Полный текст (155 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
شرح الوصية الكبرى لابن تيمية [١٠]
من عقيدة أهل السنة والجماعة: السكوت عما شجر بين الصحابة من الفتن، وعدم الخوض فيها، مع اعتقادهم أن كلا الفريقين لا يخرجون عن مسمى الإيمان، وهو نعت القرآن، الذي هو كلام الواحد الديَّان، واعتقادهم أن الصحابة مجتهدون في ذلك لا يعدمون أجر الصواب، وأجر الخطأ، ومن عقيدة جمهور أهل السنة: عدم لعن يزيد بن معاوية وعدم محبته، وأمره إلى الله، وهو أحكم الحاكمين.
стр. 107
الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: وكذلك يجب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة والقرابة ﵃، فإن الله تعالى أثنى على أصحاب نبيه ﷺ من السابقين والتابعين لهم بإحسان، وأخبر أنه رضي عنهم ورضوا عنه، وذكرهم في آيات من كتابه، مثل قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عليه مْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨].
وفي الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)].
يقول المؤلف ﵀: (وكذلك يجب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة والقرابة) يعني بالصحابة: صحابة النبي ﷺ ، والقرابة: قرابة النبي ﷺ ، والصحابي كما سبق: هو كل من لقي النبي ﷺ مؤمناً ومات على الإسلام، ولو تخللته ردة في الأصح، والقرابة: هم قرابة النبي ﷺ من جهة النسب، فيجب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة والقرابة، وإنزالهم منازلهم التي أنزلهم الله بالإنصاف والعدل، لا بالهوى والتعصب، ولا يجوز الغلو في جانب الصحابة كأن يعتقد الإنسان أنهم معصومون، أو أنهم يستحقون شيئاً من الألوهية، كما لا يجوز الجفاء مثل: سب الصحابة وإيذائهم، فكل ذلك من المنكرات العظيمة، فالواجب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة، واعتقاد فضلهم وسابقتهم وخيريتهم، وأنهم خير الناس بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم.
وكذلك يجب الاقتصاد والاعتدال في أمر قرابة النبي ﷺ بدون غلو كما تفعل الرافضة، فإنهم يعبدونهم من دون الله، ومن دون جفاء كما تجفو النواصب من الخوارج وغيرهم، فإنهم جفوا آل البيت وكفروا علياً ومن شايعه، فالواجب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة والقرابة، ويكون ذلك بالترضي عنهم، والترحم عليهم، وإنزالهم منازلهم التي أنزلهم الله بالعدل والإنصاف، لا بالهوى والتعصب، فإن الله تعالى أثنى على أصحاب نبيه ﷺ من السابقين والتابعين لهم بإحسان وأخبر أنه رضي عنهم ورضوا عنه، وذكرهم في آيات من كتابه مثل قوله تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ)) وهم الصحابة رضوان الله عليهم ((أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) وهذا وصفهم ((تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ)) يعني: قواه ((فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ)) وقد استنبط الإمام مالك ﵀ من قوله: ((لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ)): أن من أغاظ الصحابة فهو كافر؛ لأن الله أخبر: أنه يغيظ بالصحابة الكفار، قال: فمن أغاظ الصحابة فإنه يكون مرتداً -نعوذ بالله- لأن الله قال: ((لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ)) فمن سب أو أغاظ الصحابة فإنه يكون كافراً لهذه الآية كما قاله الإمام مالك ﵀.
قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩]، وهذا ثناء على الصحابة، ووعد كريم، فكيف يسب الصحابة من يؤمن بالله واليوم الآخر؟! وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عليهمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨]، وهذا: في أهل بيعة الرضوان وكانوا ألفاً وأربعمائة.
وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام مسلم عن حفصة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة)، فهذا وعد كريم، وقد كانوا ألفاً وأربعمائة، وقال : ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الحسنى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد:١٠]، كلهم وعدهم الله بالحسنى وهي: الجنة، وهو وعد كريم، وفي الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، وهذا قاله النبي ﷺ لـ خالد بن الوليد، لما حصل بينه وبين عبد الرحمن بن عوف سوء تفاهم، فقال النبي ﷺ مخاطباً خالداً بن الوليد: (لا تسبوا أصحابي)، يعني: المتقدمين في الصحبة، وإلا فـ خالد صحابي، لكن إسلامه تأخر فلم يسلم إلا بعد صلح الحديبية، وعبد الرحمن بن عوف من السابقين الأولين، وبينهم تفاوت في الصحبة، والصحابة طبقات، وهناك طبقة بعدهم: وهم الذين أسلموا يوم الفتح، ويقال لهم: مسلمة الفتح.
والسابقون الأولون: هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والمراد بالفتح: صلح الحديبية وهذا هو الصواب، وقيل: المراد بالسابقين الأولين: من صلى إلى القبلتين بيت المقدس والكعبة، لكن هذا قول ضعيف، والصواب: أن السابقين الأولين: هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وجاهدوا، والمراد بالفتح: صلح الحديبية، فقد سماه الله فتحاً في سورة الفتح فقال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، ولما قرأها النبي ﷺ على عمر قال: أفتح هو؟ قال: نعم.
فقال سبحانه: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠]، فلما حصل بعض الكلام بسبب سوء التفاهم بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف، فكأن خالداً سب عبد الرحمن، فقال النبي ﷺ مخاطباً خالداً وكان ممن تأخر إسلامه وتأخرت صحبته: (لا تسبوا أصحابي)، يعني: المتقدمين في الصحبة كـ عبد الرحمن بن عوف، فلا تسبوا -أيها المتأخرون في الصحبة- أصحابي المتقدمين في الصحبة فإن بينكم تفاوتاً عظيماً: (فوالذي نفسي بيده!) وهذا قسم، وهو الصادق ﵊ وإن لم يقسم، لكن لتأكيد الأمر، وفيه: إثبات اليد لله ، قوله: (فوالذي نفسي) أي: نفس النبي ﷺ ، قال: (فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، يعني: لو أن أحدكم -أيها المتأخرون في الصحبة كـ خالد بن الوليد ومن أسلم بعد الحديبية -أنفق مثل أحد ذهباً في سبيل الله ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فلو أن خالداً أنفق مثل أحد ذهباً، وأنفق عبد الرحمن مداً، والمد: ملء كفي الرجل المتوسط، أو نصف مد لسبق عبد الرحمن لتقدمه في الإسلام على خالد، فإذا كان هذا التفاوت بين الصحابة أنفسهم، فكيف بالتفاوت بينهم وبين التابعين؟ وخالد ﵁ أسلم بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة، وهناك طبقة بعدهم: وهم الذين أسلموا بعد فتح مكة ويقال لهم: الطلقاء، ومنهم: معاوية بن أبي سفيان، وأخوه يزيد، وأبوه أبو سفيان، ويقال لهم أيضاً: مسلمة الفتح، فهم طبقات، فإذا كان هذا التفاوت بين الصحابة أنفسهم، فكيف بالتفاوت بين الصحابة ومن بعدهم، فهو أعظم وأعظم.
