Полный текст (155 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
شرح الوصية الكبرى لابن تيمية [١]
كان شيخ الإسلام ابن تيمية كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، وقد جعل الله في كتاباته البركة في وقته ومن بعده، ومن ذلك وصيته الكبرى للمنتسبين إلى عدي بن مسافر، ففيها نصائح كافية ووصايا شافية تكتب بماء الذهب، فينبغي تأملها والاستفادة منها.
стр. 2
وصية الإمام ابن تيمية إلى أهل السنة والجماعة
стр. 3
نصيحة لطلاب العلم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [من أحمد بن تيمية عفا الله عنه إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين المنتسبين إلى السنة والجماعة المنتمين إلى جماعة الشيخ العارف القدوة أبي البركات عدي بن مسافر الأموي ﵀ ومن نحا نحوهم وفقهم الله لسلوك سبيله وأعانهم على طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وجعلهم معتصمين بحبله المتين مهتدين لصراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وجنبهم طريق أهل الضلال والاعوجاج، الخارجين عما بعث الله به رسوله ﷺ من الشرعة والمنهاج، حتى يكونوا ممن أعظم عليهم المنة بمتابعة الكتاب والسنة.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فإنا نحمد الله إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين وسيد ولد آدم ﷺ وأكرم الخلق على ربه وأقربهم إليه زلفى، وأعظمهم عندهم درجة محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فإن الله بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، وأنزل عليه الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه، وأكمل له ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، فهم يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله، وجعلهم أمة وسطاً أي: عدلاً وخياراً، ولذلك جعلهم شهداء على الناس، وهداهم لما بعث به رسله جميعهم من الدين الذي شرعه لجميع خلقه، ثم خصهم بعد ذلك بما ميزهم به وفضلهم من الشرعة والمنهاج الذي جعله لهم].
أحمد الله أن وفقنا لدراسة هذه الرسالة القيمة للإمام العلامة شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني وأسأله أن يجعل مجلسنا هذا مجلس علم وخير تنزل عليه السكينة وتغشاه الرحمة وتحفه الملائكة ويذكره الله فيمن عنده، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده).
وإني أبشركم أيها الإخوان! وأهنئكم بهذا الخير العظيم، حيث وفقكم الله بسلوك سبيل العلم، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)، وقال ربنا : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]، وقال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١].
فهنيئاً لكم حيث سلكتم سبيل العلم وأسأل الله أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وصواباً على هدي نبيه محمد ﷺ ، فإن طلب العلم وسلوك سبيل العلم من أفضل القربات وأجل الطاعات، ولهذا فإنه يجب على العبد أن يخلص في طلبه للعلم، وأن يكون قصده بذلك وجه الله والدار الآخرة لا رياء ولا سمعة ولا مالاً ولا جاهاً ولا منصباً.
بأن ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره؛ لأن الأصل في الإنسان أنه لا يعلم، ولهذا قيل للإمام أحمد ﵀: كيف يخلص طلبه للعلم؟ قال: ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره؛ لأن الأصل في الإنسان أنه لا يعلم، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٨]، فطالب العلم إذا أخلص عمله لله فهو على خير عظيم، ولهذا قال العلماء: إن طلب العلم أفضل من نوافل العبادة، أي: أنه لو تعارض طلب العلم مع أداء النوافل كنوافل الصلاة مثل: صلاة الليل أو صلاة الضحى أو الصيام مثل صيام الإثنين والخميس وأيام البيض فإنه يقدم طلب العلم؛ لأنه أفضل منها.
وما ذاك إلا لأن المسلم حينما يطلب العلم فإنه يتبصر ويتفقه في دينه فيعلم الحلال والحرام، وإذا تعلم صار ذلك طريقاً إلى العمل فينقذ نفسه وغيره من الجهل، وهذا من علامة إرادة الله بعبده خيراً، كونه يوجهه إلى طلب العلم ويفقهه في الدين كما ثبت في الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وأنا قاسم والله المعطي).
فهذا الحديث الشريف الذي رواه الشيخان له منطوق ومفهوم، منطوقه: أن من فقهه الله في الدين فقد أراد الله به خيراً، ومفهومه: أن من لم يفقهه الله في الدين لم يرد به خيراً.
وقد تكاثرت النصوص في فضل العلم وطلبه، فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها طائفة أجادب أمسكت الماء فنفع الله به الناس فسقوا وزرعوا، وكان منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله فنفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به).
وثبت في الأحاديث الصحيحة: (أن الملائكة يتتبعون مجالس الذكر فإذا وجدوها قالوا: هذه طلبتكم فيحفونهم)، وثبت أيضاً: أن الله تعالى يغفر لأهل الذكر وأهل العلم في مقدمة أهل الذكر، وأنه يأتي إليهم من ليس منهم فتشمله الرحمة فيقول الرب سبحانه: (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم).
وثبت أيضاً: (العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر)، فهنيئاً لكم حيث وجهكم الله هذه الوجهة الشريفة فأقبلتم على طلب العلم.
وإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، وإخلاص العمل لله والصدق مع الله في إخلاصكم لله في طلبكم للعلم، وعلى طالب العلم أن يحرص كل الحرص في طلب العلم، فيتعلم ويسلك المسالك المتنوعة لطلب العلم من حضور الحلقات في المساجد والدروس العلمية، والالتحاق بالجامعات والكليات والمدارس والمعاهد العلمية، وحضور المحاضرات والندوات، وسماع البرامج المفيدة في إذاعة القرآن وغيرها، وسماع الأشرطة المفيدة النافعة، والقراءة في كتب أهل العلم القديمة والحديثة.
وعلى طالب العلم أن يتحرى قراءة كتب أهل العلم الذين هم على عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة، وليحذر من القراءة في كتب أهل البدع والضلال.
ومن سبل العلم أيضاً سؤال العلماء والاتصال بهم والأخذ عنهم، وعلى طالب العلم أن يعمل بعلمه، فإن عمله بالعلم يجعله من أهل الصراط المستقيم الذين أنعم الله عليهم، فمن الله عليهم بالعلم والعمل، وكذلك يكون سبباً لحفظه وبقائه كما قيل: العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل فعلى طالب العلم أن يتخلق بالأخلاق الفاضلة أخلاق أهل العلم، ويحذر من الانحراف والزيغ في معتقده أو في عمله أو مشابهة أهل البدع والضلال، وأن يكون قدوة حسنة في اعتقاده، وفي عمله، وفي أخلاقه، وفي معاملته مع الناس، وأن يقتدي بالعلماء الربانيين كالصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة الأعلام كشيخ الإسلام أحمد بن تيمية صاحب هذه الرسالة العظيمة، وغيره من أهل العلم كالشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب.
стр. 4
التعريف بالإمام ابن تيمية
وهذه الرسالة ألفها شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني المولود سنة إحدى وستين وستمائة من الهجرة، والمتوفى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة ﵀ رحمة واسعة، هذا الإمام المجاهد الصابر الذي أظهر معتقد أهل السنة والجماعة بعد اندثاره، وأظهر الله به الحق، وقمع به أهل الشرك والبدع والضلال، وتتلمذ على يديه أئمة فحول من أبرزهم تلميذه العلامة ابن القيم الجوزية رحمة الله عليه.
فهذا الإمام الذي أحيا الله به السنة، والذي قارع أهل البدع وأبطل شبههم، فقد قال في كتابه بيان موافقة الصريح المعقول للصحيح المنقول: أنا كفيل بأن أجعل كل دليل يستدل به أهل الباطل حجة عليهم، أي: أبين لهم أن هذا الدليل الذي يستدلون به دليل عليهم، رحمة الله عليه.
стр. 5
اقتداء ابن تيمية بالنبي ﷺ في كتابة الرسائل
هذه الرسالة سميت بالوصية الكبرى، وذلك لتوسعه في بيان ما تشمله العقائد والأعمال والأحوال، وله رسالة أخرى تسمى الوصية الصغرى، فوجه الإمام ﵀ هذه الرسالة إلى عموم المسلمين، فقال رحمة الله عليه: قوله رحمه الله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم).
الشيخ الإمام ﵀ افتتح كتابه بالبسملة تأسياً بالكتاب العزيز، فإن الله افتتح كتابه بالبسملة ثم ابتدأه بالحمد والثناء على الله ثم قال: (من أحمد بن تيمية إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين) اقتدى بالنبي ﷺ في كتابته ورسائله إلى الملوك ورؤساء القبائل والعشائر وغيرهم، فإنه ﵊ لما كتب الكتاب إلى هرقل عظيم الروم قال: (من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى.
أما بعد: أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤])، فإن النبي ﷺ بدأ بذكر اسمه فقال: (من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم)، وشيخ الإسلام اقتدى بالنبي ﷺ فقال: (من أحمد بن تيمية إلى من أرسل إليه هذا الكتاب).
فكان هذا الإمام يتأسى بالنبي ﷺ في كل شيء.
إذاً: هذه الوصية لعموم المسلمين وسميت بالوصية الكبرى لتوسعه ﵀ فيها، وتفصيله في بيان ما تشتمل عليه، كأصول الإيمان وأصول الدين ثم توسع فيها فقال: (من أحمد بن تيمية إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين المنتسبين إلى السنة والجماعة)، ثم خصص فقال: (المنتمين إلى جماعة الشيخ العارف القدوة أبي البركات عدي بن مسافر الأموي ﵀ ومن نحا نحوهم).
فكأنه وجه هذه الرسالة إلى جماعة الشيخ العارف القدوة أبي البركات عدي بن مسافر الأموي، لأنهم طلبوا منه أن يكتب لهم هذه الرسالة، أو لأنه رأى أن يوجه الخطاب إليهم لعنايته بهم، وكونه يريد أن يخصهم بهذه الوصية؛ لأنه ﵀ رأى أنهم على معتقد أهل السنة والجماعة فأراد أن يزودهم، ولم يقدر لي أن أطلع على ترجمة أبي البركات عدي بن مسافر الأموي حتى يتبين معتقده هل عليه مؤاخذات في العقيدة أو لا؟ والمؤلف ﵀ وجه الخطاب إلى عموم المسلمين، ثم خص بعد التعميم، فوجه الخطاب إلى جماعة أبي البركات عدي بن مسافر ﵀ ودعا لهم، وهذا من نصحه ﵀، أنه يعلم ويدعو، وكذلك الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ فإنه يعلم ويدعو، يقول في رسائله: (اعلم -أرشدك الله لطاعته- أن الحنفية ملة إبراهيم أن تعبد الله مخلصاً له الدين).
ويقول: (أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة وأن يجعلك مباركاً حيثما كنت، وأن يجعلك ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر) فهؤلاء العلماء الربانيون يعلمون الناس ويدعون لهم وهذا من نصحهم، فالشيخ الإمام أحمد بن تيمية ﵀ وجه هذه الوصية العظيمة لعموم المسلمين ودعا لهم بالتوفيق فقال: (وفقهم الله لسلوك سبيله)، لأن الله إذا وفق العبد، فإنه يسلك سبيل الحق، وإذا لم يوفقه بأن يخذله فإنه يكله إلى نفسه، ولا يكله إليه، فالتوفيق من الله.
стр. 6
خصوصية المؤمن
لله تعالى نعمة دينية خص بها المؤمن دون الكافر قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٧ - ٨]، خلافاً للمعتزلة والقدرية الذين يقولون: إن الله تعالى بين طريق الخير وطريق الشر لأهل الإيمان ولأهل الكفر على حد سواء، وليس للمؤمن خصوصية، وهذا من أبطل الباطل، وأهل الإيمان قد وفقهم الله لسلوك سبيله، وهو الصراط المستقيم، أي: العمل بالكتاب والسنة، وهو ما جاء من الرسول ﵊، وهو اتباع شرع الله ودينه، والعمل بكتابه وسنة نبيه محمد ﷺ .
وقوله ﵀: (وأعانهم على طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، هذا دعاء آخر فيه بيان أن الإعانة من الله، وأن من لم يعنه الله فإنه لا يتمكن من طاعة الله وطاعة رسوله.
إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة أن الله تعالى يعين المؤمن، بخلاف المعتزلة والقدرية فلا يقولون بذلك بل يقولون: ليس لله إعانة لأحد، فالمؤمن يختار الخير بنفسه من دون إعانة، والكافر يختار الشر بنفسه من دون خذلان، وهذا من أبطل الباطل، فالله تعالى يعين المؤمن، ويخذل الكافر.
وقوله رحمه الله تعالى: (وجعلهم معتصمين بحبله المتين).
هذا دعاء ثالث، وحبل الله المتين هو دين الله وشرعه، كما قال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣].
