← Акыда

Акыда · id 37012

شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (265 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

معنى الإرجاء السؤال ما معنى الإرجاء؟ الجواب الإرجاء: هو القول بأن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان، والإيمان: هو تصديق بالقلب والأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان، والمرجئة طائفتان: الجهمية الذين يقولون: إن الأعمال غير مطلوبة، والثانية: مرجئة الفقهاء الذين يقولون: الأعمال مطلوبة لكن ليست من الإيمان، وكل منهما خطأ، لكن قول الجهمية كفر وضلال، نسأل الله العافية.

стр. 72

الله في كل مكان بعلمه السؤال هل يقال: إن الله جل وعلا موجود في كل مكان بعلمه؟ الجواب يقال: إن الله فوق العرش، وعلمه في كل مكان.

стр. 73

نسبة ابن القيم إلى القول بفناء الجنة والنار السؤال هل ثبت عن ابن القيم ﵀ القول بفناء الجنة والنار؟ الجواب ابن القيم ﵀ ظاهر ما كتبه في هذا أن له قولين، والقول بفناء النار ذكره في شفاء العليل وأطال، ونقل أقوال القائلين بفناء النار، وكذلك ذكره في كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، أما نسبته إلى شيخ الإسلام ابن تيمية فلا يصح، فشيخ الإسلام ابن تيمية لا يقول بالفناء، ولكن ابن القيم ﵀ ظاهر ما كتبه أن له قولين في المسألة، وأنه يميل إلى أحد القولين، وليس صريحاً، وأنه رجع عن أحدهما، ولعل القول الأخير هو القول بأبدية النار أبدية دائمة.

стр. 74

حكم القول بأن الصوت والألحان قول القاري السؤال ما رأيكم في قول الناظم: فالصوت والألحان قول القاري لكنما المتلو قول الباري الجواب المقصود: أن أفعال العباد، وأقوالهم وألفاظهم، وأداءهم من أفعالهم، فالعبد مخلوق بأفعاله وأقواله، والمقروء كلام لله، فلا بد أن نفرق بين التلاوة والمتلو، فالتلاوة: فعل العبد، والمتلو: هو كلام الله، لكن لا ينبغي للإنسان أن يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، لأن هذه العبارة مجملة، ولكن العبد بأقواله وأفعاله وتصرفاته وأدائه مخلوق، والله تعالى خلق العباد، أما كلام الله فهو منزل غير مخلوق.

стр. 75

معنى الحلولية والاتحادية السؤال ما معنى: الحلولية، الاتحادية؟ الجواب الحلولية: الذين يقولون: إن الله حال في كل مكان كالجهمية. والاتحادية أشد، يقولون: اتحد الرب بالعبد وصار شيئاً واحداً، كما إذا صببت اللبن في الماء فاتحدا وصارا ذاتاً واحدة والعياذ بالله!

стр. 76

حكم دراسة القوانين الوضعية السؤال ما حكم دراسة القوانين الوضعية؟ الجواب لا ينبغي للإنسان أن يدرس القوانين الوضعية، وإنما يدرس الشريعة، والقوانين لا يجوز للإنسان أن يدرسها؛ لأن دراستها وسيلة إلى إقرارها والعمل بها، والواجب على المسلم أن يدرس أحكام الشريعة ولا يدرس القوانين الوضعية.

стр. 77

الفرق بين الزيادة والنقصان من القرآن وبين اختلاف القراءات السؤال كيف نجمع بين أن من أنكر أو زاد حرفاً في كتاب الله فإنه يكفر، وبين بعض القراءات التي يكون فيها زيادة أو تغيير في بعض الكلمات؟ الجواب القراءات ثابتة عن النبي ﷺ ، وفي الحديث: (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه) فالحروف التي نزل بها جبرائيل سبعة، والقراءات السبع داخلة في حرف واحد، وهو الحرف الذي كان في العرضة الأخيرة أي: عرضة جبريل في السنة الأخيرة، والخليفة الراشد عثمان ﵁ جمع الناس على حرف واحد، وهو الحرف الذي كان في العرضة الأخيرة، والقراءات السبع كلها داخلة في هذا الحرف، يعني: ما يقال: إنها زيادة، القراءات كلها ثابتة بالوحي، ولكن من زاد حرفاً في كتاب الله ليس من الحروف السبعة التي نزلت بالوحي، وليس من القراءات الثابتة فهذا هو الذي يكفر.

стр. 78

معنى قول: (القرآن قديم) السؤال ما المراد بقول: القرآن قديم؟ ومن قال به من الطوائف؟ الجواب القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، وقول: القرآن قديم، فيه إنكار لكلام الله، وهو قول قال به الأشاعرة، يقولون: القرآن قديم، أي: قائم بالنفس، ومعناه: أن الله ما تكلم به، ولكن الله تعالى تكلم بالقرآن، ونزل منجماً حسب الحوادث، خلال ثلاث وعشرين سنة.

стр. 79

شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني [٦] من معتقدات أهل السنة والجماعة أن الله ينزل إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله، وقد تواترت الأحاديث الدالة على ذلك، وأنكر أهل البدع صفة النزول وأولوا الأحاديث التي تثبت صفة النزول بتأويلات باطلة، وإنكارهم لصفة النزول ناشئ عن تشبيههم الخالق بالمخلوق، والحق أن صفات الله جميعها لا تشبه صفات المخلوقين، فالله ينزل ويجيء ويأتي كما يليق بكماله.

стр. 80

إثبات صفة النزول والمجيء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقرأت في رسالة الشيخ أبي بكر الإسماعيلي إلى أهل جيلان أن الله سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا على ما صح به الخبر عن الرسول ﷺ ، وقد قال الله : ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠]، وقال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، ونؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف. فلو شاء سبحانه أن يبين لنا كيفية ذلك فعل، فانتهينا إلى ما أحكمه، وكففنا عن الذي يتشابه، إذ كنا قد أمرنا به في قوله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧]]. هذا الكلام الذي سمعناه فيه بيان اعتقاد أهل السنة وأهل الحديث بنزول الرب ومجيئه، فأهل السنة وأهل الحديث يؤمنون بنزول الرب، وأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وقد تواترت أحاديث النزول في الصحاح والسنن والمسانيد، وأن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، حتى يطلع الفجر. وسيسوق المؤلف ﵀ هذا الحديث بأسانيد متعددة. فأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الله تعالى ينزل بلا كيف، نزولاً يليق بجلاله ، ولا نعلم كيف ينزل، ونعلم يقيناً أنه فوق العرش ، بنصوص العلو المحكمة، وهي تزيد على ثلاثة آلاف دليل، كلها تدل على أن الله تعالى فوق المخلوقات، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر. فهذا فعلٌ يفعله كما يليق بجلاله وعظمته لا نكيفه، وإنما نقول: ينزل نزولاً يليق بجلاله وعظمته. هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة. وهل يخلو العرش منه أو لا يخلو؟ ذكر العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، أن للعلماء فيه ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يخلو منه العرش، والقول الثاني: أنه لا يخلو، والقول الثالث: التوقف، وأصحها القول بأنه لا يخلو منه العرش ، وهذا هو الذي عليه المحققون، أي: أنه سبحانه ينزل وهو فوق العرش نزولاً يليق بجلاله وعظمته؛ لأنه لا يشبه نزول المخلوقين. وكذلك يؤمنون بمجيئه وإتيانه، كما يليق بجلاله وعظمته، كما قاله سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، وقال سبحانه: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة:٢١٠]، فيأتي إتياناً يليق بجلاله وعظمته، ولا نكيف صفاته ؛ لأنها ليست كصفات خلقه، فهو يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، وينزل لا كنزولنا، ويأتي لا كإتياننا، ويجيء لا كمجيئنا، فله صفات تليق بجلاله وعظمته، والمخلوق له صفات تناسبه. هذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، والسلف وأهل الحديث، كما بين الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، ولهذا قال ﵀: ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل. لا نقول: ينزل كنزول المخلوقين، أو مثل كذا وكذا، أو على كيفية كذا وكذا. بل يثبتون ما أثبته رسول الله ﷺ ، وينتهون فيه إليه، ويقفون عند هذا الحد، فلا يكيفون، بل يمرون الخبر الصحيح الوارد على ظاهره من غير تكييف ولا تمثيل، ويكلون علم الكيفية إلى الله تعالى. وكذلك يثبتون ما أثبت الله عز اسمه في كتابه: من المجيء والإتيان المذكوران في قوله : ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠]، في هذه الآية إثبات إتيان الله يوم القيامة إتياناً يليق بجلاله وعظمته، وقوله سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، فيه أيضاً إثبات المجيء. وذكر المؤلف ﵀ أنه قرأ في رسالة الشيخ أبو بكر الإسماعيلي إلى أهل جيلان: أن الله سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا على ما صح به الخبر عن الرسول ﷺ ثم ذكر الآية.