стр. 108
فضل بعض الصحابة على بعض
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد اتفق أهل السنة والجماعة على ما تواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ﵄، واتفق أصحاب رسول الله ﷺ على بيعة عثمان بعد عمر ﵄، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً)، وقال ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة)، وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ آخر الخلفاء الراشدين المهديين، وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃، ودلائل ذلك وفضائل الصحابة كثيرة ليس هذا موضعها] يقول المؤلف ﵀: (اتفق أهل السنة والجماعة على ما تواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ﵄ يعني: أنهم اتفقوا على تقديم الشيخين في الأفضيلة وفي الخلافة، فاتفق أهل السنة والجماعة: على أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، واتفقوا أيضاً: على أن الخليفة بعده هو أبو بكر ثم عمر، وكذلك اتفق الصحابة ﵃: على بيعة عثمان بعد عمر، وأن الخليفة الثالث: هو عثمان، وهذا مجمع عليه بين أهل السنة والجماعة، واتفقوا على أن الخليفة الرابع: هو علي بن أبي طالب، فترتيب الصحابة والخلفاء الأربعة في الخلافة متفق عليه بين أهل السنة والجماعة، وأن الخليفة الأول: أبو بكر، والخليفة الثاني: عمر، والخليفة الثالث: عثمان، والخليفة الرابع: علي بن أبي طالب ﵃.
واتفقوا أيضاً: على أن ترتيبهم في الفضيلة كترتيبهم في الخلافة سواءً بسواء، وأن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، إلا أنه وقع خلاف بين بعض أهل السنة في الفضيلة بين عثمان وعلي، فروي عن الإمام أبي حنيفة ﵀: أن علياً أفضل من عثمان، وقال به بعض العلماء، وقال بعض أهل العلم بالتوقف، والجمهور على أن عثمان أفضل، ثم انقرض هذا الخلاف واتفق على تقديم عثمان على علي في الفضيلة، وهذا في الفضيلة فقط، أما ترتيبهم في الخلافة ففيه إجماع، فمن قدم علياً على عثمان في الخلافة فقد ضل، بخلاف من قدم علياً على عثمان في الفضيلة فهذا لا يضل، وهذه مسألة سهلة خفيفة.
ولهذا يقول العلماء: من قدم علياً على عثمان في الخلافة فهو أضل من حمار أهله.
وقال بعض التابعين: من قدم علياً على عثمان في الخلافة فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار.
يعني: احتقرهم؛ وقد أجمع المهاجرون والأنصار على تقديم عثمان ومبايعته بالخلافة بعد عمر، فالخلافة مجمع عليها، لكن الخلاف في الفضيلة بين علي وعثمان، فالجماهير على أن عثمان أفضل، وبعض العلماء توقف، وبعض العلماء قدم علياً على عثمان، ولكن هذا الخلاف انقرض، واتفق العلماء على تقديم عثمان على علي في الفضيلة كتقديمه عليه في الخلافة، والتقديم في الفضيلة أمره سهل مع أنه انقرض، وإنما الأمر المنكر هو تقديم علي على عثمان في الخلافة، فمن قدم علياً على عثمان في الخلافة فهو أضل من حمار أهله، وقد احتقر الصحابة من المهاجرين والأنصار المجمعين على تقديم عثمان على علي في الخلافة.
ولهذا قال المؤلف في كتابه: (واتفق أصحاب رسول الله ﷺ على بيعة عثمان بعد عمر ﵄.
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً) يعني: اتفق العلماء على أن الخلفاء الراشدين هم الأربعة، أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ودل على ذلك الحديث الشريف، وهو قوله ﷺ : (خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً)، فإذا حسبت مدة خلافة الخلفاء الراشدين وجدتها ثلاثين سنة، فـ أبو بكر سنتان وثلاثة أشهر، وعمر عشر سنين ونصف، وعثمان اثني عشرة سنة، وعلي أربع سنين وستة أشهر، والحسن بن علي ستة أشهر، فقد بويع له بالخلافة بعد قتل أبيه ﵄، وبقي في الخلافة ستة أشهر، ثم تنازل عن الخلافة لـ معاوية بن أبي سفيان حقناً لدماء المسلمين، فإذا جمعت هذه المدة وجدتها ثلاثين سنة.
(ثم تصير ملكاً)، وأول ملوك المسلمين: هو معاوية بن أبي سفيان فقد بويع له بالخلافة عام أربعين، وتمت له البيعة، وسمي ذلك العام: عام الجماعة.
ثم قال ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)، يعني: الزموها، والشيء الذي يلزمه الإنسان ويهتم به يعض عليه بالنواجذ، والنواجذ: هي الأسنان التي تلي الثنايا، قال: (وإياكم ومحدثات الأمور)، يعني: الأمور المحدثة في الدين (فإن كل بدعة ضلالة)، (وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ آخر الخلفاء الراشدين المهديين، وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا -يعني: في الفضيلة- أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي) واتفقوا على أن يقولوا في الخلافة: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃، ودلائل ذلك وفضائل الصحابة كثيرة ليس هذا موضعها).
стр. 109
الإمساك عما شجر بين الصحابة من عقيدة أهل السنة والجماعة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك نؤمن بالإمساك عما شجر بينهم، ونعلم أن المنقول في ذلك كذب، وهم كانوا مجتهدين إما مصيبين فلهم أجران، أو مثابين على عملهم الصالح مغفور لهم خطؤهم وما كان من السيئات، وقد سبق لهم من الله الحسنى، فإن الله يغفر لهم إما بتوبة، أو بحسنات ماحية، أو مصائب مكفرة أو غير ذلك، فإنهم خير قرون هذه الأمة كما قال ﷺ : (خير القرون قرني الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم)، وهذه خير أمة أخرجت للناس].
يقول المؤلف ﵀ مبيناً معتقد أهل السنة والجماعة: (وكذلك نؤمن بالإمساك عما شجر بينهم) يعني: أن من عقيدة أهل السنة والجماعة الإمساك -ومعنى الإمساك: هو السكوت- عما شجر بين الصحابة، يعني: عما حصل بينهم من الخلاف، كالنزاع والقتال، فيجب الإمساك عنه، ولا يجوز إفشاؤه.
قال المؤلف ﵀: (ونعلم أن المنقول في ذلك كذب، وهم كانوا مجتهدين) أي: في الشيء الذي ثبت عنهم، وبين المؤلف ﵀ هذا المعنى بشكل أوضح في رسالة العقيدة الواسطية فقال: والمنقول عن الصحابة أنواع: منها: ما هو كذب لا أساس له من الصحة، ومنها: ما يوجد له أصل، ولكن زيد فيه أو نقص منه أو غير عليه، ومنها: ما هو ثابت في الصحيح، والثابت في الصحيح بين أمرين: فإما مجتهد مصيب له أجران، أجر الإصابة وأجر الاجتهاد، وإما مجتهد مخطئ فله أجر الاجتهاد، وخطؤه مغفور.
ثم نعتقد أن كل واحد من الصحابة ليس معصوماً من كبائر الذنوب ولا من صغائرها، فهم ليسوا أنبياء، والعصمة للأنبياء فقط، فالنبي معصوم عن الشرك وعن الكبائر ومعصوم فيما يبلغ عن الله، أما الواحد من الصحابة فليس معصوماً وقد تقع منه الذنوب، لكن إذا وقع منه الذنب فهناك أسباب المغفرة، فإن ما يحصل من الصحابة اجتهاد فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وإن وقع في ذنب محقق فأسباب المغفرة كثيرة: فقد يتوب إلى الله، فإما أن يغفرها الله له بتوبته فيتوب عليه، أو يغفرها له بإقامة الحد عليه في الدنيا مثلاً، أو بحسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو بشفاعة نبينا محمد ﷺ لهم، وهم أولى الناس بشفاعته، فإنهم خير قرون هذه الأمة، ولهذا قال المؤلف ﵀: (وهم كانوا مجتهدين) أي: فيما شجر بينهم، إما مصيبين فلهم أجران، أو مثابين على عملهم الصالح، ومغفور لهم ما كان عليهم من السيئات.