ومن اعتصم بحبل الله فهو من الناجين.
وقوله ﵀: (مهتدين لصراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) هذا وصف، يعني: جعلهم مهتدين لصراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهذا هو طريق المنعم عليهم بالعلم والعمل، فصاروا معتصمين بحبل الله مهتدين لصراطه المستقيم.
قال الله تعالى في كتابه المبين: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩].
стр. 7
طوائف أهل الضلال والاعوجاج
قوله رحمه الله تعالى: (وجنبهم طريق أهل الضلال والاعوجاج، الخارجين عما بعث الله به رسوله ﷺ من الشرعة والمنهاج).
جنبهم أي: جعلهم في جانب، وأهل الضلال في جانب آخر، والمعنى: جعلهم بعيدين متجنبين لطريق أهل الضلال والاعوجاج، الخارجين عما بعث الله به رسوله من الشريعة والمنهاج، وأهل الضلال والاعوجاج طائفتان: الطائفة الأولى: المغضوب عليهم الذين علموا ولكنهم لم يعملوا بعلمهم، ويدخل في ذلك اليهود دخولاً أولياً، وكل من فسد من علماء هذه الأمة.
الطائفة الثانية: الضالون وهم الذين لم يتعلموا، وإنما عملوا على جهل وضلال، وليس على بصيرة، كالصوفية والزهاد الذين يتخبطون في الظلمات من دون بصيرة ولا علم.
وقد أمرنا ربنا أن ندعو في كل ركعة من ركعات الصلاة بأن يهدينا صراط المنعم عليهم، وأن يجنبنا طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين، وذلك في سورة الفاتحة التي هي ركن في كل ركعة من ركعات الصلاة قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧].
هذا الدعاء أنفع دعاء وأعظمه وأجمعه، وحاجة العبد إلى هذا الدعاء أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب، بل أعظم من حاجته إلى النفس الذي يتردد بين جنبيه؛ لأنه إذا فقد الطعام والشراب والنفس مات، والموت لابد منه، ولا يضر الإنسان كونه يموت إذا كان مستقيماً على صراط الله ودينه، لكن إذا فقد الهداية مات قلبه وروحه فصار إلى النار والعياذ بالله، فأيهما أشد موت القلب أو موت البدن؟ وقد قسم الله تعالى الناس إلى ثلاثة أقسام: منعم عليهم، ومغضوب عليهم، وضالون.
وقوله ﵀: (حتى يكونوا ممن أعظم الله عليهم المنة بمتابعة الكتاب والسنة) هذا دعاء لهم أن يوفقهم الله لسلوك سبيله، وأن يعينهم على طاعته، وأن يجعلهم معتصمين بحبله، مهتدين لصراطه، وأن يجنبهم طريق أهل الضلال حتى يكونوا بذلك ممن أعظم الله عليهم المنة بمتابعة الكتاب والسنة، وهذا فيه دليل على أن من اتبع الكتاب والسنة فإن الله تعالى قد أعظم عليه المنة، كما قال في المؤمنين: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٧ - ٨]، فهي منة من الله ليس لك حول ولا قوة، فلست أنت الذي هديت نفسك كما تزعمه الجبرية والقدرية والمعتزلة فإنهم يقولون: الإنسان هو الذي هدى نفسه، وهو الذي أضل نفسه، وهذا من أبطل الباطل فمن اتبع الكتاب والسنة فإن الله قد أعظم عليه المنة، وأنعم عليه بنعمة دينية خصه بها دون غيره ممن خذله.
إذاً: متابعة الكتاب والسنة ليست بحولك ولا بقوتك، ولكنها منة من الله ونعمة.
стр. 8
الفرق بين قوله تعالى: (فقالوا سلاماً) و (قال سلامٌ)
قوله ﵀: (سلام عليكم ورحمة الله وبركاته).
السلام موجه إلى جميع المسلمين، يقال: سلام بالتنكير، ويقال: السلام بالتعريف، كما قال الله تعالى عن إبراهيم لما سلمت عليه الملائكة: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ﴾ [الذاريات:٢٥]، قال العلماء: إن سلام إبراهيم أبلغ من سلام الملائكة، لأن سلام الملائكة جملة فعلية، والتقدير: نسلم عليك سلاماً، والجملة الفعلية تفيد الحدوث والتجدد، أما سلام إبراهيم فهو جملة اسمية والتقدير: عليكم سلام والجملة الاسمية تفيد الدوام والاستمرار والثبوت، فالجملة الاسمية أبلغ من الجملة الفعلية؛ فكان سلام الملائكة بذلك أقل.
وقوله: (سلام عليكم) جملة مكونة من مبتدأ وخبر، ويجوز في السلام التنكير والتعريف، تقول: سلام عليكم، والسلام عليكم.
стр. 9
فائدة كلمة (أما بعد)
قوله رحمه الله تعالى: (وبعد).
الغالب على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه يقول: أما بعد، وهذه الكلمة يؤتى بها للفصل للدخول في صلب الموضوع بعد الإتيان بخطبة الكتاب ويقال: وبعد، وكان النبي ﷺ كثيراً ما يأتي بها في خطبته في يوم الجمعة ﵊ فيقول: (أما بعد: فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) فكان شيخ الإسلام يقتدي بالنبي ﷺ ، أما قوله: وبعد فإنه اختصرها.
واختلف في أول من قال: أما بعد، قيل: أول من قالها داود ﵊، وقيل: أول من قالها قس بن ساعدة الإيادي، والنبي ﷺ كان يستعملها في خطبه.
стр. 10
تعريف الحمد، والفرق بينه وبين المدح
قوله ﵀: (فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير).
الحمد: هو الثناء على المحمود بصفاته الاختيارية، مع حبه وإجلاله وتعظيمه، فإن خلا عن الحب والإجلال صار مدحاً، فالمدح والحمد يشتركان في الثناء بالصفات والأفعال، فإذا كان مع الثناء حب وإرادة وإجلال فهو الحمد، وإن خلا عن الإرادة والحب والإجلال فهو المدح، فأنت تثني على الأسد بأنه قوي العضلات، وقوي الهجوم، وهو ملك الحيوانات، لكنك لا تحبه فيسمى هذا مدحاً، ولا يسمى حمداً، فإن كان معه إرادة ومحبة صار حمداً، ولهذا جاء الثناء على الرب بالحمد، قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، والله لفظ الجلالة وهو الله أعرف المعارف: علم على ربنا ، وهو مشتمل على الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين.
стр. 11
اشتقاق أسماء الله
كل أسماء الله مشتقة ومشتملة على صفات، فالرحمن مشتمل على صفة الرحمة، والعليم مشتمل على صفة العلم، والقدير مشتمل على صفة القدرة، وهكذا، فجميع الصفات مشتملة على الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين.
стр. 12
إعراب كلمة لا إله إلا الله ومعناها
إعراب كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) على النحو التالي: لا: نافية للجنس من أخوات إن تنصب الاسم وترفع الخبر، وإله اسمها، والخبر محذوف تقديره حق، والإله: هو المعبود، والمعنى: لا معبود حق إلا الله، وهذا خلاف ما عليه أهل البدع من الأشاعرة الذين يفسرون الإله بأنه القادر على الاختراع، فيقولون: معنى لا إله إلا الله: لا خالق إلا الله، أو لا قادر إلا الله، وهذا من أبطل الباطل؛ لأنه لو كان معنى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله): لا خالق إلا الله، لما حصل نزاع بين النبي ﷺ وبين المشركين، فإن المشركين يقولون: لا خالق إلا الله، لا قادر على الاختراع إلا الله، فهم يقرون بذلك، فلو كان معنى: لا إله الله كما يقوله أهل البدع: لا خالق إلا الله؛ لصالح النبي ﷺ المشركين ولصار بينه وبينهم موافقة، لأنهم مقرون بأنه لا خالق إلا الله، لكنهم يأبون أشد الإباء أن يفردوا الله بالعبادة، ولا يتبين عظمة هذه الكلمة التي تنفي الشرك وتبطل عبادة جميع الآلهة إلا إذا فسر الله بالمعبود، وقدر الخبر بأنه حق، أي: لا معبود حق إلا الله، والآلهة الموجودة التي عبدت من دون الله كثيرة، فالشمس إله لبعض الناس وقد عبدت، والقمر إله لبعض الناس، والنجم إله لبعض الناس، والبشر والحجر والنجوم والكواكب والجن والملائكة كلها عبدت من دون الله، وهذه العبادات كلها باطلة، والعبادة بالحق هي عبادة الله، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢].
وقال سبحانه: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود:١٠١]؛ لأنها آلهة باطلة، قال سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:١ - ٦]، إذاً: الكفار يعبدون معبودات لكنها باطلة، ولهم دين، لكنه باطل: ((لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)).
وقال سبحانه عن أهل الكتاب: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران:٧٣]، إذاً: هم على دين، لكنه باطل، ولهم عبادة وآلهة لكنها آلهة باطلة، فكلمة لا إله إلا الله تبطل جميع الآلهة المعبودة من دون الله، وتثبت الإلهية لله ، وهي مشتملة على نفي وإثبات، مشتملة على البراءة من كل معبود سوى الله وهذا هو الكفر بالطاغوت، ومشتملة على الإيمان بالله وتوحيد الله، فكلمة التوحيد فيها كفر وإيمان، كفر بالطاغوت في قولك: لا إله، وإيمان بالله في قولك: إلا الله، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦].
ومعنى الكفر بالطاغوت هو البراءة من عبادة كل ما سوى الله، واعتقاد بطلانها ونفيها وإنكارها.
стр. 13
مذهب المعتزلة والقدرية في المشيئة
وقوله ﵀: (هو للحمد أهل وهو على كل شيء قدير).
أي: الله للحمد أهل؛ لأنه هو الذي أوجدنا من عدم، وهو الذي خلقنا ولم نك شيئاً مذكوراً، ومن علينا بالنعم العظيمة وهدانا للإسلام، وأعطانا السمع والبصر والفؤاد، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، فهو أهل الحمد ، وهو أهل التقوى وأهل المغفرة، وهو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، كل شيء هو داخل تحت قدرة الله تعالى، بخلاف المعتزلة فإنهم لا يقولون: وهو على كل شيء قدير، بل يقولون: وهو على ما يشاء قدير، فإذا وجدت في بعض الكتب وهو على ما يشاء قدير، فاعلم أن هذا يتمشى مع مذهب المعتزلة والقدرية؛ لأنهم يقولون: إن الله يقدر على ما يشاء، أما الذي لا يشاؤه فلا يقدر عليه، وهي الأفعال فأفعال العباد يخرجونها من قدرة الله ومشيئته.
ويقولون: إن العباد أرادوا أفعالهم من الكفر والإيمان والطاعة والمعصية وخلقوها استقلالاً من دون الله، والله ما أراد أفعال العباد، ولا شاءها ولا خلقها، بل العباد هم الذين أوجدوها بأنفسهم استقلالاً، وقصدهم من ذلك أن يفروا بزعمهم من القول بأن الله خلق المعاصي وعذب عليها فلا يكون ظالماً؛ لأنهم قالوا: لو قلنا: إن الله خلق المعاصي وعذب عليها كان ظالماً، وشراً من ذلك قولهم: إن العباد هم الذين خلقوا أفعالهم من طاعات ومعاصي مستقلين، وهذا من أبطل الباطل، ولذلك قال تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠] فكل ما يسمى شيئاً فالله عليه قدير، ولا يقال: ممتنع ومستحيل كالجمع بين النقيضين فيقال: هل يقدر الله على الجمع بين النقيضين، وهو كون الشيء موجوداً معدوماً في نفس الوقت أو لا؟ فهذا ليس بشيء؛ لأنه في نفسه متناقض، بعضه ينقض بعض فالممتنع والمستحيل لذاته لا يسمى شيئاً، فلا يقال: إنه داخل تحت القدرة أو ليس داخلاً؛ لأنه لا يسمى شيئاً.
стр. 14
معنى صلاة الله على نبيه محمد ﷺ
قوله ﵀: (ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين وسيد ولد آدم ﷺ .
ونسأل الله أن يصلي على خاتم النبيين، محمد رسول الله ﷺ ، الذي ليس بعده نبي، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، فمن اعتقد أن بعده نبي فهو كافر بإجماع المسلمين، وكذلك من زعم أن رسالته خاصة بالعرب، أو أنه ليس برسول إلى العرب والعجم، أو أنه ليس رسولاً إلى الجن، بل هو رسول الله إلى العرب والعجم والجن والإنس، قال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ:٢٨]، وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١] وهذا عام، وقال سبحانه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩].
