Полный текст (155 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وصف اليهود لله تعالى بصفات المخلوق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك في صفات الله تعالى، فإن اليهود وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق الناقصة، فقالوا: هو فقير ونحن أغنياء، وقالوا: يد الله مغلولة، وقالوا: إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت، إلى غير ذلك].
إن اليهود -قبحهم الله- وصفوا الله بصفات المخلوق، فقد أخبر الله عنهم بأنهم وصفوا الله بأنه فقير، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] قال الله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آل عمران:١٨١]، وهذا تهديد ووعيد شديد.
وكذلك أخبر الله عنهم أنهم قالوا: يد الله مغلولة، فرد الله عليهم بقوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤].
وقالوا أيضاً: إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت؛ لأن الله تعالى خلق الخلق في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة، والسبت ليس فيه خلق، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [ق:٣٨] وأولها الأحد وآخرها الجمعة، وأما السبت فليس فيه خلق، فقالت اليهود -قبحهم الله-: إن الله لما خلق الخلق في ستة أيام تعب واستراح في اليوم السابع، وهو يوم السبت، فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، أي: من تعب وإعياء.
فهذه مقالات شنيعة لولا أن الله ذكرها في كتابه عنهم لما صدق المسلم أن أحداً يتجرأ ويقول هذا على الله، فكيف يتجرأ هؤلاء الكفرة ويقولون: إن الله فقير، ويقولون: يد الله مغلولة، ويقولون: إن الله تعب واستراح يوم السبت؟! وكون السبت ليس فيه خلق في ذلك حكمة بالغة، وما جاء في صحيح مسلم من أن الله خلق الخلق في سبعة أيام فهذا الحديث حصل فيه خطأ وإن كان في صحيح مسلم، فقد حصل خطأ في رفعه، فالحديث في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وإنما هو مأخوذ عن كعب الأحبار، وكعب الأحبار من بني إسرائيل، أسلم وكان يحدث عن بني إسرائيل.
فاليهود وصفوا الله بصفات المخلوق الناقصة، ومن ذلك: أنهم وصفوا أنفسهم بالغنى ووصفوا الله بالفقر، وقال الله عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤]، قبحهم الله، بل يده سحاء الليل والنهار، لا تنقص خزائنه، ولا يفنى ما عنده.
стр. 37
وصف النصارى المخلوق بصفات الخالق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به فقالوا: إنه يخلق ويرزق، ويغفر ويرحم، ويتوب على الخلق، ويثيب ويعاقب].
يعني: أن النصارى -والعياذ بالله- وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به فقالوا: إنه يخلق ويرزق ويغفر ويرحم ويتوب على الخلق ويثيب ويعاقب، فجعلوه إلهاً مع الله، وقالوا: إنه ابن الله، وقالوا: إنه ثالث ثلاثة: الله وعيسى ومريم، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فالنصارى رفعوا عيسى من مقام النبوة إلى مقام الإلهية والربوبية فقالوا: إنه يخلق ويرزق ويغفر ويرحم ويتوب على الخلق، واليهود وصفوا الله بصفات المخلوق الناقصة فقالوا: إنه فقير، ويده مغلولة، وتعب واستراح يوم السبت.
стр. 38
وسطية المؤمنين في وصف الله تعالى بين اليهود والنصارى
وأما المؤمنون أهل الحق فوسط بين النصارى الذين غلوا، وبين اليهود الذين جفوا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمؤمنون آمنوا بالله ، ليس له سمي ولا ند، ولم يكن له كفواً أحد، وليس كمثله شيء؛ فإنه رب العالمين، وخالق كل شيء، وكل ما سواه عباد له فقراء إليه ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥]].
لقد وفق الله المؤمنين وهداهم إلى الحق، فصاروا وسطاً بين ضلالين: ضلال اليهود وضلال النصارى، فاليهود جفوا ووصفوا الله بصفات المخلوق الناقصة، وقالوا: إن الله فقير، ويده مغلولة، واستراح يوم السبت.
والنصارى غلوا ووصفوا المخلوق بصفة الخالق فقالوا: إن عيسى يخلق ويرزق، ويغفر ويرحم، ويتوب على الخلق، ويثيب ويعاقب.
والمؤمنون آمنوا بالله وقالوا: ليس له سمي ولا ند، ولم يكن له كفواً أحد، وليس كمثله شيء؛ فإنه رب العالمين، وخالق كل شيء، وكل ما سواه عباد له فقراء إليه، كما قال سبحانه: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥].
فهدى الله المؤمنين فلم يقولوا بقول اليهود الذين جفوا، ولم يقولوا بقول النصارى الذين غلوا، بل كان قولهم وسطاً على حسب ما جاء في الكتاب والسنة.
стр. 39
شرح الوصية الكبرى لابن تيمية [٤]
إن أهل الإسلام وسط بين أهل الملل الأخرى، وأهل السنة في هذه الملة وسط بين بقية الفرق، فهم في باب الأسماء والصفات وسط بين المعطلة والمشبهة، وفي باب القدر وسط بين القدرية والجبرية، وفي باب الوعد والوعيد وسط بين الوعيدية والمرجئة، وفي باب الصحابة وسط بين الرافضة والنواصب.
стр. 40
التحليل والتحريم عند أهل الكتاب، ووسطية الأمة المحمدية فيهما
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن ذلك أمر الحلال والحرام، فإن اليهود كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء:١٦٠]، فلا يأكلون ذوات الظفر مثل الإبل والبقر، ولا شحم الثرب والكليتين، ولا الجدي في لبن أمه، إلى غير ذلك مما حرم عليهم من الطعام واللباس وغيرهما، حتى قيل: إن المحرمات عليهم ثلاثمائة وستون نوعاً، والواجب عليهم مائتان وثمانية وأربعون أمراً، وكذلك شدد عليهم في النجاسات حتى لا يؤاكلوا الحائض ولا يجامعوها في البيوت.
وأما النصارى فاستحلوا الخبائث وجميع المحرمات، وباشروا جميع النجاسات، وإنما قال لهم المسيح: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:٥٠]، ولهذا قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩].
وأما المؤمنون فكما نعتهم الله به في قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧]، وهذا باب يطول وصفه].
المؤمنون في أمر الحلال والحرام وسط بين اليهود وبين النصارى، وكما أن المؤمنين وسط بين اليهود والنصارى في صفات الله، فهم كذلك وسط بين اليهود والنصارى في أمر الحلال والحرام.
وذلك أن اليهود قد حرم الله تعالى عليهم أنواعاً من الطيبات، كما قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء:١٦٠]، فلا يأكلون ذوات الظفر مثل الإبل والبقر، ولا شحم الثرب، وهو شحم محيط بالكرش والأمعاء، ولا الكليتين، ولا الجدي في لبن أمه، وغير ذلك مما حرم عليهم من الطعام واللباس وغيرهما، حتى قيل: إن المحرمات عليهم ثلاثمائة وستون نوعاً، والواجب عليهم مائتان وثمانية وأربعون أمراً، والسبب في ذلك ظلمهم، فلما ظلموا عاقبهم الله، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٦٠ - ١٦١]، وكذلك شدد عليهم في أمر النجاسات، حتى إنهم كانوا لا يؤاكلون الحائض، ولا يجامعونها في البيوت، أي: لا يساكنونها ولا يجتمعون بها، فإذا حاضت المرأة جعلوها في مكان خاص، فلا يأكلون معها، ولا يشربون معها، ولا يجالسونها، ولا تتكلم مع أحد.
وقد شدد عليهم في النجاسات حتى إن الماء لا يطهر النجاسة عندهم، بل لابد من قرضها بالمقراض.
وأما النصارى فقد تساهلوا واستحلوا الخبائث واستحلوا جميع المحرمات، وباشروا جميع النجاسات، وإنما قال لهم المسيح: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:٥٠] ولهذا قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩].
وأما المؤمنون فإنهم وسط بين هؤلاء وهؤلاء، كما نعتهم الله بقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧].
فوصفهم الله بأنهم يتقون، ويؤتون الزكاة، ويؤمنون بآيات الله، ويتبعون الرسول النبي الأمي ﷺ ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧].
قوله: [وهذا باب يطول وصفه].
أي: هذه أمثلة، ولو أراد الإنسان أن يستطرد في الأمثلة لوجد أمثلة كثيرة، ولكن أكتفي بهذه الأمثلة ويقاس عليها بقية الأمثلة.
стр. 41
وسطية أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات بين أهل التعطيل وأهل التمثيل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهكذا أهل السنة والجماعة في الفرق، فهم في باب أسماء الله وآياته وصفاته وسط بين أهل التعطيل الذين يلحدون في أسماء الله وآياته، ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه حتى يشبهوه بالعدم والموات، وبين أهل التمثيل الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات، فيؤمن أهل السنة والجماعة بما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل].
أهل السنة والجماعة وسط في باب أسماء الله تعالى وآياته وصفاته: بين أهل التعطيل وأهل التمثيل، والمعنى أن هذه الأمة كما أنها وسط بين أهل الملل فإن أهل السنة والجماعة وسط بين الفرق، حيث يقول الله سبحانه في وسطية الأمة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ﴾ [البقرة:١٤٣].
وذلك أن النصارى غلوا في المسيح عيسى ابن مريم وجعلوه إلهاً وجعلوه ابن الله، واليهود جفوا في عيسى وقالوا: إنه ولد بغي وولد زنا والعياذ بالله، وأهل الحق -وهم هذه الأمة- وسط بين ذلك، فاعتقدوا أنه عبد الله ورسوله ليس إلهاً ولا ابناً كما تقول النصارى، وليس ولد بغي كما تقول اليهود، وإنما هو عبد الله ورسوله، خلقه الله من أنثى بلا أب لتتم القسمة الرباعية، فإن الله جعل الناس بني آدم أربعة أقسام: قسم خلق بلا ذكر ولا أنثى، وهو آدم الذي خلقه الله من طين، وقسم خلق من ذكر بلا أنثى، وهي حواء التي خلقت من ضلع آدم، وقسم خلق من أنثى بلا ذكر، وهو عيسى، وقسم خلق من أنثى وذكر، وهم سائر الناس، فتمت القسمة الرباعية بخلق عيسى من أنثى بلا أب، ولله الحكمة البالغة.
فكما أن هذه الأمة في الملل وسط فأهل السنة والجماعة من هذه الأمة وسط؛ لأن هذه الأمة فرق متعددة، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة.
قيل: من هي يا رسول الله؟! قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي).
فهذه الفرق كلها مبتدعة متوعدة بالنار إلا فرقة واحدة، وهم أهل السنة والجماعة، وهم الطائفة المنصورة، وهم أهل الحق، وهم الفرقة الناجية.
فأهل السنة والجماعة وسط بين فرق المبتدعة، فهم في باب أسماء الله وصفاته وسط بين أهل التعطيل وأهل التمثيل، وأهل التعطيل هم الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، فالجهمية نفوا الأسماء والصفات عن الله ، فقالوا: ليس بسميع، ولا بصير، ولا عليم، ولا قدير، ولا يوصف بالعلم، ولا بالقدرة، ولا بالسمع، ولا بالبصر، وسلبوا عن الله تعالى جميع الأسماء والصفات، وعلى هذا يكون عدماً، فالشيء الذي ليس له صفات ليس له وجود في الواقع، ولهذا كفرهم الأئمة وكثير من أهل الحديث وأهل السنة والجماعة، وقالوا: إن الجهمية كفار خارجون عن الثنتين والسبعين فرقة، وكفرهم خمسمائة عالم كما ذكر العلامة ابن القيم: ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان والمعتزلة أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات، فقالوا: عليم بلا علم، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، قدير بلا قدرة، فمن العلماء من كفرهم ومن العلماء من بدعهم.
والأشاعرة أثبتوا الأسماء وأثبتوا سبع صفات، وهي: الحياة والكلام والبصر والسمع والإرادة والعلم والقدرة.
فهؤلاء يسمون أهل التعطيل؛ لأنهم عطلوا الله من أسمائه وصفاته؛ وهذا هو الإلحاد في أسماء الله وآياته، ولهذا قال المؤلف ﵀: وسموا بأهل التعطيل؛ لأنهم الذين يلحدون في أسماء الله وآياته ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه من الأسماء والصفات ويقولون: ليس بسميع ولا بصير ولا عليم، ولا يوصف بالسمع ولا بالبصر، حتى شبهوه بالعدم، وقد سبق أن الجهمية ينكرون الأسماء والصفات، فيجعلونه عدماً لا وجود له كالموات الذي لا وجود له؛ لأن كل شيء موجود لابد من أن يوصف بصفات.
فهؤلاء يقولون: ليس له طول ولا عرض ولا عمق، ولا لون ولا ثقل ولا خفة، وليس في السماء ولا في الأرض، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف.
هكذا قالت الجهمية والعياذ بالله، ولهذا فإن أهل التعطيل يعبدون عدماً.
فأهل السنة وسط بين أهل التعطيل وبين أهل التمثيل الذي يضربون لله الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات، فأهل التمثيل -وهم أهل التشبيه- وغلاتهم من الشيعة يثبتون الأسماء والصفات لله لكن يشبهونها بصفات المخلوقين، فيقول أحدهم: لله سمع كسمعي، وبصر كبصري، ويد كيدي، ورجل كرجلي، واستواء كاستوائي.
فشبهوا الله بالمخلوقات، وقالوا: لا نعلم معنى هذه الصفات إلا كما هي عند المخلوق، فالله مثل المخلوقات عندهم، وهم في الحقيقة ما عبدوا الله، وإنما عبدوا صنماً ووثناً تخيلوه، ولهذا قال العلامة ابن القيم: من شبه الله العظيم بخلقه فهو كذاك المشرك النصراني ومراده أن من شبه الله بخلقه فهو مشابه للنصارى حينما عبدوا عيسى وجعلوه إلهاً، فالمشبه شابه النصارى في عبادتهم لعيسى من دون الله، وقال ابن القيم: لسنا نشبه وصفه بصفاتنا إن المشبه عابد الأوثان فالمشبه ما عبد الله وإنما عبد وثناً صوره له خياله ونحته له فكره، فهو من عباد الأوثان لا من عباد الرحمن.
ولهذا قال السلف: المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، والموحد يعبد إلهاً واحداً.
وغالب المشبهة من غلاة الشيعة، كالبيانية الذين ينسبون إلى بيان بن سمعان التميمي، والسالمية الذين ينسبون إلى أبي الحسن بن سالم.
ومن المشبهة هشام بن الحكم الرافضي، وقد قال بعضهم: إن الله على صفة الإنسان.
فأهل التشبيه غلوا في الإثبات، وأهل التعطيل غلوا في التنزيه، وأهل السنة والجماعة وسط بين أهل التعطيل وأهل التشبيه، فأهل التعطيل معهم حق ومعهم باطل، وأهل التشبيه معهم حق ومعهم باطل، فأهل السنة أخذوا الحق الذي مع أهل التعطيل وأخذوا الحق الذي مع أهل التمثيل، ونفوا الباطل الذي عند هؤلاء وهؤلاء، فالحق الذي مع أهل التعطيل هو التنزيه، أي: تنزيه الله عن مشابهة المخلوق، لكن عندهم باطل وهو الزيادة في نفي هذا التشبيه حتى وصلوا إلى التعطيل.
والحق الذي عند أهل التمثيل هو إثبات الصفات، لكن عندهم باطل وهو الغلو في هذا الإثبات حتى شبهوا الله بالمخلوقات.
فأخذ أهل السنة والجماعة الحق الذي مع المشبهة وهو الإثبات، وأخذوا الحق الذي مع المعطلة وهو التنزيه، فخرج الحق لبناً خالصاً سائغاً للشاربين من بين فرث التعطيل ودم التشبيه.
فأهل السنة وسط بين المشبهة الممثلة وبين المعطلة، ولهذا قال المؤلف ﵀ مبيناً مذهب أهل السنة: [فيؤمن أهل السنة والجماعة بما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فلا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يقولون: إن صفات الله معناها كذا أو إنه يشبه كذا، ولا يعطلون الصفات.
стр. 42
وسطية أهل السنة والجماعة في القدر بين القدرية والجبرية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهم في باب خلقه وأمره وسط بين المكذبين لقدرة الله الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء، وبين المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عمل، فيعطلون الأمر والنهي والثواب والعقاب، فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨].
فيؤمن أهل السنة بأن الله على كل شيء قدير، فيقدر أن يهدي العباد ويقلب قلوبهم، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في ملكه ما لا يريد، ولا يعجز عن إنفاذ مراده، وأنه خالق كل شيء من الأعيان والصفات والحركات].