стр. 81

وجوب الإيمان بالنصوص الشرعية ورد المتشابه منها إلى المحكم قوله: (ونؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف. فلو شاء سبحانه أن يبين لنا كيفية ذلك فعل) لكنه سبحانه لم يبين لنا كيفية ذلك، فننتهي إلى ما انتهى إليه النص، ونقف عنده ولا نتجاوزه إلى البحث عن الكيفية، ولهذا قال المؤلف: (فانتهينا إلى ما أحكمه، وكففنا عن الذي يتشابه؛ إذ كنا قد أمرنا به في قوله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧])، فبيّن أنه أنزل الكتاب وأن منه آيات محكمات أخر متشابهات، والآيات المحكمات هي: الواضحات المعنى، والمحكم هو: الواضح المعنى، والمتشابه هو: الذي فيه إشكال عند بعض الناس، فالمتشابه نسبي يختلف باختلاف أفهام الناس، فالذين في قلوبهم زيغ وانحراف علامتهم: أنهم يتبعون المتشابه ويتركون المحكم. وأما الراسخون في العلم فإنهم يعملون بالمحكم، ويؤمنون بالمتشابه، ويردون المتشابه إلى المحكم، فيفسرون المتشابه بالمحكم، ولهذا جاء في صحيح مسلم عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم)، يعني: سماهم في هذه الآية. فعلامة أهل الزيغ أنهم يأخذون بالمتشابه، ويتركون المحكم، فيأتون للنص الذي فيه اشتباه ويلبسون به على الناس، ويتركون النصوص الكثيرة المحكمة. فمثلاً نصوص الفوقية والعلو تزيد أفرادها على ثلاثة آلاف دليل، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، في سبع آيات من القرآن، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، والصعود من أسفل إلى أعلى، وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤]، وقول النبي ﷺ للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء)، إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة. فأهل الزيغ يتركون هذه النصوص كلها، ويتعلقون بالمتشابه. يقول الجهمي مثلاً: إن الله في كل مكان، وليس فوق العرش لقول الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤]، هذه دليله على أن الله في كل مكان. فنقول له: أنت من أهل الزيغ، تركت ثلاثة آلاف دليل واضحة صريحة وتأتي بنص مشتبه، تعلقت بالمتشابه وتركت المحكم، هذه علامة أهل البدع، أما أهل الحق الراسخون في العلم فيفسرون النص المتشابه بالنصوص المحكمة. ونقول له: إن النصوص التي فيها أن الله فوق العرش وفوق المخلوقات محكمة واضحة لا لبس فيها، وأما هذا النص فإنا نرده إلى النصوص الأخرى، ونفسره بما يتناسب معها، فيكون معنى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤]، يعني: وهو المعبود في السماء وفي الأرض، وذاته فوق العرش. فهذه طريقة أهل الحق الراسخين في العلم، أي: أنهم يعملون بالمحكم ويردون المتشابه إليه، ويفسرونه به، أما أهل الزيغ فيتركون النصوص المحكمة ويأخذون المتشابهة. فمثلاً: النصوص التي فيها أن المرأة يجب عليها أن تتحجب عن الرجال الأجانب، نصوص محكمة، كثيرة واضحة، منها قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣]، أي: حجاب ساتر للمرأة، فيكون بينك وبينها باب أو جدار أو غطاء على وجهها، فلا بد من الحجاب، ويقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب:٥٩]، وفي حديث عائشة: كان الرجال يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذونا أسدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه. وثبت في صحيح البخاري في قصة الإفك أن عائشة ﵂ -لما ذهب الجيش وتركوها وظنوا أنها في الهودج- جلست في مكانها لعلهم يرجعون إليها، فجاءها صفوان بن معطل، وكان متأخراً خلف القوم، فرآها وعرفها قبل الحجاب، فجعل يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، أهل رسول الله! وكانت قد غلبتها عيناها، قالت: (فاستيقظت باسترجاع صفوان -أي: استيقظَت لما سمعته يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون- فخمّرت وجهي بجلبابي، وكان يعرفني قبل الحجاب) هذا في صحيح البخاري، وهو أصح الكتب بعد كتاب الله. قولها: (فخمّرت وجهي بجلبابي) فيه دليل على وجوب الحجاب، وقولها: (وكان يعرفني قبل الحجاب)، فيه دليل على أن المرأة قبل الحجاب كانت تكشف وجهها. هذه كلها يتركها أهل الزيغ ويقولون: المرأة لا يجب عليها ستر وجهها، ويستدلون بحديث المرأة التي جاءت إلى النبي ﷺ ومعه الفضل بن عباس، فكان ينظر إليها، وتنظر إليه فصرف النبي وجه الفضل عنها، وسألت النبي ﷺ ، قالوا: هذا دليل على أنها كاشفة الوجه؛ لأنه ينظر إليها وتنظر إليه. نقول له: أتركت النصوص المحكمة وتتعلق بهذا النص المتشابه؟ أنت من أهل الزيغ؛ لأنك تركت النصوص، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣]، قول عائشة في الحديث المتقدم: و (خمرت وجهي بجلبابي). هذا الحديث فيه اشتباه فنرده إلى النصوص المحكمة. ونقول: لا يلزم أن تكون هذه المرأة كاشفة وجهها، ويكون معنى: (ينظر إليها وتنظر إليه) أي: ينظر إلى طولها أو قدمها أو ثيابها، فلا يلزم أن تكون كاشفة وجهها، بدليل النصوص الأخرى التي فيها الأمر بوجوب ستر الوجه وتغطيته. هذا مثال لطريقة أهل الزيغ، وطريقة أهل الحق.

стр. 82

النهي عن السؤال عن كيفية النزول قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو بكر بن زكريا الشيباني قال: سمعت أبا حامد بن الشرقي يقول سمعت حمدان السلمي وأبا داود الخفاف يقولان: سمعنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب! هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله ﷺ : (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا)، كيف ينزل؟ قال: قلتُ: أعز الله الأمير، لا يقال لأمر الرب كيف؟ إنما ينزل بلا كيف]. هذا الأثر ثابت عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وهو المعروف بـ إسحاق بن راهويه، الإمام المحدث المشهور، وهو من قرناء الإمام أحمد ﵀، قال له الأمير عبد الله بن طاهر في زمانه: (يا أبا يعقوب هذه كنية إسحاق بن راهويه، هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله ﷺ : (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا)، كيف ينزل؟) فقال له إسحاق بن راهويه: (أعز الله الأمير -قال هذا تأدباً مع الأمير، وفيه استحباب مخاطبة ولاة الأمور بما يليق بهم- لا يقال لأمر الرب كيف! إنما ينزل بلا كيف). هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة. وفي الحديث النهي أن يقال: كيف ينزل؛ إذ لا تكيّف صفات الله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم العدل حدثنا محبوب بن عبد الرحمن القاضي حدثني أبو بكر بن أحمد بن محبوب حدثنا أحمد بن حمويه حدثنا أبو عبد الرحمن العباسي حدثنا محمد بن سلام سألت عبد الله بن المبارك عن نزول ليلة النصف من شعبان، فقال عبد الله: يا ضعيف في كل ليلة ينزل]. وفي نسخة: [يا ضعيف ليلة النصف، ينزل في كل ليلة]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن كيف ينزل؟ أليس يخلو ذلك المكان منه؟ فقال عبد الله: ينزل كيف شاء]. وفي رواية أخرى لهذه الحكاية: أن عبد الله بن المبارك قال للرجل: إذا جاءك الحديث عن رسول الله ﷺ فاخضع له. وفي رواية أخرى: أن عبد الله بن المبارك قال للرجل: إذا جاءك الحديث عن رسول الله ﷺ فأصغ له. يعني: فاعمل به ولا تتجاوزه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري يقول: سمعت إبراهيم بن أبي طالب يقول: سمعت أحمد بن سعيد بن إبراهيم بن عبد الله الرباطي يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم، وحضر إسحاق بن إبراهيم -يعني: ابن راهويه - فسئل عن حديث النزول: أصحيح هو؟ قال: نعم. فقال له بعض قواد عبد الله: يا أبا يعقوب! أتزعم أن الله تعالى ينزل كل ليلة؟ قال: نعم. قال: كيف ينزل؟ فقال له إسحاق: أثبته فوق حتى أصف لك النزول، فقال الرجل: أثبَتُّه فوق، فقال إسحاق: قال الله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، فقال الأمير عبد الله: يا أبا يعقوب! هذا يوم القيامة. فقال إسحاق: أعز الله الأمير، ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟]. وهذا فيه دليل على أنه يجب على المسلم أن يثبت الصفات لله وينفي علم الكيفية، بل نقول: ينزل كما يشاء، ويجيء كما يشاء، ويأتي كما يشاء ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].

стр. 83

ذكر خبر النزول المتواتر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وخبر نزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا خبر متفق على صحته، مخرج في الصحيحين من طريق مالك بن أنس عن الزهري عن الأغر وأبي سلمة عن أبي هريرة. أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد، قال حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد حدثنا أبو مصعب حدثنا مالك. وحدثنا أبو بكر بن زكريا حدثنا أبو حاتم مكي بن عبدان -وفي نسخة أخرى: علي بن عبيدان - حدثنا محمد بن يحيى قال: ومما قرأت على ابن نافع وحدثني مطرف عن مالك ﵀. وحدثنا أبو بكر بن زكريا أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن إبراهيم باكويه حدثنا يحيى بن محمد حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب الزهري عن أبي عبد الله الأغر وأبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ينزل ربنا ﵎ في كل ليلة إلى سماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ ومن يسألني فأعطيه؟ ومن يستغفرني فأغفر له؟)]. هذا الحديث هو من الأحاديث المتواترة في الصحاح والسنن والمسانيد، وفيه إثبات نزول الرب في ثلث الليل الآخر وهو أفضل الأوقات. وجاء في الحديث الآخر: أن النبي ﷺ قال: (أفضل الصيام صيام داود، وأفضل الصلاة صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه) وكان النبي ﷺ أحياناً يفعل مثلما يفعل داود، وأحياناً يقوم ثلث الليل. وجاء في حديث عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل قام يصلي). وفي حديث صفة صلاة نبي الله داود المتقدم أنه كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، أي: السدس الرابع والخامس، وينام سدسه، أي: السدس السادس؛ حتى يتقوى بنومه على أعمال النهار. وفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ قال:) ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر) وهو السدس الخامس والسادس. وعلى هذا يكون النصف الأخير من الليل كله فاضل، وهو السدس الرابع والخامس والسادس؛ فالسدس الرابع والخامس فيه قيام داود، والسدس الخامس والسادس ثلث الليل العام. وكان النبي ﷺ يفعل هذا وهذا، بل كان ﵊ إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل قام للصلاة. وبهذا يتبين أن النصف الأخير من الليل كله فاضل -السدس الرابع والخامس والسادس- فكان النبي ﷺ إذا صلى العشاء أوى إلى فراشه، فإذا انتصف الليل أو قبله بقليل قام. أما نحن فلا ننام إلا إذا جاء ثلث الليل الأخير، نسهر طوال الليل فإذا جاء الوقت الفاضل وقت النزول الإلهي نمنا، فنشكوا إلى الله سوء حالنا.