فرسالة نبينا محمد ﷺ رسالة عامة لجميع الثقلين الجن والإنس، العرب والعجم، وأصح ما قيل في صلاة الله على نبيه، ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي العالية أنه قال: صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى.
ومنهم من قال: الصلاة بمعنى الرحمة، ومنهم من قال: إنها تشمل الرحمة والثناء جميعاً، ورسول الله ﷺ هو سيد ولد آدم، وآدم أبو البشر خلقه الله من طين، وخلق ذريته من ماء مهين، وهو النطفة المكونة من ماء الرجل وماء المرأة عندما يلتقيان في الرحم، وماء الرجل يخرج من الصلب، وماء المرأة يخرج من الترائب وهي: عظام الصدر، فيجتمعان فيخلق الله منه الولد، قال الله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق:٧] وسائر بني آدم مخلوقون من ماء الرجل وماء المرأة إلا عيسى ﵇ فإنه خلق من أم بلا أب، فقد أمر الله جبريل أن ينفخ في جيب درع مريم، فولجت النفخة إلى فرجها فحملت بإذن الله، قال الله : ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم:١٢] أي: النفخ كان في الفرج.
وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم:١٦ - ١٩]، وآدم مخلوق من تراب خلط بالماء فصار طيناً، ثم يبس فصار صلصالاً كالفخار له صلصلة وصوت، وسيد ولد آدم هو رسول الله ﷺ ، كما قال ﵊ في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، وهذا إخبار عن مكانته ومنزلته عند الله؛ لأنه ليس بعده نبي يخبرنا، وقوله ﷺ : (ولا فخر) تواضع منه ﵊.
стр. 15
معنى سلام الله على رسول الله ﷺ
قوله رحمه الله تعالى: (وسلم).
هذا دعاء له بالسلامة من النقائص والعيوب.
وفي هذا دليل على أنه ﵊ ليس رباً وليس إلهاً؛ لأنه يدعى له بالسلامة فهو محتاج إلى ربه، ومن يدعى له بالسلامة لا يدعى من دون الله، بخلاف الرب والإله فلا يدعى له بالسلامة، ولهذا ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله من عباده، السلام على جبريل وميكائيل، فقال النبي ﷺ : لا تقولوا هكذا: السلام على الله؛ فإن الله هو السلام ومنه السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته).
فكان الصحابة يقولون: السلام على الله، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك، فليس فوقه أحد حتى يسلم عليه، والذي يدعى له بالسلامة ناقص، والله كامل لا يحتاج إلى أحد، وليس فوقه أحد حتى يدعى له بالسلامة، بخلاف النبي ﷺ فإنه مخلوق محتاج للدعاء، فهو نبي كريم، يطاع ويتبع ويعظم، وتصدق أوامره، وأخباره، وتجتنب نواهيه، لكنه لا يعبد، فالعبادة حق الله .
стр. 16
أعلى درجة في الجنة
قوله رحمه الله تعالى: (وأكرم الخلق على ربه وأقربهم إليه زلفى).
نبينا محمد ﷺ أكرم الخلق على الله، وأقربهم إليه قربى، وأعظمهم عنده درجة، فأعلى درجة في الجنة هي درجة نبينا محمد ﷺ ، وهي الوسيلة كما جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون ذلك هو، فمن سأل الله لي الوسيلة فقد حلت له شفاعتي يوم القيامة)، ولهذا يشرع للمسلم أن يقول مثل ما يقول المؤذن، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يقول: (اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته).
وبعض العامة يزيد في الدعاء فيقول: آت محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، وهذا غلط؛ لأن الدرجة الرفيعة هي الوسيلة، فهذا تكرار، وكذلك بعضهم يزيد يزيد في دعاء الاستفتاح: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، فيقول: ولا معبود سواك، وهي بمعنى: لا إله غيرك، فهذا تكرار وزيادة! فالعامة ليس عندهم بصيرة.
стр. 17
معنى (محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً)
قوله رحمه الله تعالى: (وأعظمهم عنده درجة محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً).
ألهم الله أهل محمد ﷺ أن يسموه محمداً، لكثرة خصاله الحميدة التي يحمد عليها، وهو عبد الله ورسوله، وأشرف مقامات النبي ﷺ العبودية الخاصة والرسالة، والعبودية تنقسم إلى قسمين: عبودية عامة، وعبودية خاصة، فالعبودية العامة تشمل جميع المخلوقات أي: أنها مربوبة مسيرة، تنفذ فيها قدرة الله ومشيئته وإرادته، فجميع المخلوقات في السماوات والأرض عبيد لله، قال الله سبحانه: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣].
أما العبودية الخاصة فهي خاصة بالمؤمنين الموحدين الذين يعبدون الله طوعاً باختيارهم فيصلون ويصومون ويحجون ويزكون فالعبودية الخاصة تقتصر على الطوع والاختيار، أما العبودية العامة فليس فيها اختيار، فالعبد فيها مربوب شاء ذلك أم أبى، وتنفذ فيه قدرة الله، فإذا نزل به المرض أو الموت أو الفقر فإنه لا يستطيع دفع ذلك.
قوله رحمه الله تعالى: (وعلى آله).
اختلف العلماء في معنى الآل، وأصح ما قيل فيه: إن المراد بآله أتباعه على دينه، فيدخل في ذلك دخولاً أولياً أهل بيته وذريتهم المؤمنون، وزوجاته وصحابته.
وقوله رحمه الله تعالى: (وصحبه).
هذا تخصيص لهم، فكأنه سأل الله أن يصلي على الصحابة مرتين: مرة بالعموم لدخولهم في الآل، ومرة بالخصوص، والصحابي: هو الذي لقي النبي ﷺ مؤمناً ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة على الأصح، فلو ارتد ثم أسلم، ومات على الإسلام فلا يضر الصحبة، وتثبت له أعماله فلا تحبط بخلاف ما إذا ارتد والعياذ بالله، ثم مات على الردة فإنه تبطل صحبته وتحبط جميع أعماله، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧].
وقوله ﵀: (وسلم تسليماً كثيراً) هذا مصدر للتأكيد، ثم وصف بقوله: كثيراً.
وقوله ﵀: (أما بعد) هذه الكلمة قالها المؤلف ﵀ لأنه دخل في صلب الموضوع، بخلاف الكلمة الأولى فإنه قال: وبعد.
стр. 18
أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحق
قوله رحمه الله تعالى: (فإن الله بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً).
هذا اقتباس من قوله في سورة الفتح: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨].
ومحمد هو رسول الله ، بعثه الله إلى الخلق كافة.
الهدى هو العلم النافع الذي جاء به ﵊ من الوحي الذي أنزله الله عليه، وهو القرآن بواسطة جبرائيل، قال سبحانه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٤].
وكذلك السنة، فإنها وحي ثانٍ، كما قال : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، والقرآن كلام الله باللفظ والمعنى، والسنة تنقسم إلى قسمين: أحاديث قدسية، وأحاديث غير قدسية.
فالأحاديث القدسية لفظها ومعناها من الله فهي مثل القرآن، ولهذا يرويه النبي ﷺ عن ربه، كما في حديث أبي ذر عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه أن الله تعالى قال: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم)، إلى آخر الحديث.
وكذلك حديث: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه).
وهنالك أحكام خاصة يختلف فيها الحديث القدسي عن القرآن: فالقرآن متعبد بتلاوته، والحديث القدسي غير متعبد بتلاوته، القرآن لا يمسه إلا المتوضئ، والحديث القدسي يمسه غير المتوضئ، القرآن معجز بلفظه، والحديث القدسي غير معجز بلفظه، والقرآن يتفاضل بعضه أفضل عن بعض، مثل سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فإنها تعدل ثلث القرآن.
أما الأحاديث غير القدسية فهي من الله معنى، ومن الرسول ﷺ لفظاً.
وفي بعض كتب أصول التفسير كالإتقان للسيوطي وغيره ذكر أن الحديث القدسي لفظه من النبي ﷺ ؛ وهذا يتمشى مع مذهب الأشاعرة الذين يرون أن كلام الله معنى قائم بنفسه ليس بحرف ولا صوت، ولم يسمع جبريل منه شيء، ولكن الله اضطر جبريل، ففهم المعنى القائم بنفسه، فعبر بهذا القرآن، فهو كلام جبريل، أما الله فلم يتكلم بحرف ولا صوت، ومن الأشاعرة من يقول: إن الذي عبر به هو محمد وليس جبريل، ومنهم من يقول: إن جبريل أخذ القرآن من اللوح، فهذه ثلاثة أقوال للأشاعرة وكلها أقوال باطلة، والصواب: أن القرآن كلام الله لفظاً ومعنىً، وأن الله تكلم به، فسمعه جبرائيل من الله، ثم أنزله على قلبه ﷺ .
وقوله ﵀: (ودين الحق) هو العمل الصالح، فالله تعالى بعث محمداً بالعلم النافع والعمل الصالح.
وقوله رحمه الله تعالى: (ليظهره على الدين كله).
أي: ليجعله عالياً مرتفعاً منصوراً على جميع الأديان.
وقوله رحمه الله تعالى: (وكفى بالله شهيداً): وكفى به شهيداً وحاضراً وكفيلاً بأن يظهر دين الإسلام على جميع الأديان ويجعله عالياً ظاهراً منصوراً.
стр. 19
أنزل الله الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه
قوله ﵀: (وأنزل عليه الكتاب بالحق).
أنزل عليه الكتاب وهو القرآن العزيز، وهو أفضل الكتب وخاتمها وآخرها والمهيمن عليها، أنزله بالحق لا بالباطل، لهداية الناس وإرشادهم وتبصيرهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور، كما قال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم:١].
وهو شفاء لما في الصدور، قال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت:٤٤].
وقوله رحمه الله تعالى: (مصدقاً لما بين يديه من الكتاب) أي: مصدقاً لما تقدمه من الكتب السابقة، فالكتاب جنس يشمل جميع الكتب السابقة، كالتوراة والإنجيل والزبور، وكل كتاب أنزله الله فالقرآن يصدقها وكتب الله متضامنة يصدق بعضها بعضاً ويوافق بعضها بعضاً.
وقوله رحمه الله تعالى: (ومهيمناً عليه) يعني: هذا القرآن مهيمن على الكتب السابقة، وناسخ لها، وحاكم عليها.
стр. 20
إكمال الدين وإتمام النعمة
قوله ﵀: (وأكمل له ولأمته الدين).
أي: أكمل الله لهذا النبي الكريم وهو محمد ﷺ له ولأمته الدين، فالدين كامل ليس فيه نقص، ولا يحتاج إلى زيادة، كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣].
وقوله رحمه الله تعالى: (وأتم عليهم النعمة) أي: أتم الله عليهم النعمة بهدايتهم إلى الصراط المستقيم حيث أنزل عليهم هذا الكتاب العظيم، وأرسل إليهم هذا الرسول العظيم.
ولهذا أنزل الله على نبيه الكريم هذه الآية يوم عرفة في حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
وقد ثبت أن يهودياً قال لـ عمر بن الخطاب ﵁: آية في كتابكم لو أنها أنزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا يومها عيداً، قال عمر: أي آية هذه؟ فقال اليهودي: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فقال عمر: (إني لأعلم المكان الذي نزلت فيه، واليوم الذي نزلت فيه؛ نزلت على النبي ﷺ في حجة الوداع في مكة في يوم عرفة وكان يوم جمعة) فيوم الجمعة عيد لنا، ويوم عرفة عيد لنا، والمكان مكان شريف، والآية عيد لنا بحمد الله.
стр. 21
الخيرية في أمة محمد ﷺ
قوله رحمه الله تعالى: (وجعلهم خير أمة أخرجت للناس).
هذه الأمة جعلها الله خير أمة أخرجت للناس، أي: خير الأمم، لكن هذه الخيرية مقيدة بما وصف الله به هذه الأمة في قوله في سورة آل عمران: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، بهذه الصفات كانوا خير أمة أخرجت للناس، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، وقدم الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لعظم شأنهما وأهميتهما، وإلا فإن الإيمان مقدم؛ لأنه أصل الدين وأساس الملة، فمن تحققت فيه هذه الصفات حصلت له الخيرية، ومن فاتته هذه الصفات فاتته الخيرية.
وقوله رحمه الله تعالى: (فهم يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله) جاء في حديث عن النبي ﷺ أنه قال: (أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها)، وفي رواية: (إنكم توفون سبعين أمة يوم القيامة أنتم خيرها وأكرمها على الله) أي: هذه الأمة توفي سبعين أمة، وهذه الأمة هي خير الأمم وأكرمها على الله ، وهذا بفضل الله تعالى وإحسانه إلى هذه الأمة حيث كان نبيها خير الأنبياء وآخرهم.