كما أن أهل السنة وسط في باب أسماء الله وصفاته بين المعطلة وبين الممثلة فهم أيضاً وسط في باب خلق الله وأمره بين المكذبين بقدرة الله الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء، وهؤلاء هم القدرية، فالقدرية يكذبون بقدرة الله الكاملة، ومشيئته الشاملة، وخلقه لكل شيء، فيقولون: إن الله لا يقدر على كل شيء؛ فهناك شيء لا يقدر عليه الله، وهو أفعال العباد.
ولا يقولون بمشيئة الله الشاملة، فيقولون: إن الله شاء كل شيء إلا أفعال العباد فلم يشأها، وكذلك لا يقولون بعموم الخلق لله، فيقولون: إن الله خالق كل شيء إلا أفعال العباد فلم يخلقها، فهم يكذبون بقدرة الله، ولا يؤمنون بقدرته الكاملة وخلقه لكل شيء، فلا يقولون: إن الله على كل شيء قدير، وإنما يقولون: إنه على ما يشاء قدير، ولا يقولون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، بل يقولون: هناك شيء ما شاءه الله.
فهم يخالفون المسلمين، إذ المسلمون يقولون: الله على كل شيء قدير، والقدرية يقولون: لا، الله على ما يشاء قدير، والمسلمون يقولون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
والقدرية لا يقولون: ما شاء الله كان، بل يقولون: هناك شيء يكون ولا يشاؤه الله؛ ويقولون: إن أفعال العباد من خير وشر وطاعة ومعصية لا تعلق لها بمشيئة الله وقدرته، ويقولون: لو قلنا: إن الله خلق المعصية وخلق الكفر وعذب عليها لصار ظالماً، والله عادل لا يجور.
ويقولون: إن المعاصي ما شاءها الله، وإنما العباد هم الذين شاءوها وخلقوها وأوجدوها مستقلين.
وكذلك الطاعات والإيمان ما خلقها الله عندهم، بل الإنسان هو الذي خلقها، وبنوا على هذا أنه يجب على الله أن يثيب المطيع، ويجب على الله أن يعاقب العاصي، وليس له أن يعفو عنه، ويوجبون ذلك على الله؛ لأن العبد هو الذي كسب الطاعة فيجب على الله أن يثيبه، وهو يستحق على الله الثواب والأجر كما يستحق الأجير أجرته.
وأما العاصي فيجب على الله أن يعذبه وليس له أن يعفو عنه، ولا أن يغفر له؛ لأن الله توعده، والله لا يخلف الميعاد.
فرد عليهم أهل السنة وقالوا: أنتم فررتم من القول بأنه خلق المعاصي وعذب عليها، لكن وقعتم في شر منه، وهو أنه يقع -عندكم- في ملك الله ما لا يريد، فالله لا يريد المعاصي وتقع، فهل يقع في ملك الله ما لا يريد؟ وكذلك يلزم على مذهبكم أن مشيئة العبد تغلب مشيئة الله؛ لأن الله يشاء الطاعة من العبد والعبد يشاء المعصية فتقع مشيئة العبد ولا تقع مشيئة الله، فتغلب مشيئة العبد مشيئة الله، وهذا من أعظم الفساد.
ويلزم كذلك على مذهبكم أن يكون في هذا الوجود شيء لم يخلقه الله، وهو أفعال العباد.
فهذه كلها محاذير لا تستطيعون أن تنفكوا عنها.
فأما القول بأن الله خلق المعاصي فهذا ليس فيه إشكال؛ لأن الله إنما خلق المعاصي والكفر لحكمة بالغة، والذي ينسب إلى الله إنما هو الخلق والإيجاد، وهو مبني على الحكمة، فلا تكون شراً بالنسبة إلى الله؛ وإنما تكون شراً بالنسبة إلى العبد الذي باشر المعصية والكفر، حيث يضره ذلك ويسوؤه ويعاقب عليها.
ومن الحكم في أن الله تعالى خلق المعاصي والكفر ظهور قدرة الله على خلق المتضادات، ومن الحكم أنه يترتب على خلق المعاصي والكفر عبوديات متنوعة، فلولا خلق المعاصي ما وجدت عبودية الجهاد في سبيل الله، فلو لم يخلق الله تعالى الكفر والمعاصي فأين ستظهر عبودية الجهاد في سبيل الله؟! ومن سيجاهد؟! ولولا خلق المعاصي ما وجدت عبودية الدعوة إلى الله، وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبودية الولاء والبراء، وعبودية الحب في الله والبغض في الله، وعبودية التوبة وغيرها.
فالله تعالى أراد خلقها لما يترتب عليها من الحكم فصارت بالنسبة إلى الله خيراً، وهذا هو معنى قول النبي ﷺ : (والشر ليس إليك)، فالشر المحض الذي لا حكمة في إيجاده وتقديره لا يوجد، وليس في الوجود شر محض أبداً، وجميع الشرور الموجودة نسبية، فهي شرور بالنسبة إلى العبد، وأما بالنسبة إلى الله فهي خير ورحمة؛ لأنها مبنية على الحكمة.
فالقدرية من أجهل الناس، ولهذا قالوا: إن الله تعالى ما خلق أفعال العباد ولا أرادها ولا شاءها.
فأهل السنة وسط بين القدرية النفاة للقدر والجبرية الغلاة فيه، وهؤلاء الجبرية مفسدون لدين الله، لأنهم يقولون: إن العبد مجبور على أفعاله وليس له مشيئة ولا قدرة ولا اختيار، فأفعاله كلها اضطرارية بمنزلة حركة المرتعش، وحركة النائم، وحركة الأشجار عند هبوب الريح، فيقولون: إن الأفعال هي أفعال الله، فالله هو المصلي، والصائم، والعباد وعاء للأفعال تمر عليهم مروراً، فالعباد كالكوز والله كصاب الماء فيه، فتُصَب فيهم الأفعال صباً وهي أفعال الله، والعباد مجبورون على أفعالهم.
فهم على طرفي نقيض مع القدرية، فالقدرية يقولون: العباد هم الذين خلقوا أفعالهم من طاعات ومعاصٍ، والله لا يقدر على خلقها، وهؤلاء قالوا: الأفعال أفعال الله كلها وليس للعبد اختيار ولا إرادة.
وهذا من أبطل الباطل، إذ الإنسان يستطيع القيام والقعود والحركة بغير حركة المرتعش وحركة النائم.
وكانت نتيجة هذا المذهب الفاسد أنهم أفسدوا دين الله، فعطلوا الأمر والنهي، والثواب والعقاب، فعلى مذهب الجبرية يكون قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] لا فائدة فيه، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] لا فائدة فيه، فيعذرون العبد ويقولون: من ترك الصلاة فهو معذور؛ لأنه مجبور، والزاني معذور.
وعلى هذا تبطل الشرائع، وتبطل الأوامر والنواهي، وتكون الشرائع عبثاً، وتكون الأوامر والنواهي عبثاً، ويكون إرسال الرسل وإنزال الكتب عبثاً تعالى الله عما يقولون.
ومذهب الجبرية أفسد من مذهب القدرية وأقبح، فالقدرية وإن كانوا يقولون: إن الإنسان يخلق فعله إلا أنهم يعظمون الشرائع والأوامر والنواهي، وأما هؤلاء الجبرية فهم يبطلون الشرائع، ويقول المرء منهم: أنا إن عصيت أمره الديني الشرعي فقد وافقت أمره الكوني القدري.
ويقول أحدهم معترضاً على الله ساباً له بأنه يكلف العبد وهو مجبور على أفعاله: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء يقولون: مثل الله حينما يأمر العبد بالأوامر والنواهي -وهو الذي يقدر عليه غير ذلك- كمثل شخص يأتي بإنسان موثق ويلقيه في البحر ويقول له: لا يصبك الماء!! فالرب حينما يكلف العباد وهم مجبورون على أفعالهم يصيرون بذلك بمنزلة المكتوف الملقى في البحر حين تطلب منه النجاة، تعالى الله عما يقولون.
ويقولون: إن الثواب والعقاب ليس على الأعمال، والرب إنما ينعم أهل الجنة بمجرد المشيئة والقدرة من دون سبب ولا عمل، فالأعمال الصالحة ليست سبباً في دخول الجنة، والشرك -وكذلك المعاصي- ليس سبباً في دخول النار.
ويقولون: إن المشيئة الإلهية تجمع بين المتفرقات وتفرق بين المتماثلات.
تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
وهؤلاء رئيسهم الجهم بن صفوان، وقد اشتهر جهم بن صفون بأربع عقائد: العقيدة الأولى: عقيدة نفي الصفات، فقد أنكر الأسماء والصفات.
والعقيدة الثانية: تزعمه للجبرية، فهو يقول: إن العبد مجبور على أفعاله.
والعقيدة الثالثة: عقيدة المرجئة، فيقول: إن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان، وإن الإنسان إذا عرف ربه بقلبه فهو مؤمن؛ ولو فعل جميع الكبائر والمنكرات ونواقض الإسلام، فلا تضره حتى يجهل ربه بقلبه.
والعقيدة الرابعة: قوله: إن الجنة والنار تفنيان يوم القيامة.
فهذه عقائد أربع خبيثة اشتهر بها الجهم.
فالجبرية يعطلون الأمر والنهي، والثواب والعقاب، فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قال الله عنهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨].
وأما أهل السنة والجماعة فهداهم الله للحق فكانوا وسطاً بين القدرية وبين الجبرية، فلم يقولوا بقول الجبرية: إن العبد مجبور على أفعاله، وإنه ليس له قدرة ولا اختيار، بل قالوا: إن العبد له قدرة وله اختيار، ولكن الله خلق العبد وخلق قدرته وإرادته، وجعله مريداً مختاراً يفعل بقدرته واختياره ما يشاء، ولا يقولون: إن العباد خالقون لأفعالهم، بل يقولون: إن الله خلق العبد وخلق قدرته وإرادته واختياره، والعبد هو الذي يباشر الأعمال بكسبه واختياره وإرادته والله خلق العباد وخلق قدرتهم وإرادتهم، فهم مختارون، ويستطيع الإنسان أن يفعل ما يشاء ويتركه، فالأفعال هي من الله تقديراً وخلقاً وإيجاداً، ومن العباد فعلاً وتسبباً وكسباً ومباشرة.
هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، فيؤمن أهل السنة بأن الله على كل شيء قدير خلافاً للقدرية الذين لا يقولون: إن الله على كل شيء قدير، بل يقولون: على ما يشاء قدير، وأما الذي لا يشاؤه فلا يقدر عليه.
ويؤمن أهل السنة بأن الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:١١٠].
وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فهذ
стр. 43
وسطية أهل السنة في الوعد والوعيد والأسماء والأحكام بين الوعيدية والمرجئة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وسط بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية، ويكذبون بشفاعة النبي ﷺ ، وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء، والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان، ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية، فيؤمن أهل السنة والجماعة بأن فساق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله وليس معهم جميع الواجب الذي يستوجبون به الجنة، وأنهم لا يخلدون في النار، بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، أو مثقال خردلة من الإيمان، وأن النبي ﷺ ادخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته].
أهل السنة في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وسط بين الوعيدية والمرجئة، فكما أنهم وسط في باب الصفات بين أهل التعطيل وأهل التمثيل، وفي باب خلق الله وأمره وسط بين القدرية وبين الجبرية، فهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وسط بين الوعيدية والمرجئة.
والأسماء المراد بها هنا تسمية الإنسان كافراً أو مؤمناً أو فاسقاً.
وأما الأحكام فالمراد بها الحكم على مرتكب المعاصي كالزنا، فهل يحكم عليه بأنه في النار أو في الجنة؟ والوعيدية هم الخوارج والمعتزلة، وسموا وعيدية لأنهم يقولون بوجوب إنفاذ الوعيد على الله، والخوارج والمعتزلة يرون أن مرتكب الكبيرة يخرج من الإيمان ولا يبقى معه شيء من الإيمان، فإذا زنى المسلم كفر عند الخوارج، فيخرج من الإيمان ويدخل في الكفر، والعاق لوالديه يكفر عند الخوارج، ومن أكل الرشوة كفر، فكل من ارتكب كبيرة فهو كافر في الدنيا، وفي الآخرة مخلد في النار، فهذا مذهب الخوارج، وهو تكفير المسلمين بالمعاصي.
وأما المعتزلة فقالوا: مرتكب الكبيرة يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر.
فالزاني عند المعتزلة خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر.
وإذا كان كذلك فأين يكون؟ قالوا: يكون في منزلة بين المنزلتين: بين الإيمان وبين الكفر، فهو لا مؤمن ولا كافر.
فاتفقت الطائفتان على أنه في الآخرة مخلد في النار، وأما في الدنيا فهم مختلفون، فالخوارج يقولون: خرج من الإيمان ودخل في الكفر، والمعتزلة يقولون: خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، بل يكون في منزلة بين المنزلتين.
والخوارج يقولون: نسميه كافراً، والمعتزلة يقولون: نسميه فاسقاً فهو لا مؤمن ولا كافر، فهذا هو مذهب الوعيدية.
وقد أبطلوا النصوص التي فيها الشفاعة للعصاة وأنهم يخرجون من النار مع أنها متواترة، فأبطلوها كلها وأنكروها، وقد رد عليهم أهل السنة وبدعوهم وضللوهم؛ وبينوا أنه قد تواترت الأخبار عن النبي ﷺ بأنه يشفع لأهل الكبائر، وأنهم يخرجون من النار، وهؤلاء قالوا: لا توجد شفاعة، بل العاصي كالكافر مخلد في النار.
وأبطلوا النصوص التي فيها أن العصاة يخرجون من النار.
وقابلهم المرجئة فقالوا: إذا فعل الكبائر لا يتأثر إيمانه، بل هو مؤمن كامل الإيمان، وإيمانه كإيمان جبريل وميكائيل، وإيمان الفاسق السكير كإيمان أبي بكر وعمر عندهم سواء بسواء.
والمرجئة طائفتان: الأولى: الغلاة، وهم الذين يقولون: إن الإيمان لا يتأثر بالمعاصي، فالمؤمن كامل الإيمان، ولا تضره معصية حتى لو ارتكب جميع نواقض الإسلام، وما دام أنه قد عرف ربه بقلبه فهو مؤمن ولو فعل جميع نواقض الإسلام، ولو سب الله أو سب الرسول وقتل الأنبياء وهدم المساجد وفعل جميع المنكرات فلا يكفر، ولا يؤثر هذا في إيمانه حتى يجهل ربه بقلبه، وهو مؤمن كامل الإيمان في الدنيا، وفي الآخرة لا يعذب.
هذا هو مذهب المرجئة الغلاة ورئيسهم الجهم بن صفوان.
الطائفة الثانية: مرجئة الفقهاء، وهم طائفة من أهل السنة، وهم أبو حنيفة وأصحابه وأهل الكوفة، يقولون: إن الإيمان هو التصديق بالقلب، والناس يتساوون في الإيمان، والتفاضل بينهم إنما هو في الأعمال.
فعندهم أن الناس يتساوون في الإيمان، لكن الأعمال مطلوبة، ولا يقولون كالمرجئة، بل يقولون: الأعمال مطلوبة، والعاصي يستحق الوعيد ويقام عليه الحد، وهو متوعد في الآخرة بالنار.
فعندهم أن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان، وتفاضل الناس في الأعمال لا في الإيمان.
فهؤلاء يسمون مرجئة الفقهاء.
وأهل السنة وسط بين المرجئة وبين الوعيدية، فلا يقولون بقول الخوارج: إن العاصي يكفر ويخلد في النار، ولا يقولون بقول المرجئة: إن المؤمن لا تضره المعصية.
بل يقولون: إن العاصي ضعيف الإيمان، ولكنه لا يخرج من الإيمان، ولا يكفر بمعصيته إلا إذا مات على الكفر.
فالزاني ضعيف الإيمان، والمرابي ضعيف الإيمان، لكن إذا دخلا النار فإنهما لا يخلدان ما دام أن معهما شيئاً من الإيمان، ولا يخلد في النار إلا الكفرة، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة.
فهم يقولون: إن الزاني والسارق وشارب الخمر والعاق لوالديه وقاطع الرحم ضعيفو الإيمان، فلا يحكمون لهم بالإيمان مطلقاً ولا ينفونه عنهم مطلقاً، بل لابد عندهم من القيد في النفي والإثبات.
ففي الإثبات يقول أهل السنة في العاصي: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو ضعيف الإيمان، أو فاسق بكبيرته إن كان ارتكب كبيرة، وفي النفي يقولون: ليس بصادق الإيمان، وليس بمؤمن حقاً، ولا تقل: ليس مؤمناً مطلقاً فتوافق الخوارج.
وهذا في الدنيا، وأما في الآخرة فقد يعفى عنه، وقد يعذب، وقد يشفع له فلا يدخل النار.