стр. 84

ذكر طرق خبر النزول قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا الحديث طرق إلى أبي هريرة: رواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵀، ورواه يزيد بن هارون وغيره من الأئمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة. ومالك عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة. ومالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. وعبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة. وعبد الأعلى بن أبي المساور وبشير بن سليمان عن أبي حازم عن أبي هريرة. وروي هذا الخبر من غير طريق أبي هريرة، فقد رواه نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه عن موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى عن عبادة بن الصامت. وعبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر بن عبد الله. وعبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب. وشريك عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود. ومحمد بن كعب عن فضالة بن عبيد عن أبي الدرداء. وأبو الزبير عن جابر، وعن طارق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وعن أم المؤمنين عائشة وأم سلمة ﵄، كلهم عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟) فبذلك كانوا يفضلون صلاة آخر الليل على أوله، وهذه الطرق كلها مخرجة بأسانيدها في كتابنا الكبير المعروف (بالانتصار)]. والحاصل: أن حديث النزول هذا له طرق متعددة، فقد روي عن أبي هريرة ﵁، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء وجابر وابن عباس وعائشة وأم سلمة، وجمع من الصحابة، وهو من الأحاديث المتواترة.

стр. 85

ذكر الزيادات المختلفة في خبر النزول قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا لفظ أبي سلمة والأغر عن أبي هريرة. وفي رواية يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : (إذا مضى نصف الليل أو ثلثاه ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فيعطى؟ هل من داع فيستجاب له؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ حتى ينفجر الصبح)]. هذه الرواية فيها: (إذا مضى نصف الليل أو ثلثاه). وأكثر الروايات فيها: (ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر). وفي هذه الرواية (إذا مضى نصف الليل)، وفي رواية (إذا مضى ثلثاه). وجاء في رواية: (إذا مضى ثلثه). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي رواية سعيد بن مرجانة عن أبي هريرة زيادة في آخره وهي: (ثم يبسط يديه فيقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم)]. وهذه الرواية أخرجها مسلم، وقد جاءت من طريقين: الأولى: (ثم يقول: من يقرض غير عديم ولا ظلوم)، وفي الثانية: (ثم يبسط يده ﵎ يقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم). وهذا يدل على أن هذا الوقت فاضل وعظيم، إذ هو وقت تنزل الله في آخر الليل، وأنه يبسط يده ويقول: (من يقرض غير عدوم ولا ظلوم)، ويقول: من يسألني؟ من يستغفرني؟ من يدعوني؟ فينبغي للمسلم أن يكون له في هذا الوقت ولو ركعات معدودة يناجي فيها ربه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي رواية أبي حازم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الأخير فينادي: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ فلا يبقى شيء فيه الروح إلا علم به إلا الثقلين الجن والإنس، قال: وذلك حين تصيح الديوك، وتنهق الحمير، وتنبح الكلاب)]. هنا: تصيح الديكة، وهي زيادة، يقول في الحاشية: لم نقف على هذه الزيادة، ويحتاج إلى معرفة ثبوتها (فلا يبقى شيء فيه الروح إلا علم به إلا الثقلان، قال: وذلك حين تصيح الديكة، وتنهق الحمير، وتنبح الكلاب). وأول الحديث إلى قوله: (فأغفر له). أخرجه الإمام أحمد في المسند، والدارمي في السنن، والآجري في الشريعة، وابن أبي عاصم في السنة، كلهم عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه بدون لفظ: (في ثلث الليل الأخير). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي رواية موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى عن عبادة بن الصامت زيادات حسنة وهي التي أخبرنا بها أبو يعلى حمزة بن عبد العزيز المهلبي أنبأنا عبد الله بن محمد الرازي أنبأنا أبو عثمان محمد بن عثمان بن أبي سويد حدثنا عبد الرحمن -يعني: ابن المبارك - حدثنا فضيل بن سلمان عن موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ينزل الله ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: ألا عبد من عبادي يدعوني فأستجيب له؟ ألا ظالم لنفسه يدعوني فأغفر له؟ ألا مقتر عليه رزقه فيدعوني فأرزقه؟ ألا مظلوم يذكرني فأنصره؟ ألا ظالم لنفسه يدعوني فأفكه؟ فيكون كذلك إلى أن يطلع الصبح ويعلو على كرسيه)]. هذا فيه زيادات، قال عنه المحقق: إسناده ضعيف، يعني بهذه الزيادات، أما نزول الرب فهذا ثابت في الصحاح والسنن والمسانيد، لكن هذه الزيادات فيها ضعف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي رواية أبي الزبير عن جابر، من طريق مرزوق أبي بكر الذي خرجه محمد بن إسحاق بن خزيمة مختصراً. ومن طريق أيوب عن أبي الزبير عن جابر، الذي خرجه الحسن بن سفيان في مسنده. ومن طريق هشام الدستوائي عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: (إن عشية عرفة ينزل الله فيه إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، ويقول: انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً ضاحين، جاءوا من كل فج عميق، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي، فلم ير يوماً أكثر عتقاً من النار من يوم عرفة)]. وهذا الحديث فيه نزول الرب عشية عرفة، وإن كان قد ذكر أن في بعضه ضعف، لكن قد يتقوى بشواهده. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروى هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن رفاعة الجهني حدث أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مضى ثلث الليل، أو شطر الليل، أو ثلثه ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: لا أسأل عن عبادي غيري، من يستغفرني فأغفر له؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني أعطيه؟ حتى ينفجر الصبح)]. وهذا نزول يليق بجلاله وعظمته . وهذا الحديث صحيح ثابت. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو محمد المخلدي أخبرنا أبو العباس السراج قال حدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي مسلم الأغر قال: أشهد على أبي سعيد وأبي هريرة أنهما شهدا على رسول الله ﷺ ، وأنا أشهد عليهما أنهما سمعا النبي ﷺ يقول: (إن الله يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول هبط إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مذنب؟ هل من مستغفر؟ هل من سائل؟ هل من داع؟ حتى تطلع الشمس)]. قوله: (حتى تطلع الشمس) هذه اللفظة شاذة لا تصح، والصواب الثابت: حتى يطلع الفجر. والمؤلف ﵀ روى هذا الحديث وذكر له طرقاً كثيرة؛ ليبين أن الحديث ثابت، وأنه بلغ حد التواتر، وأن النزول صفة من صفات الرب، التي تليق بجلاله وعظمته، وأن أهل السنة والجماعة يثبتون النزول بلا تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل خلافاً لأهل البدع، فإنهم يقولون: إن معنى: (ينزل كل ليلة إلى السماء) ينزل أمره، وبعضهم يقول: ينزل ملك، فاستوحشوا من إثبات النزول للرب، وقالوا: لا يمكن أن ينزل الرب بذاته. وسيأتي أنه إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب ينزل من مكانه، فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء. فأهل البدع من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة استوحشوا من إثبات النزول وأنكروه. ويقال لمن يقولون: إن معنى (ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا)، ينزل أمره: إن أمر الله ينزل في كل وقت، كما قال سبحانه: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ﴾ [السجدة:٥]، أما نزوله سبحانه في ثلث الليل الآخر، فهو مخصوص بهذا الوقت المعين بخلاف نزول الأمر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو محمد المخلبي حدثنا أبو العباس الثقفي حدثنا الحسن بن الصباح حدثنا شبابة بن سوار عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن أبي مسلم الأغر قال: أشهد على أبي سعيد وأبي هريرة أنهما قالا: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يمهل حتى إذا كان ثلث الليل الأول هبط إلى هذه السماء، ثم أمر بأبواب السماء ففتحت، فقال: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأجيبه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من مضطر أكشف عنه ضره؟ هل من مستغيث أغيثه؟ فلا يزال ذلك مكانه حتى يطلع الفجر في كل ليلة من الدنيا)]. وهذا الحديث فيه إثبات النزول للرب في كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، في أي مكان من الأرض سواء أكان في الشرق أو الغرب، في أمريكا أو جزيرة العرب في الشام أو مصر أو في أي مكان آخر، فهذا وقت فاضل لا ينبغي للمسلم التفريط فيه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو محمد المخلدي أنبأنا أبو العباس -يعني: الثقفي - حدثنا مجاهد بن موسى والفضل بن سهل قالا: حدثنا يزيد بن هارون حدثنا سهيل عن أبي إسحاق عن الأغر أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا كان ثلث الليل نزل ﵎ إلى السماء الدنيا فقال: ألا هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى سؤله؟ ألا هل من تائب يتاب عليه)]. المؤلف ﵀ كرر وعدد الطرق والأسانيد ليبين أن هذا الحديث ثابت، وأن له طرقاً متعددة، وأنه بلغ حد التواتر، وأن النزول ثابت للرب في ثلث الليل الأخير. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا الأستاذ أبو منصور بن حمشاد قال حدثنا أبو إسماعيل بن أبي الظمأ ببغداد حدثنا أبو منصور الرمادي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ينزل الله تعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: أنا الملك أنا الملك ثلاثاً من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر)]. وهذا الحديث أخرجه

