكتبون، أين هم من الأئمة ﵏؟ الأئمة في زمانهم لا يستطيع أحد أن يتكلم، ولا يستطيع أحد أن يكتب، فمن كتب يؤدب ويهجر ويحذر منه، وبذلك تموت البدع وتحيا السنن، أما في الأزمنة المتأخرة فإن أهل البدع قد أخرجوا رءوسهم، وصاروا يتكلمون ويكتبون وينشرون، ولا حول ولا قوة إلا بالله! قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأخبرنا به جدي أبو حامد أحمد بن إسماعيل عن جد والدي الشهيد أبو عبد الله محمد بن عدي بن حمدويه الصابوني حدثنا محمد بن أحمد بن أبي عون النسوي حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا مهدي بن جعفر الرملي حدثنا جعفر بن عبد الله قال: جاء رجل لـ مالك بن أنس ﵀ فقال: يا أبا عبد الله! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، كيف استوى؟ قال: فما رأينا مالكاً وجد من شيء كوجده من مقالته، وذكر نحوه]. وهذا طريق ثابت عن الإمام مالك ﵀، ذكر المؤلف له عدة طرق، ولكن مدارها كلها على جعفر بن عبد الله، وفي هذا أنه قال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، كيف استوى؟ قال: (فما رأينا مالكاً وجد من شيء كوجده من مقالته). يعني: غضب كغضبه من مقالته، ثم ذكر بنحو ما سبق. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وسئل أبو علي الحسين بن فضل البجلي عن الاستواء وقيل له: كيف استوى على عرشه؟ فقال ﵀: إنا لا نعرف من أنباء الغيب إلا مقدار ما كشف لنا، وقد أعلمنا جل ذكره أنه استوى على عرشه، ولم يخبرنا كيف استوى]. في نسخة: أنا لا أعرف، وهذا محتمل، وهذا فيه أن أبا علي الحسين بن فضل البجلي سُئل عن الاستواء كما سئل الإمام مالك، وقيل له: كيف استوى على عرشه؟ فقال: (أنا لا أعرف من أنباء الغيب إلا مقدار ما كشف لنا)، ويحتمل: (إنا لا نعرف)، يعني: إنا معشر العلماء لا نعرف الغيب. والمعنى أن هذا من علم الغيب، ولا نعلم من علم الغيب إلا ما كشف لنا، والله تعالى لم يخبرنا كيف استوى، ولم يكشف لنا كيف استوى، فنقف، فلا نعلم كيفية الاستواء.

стр. 62

قول ابن المبارك في إثبات استواء الله على عرشه قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن داود الزاهد قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الشامي قال: حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه المروَزي سمعت علي بن الحسن بن شقيق يقول: سمعت عبد الله بن المبارك ﵀ يقول: نعرف ربنا فوق سبع سماوات على العرش استوى، بائناً من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه هاهنا. وأشار إلى الأرض]. وهذا الأثر عن عبد الله بن المبارك، الإمام العالم الزاهد المشهور، نقله المؤلف ﵀ بسنده عن شيخه الحاكم بسنده إلى عبد الله بن المبارك أنه قال: (نعرف ربنا فوق سبع سماوات على العرش استوى بائناً من خلقه) يعني: نعرف ربنا بأنه فوق سبع سماوات، وفيه إثبات العلو، وأن الله فوق العلو، وفيه الرد على من أنكر العلو من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة. قوله: (على العرش استوى) هذه الصفة الثانية، وهي صفة الاستواء. قوله: (بائناً من خلقه) أي: منفصلاً ليس مختلطاً بالمخلوقات. قوله: (ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه هاهنا. وأشار إلى الأرض) الجهمية لا يقولون: إن الله في العلو، ولا يقولون: فوق السماوات، وإنما يقولون: الله في الأرض وفي كل مكان، تعالى الله عما يقولون! وهذا كفر وضلال. والجهمية طائفتان: الطائفة الأولى: ينكرون أن الله فوق العرش، وأن الله فوق السماوات، ويقولون: إنه في كل مكان ولم ينزهوا الله، حتى قالوا: إنه في بطون السباع، وفي أجواف الطيور، وفي كل شيء تعالى الله عما يقولون! الطائفة الثانية: المتأخرون، وهؤلاء أنكروا وجود الرب، ونفوا عنه النقيضين، وما قالوا مثلما قالت الأولى إنه في الأرض، وإنما قالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا مباين له ولا مختلط. إذاً ماذا يكون؟! يكون عدماً بل أشد من العدم. فهؤلاء الجهمية - الطائفة الثانية - نفوا عن الله النقيضين اللذين لا بد لكل موجود أن يتصف بواحد منهما، وكل من الطائفتين كافرتان، لكن أيهما أشد كفراً؟ الطائفة الثانية نسأل الله السلامة والعافية، لأنهم نفوا النقيضين، وهذا إنكار لوجود الله وقول بالعدم، بخلاف الطائفة الأولى فإنهم تنقصوا الرب وجعلوه مختلطاً بالمخلوقات، نسأل الله العافية!