وقد يدخل النار أهل الكبائر ولكن يعذبون على حسب ذنوبهم ويخرجون بشفاعة الشافعين، فنبينا ﷺ يشفع، وسائر الأنبياء يشفعون، والملائكة تشفع، وتبقى بقية لا تنالهم الشفاعة فيخرجهم رب العالمين برحمته، فإذا خرجوا تكامل خروج عصاة الموحدين فتطبق النار على الكفرة بجميع أصنافهم، فلا يخرجون منها أبد الآباد.
هذا هو معنى قول المصنف ﵀: [وهم -أي: أهل السنة والجماعة- في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وسط بين الوعيدية -أي: الخوارج والمعتزلة- الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية، ويكذبون بشفاعة النبي ﷺ وبين المرجئة].
فهم وسط بين الوعيدية وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء، وإيمان أهل السماء وأهل الأرض واحد، ولا يوجد تفاضل بينهم.
وأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الفساق معهم بعض الإيمان وأصله، وليس معهم جميع الإيمان الكامل الذي يستحقون به الجنة، بل يستحق الفاسق دخول النار إذا مات على البدع، أو على السرقة، أو على الخمر من غير توبة، لكن قد يعفو الله عنه، وقد يعذبه ثم يخرج إلى الجنة، بخلاف المؤمن المطيع فإنه بإيمانه يستحق دخول الجنة ابتداء.
وعندهم أن العصاة والفساق لا يخلدون في النار إذا دخلوا فيها خلافاً للخوارج والمعتزلة، بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، أو مثقال خردلة من إيمان، وهي الحبة الصغيرة.
والمعاصي لا تقضي على الإيمان ولو كثرت، فلابد من أن يبقى شيء من الإيمان حتى ولو مات عاصياً، فلا يزول إيمانه إلا إذا وجد الكفر الأكبر، أو النفاق الأكبر، أو الشرك الأكبر.
وأما إذا سلم الإنسان من الكفر الأكبر والشرك الأكبر والنفاق الأكبر فلا بد من أن يبقى معه شيء من الإيمان ولو كثرت المعاصي، حتى إنه يخرج من النار بمثقال حبة من إيمان، وبمثقال خردلة من إيمان.
وقد ادخر النبي ﷺ شفاعته لأهل الكبائر من أمته، فأهل الكبائر يشفع لهم النبي أربع مرات، ويشفع لهم بقية الأنبياء، ويشفع لهم الملائكة، ويشفع لهم المؤمنون، وتبقى بقية لا تنالهم الشفاعة فيخرجهم رب العالمين برحمته.
стр. 44
وسطية أهل السنة والجماعة في الصحابة بين الشيعة والنواصب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهم أيضاً في أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم وسط بين الذين يغالون في علي ﵁ فيفضلونه على أبي بكر وعمر ﵄، ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما، وأن الصحابة ظلموا وفسقوا وكفروا، والأمة بعدهم كذلك، وربما جعلوه نبياً أو إلهاً، وبين الجافية الذين يعتقدون كفره وكفر عثمان ﵄ ويستحلون دماءهما ودماء من تولاهما، ويستحلون سب علي وعثمان ونحوهما، ويقدحون في خلافة علي ﵁ وإمامته].
أهل السنة وسط في الصحابة بين الغلاة وبين الجفاة، والغلاة هم الشيعة والرافضة، والجفاة هم النواصب، وهم الخوارج، فأهل السنة وسط بينهما: وسط بين الغلاة الذين يغالون في علي كالرافضة، فيفضلونه على أبي بكر وعمر ﵄، ويقولون: علي أفضل من أبي بكر وعمر، ويقولون: إنه الإمام المعصوم.
ويقولون: إن الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ كفروا وظلموا وفسقوا وارتدوا وأخفوا النصوص التي تدل على أن الخليفة بعده هو علي، فولوا أبا بكر الخلافة زوراً وظلماً وبهتاناً، ثم ولوا عمر الخلافة زوراً وبهتاناً وظلماً، ثم ولوا عثمان الخلافة زوراً وبهتاناً وظلماً، ثم وصلت النوبة إلى الخليفة الأول وهو الإمام المعصوم علي.
ويقولون: إن النبي ﷺ نص على اثني عشر إماماً بعده؛ ولهذا يسمون الإثني عشرية؛ فقالوا: إن النبي ﷺ نص على أن الخليفة بعده هو علي ﵁، ثم الخليفة الثاني الحسن بن علي ابنه، ثم الخليفة الثالث الحسين بن علي، ثم الخليفة الرابع علي بن الحسين زيد العابدين، ثم محمد بن علي الباقر، ثم جعفر بن محمد الصادق، ثم موسى بن جعفر الكاظم، ثم علي بن موسى الرضا، ثم محمد بن علي الجواد، ثم علي بن محمد الهادي، ثم الحسن بن علي العسكري، ثم محمد بن الحسن المهدي المنتظر الذي دخل سرداب سامراء في العراق سنة ستين ومائتين ولم يخرج منه إلى الآن.
وقد مضى عليه إلى الآن قرابة ألف ومائتي سنة، وهو شخص موهوم لا حقيقة له؛ لأن أباه الحسن بن علي العسكري مات عقيماً ولم يولد له، فاختلقوا له ولداً وأدخلوه السرداب وهو ابن سنتين أو ثلاث أو خمس سنين.
وهم في كل سنة يأتون إلى باب السرداب ويأتون بدابة، ويشترون السلاح وينادون بأعلى صوتهم: يا مولانا اخرج، يا مولانا اخرج، يا مولانا اخرج! يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في زمانه في القرن السابع الهجري: إنه يوجد منهم - أي: الرافضة - أقوام في مناطق بعيدة على المشهد في العراق، وفي أماكن في المدينة وغيرها يقفون أوقات الصلوات في أوقات عينوها لا يصلون، وإذا قيل لهم: لماذا لا تصلون؟ قالوا: نخشى أن يخرج المهدي ونحن في الصلاة فننشغل عنه.
وعلي ﵁ هو الخليفة الراشد الرابع، والحسن بن علي تولى الخلافة ستة أشهر ثم تنازل لـ معاوية، وأما الحسين فقد غدر به أهل العراق فقتلوه.
وهؤلاء الشيعة يقولون: من لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.
وإمام هذا الزمان عندهم هو المهدي المنتظر الذي دخل السرداب، وهم اليوم لا يعرفون إمامهم، فيكونون قد حكموا على أنفسهم بالكفر.
فهؤلاء غلاة يغالون في علي فيفضلونه على أبي بكر وعمر، ويعتقدون أنه الإمام المعصوم، وأن الصحابة ظلموا وفسقوا وكفروا بعد وفاة النبي ﷺ .
وربما جعلوه نبياً، فبعضهم يجعل علياً هو النبي، وهؤلاء مخطئون؛ وهم طائفة من غلاة الشيعة قالوا: إن الله أرسل جبريل بالرسالة إلى علي، ولكنه خان فأوصلها إلى محمد، فخالف أمر الله وأعطى الرسالة لمحمد، وهذا كفر بإجماع المسلمين، ومن اعتقد هذا الاعتقاد فهو كافر، وكذلك من اعتقد أن الصحابة كفروا وظلموا بعد وفاة النبي ﷺ فهو كافر مرتد؛ لأن الله زكاهم وعدلهم ووعدهم بالجنة، وهذا تكذيب لله، وتكذيب الله كفر، ومن قال: إن القرآن غير محفوظ فهو مكذب لله تعالى في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وكذلك من يعبد أهل البيت ويتوسل بهم فهو كافر مشرك.
وبعضهم يقول: علي هو الإله، وإن الله حل في علي.
وهم النصيرية.
فالشيعة طوائف، فالنصيرية يقولون: إن الله حل في علي وإن علياً سيرجع، والمخطئة يقولون بخيانة جبريل، والغلاة منهم يعبدون آل البيت، ويكفرون الصحابة، ويقولون بتحريف القرآن وعدم حفظه.
وأهل السنة وسط بين الرافضة الشيعة وبين الجافية وهم النواصب الخوارج الذين نصبوا العداوة لآل البيت، وكفروا علياً، وقالوا: علي كافر، وعثمان كافر، وقالوا: دم علي حلال، ودم عثمان حلال؛ لأنهما كفرا، فـ عثمان كفر؛ لأنه خان، وعلي كفر؛ لأنه حكم الرجال في كتاب الله.
وكذلك من تولاهما يستحلون دمه، ويستحلون سب علي وعثمان رضي الله تعالى عنهما، أي: يرون أن سب علي وعثمان حلال، ويقدحون في خلافة علي وإمامته.
فأهل السنة لا يقولون بقول الرافضة الذين يسبون الصحابة ويكفرونهم ويؤلهون علياً أو يجعلونه نبياً، ولا يقولون بقول النواصب الذين يكفرون علياً وعثمان ومن شايعهما ويستحلون سبهما، بل يترضون عن الصحابة كلهم ويترحمون عليهم ويعتقدون فضلهم وسابقتهم، وأنهم خير الناس بعد الأنبياء، وأنه لا أحد مثلهم، ويعتقدون أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها هو أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وأن ترتيبهم في الفضيلة كترتيبهم في الخلافة، ثم بقية العشرة المبشرون بالجنة، ثم أهل بدر وأهل بيعة الرضوان، فلا يسبون الصحابة ولا يكفرونهم، بل ينزلونهم منازلهم التي أنزلهم الله إياها بالعدل والإنصاف لا بالهوى والتعصب، ويعتقدون عدم العصمة لأحد منهم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذلك في سائر الأبواب فأهل السنة هم وسط؛ لأنهم متمسكون بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان].
أي: أن أهل السنة وسط في سائر الأبواب؛ لأنهم متمسكون بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فمذهبهم هو الحق، وهم أهل الحق، والحق وسط بين ضلالين.
стр. 45
شرح الوصية الكبرى لابن تيمية [٥]
لقد وجد في تاريخ الإسلام رجال قاموا به خير القيام، وكان لهم من الصيت والثناء الحسن الشيء الكثير، وكان لهم من الأتباع الكثير، ومع ذلك فهم قد يصيبون وقد يخطئون، وقد يعلمون وقد يجهلون، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا نبينا محمداً ﷺ ، وما كان لهؤلاء من الثناء الحسن والقبول عند الناس إنما هو بسبب تمسكهم بالسنة، وتقديمها على كل شيء.
стр. 46
ثناء شيخ الإسلام على عدي بن مسافر وجماعته
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: وأنتم -أصلحكم الله- قد من الله عليكم بالانتساب إلى الإسلام الذي هو دين الله، وعافاكم الله مما ابتلي به من خرج عن الإسلام من المشركين وأهل الكتاب، والإسلام أعظم النعم وأجلها؛ فإن الله لا يقبل من أحد ديناً سواه ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
وعافاكم الله بانتسابكم إلى السنة من أكثر البدع المضلة، مثل كثير من بدع الروافض والجهمية والخوارج والقدرية، بحيث جعل عندكم من البغض لمن يكذب بأسماء الله وصفاته وقضائه وقدره أو يسب أصحاب رسول الله ﷺ ما هو من طريقة أهل السنة والجماعة، وهذا من أكبر نعم الله على من أنعم عليه بذلك؛ فإن هذا من تمام الإيمان وكمال الدين، ولهذا كثر فيكم من أهل الصلاح والدين وأهل القتال المجاهدين ما لا يوجد مثله في طوائف المبتدعين، وما زال في عساكر المسلمين المنصورة وجنود الله المؤيدة منكم من يؤيد الله به الدين، ويعز به المؤمنين].
المؤلف ﵀ يخاطب أبا البركات عدي بن مسافر الأموي وأتباعه، ويبين لهم أنهم على خير وأن فيهم خيراً عظيماً، وأنهم بريئون من كثير من البدع، فالمؤلف ﵀ يشجعهم ويحثهم على الالتزام بالسنة والاعتصام بها والبعد عن أهل البدع، ويثني عليهم بما فيهم من الخير والصلاح، فيقول: [وأنتم -يعني: عدي بن مسافر وأتباعه- أصلحكم الله قد من الله عليكم بالانتساب إلى الإسلام الذي هو دين الله].
يعني: أن عدي بن مسافر ومن معه من الله عليهم بالإسلام، والإسلام هو دين الله، وهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.
قال: [وعافاكم الله مما ابتلى به من خرج عن الإسلام من المشركين وأهل الكتاب].
أي: أن الله عافاكم من الكفر الذي عليه المشركون وأهل الكتاب: اليهود والنصارى.
يقول: [والإسلام أعظم النعم وأجلها؛ فإن الله لا يقبل من أحد ديناً سواه ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]].
وسبق أن دين الأنبياء هو الإسلام، والإسلام هو دين الله في الأرض وفي السماء، ولا يقبل الله من أحد ديناً سواه، وهو توحيد الله، وإخلاص العبادة له، واتباع كل نبي في الشريعة التي جاء بها، فالإسلام في زمن آدم ﵇ هو توحيد الله واتباع آدم في ما جاء به من الشريعة، والإسلام في زمن نوح هو توحيد الله والعمل بالشريعة التي جاء بها، والإسلام في زمن هود هو توحيد الله والعمل بالشريعة التي جاء بها، وهكذا في زمن إبراهيم وموسى وعيسى حتى ختمهم الله بنينا محمد ﷺ ، فالإسلام بعد بعثة محمد ﷺ هو توحيد الله والعمل بما جاء به محمد ﷺ من الشريعة الكاملة.
فهو يخاطب عدي بن مسافر وأصحابه ويذكرهم بنعمة الإسلام، فيقول: لقد من الله عليكم بالإسلام وسلمكم من الكفر، ومن الله عليكم بلزوم السنة، وعافاكم من كثير من البدع المضلة، مثل بدع الروافض والجهمية والخوارج والقدرية، كتكفير الروافض الصحابة، وعبادتهم آل البيت، وقولهم بأن القرآن غير محفوظ، وإنكار الجهمية الأسماء والصفات، وتكفير الخوارج المسلمين بالمعاصي.
ثم يخاطبهم بقوله: [وأنتم سلمكم الله من هذه الفتن بحيث جعل عندكم من البغض لمن يكذب بأسماء الله وصفاته وقضائه وقدره، أو بسب أصحاب رسول الله، وهذا من أكبر نعم الله على من أنعم عليه بذلك].
والمعنى: هذه نعمة عظيمة من الله بها عليكم حيث إنكم تبغضون من كذب بأسماء الله وصفاته، وقضائه وقدره، وتبغضون من سب الصحابة، وهذا من تمام الإيمان وكمال الدين.
يقول: [ولهذا كثر فيكم من أهل الصلاح والدين، وأهل القتال المجاهدين ما لا يوجد مثله في طوائف المبتدعين].
وطائفة عدي بن مسافر طائفة فيها خير كثير، وكأنه يؤخذ من كلام المؤلف اتصافهم بقليل من الخطأ، إلا أن حالهم مستقيمة، وهم على خير، ويكرهون أهل البدع، ويلتزمون بالسنة في كثير من أمورهم.
ثم يقول ابن تيمية لهم: [وما زال في عساكر المسلمين المنصورة وجنود الله المؤيدة منكم من يؤيد الله به الدين، ويعز به المؤمنين].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي أهل الزهادة والعبادة منكم من له الأحوال الزكية والطريقة المرضية وله المكاشفات والتصرفات].
فـ عدي بن مسافر وأصحابه فيهم زهد، لكنه زهد ليس كزهد الصوفية، بل زهد مع الإستقامة، وأحوالهم الزكية معناها: الطاهرة الزكية بلزوم الكتاب والسنة؛ أي: التي يرضاها الله ورسوله.
وقوله: [وله المكاشفات والتصرفات] أي: كشف الله له من العلم والبصيرة، ورزقه التصرفات الموافقة للشرع.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفيكم من أولياء الله المتقين من له لسان صدق في العالمين، فإن قدماء المشايخ الذين كانوا فيكم مثل الملقب بشيخ الإسلام أبي الحسن علي بن أحمد بن يوسف القرشي الهكاري، وبعده الشيخ العارف القدوة عدي بن مسافر الأموي ومن سلك سبيلهما فيهم من الفضل والدين والصلاح والاتباع للسنة ما عظم الله به أقدارهم، ورفع به منارهم].
أي: أن الشيخ عدي بن مسافر وجماعة فيهم أولياء لله يتقون الله ويخشونه، فهم مؤمنون متقون يؤدون الواجبات ويبتعدون عن المحرمات، وفيهم من له لسان صدق في العالمين، أي: أثنى عليهم عباد الله؛ لصلاحهم وتقواهم، فقد كانوا يعظمون السنة؛ فلذلك عظم الله أقدارهم، ورفع منازلهم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والشيخ عدي قدس الله روحه كان من أفاضل عباد الله الصالحين، وأكابر المشائخ المتبعين، وله من الأحوال الزكية، والمناقب العلية ما يعرفه أهل المعرفة بذلك، وله في الأمة صيت مشهور، ولسان صدق مذكور.