وقد سبق لهم من الله الحسنى، ووعدهم الله بالجنة، فإن الله يغفر لهم الذنوب المحققة: إما بتوبة، أو بحسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو غير ذلك مثل: شفاعة النبي ﷺ ، فإنهم خير قرون هذه الأمة، كما قال ﷺ : (خير القرون قرني الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم)، وبهذا يتبين أن معتقد أهل السنة والجماعة: الإمساك والسكوت عن الخلافات التي حصلت بين الصحابة فلا تتحدث عنها ولا تنشرها.
وبهذا ينبغي ألا تستمع للأشرطة التي سجلها بعض الناس في الصحابة والخلاف الذي بينهم، لأن هذه طريقة أهل البدع، فبعض الناس يسجل أشرطة ينقل فيها النزاع والخلاف والحروب التي حصلت بين الصحابة وينشرها، ويتكلم بالكلام السيئ، مثل أشرطة طارق السويدان، فـ طارق السويدان له أشرطة سيئة عن الصحابة، فلا ينبغي لطالب العلم استماعها، بل ينبغي له البعد عنها والتحذير منها؛ لأنها مخالفة لمعتقد أهل السنة والجماعة، ومعتقد أهل السنة والجماعة هو: السكوت عما شجر بين الصحابة من الخلافات وغيرها، واعتقاد أنهم أفضل وأخير الناس بعد الأنبياء، وأن ما حصل بينهم من اختلاف لا يخرج عن كونه إما مجتهد مصيب له أجران أو مجتهد مخطئ له أجر، وأن ما يروى عنهم من الأخبار لا يخرج عن كون بعضها كذباً لا أساس له من الصحة، وبعضها له أصل لكن زيد فيه بعض الكذب، أو نقصوا فيه، أو غيروه عن وجهه.
وبعض الذنوب المحققة صحيح ثابت، لكن هذا الثابت إما أن يمحى عنه بالتوبة أو بالحسنات أو بالمصائب أو بسابقتهم وفضلهم وجهادهم مع النبي ﷺ ، أو بشفاعة النبي ﷺ .
وبهذا يتبين أن من ينشر ويثير الخلافات بين الصحابة فهو مخالف لمعتقد أهل السنة والجماعة، ويجب هجره وعدم الاستماع لكلامه، ومن ذلك: أشرطة طارق السويدان، فينبغي هجرها وتركها وعدم سماعها والتحذير منها، لما فيها من مخالفة لمعتقد أهل السنة والجماعة بنشر ما شجر بين الصحابة من الخلافات.
стр. 110
الإمساك عما شجر بين علي ومعاوية مع اعتقاد أن كون الحق والصواب مع علي
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ونعلم مع ذلك أن علياً بن أبي طالب ﵁ كان أفضل وأقرب إلى الحق من معاوية وممن قاتله معه، لما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق)، وفي هذا الحديث دليل على أن مع كل طائفة حق، وأن علياً ﵁ أقرب إلى الحق] يقول المؤلف ﵀: بأن الخلاف والنزاع الذي حصل بين أهل العراق وهم علي ﵁ ومن معه، وبين أهل الشام وهم معاوية ومن معه، بأن الحروب التي حصلت بينهم كانت عن اجتهاد منهم فيها، فهم مجتهدون فمنهم المصيب له أجران ومنهم المخطئ له أجر، ونعلم أن علياً ﵁ أفضل من معاوية وأقرب إلى الحق منه وممن قاتله معه، والدليل على أنه أقرب إلى الحق: قول النبي ﷺ في حديث أبي سعيد: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين)، فقوله: تمرق بمعنى: تخرج عن الدين، وهم الخوارج، قال: (تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق)، وكان علي هو من قتلهم فصار أقرب إلى الحق من معاوية.
يقول المؤلف: (وفي هذا الحديث دليل على أن مع كل طائفة حق وأن علياً ﵁ أقرب إلى الحق).
والحديث فيه دليل على أن معاوية معه حق وكذلك علي ﵄، لكن الأقرب إلى الحق هو علي ﵁، ومما يدل على ذلك أيضاً: أن النبي ﷺ قال لـ عمار: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية)، فقتله جيش معاوية، فدل على أن معاوية ومن معه بغاة، لكن لا يعلمون أنهم بغاة، وذلك أن علياً بن أبي طالب ﵁ بويع بالخلافة من قبل أهل الحل والعقد، فامتنع معاوية وأهل الشام من البيعة، فتكلم بعضهم مع معاوية وقال بأنه يجب عليكم أن تبايعوا، وقد ثبتت البيعة لـ علي فلماذا لا تبايعون؟ فامتنع معاوية وأهل الشام، وقالوا: لا نبايع أحداً مع أننا نعتقد أنك أولى بالخلافة منا، لكن يجب عليك تسليم قتلة عثمان الذين قتلوه حتى نقتلهم، لأن معاوية أقرب الناس إليه، ونخشى أن يزيد طغيانهم وشرهم، فقال علي ﵁: أنا أوافقكم على ذلك، لكني لا أستطيع أن أسلمكم قتلته الآن، فلا أعرف من الذي قتل عثمان؛ لأنه مندس لا يعرف، وحتى لو عُرف فإن قبيلته تنتصر له فالأمر شديد جداً، فإذا استتب الأمر فإننا نأخذ قتلة عثمان ونقتلهم، فقال أهل الشام: بل أعطونا قتلة عثمان الآن، ومن هنا حصل الخلاف، وهذه أسبابه.
فلما رأى علي ﵁ أنهم لم يبايعوه أراد أن يخضعهم بالقوة ولابد من قتالهم، فانضم إلى علي أكثر الصحابة معتقدين أنه على الحق وأن أهل الشام بغاة يجب إخضاعهم؛ عملاً بقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]، فانضم جماهير الصحابة إلى علي بن أبي طالب ﵁ بهذه الآية، وقالوا: بأن أهل الشام بغاة، والله أمرنا أن نقاتل البغاة إذا لم يفيئوا إلى أمر الله، فلما لم يبايعوا قاتلهم علي ﵁، فدافعوا عن أنفسهم وهذا سبب الخلاف.
ولم ير علي ﵁ أن معاوية وأهل الشام من المؤلفة قلوبهم، فلم يستقر الإسلام في قلوبهم بعد -والمؤلفة قلوبهم: هم الذين دخلوا الإسلام من قريب- وكان معاوية بن أبي سفيان ممن دخل في الإسلام من قديم، فليسوا من المؤلفة قلوبهم، فلم يبق إلا القتال فقاتلوهم، وهذا هو الصواب.
فكان الصواب مع علي ﵁، وكان أهل الشام ومعاوية متأولين، فقالوا: نحن لا نمانع ولا نطالب بالخلافة، وإنما نطالب بدم عثمان لأننا أولياؤه، فأعطونا القتلة ثم نبايع بعد ذلك.
ويرى علي ﵁ أنه الخليفة الراشد الذي تمت له البيعة فيجب إخضاعهم له، وأما مطالبتهم بالدم فيكون بعد ذلك، فهذا هو بداية منشأ النزاع.
وهذا معنى قول المؤلف ﵀: (ونعلم أن علياً كان أفضل وأقرب إلى الحق).