стр. 63

قول ابن خزيمة في إثبات استواء الله على عرشه قال المصنف رحمه الله تعالى: [وسمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ في كتاب التاريخ الذي جمعه لأهل نيسابور، وفي كتابه معرفة الحديث اللذين جمعهما ولم يسبق إلى مثلهما يقول: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: من لم يقل بأن الله على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته فهو كافر بربه حلال الدم، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقي على بعض المزابل حتى لا يتأذى به المسلمون ولا المعاهدون بنتن رائحة جيفته، وكان ماله فيئاً لا يرثه أحد من المسلمين، إذ المسلم لا يرث الكافر كما قال النبي ﵌: (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) رواه البخاري]. وهذا الأثر نقله الإمام الصابوني ﵀ عن شيخه الحاكم صاحب المستدرك، في كتابين: كتاب التاريخ، وكتاب معرفة الحديث، يقول: هذا الأثر رواه الحاكم في التاريخ وفي معرفة الحديث عن أبي جعفر محمد بن صالح عن الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة، فيكون ابن خزيمة صاحب الصحيح، ليس من شيوخ الحاكم بل من شيوخ شيوخ الحاكم. والمؤلف الصابوني ﵀ روى عن الحاكم، والحاكم روى عن محمد بن صالح، ومحمد بن صالح روى عن محمد بن إسحاق بن خزيمة الإمام المشهور صاحب الصحيح، حيث يقول: (من لم يقل بأن الله على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته فهو كافر بربه). إذاً: هذا تكفير من هذا الإمام، وأهل السنة كلهم يوافقون الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة أن من لم يؤمن بأن الله استوى على العرش، وأن الله فوق السماوات فهو كافر بربه، وحينئذٍ إذا كان كافراً فهو حلال الدم يقتل؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة). قوله: (حلال الدم يستتاب) من قبل ولاة الأمور، (فإن تاب وإلا ضربت عنقه) بالسيف، (وألقي على بعض المزابل) المزابل: جمع مزبلة، وهي مكان القمامة والكناسة فيقتل ويوضع على الكناسة لا يدفن؛ لأنه لا كرامة له، وليس بمؤمن، فلا يدفن ولا يغسل ولا يصلى عليه. قوله: (حتى لا يتأذى المسلمون ولا المعاهدون بنتن رائحة جيفته) المعاهد: من له عهد من اليهود أو النصارى الذين لهم ذمة أو يدفعون الجزية أو دخلوا بعهد في البلد، فهؤلاء لهم أمان ولهم عهد لا يقتلون، ولا تؤخذ أموالهم، ولهم حرمة، فيكون هذا كفره أشد من كفر اليهود والنصارى، وأعظم، فيقتل ويلقى على مزبلة حتى لا يتأذى برائحة جيفته المسلمون، ولا يتأذى به المعاهدون من اليهود والنصارى أو غيرهم. أما ماله فيؤخذ فيئاً، ويوضع في بيت مال المسلمين، لا يرثه أقاربه المسلمون، إلا إن كان له ابن كافر على دينه فيرث، أما أبناؤه المسلمين وزوجته المسلمة لا يرثونه، يؤخذ ماله ويوضع في بيت مال المسلمين، ولذا قال: (وكان ماله فيئاً لا يرثه أحد من المسلمين؛ إذ المسلم لا يرث الكافر كما قال النبي ﵌: (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم)) رواه الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما. وهذا حكم من الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة ووافقه على هذا أهل السنة والجماعة بكفر وردة من أنكر علو الله فوق مخلوقاته واستوائه على عرشه، فمن أنكر العلو والاستواء فهو كافر.