وعقيدته المحفوظة عنه لم يخرج فيها عن عقيدة من تقدمه من المشايخ الذين سلك سبيلهم كالشيخ الإمام الصالح أبي الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري الشيرازي ثم الدمشقي، وكشيخ الإسلام الهكاري ونحوهما].
هذا ثناء من المؤلف على عدي بن مسافر وأنه من أهل الصلاح والتقوى، وأن له أحوالاً زكية، ومناقب علية، وأن له ذكراً وصيتاً مشهوراً، فقد رفع الله قدره، وعقيدته السليمة لم يخرج فيها عن عقيدة أهل السنة والجماعة.
قال المصنف ﵀: [وهؤلاء المشايخ لم يخرجوا في الأصول الكبار عن أصول أهل السنة والجماعة، بل كان لهم من الترغيب في أصول أهل السنة، والدعاء إليها، والحرص على نشرها، ومنابذة من خالفها مع الدين والفضل والصلاح ما رفع الله به أقدارهم، وأعلى منارهم، وغالب ما يقولونه في أصولها الكبار جيد، مع أنه لابد وأن يوجد في كلامهم وكلام نظرائهم من المسائل المرجوحة والدلائل الضعيفة كأحاديث لا تثبت، ومقاييس لا تطرد، ما يعرفه أهل البصيرة].
هذا فيه بيان من المؤلف ﵀ أن هؤلاء المشايخ مثل عدي بن مسافر وأبي الفرج بن عبد الواحد وشيخ الإسلام الهكاري وغيرهم في أصول الدين الكبار لم يخرجوا عن أصول السنة والجماعة.
وغالب ما يقولونه في الأصول الكبار جيد، أي: موافق لأصول أهل السنة والجماعة، لكن قد يوجد في كلامهم بعض المسائل المرجوحة، أي: قد يختارون بعض الأقوال المرجوحة، وقد يستدلون ببعض الأحاديث الضعيفة كأحاديث لا تثبت، ومقاييس لا تطرد، وهذه ملحوظات يسيرة يمكن معالجتها، لكن هم في الجملة من أهل السنة والجماعة، ويعظمون السنة، وأما كونه يختار بعضهم الأقوال الضعيفة أو الاستدلال ببعض الأحاديث التي لا تثبت، فهذا غلط إذا ردوه عليه ونبهوه فإنه يتقبل ذلك.
стр. 47
كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وذلك أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله، لاسيما المتأخرون من الأمة الذين لم يحكموا معرفة الكتاب والسنة والفقه فيهما، ويميزوا بين صحيح الأحاديث وسقيمها، وناتج المقاييس وعقيمها مع ما ينضم إلى ذلك من غلبة الأهواء، وكثرة الآراء، وتغلظ الاختلاف والافتراق، وحصول العداوة والشقاق].
هذا من إنصاف المصنف ﵀، فقد أثنى عليهم وبين ما هم عليه من الدين والفضل والصلاح، ونقدهم في بيان أخطائهم، فيقول: إنه لا يضر أن يكون الإنسان عليه بعض الأخطاء وبعض الملحوظات اليسيرة إذا كان من أهل السنة والجماعة؛ لأنه ليس بمعصوم، ولا يفسق، لكن هذه الأخطاء تميز وتوضح، فكل أحد يغلط ولا يوجد أحد لا يغلط إلا النبي ﷺ ، فهو المعصوم، فكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، وهذه المقالة معناها للإمام مالك ﵀، ثم ذكر أن الأخطاء تحصل من كل أحد ولاسيما المتأخرون؛ بسبب بعدهم عن آثار النبوة والرسالة، وبسبب كونهم لم يحكموا معرفة الكتاب والسنة، ولم يميزوا بين الصحيح والسقيم من الأحاديث، وينظم إلى ذلك غلبة الأهواء وكثرة الآراء، والاختلاف والافتراق، وحصول العداوة والشقاق؛ فلذلك يحصل منهم بعض الأخطاء، فتبين لأصحابها.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإن هذه الأسباب ونحوها مما يوجب قوة الجهل والظلم اللذين نعت الله بهما الإنسان في قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]].
أي: أن هذه الأسباب توجب للإنسان الجهل والظلم في بعض الأحيان، وقد نعت الله بهما الإنسان في قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢].
стр. 48
المخرج من الضلال يكون بالعلم والعدل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإذا من الله على الإنسان بالعلم والعدل أنقذه من هذا الضلال وقد قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]].
أي: أن العلم والعدل ينقذ الله بهما العبد من الضلال، وقد أقسم الله سبحانه في سورة قصيرة أن جنس الإنسان في خسار وهلاك إلا من آمن، وعمل الصالحات، وأوصى إخوانه بالحق والدعوة إلى الله، وأوصى غيره بالصبر.
قال الشافعي في هذه السورة: لوما أنزل الله على خلقه حجة إلا هذه السورة لكفتهم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]].
أخبر الله أنه بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، فالإمامة في الدين تنال بشيئين وهما: الصبر واليقين: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤].
стр. 49
وجوب اتباع السنة في كل شيء
قال المصنف ﵀: [وأنتم تعلمون أصلحكم الله أن السنة التي يجب اتباعها، ويحمد أهلها ويذم من خالفها هي: سنة رسول الله ﷺ ، في أمور الاعتقادات، وأمور العبادات، وسائر أمور الديانات، وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي ﷺ الثابتة عنه في أقواله وأفعاله، وما تركه من قول وعمل، ثم ما كان عليه السابقون والتابعون لهم بإحسان.
وذلك في دواوين الإسلام المعروفة مثل صحيحي البخاري ومسلم وكتب السنن: مثل سنن أبي داود والنسائي وجامع الترمذي وموطأ الإمام مالك، ومثل المسانيد المعروفة كمثل مسند الإمام أحمد وغيره.
ويوجد في كتب التفاسير والمغازي وسائر كتب الحديث جملها وأجزائها من الآثار ما يستدل ببعضها على بعض، وهذا أمر قد أقام الله له من أهل المعرفة من اعتنى به حتى حفظ الله الدين على أهله].
لا زال المؤلف ﵀ يخاطب عدي بن مسافر وجماعته فيقول: أنتم أصلحكم الله تعلمون أن السنة التي يجب اتباعها ويحمد أهلها ويذم من خالفها هي سنة الرسول، وهي عامة في كل شيء في أمور الاعتقادات وفي أمور العبادات وسائر أمور الديانات، وهذا حث منه ﵀ بأن يلزموا السنة في الاعتقاد وفي العبادة وفي الديانة.
وهذا إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي ﷺ في الأقوال والأفعال، ثم معرفة ما كان عليه السابقون والتابعون لهم بإحسان، وهذا موجود في دواوين الإسلام المعروفة مثل: الكتب الستة صحيح البخاري ومسلم وكتب السنن سنن أبي داود والنسائي والترمذي وسنن ابن ماجه وموطأ الإمام مالك.
والمسانيد المعروفة مثل: مسند الإمام أحمد وهو من أعظم المسانيد، وغيره من المسانيد وكذلك في كتب التفسير مثل: تفسير ابن جرير، وتفسير ابن كثير وغيرهما.
وكتب المغازي مثل: السيرة لـ ابن هشام ومغازي ابن إسحاق وسائر كتب الحديث، جملها وأجزاؤها من الآثار ما يستدل ببعضها على بعض.
وهذا أمر قد أقام الله له من أهل المعرفة من اعتنى به حتى حفظ الله الدين على أهله: وهم أهل السنة والجماعة أهل الحديث، فقد حفظ الله بهم الدين على أهله.
стр. 50
جمع السلف للأحاديث والآثار المروية في عقائد أهل السنة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد جمع طوائف من العلماء الأحاديث والآثار المروية في أبواب عقائد أهل السنة مثل: حماد بن سلمة، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم في طبقتهم، ومثلها ما بوب عليه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم في كتبهم.
ومثل مصنفات أبي بكر الأثرم، وعبد الله بن أحمد، وأبي بكر الخلال، وأبي القاسم الطبراني وأبي الشيخ الأصبهاني، وأبي بكر الآجري، وأبي الحسن الدارقطني، وأبي عبد الله بن منده، وأبي القاسم اللالكائي، وأبي عبد الله بن بطة، وأبي عمرو الطلمنكي، وأبي نعيم الأصبهاني، وأبي بكر البيهقي وأبي ذر الهروي.
وإن كان يقع في بعض هذه المصنفات من الأحاديث الضعيفة ما يعرفه أهل المعرفة].
يعني: أن السنة قد حفظت والحمد لله، فقد جمعها العلماء ودونوها، فحفظ الله بهم سنة النبي ﷺ ، وحفظ الله بهم الدين، وقد جمع طائفة من العلماء الأحاديث والآثار المروية في أبواب عقائد أهل السنة والجماعة، وألفوا المؤلفات ومن هؤلاء الأئمة الذين جمعوا الأحاديث والآثار: حماد بن سلمة وعبد الرحمن بن مهدي، والبخاري، وقد بوب في صحيحه أبواباً وتراجم أظهر فيها فقهه العظيم الذي حير العلماء، فصحيح البخاري هو من أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى، وامتاز بتراجمه الفقهية العظيمة التي حير العلماء حتى قال بعض العلماء: إن فقه البخاري في تراجمه.
وكذلك أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي، وكذلك المصنفات الأخرى مثل مصنفات أبي بكر الأثرم وعبد الله بن أحمد وغيرهم.
ومن إنصاف المؤلف ﵀ أنه قال: وإن كان يقع في بعض هذه المصنفات من الأحاديث الضعيفة ما يعرفه أهل المعرفة، فقد يقع فيها أحاديث ضعيفة، ولهم عذر في هذا، فقد ذكروا الأسانيد، وأرادوا أن يجمعوا ما يوجد في هذا الباب، وقد يوجد لهذه الأحاديث الضعيفة ما يشهد لها من المتابعات والشواهد.
стр. 51
أقسام الأحاديث الموضوعة والمكذوبة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد يروي كثير من الناس في الصفات وسائر أبواب الاعتقادات وعامة أبواب الدين أحاديث كثيرة تكون مكذوبة موضوعة على رسول الله ﷺ ، وهي قسمان: منها ما يكون كلاماً باطلاً لا يجوز أن يقال فضلاً عن أن يضاف إلى النبي ﷺ .
والقسم الثاني من الكلام: ما يكون قد قاله بعض السلف أو بعض العلماء أو بعض الناس، ويكون حقاً أو مما يسوغ فيه الاجتهاد، أو مذهباً لقائله، فيعزى إلى النبي ﷺ ، وهذا كثير عند من لا يعرف الحديث.
مثل المسائل التي وضعها الشيخ أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري وجعلها محنة يفرق فيها بين السني والبدعي، وهي مسائل معروفة عملها بعض الكذابين وجعل لها إسناداً إلى رسول الله ﷺ ، وجعلها من كلامه، وهذا يعلمه من له أدنى معرفة أنه مكذوب مفترى].
يقول المؤلف ﵀: إن بعض الناس قد يروي في الصفات وفي غير الصفات من سائر أبواب الاعتقادات أحاديث مكذوبة موضوعة على النبي ﷺ ، وبعض الناس قد يكذب عليه في الصفات، وبعضهم قد يكذب عليه في أبواب الاعتقاد، وبعضهم قد يكذب عليه في العبادات وغير ذلك.
وهذه الأحاديث التي تروى وتنسب إلى رسول الله ﷺ وهي مكذوبة عليه قسمان: القسم الأول: ما يكون باطلاً لا يجوز أن يقال فضلاً عن أن ينسب إلى النبي ﷺ ؛ لوضوح كذبه وظهوره، وهذا مثل الحديث الذي وضعه بعض الرافضة فقالوا: (أنا ميزان العلم، وعلي كفتاه، وفاطمة علاقه، والحسن والحسين خيوطه)، فهذه أشياء واضحة وظاهرة الكذب، فبعضها قد يكون فيه خفاء، وبعضها يكون واضحاً لا يجوز نسبته إلى النبي ﷺ ، ولا يجوز أن يقال فضلاً عن أن ينسب إلى النبي ﷺ .
وقد يكون هذا الحديث الذي ينسبونه إلى النبي ﷺ كلاماً لبعض السلف، أو كلاماً لبعض العلماء، مثل قول بعض الناس: (حب الوطن من الإيمان) وينسبونه إلى الرسول ﷺ ، ولعله كلام لبعضهم، أو أن يكون حكمة، مثل: (المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء)، فبعض الناس يقول: إن هذا حديث وينسبونه إلى النبي ﷺ ، وهو حكمة لطبيب العرب الحارث بن كلدة.
فبعضه يكون مقالة لبعض السلف، وبعضه قولاً لبعض العلماء، وقد يكون مذهباً لبعض الناس فينسبه إلى النبي ﷺ ، ومثال ذلك: المسائل التي وضعها الشيخ أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري، وقد جعلها محنة يفرق فيها بين السني والبدعي، وهي مسائل معروفة عملها بعض الكذابين وجعلوا لها إسناداً ونسبوها إلى النبي ﷺ .
وهذه المسائل لم نرها في زماننا فكأن المؤلف ﵀ وجدها في زمانه، فيحتمل أنها موجودة الآن.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذه المسائل وإن كان غالبها موافقاً لأصول السنة ففيها ما إذا خالفه الإنسان لم يحكم بأنه مبتدع، مثل أول نعمة أنعم بها على عبده، فإن هذه المسألة فيها نزاع بين أهل السنة، والنزاع فيها لفظي؛ لأن مبناها على أن اللذة التي يعقبها ألم هل تسمى نعمة أم لا؟ وفيها أيضاً أشياء مرجوحة.
فالواجب أن يفرق بين الحديث الصحيح والحديث الكذب، فإن السنة هي الحق دون الباطل، وهي الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة، فهذا أصل عظيم لأهل الإسلام عموماً ولمن يدعي السنة خصوصاً].
المسائل التي نسبت إلى الشيخ الأنصاري كثيرة منها ما هو موافق لأصول أهل السنة، وإذا خالفها الإنسان لم يحكم عليه بأنه مبتدع؛ لأن المسألة وإن كان بعضها موافقاً لأصول أهل السنة إلا أن فيها ما يخالف، فلذلك إذا خالفها الإنسان لا يحكم عليه بأنه مبتدع، وذلك مثل أول نعمة أنعم الله بها على عبده ما هي، وهذا مبني على أن اللذة التي يعقبها ألم هل تسمى نعمة أم لا؟ فالواجب على المسلم أن يفرق بين الحديث الصحيح والحديث المكذوب، فإن السنة هي الحق، وهي الأحاديث الصحيحة، والباطل هو الأحاديث الموضوعة، فهذا أصل الإسلام عموماً، ولمن يدعي السنة خصوصاً.
стр. 52
شرح الوصية الكبرى لابن تيمية [٦]
إن دين الله تعالى وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر: إما إفراط وإما تفريط، وممن وقعوا في الإفراط ومجاوزة الحد: الخوارج، فقد كفروا المسلمين بالكبائر والمعاصي، ومرقوا من هذا الدين كما يمرق السهم من الرمية، وللمروق من الدين أسباب تجدها مشروحة في هذه المادة.
стр. 53
وسطية الإسلام والتحذير من الغلو فيه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: وقد تقدم أن دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر: إما إفراط فيه وإما تفريط فيه، وإذا كان الإسلام الذي هو دين الله لا يقبل من أحد سواه قد اعترض الشيطان كثيراً ممن ينتسب إليه حتى أخرجه عن كثير من شرائعه، بل أخرج طوائف من أعبد هذه الأمة وأورعها عنه حتى مرقوا منه كما يمرق السهم من الرمية، وأمر النبي ﷺ بقتال المارقين منه، فثبت عنه في الصحاح وغيرها من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وسهل بن حنيف وأبي ذر الغفاري وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وابن مسعود ﵃ وغير هؤلاء، أن النبي ﷺ ذكر الخوارج فقال: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم أو فقاتلوهم؛ فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)، وفي رواية: (شر قتلة تحت أديم السماء، خير قتيل من قتلوه)، وفي رواية: (لو يعلم الذين يقاتلونهم ما لهم على لسان محمد ﷺ لنكلوا عن العمل)].
هذا البحث بين فيه المؤلف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن دين الإسلام وسط بين الإفراط والتفريط، ولهذا قال ﵀: وقد تقدم أن دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، والغالي هو الذي زاد عن الحد، وهو المُفْرِط.
والجافي: هو المقصر الذي يقصر ولا يؤدي الواجبات.