стр. 86

قول الإمام أبي حنيفة في حديث النزول قال المؤلف رحمه الله تعالى: [سمعت الأستاذ أبا منصور على إثر هذا الحديث الذي أملاه علينا يقول: سئل أبو حنيفة عنه فقال: ينزل بلا كيف. وقال بعضهم: ينزل نزولاً يليق بالربوبية بلا كيف من غير أن يكون نزوله مثل نزول الخلق بالتخلي والتملي -وفي نسخة: بالتجلي والتملي- لأنه ﷻ منزه أن تكون صفاته مثل صفات الخلق، كما كان منزهاً أن تكون ذاته مثل ذوات المخلوقين، فمجيئه وإتيانه ونزوله على حسب ما يليق بصفاته من غير تشبيه وكيف]. أبو حنيفة ﵀ هو أحد الأئمة الأربعة، وهو من أئمة أهل السنة والجماعة، سئل عن هذا الحديث، فقال: ينزل بلا كيف، وهذا قول أهل السنة قاطبة لا كنزول المخلوق ولا يكيف على كيفية معينة، بل الله أعلم كيف ينزل، إنما نثبت النزول ولا نعلم الكيفية. يقول الإمام أبو حنيفة: لأنه ﷻ منزه أن تكون صفاته مثل صفات الخلق، كما أنه منزه أن تكون ذاته مثل ذوات الخلق، فكذلك الصفات. فالله تعالى له ذات لا تشبه ذوات المخلوقين، وكذلك له صفات لا تشبه صفات المخلوقين، ولهذا قال الإمام أبو حنيفة: (فمجيئه وإتيانه ونزوله على حسب ما يليق بصفاته من غير تشبيه ولا كيف) أي: من غير تشبيه بصفات المخلوقين لا نقول كيفية المجيء كذا ولا كيفية النزول كذا، ولا كيفية الإتيان كذا، بل نقول: صفات الله تليق بجلاله ولا نكيف، ولا نمثل.

стр. 87

قول الإمام ابن خزيمة في حديث النزول قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب التوحيد الذي صنفه، وسمعت من حفيده أبي طاهر ﵀: باب ذكر أخبار ثابتة السند رواها علماء الحجاز والعراق في نزول الرب إلى السماء الدنيا كل ليلة، من غير صفة كيفية النزول مع إثبات النزول، فنشهد شهادة مقر بلسانه مصدق بقلبه، مستيقن بما فيها من الأخبار من ذكر النزول من غير أن نصف الكيفية؛ لأن نبينا محمداً ﷺ لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى السماء الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل، والله ولّى نبيه ﷺ بيان ما بالمسلمين إليه الحاجة من أمر دينهم، فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول غير متكلفين بالنزول بصفة الكيفية، إذ النبي ﷺ لم يصف لنا كيفية النزول]. هذا الكلام قاله الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة -الذي يلقب بإمام الأئمة، وهو من أئمة أهل السنة والجماعة- في كتابه الذي سماه بـ (كتاب التوحيد). وقوله: (وسمعت من حفيده) الحفيد هو: ابن الابن. وقول الإمام ابن خزيمة في كتابه التوحيد: (باب ذكر أخبار ثابتة السند رواها علماء الحجاز والعراق في نزول الرب إلى السماء الدنيا كل ليلة من غير صفة كيفية النزول، مع إثبات النزول). هذا هو قول أهل السنة قاطبة: إثبات النزول من غير إثبات كيفية معلومة لدينا، لهذا قال: (من غير صفة كيفية النزول مع إثبات النزول). ثم قال الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة: (نشهد شهادة مقر بلسانه مصدق بقلبه، مستيقن بما فيها من الأخبار من ذكر النزول) يعني: نقر ونوقن ونشهد أن الله تعالى ينزل. وقوله: (من غير أن نصف الكيفية) أي: لا نقول كيفية النزول كذا أو كذا،. وقوله: (لأن نبينا ﷺ لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى السماء الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل) أي: لم يخبرنا النبي ﷺ عن الكيفية، فنحن نثبت النزول ولا نتعرض للكيفية. وقوله: (والله ولّى نبيه ﷺ بيان ما بالمسلمين إليه الحاجة من أمر دينهم) قال الله تعالى لنبيه: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، فالله تعالى ولى نبيه أن يبين ما يحتاجه المسلمون فلو كانت هناك حاجة لبيان كيفية النزول لأعلمنا الله بها على لسان نبيه ﷺ ، لكن ليست هناك حاجة لمعرفتها. وقوله ﵀: (فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول، غير متكلفين بالنزول بصفة الكيفية، إذ النبي ﷺ لم يصف كيفية النزول). هذه هي طريقة أهل السنة والجماعة: يثبتون النزول وينفون الكيفية.

стр. 88

ذكر خبر نزول الرب يوم عرفة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو عثمان: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ ﵀ حدثنا أبو محمد الصيدلاني قال حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد حدثنا أحمد بن صالح المصري حدثنا ابن وهب أنبأنا مخرمة بن بكير عن أبيه ﵀، وأخبرنا الحاكم ﵀ حدثنا محمد بن يعقوب الأصم -واللفظ له- حدثنا إبراهيم بن حنيفة حدثنا ابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت محمد بن المنكدر يزعم أنه سمع أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ تقول: نعم اليوم يوم ينزل الله تعالى فيه إلى السماء الدنيا، قالوا: وأي يوم ذلك؟ قالت: يوم عرفة]. وهذا الحديث حسن، أخرجه الدارقطني في كتابه (أدلة النزول) بهذا اللفظ من طريقين، وفيه إثبات نزول الرب، وأن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا عشية عرفة نزولاً يليق بجلاله وعظمته، كما ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر. وعند نزوله عشية عرفة يباهي بأهل الموقف أهل السماء، فيقول سبحانه: يا ملائكتي! انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً من كل فج عميق، أشهدكم أني قد غفرت لهم.

стр. 89

ذكر خبر نزول الرب ليلة النصف من شعبان قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (ينزل الله تعالى في النصف من شعبان إلى السماء الدنيا ليلاً إلى آخر النهار من الغد، فيعتق من النار بعدد شعر معز بني كلب -وفي اللفظ الآخر: بعدد غنم بني كلب- يكتب الحاج، وينزل أرزاق السنة، ولا يترك أحداً إلا غفر له، إلا مشركاً أو قاطع رحم أو عاقاً أو مشاحناً)]. ذكر الحاكم أن هذا الحديث صحيح، ومعروف عند العلماء أن الأحاديث في نزول الله تعالى في النصف من شعبان أحاديث ضعيفة وهذا الحديث فيه ضعف، لكن أتى به المؤلف ﵀؛ ليبين ويؤكد نزول الرب، وهو ثابت في كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، وفي عشية عرفة، أما هذا الحديث الذي فيه: (أنه ينزل في ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا، ويعتق من النار بعدد شعر معز بني كلب، وفي لفظ: بعدد شعر غنم بني كلب ويكتب الحاج، وينزل أرزاق السنة، ولا يترك أحداً إلا غفر له، إلا مشركاً أو قاطع رحم أو عاقاً أو مشاحناً) فالمعروف عند أهل العلم أن الحديث الذي يخصص ليلة النصف من شعبان حديث ضعيف. وليلة النصف من شعبان كغيرها من الليالي لا تخصص فيها، وكونه جاء في بعض الأحاديث أنها ليلة القدر فتلك أحاديث ضعيفة لا تصح، ومعلوم أن ليلة القدر إنما هي في رمضان وليست في شعبان. وليلة النصف من شعبان ليس لها خصوصية، وكذلك يوم النصف من شعبان، فلا يخصان بصيام أو قيام، بل الإنسان يفعل ما يفعله كل يوم؛ فإن كان يصلي في كل ليلة يصلي في ليلة النصف من شعبان، وإذا كان يصوم الأيام البيض يصومها من شعبان ومن غيره، ولا يخص يوم النصف من شعبان بصيام ولا تخص ليلة النصف من شعبان بقيام، هذا هو الصواب الذي عليه المحققون. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو طاهر بن خزيمة حدثنا جدي الإمام حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني حدثنا إسماعيل بن علية عن هشام الدستوائي (ح) قال الإمام وحدثنا الزعفراني حدثنا عبد الله بن بكر السهمي حدثنا هشام الدستوائي (ح) وحدثنا الزعفراني حدثنا يزيد -يعني: ابن هارون - أخبرنا الدستوائي (ح) وحدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون بالإسكندرية حدثنا الوليد عن الأوزاعي جميعهم عن يحيى بن أبي كثير عن عطاء بن يسار حدثني رفاعة بن عرابة الجهني]. وفي الإسناد الذي بعد هذا عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار. فسقط من هذا الإسناد هلال بن أبي ميمونة، وسيذكره المصنف في الإسناد الآتي، وهو مثبت في كتاب التوحيد لـ ابن خزيمة.