стр. 64

قول الإمام الشافعي في إثبات استواء الله على عرشه قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإمامنا أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵁ احتج في كتابه المبسوط في مسألة إعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة، وأن غير المؤمنة لا يصح التكفير بها، بخبر معاوية بن الحكم، وأنه أراد أن يعتق الجارية السوداء لكفارة، وسأل رسول الله ﷺ عن إعتاقه إياها، فامتحنها رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ لها: (من أنا؟ فأشارت إليه وإلى السماء، تعني: أنك رسول الله الذي في السماء، فقال ﷺ : اعتقها فإنها مؤمنة)، فحكم رسول الله ﷺ بإسلامها وإيمانها لما أقرت بأن ربها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية، وإنما احتج الشافعي رحمة الله عليه على المخالفين في قولهم بجواز إعتاق الرقبة الكافرة في الكفارة بهذا الخبر؛ لاعتقاده أن الله سبحانه فوق خلقه، وفوق سبع سماواته على عرشه، كما هو معتقد المسلمين من أهل السنة والجماعة سلفهم وخلفهم، إذ كان ﵀ لا يروي خبراً صحيحاً ثم لا يقول به]. قوله: (وإمامنا أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي) هذا يدل على أن الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني شافعي، فهو من الشافعية في الفروع، وسلفي المعتقد، من أهل السنة والجماعة، لكن في الفقه على مذهب الإمام الشافعي، قوله: (احتج في كتابه المبسوط) هذا كتاب للإمام الشافعي اسمه: المبسوط، احتج فيه في مسألة إعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة وأن غير المؤمنة لا يصح التكفير بها بخبر معاوية بن الحكم، فـ الشافعي ﵀ اشترط في عتق الرقبة أن تكون مؤمنة؛ لأن الله تعالى ذكر عتق الرقبة في القتل وفي الظهار وفي اليمين، فالله تعالى اشترط الإيمان في كفارة القتل، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] , وقال في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣]، ما ذكر الإيمان. فاختلف العلماء في كفارة الظهار، هل يجوز إعتاق الرقبة غير المؤمنة لأن الله ما نص على الإيمان، أو أنه لا بد من الإيمان؟ فـ الشافعي ﵀ قال: لا بد أن تكون الرقبة مؤمنة، واحتج بحديث معاوية بن الحكم السلمي، وهو في صحيح مسلم، وذلك أن معاوية بن الحكم السلمي رضي اللهعنه له جارية سوداء، وكانت ترعى الغنم خلف أحد، فجاء الذئب وأخذ شاة منها، فغضب معاوية وصكها، ثم ذهب إلى النبي ﷺ وأخبره أنه اعتدى عليها لأنها مسكينة ليس لها اختيار في هذا، فالنبي ﷺ شدد عليه، فقال يا رسول الله: أُعتقها؟ فقال: ائت بها إلي، فسألها فقال: (أين الله؟ فقالت: في السماء)، والجارية أعجمية، قال: (من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال النبي ﷺ : اعتقها فإنها مؤمنة)، فشهد لها بالإيمان لأنها أثبتت أن الله في السماء في جهة العلو، وأثبتت الرسالة للنبي ﷺ . وهذا الحديث ثابت في صحيح مسلم، لكن الحديث بهذه الرواية التي جاء بها المؤلف سندها ضعيف؛ لأنه قال: (امتحنها رسول الله ﷺ فقال: من أنا؟ فأشارت إلى السماء، وما تكلمت) وهي تعني: أنك رسول الله، وهذا ضعيف، والذي في صحيح مسلم أنها تكلمت، حيث قال: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله). والصواب أنها تكلمت كما في صحيح مسلم. فالنبي ﷺ شهد لها بالإيمان، وهذا فيه الرد على أهل البدع الذين أنكروا أن يكون الله في العلو، وأهل البدع يقولون: ما يسأل عن الله (بأين) وإنما يسأل بها عن المكان، فقيل لهم: إن الرسول سأل (أين) قال أهل البدع: الرسول أخطأ والعياذ بالله، لم أخطأ؟ قالوا: الرسول يخاطب الجارية الأعجمية بقدر عقلها وفهمها، هي لا تفهم، فسألها سؤالاً فاسداً، لأجل عقلها، وأقرها على جواب فاسد، وهكذا وصل الحال بأهل البدع إلى أنهم اتهموا الرسول فقالوا: الرسول سأل سؤالاً فاسداً، أن الله له مكان، وإذا كان له مكان يكون محدوداً ويكون جسماً ويكون متحيزاً، وهذا لا يليق بالله . قالوا: وكان مقصد الرسول أن يقول: من الله؟ وهل الرسول عاجز أن يقول: من الله؟ (أين) ثلاثة حروف، و (من) حرفان، أيهما أسهل؟ الرسول أفصح الناس وأبلغهم، أعاجز أن يقول: من الله؟ الإمام الشافعي ﵀ يقول: حكم رسول الله ﷺ بإسلامها وإيمانها لما أقرت بأن ربها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية. قوله: (وإنما احتج الشافعي رحمة الله عليه على المخالفين في قولهم بجواز إعتاق الرقبة الكافرة في الكفارة بهذا الخبر؛ لاعتقاده أن الله سبحانه فوق خلقه وفوق سبع سماواته على عرشه). قال الشافعي: لا يجوز إعتاق الرقبة إلا إذا كانت مؤمنة، وقال بعض العلماء: يجوز إعتاق الرقبة الكافرة، والشافعي قال: أنا عندي دليل وهو حديث الجارية. لأن الرسول سألها: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة). فلم يرخص له الرسول ﷺ بإعتاقها حتى ثبت له إيمانها. قوله: (كما هو معتقد المسلمين من أهل السنة والجماعة سلفهم وخلفهم) فهذا هو معتقد أهل السنة قديماً وحديثاً سلفاً وخلفاً، يعتقدون أن الله فوق خلقه وفوق سبع سماواته على عرشه. قوله: (إذ كان -أي: الشافعي ﵀ لا يروي خبراً صحيحاً ثم لا يقول به)، فعمل بهذا الحديث لما صح الحديث عنده، فقال: لا بد أن تكون الرقبة مؤمنة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد أخبرنا الحاكم أبو عبد الله ﵀ قال: أنبأنا الإمام أبو الوليد حسان بن محمد الفقيه قال: حدثنا إبراهيم بن محمود قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي ﵀ يقول: إذا رأيتموني أقول قولاً وقد صح عن النبي ﷺ خلافه فاعلموا أن عقلي قد ذهب. ] هذا ثابت عن الإمام الشافعي، يقول: إذا رأيتموني أقول قولاً والحديث يخالف قولي فاعلموا أن عقلي قد ذهب، وهذا قاله الأئمة كلهم، وروي عنه أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي. وقال بعض العلماء: إذا قلت قولاً يخالف قول الرسول ﷺ فخذوا بقول الرسول، واضربوا بقولي عرض الحائط. ويقول الشافعي: إذا قلت قولاً وصح الحديث بخلافه؛ فاعلموا أن عقلي قد ذهب. كيف يخالف قول الرسول ﵊؟ لا يمكن. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الحاكم ﵀: سمعت أبا الوليد -غير مرة- يقول: حدثت عن الزعفراني أن الشافعي ﵀ روى يوماً حديثاً فقال السائل: يا أبا عبد الله! تقول به؟! قال: تراني في بيعة أو كنيسة؟! ترى علي زي الكفار؟! هو ذا تراني في مسجد المسلمين، عليّ زي المسلمين، مستقبلاً قبلتهم، أروي حديثاً عن النبي ﷺ ثم لا أقو ل به؟!]. وهذا أيضاً أثر عن الإمام الشافعي ﵀ وإن كان فيه ضعف وفي سنده مجهول لكن رواه أبو نعيم في الحلية موصولاً، وذكره السيوطي في مفتاح الجنة محتجاً به، وذلك أن الشافعي ﵀ روى يوماً حديثاً عن الرسول ﷺ فقال سائل: يا أبا عبد الله! هل تقول بهذا الحديث وتعمل به؟ فأنكر عليه الشافعي واشتد: كيف هو حديث ولا أقول به؟ هل تراني في بيعة؟ أي: في معبد النصارى، هل تراني في كنيسة؟ ترى علي زي الكفار؟! كيف يكون حديثاً ولا أقول به؟ أنا في مسجد المسلمين وعلي زي المسلمين أستقبل القبلة، أروي الحديث عن النبي ﷺ ثم لا أقول به؟! فهذا فيه تعظيم الإمام الشافعي ﵀ للسنة، حيث أنكر على السائل.