فالنصارى مثلاً غلاة، فقد غلو في عيسى فقالوا: إنه ابن الله، أو ثالث ثلاثة، واليهود قصروا وجفوا وقالوا: إنه ولد بغي، أي: ولد زنا، وأما أهل الإسلام فهم وسط بين الغالي والجافي، فقالوا: إنه عبد الله ورسوله، فليس إلهاً ولا ابن إله؛ فإن الله ليس له ولد -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- وليس هو ولد بغي كما يقول اليهود، وإنما هو عبد الله ورسوله.
فتبين بهذا أن دين الإسلام وسط بين الغالي والجافي، والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر: إما إفراط فيه وإما تفريط فيه، فالشيطان يحرص أن يوقع الإنسان إما في الإفراط أو في التفريط، وذلك مثل قصة الرهط الذين أرادوا أن يزيدوا على عبادة النبي ﷺ ، فسألوا عن عبادته في السر، فقيل لهم: إن النبي ﷺ يصلي وينام، ويصوم ويفطر، ويتزوج النساء.
فقال هؤلاء الرهط: إن الرسول ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأما نحن فلا ندري هل غفر لنا أو لا، فلابد أن نزيد، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل ولا أنام على فراشي، وقال الآخر: وأما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: وأما أنا فلا أتزوج النساء، أي: زهداً حتى لا ينشغل عن العبادة، وقال آخر: وأما أنا فلا آكل اللحم.
فهذا من الغلو، فلما أخبر النبي ﷺ بهم أنكر عليهم، وخطب الناس وقال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
وشخص آخر يتساهل ويفرط، فلا يؤدي الواجبات ولا يترك المحرمات، فهذا مفرِّط، والأول مُفْرِط، والشيطان لا يبالي بأيهما ظفر، وجاء في بعض الآثار: أن الشيطان يشم القلوب، فإن وجد في القلب رغبة في العبادة وقوة أوقعه في الإفراط والزيادة، وإن رأى فيه تساهلاً أوقعه في التفريط والتقصير.
стр. 54
تلبيس الشيطان على الخوارج
قوله ﵀: (وإذا كان الإسلام الذي هو دين الله لا يقبل من أحد سواه قد اعترض الشيطان كثيراً ممن ينتسب إليه حتى أخرجه عن كثير من الشرائع) وجواب (إذا) الشرطية يحتمل أنه سيأتي، أو أنه مقدر، أي: إذا كان الإسلام الذي هو دين الله قد اعترض الشيطان كثيراً ممن ينتسب إليه فغيره من باب أولى أن يعترضهم الشيطان.
فالشيطان قد اعترض كثيراً ممن ينتسب إليه حتى أخرجهم عن كثير من الشرائع، بل أخرج طوائف من أعبد هذه الأمة وأورعها حتى مرقوا منه كما يمرق السهم من الرمية، وهم الخوارج، فالخوارج من أعبد الناس، فقد كانوا رهباناً في الليل وأسوداً في النهار، فيصلون الليل، ويصومون النهار، وهم شجعان في الجهاد، فأخرجهم الشيطان عن كثير من شرائع الإسلام فكفروا المسلمين بالمعاصي، وقالوا: من فعل الكبيرة كفر، فمن زنا كفر، ومن سرق كفر، ومن شرب الخمر كفر، فهذا من إخراج الشيطان لهم عن شرائع الإسلام، وقد أمر النبي ﷺ بقتالهم؛ لأنهم مارقون من الدين.
والمارقون: هم الخارجون بسرعة، فهم يخرجون منه بسرعة، وقد قال عنهم النبي ﷺ : (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، فالسهم حينما ترمي به فإنه يخرج بسرعة من الرمية، فكذلك هؤلاء فإنهم خرجوا بسرعة من الإسلام، ففي الصحاح وغيرها من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وسهل بن حنيف وأبي ذر الغفاري وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وابن مسعود، وهؤلاء سبعة ﵃ وأرضاهم، أن النبي ﷺ ذكر الخوارج فقال: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم) أي: أنك إذا رأيت كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم لرأيت عبادتك قليلة بالنسبة إلى عبادتهم.
قال النبي ﷺ : (يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم)؛ لأنهم لا يعملون به، ولا يعملون بالسنة التي هي وحي من الله، ولو تدبروا القرآن وتأملوه ما كفروا المسلمين، ثم قال: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم)، أو قال: (أو فقاتلوهم فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)، وفي رواية: (شر قتيل تحت أديم السماء، وخير قتيل من قتلوه).
أي: أن مقتولهم شر قتيل، والذي يقتلونه هو خير قتيل، وفي رواية: (لو يعلم الذين يقاتلونهم ما زوي لهم على لسان محمد ﷺ أي: من الأجر والثواب، وما زوي أي: ما أخفي لهم، (لنكلوا عن العمل) أي: لاكتفوا بهذا الأجر.
стр. 55
اختلاف العلماء في حكم تكفير الخوارج
وهذه النصوص استدل بها بعض العلماء على تكفير الخوارج، وقالوا: إن هذه الأدلة صريحة في كفرهم، وذلك أن النبي ﷺ قال: (يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية)، والذي يمرق من الشيء فإنه يخرج منه، فدل ذلك على كفرهم.
وقد أمر النبي ﷺ بقتالهم فقال: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم)، ثم شبههم بعاد، فقال: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)، وعاد قوم هود قوم كفار، فدل على كفرهم.
ومما احتجوا به أيضاً ما جاء في رواية: (يمرقون من الإسلام ثم لا يعودون إليه).
وذهب الجمهور إلى أنهم مبتدعة وليسوا كفاراً، وقالوا: إنهم متأولون، وفرق بين المتأول والجاحد، فالجاحد يكفر والمتأول لا يكفر، وهذه النصوص تدل على فسقهم وبدعتهم ولا تدل على كفرهم، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: إن هذا هو حكم الصحابة عليهم، فالصحابة حكموا عليهم بأنهم مبتدعة ولم يحكموا عليهم بالكفر.
واحتجوا بقول علي ﵁ لما سئل عنهم: أكفار هم؟ قال: لا، من الكفر فروا.
والقول بتكفيرهم قول قوي؛ لأن النصوص صريحة بتكفيرهم، وإن كان الجمهور يرون أنهم مبتدعة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء لما خرجوا في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قاتلهم هو وأصحاب رسول الله ﷺ بأمر النبي ﷺ وتحضيضه على قتالهم، واتفق على قتالهم جميع أئمة الإسلام].
أي: أن هؤلاء الخوارج لما خرجوا في خلافة علي ﵁ قاتلهم هو والصحابة ﵃؛ عملاً بالنصوص التي فيها الحض على قتالهم، كما سبق في الأدلة: (فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله) وقوله: (لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد)، فاتفق على قتالهم جميع أئمة الإسلام.
стр. 56
بدعة الرفض وحكم العلماء فيها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهكذا كل من فارق جماعة المسلمين، وخرج عن سنة رسول الله ﷺ وشريعته من أهل الأهواء المضلة والبدع المخالفة.
ولهذا قاتل المسلمون أيضاً الرافضة الذين هم شر من هؤلاء، وهم الذين يكفرون جماهير المسلمين مثل الخلفاء الثلاثة وغيرهم، ويزعمون أنهم هم المؤمنون ومن سواهم كافر، ويكفرون من يقول: إن الله يرى في الآخرة، أو يؤمن بصفات الله وقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة، ويكفرون من خالفهم في بدعهم التي هم عليها].
أي: أن كل من خرج عن جماعة المسلمين، وخرج عن سنة النبي ﷺ وشريعته من أهل الأهواء والمضلين فإنه يقاتل أيضاً مثل الخوارج.
ومثل المؤلف ﵀ بقوله: ولهذا قاتل المسلمون أيضاً الرافضة الذين هم شر من هؤلاء، فالمؤلف يرى أن الرافضة شر من الخوارج، وسموا رافضة لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين لما سألوه عن أبي بكر وعمر، وكانوا قبل ذلك يسمون بالخشبية؛ لأنهم يقاتلون بالخشب ولا يقاتلون بالسيف حتى يخرج المهدي الذي دخل في السرداب.
ويقولون: ليس هناك جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي الذي دخل في سرداب سامراء في العراق في سنة ستين ومائتين، فإذا خرج قام الجهاد، وأما الآن فليس هناك جهاد، ولا دين، ولا عمل بالشريعة حتى يخرج.
وفي زمن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب -وهو رجل صالح- سأله الرافضة الخشبية وقالوا: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ فترحهم عليهما وترضى عنهما وقال: هما وزيرا جدي رسول الله؛ لأن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب من سلالة فاطمة، وجده الرابع هو علي بن أبي طالب، فلما قال لهم ذلك تركوه ورفضوه، وقال: رفضتموني رفضتموني، فسموا الرافضة، وكانوا قبل ذلك يسمون بالخشبية، فهؤلاء الرافضة يقول عنهم المؤلف: هم شر من الخوارج، ولهذا قاتلهم المسلمون كما قاتل المسلمون الخوارج.
وأول ظهورهم في زمن علي ﵁، فهم السبئية الذين غلو في علي، وقالوا: إنك أنت الإله يقصدون علياً، فلما قالوا: أنت الإله أمر بأخدود يحفر في الأرض، وأججت فيه النيران، فألقاهم وقذفهم فيها، وقال: لما رأيت الأمر أمراً منكرا أججت ناري ودعوت قنبرا فلما قذفهم في النار قالوا: هذا هو الإله؛ لأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار! فزادوا في غلوهم في علي نعوذ بالله، وقاتلهم المسلمون بعد ذلك في أزمنة متعددة، منها: في القرن الثالث الهجري في أيام العبيديين لما استولوا على مصر والمغرب وغيرها.
وقد بين المؤلف ﵀ مذهب الرافضة فقال: وهم الذين يكفرون جماهير المسلمين، فيكفرون الصحابة وعلى رأسهم الخلفاء الثلاثة وغيرهم.
فهم يكفرون الخلفاء الثلاثة أبا بكر وعمر وعثمان، ويعتقدون أنهم ظلمة مغتصبون اغتصبوا الخلافة من علي بن أبي طالب، ويعتقدون أن الصحابة كفروا بعد وفاة النبي ﷺ وارتدوا، فولوا أبا بكر زوراً وبهتاناً وظلماً، وأخفوا النصوص التي فيها النص على أن الخليفة بعد النبي ﷺ هو علي، ثم ولوا عمر بهتاناً وزوراً، ثم ولوا عثمان بهتاناً وزوراً، ثم وصلت النوبة إلى الخليفة الرابع وهو علي، ويزعمون أنهم هم المؤمنون ومن سواهم كفار، فيكفرون أهل السنة والجماعة.
ويكفرون من يقول: إن الله يرى في الآخرة؛ لأنهم يرون أنه لا يرى إلا ما كان جسماً محدوداً، والله ليس جسماً محدوداً، فلا يرى، هكذا يزعمون، فعقيدتهم في هذا هي نفس عقيدة المعتزلة.
وكذلك يكفرون من آمن بصفات الله وقدرته الكاملة، ومشيئته الشاملة، ويكفرون كل من خالفهم في بدعهم التي هم عليها.
стр. 57
ذكر بعض بدع الرافضة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإنهم يمسحون القدمين ولا يمسحون على الخف، ويؤخرون الفطور والصلاة إلى طلوع النجم، ويجمعون بين الصلاتين من غير عذر، ويقنتون في الصلوات الخمس، ويحرمون الفقاع وذبائح أهل الكتاب وذبائح من خالفهم من المسلمين؛ لأنهم عندهم كفار، ويقولون على الصحابة ﵃ أقوالاً عظيمة لا حاجة إلى ذكرها هنا إلى أشياء أخر، فقاتلهم المسلمون بأمر الله ورسوله].
إن من عقائد الروافض أنهم يمسحون على القدمين ولا يمسحون على الخفين في الوضوء، فإذا توضئوا فإنهم يغسلون عضوين ويمسحون عضوين، فيغسلون الوجه واليدين، ويمسحون على الرأس وعلى ظهور القدمين.
ويقولون: يجب على الإنسان أن يمسح على ظهور القدمين، ويبلل يده بماء ثم يمسحهما كما يمسح على الرأس، وإذا كان عليه خف وجب عليه خلع الخف ومسح ظهور القدمين.
ولهذا يذكر علماء أهل السنة في عقائدهم: ونرى المسح على الخفين، ويقصدون بذلك مخالفة الرافضة الذين يعتقدون أنه لا يمسح على الخفين، فمن كان عليه خفان عند الرافضة وجب عليه خلع الخفين ومسح ظهور القدمين، ومن كانت رجلاه مكشوفتين وجب عليه أن يمسح على ظهور القدمين.
стр. 58
استدلال الرافضة على مسح القدمين والرد عليهم
سويستدلون بقراءة الجر في آية المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦]، واحتج عليهم أهل السنة بقراءة النصب ((وأرجلَكم))، فإنها معطوفة على ((أيديكم)) أي: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم، وأما قراءة الجر فأجابوا عنها بجوابين: الجواب الأول: أن قراءة الجر محمولة على المسح على الخفين، وقراءة النصب محمولة على غسل الرجلين المكشوفتين.
والجواب الثاني: التوسع في لفظ امسحوا في قوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم)، فيحمل على معناه العام، فإن المسح العام يشمل الغسل ويشمل إمرار اليد على العضو مبلولة بالماء، أي: يشمل الإسالة ويشمل الإفاضة، والمعنى: امسحوا برءوسكم إفاضة وامسحوا بأرجلكم إسالة وصباً للماء، فالمسح في اللغة يطلق على الغسل، تقول العرب: تمسحت للصلاة.
ويؤخرون الفطور والصلاة إلى طلوع النجم، أي: يؤخرون صلاة المغرب حتى يطلع النجم في السماء، وكذلك يؤخرون الإفطار عند الصيام، ويجمعون بين الصلاتين بغير عذر، ويقنتون في الصلوات الخمس كلها، ويحرمون الفقاع وهو: شراب الشعير، لما يعلوه من الزبد.
ويحرمون ذبائح أهل الكتاب، ويحرمون ذبائح من خالفهم من المسلمين؛ لأنهم عندهم كفار، فهم يكفرون من خالفهم، ويقولون على الصحابة أقوالاً عظيمة لا حاجة إلى ذكرها هنا، فقاتلهم المسلمون بأمر الله ورسوله.
стр. 59
أسباب المروق من الدين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإذا كان على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين قد انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة حتى أمر النبي ﷺ بقتالهم، فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام أو السنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضاً من الإسلام والسنة، حتى يدعي السنة من ليس من أهلها بل قد مرق منها، وذلك بأسباب].
يقول المؤلف هنا: إذا كان على عهد النبي ﷺ والخلفاء الراشدين قد انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة، يقصد الخوارج، فقد انتسبوا إلى الإسلام ومرقوا منه حتى أمر النبي ﷺ بقتالهم، فلا يستغرب أن يمرق من الإسلام من انتسب إلى السنة في هذه الأزمنة المتأخرة، فإذا وجد في زمن النبي ﷺ وهو الصدر الأول والعصر الذهبي وأفضل العصور، وفي زمن الصحابة والخلفاء الراشدين من يمرق من الإسلام مع عبادته العظيمة، فإنه من باب أولى أن يوجد من يمرق من الإسلام في الأزمنة المتأخرة، حتى يدعي السنة من ليس من أهلها، وذلك لأسباب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [منها: الغلو الذي ذمه الله تعالى في كتابه حيث قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١] إلى قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء:١٧١].
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧]، وقال النبي ﷺ : (إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)، وهو حديث صحيح].
ذكر المؤلف ﵀: أنه إذا خرج في زمن النبي ﷺ والصحابة من مرق من الإسلام كالخوارج وهم في العصر الذهبي فمن باب أولى أن يخرج في هذه العصور المتأخرة بعض الناس، وذلك لأسباب: أولها: الغلو في الدين، وقد ذمه الله بقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء:١٧١]، والغلو: هو الزيادة، فالنصارى غلوا وزادوا في عيسى حتى جعلوه إلهاً، فالغلو في الدين قد يخرج الإنسان من الإسلام، واستدل المؤلف بآية النساء: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:١٧١]، وبآية المائدة: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [المائدة:٧٧].
وقد حذر النبي ﷺ من الغلو بقوله: (إياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)، وهو حديث صحيح.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومنها: التفرق والاختلاف الذي ذكره الله تعالى في كتابه العزيز].
السبب الثاني: من أسباب الخروج عن الدين: التفرق والاختلاف، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥]، فنهى عن التفرق، وبين أن أهل الكتاب اختلفوا بعد أن جاءهم العلم بغياً بينهم فقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران:١٩].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومنها: أحاديث تروى عن النبي ﷺ وهي كذب عليه باتفاق أهل المعرفة، يسمعها الجاهل بالحديث فيصدق بها؛ لموافقة ظنه وهواه].