стр. 90

ذكر خبر النزول من طريق رفاعة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ح قال الإمام: وحدثنا أبو هاشم زياد بن أيوب حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي عن الأوزاعي حدثنا يحيى بن أبي كثير حدثني هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار حدثني رفاعة بن عرابة الجهني قال: صدرنا مع رسول الله ﷺ من مكة، فجعلوا يستأذنون النبي ﷺ فجعل يأذن لهم، فقال النبي ﷺ : (ما بال شق الشجرة الذي يلي رسول الله ﷺ أبغض إليكم من الآخر! فلا ترى من القوم إلا باكياً، قال: يقول أبو بكر الصديق: إن الذي يستأذنك بعدها لسفيه، فقام النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه)]. قوله: (صدرنا مع النبي ﷺ يعني: رجعنا، والصدر: هو رجوع المسافر من مقصده، وهو نقيض الورود. قوله: (فجعلوا يستأذنون النبي ﷺ فجعل يأذن لهم، فقال النبي ﷺ : (ما بال شق الشجرة الذي يلي النبي ﷺ أبغض إليكم من الآخر)) هذا فيه إنكار عليهم بالاستئذان، ومعنى: (ما بال شق الشجرة الذي يلي النبي ﷺ أبغض إليكم من الآخر) قال هذا؛ لأنهم يستأذنون من الجهة التي تلي النبي ﷺ . قوله: (فلا يرى من القوم إلا باكياً) أي: أنهم بكوا لأنهم شعروا بموعظة النبي ﷺ ، ومعنى: قال: (يقول أبو بكر الصديق ﵁: إن الذي يستأذنك بعدها لسفيه) أي: بعد هذه المقالة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(فقام النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه، وكان إذا حلف قال: والذي نفسي بيده أشهد عند الله ما منكم من أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ثم يسدد إلا سلك به في الجنة، ولقد وعدني ربي أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفاً بغير حساب ولا عذاب، وإني لأرجو أن لا تدخلوها حتى تتبوءوا ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكنكم في الجنة، ثم قال ﷺ : إذا مضى شطر الليل -أو قال: ثلثاه- ينزل الله إلى السماء الدنيا، ثم يقول: لا أسأل عن عبادي غيري من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يدعوني فأجيبه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ حتى ينفجر الصبح) هذا لفظ حديث الوليد]. هذا الحديث ثابت، وفيه إشارة للمؤمن الذي سدد أنه من أهل الجنة، ولهذا قال النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده أشهد عند الله ما منكم من أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ثم يسدد إلا سلك به في الجنة) يعني: أن من سلك مسلك السداد، واجتهد في مقاربته، واجتهد في فعل الأوامر وترك النواهي، وقبل هذا آمن بالله واليوم الآخر ومات على الإيمان فهو من أهل الجنة والكرامة إن شاء الله عاجلاً أو آجلاً، وهذا إن مات على توحيد خالص لم يصر فيه على كبيرة فإنه يدخل الجنة فضلاً من الله تعالى وإحساناً، وإن مات على توحيد ملطخ بالمعاصي والكبائر، فهو على خطر، وهو تحت مشيئة الله، قد يعفو عنه قد يعذبه في قبره، وقد تصيبه شدائد في موقف القيامة تكفر عنه، وقد يعذبه في النار وقد لا يعذبه، وإن عذب في النار فإنه لن يخلد فيها؛ لأنه مات على التوحيد، فمآله إلى الجنة. ويخرج من النار بشفاعة الشافعين أو برحمة أرحم الراحمين. ولهذا قال النبي ﷺ : (ما منكم من أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ثم يسدد إلا سلك به في الجنة، ولقد وعدني ربي أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفاً بغير حساب ولا عذاب)، هذا ثابت وثبت أيضاً في حديث آخر: أن الله تعالى أعطى نبيه ﷺ مع كل ألف سبعين ألفاً. ثم قال النبي ﷺ : (وإني لأرجو أن لا تدخلوها حتى تتبوءوا ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكنكم في الجنة، ثم قال ﷺ : إذا مضى شطر الليل -أو قال: ثلثاه- ينزل الله إلى السماء الدنيا) وهذا هو الشاهد: أن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا إذا بقي ثلث الليل الآخر فيقول الرب سبحانه: (من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يدعوني فأجيبه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ حتى ينفجر الصبح)، ففيه إثبات أن الله تعالى ينزل نزولاً يليق بجلاله وعظمته، فيثبت المؤمن ذلك ولا يكيف، بل يؤمن بأنه ينزل كما يشاء نزولاً يليق بجلاله وعظمته.

стр. 91

قول أهل السنة في خبر النزول قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال شيخ الإسلام: قلت: فلما صح خبر النزول عن الرسول ﷺ أقر به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله ﷺ ، ولم يعتقدوا تشبيهاً له بنزول خلقه، ولم يبحثوا عن كيفيته؛ إذ لا سبيل إليها بحال، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق؛ كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق، تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علواً كبيراً، ولعنهم لعناً كبيراً]. قوله: (قال شيخ الإسلام) أي: المؤلف إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني. قوله: (قلت: فلما صح خبر النزول عن رسول الله ﷺ أقر به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله ﷺ ، ولم يعتقدوا تشبيهاً له بنزول خلقه) هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، فلما صح خبر نزول الرب، وهو ثابت بل متواتر أقر به أهل السنة وقبلوا الخبر وأثبتوا أن الله ينزل على ما يليق بجلاله وعظمته، وقوله: (على ما قاله رسول الله ﷺ ، ولم يعتقدوا تشبيهاً له بنزول خلقه، ولم يبحثوا عن كيفيته) أي: كيفية النزول وقوله: (إذ لا سبيل إليها بحال، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق) هكذا يعتقد أهل السنة والجماعة، أي: يثبتون صفات الله كما يليق بجلاله وعظمته، وينفون عنها مماثلة صفات المخلوقين، كما أنهم يثبتون ذات الله سبحانه وينفون مماثلتها لذوات المخلوقين تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علواً كبيراً.

стр. 92

إثبات صفة المجيء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقرأت لـ أبي عبد الله بن أبي حفص البخاري، وكان شيخ بخارى في عصره بلا مدافع، وأبو حفص كان من كبار أصحاب محمد بن الحسن الشيباني، قال أبو عبد الله -أعني ابن أبي حفص: هذا عبد الله بن عثمان، وهو عبدان شيخ مرو- يقول: سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول: قال حماد بن أبي حنيفة: قلنا لهؤلاء: أرأيتم قول الله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، وقوله : ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠]، فهل يجيء ربنا كما قال، وهل يجيء الملك صفاً صفاً، قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفاً صفاً، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى بذلك، ولا ندري كيف جيئته. وقلنا لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف جيئته، ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، أرأيتم من أنكر أن الملك لا يجيء صفاً صفاً، ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب، قلنا: فكذلك من أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهو كافر مكذب. قال أبو عبد الله بن أبي حفص البخاري أيضاً في كتابه: ذكر إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: إذا قال لك الجهمي: أنا لا أؤمن برب يزول عن مكانه. وفي نسخة: ينزل -لكن لعلها يزول- فقل أنت: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء]. وهذه القصة التي ذكرها المؤلف ﵀ عن أبي حفص وهو من كبار أصحاب محمد بن الحسن الشيباني صاحب الإمام أبي حنيفة، أنه سمع محمد بن الحسن يقول قال حماد بن أبي حنيفة: (قلنا لهؤلاء -يعني المعطلة الذين ينفون صفات الله- أرأيتم قول الله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، يعني هل تؤمنون بهذا، فقالوا: (أما الملائكة فيجيئون صفاً صفاً، وأما الرب فإنا لا ندري ما عنى بذلك) أي: نثبت أن الملائكة يصفون، ويجيئون، ولا نثبت أن الله يجيء، قوله: فقلت: لهم: (إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف جيئته، ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه) أي: أنتم لستم مكلفين بمعرفة الكيفية وإنما مكلفون بالإيمان بمجيئه بلا تكييف. ثم قال لهم من باب الإلزام: (أرأيتم من أنكر أن الملك لا يجيء صفاً صفاً، ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب، قلنا: فكذلك من أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهو كافر مكذب)؛ لأن الله أثبت في آية واحدة مجيئه ومجيء الملائكة فقال سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، فإذا كان الذي ينكر مجيء الملائكة كافر مكذب، فكذلك الذي ينكر مجيء الله كافر مكذب. ثم ذكر أبو عبد الله بن أبي حفص أيضاً هذه القصة عن الفضيل بن عياض أنه يقول: (إذا قال لك الجهمي: أنا لا أؤمن برب يزول عن مكانه فقل له أنت: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء) هذا من باب الإلزام. فالجهمي ينكر نزول الرب سبحانه، فيقول: أنا لا أؤمن برب يزول عن مكانه، وأنت رد عليه بقولك: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء.

стр. 93

الأسئلة

стр. 94

حكم تأويل الاستواء السؤال حكم من يفسر استواء الله على عرشه بالهيمنة، ومَن مِن الفرق تقول بمثل ذلك؟ الجواب هذا تأويل باطل؛ لأنه إنكار للصفة، فالذي يقول: إن الاستواء هو الهيمنة فقد أنكر استواء الله، وسلك طريقة المبتدعة؛ لأنهم ينكرون الاستواء، وبعضهم يقول: معنى الاستواء: الاستيلاء والهيمنة، فأهل البدع من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة هذا قولهم. والاستواء على العرش هو العلو والارتفاع والصعود، فاستوى بمعنى: صعد وعلا وارتفع واستقر، هذه أربعة معان للاستواء عند أهل السنة، أما كيفية الاستواء فلا يعلمها إلا هو .

стр. 95

منهج أهل السنة في التعامل مع المحكم والمتشابه السؤال ما مذهب أهل السنة والجماعة في المحكم والمتشابه؟ الجواب أهل السنة والجماعة يعملون بالمحكم ويؤمنون بالمتشابه، فيردون النص المتشابه إلى المحكم ويفسرونه به. وأما أهل الزيغ فإنهم يتعلقون بالمتشابه ويتركون المحكم.