стр. 65

الفرق بين أهل السنة وأهل البدع في باب الصفات قال المصنف رحمه الله تعالى: [والفرق بين أهل السنة وبين أهل البدع: أنهم إذا سمعوا خبراً في صفات الرب ردوه أصلاً ولم يقبلوه، أو للظاهر ثم تأولوه بتأويل يقصدون به رفع الخبر من أصله، وإبطال عقولهم وآرائهم فيه، ويعلمون حقاً يقيناً أن ما قاله رسول الله ﷺ فعلى ما قاله، إذ هو كان أعرف بالرب ﷻ من غيره، ولم يقل فيه إلا حقاً وصدقاً ووحياً، قال الله : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]]. يقول الإمام أبو عثمان ﵀: الفرق بين أهل السنة وبين أهل البدعة أن أهل البدعة إذا سمعوا خبراً في صفة الرب ردوا الخبر أو تأولوه بتأويل باطل، أما أهل السنة فإنهم يقبلون الحديث، ويقبلون ما جاء فيه من الأخبار، ويقولون: آمنا بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنا برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله. فالعلامة الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدع، أن أهل السنة يقبلون الأحاديث ويؤمنون بما دلت عليه، وأهل البدع يردون الخبر إما أن يقولوا: هذا خبر آحاد ما نقبله، أو يتأولونه بتأويل باطل، هذا الفرق بينهما. وأهل السنة يقبلون الحديث في العقائد والأعمال والأخلاق وفي كل شيء إذا صح سنده، وعدلت رواته، ولم يكن شاذاً ولا معللاً. أما أهل البدع فهم بين أمرين: إما أن يردوه من الأساس، ويقولون: هذا خبر آحاد لا يحتج به، وإما أن يتأولوه بتأويل فاسد، ولهذا قال المؤلف ﵀: (ثم تأولوه بتأويل يقصدون به رفع الخبر من أصله)، وأما أهل السنة والجماعة فهم يعتقدون أن ما قاله الرسول فهو حق؛ لأن الرسول أعرف بالرب ﷻ من غيره، فقد قال الله تعالى عن نبيه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الزهري ﵀ إمام الأئمة وغيره من علماء الأمة ﵃: على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم. ] هذا القول قاعدة عند أهل السنة يقولون: على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم، لا نعترض، فالله تعالى بين لنا وأخبرنا، والرسول ﷺ بلغنا، ونحن نسلم ونقبل أمر الله وأمر رسوله، وخبر الله وخبر رسوله. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروى يونس بن عبد الصمد بن معقل عن أبيه أن الجعد بن درهم قدم على وهب بن منبه يسأله عن صفات الله تعالى فقال: ويلك يا جعد بعض المسألة! إني لأظنك من الهالكين، يا جعد! لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يدان وعيناً ووجهاً لما قلنا بذلك فاتق الله، ثم لم يلبث جعد أن قتل وصلب]. وهذا الأثر عن وهب بن منبه أن الجعد بن درهم - وهو أول من تكلم في نفي الصفات - سأله عن الصفات، فقال له وهب: ويلك يا جعد بعض المسألة! إني لأظنك من الهالكين، يا جعد! لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يداً وعيناً ووجهاً لما قلت بذلك، ما أثبت إلا ما أثبته الله في كتابه ورسوله فاتق الله، ثم لم يلبث الجعد أن قتل وصلب كما سيذكر المؤلف في القصة التي بعدها. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وخطب خالد بن عبد الله القسري ﵀ يوم الأضحى بالبصرة، فقال في آخر خطبته: انصرفوا إلى منازلكم وضحوا، بارك الله لكم في ضحاياكم، فإني مضح اليوم بـ الجعد بن درهم، فإنه يقول: لم يتخذ الله إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، سبحانه وتعالى عما يقول الجعد علواً كبيراً، ونزل عن المنبر فذبحه بيده، وأمر بصلبه]. وهذه القصة فيها قتل الجعد بن درهم وهو أول من ابتدع القول بنفي الصفات وأول من حُفظ عنه في الإسلام مقالة التعطيل، وكان الذي تكلم به في صفتين: أنكر صفة التكليم وصفة الخلة، أنكر أن يكون الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وأن يكون كلم موسى تكليماً، وهاتان الصفتان ترجع إليهما جميع الصفات. لأن إنكاره للكلام إنكار للشرائع والنبوات والكتب المنزلة، والله تكلم، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب بالكلام، وكذلك أيضاً أنكر الخلة وهي كمال المحبة، وقطع العلاقة بين الله وبين خلقه، يقول: المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين الخالق والمخلوق، ولا مناسبة بين الخالق والمخلوق، وأي مناسبة أعظم من رب وعبد؟! الله تعالى هو الذي ربى خلقه، وأوجدهم من العدم، ورباهم بنعمه، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل الكتب، والعباد يعبدون ربهم ويتألهونه، ويتضرعون إليه، فهذه أعظم صلة. فلما أنكر هذه الصفات أفتى العلماء في زمانه من التابعين بقتله، وكان خالد بن عبد الله القسري أمير العراق فأفتاه العلماء من التابعين بقتله، فأمر به فقيد ووثق بالأغلال، وكان ذلك قبيل عيد الإضحى، وكان خالد بن عبد الله القسري هو الذي يصلي بالناس - على عادة الأمراء - الجمعة والعيد، فصلى بالناس يوم عيد الإضحى، وأتي بـ الجعد بن درهم مقيداً موثقاً، وجعل في أصل المنبر، فصلى خالد القسري بالناس العيد وخطب خطبة العيد، ثم قال في آخر الخطبة: ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بـ الجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً. ثم نزل وأخذ السكين وذبحه في المصلى أمام الناس، وشكره العلماء وأثنوا عليه، ومن ذلك ابن القيم ﵀ في قصيدته الشافية أثنى عليه وقال: ولذا ضحى بـ جعد خالد القسري يوم ذبائح القربان إذ قال ليس إبراهيم خليله كلا ولا موسى الكليم الدان شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان ولا شك أن هذه الضحية أعظم أجراً من الضحايا الأخرى؛ لأن فيها قطع لدابر الفتنة والشر والفساد، وثوابها أعظم من ثواب الأضحية، وإن كانت الأضحية سنة الرسول ﷺ ، لكن قتل هذا الرجل فيه قطع لدابر الفتنة، لكن مع الأسف أن هذا الرجل قبل أن يقتل اتصل به الجهم بن صفوان، وأخذ عنه عقيدته في الصفات ثم نشرها، اتصل بالمشركين والصابئين واليهود ونشر عقيدة نفي الصفات؛ فنسبت إليه العقيدة فقيل: عقيدة الجهمية.