стр. 111
حكم معتزلي هذه الفتنة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الذين قعدوا عن القتال في الفتنة كـ سعد بن أبي وقاص وابن عمر وغيرهما ﵃ فاتبعوا النصوص التي سمعوها في ذلك عن القتال في الفتنة، وعلى ذلك أكثر أهل الحديث] يعني: أن طائفة من الصحابة اعتزلوا الفريقين، فلم يقاتلوا مع علي ولم يقاتلوا مع معاوية؛ لأن الأمر اشتبه عليهم فقالوا: لا ندري هل الحق مع علي أم مع معاوية؟ وقالوا: بأن النصوص الكثيرة قد جاءت بالأمر بالاعتزال في الفتنة وعدم الدخول فيها، وهذه فتنة، ومنها: (اعتزل الفتنة)، ومنها: (اكسر سيفك في الفتنة)، وكذلك منها: (إذا كنت قائماً فاقعد، وإن كنت قاعداً فاضطجع).
فالنبي ﷺ أمرنا أن نجلس في الفتنة وألا نشارك فيها وأن نكسر سيوفنا، فاشتبه الأمر عليهم.
وكان سعد بن أبي وقاص ممن اعتزل الفريقين، فلم يقاتل مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، وكذلك ابن عمر، وأبو بكرة، وأسامة بن زيد، فقد اتعظ لما قتل رجلاً وعنفه النبي ﷺ وشدد عليه فلم يدخل مع الفريقين، واعتزل سلمة بن الأكوع الفريقين وذهب إلى البادية وتزوج، وقال: إن الرسول أذن لي في البدو، فكان هؤلاء الصحابة ممن اشتبه الأمر عليهم فلم يتبين لهم مع من الحق، ويسميهم بعض الناس: مرجئة الصحابة؛ لأنهم أرجئوا أمر هؤلاء وهؤلاء إلى الله ولم يعلموا أن الحق مع هؤلاء أو مع هؤلاء، وكان الصواب مع علي ومن قاتل معه، وهذا هو الذي عليه جماهير الصحابة، فوجب القتال معه؛ لأنه الخليفة الراشد عملاً بالآية الكريمة: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا﴾ [الحجرات:٩]، فقال: (قاتلوا) ولم يقل: اجلسوا، قال: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات:٩]، فأكثر الصحابة قاتلوا معاوية عملاً بهذه الآية، ولأنهم بغاة لم يبايعوا، فيجب إخضاعهم حتى لا تكون فتنة، وكل له عذر، فـ علي مصيب وعذره معروف، ومعاوية وأصحابه مجتهدون ولهم عذر، ومن اعتزل الفريقين أيضاً له عذر، فكل له عذر.
стр. 112
فضل آل بيت رسول الله ﷺ ومن هم ؟
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك آل بيت رسول الله ﷺ لهم من الحقوق ما يجب رعايتها، فإن الله جعل لهم حقاً في الخمس والفيء، وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله ﷺ فقال لنا: (قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)، وآل محمد: هم الذين حرمت عليهم الصدقة، هكذا قال الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما من العلماء ﵏، فإن النبي ﷺ قال: (إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)، وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]، وحرّم الله عليهم الصدقة؛ لأنها أوساخ الناس، وقد قال بعض السلف: حب أبو بكر وعمر إيمان وبغضهما نفاق.
وفي المسانيد والسنن: أن النبي ﷺ قال للعباس لما شكا إليه جفوة قوم له: (والذي نفسي بيده! لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلي).
] يقول المؤلف ﵀: (وكذلك آل بيت رسول الله ﷺ لهم من الحقوق ما يجب رعايتها) ويطلق آل البيت على قرابة النبي ﷺ من جهة النسب، وهم: عمه العباس، وعلي بن أبي طالب، وفاطمة، والحسن والحسين، وزوجاته من أهله أيضاً، فكل هؤلاء يطلق عليهم اسم الآل، ويطلق آل النبي على أتباعه في الدين، وهذا هو الصواب، فيشمل القرابة وغيرهم، ولكن قد يطلق آله على قرابته انفراداً إذا قيل: إن الصدقة تحرم على آل النبي ﷺ ، وأما في الصلاة حين تقول: اللهم صل على محمد وآله، فالمراد به: أتباعه على دينه.
ويقول المؤلف ﵀: (آل بيت النبي ﷺ يعني: قرابته، (لهم من الحقوق ما يجب رعايتها) فإن الله جعل لهم حقاً في الخمس والفيء، والفيء: ما يغنمه المسلمون من أموال الكفار بلا قتال.
أما ما أخذ من أموالهم بعد القتال فيسمى: غنيمة، والفرق بين الغنيمة والفيء: أن الغنيمة: ما أخذ من أموال الكفار بعد القتال، والفيء: ما أخذ من أموال الكفار بدون قتال.
فإذا قاتل المسلمون الكفار ومعهم النبي ﷺ وغنموا أموالهم فإن الأموال تجمع ثم تقسم أربعة أخماس على الغانمين، وينزع الخمس الخامس ثم يقسم خمسة أقسام، فخُمس لله وللرسول، وخمس لقرابة الرسول -وهم بنو هاشم وبنو المطلب- وخمس لليتامى، وخمس للمساكين، وخمس لابن السبيل، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال:٤١].
стр. 113
أنواع الصلوات الواردة على النبي وآله وأفضلها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وكذلك آل بيت النبي ﷺ لهم من الحقوق ما يجب رعايتها، فإن الله جعل لهم الحق في الخمس والفيء، وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسوله ﷺ فقال لنا: (قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)، ويشملهم قرابته المسلمون وأتباعه إلى يوم القيامة، أما غير المسلم فلا يدخل في هذا المعنى، وهذا هو الصواب.
قال: (كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) وهذا نوع من أنواع الصلاة على النبي ﷺ ، فقال: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) فجمع بين محمد وآل محمد في الصلاة، وفي الصلاة على إبراهيم قال: (كما صليت على آل إبراهيم) وهذا نوع من الصلاة، (إنك حميد مجيد) وفي التبريك جمع بين محمد وآل محمد فقال: (وبارك على محمد وعلى آل محمد) وقال في إبراهيم: (كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد).
والنوع الثاني: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم) والفرق بينهما أن في الأولى قوله: (آل إبراهيم) وهذه إبراهيم.
وهناك نوع ثالث: وهو قوله: (اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، وبارك على محمد وأزواجه وذريته).
وأكمل ما ورد في الصلاة على النبي ﷺ ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب الأنبياء: أن النبي ﷺ قال: (قولوا اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد).
فجمع بين محمد وآل محمد وإبراهيم وآل إبراهيم في الصلاة وفي التبريك، وفي بعضها: (اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد)، وكلها حق، لكن أكملها هو الجمع بين محمد وآل محمد وإبراهيم وآل إبراهيم في الصلاة وفي التبريك، وقد خفي هذا على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -مع علمه وحفظه العظيم للصحاح والسنن والمسانيد- فقال: لم يرد الجمع بين إبراهيم وآل إبراهيم في الصلاة، وقد تبعه على ذلك العلامة ابن القيم فقال: لم يرد الجمع بين إبراهيم وآل إبراهيم.
والصواب: أنه ورد في البخاري في كتاب الأنبياء قوله ﷺ : (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم)، في الصلاة والتبريك.
والخلاصة: أنه إذا قيل آل محمد في الصدقة والزكاة: فهم الذين حرمت عليهم الصدقة، هكذا قال الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من العلماء ﵏، والذين حرمت عليهم الصدقة: هم بنو هاشم، وبنو عبد المطلب.
فإن النبي ﷺ قال: (إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)، قال العلماء: لأنها أوساخ الناس.