стр. 96

التحذير من القول على الله بلا دليل السؤال هل صحيح أن الله إذا نزل إلى السماء الدنيا، تنزل السماوات التي فوقها تحته إلى السماء الدنيا؟ الجواب هذا تأويل بلا دليل، بل نقول: ينزل كما يليق بجلاله وعظمته، وبكيفية لا نعلمها.

стр. 97

حكم المعاصي التي يرتكبها الإنسان السؤال ما صحة من يقول: إن جميع المعاصي التي يرتكبها الإنسان هي داخلة في الشرك الأصغر؛ لأنه قدم هواه على ما نهى الله عنه؟ الجواب بعض العلماء يقول: جميع المعاصي نوع من الهوى، والهوى شرك، لكن الصواب: أن المعاصي منها ما هو شرك ومنها ما ليس بشرك، والشرك الأصغر منها: هو ما ورد في النصوص تسميته شركاً، كالحلف بغير الله، وما لم يسم في النصوص الشرعية شركاً فهو كبيرة من الكبائر.

стр. 98

معنى الأفول السؤال ما معنى الأفول في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵊: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦] وهل في هذه الآية دليل لمن ينكر النزول؟ الجواب ( فَلَمَّا أَفَلَ) يعني: غاب، وهذه مناظرة إبراهيم مع المشركين من عباد الكواكب، يوهمهم أنه لما يعرف ربه، وليس فيها دليل لمنكري النزول، وإنما ناظرهم ﵊ كما حكى الله عنه بقوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦] ((فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ)) أي: غابت ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٨ - ٧٩]، هذا من باب المحاجة والمناظرة لهم؛ ليريهم بطلان ما هم عليه من عبادة الكواكب، ليس له علاقة بمسألة النزول.

стр. 99

حكم جلوس الحائض في المسجد السؤال ما حكم جلوس المرأة الحائض في المسجد لطلب العلم؟ علماً أنها جاءت مع محارمها من مكان بعيد، ولا يستطيعون إبقاءها خارج المسجد؟ الجواب لا يجوز للمرأة الحائض الجلوس في المسجد، وكذلك الجنب ليس له المكث فيه، ويجوز له العبور من باب إلى باب؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء:٤٣]، فليس لها أن تجلس في المسجد لكن تجلس في بعض مرافقه، إلا إذا كان هناك مكان خارج المسجد، أي: خارج سور المسجد فلا بأس ببقائها فيه، أو تجلس في السيارة أو أي مكان آخر.

стр. 100

معاني الإتيان في القرآن السؤال كيف نرد على من يقول: كل إتيان في القرآن فهو إتيان لأمر الله؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً، وقد قال الله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨]؟ الجواب هذا حجة عليه؛ لأن قول الله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨]، فيه إخبار أن الملائكة لها إتيان، وأمر الله له إتيان، والله له إتيان، فهذا حجة عليه، فلو كان الإتيان واحداً لما ذكر الله هذه الأنواع الثلاثة من الإتيان. فالقول بأن الإتيان إنما يعني إتيان أمر الله قول باطل، فالله تعالى إذا وصف نفسه بأنه يأتي فهو إتيان له يليق بجلاله وعظمته.

стр. 101

التحذير من التشبيه السؤال إذا كان الليل في بلد، وفي آخر نهار فكيف يكون النزول؟ الجواب هذا الإشكال ناشئ من كونك شبهت نزول الخالق بنزول المخلوق، لكن ألغ هذا التشبيه ينجلي عنك الإشكال. وللتوضيح نقول: إن الله تعالى ينزل نزولاً يليق بجلاله وعظمته بأي مكان في الدنيا إذا جاء ثلث الليل الآخر؛ لأنه وقت التنزل الإلهي، ولا نكيف النزول، والإشكال الذي في السؤال ناشئ من كون السائل شبه نزول الخالق بنزول المخلوق.

стр. 102

شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني [٧] تواترت النصوص برؤية المؤمنين لربهم في الجنة، وأنكر ذلك طائفة من أهل البدع، والأدلة من الكتاب والسنة ترد عليهم، ولقد حذر أئمة المسلمين من البدع وبينوا أنها من أعظم الذنوب؛ لأن صاحب البدعة يظن أنه على الصواب ولا يريد التوبة بعكس صاحب المعصية فإنه يعتقد أنه على خطأ ويفكر في التوبة.

стр. 103

إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [روى يزيد بن هارون في مجلسه حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حاتم عن جرير بن عبد الله في الرؤية وقول رسول الله ﷺ : (إنكم تنظرون إلى ربكم كما تنظرون إلى القمر ليلة البدر)، فقال له رجل في مجلسه: يا أبا خالد ما معنى هذا الحديث؟ فغضب وحرد، وقال: ما أشبهك بـ صبيغ وأحوجك إلى مثلما فُعِل به، ويلك! ومن يدري كيف هذا؟ ومن يجوز له أن يجاوز هذا القول الذي جاء به الحديث، أو يتكلم فيه بشيءٍ من تلقاء نفسه إلا من سفه نفسه واستخف بدينه؟ إذا سمعتم الحديث عن رسول الله ﵌ فاتبعوه ولا تبتدعوا فيه؛ فإنكم إن اتبعتموه ولم تماروا فيه سلمتم، وإن لم تفعلوا هلكتم]. أراد المؤلف ﵀ من ذكر هذا الحديث ومن قول أبي خالد يزيد بن هارون: أن يبين موقف السلف من هذه الأخبار الواردة في صفات الله ، وأن موقفهم القبول والتسليم وعدم الاعتراض، بل يسلمون لله ولرسوله ﷺ ، ولهذا ذكر المؤلف ﵀ عن يزيد بن هارون أنه روى في مجلسه حديث رؤية الله يوم القيامة، وهو قول النبي ﷺ : (إنكم تنظرون إلى ربكم كما تنظرون إلى القمر ليلة البدر) وفي لفظ: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)، في حديث جرير بن عبد الله البجلي الذي رواه البخاري في صحيحه: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته)، وفي رواية أبي هريرة: (إنكم ترون ربكم كما ترون الشمس صحواً) أي: ليس دونها سحاب، وفي بعضها: أنه قيل للنبي ﷺ : هل نرى ربنا؟ قال: (هل ترون القمر ليلة البدر؟ قالوا: نعم، قال: هل تضارون في رؤيته؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترون ربكم كما ترون القمر لا تضارون في رؤيته)، وفي لفظ (لا تضامون) يعني: لا يصيبكم ضيم ولا ضرر. وهذا الحديث مع الأحاديث التي فيها إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة من الأحاديث المتواترة. والرؤية أيضاً ثابتة في القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، ومعنى (ناضرة) في الآية الأولى: من النضرة وهي: البهاء والحسن، وأما (ناظرة) في قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣]، فهو من النظر بالعين، فلما ذكر الوجه والعين دل على أن المراد الرؤية بالعين التي في الرأس إلى الرب ﷻ ، وقال سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، جاء في تفسير (زيادة): بأنها النظر إلى وجه الله الكريم. وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]، جاء في تفسير المزيد: بأنه النظر إلى وجه الله الكريم. وقال سبحانه عن الكفرة: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، وقد استدل الإمام الشافعي ﵀ بهذه الآية على إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة. قال: لما أن حجب هؤلاء في السخط دل على أن المؤمنين يرونه في الرضا، ولو كان المؤمنون لا يرون ربهم لتساووا هم وأعداؤهم في الحجب عن رؤيته.

стр. 104

تواتر النصوص في الرؤية وتسليم أهل السنة بها إن رؤية المؤمنين لربهم ثابتة في القرآن العزيز وفي السنة المطهرة، والنصوص التي في إثبات الرؤية من السنة متواترة. قال ابن القيم ﵀ في حادي الأرواح بعد أن ساق هذه الأحاديث: رواها نحو ثلاثين صحابياً في الصحاح والسنن والمسانيد، فرؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة ثابتة في القرآن العظيم وبالنصوص المتواترة في السنة المطهرة. وإثبات رؤية المؤمنين لربهم من العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين المبتدعة، فأنكرتها الجهمية والمعتزلة، وفسروها بالعلم، والأشاعرة أثبتوا الرؤية لكن في غير جهة، فقالوا: إنه يرى، لكن لا في جهة، فيقال لهم: كيف يرى؟ إن كان المؤمنون لن يروه لا من فوق؟ ولا من تحت؟ ولا من أمام؟ ولا من خلف؟ ولا عن يمين؟ ولا عن شمال؟ فأين يرى؟ قالوا: يُرى لا في جهة، فسخر منهم كثير من العقلاء وقالوا: إن هذا غير متصور، الرؤية لا بد أن تكون بجهة من الرائي، أي: أن المرئي لا بد أن يكون بجهة من الرائي، فلابد أن يكون مبايناً له مواجهاً له، فإثبات الرؤية من دون إثبات جهة غير متصور وغير معقول، وهذا يدل على تذبذب الأشاعرة، أي: كونهم بين أهل السنة وبين المعتزلة، فأرادوا أن يكونوا مع المعتزلة في إنكار الجهة وأن يكونوا مع أهل السنة في الرؤية، فعجزوا عن ذلك فلجأوا إلى حجج سفسطائية، وهي الحجج المموهة، أي: التي ترى كأنها حجة وليست بحجة. ورؤية المؤمنين لربهم ثابتة بالنصوص من الكتاب والسنة، وهي من العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدع. ولهذا قال كثير من أهل العلم: من أنكر رؤية الله فهو كافر؛ لأنه أنكر النصوص المتواترة، وهي مروية في الصحاح والسنن والمسانيد.