стр. 66

الأسئلة

стр. 67

بيان حكمة طرد الإمام مالك للرجل الذي سأله عن الاستواء السؤال لماذا هذا التحامل على هذا الشخص الذي سأل الإمام مالك ﵀، أليست هذه شبهة عرضت له فيجب بيانها له وتوضيحها دون إخراجه من المسجد؟ الجواب لا، هذا ليس تحاملاً، وإنما هذا نهي للبدع؛ لأن هذا الشخص سأل عن الكيفية التي لا يعلمها إلا الله، لأنه لو فتح الباب لهذا الرجل لكثرت البدع وانتشرت، ولصار أهل البدع لهم جرأة على أهل السنة، وصاروا ينشرون بدعهم، فالإمام مالك ﵀ أراد أن يبين أنه لا يجوز للإنسان أن يتكلم ويتفوه بما في نفسه من البدع.

стр. 68

المعتزلة في هذا العصر السؤال هل للمعتزلة وجود الآن وكيف نعرفهم؟ الجواب نعم، المعتزلة موجودون الآن، والأشاعرة موجودون، والجهمية موجودون، بل الاتحادية موجودون، وهم من أكثر خلق الله، الاتحادية: الذين يقولون: إن الوجود واحد، الرب عبد والعبد رب! كتبهم الآن تحقق وتطبع في أوراق صقيلة، وهم موجودون في الشام، وفي مصر، وفي السودان، وفي أفريقيا، وفي ليبيا، وفي كل مكان، وفي زمن النميري حاكم السودان قبل سنين، كان هناك رجل يروج لهذه الفكرة ويقول عن نفسه: إنه الله؛ فقُتل. وإذا خرجت من المملكة وجدت في كل بلد طرقاً صوفية، وكل طريقة لها شيخ يقودهم إلى النار والعياذ بالله! وطرق الصوفية منها ما هي طرق مكفرة، ومنها ما هي طرق مبتدعة.

стр. 69

قول السلف في تكفير الجهمية السؤال هل عرف عن السلف خلاف في تكفير الجهمية، وهل جاء عن الإمام ابن تيمية ﵀ حكاية للخلاف في ذلك؟ الجواب نعم، للعلماء خلاف في هذا، من العلماء من كفر الجهمية بإطلاق، ومنهم من بدعهم، ومنهم من كفر الغلاة، وذكر العلامة ابن القيم ﵀ أنه كفر الجهمية خمسمائة عالم، حيث قال: ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان خمسون في عشرة بخمسمائة. واللالكائي الإمام قد حكاه عنهم بل قد حكاه قبله الطبراني