فلا تحل الزكاة للنبي ﷺ ولا لآله تكريماً لهم؛ لأنها أوساخ الناس، فعندما يخرج الإنسان زكاة ماله فإنه يطهر من وسخه، فدل على أن الزكاة هي أوساخ الناس، لكن الله عوضهم بالخمس من الغنيمة والفيء، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]؛ لأنها أوساخ الناس، وقد قال بعض السلف: حب أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما نفاق، وهذا صحيح.
وفي المسانيد والسنن: أن النبي ﷺ قال للعباس لما شكا إليه جفوة قوم له: (والذي نفسي بيده! لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلي) والمراد بهم: أهل البيت.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى بني كنانة من بني إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم)].
فالنبي ﷺ هو الخلاصة، فالله تعالى اصطفى بني إسماعيل، واصطفى بني كنانة من بني إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفى نبينا ﷺ من بني هاشم، وفي اللفظ الآخر: (فأنا خيار من خيار من خيار).
стр. 114
زمن وقوع الفتنة وأسبابها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد كانت الفتنة لما وقعت بقتل عثمان وافتراق الأمة بعده، صار قوم ممن يحب عثمان ويغلو فيه ينحرف عن علي ﵁ مثل كثير من أهل الشام ممن كان إذ ذاك يسب علياً ﵁ ويبغضه، وقوم ممن يحب علياً ﵁ ويغلو فيه ينحرف عن عثمان ﵁ مثل كثير من أهل العراق ممن كان يبغض عثمان ويسبه ﵁، ثم تغلظت بدعتهم بعد ذلك حتى سبوا أبا بكر وعمر ﵄، وزاد البلاء بهم حينئذ، والسنة محبة عثمان وعلي جميعاً، وتقديم أبي بكر وعمر عليهما ﵃، لما خصهما الله به من الفضائل التي سبقا بها عثمان وعلياً، وقد نهى الله في كتابه عن التفرق والتشتت وأمر بالاعتصام بحبله].
يقول المؤلف ﵀: (وقد كانت الفتنة لما وقعت بقتل عثمان وافتراق الأمة بعده) يعني: أن الفتنة حصلت بقتل عثمان؛ لأنه قتل شهيداً مظلوماً وهو خليفة المسلمين، وذلك: أن بعض السفهاء جاءوا وتجمعوا من أقطار الدولة الإسلامية كالبصرة والكوفة ومصر وجعلوا يشيعون عيوب عثمان وينشرونها بين الناس، فعابوا عليه وقالوا: إن عثمان خالف الشيخين أبا بكر وعمر، فخفض صوته بالتكبير، وأخذ الزكاة على الفيء، وولى أقاربه، وأتم الصلاة في السفر، وجعلوا ينشرونها بين الناس حتى تجمع هؤلاء السفهاء وأحاطوا ببيته وقتلوه، فلما قتلوه انفتح باب الفتنة، ثم بويع علي ﵁، ثم امتنع أهل الشام عن البيعة فحصل القتال.
ولهذا يقول المؤلف ﵀: (وَقَدْ كَانَتْ الْفِتْنَةُ لَمَّا وَقَعَتْ بِقَتْلِ عثمان وَافْتِرَاقِ الْأُمَّةِ بَعْدَهُ، صَارَ قَوْمٌ مِمَّنْ يُحِبُّ عثمان وَيَغْلُو فِيهِ يَنْحَرِفُ عَنْ علي ﵁، مِثْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ؛ مِمَّنْ كَانَ إذْ ذَاكَ يَسُبُّ علياً ﵁ وَيُبْغِضُهُ، وَقَوْمٌ مِمَّنْ يُحِبُّ علياً ﵁ وَيَغْلُو فِيهِ ينحرف عن عثمان) يعني: انقسم الناس قسمين: قسماً أحبوا عثمان وزادوا في حبه وكرهوا علياً، بل سبوه، وقسماً أحبوا علياً وغلوا فيه، وانحرفوا عن عثمان ﵁.
ثم قال ﵀: (ثم تغلظت بدعتهم بعد ذلك حتى سبوا أبا بكر وعمر ﵄، وزاد البلاء بهم حينئذ) وهذا مذهب الرافضة: سب الشيخين أبي بكر وعمر، وهذا من الردة.
قال المؤلف ﵀: (وَالسُّنَّةُ مَحَبَّةُ عثمان وعلي جَمِيعًا)، والترضي عنهما، قوله: (وَتَقْدِيمُ أبي بكر وعمر عليهما ﵃ أي: في الفضيلة وفي الخلافة؛ لأن أبا بكر وعمر مقدمان في الخلافة وفي الفضيلة.
ثم قال: (لِمَا خَصَّهُمَا اللَّهُ بِهِ مِنْ الْفَضَائِلِ الَّتِي سَبَقَا بِهَا عثمان وعلياً جَمِيعًا.
وَقَدْ نَهَى اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَنْ التَّفَرُّقِ وَالتَّشَتُّتِ؛ وَأَمَرَ بِالِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ) يعني: لا يجوز للأمة أن تتفرق، بل يجب عليها أن تجتمع وأن تعتصم بحبل الله ودينه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فَهَذَا مَوْضِعٌ يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَتَثَبَّتَ فِيهِ وَيَعْتَصِمَ بِحَبْلِ اللَّهِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ مَبْنَاهَا عَلَى الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ وَالِاتِّبَاعِ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ .
فَالرَّافِضَةُ لَمَّا كَانَتْ تَسُبُّ الصَّحَابَةَ، صَارَ الْعُلَمَاءُ يَأْمُرُونَ بِعُقُوبَةِ مَنْ يَسُبُّ الصَّحَابَةَ، ثُمَّ كَفَّرَتْ الصَّحَابَةَ وَقَالَتْ عَنْهُمْ أَشْيَاءَ قَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُمْ فِيهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
] يقول المؤلف ﵀: (هذا موضع يجب على المؤمن أن يتثبت فيه ويعتصم بحبل الله، فإن السنة مبناها على العلم والاتباع لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ يعني: مسألة ترتيب الصحابة في الخلافة، وترتيبهم في الفضيلة، والنزاع الذي جرى بين الصحابة، فهو موضع يجب على المؤمن أن يتثبت فيه ويعتصم بحبل الله، وإذا نظرنا إلى النصوص في كتاب الله وسنة رسوله لوجدنا أنها تترضى عن الصحابة وتبين فضلهم وسابقتهم.
فقوله: (فَالرَّافِضَةُ لَمَّا كَانَتْ تَسُبُّ الصَّحَابَةَ، صَارَ الْعُلَمَاءُ يَأْمُرُونَ بِعُقُوبَةِ مَنْ يَسُبُّ الصَّحَابَةَ) يعني: لما كان الروافض يسبون الصحابة كان العلماء يأمرون بعقوبة من يسب الصحابة، (ثُمَّ كَفَّرَتْ الصَّحَابَةَ وَقَالَتْ عَنْهُمْ أَشْيَاءَ) يعني: الرافضة كفروا الصحابة، بل كفروا أبا بكر وعمر، قال: (قَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُمْ فِيهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ)، فقد بيّن ﵀ في الصارم المسلول على شاتم الرسول، أن من فسّق الصحابة وكفرهم فإنه يكون مرتداً؛ لأنه مكذب لله؛ ولأن الله تعالى زكاهم وعدلهم ووعدهم بالجنة، قال : ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الحُسنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٥] وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:١٨] وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩]، هذه كلها تزكية، فالله زكاهم وعدّلهم، فمن كفرهم وفسقهم فقد كذب الله، ومن كذب الله كفر.