стр. 105

موقف السلف من المعترضين على النصوص لما ذكر يزيد بن هارون حديث الرؤية: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)، (قال له رجل في مجلسه: يا أبا خالد) وهي: كنية يزيد بن هارون (ما معنى هذا الحديث؟) يعني: حديث (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)؟ (فغضب) يزيد بن هارون (وحرد) يعني: استشاط غضباً، لماذا؟ لأن السائل اعترض على الحديث، (وقال: ما أشبهك بـ صبيغ، وأحوجك إلى مثلما فُعِل به) وصبيغ هذا سيذكر المؤلف قصته، وهو رجل كان يأتي بشبه واعتراضات على النصوص، فجلده عمر مائة، ثم جلده مائة حتى سال الدم على وجهه، ونفاه إلى الكوفة، وكتب لعاملها: أن لا يكلمه الناس. فصار الناس لا يكلمونه، وكلما جاء إلى حلقة طُرد حتى تاب، وقال يا أمير المؤمنين: ذهب ما في رأسي. فعند ذلك أباح الناس أن يكلموه. فـ أبو خالد يقول لهذا الرجل الذي اعترض عليه: (ما أشبهك بـ صبيغ، وأحوجك إلى مثلما فعل به) أي: تحتاج إلى أن تضرب حتى يذهب ما في رأسك من الشبه، وتحتاج إلى جلد كجلد عمر ﵁ صبيغاً. ثم قال له: (ويلك! ومن يدري كيف هذا؟) أي: من يدري كيفية الصفة؟ فلا يعلمها أحد إلا الله، فقولك: ما معنى هذا الحديث؟ كأنك تعترض، وتطلب الكيفية، وهذا غلط منك، وتحتاج بسببه إلى تأديب فـ (ما أشبهك بـ صبيغ، وأحوجك إلى مثلما فعل به) ولهذا قال له: (ويلك ومن يدري كيف هذا؟ ومن يجوز له أن يجاوز هذا القول الذي جاء به الحديث؟) أي: أَثبت الحديث قل: إن المؤمنون يرون ربهم يوم القيامة. ثم قال له: (ومن يجوز له أن يجاوز هذا القول الذي جاء به الحديث أو يتكلم فيه بشيءٍ من تلقاء نفسه إلا من سفه نفسه واستخف بدينه؟ ثم قال له: إذا سمعتم الحديث عن رسول الله ﵌ فاتبعوه ولا تبتدعوا فيه فإنكم إن اتبعتموه ولم تماروا فيه سلمتم) تماروا يعني: تجادلوا لا يجوز للإنسان أن يجادل، بل يسلم، ولا يقول في صفات الله: كيف؟ ولا في أفعاله: لم؟ فلا توجه كلمة: (كيف) للصفات، ولا (لم) للأفعال؛ لأنه حكيم يفعل ما يشاء، ولهذا لما وجه سؤال هذا الشخص معترض، قال: ما معنى هذا الحديث؟ يعني كأنه يعترض غضب عليه واستشاط غضباً يزيد بن هارون، وقال: ما أشبهك بـ صبيغ، وأحوجك إلى مثل ما فعل به إذا سمعتم الحديث عن رسول الله ﷺ فاتبعوه ولا تبتدعوا فيه؛ فإنكم إن اتبعتموه ولم تماروا -يعني: لم تجادلوا -سلمتم، وإلا تفعلوا هلكتم. قال: [وقصة صبيغ الذي قال يزيد بن هارون للسائل: ما أشبهك بـ صبيغ، وأحوجك إلى مثل ما فعل به: هي ما رواه يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب: أن صبيغاًً التميمي أتى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين! أخبرني عن قوله: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات:١]، قال: هي الرياح، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول ما قلته، قال: فأخبرني عن: ﴿فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات:٢] قال: هي السحاب، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات:٤] قال: الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن: ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾ [الذاريات:٣] قال: هي السفن، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته، قال: ثم أمر به فضرب مائة سوط، ثم جعله في بيت حتى إذا برئ دعا به ثم ضربه مائة سوط أخرى، ثم حمله على قتب، وكتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁ أن حرم عليه مجالسة الناس، فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى الأشعري ﵁ فحلف بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان يجده شيئاً، فكتب إلى عمر يخبره، فكتب إليه: ما إخاله إلا قد صدق، خل بينه وبين مجالسة الناس]. عمر ﵁ ضرب صبيغ؛ لأنه فهم من سؤالاته أنه يريد التعنت والعناد والاعتراض، فلهذا ضربه مائة سوط، ثم جعله في بيته، فلما أحس أنه برأ من الضرب ضربه مائة أخرى، ثم سفره من المدينة إلى الكوفة، وكتب إلى أبي موسى الأشعري: أن حرم عليه مجالسة الناس، فلم يزل كذلك كلما جاء بحلقة طردوه، وإذا جاء إلى حلقة أخرى لا يعرفونه كلم أهل الحلقة الأخرى، قالوا: عزمة أمير المؤمنين عليه ألا تكلموه، فلا يكلمونه حتى تاب وجاء إلى أبي موسى وحلف بالأيمان المغلظة أنه ما يجد في نفسه ما كان يجد، ذهبت الشكوك والشبه التي في نفسه. فكتب أبو موسى إلى أمير المؤمنين يستأذنه في أن يتركه ويخلي بينه وبين الناس ثم كتب عمر إليه: ما إخاله إلا قد صدق، خل بينه وبين الناس، فجعل الناس يكلمونه. قال: [وروى حماد بن زيد عن قطن بن كعب: سمعت رجلاً من بني عجل يقال له: فلان - خالد بن زرعة - يحدث عن أبيه قال]. في النسخة الأخرى: خلته ابن زرعة. [خالد بن زرعة يحدث عن أبيه قال: رأيت صبيغ بن عسل بالبصرة كأنه بعير أجرب، يجيء إلى الحلق، فكلما جلس إلى قوم لا يعرفونه ناداهم أهل الحلقة الأخرى: عزمة أمير المؤمنين]. عزمة أمير، يعني: تلزيم أمير المؤمنين، يعني: يلزم عليكم أن لا تكلمونه، فكلما جاء حلقة لا يعرفونه أخبرهم أهل الحلقة الأخرى وقالوا: عزم عليكم ألا تكلمونه حتى يتوب. قال: [وروى حماد بن زيد أيضاً عن يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار: أن رجلاً من بني تميم يقال له: صبيغ، قدم المدينة فكانت عنده كتب، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فبلغ ذلك عمر فبعث إليه وقد أعد له عراجين النخل]. العراجين جمع عرجون، وهو عرق النخلة إذا يبس واعوج كما قال: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩]. قال: [فلما دخل عليه جلس، فقال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ، قال: وأنا عبد الله عمر، ثم أهوى إليه فجعل يضربه بتلك العراجين، فما زال يضربه حتى شجه، فجعل الدم يسيل على وجهه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد والله ذهب الذي كنت أجد في رأسي]. يعني: يكفي الضرب، فقد ذهب ما في رأسي من الشبه والشكوك. ونحن الآن بحاجة إلى مثل هذا، الآن صبيغ له أمثال كثيرون، في هذا الزمن نحن بحاجة إلى أن نفعل بهم مثلما فعل بـ صبيغ، هؤلاء الذين يشبهون ويلبسون، ويكتبون في الصحف والمجلات، ويكتبون الشبه، ويعترضون على الأحاديث والنصوص وأهل العلم بحاجة إلى أن نفعل بهم مثل ما فعل بـ صبيغ، ولو يفعل بهم ما فعل به لتأدب الناس، ولم يتكلم الرويبضة ولما أفتى. حتى صار أهل الصحف والمجلات يفتون وهم ليسوا من أهل الفتوى يفتي: هذا يجوز وهذا لا يجوز، يجوز للمرأة أن تكشف وجهها، وليس هناك دليل، وصار الكل يفتي الآن، ولو فعل بهم مثل ما فعل بـ صبيغ لتأدبوا ولما اعترضوا بالشبه والاعتراضات على النصوص وعلى أهل العلم؛ ولهذا يزيد بن هارون لما اعترض عليه الرجل، قال: ما أشبهك بـ صبيغ، وأحوجك إلى فعل مثل ما فعل به، يعني: هذا رجل اعترض على حديث الرؤية، قال: أنت بحاجة إلى أن تضرب حتى يزول ما في رأسك من الشبه والاعتراض على النصوص.

стр. 106

تحذير الإمام مالك أصحابه من أهل البدع قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين بن موسى السلمي أخبرنا محمد بن محمود الفقيه المروزي حدثنا محمد بن عمير الرازي حدثنا أبو زكريا يحيى بن أيوب العلاف التجيبي بمصر حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا أشهب بن عبد العزيز قال: سمعت مالك بن أنس يقول: إياكم والبدع، قيل: يا أبا عبد الله وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، لا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون. ]. وهذا تحذير من مالك بن أنس ﵀، وهو إمام دار الهجرة في زمانه، وأحد الأئمة الأربعة، يقول: إياكم والبدع، قيل: يا أبا عبد الله! وهي كنية الإمام مالك، وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، أي: يتكلمون في تأويل الصفات وفي الكيفية؛ لذا حذر منهم الإمام مالك ﵀؛ لأنهم لا يسكتون عما سكت عن الصحابة والتابعون. والمعنى: أنه يجب على المسلم أن يسعه ما وسع الصحابة والتابعين، ولا يتكلم في التأويل، بل يثبت الأسماء والصفات لله كما يليق بجلالته وعظمته، يثبت المعنى ويسكت عن الكيفية.