السبب الثالث: من أسباب المروق من الدين: الأحاديث المكذوبة عن النبي ﷺ ، فإذا سمعها الجاهل صدق بها، مثل وضع بعض الوثنيين المشركين: (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه)، وهذا كذب وزور، فإذا سمعه بعض الجهال ظنوا أنه صحيح، فيعبدون الأحجار، ومثال ذلك وضع بعض القبوريين لحديث: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور)، هذا حديث مكذوب وضعه القبوريون حتى يشجعوا الناس ويغروهم بالشرك وعبادة القبور، وهذه أمثلة لما ذكرها المؤلف ﵀ من الأحاديث المكذوبة التي يسمعها الجاهل فيصدق بها فيقع في الشرك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأضل الضلال اتباع الظن والهوى، كما قال الله تعالى في حق من ذمهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:٢٣]].
السبب الرابع من أسباب المروق من الدين: اتباع الظن والهوى، فيتبع بعضهم ظنه وهواه حتى يقع في الشرك -نعوذ بالله- وقد ذمهم الله جل وعلا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال في حق نبيه ﷺ : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:١ - ٤]، فنزهه عن الضلال والغواية اللذين هما الجهل والظلم، فالضال هو الذي لا يعلم الحق، والغاوي الذي يتبع هواه، وأخبر أنه ما ينطق عن هوى النفس، بل هو وحي أوحاه الله إليه، فوصفه بالعلم، ونزهه عن الهوى].
نزه الله تعالى نبيه عن داءين مهلكين فقال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١]، وهذا قسم من الله، ولله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، فأقسم بالنجم والليل والضحى والشمس، وأما المخلوق فليس له أن يقسم إلا بالله أو بأسمائه وصفاته، ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ [النجم:١ - ٢] أي: محمد، ﴿وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢] أي: ليس ضالاً ولا غاوياً؛ لأن الضال: هو الذي يعمل بلا علم كالنصارى وأشباههم، والغاوي: هو الذي يعلم ولا يعمل، فالله تعالى نزه نبيه عن الضلال وعن الغواية.
стр. 60
شرح الوصية الكبرى لابن تيمية [٧]
لقد ابتدع أهل الباطل أصولاً لم ينزل الله بها من سلطان، ومن تلكم الأصول أحاديث رووها في الصفات زائدة على الأحاديث التي في دواوين الإسلام، وهي كذب وبهتان، بل هي كفر شنيع، فنشروها بين الناس فأحدثت شراً كبيراً، وفساداً عريضاً.
стр. 61
أصول الباطل التي ابتدعها الضلال الظالمون
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأنا أذكر جوامع من أصول الباطل التي ابتدعها طوائف ممن ينتسب إلى السنة وقد مرق منها وصار من أكابر الظالمين، وهي فصول، الفصل الأول: أحاديث رووها في الصفات زائدة على الأحاديث التي في دواوين الإسلام مما نعلم باليقين القاطع أنها كذب وبهتان بل كفر شنيع].
الأصل الأول من أصول الباطل التي ابتدعها طوائف فمرقوا بها من الإسلام: الأحاديث الموضوعة المكذوبة على النبي ﷺ .
فهناك أحاديث رووها في الصفات زائدة على الأحاديث التي في دواوين السنة، ونحن نعلم يقيناً أنها كذب وبهتان، بل كفر شنيع، ومثلها ما سبق عن القبوريين: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور)، وكذلك: (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه)، فهذه من أسباب الكفر.
والمؤلف هنا قال: أحاديث في الصفات رووها زائدة عن الأحاديث يعلم باليقين القاطع أنها كذب بل هي كفر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد يقولون من أنواع الكفر ما لا يروون فيه حديثاً؛ مثل حديث يروونه: (أن الله ينزل عشية عرفة على جمل أورق يصافح الركبان، ويعانق المشاة)، وهذا من أعظم الكذب على الله ورسوله ﷺ ، وقائله من أعظم القائلين على الله غير الحق].
هذا من الأحاديث المكذوبة التي هي سبب في الوقوع في الكفر، فيروون أن الله ينزل عشية عرفة في الحج على جمل أورق يصافح الركبان، ويعانق المشاة، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
فهؤلاء ما قدروا الله حق قدره كما قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧].
وفي الحديث: (إن الله تعالى يضع السموات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والماء والثرى على أصبع، والشجر على أصبع، والجبال على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن بيده ويقول: أنا الملك).
وفي الحديث الآخر: (ما السموات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم)، فهذه المخلوقات العظيمة لا تساوي شيئاً بالنسبة لعظمة الله، فالسموات يطويها بيمينه ويضعها على أصبع، والأرضين كلها على أصبع، والماء والثرى على أصبع، والشجر على أصبع، ثم بعد ذلك يأتي هذا الخبيث ويضع هذا الحديث المكذوب تعالى الله عما يقولون، ويجعل الرب يقترن بالمخلوقات، ويكون فوقه طبقة وهي السماء، وتحته طبقة وهي الأرض، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فهذا من الأحاديث الكفرية.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولم يرو هذا الحديث أحد من علماء المسلمين أصلاً، بل أجمع علماء المسلمين وأهل المعرفة بالحديث على أنه مكذوب على رسول الله ﷺ ].
هذا من الأحاديث المكذوبة بإجماع المسلمين، ولا يجوز لأحد روايته إلا على وجه بيان أنه كذب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال أهل العلم كـ ابن قتيبة وغيره: هذا وأمثاله إنما وضعه الزنادقة الكفار؛ ليشينوا به على أهل الحديث، ويقولون: إنهم يروون مثل هذا].
أي: مقصودهم من بث مثل هذا الحديث أن يكره الناس أهل الحديث ويقولون: انظروا إلى هؤلاء يروون مثل هذا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذلك حديث آخر فيه: (أنه رأى ربه حين أفاض من مزدلفة يمشي أمام الحجيج وعليه جبة صوف)].
أي: أن هؤلاء لضلال يروون أن النبي ﷺ رأى ربه حين أفاض من مزدلفة يمشي أمام الحجاج وعليه جبة صوف، فجعلوا على الله جبة صوف، تعالى الله عما يقولون، وهذا كفر شنيع.
فقد جعلوا الخالق حقيراً ضعيفاً فوقه بعض مخلوقاته وتحته بعض مخلوقاته، وأنه يحتاج إلى أن يلبس جبة صوف ويحتاج إلى بعض من مخلوقاته، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أو ما يشبه هذا البهتان والافتراء على الله الذي لا يقوله من عرف الله ورسوله ﷺ ، وهكذا حديث فيه: (أن الله يمشي على الأرض)، فإذا كان موضع خضرة قالوا: هذا موضع قدميه، ويقرءون قوله تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:٥٠]].
وهذا حديث ثالث من الأحاديث المكذوبة، فيقولون فيه: (إن الله يمشي على الأرض)، فإذا وجدت موضع خضرة قالوا: هذا موضع قدميه، وهو من أقوال الصوفية، فإنهم كلما رأوا خضرة في الأرض قالوا: قد يكون الله في هذا المكان، تعالى الله عما يقولون، ويقرءون هذه الآية: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:٥٠].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [هذا أيضاً كذب باتفاق العلماء، ولم يقل الله: (فانظر إلى آثار خطى الله) وإنما قال: ﴿آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الروم:٥٠] ورحمته هنا النبات].
أي: أن من آثار رحمة الله النبات الذي أنبته المطر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهكذا أحاديث في بعضها: (أن محمداً ﷺ رأى ربه في الطواف)].
وهذا حديث رابع مكذوب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي بعضها: (أنه رآه وهو خارج من مكة)، وفي بعضها: (أنه رآه في بعض سكك المدينة)، إلى أنواع أخر].
كل هذه الأحاديث مكذوبة، سواء: (أن النبي رأى ربه في الطواف)، أو: (رآه وهو خارج من مكة) أو (رآه في وسط المدينة).
стр. 62
اختلاف العلماء في رؤية النبي ربه ليلة المعراج
والصواب: أن النبي ﷺ لم ير ربه حتى في ليلة المعراج، فالله تعالى لا يراه أحد في الدنيا ولا يستطيع أحد أن يتحمل رؤية الله، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم لما سأله أبو ذر: هل رأيت ربك -يعني: ليلة المعراج-؟ قال: (نور أنى أراه)، وفي رواية: (رأيت نوراً)، وفي حديث أبي موسى: (حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرق سبحات وجه ما امتد إليه بصره من خلقه).
فلا يستطيع أحد أن يطيق رؤية الله في الدنيا، لكن رؤيته نعيم لأهل الجنة، وأما في الدنيا فالصواب: أنه لم يره أحد، وهذا باتفاق العلماء إلا نبينا ﷺ ، فاختلف العلماء هل رأى ربه ليلة المعراج أم لا؟ فمنهم من قال: رأى ربه، ومنهم من قال: لم يره، والصواب أنه لم يره.
ومن قال من العلماء أنه رآه فالمراد: رآه بعين قلبه، ومن قال: لم يره، أي: لم يره بعين رأسه، وهذا هو الصواب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكل حديث فيه أن محمداً ﷺ رأى ربه بعينه في الأرض فهو كذب باتفاق المسلمين وعلمائهم، هذا شيء لم يقله أحد من علماء المسلمين ولا رواه أحد منهم].
أي: أن كل حديث فيه أن النبي ﷺ رأى ربه بعينه في الأرض فهو كذب، وإنما الخلاف في رؤيته له في السماء ليلة المعراج، وأصح القولين أنه لم يره بعيني رأسه، وإنما رآه بعين قلبه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإنما كان النزاع بين الصحابة في أن محمداً ﷺ هل رأى ربه ليلة المعراج؟ فكان ابن عباس ﵄ وأكثر علماء السنة يقولون: إن محمداً ﷺ رأى ربه ليلة المعراج، وكانت عائشة ﵂ وطائفة معها تنكر ذلك، ولم ترو عائشة ﵂ في ذلك عن النبي ﷺ شيئاً ولا سألته عن ذلك، ولا نقل في ذلك عن الصديق ﵁ كما يروونه ناس من الجهال أن أباها سأل النبي ﷺ فقال: نعم، وقال لـ عائشة: لا، فهذا الحديث كذب باتفاق العلماء].
يقول المؤلف ﵀: كل حديث فيه أن النبي ﷺ رأى ربه في الأرض فهذا كذب بالاتفاق، وإنما الخلاف في رؤية النبي ﷺ ربه ليلة المعراج، فبعض الصحابة قالوا: رآه، وبعض الصحابة كـ عائشة قالوا: لم يره، فقد قالت لـ مسروق لما سألها: هل رأى محمد ربه؟ قالت: لقد قف شعري لما قلت، ثم قالت: من حدثك أن محمد رأى ربه فقد كذب.
وروي عن ابن عباس أنه رأى ربه، وروي عن بعض الصحابة، وروي عن الإمام أحمد قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء:٦٠] قال: رؤية النبي ﷺ ربه ليلة المعراج، وفي لفظ: رؤية النبي ﷺ ربه بعينه ليلة المعراج.
والجمع بين هذه النصوص: أن النبي ﷺ لم ير ربه، وما روي عن بعض الصحابة وعن الإمام أحمد: أنه رأى ربه فالمراد به أنه رآه بقلبه، وما في بعضها أنه رآه فالمراد أنه رآه بعيني قلبه، وما ورد من النصوص عن الصحابة أنه لم يره فالمراد به أنه لم يره بعيني رأسه، وبهذا تجتمع النصوص ولا تختلف وهذا هو الصواب، وهو الذي عليه الجماهير.
وبعض العلماء يرون أنه رآه بعيني رأسه، ومن هؤلاء النووي في (شرح مسلم)، والقاضي عياض والهروي، والصواب الذي عليه الجمهور: أن النبي ﷺ لم ير ربه بعيني رأسه؛ لأن رؤياه نعيم اتخذه الله لأهل الجنة، ولأن البشر لا يستطيعون أن يروا الله، ولأن الحديث فيه: (أن الله لو كشف الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما امتد إليه بصره من خلقه).
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهذا ذكر القاضي أبو يعلى وغيره أنه اختلفت الراوية عن الإمام أحمد ﵀ هل يقال: إن محمداً ﷺ رأى ربه بعيني رأسه أو يقال: بعين قلبه، أو يقال: رآه ولا يقال بعين رأسه ولا بعين قلبه؟ على ثلاث روايات].
نقل القاضي أبو يعلى من الحنابلة الخلاف عن الإمام أحمد في رؤية النبي ﷺ ربه على ثلاث روايات، الرواية الأولى: أنه رآه بعيني رأسه، والرواية الثانية: أنه رآه بعيني قلبه، والرواية الثالثة: التوقف، فلا يقال رآه بعيني رأسه ولا رآه بعيني قلبه، وأصح الروايات الرواية الثانية، وهي: أنه رآه بعيني قلبه، وهو الذي عليه الجمهور وتدل عليه النصوص.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذلك الحديث الذي رواه أهل العلم أنه قال: (رأيت ربي في صورة كذا وكذا)، يروى من طريق ابن عباس ومن طريق أم الطفيل وغيرهما، وفيه: (أنه وضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله على صدري)، هذا الحديث لم يكن ليلة المعراج، فإن هذا الحديث كان بالمدينة، وفي الحديث: (أن النبي ﷺ نام عن صلاة الصبح ثم خرج إليهم وقال: رأيت كذا وكذا)، وهو من رواية من لم يصل خلفه إلا بالمدينة كـ أم الطفيل وغيرها، والمعراج إنما كان من مكة باتفاق أهل العلم وبنص القرآن والسنة المتواترة، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١]].
الحديث الذي فيه أن النبي ﷺ قال: (رأيت ربي في أحسن صورة) يسمى حديث اختصام الملأ الأعلى، ففيه: (يا محمد! بما يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري يا رب! فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله على صدري، وعلمت كل شيء، فقال الله: بم يختصم الملأ الأعلى فقلت: يا رب! في الدرجات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة).
يقول المؤلف ﵀: هذا الحديث ليس هو الحديث الذي فيه أن النبي رأى ربه في اليقظة؛ لأن هذا الحديث رؤيا في النوم، والحديث الذي فيه أن النبي ﷺ لم ير ربه في اليقظة، فبينهما فرق، وهذا الحديث في المدينة وحديث المعراج في مكة، فلا يشتبه هذا الحديث بذلك الحديث.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فعلم أن هذا الحديث كان رؤيا منام بالمدينة كما جاء مفسراً في كثير من طرقه أنه كان رؤيا منام، مع أن رؤيا الأنبياء وحي، لم يكن رؤيا يقظة كما في ليلة المعراج].
هذه الرؤيا رؤيا منام، ورؤيا الأنبياء وحي؛ ولهذا لما رأى إبراهيم الخليل في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل نفذها في اليقظة، فقال الله له: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٥]؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد اتفق المسلمون على أن النبي ﷺ لم ير ربه بعينيه في الأرض، وأن الله لم ينزل له إلى الأرض، وليس عن النبي ﷺ قط حديث فيه أن الله نزل له إلى الأرض، بل الأحاديث الصحيحة: (أن الله يدنو عشية عرفة)، وفي رواية: (إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟)].
اتفق المسلمون على أن النبي ﷺ لم ير ربه بعينه في الأرض، واتفقوا على أنه لم ير أحد ربه غير النبي ﷺ بالاتفاق، حتى موسى الكليم، فقد أخبر الله في القرآن الكريم أنه قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] أي: لن تراني في الدنيا؛ لأنك لا تستطيع ببشريتك الضعيفة أن تتحمل ذلك، ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، فلما تجلى الله للجبل تدكدك ولم يصمد لرؤية الله، وهو صخر عظيم، فإذا كان الجبل مع صلابته لم ثبت لرؤية الله وتدكدك وانهار فكيف بالمخلوق الضعيف؟! إذاً اتفق العلماء على أنه لم ير أحد ربه غير النبي ﷺ ، واتفقوا على أن النبي ﷺ لم ير ربه في الأرض وإنما الخلاف في رؤيته في السماء ليلة المعراج على قولين، فمنهم من قال: رآه، ومنهم من قال: لم يره، والصواب أنه لم يره، وهو الذي عليه الجماهير، وكل حديث فيه أن الله نزل له إلى الأرض فهو من الأحاديث المكذوبة، فالأحاديث الصحيحة إنما هي في: (أن الله يدنو عشية عرفة)، وفي رواية: (إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر)، وهذا الدنو يليق بجلاله وعظمته سبحانه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وثبت في الصحيح: (أن الله يدنو عشية عرفة)، وفي رواية: (إلى سماء الدنيا فيباهي الملائكة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً، ما أراد هؤلاء؟)].