стр. 115
أقسام الناس في الحكم على يزيد بن معاوية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ إذْ ذَاكَ يَتَكَلَّمُ فِي يزيد بن معاوية، وَلَا كَانَ الْكَلَامُ فِيهِ مِنْ الدِّينِ، ثُمَّ حَدَثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَشْيَاءُ فَصَارَ قَوْمٌ يُظْهِرُونَ لَعْنَةَ يزيد بن معاوية، وَرُبَّمَا كَانَ غَرَضُهُمْ بِذَلِكَ التَّطَرُّقَ إلَى لَعْنَةِ غَيْرِهِ، فَكَرِهَ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ لَعْنَةَ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ قَوْمٌ مِمَّنْ كَانَ يَتَسَنَّنُ؛ فَاعْتَقَدَ أَنَّ يزيد كَانَ مِنْ كِبَارِ الصَّالِحِينَ وَأَئِمَّةِ الْهُدَى.
وَصَارَ الْغُلَاةُ فِيهِ عَلَى طَرَفَيْ نَقِيضِ، هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّهُ كَافِرٌ زِنْدِيقٌ، وَإِنَّهُ قَتَلَ ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَتَلَ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَهُمْ بِالْحَرَّةِ، لِيَأْخُذَ بِثَأْرِ أَهْلِ بَيْتِهِ الَّذِينَ قُتِلُوا كُفَّارًا، مِثْلُ جَدِّهِ لِأُمِّهِ عتبة بن ربيعة وَخَالِهِ الوليد وَغَيْرِهِمَا، وَيَذْكُرُونَ عَنْهُ مِنْ الِاشْتِهَارِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَإِظْهَارِ الْفَوَاحِشِ وأَشْيَاءَ.
وَأَقْوَامٌ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ كَانَ إمَامًا عَادِلًا هَادِيًا مَهْدِيًّا، وَأَنَّهُ كَانَ مِنْ الصَّحَابَةِ أَوْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، وَأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَرُبَّمَا اعْتَقَدَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَقُولُونَ: مَنْ وَقَفَ فِي يزيد وَقَّفَهُ اللَّهُ عَلَى نَارِ جَهَنَّمَ، وَيَرْوُونَ عَنْ الشَّيْخِ حسن بن عدي أَنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلِيًّا، ومن وقفوا فيه وَقَفُوا عَلَى النَّارِ لِقَوْلِهِمْ فِي يزيد، وَفِي زَمَنِ الشَّيْخِ حسن زَادُوا أَشْيَاءَ بَاطِلَةً نَظْمًا وَنَثْرًا.
وَغَلَوْا فِي الشَّيْخِ عدي وَفِي يزيد بِأَشْيَاءَ مُخَالِفَةٍ لِمَا كَانَ عليه الشَّيْخُ عدي الْكَبِيرُ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ، فَإِنَّ طَرِيقَتَهُ كَانَتْ سَلِيمَةً لَمْ يَكُنْ فِيهَا مِنْ هَذِهِ الْبِدَعِ وَابْتُلُوا بِرَوَافِضَ عَادُوهُمْ وَقَتَلُوا الشَّيْخَ حسناً وَجَرَتْ فِتَنٌ لَا يُحِبُّهَا اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ].
يقول المؤلف ﵀: (ولم يَكُنْ أَحَدٌ إذْ ذَاكَ يَتَكَلَّمُ فِي يزيد بن معاوية) يعني: في عهد يزيد ما كان أحد يتكلم في يزيد بن معاوية أو يسبه، (وَلَا كَانَ الْكَلَامُ فِيهِ مِنْ الدِّينِ) لأن يزيد بن معاوية إنما بويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه معاوية.
(ثُمَّ حَدَثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَشْيَاءُ فَصَارَ قَوْمٌ يُظْهِرُونَ لَعْنَةَ يزيد بن معاوية) يعني: كانوا يلعنونه؛ لأنه قتل الحسين حسب زعمهم، (وَرُبَّمَا كَانَ غَرَضُهُمْ بِذَلِكَ التَّطَرُّقَ إلَى لَعْنَةِ غَيْرِهِ) يعني: بعض الناس يلعن يزيد حتى يلعن غيره، (فَكَرِهَ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ لَعْنَةَ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ) يعني: أهل السنة يكرهون أن يلعن أحد بعينه، فلا تقل: فلان عليه لعنة الله، وإنما تلعن على العموم، فتقول: لعن الله شارب الخمر، لعن الله آكل الربا، لعن الله السارق، أما فلان بن فلان ملعون فلا، وهذا هو الصواب، لا نلعن المعين؛ لأنه قد يتوب الله عليه، وقد تمحى سيئته، فلا يلعن بعينه.
ثم قال: (فَسَمِعَ بِذَلِكَ قَوْمٌ مِمَّنْ كَانَ يَتَسَنَّنُ؛ فَاعْتَقَدَ أَنَّ يزيد كَانَ مِنْ كِبَارِ الصَّالِحِينَ وَأَئِمَّةِ الْهُدَى) يعني: جاء قوم بعدهم ممن كان ينتسب إلى السنة، فاعتقد أن يزيد كان من كبار الصالحين وأئمة الهدى، (وَصَارَ الْغُلَاةُ فِيهِ عَلَى طَرَفَيْ نَقِيضِ، هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّهُ كَافِرٌ زِنْدِيقٌ وَأَقْوَامٌ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ كَانَ إمَامًا عَادِلًا هَادِيًا مَهْدِيًّا) فالناس في يزيد بن معاوية طرفان: طرف يقول: إن يزيد بن معاوية كافر زنديق لأنه قتل ابن بنت رسول الله ﷺ ، وطرف آخر يقولون: إن يزيد كان إماماً عادلاً هادياً مهدياً، وأنه كان من الصحابة أو أكابر الصحابة وأنه من أولياء الله تعالى، وربما اعتقد بعضهم أنه نبي، وكل هذا باطل، والصواب الوسط، وهو أن يزيد بن معاوية ليس من الصحابة، وليس نبياً ولا إماماً عادلاً، ولكنه من ملوك المسلمين الذين لهم حسنات وسيئات، كغيره من الملوك، لا نقول: إنه نبي أو إنه هاد مهدي أو مصلح، ولا نسبه ولا نشتمه، بل نتوقف، ولهذا قال المؤلف ﵀: (وصار الغلاة فيه على طرفي نقيض هؤلاء يقولون: إنه كافر زنديق) وهم طائفة (وإنه قتل ابن بنت رسول الله ﷺ وقتل الأنصار وأبناءهم بالحرة) وهي: وقعة الحرة المعروفة، هذه الوقعة حصلت بسبب: أن أهل المدينة بقيادة عبد الله بن مطيع خلعوا يزيد، وكان خليفة والخلافة في الشام، فخلعوا في المدينة يزيد، فنهاهم ابن عمر ونصحهم، وقال: لا يجوز الخروج على ولاة الأمور وهذا يسبب الفتن، فلم يسمعوا له ويطيعوه، فأرسل يزيد بن معاوية من الشام جيشاً لقتال أهل المدينة وإخضاعهم؛ لأنهم خرجوا على خلافته، فقاتلهم هذا الجيش وأخضعهم، ويقال: إنه استباح المدينة ثلاثة أيام عقوبة لهم، يعني: كل يفعل ما يشاء ثلاثة أيام، لا يحد من الزنا أو السرقة أو غيرها نعوذ بالله.