قال: (وجعلهم أمة وسطاً) أي: عدلاً وخياراً عدلاً جمع عادل، والوسط يأتي بمعنى الشيء الذي يكون بين الطرفين، ويأتي بمعنى الخيار، فالمراد بالوسطية هنا الخيرية، وهذا مأخوذ من قول الله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣].
стр. 22
معنى قوله تعالى: (لتكونوا شهداء على الناس)
قوله رحمه الله تعالى: (ولذلك جعلهم شهداء على الناس).
أي: بكونهم عدلاً خياراً صاروا شهداء على الناس، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]؛ لأن الشهادة تتطلب العدالة فهذه الأمة لما كانت موصوفة بالعدالة، والخيرية صارت تشهد على الناس، وبيان ذلك ما ثبت في الحديث: (أنه يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته)، فتأتي هذه الأمة وتشهد على الناس، تشهد أن نوحاً بلغ أمته فتقول أمته: كيف عرفتم أن نوحاً بلغنا وأنتم لم تحضروا؟ فيقولون: أنزل الله علينا كتاباً وأخبرنا أن نوحاً بلغ فشهدنا، وكذلك الأنبياء كلهم فإنهم يسألون: هل بلغتم؟ فيقولون: نعم.
فتنكر أممهم فيقولون: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فتأتي هذه الأمة وتشهد للأنبياء أنهم قد بلغوا، ثم يأتي نبينا محمد ﷺ ويشهد عليها، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣].
وقوله رحمه الله تعالى: (هداهم لما بعث به رسله جميعهم من الدين الذي شرعه لجميع خلقه، ثم خصهم بعد ذلك بما ميزهم به وفضلهم من الشرعة والمنهاج الذي جعله لهم).
أي: أن الله تعالى هدى هذه الأمة لما بعث به رسله جميعهم إلى الدين، فإن الدين الذي شرعه لجميع خلقه هو أصول الأديان الذي جاءت بها الأنبياء جميعاً، وهو توحيد الله وإخلاص العبادة له، والتحذير من الشرك، والإيمان بالرسل والكتب المنزلة، والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره، قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣].
وهذه الأمة هداها الله لهذا، ثم خصهم بما ميزهم به وفضلهم من الشرعة والمنهاج الذي جعله لهم، وهو ما جاء به محمد ﷺ من الشريعة الخاصة كما قال سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨].
فدين الإسلام هو دين الأنبياء جميعاً، وهو دين الله في الأرض والسماء، والأنبياء كلهم دينهم واحد وهو التوحيد، والتوحيد هو الإسلام بمعناه العام، فالإسلام في زمن آدم هو توحيد الله وما جاء به آدم من الشريعة والمنهاج، والإسلام في زمن نوح هو توحيد الله وما جاء به نوح من الشريعة والمنهاج، والإسلام في زمن هود توحيد الله وما جاء به هود من الشريعة والمنهاج، والإسلام في زمن صالح توحيد الله وما جاء به صالح من الشريعة والمنهاج، والإسلام في زمن إبراهيم توحيد الله وما جاء به إبراهيم من الشريعة والمنهاج، والإسلام في زمن موسى توحيد الله وما جاء به موسى من الشريعة والمنهاج، والإسلام في زمن عيسى توحيد الله وما جاء به عيسى من الشريعة والمنهاج، والإسلام في زمن محمد ﷺ هو توحيد الله وما جاء به محمد ﷺ من الشريعة والمنهاج الذي جعله الله تعالى له.
стр. 23
شرح الوصية الكبرى لابن تيمية [٢]
لقد دعا الله عباده المؤمنين في كتابه وسنة نبيه ﷺ إلى التمسك بأصول شرائع الدين، وأخبر أن هذا هو دأب الصالحين من سلف هذه الأمة، وأعظم شرائع الدين هو التوحيد، الذي هو حق الله على العبيد، كذلك الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره إيماناً مجملاً ومفصلاً، وهذه الواجبات والتمسك بها هو المعيار الحقيقي للتفاضل بين العباد بين يدي الجبار ﷻ .
стр. 24
التوحيد أعلى أصول الإيمان وأفضلها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فالأول مثل أصول الإيمان وأعلاها وأفضلها هو التوحيد، وهو شهادة أن لا إله إلا الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥].
وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى:١٣].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥١ - ٥٢]].
ذكر المؤلف ﵀ في المقدمة أن الله جعل هذه الأمة وسطاً أي: عدلاً خياراً، وجعلهم شهداء على الناس، وهداهم لما بعث به رسله من الدين الذي شرعه لجميع خلقه، ثم خصهم بعد ذلك فيما ميزهم به، وفضلهم من الشرعة والمنهاج.
ثم قال: فالأول: مثل أصول الإيمان، والأول: المراد به الدين الذي شرعه لجميع الخلق، وهداية الله لهذه الأمة لما بعث به رسله من الدين الذي شرعه لجميع خلقه مثل أصول الإيمان.
وأما الثاني: وهو ما ميزهم به وفضلهم من الشريعة والمنهاج، وهذا سيأتي ذكره، وأما الثاني: فكما أنزله في السور المدنية من شرائع دينه.
إذاً: فقد هدى الله هذه الأمة لما بعث به رسله من الدين الذي شرعه لجميع خلقه، مثاله: أصول الإيمان، والإيمان بجميع الكتب المنزلة، والإيمان باليوم الآخر، وأصول الشرائع، وهذا مثال للدين الذي شرعه لجميع خلقه الذي هدى الله له هذه الأمة.
مثال الدين الذي شرعه الله لجميع خلقه وهدى هذه الأمة له، الدين الذي شرعه الله لجميع خلقه وبعث به رسله، مثاله: أصول الإيمان، والإيمان بجميع الكتب المنزلة، والإيمان باليوم الآخر، ومثل: أصول الشرائع.
أما الأمر الثاني الذي خصهم به بعد ذلك فهو: فيما ميزهم به وفضلهم من الشريعة والمنهاج، والذي جعل لهم مثاله، أي: مثال ما خصهم به، وفضلهم من الشريعة والمنهاج، سيأتي في قول المؤلف ﵀: [وأما الثاني: فما أنزله الله في السور المدنية لشرائع دينه، وما سنه الرسول ﷺ لأمته].
فهذه الأمة هديت إلى الدين الذي شرعه الله لجميع خلقه وهو الذي بعث به الرسل، وهي أصول: الإيمان، مثل: الإيمان بأصول الإيمان: الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وأعلى أصول الإيمان وأطولها هو: التوحيد، وهو: شهادة أن لا إله إلا الله؛ لأن أصول الدين متفاوتة في الرتبة، فالشهادة لله تعالى بالوحدانية، ولنبيه ﷺ بالرسالة الشهادة المسماة: كلمة التوحيد إذا أطلقت فإنها تدخل فيها الشهادة الثانية، أي: أن شهادة أن لا إله إلا الله إذا أطلقت دخلت فيها شهادة أن محمداً رسول الله؛ لأنهما كلمتان لا تختص إحداهما بدون الأخرى، فمن شهد أن لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمداً رسول الله لم يقبل منه، ومن شهد أن محمداً رسول الله ولم يشهد أن لا إله إلا الله لم يقبل منه، وإذا أطلقت إحداهما دخلت الأخرى فيها ولهذا نفى الله الإيمان عن أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا برسالة نبينا محمد ﷺ ، وإن كانوا يزعمون أنهم آمنوا بالله، قال سبحانه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩].
فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة:٢٩]، فنفى عنهم الإيمان مع أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله، لكن لما لم يشهدوا أن محمداً رسول الله بطلت شهادتهم لله بالوحدانية، فنفى الله عنهم الإيمان.
ولذا فإن أصول الإيمان الذي هو الدين الذي شرعه الله لجميع خلقه، والذي بعث به رسله، هو الإيمان بالله، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب المنزلة، والإيمان بالرسل، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره، وهي أركان الإيمان الستة التي دل عليها الكتاب العزيز التي بينها الله تعالى في كتابه بقوله في آية البر: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧]، فذكر الله في هذه الآية خمسة أصول، والأصل السادس القدر ذكره الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩].
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢].
وذكرت أيضاً هذه الأصول في حديث جبرائيل: (حينما سأل النبي ﷺ عن الإسلام؟ ثم سأله عن الإيمان؟ فقال: الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره).
فهذه أصول الإيمان، وهذه هي أصول الدين، وهذا هو الدين الذي شرعه الله لجميع خلقه، وبعث به رسله، وهدى الله له هذه الأمة، وهذه الأصول الستة جاءت في القرآن العزيز والسنة المطهرة، بل إن الكتب المنزلة كلها جاءت فيها هذه الأصول، والرسل كلهم جاءوا بهذه الأصول، وأجمع المسلمون عليها، ولم يجحدوا أحداً منها إلا من خرج عن دائرة المسلمين وصار من الكافرين، وأعلى هذه الأصول وأفضلها هو: التوحيد، وهو: الشهادة لله تعالى بالوحدانية، والنبي ﷺ برسالته؛ لأن الإيمان بالله هو أصل الدين وأساس الملة، فلهذا صار أعلاها وأفضلها، ولأن الأعمال متوقفة صحتها على هذا الأصل العظيم، وهو الإيمان بالله، فلا يصح أي عمل حتى ينبني على الإيمان بالله وتوحيده .
ثم استدل المؤلف ﵀ بالآيات، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، ومعنى لا إله: أي: لا معبود بحق إلا الله، وقوله هنا: (لا إله إلا أنا فاعبدون)، أي: لا معبود بحق إلا أنا فاعبدوني، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].
وهذه الآية مشتملة على ما اشتملت عليها كلمة التوحيد من النفي والإثبات،: ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل:٣٦] وهذا أمر بالإيمان بالله: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، فقد أمر بالكفر بالطاغوت، ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] ففيها النفي والإثبات كما في كلمة التوحيد، لا إله: معناه: اجتناب الطاغوت، إلا الله: معناه: عبادة الله والإيمان بالله، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]، فقد تضمنت إثبات توحيد الله ، وهذا من تمام النفي، وبيان أن الله تعالى لم يجعل من دونه آلهة.
وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]، وهذا هو الدين الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه، وهي أصول الإيمان، من الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥١ - ٥٢] والشاهد قوله: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥٢]، والمعنى: اتقوني أنا ربكم، إذ هو المعبود وحده بالحق، وقوله فاتقون، التقوى أصلها: توحيد الله، وإخلاص الدين له، ثم الالتزام بشرائع الإسلام.
стр. 25
الإيمان بالكتب والرسل والملائكة مطلوب من جميع الأمم كما هو مطلوب من أمة النبي الخاتم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومثل الإيمان بجميع كتب الله وجميع رسله كما قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٦].
ومثل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى:١٥].
ومثل قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]].
وهذا فيه بيان الأصل الثالث والرابع من أصول الإيمان.
إذ أن الأصل الأول: هو الإيمان بالله، وهو أعلاها وأفضلها.
والأصل الثاني: الإيمان بالملائكة كما جاء في حديث جبريل: (وملائكته).
والأصل الثالث: الإيمان بجميع الكتب، والإيمان بجميع الرسل، فالإيمان بجميع كتب الله التي أنزلها على أنبيائه ورسله، والإيمان بجميع الرسل الذين أرسلهم الله إلى خلقه هو الأصل الثالث، والإيمان بالكتب يكون مفصلاً ومجملاً.
فالمفصل: الإيمان بالكتب التي ذكرت في القرآن العزيز أو في السنة المطهرة، نؤمن بها بأعيانها، مثل: التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وصحف إبراهيم وموسى، فنؤمن بها بأعيانها، وأن لله كتاباً أنزله على موسى بن عمران اسمه: التوراة، وكتاباً أنزله الله على عيسى اسمه الإنجيل، وكتاباً أنزله على داود اسمه: الزبور، وأنزل على موسى صحفاً، وعلى إبراهيم صحفاً.
أما الإيمان بالقرآن فهو إيمان خاص فيه تفصيل: وهو الإيمان بأن القرآن العظيم خاتم الكتب، والمهيمن عليها، والإيمان بأنه أفضلها، ولابد مع ذلك من الإيمان به إجمالاً وتفصيلاً بتصديق أخباره، وتنفيذ أحكامه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والاتعاظ بمواعظة، والانزجار من زواجره، والعمل بمحكمه، والإيمان بمتشابهه، وتحكيمه في كل شيء، وهذا إيمان تفصيلي خاص بالقرآن الكريم.
أما ما لم يذكر من الكتب فنؤمن بها إجمالاً، ونؤمن بأن الله تعالى أنزل كتباً على أنبيائه ورسله، لا يعلم أسماءها وعددها إلا هو .