وهذا أمر ثابت: أن الله يدنو منهم ويباهي بهم، وهذا الدنو دنو يليق بجلاله وعظمته، وهو فوق العرش سبحانه، ولا نعلم كيفية هذا الدنو.
стр. 63
ما ورد في نزول الرب في ليلة النصف من شعبان، وحكم قيامها وصيام يومها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد روي أن الله ينزل ليلة النصف من شعبان -إن صح الحديث- فإن هذا مما تكلم فيه أهل العلم].
الصحيح أنه لم ينزل، وهذا الحديث ضعيف غير صحيح، وفيه: (أن الله ينزل في ليلة النصف من شعبان فيغفر لعدد شعر غنم كذا)، لكنه حديث ضعيف.
وليلة النصف من شعبان كغيرها من الليالي لا تخص بطول صلاة ولا يومها بصيام، فبعض الناس يتعبد ويصلي ليلة النصف من شعبان، ويرى بعضهم أنها ليلة القدر، وهذا باطل، فليلة القدر في رمضان، وبضعهم يصوم في يوم الخامس عشر من شعبان فقط، وهذا لا يشرع، لكن يصوم هذا اليوم مع بقية الأيام البيض فلا بأس بذلك.
стр. 64
عدم ثبوت ما روي أن النبي رأى ربه عندما نزل من حراء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذلك ما روى بعضهم: (أن النبي ﷺ لما نزل من حراء تبدى له ربه على كرسي بين السماء والأرض)].
وهذا من الأحاديث المكذوبة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [غلط باتفاق أهل العلم، بل الذي في الصحاح: (أن الذي تبدى له الملك الذي جاءه بحراء في أول مرة، وقال له: اقرأ فقلت: لست بقارئ)].
أي: لم يأت في الأحاديث أن الله تبدى لنبيه، ولكن الحديث الصحيح: (أن الذي رآه في غار حراء هو جبريل، فقد رآه على صورته التي خلقه الله عليها جالساً على كرسي بين السماء والأرض وله ستمائة جناح، وكل جناح يملأ ما بين السماء والأرض، فقال له: اقرأ، فقال: لست بقارئ) أي: لا أعرف القراءة والكتابة، وهذا ليس تحدياً ولا امتناعاً، (فأخذه وضمه حتى بلغ منه الجهد) أي: حتى يتحمل القيام بأعباء الرسالة، فقال له: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، وهذا ليس امتناعاً منه، ولكنه ﵊ لم يتعلم القراءة والكتابة، فضمه الثالثة حتى بلغ منه الجهد، فعل ذلك ثلاث مرات لكي يتهيأ للقيام بأعباء الرسالة، وهو أيضاً ﵊ قد رعى الغنم، وكل نبي رعى الغنم، قال النبي ﷺ : (ما من نبي إلا رعى الغنم، قالوا: وأنت يا رسول الله؟! قال: نعم، وأنا كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)، قال العلماء: الحكمة هنا حتى يتمرن وينتقل من سياسة الغنم ورعايتها إلى سياسة الأمم والدول والشعوب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]، فهذا أول ما نزل على النبي ﷺ ].
أول ما نزل عليه من الوحي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق:١]، والشاهد أن الذي تبدى للنبي ﷺ ورآه في غار حراء هو الملك وليس الله؛ لأن الله لا يستطيع أحد أن يراه في الدنيا لا النبي ولا غيره.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم جعل النبي ﷺ يحدث عن فترة الوحي قال: (فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض)].
وهذا بعد ما فتر الوحي، فقد أوحي إليه ﵊ ثم فتر الوحي ثلاث سنين، ثم رجع إليه مرة أخرى، فرأى الملك فقال: (هذا الذي رأيته في غار حراء) أي: في أول البعثة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [رواه جابر ﵁ في الصحيحين، فأخبر أن الملك الذي جاءه بحراء رآه بين السماء والأرض].
فالنبي ﷺ لما بلغ الأربعين حبب إليه الخلاء والانفراد عن الناس، وكان يأخذ من الطعام والشراب ما يكفيه، ثم يخرج من بيته ويذهب إلى غار حراء، وهو غار في الجبل، فيتعبد اليومين والثلاثة، فإذا انتهى الزاد رجع إلى زوجته خديجة وأخذ الطعام وعاد إلى الغار يتعبد، فجاءه جبريل في هذا المكان بالوحي والرسالة، ثم فتر الوحي ثلاث سنوات ثم رجع إليه مرة أخرى فرأى جبريل فقال: (هذا الذي رأيته في غار حراء).
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وذكر أنه رعب منه، فوقعفي بعض الروايات: الملك].
أي: أخبر أنه الملك الذي جاءه بحراء، وأنه ما بين السماء والأرض، وقال: إنه رعب منه، أي: خاف منه؛ لأنه رأى جبريل في صورته التي خلق عليها وله ستمائة جناح، فخاف من صورته العظيمة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فوقع في بعض الروايات: الملك، فظن القارئ أنه الملك، وأنه الله، وهذا غلط وباطل].
أي: جاء في بعض الروايات أنه قال: الملك، فظن الراوي أنه الملك، أي: بالكسر، وهو الله تعالى، وهذا غلط وتحريف وهو من الأوهام في الشريعة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وبالجملة: فكل حديث فيه: أن النبي ﷺ رأى ربه بعينيه في الأرض، وفيه: أنه نزل له إلى الأرض، وفيه: أن رياض الجنة من خطوات الحق، وفيه أنه وطئ على صخرة بيت المقدس، كل هذا كذب باطل باتفاق علماء المسلمين من أهل الحديث وغيرهم].
هذه قاعدة ذكرها بها المؤلف هنا فقال: كل حديث فيه: أن النبي ﷺ رأى ربه بعينه في الأرض فهو باطل مكذوب، فلا يمكن لأحد أن يرى الله في الأرض.
أو فيه: (أن الله نزل له إلى الأرض) فهو كذب، أو فيه: (أن رياض الجنة من خطوات الحق) فهو كذب، أو فيه: (أنه وطئ على صخرة ببيت المقدس)، فكل هذا كذب وغلط.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذلك كل من ادعى أنه رأى ربه بعينيه قبل الموت فدعواه باطلة باتفاق أهل السنة والجماعة؛ لأنهم اتفقوا جميعهم على أن أحداً من المؤمنين لا يرى ربه بعيني رأسه حتى يموت، وثبت ذلك في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان عن النبي ﷺ أنه لما ذكر الدجال قال: (واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت)].
أي: أن كل من ادعى أنه رأى ربه بعينه قبل الموت فهو كاذب ودعواه باطلة؛ لأن العلماء اتفقوا على أنه لا يراه أحد من المؤمنين بعيني رأسه حتى يموت، وثبت في حديث مسلم: (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا).
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذلك روي هذا عن النبي ﷺ من وجوه أخر يحذر أمته فتنة الدجال، وبين لهم أن أحداً منهم لن يرى ربه حتى يموت].
стр. 65
بيان كون الدجال أعور
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلا يظنن أحد أن هذا الدجال الذي رآه هو ربه].
يقول المؤلف: إنه روي عن النبي ﷺ من وجوه أخر تحذيره لأمته من فتنة الدجال، وبين فيها أنه لا يرى الله أحد في الدنيا حتى يموت، فلا يغتر بعض الناس إذا جاءه الدجال في آخر الزمان، والدجال رجل من بني آدم يخرج في آخر الزمان، وهو أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية، فيدعي الصلاح أولاً، ثم يدعي النبوة، ثم يدعي الربوبية، فينبغي للإنسان ألا يغتر بـ الدجال ويتبعه كالكفار.
стр. 66
أحوال المحسنين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولكن الذي يقع لأهل حقائق الإيمان من المعرفة بالله ويقين القلوب ومشاهدتها وتجلياتها هو على مراتب كثيرة، قال النبي ﷺ لما سأله جبريل ﵇ عن الإحسان قال: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)].
يقول المؤلف: إن الذي يقع لأهل حقائق الإيمان من المعرفة بالله ويقين القلوب على مراتب، من ذلك الإحسان، قال النبي ﷺ في تعريف الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك).
وهذا من اليقين والمعرفة بالله، فإذا كان الإنسان قوي الإيمان فإنه يعبد ربه كأنه يراه، فإن لم يره فإنه يعلم أن الله يراه، فهذا يقع لأهل الحقائق بالمعرفة بالله.
стр. 67
رؤية الله في الدنيا
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحاً لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يشبه إيمانه، ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير وتأويل لما فيها من الأمثال المضروبة بالحقائق].
يعني: أن الإنسان قد يرى ربه في المنام، والرؤيا في المنام غير الرؤيا في اليقظة، ففي اليقظة لا يمكن لأحد أن يرى الله، فالصواب: أنه لا يستطيع أحد أن يرى الله في الدنيا أبداً، حتى نبينا ﷺ الذي هو أفضل الخلق، والصواب أنه في ليلة المعراج لم يره بعين رأسه.
وأما رؤيا المنام فيمكن أن يرى الإنسان فيها ربه، وهذا باتفاق الطوائف، ولا ينكر هذا إلا الجهمية، وذلك من شدة إنكارهم لرؤية الله.
يقول المؤلف ﵀: إن جميع الطوائف أثبتوا أن الله يُرى في المنام إلا الجهمية من شدة إنكارهم، لكن يبقى إشكال وهو: هل يلزم من رؤية الإنسان ربه في المنام أن يكون على تلك الصورة التي رآها؟ يقول المؤلف: لا يمكن؛ لأن الإنسان يرى ربه على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه ويقينه رأى ربه في صورة حسنة، وإذا كان إيمانه ضعيفاً رأى ربه رؤية تشبه إيمانه؛ لأن رؤيا المنام لها حكم آخر يختلف عن حكم رؤيا اليقظة، ولها تعبير وتأويل.
إذاً: فالإنسان قد يرى ربه في النوم على قدر إيمانه ويقينه، ولما كان النبي ﷺ أقوى الناس إيماناً وأصلحهم يقيناً قال: (رأيت ربي في أحسن صورة).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد يحصل لبعض الناس في اليقظة أيضاً من الرؤيا نظير ما يحصل للنائم في المنام، فيرى بقلبه مثلما يرى النائم، وقد يتجلى له من الحقائق ما يشهده بقلبه، فهذا كله يقع في الدنيا].
يقول المؤلف: إنه قد يقع لبعض الناس في اليقظة نظير ما يحصل للنائم، فيرى بقلبه مثلما يراه النائم، ويتجلى له من الحقائق ما يشهده بقلبه، فيقال: إن المراد هنا بالقلب اليقين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وربما غلب أحدهم ما يشهده قلبه وتجمعه حواسه فيظن أنه رأى ذلك بعيني رأسه حتى يستيقظ، ويعلم أنه منام، وربما علم في المنام أنه منام].
يعني: أنه قد يغلب على بعض الناس ما يشهده بقلبه وتجمعه حواسه فيظن أنه رأى ذلك بعين رأسه من قوة الشهود وتجمع الحواس، حتى يستيقظ فيعلم أنه منام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهكذا من العباد من يحصل له مشاهدة قلبية تغلب عليه حتى تفنيه عن الشعور بحواسه، فيظنها رؤية بعينه وهو غالط في ذلك، وكل من قال من العباد المتقدمين أو المتأخرين: إنه رأى ربه بعيني رأسه فهو غالط في ذلك بإجماع أهل العلم والإيمان].
يقول المؤلف: من الناس من تحصل له مشاهدة قلبية تغلب عليه حتى تثنيه عن الشعور بحواسه، يعني: أنه تحصل له مشاهدة في القلب ويقين حتى يُثنى عن الشعور بحواسه وينسى ما هو عليه، فيظنها رؤية بعينه وهي رؤية بقلبه؛ وذلك من شدة الشعور وجمع الحواس حينما يعلم ربه بقلبه، فقد تغلب عليه قوة وشهود الحواس فيظن أنه رأى ربه بعين رأسه، ويكون غالطاً في هذا.
ثم قال المؤلف: كل من قال من العلماء المتقدمين والمتأخرين: إنه رأى ربه بعين رأسه فهو غالط؛ لأنه لا يمكن رؤية الله في الدنيا.
стр. 68
رؤية الله بالأبصار في الآخرة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [نعم، رؤية الله بالأبصار هي للمؤمنين في الجنة، وهي أيضاً للناس في عرصات القيامة، كما تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ حيث قال: (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب، وكما ترون القمر ليلة البدر صحواً ليس دونه سحاب)].
يعني: أن رؤية الله بالأبصار هي للمؤمنين في الجنة، وهذا بالاتفاق، فالمؤمنون يرون ربهم في الجنة بأبصارهم وهي من النعيم، بل هي أعظم نعيم أعطاه الله لأهل الجنة، حتى إنهم ينسون ما هم فيه من نعيم الجنة، وكذلك أيضاً يراه المؤمنون في عرصات القيامة.
وعرصات القيامة هي: ساحات ومواقف، ومشاهد القيامة متعددة.
стр. 69
رؤية الله في عرصات يوم القيامة
اختلف العلماء هل الكفار يرون الله في موقف القيامة أو لا يرونه؟ على ثلاثة أقوال: قيل: لا يراه إلا المؤمنون فقط؛ استدلالاً بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، وقيل: يراه أهل الموقف كلهم مؤمنهم وكافرهم ثم يحتجب عن الكفار، وقيل: لا يراه إلا المؤمنون والمنافقون فقط؛ لأن المنافقين كانوا معهم في الدنيا، ولأحاديث وردت بأنهم يكونون معهم حتى يروا الله ثم يسجدون لله، فيأتي المنافق فيسجد فيكون ظهره طبقاً ولا يستطيع السجود، وذلك قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ﷺ : (جنات الفردوس أربع: جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)].
هذا حديث ثابت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري، وفيه: وأن الفردوس أربع جنان: جنتان من ذهب وجنتان من فضة، ثم قال: (وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) يعني: أنه سبحانه في يوم القيامة يكشف الحجاب فيرونه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ﷺ : (إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى منادٍ: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة)].
هذا حديث صريح بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وأن الله يكشف الحجاب فينظرون إليه، وأن رؤيتهم له أعظم نعيم يعطونه في الجنة، وهي الزيادة التي في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] فالحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله، فالمؤمنون لهم الجنة ولهم الزيادة وهي النظر إلى وجه الله الكريم.
стр. 70
تواتر أحاديث رؤية الله يوم القيامة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذه الأحاديث وغيرها في الصحاح، وقد تلقاها السلف والأئمة بالقبول، واتفق عليها أهل السنة والجماعة، وإنما يكذب بها أو يحرفها الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة والرافضة ونحوهم، الذين يكذبون بصفات الله تعالى وبرؤيته وغير ذلك، وهم المعطلة شرار الخلق والخليقة].
يعني: أن هذه الأحاديث التي فيها أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة أحاديث متواترة تلقاها السلف والأئمة بالقبول، واتفق عليها أهل السنة والجماعة، حتى قال بعض الأئمة: من أنكر رؤية الله في الآخرة كفر، روي هذا عن جماعة من الأئمة.
يقول المؤلف: إن هذا متفق عليه بين أهل السنة، وإنما يكذب بها ويحرفها أهل البدع من الجهمية والمعتزلة والرافضة الذين يكذبون بصفات الله وبرؤيته، وهم المعطلة، وهم شرار الخلق والخليقة.
стр. 71
منهج أهل السنة في الرؤية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ودين الله وسط بين تكذيب هؤلاء بما أخبر به رسوله ﷺ في الآخرة وبين تصديق الغالية بأنه يرى بالعيون في الدنيا، وكلاهما باطل].
دين الله وسط بين تكذيب هؤلاء الذين يكذبون بالنصوص التي فيها أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وبين تصديق الغلاة الذين يقولون: إن الله يرى بالعيون في الدنيا، وكلاهما باطل، فدين الله وسط بين الغالي والجافي.
فالصوفية قالوا: إن الله يراه كل أحد، وأنه ينزل في عشية عرفة ويسامر ويصافح، وأن كل خضرة في الدنيا قد يكون الله فيها، وأنه يرى في بعض سكك المدينة ويرى في الأمكنة.
والمعطلة يقولون: إن الله لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة، وقالوا: من قال: إن الله يرى في الآخرة كفر، فالمؤلف يقول: دين الله وسط بين الغالي والجافي، وهو الحق، فنقول: إن الله يرى في الآخرة ولا يرى في الدنيا.
стр. 72
منهج أهل الحلول في الرؤية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء الذين يزعم أحدهم أنه يراه بعيني رأسه في الدنيا هم ضلال كما تقدم، فإن ضموا إلى ذلك أنهم يرونه في بعض الأشخاص: إما بعض الصالحين، أو بعض المردان، أو بعض الملوك أو غيرهم عظم ضلالهم وكفرهم، وكانوا حينئذٍ أضل من النصارى الذين يزعمون أنهم رأوه في صورة عيسى ابن مريم].