فإذاً: بعض الناس غلا في يزيد فقال: إنه كافر زنديق؛ لأنه قتل ابن بنت الرسول ﷺ ، وقتل أصحابه، وفي وقعة الحرة قتل فيها خلقاً كثيراً من الصحابة وأبناء الأنصار، وفعل فيها ثلاثة أيام كذا وكذا.
وأقوام يقولون: إن يزيد إمام عادل هاد مهدي، بل قال بعضهم: إنه من الصحابة، بل قال بعضهم: إنه من كبار الصحابة، بل قال بعضهم: إنه من أولياء الله، بل اعتقد بعضهم أنه من الأنبياء، ويقول هؤلاء الذين يغلون في يزيد: (من وقف في يزيد وقفه الله على نار جهنم).
يعني: من توقف في يزيد ولم يمدحه ويثني عليه فهذا يعذب في نار جهنم، هكذا يقولون.
يقول ﵀: [وَهَذَا الْغُلُوُّ فِي يزيد مِنْ الطَّرَفَيْنِ خِلَافٌ لِمَا أَجْمَعَ عليه أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ.
فَإِنَّ يزيد بن معاوية وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عثمان بن عفان ﵁ وَلَمْ يُدْرِكْ النَّبِيَّ ﷺ ، وَلَا كَانَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ وَلَا كَانَ مِنْ الْمَشْهُورِينَ بِالدِّينِ وَالصَّلَاحِ، وَكَانَ مِنْ شُبَّانِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلَا كَانَ كَافِرًا زِنْدِيقًا؛ وَتَوَلَّى بَعْدَ أَبِيهِ عَلَى كَرَاهَةٍ مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ وَرِضًا مِنْ بَعْضِهِمْ، وَكَانَ فِيهِ شَجَاعَةٌ وَكَرَمٌ، وَلَمْ يَكُنْ مُظْهِرًا لِلْفَوَاحِشِ كَمَا يَحْكِي عَنْهُ خُصُومُهُ.
يقول المؤلف: (هذا الغلو في يزيد خلاف لما أجمع عليه أهل العلم والإيمان) قلنا: إن بعضهم غلا وقال: إنه كافر زنديق، وبعضهم غلا في مدحه وقال: إنه إمام صالح هاد مهدي، أو إنه نبي.
стр. 116
ذكر الأمور العظيمة التي جرت في خلافة يزيد بن معاوية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وَجَرَتْ فِي إمَارَتِهِ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ: أَحَدُهَا مَقْتَلُ الحسين ﵁، وَهُوَ لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِ الحسين، وَلَا أَظْهَرَ الْفَرَحَ بِقَتْلِهِ؛ وَلَا نَكَّتَ بِالْقَضِيبِ عَلَى ثَنَايَاهُ ﵁ وَلَا حَمَلَ رَأْسَ الحسين ﵁، إلَى الشَّامِ، لَكِنْ أَمَرَ بِمَنْعِ الحسين ﵁ وَبِدَفْعِهِ عَنْ الْأَمْرِ وَلَوْ كَانَ بِقِتَالِهِ، فَزَادَ النُّوَّابُ عَلَى أَمْرِهِ، وحض الشمر بن ذي الجوشن الجيوش عَلَى قَتْلِهِ لعبيد الله بن زياد؛ فَاعْتَدَى عليه عبيد الله بن زياد، فَطَلَبَ مِنْهُمْ الحسين ﵁ أَنْ يَجِيءَ إلَى يزيد، أَوْ يَذْهَبَ إلَى الثَّغْرِ مُرَابِطًا أَوْ يَعُودَ إلَى مَكَّةَ فَمَنَعُوهُ ﵁ إلَّا أَنْ يَسْتَأْسِرَ لَهُمْ، وَأَمَرَ عمر بن سعد بِقِتَالِهِ فَقَتَلُوهُ مَظْلُومًا لَهُ وَلِطَائِفَةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ﵃.
وَكَانَ قَتْلُهُ ﵁ مِنْ الْمَصَائِبِ الْعَظِيمَةِ، فَإِنَّ قَتْلَ الحسين، وَقَتْلَ عثمان قَبْلَهُ كَانَا مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْفِتَنِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَتَلَتُهُمَا مِنْ شِرَارِ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ.
] يقول المؤلف ﵀: وجرت في إمارة يزيد بن معاوية أمور عظيمة، أحدها: مقتل الحسين، فقد قتل ﵁ في إمارة يزيد بن معاوية، ويزيد بن معاوية لم يأمر بقتل الحسين، ولا أظهر الفرح بقتله، ولا نكت بالقضيب على ثناياه، ولا حمل رأس الحسين إلى الشام، كما يقول بعض الجهال، وبعضهم يقول: إنه حمل إلى مصر، وجعلوا له مشهداً في مصر يسمونه: رأس الحسين.
وهناك مسجد يسمونه: مسجد الحسين يطاف به، مع أن الحسين ما جاء إلى مصر، ولا نقل رأسه إلى مصر، ولا شيء من ذلك، بل هو مدفون في العراق، فما الذي أتى به إلى مصر حتى يُجعل له مشهد ومزار؟! فـ يزيد ما أمر بقتل الحسين، ولا أظهر الفرح بقتله، ولا نكت بالقضيب على ثناياه، ولا حمل رأس الحسين إلى الشام، لكنه أمر بمنع الحسين عنه وبدفعه عن الأمر ولو كان بقتاله، لا لأنه جاء إلى العراق؛ لأن أهل العراق وعدوه بأنهم سيبايعونه على الخلافة، فلما علم يزيد بذلك أمر بمنعه ودفعه عن الأمر ولو كان بالقتال، فحض الشمر عبيد الله بن زياد على قتله، فاعتدى عليه عبيد الله بن زياد وأمر عمر بن سعد بقتاله، فقتلوه مظلوماً له ولطائفة من أهل بيته ﵃، وكان قتل الحسين من أعظم المصائب، كذلك قتل عثمان كان من أعظم أسباب الفتن في هذه الأمة.
قال رحمه الله تعالى: [وَلَمَّا قَدِمَ أَهْلُهُمْ ﵃ عَلَى يزيد بن معاوية أَكْرَمَهُمْ وَسَيَّرَهُمْ إلَى الْمَدِينَةِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَعَنَ ابن زياد عَلَى قَتْلِهِ، وَقَالَ: كُنْت أَرْضَى مِنْ طَاعَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِدُونِ قَتْلِ الحسين، لَكِنَّهُ مَعَ هَذَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ إنْكَارُ قَتْلِهِ، وَالِانْتِصَارُ لَهُ، وَالْأَخْذُ بِثَأْرِهِ، وكَانَ هُوَ الْوَاجِبَ عليه، فَصَارَ أَهْلُ الْحَقِّ يَلُومُونَهُ عَلَى تَرْكِهِ لِلْوَاجِبِ مُضَافًا إلَى أُمُورٍ أُخْرَى، وَأَمَّا خُصُومُهُ فَيزيدونَ عليه مِنْ الْفِرْيَةِ أَشْيَاءَ].