стр. 107

تهوين الإمام الشافعي للكبيرة أمام البدع قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن عمر الزاهد الخفاف أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الفقية حدثنا الربيع بن سليمان سمعت الشافعي ﵀ يقول: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك أحب إلي من أن يلقاه بشيء من الأهواء]. يعني: البدع، وهذا أخرجه الدارمي واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهو مشهور عن الشافعي ﵀، وفي لفظ: (لأن ألقاه بكل ذنب ما خلا الشرك أحب إلي من أن ألقاه بشيء من الأهواء). يقول الإمام الشافعي: لأن ألقى الله بكل معصية دون الشرك أسهل علي من أن ألقاه بالبدعة؛ لأن البدع أشد من المعاصي؛ لأن صاحب المعصية الكبيرة مثل الزاني والسارق وشارب الخمر والمرابي عاصٍ، وضعيف الإيمان، لكن يعلم أنه عاص ومعترف بأنها معصية فهو يرجى له أن يتوب، بخلاف صاحب البدعة، فإنه يعتقد أنه على الحق، ولا يعترف لك بأنه على الباطل. فإذا قلت: هذه بدعة، قال: لا، بل أنت المبتدع، فلا يفكر في التوبة، فلهذا كانت البدعة أشد من الكبيرة، وهي أحب إلى الشيطان من المعصية الكبيرة، فالذي يفعل كبيرة ويشهد الزور ويعق والديه، يعلم أنه عاص ويمكن أن يتوب أو حتى يفكر في التوبة، لكن المبتدع لا يعتقد أنه عاص، بل يعتقد أنه على الحق فمن كان يفعل بدعة المولد فإذا نهيته يقول: لا هذه محبة للرسول، أنت تبغض الرسول، أنا على الحق وأنت على الباطل، ولو كنت تحب الرسول لحضرت المولد. كما أن المبتدع لا يعترف بأنه على الباطل، بل يعتقد أنه على الحق، ويتقرب إلى الله بالبدعة، فلا يفكر في أن يتوب منها، أما صاحب الكبيرة فهو يعلم أنه على معصية، ويعتقد أنها معصية، ويفكر في التوبة منها، فلهذا كانت البدعة أشد من المعصية، ولهذا قال الإمام الشافعي ﵀: لأن ألقى الله بكل ذنب دون الشرك أسهل علي من أن ألقاه بالبدعة؛ لأن البدعة أشد من المعصية، وصاحب البدعة لا يتوقع أن يتوب في الغالب؛ لأنه يعتقد أنه على الحق. هذا فيه التحذير من البدع، وقد تكون البدعة في أسماء الله، من ذلك: بدعة المعطلة التي تنفي الأسماء والصفات، وبدعة المؤولة، وبدعة الخوارج الذين يكفرون المسلمين بالمعاصي، وبدعة القدرية الذين يقولون: إن العباد خالقون لأفعالهم، وهكذا بدعة الشيعة الرافضة.

стр. 108

نصيحة عمر بن عبد العزيز بلزوم الدين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرني أبو طاهر محمد بن الفضل حدثنا أبو عمرو الحيري حدثنا أبو الأزهر حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن جعفر بن برقان قال: سأل رجل عمر بن عبد العزيز عن شيء من الأهواء، فقال: الزم دين الصبي في الكتاب والأعرابي، واله عما سوى ذلك]. وهذا الأثر عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أخرجه الدارمي في سننه، وابن سعد في الطبقات، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وابن الجوزي في سيرة عمر، وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز ﵀ الإمام المشهور الزاهد الورع الذي ضمه بعض العلماء إلى الخلفاء الراشدين الأربعة؛ لعدله وورعه، سأله رجل عن شيء من الأهواء -يعني: من البدع- فقال له: (الزم دين الصبي في الكتاب) كان الناس قبل أن توجد المدارس يدرسون الصبيان في الكتاب، يعني: جماعة في المسجد يأتي لهم مدرس يكتب لهم على اللوح، وهي خشبة يطلونها بالطين ويكتبون فيها، يكتب لهم حتى يتعلموا شيئاً من القراءة، وبعض من الآيات، ثم يقال: قرأ في الكتاتيب. فيقول له: (الزم دين الصبي في الكتاب) كن على دين الصبي أي على الفطرة، واترك هذه الشبه، وكذلك الأعرابي الذي عاش في البادية ما عنده شيء من شبه المعطلة ولا القدرية بل على الفطرة. قال: (واله عما سوى ذلك)؛ لأنهم مفطورون على الفطرة، الصبي في الكتاب والأعرابي مؤمن بالله وبملائكته وكتبه ورسله ومؤمن بالأسماء والصفات وليس عنده شيء من الشبه، مفطور على الحق والتوحيد. قال له: الزم دين الصبي في الكتاب، فإنه على الفطرة، والزم ما عليه الأعراب في البوادي أصحاب الفطرة، ما عندهم شبه ولا شكوك، ولا جاءهم أحد يشبه عليهم، ولا يدخل لهم شبه المعطلة، ولا القدرية ولا الخوارج ولا المعتزلة. ولهذا كثير من أهل الكلام الذين توغلوا في علم الكلام حاروا في آخر حياتهم، وحصلت لهم حيرة واضطراب، وتمنوا أن يكونوا على الفطرة، حتى قال بعضهم: يا ليتني أموت على عقيدة أمي، وقال بعضهم: يا ليتني أموت على عقيدة عجائز نيسابور. ولما سأل بعض أهل البدع من الذين صار عندهم حيرة بعض الناس: هل تنام في السرير؟ قال: نعم، قال: احمد الله، أنا لا أستطيع أن أنام من الشبه والشكوك، إذا نمت أفكر في الشبه والمقدمات والنتائج، وهل الرب مستو على عرشه أو ليس مستو على عرشه، وهل هذا يمكن، وهل هو جسم أو ليس بجسم، يقول: احمد الله أنك تستطيع أن تنام أنا لا أستطيع أن أنام، وأضع الملاءة على وجهي بعد العشاء ويأتي الفجر وأنا على حالي لم أنم، وأظل أفكر في الشبه، وفي مقدمات أهل البدع، بلا راحة ولا طمأنينة. هكذا أهل البدع صار عندهم حيرة واضطراب حتى تمنوا أن يموتوا على عقيدة العجائز، فقال أحدهم: يا ليتني أموت على عقيدة أمي، وقال آخر: يا ليتني أموت على عقيدة عجائز نيسابور، وكان من أهل نيسابور، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 109

أمر ابن عيينة وغيره بالسكوت عن التكييف قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا محمد بن يزيد سمعت أبا يحيى البزار يقول سمعت العباس بن حمزة يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه]. يعني: ما وصف الله به نفسه من العلم والقدرة والرحمة والغضب والسخط والسمع والبصر تفسيره تلاوته، يعني: حينما تقرأه يكون تفسيره واضح المعنى، لا تكيف ولا تمثل، واسكت عن التأويل والكيفية، حينما تقرأ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤] انسب السمع والبصر لله، ولا تأول ولا يقع في نفسك شيء من الشبه التي يقولها أهل البدع من أنه يلزم إذا أثبت السمع والبصر يلزمه أن يكون مماثلاً لسمع وبصر المخلوقين. قال: [أخبرنا أبو الحسين الخفاف حدثنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث حدثنا الهيثم بن خارجة سمعت الوليد بن مسلم يقول: سألت الأوزاعي وسفيان ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث في الصفات والرؤية فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف]. هذا مقالة للأوزاعي وسفيان ومالك بن أنس لما سئلوا عن الحديث في الصفات، قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف. وهذا الأثر صحيح أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات، والدارقطني، والذهبي في مختصر العلوم وغيرهم. وقوله: أمروها كما جاءت. رد على المعطلة الذين يعطلون ولا يثبتون الصفات. وقوله: بلا كيف. رد على الممثلة الذين يقولون: إن صفات الله مثل صفات المخلوقين. وأمروها كما جاءت، يعني: أثبتوا معاني الصفات، واتركوا الكلام في الكيفية، ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤] أثبت السمع والبصر بلا كيف، لا تقل: كيفية السمع كذا، ولا سمع الخالق مثل سمع المخلوق. وهذا فيه إثبات للمعاني، فاستوى على العرش. تمر كما جاءت ويثبت الاستواء لله تعالى. قوله: بلا كيف: معناه لا تسأل عن الكيفية، ولا تقل إن استواء الخالق مثل استواء المخلوق، يعني: أثبتوا المعاني بلا سؤال عن الكيفية، ولا تمثلوها بصفات المخلوقين، وهذا قول السلف قاطبة.

стр. 110

لزوم التسليم لبيان الله وبلاغ رسوله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الإمام الزهري -إمام الأئمة في عصره، وعين علماء الأمة في وقته- على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم]. الإمام الزهري ﵀ إمام معروف، والمؤلف قال عنه إمام الأئمة في عصره، فقيده، وإلا فإن إمام الأئمة إذا أطلق فهو الرسول ﵊، وهو إمام المتقين، وهذا اللقب يطلق أيضاً على محمد بن إسحاق بن خزيمة، يقال له: إمام الأئمة، فينبغي أن يقيد إمام الأئمة في وقته، وإمام الأئمة على الإطلاق هو رسول الله. يقول الزهري: على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم، وهذا كلام عظيم ينبغي لكل مسلم أن يستشعره. على الله البيان: أي: الله تعالى بين لنا في الكتاب العزيز، وعلى لسان نبيه. وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم والقبول ولا نعترض، فنحن عبيد مأمورون، نقول: سمعاً لك يا رب وطاعة. فإذا جاء في النصوص إثبات الصفات نقول: علينا التسليم، فنثبت لله الأسماء والصفات ولا نعترض، ولا نقول: ما كيفية الصفات، ولا نمثلها بل نسلم ونؤمن بها.
следующие страницы →