قوله: (وجميع رسله) أي: الإيمان بجميع الرسل، وهذا هو الأصل الخامس، وهو الإيمان بجميع الرسل إجمالاً وتفصيلاً، تفصيلاً فيما سمى الله في كتابه، نؤمن بهم بأعيانهم، وهم خمس وعشرون ذكروا في سورتي النساء والأنعام، قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء:١٦٣].
وقال في سورة الأنعام: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٨٣ - ٨٦].
فهؤلاء مع نبينا ﷺ خمس وعشرون، وكذلك أيضاً ما ورد في السنة نؤمن بهم بأعيانهم، أما ما لم يذكر في الكتاب ولا في السنة فنؤمن به إيماناً مجملاً، فنؤمن بأن الله تعالى أرسل رسلاً كثيرين إلى خلقه لهدايتهم وإنقاذهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور، لا يعلم أسماءهم وعددهم إلا الله .
ونؤمن بنبينا محمد ﷺ إيماناً تفصيلياً، وهو الإيمان بأنه رسول الله حقاً، وأن رسالته عامة إلى الثقلين الجن والإنس، وأنه آخر الأنبياء فلا نبي بعده، وأن شريعته خاتمة الشرائع ﵊.
وقد ذكر المؤلف ﵀ أدلة كثيرة كقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٦].
وفيه: دليل على الإيمان بالكتب المنزلة: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة:١٣٦] أي: من القرآن والسنة، ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:١٣٦] وهذا فيه الإيمان بالكتب المنزلة غير القرآن والسنة، ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٦].
ومثل قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى:١٥]، وهذا عام، فقوله: (كتاب)، جنس يشمل جميع الكتب.
ومثل قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]، وقوله: (الإيمان بالملائكة وهو الأصل الثاني) فيجب أن نؤمن بهم تفصيلاً وإجمالاً، تفصيلاً: فيما سمى الله في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، فنؤمن بجبريل وميكائيل وإسرافيل؛ لأنهم سموا، كما نؤمن بملك الموت، لكن لا نعلم أن اسمه عزرائيل كما يقول بعض العامة، فالله تعالى سماه ملك الموت، ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة:١١]، وممن نؤمن به تفصيلاً كذلك: منكر ونكير، وهما فتانا القبر، ومالك خازن النار، وما لم يسم فإننا نؤمن به إيماناً مجملاً.
стр. 26
الإيمان باليوم الآخر أصل لا يتم الإيمان إلا به
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومثل الإيمان باليوم الآخر وما فيه من الثواب والعقاب كما أخبر عن إيمان من تقدم من مؤمني الأمم به حيث قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٦٢]].
وهذا هو الأصل الخامس من أصول الإيمان، نعني: الإيمان باليوم الآخر، وما يدخل فيه من الثواب في الجنة، والعقاب في النار، كما أخبر عن إيمان من تقدم من مؤمني الأمم به حيث قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:٦٢]، والشاهد قوله: (واليوم الآخر)، ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٦٢].
والإيمان باليوم الآخر يشمل الإيمان بالبعث، وهو أن الله تعالى يبعث الأجساد ويعيد الذرات؛ لأن الإنسان يبلى ولا يبقى منه إلا عجب الذنب المسمى بالعصص، وهي آخر فقرة في العمود الفقري، فلا يبلى ولا تأكله الأرض كما في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ابن آدم، ومنه يرجع).
وعجب الذنب يبقى ويخلق منه ابن آدم، فيعيد الله الذرات التي تكون جسم الإنسان بعد أن صارت تراباً؛ لأن الله عليم بكل شيء، ولا يخفى عليه شيء؛ ولأن الله قادر على كل شيء، فهو قادر على أن يعيد الذرات، ولهذا لما أخبر الله عن الكافرين قولهم على لسان أحدهم: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] رد الله فقال: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٩].
فلأنه عليم وقادر، فليس يمتنع عليه شيء ، وعند إعادة الذرات تعاد الذوات إلى ذاتها، ولكن الصفات تتبدل، بمعنى: أن الله تعالى ينشئ الناس يوم القيامة تنشئة قوية، وإنما تبدل الصفات حتى يتحملوا ما لا يتحملونه في الدنيا، فصفة يديه تبدل فينشأ قوياً، ولكن الذرات هي هي، خلافاً للجهم بن صفوان قبحه الله الذي يقول: إن الذي يعاد شيء آخر غير جسم هذا الإنسان، فعنده أن جسم الإنسان يبلى ولا يعود، وهذا من أبطل الباطل؛ لأنه يلزم من هذا أن يكون الله يعذب أحداً لم يعصه، فإذا كانت الذرات التي تعاد ليست الذرات التي نشأ منها في الدنيا فمعناه أن الله عذب أحداً بغير ذنب سبحانه عما يقولون، ولهذا أنكر العلماء على الجهم قوله ذاك، وهو الذي تنسب إليه الجهمية، وهي فرقة ضالة كافرة، تسلب عن الله جميع الأسماء والصفات، وهذا معناه: العدم، إذ أن الشيء الذي ليس له اسم ولا صفة لا وجود له، ولما قال الجهم هذه المقالة الخبيثة وهو القول بأن الإنسان يبلى ولا يعاد، وإنما يعاد شيء آخر، دخلت الملاحدة من هذا الباب الذي فتح لهم، فدخل ابن سيناء وقال: ليس هناك بعث للأجساد إطلاقاً، وإنما الذي تبعث هي الأرواح، فالمعاد معاد للأرواح لا للأبدان، وهذا كفر وضلال بإجماع المسلمين؛ لأن البعث إنما يكون بالأجساد، وقد أنكر الله على من أنكر البعث وحكم بكفره ، وأقسم في كتابه في ثلاثة مواضع أن البعث لابد منه فقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ:٣]، وقال سبحانه: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس:٥٣]، فالبعث يكون بالأبدان، ومن لم يؤمن بأن البعث للأبدان فهو كافر، وقول الفلاسفة والملاحدة أن الذي يبعث هو الروح كفر وضلال؛ لأن الروح باقية بعد خروجها من الجسد إما في نعيم أو عذاب.
وروح المؤمن تنقل إلى الجنة وروح الكافر تنقل إلى النار، ومعلوم أن أرواح الشهداء تتنعم بواسطة طير خضر؛ لأنهم لما بذلوا أجسادهم لله عوض الله أرواحهم أجساداً تتنعم بواسطتها، كما في الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسبح في الجنة، وترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة في العرش).
وأما المؤمن غير الشهيد فإن روحه تتنعم وحدها، وهي على هيئة طائر، كما في الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: (نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه) أي: يأكل.
كما يشمل الإيمان باليوم الآخر بجانب الإيمان بالبعث: الإيمان بالوقوف بين يدي الله تعالى للحساب، والإيمان بظهور خفايا الصحف، والإيمان بالميزان الذي توزن فيه أعمال العباد، ويوزن فيه الأشخاص، والإيمان بالحوض، وحوض نبينا ﷺ في موقف القيامة حوض عظيم طوله مسافة شهر، وعرضه مسافة شهر، وأوانيه عدد نجوم السماء، وهو أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأطيب ريحاً من المسك، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً حتى يدخل الجنة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الواردين حوض نبينا محمد ﷺ .
ويشمل الإيمان بالصراط أيضاً، وهو صراط ينصب على متن جهنم، أحد من السيف، وأحر من الجمر، كما أن النار تبرز يوم القيامة: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات:٣٦].
وتفجر البحار وتكون جزءاً منها، ثم يمد الصراط على متن جهنم فيصعد الناس منه إلى الجنة، وعلى متن الصراط يعاقب الناس على حسب الأعمال، وأول زمرة يمرون كالبرق، ثم كالريح، ثم كالطير، ثم كأجاويد الخيل، ثم رجل يعدو عدواً، ثم رجل يزحف زحفاً، وعلى الصراط كلاليب تخطف من أمرت بخطفه وتلقيه في النار نعوذ بالله.
ثم الإيمان بالجنة والنار، فهذا مفصل الإيمان باليوم الآخر من الإيمان بالبعث، بعد الموت إلى الإيمان بالوقوف بين يدي الله للحساب، إلى الإيمان بإعطاء الكتب بالأيمان وبالشمائل، إلى الإيمان بالحوض، إلى الإيمان بالميزان، إلى الإيمان بالجنة والنار، ويلتحق بذلك الإيمان بما يكون في البرزخ، وهو الأصل؛ لأنه برزخ بين الدنيا والآخرة؛ إذ أن الدور ثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار.
فدار الدنيا: هي التي نحن فيها وتمتد إلى البرزخ، ودار البرزخ: تمتد من الموت إلى البعث، وسمي بالبرزخ؛ لأنه فاصل بين الدنيا والآخرة.
ودار القرار: هي البعث وتمتد إلى ما لا نهاية، ولذا لابد من الإيمان بهذه الأمور كلها، كما أخبر عن إيمان من تقدم من مؤمني الأمم حيث قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:٦٢]، والشاهد: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:٦٢]، فقد أخبر أن من آمن من المؤمنين، أو من اليهود، أو من النصارى، أو من الصابئين، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
стр. 27
سور في القرآن تجمل أصول الشرائع وتدعو إليها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومثل أصول الشرائع كما ذكر في سورة الأنعام والأعراف وسبحان، وغيرهن من السور المكية من أمره بعبادته وحده لا شريك له، وأمره ببر الوالدين وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والعدل في المقام، وتوفية الميزان والمكيال، وإعطاء السائل والمحروم، وتحريم قتل النفس بغير الحق، وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتحريم الإثم والبغي بغير الحق، وتحريم الكلام في الدين بغير علم، مع ما يدخل في التوحيد من إخلاص الدين لله، والتوكل عليه، والتوكل على الله، والرجاء لرحمة الله، والخوف من الله، والصبر لحكم الله، والقيام لأمر الله، وأن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد من أهله وماله والناس أجمعين].
وهذا أيضاً من أصول الشرائع وهي داخلة في أصول الإيمان بأصول الشرائع، كما ذكر الله في سورة الأنعام والأعراف وسبحان أي: الإسراء، وغيرها من السور المكية من الأمر بعبادته وحده لا شريك له، كما في سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام:١٥١].
وفي سورة الأعراف أخبر الله عن كل نبي أنه يقول لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٦٥].
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون:٢٣].
وقال سبحانه: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:٦٥].
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٧٣].
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٨٥].
وكذلك في سورة سبحان سورة الإسراء قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، وفيه: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وفيه: اعتناء أكثر السور المكية كما في سورة الأنعام والأعراف بهذه القضايا، كالإيمان ببر الوالدين، وصلة الأرحام، هذه كلها أصول الشرائع، فمنها: أن تؤمن بأن الله أمرك ببر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود والعقود التي بينك وبين الناس، والعدل في المقال ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام:١٥٢]، فيجب على الإنسان أن يعدل في كل شيء، في قوله وفعله وتوفية الميزان والمكيال، وهذه أيضاً من أصول الشرائع، ولهذا أنكر نبي الله شعيب على قومه الذين يطففون المكيال والميزان، ويبخسون الناس أشياءهم، قال الله عنه أنه قال لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [هود:٨٥]، ومن أصول الشرائع كذلك: إعطاء السائل والمحروم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥]، وهذا السائل الذي لا يعلم حاله، أما السائل الذي يعلم حاله، وأنه غير محتاج فيزجر ويمنع، والسائل له أحوال ثلاثة: الحالة الأولى: أن تعرف أنه محتاج وأنه فقير أو عليه دين، فهذا يعطى.
الحالة الثانية: أن تعرف أنه ليس بمحتاج، وليس عليه دين، فهذا يزجر ويمنع ويرفع به إلى ولاة الأمور لتأديبه.
الحالة الثالثة: أن تجهل حاله، فلا تدري هل هو محتاج أو غير محتاج، فهذا يعطى؛ لأنه قد يكون محتاجاً، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥]، ومنها أيضاً -أي: أصول الشرائع- تحريم قتل النفس بغير الحق كما قال سبحانه: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء:٣٣]، (وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن) قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف:٣٣]، (وتحريم الإثم والبغي) كقوله: ﴿وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ﴾ [الأعراف:٣٣].
(وتحريم الكلام في الدين بغير علم كذلك) فهو من أصول الشرائع، ومعلوم أنه يحرم على الإنسان أن يتكلم في الدين بغير علم.
والتوحيد من إخلاص الدين لله إذ ليس هناك توحيد إلا بإخلاص الدين لله.
(والتوكل على الله، والرجاء لرحمته، والخوف من الله، والصبر لحكم الله) كل هذه من أعمال القلوب العظيمة.
وحكم الله ينقسم إلى ثلاثة أنواع: حكم الله القدري.