يعني: أن هؤلاء الذين يزعم أحدهم أنه رآه بعين رأسه هم ضُلاّل من الصوفية وغيرهم، فإن قالوا مع ذلك: إنه يرى في بعض الأشخاص أو في بعض الصالحين أو بعض المردان أو بعض الملوك عظم ضلالهم؛ لأن بعضهم يرون أن الله حل في المخلوقات، ويقولون: إن الله حل في بعض الصالحين، فإذا رأيت الصالح فقد رأيت الله؛ لأن الله حل فيه، نعوذ بالله.
وبعضهم يقول: إن الله حل في بعض المردان، والأمرد هو: الذي لا لحية له، أو يقول: إنه حل في بعض الملوك، وكل هؤلاء ظلال وكفار، وهم أضل من النصارى الذين يزعمون أنهم رأوا الله في صورة عيسى، فالنصارى يقولون: إنهم رأوا الله في صورة عيسى، وهؤلاء الضلال يقولون: إنهم رأوه في كل مكان وفي بعض الملوك أو بعض الصالحين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل هم أضل من أتباع الدجال الذي يكون في آخر الزمان ويقول للناس: أنا ربكم، ويأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، ويقول للخربة: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها].
يعني: أن هؤلاء الضلال الذين يقولون: إن الله يرى في الدنيا أشد ضلالاً من أتباع الدجال، والدجال هو من بني آدم يدعي الصلاح، ثم النبوة، ثم الربوبية، وهو كافر مكتوب بين عينيه (ك ف ر)، فهؤلاء الذين يقولون: إن الله يرى في الدنيا أضل من أتباع الدجال الذي يكون في آخر الزمان ويقول للناس: أنا ربكم، ويأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، ويقول للخربة: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها، كما أخبر بذلك النبي ﷺ .
стр. 73
أصناف الحلولية والاتحادية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء قد يسمون الحلولية والاتحادية، وهم صنفان: قوم يخصونه بالحلول أو الاتحاد في بعض الأشياء، كما يقوله النصارى في المسيح ﵇، والغالية في علي ﵁ ونحوه.
وقوم في أنواع من المشايخ، وقوم في بعض الملوك، وقوم في بعض الصور الجميلة، إلى غير ذلك من الأقوال التي هي شر من مقالة النصارى.
وصنف يعممون فيقولون بحلوله أو اتحاده في جميع الموجودات حتى الكلاب والخنازير والنجاسات وغيرها كما يقول ذلك قوم من الجهمية ومن تبعهم من الاتحادية كأصحاب ابن عربي وابن سبعين وابن الفارض والتلمساني والبلياني وغيرهم].
ذكر المؤلف ﵀ فيما سبق: أن من الناس من يضل فيُجوِّز أن يرى ربه في الدنيا في صورة البشر، كهؤلاء الضلال الذين يعتقدون ذلك، وذكر أن هؤلاء يسمون بالحلولية والاتحادية، ثم بين ﵀ أن الحلولية والاتحادية صنفان: الصنف الأول: قوم يخصونه بالحلول أو الاتحاد في بعض الأشياء، والصنف الثاني: يعممون القول بالحلول والاتحاد، ومعنى الحلول: هو قولهم: إن الله حل في بعض الناس والعياذ بالله! وهذا كفر وضلال.
والاتحادية يقولون: اتحد الله مع بعض الناس وصار معهم شيئاً واحداً، فالاتحادية يقولون: الوجود واحد، فالعبد هو الرب والرب هو العبد، فقد اتحدا، يعني: صارا شيئاً واحداً، فلا فرق بين العبد والرب، فالعبد هو الرب والرب هو العبد، وممن يقول بهذا ابن عربي.
فالصنف الأول: قوم يخصونه بالحلول والاتحاد في بعض الأشياء لا في جميع المخلوقات، وقوم يعممون في جميع المخلوقات، فيقولون: الله حل في كل المخلوقات، والعياذ بالله! إذاً: فالذين يعممون يقولون: ليس في الوجود إلا الله، فالله هو العبد والعبد هو الله، والرب هو العبد والعبد هو الرب، ولا يوجد وجودان، وإنما هو وجود واحد، فهذا الوجود الذي تراه هو الخالق وهو المخلوق، فأنت الرب وأنت العبد! فهؤلاء يعممون الوجود، وهناك طائفة أخرى يخصصون، فيقولون: الله حل في بعض الأشياء لا في جميعها، كما يقول النصارى في المسيح ﵇، فالنصارى يقولون: إن الله حل في المسيح ﵊ فقط ولم يحل في غيره، ويقولون: إن المسيح هو الله -والعياذ بالله-، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة.
وكذلك الغالية من الرافضة الذين يقولون: إن الله حل في علي، ويقولون: علي هو الإله، والله حل فيه ولم يحل في غيره.
وكذلك هناك قوم يخصون الحلول في أنواع من المشايخ، يعني: مشايخ الصوفية، فبعضهم يقول: إن الله حل في بعض شيوخ الصوفية.
وهناك قوم يخصون ويقولون: إن الله حل في بعض الملوك، وقوم يقولون: إن الله حل في بعض الصور الجميلة، إلى غير ذلك من الأقوال التي هي شر من مقالة النصارى، ولا شك أن هذه الأقوال شر من مقالة النصارى؛ لأن النصارى خصصوا الله بالمسيح، وهؤلاء جعلوه في أنواع من مشايخ الصوفية.
والصنف الثاني يعممون فيقولون بحلوله أو اتحاده في جميع الموجودات، ويقولون: الله حل في جميع الموجودات واتحد مع جميع الموجودات، بحيث إن كل مخلوق هو الله؛ لأنه اتحد به، يقول المؤلف: حتى الكلاب والخنازير والنجاسات، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
ويقولون: إن الله حل في أجواف الطيور وبطون السباع، كما يقول ذلك قوم من الجهمية ومن تبعهم من الاتحادية، كأصحاب ابن عربي، وابن عربي هذا هو محمد محيي الدين بن عربي وهو رئيس الاتحادية -والعياذ بالله-، وكذلك ابن سبعين وابن الفارض وكلهم من الاتحادية، وهكذا التلمساني والبلياني وغيرهم، وهؤلاء من أكفر خلق الله.
فإن قيل: أيهما أشد كفراً الحولية أم الاتحادية؟ وهل الحلولية والاتحادية شيء واحد أو شيئان؟ ف
الجواب
أن بعضهم يرى أن المعنى واحد، وأن القول بالحلول والاتحاد واحد، ويرى آخرون أن الحلولية والاتحادية صنفان، فالحلولية هم الذين يقولون: إن الله حل في بعض المخلوقات، فيقولون: بوحدة الاثنين؛ أحدهما حل في الآخر، والاتحادية أعظم كفراً فيقولون: اتحد الخالق بالمخلوق، فليس هناك تعدد فالوجود واحد.
стр. 74
عقيدة ابن عربي
وهؤلاء رئيسهم ابن عربي، فـ ابن عربي يقول: الرب عبد والعبد رب يا ليت شعري من المكلف إن قلت عبد فذاك رب أو قلت رب أنى يكلف فاشتبه عليه الأمر والعياذ بالله! ومن أقوال ابن عربي: رب مالك، وعبد هالك، وأنت ذلك، العبد فقط والكثرة وهم، فما تراه من الأشخاص توهم وإلا فالوجود واحد، وكل ما تراه مظاهر لتجلي الله ولتجلي الحق، نعوذ بالله! ويقول ابن عربي: إن من أسماء الله الحسنى العلي، ثم يقول: علي على ماذا؟ ليس في الوجود إلا هو! نسأل الله السلامة والعافية، وهؤلاء من أكفر خلق الله.
وابن عربي لا ريب في قوله بوحدة الوجود، وهو يدعي أنه من كبار العارفين، وهناك من يقدس ابن عربي ويعظمه ويحترمه، وهناك من ينتصر له ويقول: إنه من كبار العارفين، وتطبع مؤلفات الاتحادية بورق ثقيل وهناك من يعتذر عن ابن عربي، وابن عربي له مؤلفات منها: الفتوحات المكية، وكتاب فصوص الحكم، وكتابه فصوص الحكم يعارض فيه القرآن، ويفسر القرآن بتفسيرات كفرية إلحادية، فيقول مثلاً: فصل نوح، ويأتي بقصة نوح، فصل هود وعاد، ويقول: إن الوجود واحد، وكل من عبد شيئاً فهو على صواب! فمن عبد الأصنام فهو على صواب! ومن عبد النار فهو على صواب! ومن عبد البشر فهو على صواب! ومن عبد الحجر فهو على صواب! ويكفر بالتخصيص، فيقول: الذي يمنع ويخصص ولا يعبد من البشر أحداً فهذا كافر! ويقول: سر حيث شئت فالله ثمَّ، وقل ما شئت فالواسع الله، وكل شيء تراه هو الله! ومن فروع هذا المذهب أن كل من عبد شيئاً فهو على صواب، ويقول: إن فرعون مصيب حينما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]؛ لأن الله يتجلى في صورة معبود كما تجلى في صورة فرعون، ويتجلى في صور هادٍ كما يتجلى في صورة رجل، فكل من عمل شيئاً فهو على صواب! والذي يمنع من عبادة شيء فهو كافر! والذي يخصص ويقول: لا يعبد إلا شيء واحد فهو كافر، والعياذ بالله! وفسر قصة موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام وقصة إغراق الله فرعون فقال: إن فرعون أغرق ليزول الحسبان والتوهم؛ فإن فرعون قال: (أنا ربكم الأعلى) فخص نفسه فقط، وكل الناس أرباب، وليس خاصاً به، فلما توهم هذا التوهم أغرق تطهيراً له؛ ليزول الوهم والحسبان، حتى لا يتوهم أنه هو الرب وحده.
ويقول: إن موسى ﵇ لما ذهب لميقات ربه ورجع إلى بني إسرائيل وجدهم يعبدون العجل ومعهم هارون، وهارون نصحهم وعجز عنهم وكادوا يقتلونه، ولما جاء موسى أخذ برأس أخيه يجره إليه من شدة الغضب وذلك عندما أخبره الله أن بني إسرائيل عبدوا العجل، لكن لما رآهم يعبدون العجل اشتد غضبه وألقى الألواح حتى تكسرت من شدة الغضب، وعفا الله عنه؛ لأنه غلطان! فقد ألقاها وفيها كلام الله، ثم أخذ بلحية أخيه هارون - وهو نبي مثله - يجره من شدة الغضب: كيف تتركهم يعبدون العجل؟ فقال له هارون: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه:٩٤] فهو أخوه من أمه وأبيه، لكن قال: (يَبْنَؤُمَّ) من باب الاستعطاف ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه:٩٤].
يقول ابن عربي: إنما أخذ موسى بلحية هارون إنكاراً عليه حيث أنكر على القوم عبادة العجل، وقال: لِمَ لم تتركهم يعبدون العجل؟! والعياذ بالله! فالمقصود: أن ابن عربي هذا من أكفر خلق الله لرؤيته وحدة الوجود، ومثله ابن الفارض وابن سبعين والتلمساني، فكل هؤلاء من رءوس الكفر والعياذ بالله! فهم صوفية اتحادية ملاحدة.
وهم أشد كفراً من الحلولية؛ لأن الحلولية يثبتون وجودين، ولكن أحدهما حل في الآخر، والاتحادية يقولون: ليس هناك تعدد الوجود، بل هو واحد لا اثنين ولا تعدد، ولهذا يقولون: من قال عن الاتحادية: إنهم حلولية يقولون: أنت محجوب عن معرفة سر المذهب، ولا تعرف المذهب!
стр. 75
طبقات الناس عند ابن عربي
وابن عربي يقسم الناس إلى أقسام: عامة، وخاصة، وخاصة الخاصة، فالعامة عليهم التكاليف، من صلاة وقيام وزكاة وحج وذكر.
ومن العامة جميع الأنبياء والمرسلين.
ثم الخاصة، وهؤلاء عندهم طاعات وليس عندهم معاصٍ، والعامة عندهم طاعات ومعاصٍ، وأما الخاصة فإنهم وصلوا إلى درجة ارتفعت عنهم التكاليف وليس عندهم معاصٍ، فكل ما يفعلونه طاعات، حتى ولو فعلوا الكفر والزنا والسرقة فهي طاعات؛ لأنهم تجاوزوا التكاليف.
وهناك خاصة الخاصة وهم الذين وصلوا إلى القول بوحدة الوجود والعياذ بالله! ويقول: إن العامة لهم أذكار، وأذكارهم: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر.
وأما الخاصة فيكفيهم في الذكر لفظ الجلالة، فلا يحتاج أحدهم أن يقول: لا إله إلا الله، بل يقول: الله، الله، الله، الله، الله، الله، الله، الله فهذه أذكار الخاصة.
ومن كان من خاصة الخاصة فلا يحتاج إلى لفظ الجلالة كاملة، بل يكتفي بالهاء من لفظ الجلالة، فتصير: هو، هو، هو، هو، هو، هو وهكذا، فهذه أذكار خاصة الخاصة، وهؤلاء موجودون الآن في كل مكان.
فتجد الصوفية في كل مكان، ولهم في كل بلد مئات الطرق، ولكل طريقة شيخ يقودهم إلى النار.
فبعض الطرق كفر، وبعضها بدع وهكذا، ولفظ (هو) أو (الله) ليست ذكراً وليس جملة مفيدة، فلفظ الجلالة وحده ليس فيه ذكر، ولا يفيد القلوب إيماناً ولا تقوى؛ إذ لابد للذكر أن يكون جملة مفيدة كالله أكبر، أو سبحان الله، أو الحمد لله، أما الله، الله، الله، الله فهذا ليس ذكراً.
وأما خاصة الخاصة فيأخذون الهاء فقط ويقولون: هو هو هو، يقول بعض الناس: ذهبت إلى أفريقيا فوجدت جماعة صوفية يجلسون من بعد العصر إلى غروب الشمس وهم يقولون: الله الله الله الله الله الله الله الله، وبعضهم يدور حتى يسقط ويغمى عليه، نسأل الله السلامة والعافية.
ويقول ابن عربي: عندي دليل على أن ذكر خاصة الخاصة (هو)، حتى إنه ألف كتاباً سماه كتاب (الهو) وقال: عندي دليل من القرآن على أن ذكر الخاصة (الله)، فاستدل بقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام:٩١]، فهذا دليل على أن هذا ذكر الخاصة (الله).
ويقول: الدليل على أن ذكر خاصة الخاصة (هو) قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران:٧] فهذا دليل على أن (هو) ذكر خاصة الخاصة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فقلت لبعض الصوفية: لو كان كما تقول: لكتبت الهاء منفصلة عن الكلمة التي قبلها وكتبت: (وما يعلم تأويل هو) لكن الآية فيها أن الهاء مرتبطة بما قبله: (وما يعلم تأويله)، والاتحادية والحلولية لا يؤمنون بالقرآن، لكن هذا من باب التغطية والنفاق وذر الرماد في العيون؛ حتى يدلسوا ويموهوا على الناس أنهم يعملون بالقرآن، وإلا فإن بعض الصوفية لما قيل له: إن القرآن يخالف ما تنكرون، قال: القرآن كله شرك من أوله إلى آخره والحق ما نقول، نعوذ بالله! وكثير من الصوفية الملاحدة إذا أذن المؤذن شتمه وقال: لأنه يذكر الله وهو يريد أن ينسى كل شيء! وإذا نبح الكلب أو نهق الحمار أثنى عليه؛ لأن الحمار والكلب ينسيه، والمؤذن يذكره بالله! وهذا المؤذن يثبت اثنين: أحدهما خالق والآخر مخلوق، والحمار والكلب ينسيه فلا يذكر إلا شيئاً واحداً أنه هو الرب وهو العبد.
والخاصة عندما يريدون أن يتوصلوا إلى مرتبة خاصة الخاصة يقولون له: انس كل شيء حتى نفسك، ولا تشاهد إلا الله حتى يغلب الشهود عليك، فيظن أنه هو الله، وأن الله اتحد به، فالمؤذن حينما يذكر الله يثبت اثنين؛ فلذلك يشتمه الصوفية الملاحدة قبحهم الله وأخزاهم.
فالمقصود: أن الاتحادية الآن من أكفر خلق الله، والحلولية أخف كفراً؛ لأنهم يقولون بوجود اثنين أحدهما حل في الآخر، والاتحادية يقولون: الوجود واحد، فقد اتحد الخالق بالمخلوق، بل ليس هناك خالق ولا مخلوق بل الوجود واحد، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
следующие страницы →