стр. 70

براءة الإمام البخاري من القول بخلق القرآن السؤال الذين قالوا: إن اللفظ بالقرآن مخلوق منهم الإمام البخاري كما ذكر ذلك ونقله عنه الذهبي ﵀، واستدلوا على ذلك بأن الله خالق كل شيء، وألفاظنا مخلوقة؟ الجواب البخاري لم يقل: اللفظ بالقرآن مخلوق، وإنما فصل بين ما يقوم به العبد وما يقوم به الرب، فقال: إن العباد مخلوقون أقوالهم وأفعالهم وألفاظهم، ولم يقل هذه المقالة: (لفظي بـ) لكن حصلت فتنة في صفوف المحدثين وسببها أمران: الأمر الأول: الشبهة التي حصلت من القول المجمل للإمام أحمد حينما قال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع. الأمر الثاني: الشهوة، وهي الحسد الذي حصل لبعض الناس، فاجتمع هذا الأمران؛ فروي للإمام البخاري ﵀ بأنه يقول في مسألة اللفظ، وهجره من هجره، وإلا فإنه لا منافاة بين قول الإمام البخاري وبين قول الإمام أحمد، فأئمة أهل السنة لا منافاة بين أقوالهم، كما ذكر ذلك العلامة ابن القيم ﵀ في الصواعق المرسلة، قال: إن الإمام أحمد ﵀ أجمل وسد الباب فقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع، أما الإمام البخاري ﵀ فقد فصل وبين ما يقوم به الرب وما يقوم به العبد، والإمام أحمد لا يخالف البخاري، والبخاري لا يخالف الإمام أحمد، بل هما متفقان؛ لكن الفتنة التي حصلت سببها أمران: الأمر الأول الشبهة التي نشأت من فهم التفسير المجمل لكلام الإمام أحمد. والأمر الثاني: الشهوة التي سببها الحسد للإمام البخاري ﵀؛ لما نشر الله له من الصيت ورفع شأنه حسده بعض الناس وتعلقوا بالقول المجمل، وحصلت لهم شبهة من القول المجمل للإمام أحمد، فحصلت هذه الفتنة، وإلا فإن كلاً من الإمامين البخاري والإمام أحمد متفقان رحمة الله عليهما.

стр. 71

معنى الإرجاء السؤال ما معنى الإرجاء؟ الجواب الإرجاء: هو القول بأن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان، والإيمان: هو تصديق بالقلب والأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان، والمرجئة طائفتان: الجهمية الذين يقولون: إن الأعمال غير مطلوبة، والثانية: مرجئة الفقهاء الذين يقولون: الأعمال مطلوبة لكن ليست من الإيمان، وكل منهما خطأ، لكن قول الجهمية كفر وضلال، نسأل الله العافية.

стр. 72

الله في كل مكان بعلمه السؤال هل يقال: إن الله جل وعلا موجود في كل مكان بعلمه؟ الجواب يقال: إن الله فوق العرش، وعلمه في كل مكان.

стр. 73

نسبة ابن القيم إلى القول بفناء الجنة والنار السؤال هل ثبت عن ابن القيم ﵀ القول بفناء الجنة والنار؟ الجواب ابن القيم ﵀ ظاهر ما كتبه في هذا أن له قولين، والقول بفناء النار ذكره في شفاء العليل وأطال، ونقل أقوال القائلين بفناء النار، وكذلك ذكره في كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، أما نسبته إلى شيخ الإسلام ابن تيمية فلا يصح، فشيخ الإسلام ابن تيمية لا يقول بالفناء، ولكن ابن القيم ﵀ ظاهر ما كتبه أن له قولين في المسألة، وأنه يميل إلى أحد القولين، وليس صريحاً، وأنه رجع عن أحدهما، ولعل القول الأخير هو القول بأبدية النار أبدية دائمة.

стр. 74

حكم القول بأن الصوت والألحان قول القاري السؤال ما رأيكم في قول الناظم: فالصوت والألحان قول القاري لكنما المتلو قول الباري الجواب المقصود: أن أفعال العباد، وأقوالهم وألفاظهم، وأداءهم من أفعالهم، فالعبد مخلوق بأفعاله وأقواله، والمقروء كلام لله، فلا بد أن نفرق بين التلاوة والمتلو، فالتلاوة: فعل العبد، والمتلو: هو كلام الله، لكن لا ينبغي للإنسان أن يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، لأن هذه العبارة مجملة، ولكن العبد بأقواله وأفعاله وتصرفاته وأدائه مخلوق، والله تعالى خلق العباد، أما كلام الله فهو منزل غير مخلوق.

стр. 75

معنى الحلولية والاتحادية السؤال ما معنى: الحلولية، الاتحادية؟ الجواب الحلولية: الذين يقولون: إن الله حال في كل مكان كالجهمية. والاتحادية أشد، يقولون: اتحد الرب بالعبد وصار شيئاً واحداً، كما إذا صببت اللبن في الماء فاتحدا وصارا ذاتاً واحدة والعياذ بالله!
следующие страницы →