وحكم الله الشرعي.
وحكم الله الجزائي.
فحكم الله القدري: هو ما يقدره الله على العبد من صحة ومرض وحياة وموت وفقد أحبة إلى غير ذلك.
فالحكم القدري ليس لأحد أن يمتنع عنه، وهو جار على الصغير والكبير، فإذا قدر الله الموت على الإنسان لابد أن يموت، ولا يمكن أن يمتنع.
والثاني: حكم الله الشرعي: وهو ما حكم الله به في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ ، وما أنزله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من الشريعة، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، فهذا حكم الله الشرعي، قد يفعله بعض الناس، وقد لا يفعله بعض الناس فيتمردون على الشرع، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، ومن الناس من يصلى، ومنهم من لا يصلي، وقال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢]، فمن الناس من امتثل النهي واجتنب الزنا، ومنهم من ارتكبه.
والحكم الثالث: حكم الله الجزائي، وهو كائن يوم القيامة حيث يجازي الله العباد، ويفصل بينهم في وقت واحد، لا يلهيه شأن عن شأن، كما أنه يرزقهم ويعافيهم، ويصحهم ويمرضهم في وقت واحد، فكذلك يسمع دعاءهم، ويجيب دعاءهم ويحكم بينهم في وقت واحد، وقوله: (الصبر لحكم الله) يعني: حكم الله القضائي القدري، وقوله: (القيام لأمره) أي: القيام بأمر الله، وهو: توحيد الله وأداء حقوق التوحيد، وأن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد من أهله وماله والناس أجمعين؛ لأن الرسول ﷺ يجب تقديم محبته على كل أحد، على الأهل والمال والولد والناس أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إلى غير ذلك من أصول الإيمان التي أنزل الله ذكرها في مواضع من القرآن كالسور المكية وبعض المدنيات].
يقول: إن أصول الإيمان أنزل الله ذكرها في مواضع من القرآن في السور المكية، وبعض المدنية، وما ذكره فيه الكفاية وهو معروف.
стр. 28
شرح الوصية الكبرى لابن تيمية [٣]
لقد كرم الله هذه الأمة، وخصها بخصائص دون غيرها من الأمم، ومن ذلك: أن بعث إليها خاتم الأنبياء والمرسلين محمداً ﷺ ، فلم يجعل لها نبياً بعده، بل جعل لها أئمة مهديين يجددون لها أمور دينها، وخصها أيضاً بعدم الاجتماع على الضلالة، وجعلها وسطاً بين الأمم، وسطاً بين اليهود الجافين والنصارى الغالين، وجعل منها الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة، المبشرين برضوان الله والجنة بإذن الله ذي المنة.
стр. 29
خصائص هذه الأمة من الشريعة والهدي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما الثاني: كما أنزل الله من السورة المدنية من شرائع دينه ومن سنة الرسول ﷺ لأمته، فإن الله سبحانه أنزل عليه الكتاب والحكمة، وامتن على المؤمنين بذلك، وأمر أزواج نبيه بذكر ذلك، فقال: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣].
وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران:١٦٤].
وقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤].
فقال غير واحد من السلف: الحكمة: هي السنة].
وهذا الأمر الثاني الذي خص الله به هذه الأمة وميزها وفضلها به من الشرعة والمنهاج، وهو: ما أنزله الله في السور المدنية، من شرائع دينه، من الأوامر والنواهي، والحدود، والقصاص، وما سنه النبي ﷺ من الشرائع لأمته، كل ذلك ميز الله به هذه الأمة، وخصها بالعمل به، فتمتثل الأوامر، وتجتنب النواهي؛ إذ أن الله سبحانه أنزل الكتاب والحكمة عليه أي: النبي ﷺ ، والكتاب: هو القرآن الكريم، والحكمة: هي السنة المطهرة، وامتن على المؤمنين بذلك كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران:١٦٤].
وامتن بذلك على نبيه فقال: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣].
وقال ممتناً على المؤمنين أيضاً: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤].
وأمر أزواج النبي بذكر ذلك فقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، وكما تقدم فالحكمة: هي السنة التي جاء بها النبي ﷺ ، وهذا مما امتن الله به على المؤمنين من هذه الأمة.
стр. 30
تعريف الحكمة في القرآن
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال غير واحد من السلف: الحكمة: هي السنة؛ لأن الذي كان يتلى في بيوت أزواجه ﵅ سوى القرآن هو سنته ﷺ ، ولهذا قال ﷺ : (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) وقال حسان بن عطية: كان جبريل ﵊ ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما ينزل بالقرآن فيعلمه إياها كما يعلمه القرآن].
فيما ذكر ﵀ بيان أن السنة هي الحكمة؛ فإذا جاء أن الله أعطى النبي الحكمة، وأنزل عليه الحكمة، فالمراد به السنة المطهرة، لأنه كما قال: الذي يتلى في بيوت النبي ﷺ سوى القرآن هو السنة، ولهذا قال ﷺ : (ألا إني أوتيت الكتاب) يعني: القرآن (ومثله معه) وهو الوحي الذي أوحاه الله إليه، ومثله معه: وهي السنة المطهرة.
وقال حسان بن عطية: كان جبريل ﵊ ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما ينزل بالقرآن فيعلمه إياها، كما يعلمه القرآن.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذه الشرائع التي هدى الله بها هذا النبي وأمته مثل: الوجهة، والمنسك، والمنهاج، وذلك مثل الصلوات الخمس في أوقاتها بهذا العدد، وهذه القراءة، والركوع والسجود، واستقبال الكعبة].
يعني: أن هذه الشرائع التي هدى الله بها هذا النبي وأمته فسرها لهم وأنزلها لهم مثل: الوجهة، ويقصد بها: التوجه إلى القبلة ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤]، والمنسك: وهو العبادة، ويدخل في ذلك: الذبائح، كالعقيقة والهدي والأضحية، وقوله: المنهاج، أي: الطريق الذي سار عليه ﵊، ومثل بالصلوات الخمس في أوقاتها بهذا العدد، والكيفية، فهذا وما تقدم مما خص الله به هذه الأمة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومثل فرائض الزكاة ونصبها التي فرضها في أموال المسلمين من الماشية، والحبوب، والثمار، والتجارة، والذهب، والفضة، ومن جعلت له حيث يقول: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠]].
كل هذه أمثلة للشرائع التي هدى الله بها هذا النبي وأمته، وذكر منها هنا فرائض الزكاة ونصبها، ومعلوم أن الزكاة تجب في نصاب الذهب والفضة، وعروض التجارة ومقدارها ربع العشر، ويجب نصف العشر من نصاب الحبوب والثمار إذا كانت تسقى بمؤنة، والعشر إن كانت تسقى بغير مؤنة، هذا كله مما هدى الله به هذه الأمة، ومما يذكر عن الزكاة أيضاً الأنصبة، ومعلوم أن نصاب الذهب: عشرون مثقالاً، ونصاب الفضة: مائتا درهم، ونصاب المواشي من الغنم: أربعون، ونصاب البقر: ثلاثون، ونصاب الإبل: خمس، هذه كلها أمثلة لفرائض الزكاة، وأما قوله: ومن جعلت له، فيعني به: من هم أهلها أي: الذين يعطون الزكاة، وهم ثمانية أصناف ذكرهم الله في كتابه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومثل صيام شهر رمضان، ومثل حج البيت الحرام، ومثل الحدود التي حدها لهم في المناسك، والمواريث، والعقوبات، والمبايعات، ومثل السنن التي سنها لهم: من الأعياد والجمعات والجماعات في المكتوبات، والجماعات في الكسوف والاستسقاء، وصلاة الجنازة والتراويح].
وهنا ما زال المصنف ﵀ يعدد أمثلة لما خص الله به نبيه وأمته، فذكر صيام شهر رمضان، وقد كان الصيام مكتوباً على من قبلنا، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، لكن تحديد شهر رمضان بالصيام هو من خصائص هذه الأمة، ومثل حج بيت الله الحرام، ومثل الحدود التي حدها لهم، فلا يتجاوزون حدوده في المناسك، والمواريث حيث جعل الله للأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين، كما فرض الله تعالى أيضاً للآباء والأمهات، والإخوة والأخوات أنصبة في الأموال، وقوله: والحدود أي: التي حدها لهم في المناكح، والمواريث، والعقوبات، والمبايعات، كل هذه يجب أن يقف الإنسان عندها ولا يتجاوزها، وكذلك السنن التي سنها لهم: من الأعياد كالجمع والجماعات في المكتوبة من الصلوات المفروضة، وجماعات الكسوف، وجماعات الاستسقاء، وصلاة الجنازة، والتراويح، كل هذا مما هدى الله له هذه الأمة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وما سنه لهم في العادات مثل المطاعم والملابس والولادة والموت، ونحو ذلك من السنن والآداب والأحكام التي هي حكم الله ورسوله بينهم في الدماء والأموال والأبضاع والأعراض والمنافع والأبشار، وغير ذلك من الحدود والحقوق، إلى غير ذلك مما شرعه لهم على لسان رسوله ﷺ ].
كل هذا داخل فيما خص الله به هذه الأمة من الشرائع، وذكر هنا ما سنه الله لهم في العادات مثل: (المطاعم) فبين كيف يطعم، وكيف يكسب المال من طرقه الحلال والوجوه المشروعة، ثم ينفقها في مصارفها الشرعية، ومثل: (الملابس) وما يشرع للإنسان عند لبس الثوب، (والولادة) كذلك وما يشرع في تسمية المولود، وحلق رأس الذكر، وإنفاق وزن شعره ذهباً، وتحنيكه، والعقيقة عنه، (والموت) كذلك، فبين ما يفعل في الميت من تغسيله ثم الصلاة عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، ونحو ذلك من السنن والآداب والأحكام التي هي حكم الله ورسوله فكل ذلك من خصائص هذه الأمة في السنن والآداب، (وفي الأحكام التي حكم الله ورسوله بينهم كالأحكام في الدماء) وأن القاتل يقتل قصاصاً، إلا إذا سمح أولياء القتيل في الدماء (وكذلك ما شرعه الله في الأموال) وهو أن يكسبها من الوجوه المشروعة، وينفقها في الوجوه المشروعة، (وكذلك ما شرعه الله في الأبضاع) فشرع للناس الزواج الشرعي، وحث على حفظ الأعراض، وأنه ينبغي للإنسان أن يذب عن عرض أخيه فضلاً عن ألا يتكلم فيه لا بالغيبة ولا بالنميمة، وقوله: (والمنافع) يريد ما ينتفع فيه العباد من المآكل والمشارب وغيرها.
وقوله: (والأبشار) يعني: ما يصيب بشرة الإنسان، وأن ليس لإنسان أن يعتدي على بشر، وله أن يقتص وغير ذلك من الحدود والحقوق، إلى غير ذلك مما شرعه الله لهم على لسان رسوله ﷺ .
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، فجعلهم متبعين لرسوله ﷺ ، وعصمهم أن يجتمعوا على ضلالة كما ضلت الأمم قبلهم، إذ كانت كل أمة إذا ضلت أرسل الله تعالى رسولاً إليهم كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤]].
وذكر المصنف ﵀ هنا: أن من خصائص هذه الأمة أن الله : حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، فجعلهم متبعين لرسوله ﷺ ، وهذا من نعمة الله تعالى ومنته على عباده المؤمنين، كما حبب الإيمان إلى أتباع الأنبياء السابقين، كما قال سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٧ - ٨].
وعصم هذه الأمة، فمن خصائصها: أن الله تعالى عصمها من أن تجتمع على ضلالة كما ضلت الأمم من قبلها، ولهذا كان إجماع هذه الأمة حجة؛ لقول النبي ﷺ : (لا تجتمع أمتي على ضلالة).
ولقول الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥].
وقال ﵊ في الحديث الصحيح: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎.
وقد كانت كل أمة إذا ضلت أرسل الله تعالى إليهم رسولاً يأمرهم وينهاهم، ويخرجهم من الضلال، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤].
وأما هذه الأمة فإن نبينا ﷺ هو خاتم الأنبياء فليس بعده نبي، ولهذا عصم الله أمته من اجتماعهم على الضلالة، وكان إجماعهم حجة.
стр. 31
لا ضلالة فيما تجتمع عليه الأمة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومحمد ﷺ خاتم الأنبياء لا نبي بعده، فعصم الله أمته أن تجتمع على ضلالة، وجعل فيها من تقوم به الحجة إلى يوم القيامة، ولهذا كان إجماعهم حجة كما كان الكتاب والسنة حجة، ولهذا امتاز أهل الحق من هذه الأمة والسنة والجماعة عن أهل الباطل الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب ويعرضون عن سنة رسول الله ﷺ وعما مضت عليه جماعة المسلمين].
ومعلوم أن محمداً ﷺ هو خاتم الأنبياء فلا نبي بعده، وهذا بإجماع المسلمين، فمن قال: إن بعده نبي فهو كافر بالله.
ولما كان نبينا ﷺ هو خاتم النبيين عصم الله أمته أن تجتمع على ضلالة، وجعل فيها من تقوم به الحجة إلى يوم القيامة، وهذا من فضل الله وإحسانه، كما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎.
وقال ﵊: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)، رواه أبو داود بسند لا بأس به.
وقال ﵊: (لا تجتمع أمتي على ضلالة).
بل لابد أن يوجد في هذه الأمة من تقوم به الحجة إلى يوم القيامة، ولهذا كان إجماعهم حجة؛ لأنها لا تجتمع على ضلالة، كما كان الكتاب والسنة حجة، فالقرآن حجة، والسنة حجة، والإجماع حجة، ولهذا امتاز أهل الحق من هذه الأمة وأهل السنة والجماعة يعني: تميز أهل الحق وأهل السنة والجماعة عن أهل الباطل الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب ويعرضون عن سنة رسول الله ﷺ وعما مضت عليه جماعة المسلمين، تميزوا وانحرفوا عن الحق وأهله، وأهل الحق هم أهل السنة والجماعة وهم الطائفة المنصورة فقد امتازوا عن الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب ويعرضون عن سنة رسول الله ﷺ وعما مضت عليه جماعة المسلمين، أي: أن هذه الطائفة التي تزعم أنها تتبع الكتاب العزيز ولكن تعرض عن السنة طائفة ضالة منحرفة، ويسمون أنفسهم: القرآنيين، ويزعمون أنهم يعملون بالقرآن، ولا يعملون بالسنة، وهذا من أبطل الباطل، فإن كانوا صادقين في عملهم بالقرآن فإن الله أمرهم باتباع السنة، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران:١٣٢].
وقال أيضاً: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١].
فأهل الحق أهل السنة والجماعة امتازوا عن أهل الباطل الذين يزعمون أنهم يقتصرون على العمل بالكتاب ويعرضون عن سنة النبي ﷺ وعما مضت عليه جماعة المسلمين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإن الله في كتابه أمر باتباع سنة رسوله ﷺ ولزوم سبيله وأمر بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، فقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١].
وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]].
فوضح أن الله تعالى أمر في كتابه باتباع سنة الرسول ﷺ ولزوم سبيله وأمر بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، فقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، فهذا أمر صريح بطاعة الرسول وأن من أطاع الرسول فقد أطاع الله؛ لأن الرسول ﷺ معصوم، فلا يأمر إلا بما فيه طاعة لله، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، وهذه الآية تسمى: آية النحلة عند العلماء؛ لأنه ادعى قوم أنهم يحبون الله فامتحنهم بهذه الآية، فجعل علامة حب الله: اتباع الرسول ﵊، فمن كان متبعاً للرسول كان علامة على إيمانه، ومن لم يكن متبعاً للرسول كان علامة على زيغه وضلاله.
وكذلك قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] وهذه الآية فيها نفي الإيمان عمن لم يحكم الرسول ﷺ في النزاع، بل لابد أن يحكم ثم لا يجد في نفسه حرجاً ويسلم تسليماً، أي: يطمئن طمأنينة كاملة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]].
وحبل الله هو دينه، وما جاءكم من الشرع، فمعنى قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران:١٠٣] أي: اتفقوا ولا تتفرقوا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩]].
هذه الآية فيها ذم لأهل الاختلاف، والآية الأولى فيها الأمر بالاعتصام والنهي عن الاختلاف.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]].
وهذه الآية فيها أمر بإخلاص العبادة لله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]].
وهذا واضح في أن الله تعالى أمر الخلق جميعاً أن يعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء أي: مائلين عن الشرك إلى التوحيد، ومخلصين له الدين أي: مخلصين له العبادة، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥].
والدين له معاني: فيأتي بمعنى العبادة كما في هذه الآية.
ويأتي بمعنى الجزاء والحساب، مثل قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤].
وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار:١٧ - ١٨].
وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]، والدين هو: ما جاء به كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ .
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى في أم الكتاب: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون)].
ذكر المصنف ﵀ هنا قوله في أم الكتاب التي هي الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، وهذا دعاء وسؤال لله أن يهديك الصراط المستقيم، وصراط المنعم عليهم، غير طريق المغضوب عليهم، وغير طريق الضالين، وهذا أنفع دعاء وأجمع الدعاء، وحاجة العبد إلى هذا الدعاء أكثر من حاجته إلى الطعام، بل إلى نفسه التي بين جنبيه.
و (المغضوب عليهم) هم اليهود كما قال المؤلف، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون).
وكذلك من فسد من هذه الأمة فإنه يكون شبيهاً لليهود، فإن كان من فسد من علماء هذه الأمة فيه شبه باليهود، وإن كان من عبادهم فيه شبه بالنصارى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فأمر سبحانه في أم الكتاب التي لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها، والتي أعطيها نبينا ﷺ من كنز تحت العرش، والتي لا تجزئ صلاة إلا بها، أن نسأله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم: كاليهود، ولا الضالين: كالنصارى].
وهذا الدعاء أمر الله به في أم الكتاب التي هي الفاتحة التي لم تنزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها، فقد ثبت أنه لم ينزل في التوراة، وهو الكتاب الذي أنزله الله على موسى، ولا في الإنجيل الكتاب الذي أنزله الله على عيسى، ولا في الزبور وهو الكتاب الذي أنزله الله على داود، ولا في الفرقان وهو القرآن الذي أنزله على محمد، لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا الفرقان مثل الفاتحة، وهي سبع آيات، والتي أعطيها نبينا ﷺ من كنز تحت العرش، والتي لا تجوز صلاة إلا بها، فقد أمرنا في آخرها
стр. 32
أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإن النبي ﷺ روي عنه من وجوه متعددة رواها أهل السنن والمسانيد: كالإمام أحمد وأبي داود والترمذي وغيرهم أنه قال: (ستفترق هذه الأمة على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة).
وفي رواية: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)].
والحديث كما ذكره المؤلف ﵀ ثابت من وجوه متعددة رواها أهل السنن: وهي الكتب التي صنفت على الأبواب مثل: سنن الترمذي، وسنن أبي داود، وسنن ابن ماجة، وسنن النسائي، والمسانيد: وهي الكتب التي ألفت على أسماء الصحابة، يذكر الصحابي ثم يذكر بعده ما له من الحديث، كالإمام أحمد، والبزار، وأبي عوانة وغيرهم، أن النبي ﷺ قال: (ستفترق هذه الأمة على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة)، فحدد أن الفرقة الناجية هي: الجماعة.
وفي رواية: (من كان على مثل أنا عليه اليوم وأصحابي).
فهم الجماعة وهم الذين كانوا على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وهم أهل السنة والجماعة، وهم الطائفة المنصورة، وهم أهل الحق.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذه الفرقة الناجية].
والفرق عداها متوعدة بالنار وهم مبتدعة، كغلاة القدرية الذين ينفون علم الله، فإنهم كفار يخرجون من الثنتين والسبعين فرقة، وكذلك الجهمية الذين يسلبون الله أسماءه وصفاته نص على كفرهم جمع من أهل العلم، وذكر ابن القيم أنه كفرهم خمسمائة عالم في شرح الكافية الشافية قال ﵀: ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان فخمسون في عشرة أي: خمسمائة.
واللالكائي الإمام حكاه عنهم بل قد حكاه قبله الطبراني فالثنتان والسبعون فرقة هم من فرق المبتدعة، ولا يسلم إلا أهل السنة والجماعة.
стр. 33
الفرقة الناجية وسط في النحل كما أن ملة الإسلام وسط في الملل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذه الفرقة الناجية -أهل السنة- وهم وسط في النحل، كما أن ملة الإسلام وسط في الملل، فالمسلمون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى حيث ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]].
فالفرقة الناجية، وهم أهل السنة والجماعة، وهم أهل الحق، وهم الطائفة المنصورة، وهم وسط في النحل أي: بين أهل البدع، فهم وسط بين الجبرية والقدرية، فالجبرية غلوا في نفي أفعال العباد حتى قالوا: إن العبد مجبور على أفعاله، وأفعاله هي أفعال الله.
والقدرية: جفوا وفرطوا فقالوا: إن العباد لا يخلقون أفعالهم ولكن الله خلقها، وقالوا: إن العباد هم الخالقون لأفعالهم، ولم يخلقها الله فجفوا وفرطوا.
أما أهل السنة فهم وسط، فلم يقولوا بقول هؤلاء، ولا بقول هؤلاء، فقالوا: إن الله تعالى خلق العبد وخلق قدرته وإرادته، والأفعال هي أفعال العباد تنسب إليهم فهي من الله خلقاً وإيجاداً وتقديراً، ومن العباد فعلاً وتسبباً وكسباً.
كما أنهم وسط بين الخوارج والرافضة، فالرافضة غلوا حتى كفروا الصحابة وفسقوهم، وغلوا في أهل البيت حتى عبدوهم.
والنواصب -وهم الخوارج- نصبوا العداوة لأهل البيت.
وأهل السنة وسط بين مذهب الرافضة وبين مذهب النواصب، وهكذا فالمسلمون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]، ولا جفوا كاليهود.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا جفوا عنهم كما جفت اليهود فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقاً، وقتلوا فريقاً].
وهذا تتمة قول المؤلف في بيان وسطية الإسلام بين الملل، وفحواه: أن أهل السنة وسط بين فرق المبتدعة، كما أن هذه الأمة وسط بين الأمم، فهي وسط بين النصارى واليهود، فالنصارى غلوا، ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ [التوبة:٣١]، وقالوا: إن عيسى رب وإله، واليهود جفوا كما ذكر، فالمسلمون وسط في أنبياء الله ورسله، لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى، ولم يجفوا كما جفت اليهود، فإن اليهود كانوا يقتلون الأنبياء بغير الحق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، والقسط: العدل، وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقاً، وقتلوا فريقاً، وهذا من جهلهم، ولفرط خبثهم قالوا: إن عيسى ابن زنا نعوذ بالله.
أما النصارى فغلوا فيه وقالوا: إنه ابن الله، وغلوا في أحبارهم ورهبانهم فاتخذوهم أرباباً من دون الله، فأهل الإسلام والدين الحق وسط هذه الأمة، فهم وسط بين النصارى، وبين اليهود، فلا يجفون كاليهود، ولا يغلون كالنصارى، وإنما يعظمون الأنبياء ويقولون: هم أنبياء أرسلهم الله لهداية الناس، لكن لا يعبدون.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [بل المؤمنون آمنوا برسل الله وعزروهم ونصروهم ووقروهم، وأحبوهم وأطاعوهم، ولم يعبدوهم، ولم يتخذوهم أرباباً كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٧٩ - ٨٠]].
وهذا هو شأن المؤمنين، فهم آمنوا برسل الله، وعزروهم أي: عظموهم واحترموهم ونصروهم ووقروهم وأحبوهم وأطاعوهم، ولم يعبدوهم، ولم يتخذوهم أرباباً، إن المسلمين حينما عظموا الأنبياء واحترموهم ووقروهم لم يصل بهم هذا التعظيم إلى عبادتهم من دون الله، فلا يعبدونهم ولا يتخذونهم أرباباً؛ لأن العبودية حق الله وحده ثم استشهد بالآية كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران:٧٩]، فقد أخبر الله أنه ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يدعو الناس إلى عبادة نفسه؛ لأن الرسل معصومون عصمهم الله من الشرك والخطأ فيما يبلغون عن الله، وعصمهم الله من الكبائر، أما الصغائر فإنها قد تقع منهم، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٧٩ - ٨٠].
стр. 34
وسطية المؤمنين في المسيح بين شذوذ اليهود وغلو النصارى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن ذلك: أن المؤمنين توسطوا في المسيح فلم يقولوا: هو الله، ولا ابن الله، ولا ثالث ثلاثة كما تقول النصارى، ولا كفروا به وقالوا على مريم بهتاناً عظيماً، حتى جعلوه ولد بغية كما زعمت اليهود، بل قالوا: هذا عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، وروح منه].
وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهكذا حال الأمة الوسط، وهو حال مؤمني هذه الأمة، فقد توسطوا بين الأمم السابقة في المسيح عيسى بن مريم ﵊، ويسمى المسيح؛ لأنه يمسح الأرض، وأما الدجال فيسمى مسيحاً؛ لأن عينه اليمنى ممسوحة كأنها عنبة طافية، فأهل الحق من هذه الأمة توسطوا في المسيح فلم يقولوا: هو الله، ولا ابن الله، ولا ثالث ثلاثة كما تقوله النصارى، ولا كفروا وقالوا على مريم بهتاناً عظيماً حتى جعلوه ولد بغي كما زعمت اليهود، بل قالوا الحق: إن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته التي ألقاها إلى مريم؛ لأن الله خلقه بكلمة ألقاها إلى مريم العذراء البتول، وروح منه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذلك المؤمنون وسط في شرائع دين الله، فلم يحرموا على الله أن ينسخ ما شاء، ويمحو ما شاء ويثبت كما قالته اليهود، كما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة:١٤٢].
وبقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة:٩١]].
أي: أن المؤمنين لم يحرموا على الله ما حرمه اليهود، حيث حرموا على الله أن ينسخ ما يشاء، ويمحو ما يشاء، كما حكى الله عنهم ذلك بقوله حينما حولت القبلة: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:١٤٢].
إذ أنه لما حولت القبلة استنكروا، ومعلوم أن النبي ﷺ لما قدم المدينة وجه إلى بيت المقدس للصلاة ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، ثم وجهه الله إلى الكعبة، وقد كان يقلب وجهه في السماء، ويحب أن يوجه إلى الكعبة فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤].
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة:٩١]، هذه حال اليهود الذين آمنوا بما أنزل الله عليهم فحسب وقالوا: يكفينا ما أنزل إلينا من التوراة، ويكفرون بما وراءه مما سواه، وهو الحق مصدقاً لما معهم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا جوزوا لأكابر علمائهم وعبادهم أن يغيروا دين الله فيأمروا بما شاءوا، وينهوا عما شاءوا كما يفعله النصارى، كما ذكر الله ذلك عنهم بقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] قال عدي بن حاتم ﵁: (قلت: يا رسول الله! ما عبدوهم! قال: ما عبدوهم، ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم)].
وفيه: بيان لطريق أهل الحق واعتقادهم، حيث لا يجوزون لأكابرهم وعلمائهم وعبادهم ولا لأحد أن يغير دين الله، فيأمر بما يشاء، وينهى عما يشاء كما تفعل النصارى؛ لأن النصارى حرفوا كتاب الله الذي أنزله الله على عيسى، وهو إنجيل واحد، فكثرت الأناجيل حتى بلغت أربعين إنجيلاً، كل هذا من وضع النصارى، فالنصارى جوزوا لأكابرهم وأحبارهم وعلمائهم أن يأمروا بما شاءوا، وينهوا عما شاءوا كما ذكر الله عن ذلك بقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١]، والأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العباد، ولما نزلت هذه الآية في النصارى حيث اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وكان قد أسلم عدي بن حاتم ﵁ سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] فقال: يا رسول الله! ما عبدوهم! وفي لفظ: (لسنا نعبدهم، فقال له النبي ﷺ : أليسوا يحرمون ما أحل الله وتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: بلى، قال: فتلك عبادتكم إياهم).
فبين أن عبادتهم: طاعتهم في التحليل والتحريم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والمؤمنون قالوا: لله الخلق والأمر، فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره، ﴿ِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥]، فأطاعوا كلما أمر الله به، وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١].
وأما المخلوق فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى ولو كان عظيماً].
فهو سبحانه له الخلق فلا خالق غيره، وله الأمر فلا آمر غيره، فالخلق خلقه والأمر أمره ، والمراد بالأمر: كلامه الذي أنزله إلى خلقه من الكتب المبينة للأوامر والنواهي، فالمؤمنون قالوا: لله الخلق والأمر، بخلاف أهل الاشتراط فإنهم لا يجعلون الأمر لله، بل يشرعون لأنفسهم شرائع من عند أنفسهم، يقول المؤلف: فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره، أي: كما لا يخلق إلا الله فلا يأمر إلا الله، بل يقولون: سمعنا وأطعنا، بخلاف أهل الكتاب فإنه أخبر أنهم قالوا: سمعنا وعصينا، أما أهل الإيمان فأطاعوا كلما أمر الله به وامتثلوه وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١].
وأما المخلوق فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى، ولو كان عظيماً؛ إذ المخلوق مأمور مربوب مقهور مجبر ليس له أن يبدل أمر الله ولو كان عظيماً.
стр. 35
ضلال اليهود والنصارى في وصف الله تعالى
стр. 36
وصف اليهود لله تعالى بصفات المخلوق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك في صفات الله تعالى، فإن اليهود وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق الناقصة، فقالوا: هو فقير ونحن أغنياء، وقالوا: يد الله مغلولة، وقالوا: إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت، إلى غير ذلك].
إن اليهود -قبحهم الله- وصفوا الله بصفات المخلوق، فقد أخبر الله عنهم بأنهم وصفوا الله بأنه فقير، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] قال الله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آل عمران:١٨١]، وهذا تهديد ووعيد شديد.
وكذلك أخبر الله عنهم أنهم قالوا: يد الله مغلولة، فرد الله عليهم بقوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤].
وقالوا أيضاً: إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت؛ لأن الله تعالى خلق الخلق في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة، والسبت ليس فيه خلق، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [ق:٣٨] وأولها الأحد وآخرها الجمعة، وأما السبت فليس فيه خلق، فقالت اليهود -قبحهم الله-: إن الله لما خلق الخلق في ستة أيام تعب واستراح في اليوم السابع، وهو يوم السبت، فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، أي: من تعب وإعياء.
فهذه مقالات شنيعة لولا أن الله ذكرها في كتابه عنهم لما صدق المسلم أن أحداً يتجرأ ويقول هذا على الله، فكيف يتجرأ هؤلاء الكفرة ويقولون: إن الله فقير، ويقولون: يد الله مغلولة، ويقولون: إن الله تعب واستراح يوم السبت؟! وكون السبت ليس فيه خلق في ذلك حكمة بالغة، وما جاء في صحيح مسلم من أن الله خلق الخلق في سبعة أيام فهذا الحديث حصل فيه خطأ وإن كان في صحيح مسلم، فقد حصل خطأ في رفعه، فالحديث في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وإنما هو مأخوذ عن كعب الأحبار، وكعب الأحبار من بني إسرائيل، أسلم وكان يحدث عن بني إسرائيل.
فاليهود وصفوا الله بصفات المخلوق الناقصة، ومن ذلك: أنهم وصفوا أنفسهم بالغنى ووصفوا الله بالفقر، وقال الله عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤]، قبحهم الله، بل يده سحاء الليل والنهار، لا تنقص خزائنه، ولا يفنى ما عنده.
стр. 37
وصف النصارى المخلوق بصفات الخالق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به فقالوا: إنه يخلق ويرزق، ويغفر ويرحم، ويتوب على الخلق، ويثيب ويعاقب].
يعني: أن النصارى -والعياذ بالله- وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به فقالوا: إنه يخلق ويرزق ويغفر ويرحم ويتوب على الخلق ويثيب ويعاقب، فجعلوه إلهاً مع الله، وقالوا: إنه ابن الله، وقالوا: إنه ثالث ثلاثة: الله وعيسى ومريم، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فالنصارى رفعوا عيسى من مقام النبوة إلى مقام الإلهية والربوبية فقالوا: إنه يخلق ويرزق ويغفر ويرحم ويتوب على الخلق، واليهود وصفوا الله بصفات المخلوق الناقصة فقالوا: إنه فقير، ويده مغلولة، وتعب واستراح يوم السبت.
стр. 38
وسطية المؤمنين في وصف الله تعالى بين اليهود والنصارى
وأما المؤمنون أهل الحق فوسط بين النصارى الذين غلوا، وبين اليهود الذين جفوا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمؤمنون آمنوا بالله ، ليس له سمي ولا ند، ولم يكن له كفواً أحد، وليس كمثله شيء؛ فإنه رب العالمين، وخالق كل شيء، وكل ما سواه عباد له فقراء إليه ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥]].
لقد وفق الله المؤمنين وهداهم إلى الحق، فصاروا وسطاً بين ضلالين: ضلال اليهود وضلال النصارى، فاليهود جفوا ووصفوا الله بصفات المخلوق الناقصة، وقالوا: إن الله فقير، ويده مغلولة، واستراح يوم السبت.
والنصارى غلوا ووصفوا المخلوق بصفة الخالق فقالوا: إن عيسى يخلق ويرزق، ويغفر ويرحم، ويتوب على الخلق، ويثيب ويعاقب.
والمؤمنون آمنوا بالله وقالوا: ليس له سمي ولا ند، ولم يكن له كفواً أحد، وليس كمثله شيء؛ فإنه رب العالمين، وخالق كل شيء، وكل ما سواه عباد له فقراء إليه، كما قال سبحانه: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥].
فهدى الله المؤمنين فلم يقولوا بقول اليهود الذين جفوا، ولم يقولوا بقول النصارى الذين غلوا، بل كان قولهم وسطاً على حسب ما جاء في الكتاب والسنة.
стр. 39
شرح الوصية الكبرى لابن تيمية [٤]
إن أهل الإسلام وسط بين أهل الملل الأخرى، وأهل السنة في هذه الملة وسط بين بقية الفرق، فهم في باب الأسماء والصفات وسط بين المعطلة والمشبهة، وفي باب القدر وسط بين القدرية والجبرية، وفي باب الوعد والوعيد وسط بين الوعيدية والمرجئة، وفي باب الصحابة وسط بين الرافضة والنواصب.
стр. 40
التحليل والتحريم عند أهل الكتاب، ووسطية الأمة المحمدية فيهما
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن ذلك أمر الحلال والحرام، فإن اليهود كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء:١٦٠]، فلا يأكلون ذوات الظفر مثل الإبل والبقر، ولا شحم الثرب والكليتين، ولا الجدي في لبن أمه، إلى غير ذلك مما حرم عليهم من الطعام واللباس وغيرهما، حتى قيل: إن المحرمات عليهم ثلاثمائة وستون نوعاً، والواجب عليهم مائتان وثمانية وأربعون أمراً، وكذلك شدد عليهم في النجاسات حتى لا يؤاكلوا الحائض ولا يجامعوها في البيوت.
وأما النصارى فاستحلوا الخبائث وجميع المحرمات، وباشروا جميع النجاسات، وإنما قال لهم المسيح: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:٥٠]، ولهذا قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩].
وأما المؤمنون فكما نعتهم الله به في قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧]، وهذا باب يطول وصفه].
المؤمنون في أمر الحلال والحرام وسط بين اليهود وبين النصارى، وكما أن المؤمنين وسط بين اليهود والنصارى في صفات الله، فهم كذلك وسط بين اليهود والنصارى في أمر الحلال والحرام.
وذلك أن اليهود قد حرم الله تعالى عليهم أنواعاً من الطيبات، كما قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء:١٦٠]، فلا يأكلون ذوات الظفر مثل الإبل والبقر، ولا شحم الثرب، وهو شحم محيط بالكرش والأمعاء، ولا الكليتين، ولا الجدي في لبن أمه، وغير ذلك مما حرم عليهم من الطعام واللباس وغيرهما، حتى قيل: إن المحرمات عليهم ثلاثمائة وستون نوعاً، والواجب عليهم مائتان وثمانية وأربعون أمراً، والسبب في ذلك ظلمهم، فلما ظلموا عاقبهم الله، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٦٠ - ١٦١]، وكذلك شدد عليهم في أمر النجاسات، حتى إنهم كانوا لا يؤاكلون الحائض، ولا يجامعونها في البيوت، أي: لا يساكنونها ولا يجتمعون بها، فإذا حاضت المرأة جعلوها في مكان خاص، فلا يأكلون معها، ولا يشربون معها، ولا يجالسونها، ولا تتكلم مع أحد.
وقد شدد عليهم في النجاسات حتى إن الماء لا يطهر النجاسة عندهم، بل لابد من قرضها بالمقراض.
وأما النصارى فقد تساهلوا واستحلوا الخبائث واستحلوا جميع المحرمات، وباشروا جميع النجاسات، وإنما قال لهم المسيح: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:٥٠] ولهذا قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩].
وأما المؤمنون فإنهم وسط بين هؤلاء وهؤلاء، كما نعتهم الله بقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧].
فوصفهم الله بأنهم يتقون، ويؤتون الزكاة، ويؤمنون بآيات الله، ويتبعون الرسول النبي الأمي ﷺ ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧].
قوله: [وهذا باب يطول وصفه].
أي: هذه أمثلة، ولو أراد الإنسان أن يستطرد في الأمثلة لوجد أمثلة كثيرة، ولكن أكتفي بهذه الأمثلة ويقاس عليها بقية الأمثلة.
следующие страницы →