يقول المؤلف: (لما قدم أهلهم) أي: أهل الحسين ومن معه بعد قتل الحسين وقتل من معه، فقد قدم أهل الحسين ومن معه على يزيد بن معاوية فأكرمهم وسيرهم إلى المدينة، وروي عنه أنه لعن عبيد الله بن زياد على قتله؛ لأنه كان والياً على العراق، فـ يزيد بن معاوية لما بلغه ذلك لعن ابن زياد على قتله، وقال: كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين، يعني: أنا أريد أن يخضعوا للخلافة، (لكن مع هذا لم يظهر منه إنكار قتله، والانتصار له، والأخذ بثأره) يعني: كما أن يزيد لم يرض بقتل الحسين، إلا أنه لم ينكر هذا، ولا أظهره، فهو ما رضي ولا أحب ولا كره، ما أحب قتل الحسين، ولا كره قتله، (فصار أهل الحق يلومون يزيد على ترك الواجب مضافاً إلى أمور أخرى، وأما خصوم يزيد فيكذبون عليه، ويزيدون عليه أشياء.
[وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي: فَإِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ نَقَضُوا بَيْعَتَهُ، وَأَخْرَجُوا نُوَّابَهُ وَأَهْلَهُ فَبَعَثَ إلَيْهِمْ جَيْشًا؛ وَأَمَرَهُ إذَا لَمْ يُطِيعُوهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ أَنْ يَدْخُلَهَا بِالسَّيْفِ وَيُبِيحَهَا ثَلَاثًا، فَصَارَ عَسْكَرُهُ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ يَقْتُلُونَ وَيَنْهَبُونَ وَيَفْتَضُّونَ الْفُرُوجَ الْمُحَرَّمَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَ جَيْشًا إلَى مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ، فَحَاصَرُوا مَكَّةَ وَتُوُفِّيَ يزيد وَهُمْ مُحَاصِرُونَ مَكَّةَ، وَهَذَا مِنْ الْعُدْوَانِ وَالظُّلْمِ الَّذِي فُعِلَ بِأَمْرِهِ].
الأمر الأول: قتل الحسين، والأمر الثاني: نقض أهل المدينة لبيعة يزيد، فقد نقضوا بيعته، وأخرجوا نوابه وأهله، فبعث إليهم يزيد جيشاً لإخضاعهم، وأمر القائد إذا لم يطيعوا ولم يرجعوا إلى الطاعة خلال ثلاثة أيام أن يدخلها بالسيف، وأن يبيحها مدة ثلاثة أيام، فمن زنى أو سرق أو قتل فلا يقام عليه الحد، هذا معنى الإباحة، فصار عسكره في المدينة النبوية ثلاثاً يقتلون من شاءوا، وينهبون ما شاءوا، ويفتضون الفروج المحرمة، ثم أرسل يزيد جيشاً إلى مكة المشرفة فحاصروا مكة؛ لأن فيها عبد الله بن الزبير، فتوفي يزيد وهم يحاصرون مكة.
стр. 117
عقيدة أهل السنة والجماعة في يزيد بن معاوية
[ولهذا كان الذي عليه معتقد أهل السنة وأئمة الأمة أنه لا يسب ولا يحب] يعني: الذي عليه أهل السنة أن يزيد لا يحب ولا يسب، أي: لا نحبه ولا نسبه.
ثم قال ﵀: [قال صالح بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي -يعني: الإمام أحمد بن حنبل -: إن قوماً يقولون: إنهم يحبون يزيد.
قال: يا بني! وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟ فقلت: يا أبت! فلماذا لا تلعنه؟ قال: يا بني! ومتى رأيت أباك يلعن أحداً؟ وروي عنه: أنه قيل له: أتكتب الحديث عن يزيد بن معاوية؟ قال: لا، ولا كرامة، أوليس هو الذي فعل بأهل المدينة ما فعل؟ [فـ يزيد عِنْدَ عُلَمَاءِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَلِكٌ مِنْ الْمُلُوكِ، لَا يُحِبُّونَهُ مَحَبَّةَ الصَّالِحِينَ وَأَوْلِيَاءِ اللَّهِ؛ وَلَا يَسُبُّونَهُ، فَإِنَّهُمْ لَا يُحِبُّونَ لَعْنَةَ الْمُسْلِمِ الْمُعِينِ؛ لِمَا رَوَى البخاري فِي صَحِيحِهِ عَنْ عمر بن الخطاب ﵁: (أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُدْعَى حماراً، وَكَانَ يُكْثِرُ شُرْبَ الْخَمْرِ، وَكَانَ كُلَّمَا أُتِيَ بِهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ضَرَبَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَعَنَهُ اللَّهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).
وَمَعَ هَذَا فَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يُجِيزُونَ لعنه لِأنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ فَعَلَ مِنْ الظُّلْمِ مَا يجوِّز لعن فَاعِلِهِ.
وَطَائِفَةٌ أُخْرَى تَرَى مَحَبَّتَهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ تَوَلَّى عَلَى عَهْدِ الصَّحَابَةِ؛ وَبَايَعَهُ الصَّحَابَةُ، وَيَقُولُونَ: لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ مَا نُقِلَ عَنْهُ، وَكَانَتْ لَهُ مَحَاسِنُ أَوْ كَانَ مُجْتَهِدًا فِيمَا فَعَلَهُ.
وَالصَّوَابُ: هُوَ مَا عليه الْأَئِمَّةُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُخَصُّ بِمَحَبَّةِ وَلَا يُلْعَنُ، وَمَعَ هَذَا فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ ظَالِمًا فَاَللَّهُ يَغْفِرُ لِلْفَاسِقِ وَالظَّالِمِ لَا سِيَّمَا إذَا أَتَى بِحَسَنَاتِ عَظِيمَةٍ.
وَقَدْ رَوَى البخاري فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابن عمر ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (أَوَّلُ جَيْشٍ يَغْزُو قُسْطَنْطِينِية مَغْفُورٌ لَهُ)، وَأَوَّلُ جَيْشٍ غَزَاهَا كَانَ أَمِيرُهُمْ يزيد بن معاوية، وَكَانَ مَعَهُ أبو أيوب الأنصاري ﵁.
] يقول المؤلف ﵀: (يزيد بن معاوية عند أئمة المسلمين ملك من الملوك لا يحبونه ولا يسبونه) هذا هو العدل والإنصاف، فيزيد بن معاوية ملك من ملوك المسلمين لا يحب ولا يسب، لا يحبونه محبة الصالحين وأولياء الله ولا يسبونه؛ لأنهم لا يحبون لعنة المسلم المعين، واستدل بحديث البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب ﵁: (أن رجلاً كان يدعى حماراً، وكان يكثر شرب الخمر، وكان كلما أتي به إلى النبي ﷺ ضربه، فقال رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله) إذاً: فالنبي ﷺ نهى عن لعن شارب الخمر، لكن لعنه على العموم جائز، وهناك طائفة من أهل السنة يجيزون لعن يزيد، وطائفة يقولون: لا يلعن، والذين قالوا: لا يلعن هم الجمهور، وهذا هو الصواب.
قال النبي ﷺ : (لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله) وَمَعَ هَذَا فَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يُجِيزُونَ لعنه؛ لِإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ فَعَلَ مِنْ الظُّلْمِ مَا يجوِّز لعن فَاعِلِهِ، فيقولون: له منكرات ومعاص توجب لعنه، والذين لا يلعنونه يقولون: الأصل في المؤمن أنه لا يلعن.
وَطَائِفَةٌ أُخْرَى تَرَى محبة يزيد؛ لأنه مسلم وتولى على عهد الصحابة، ويزيد بن معاوية مسلم بايعه الصحابة.
فبين المؤلف ﵀ الصواب، فقال: الصواب في هذه المسألة: هو ما عليه الأئمة من أنه لا يخص بمحبة ولا بلعن، فلا نحبه ولا نلعنه، ومع هذا فإن كان فاسقاً أو ظالماً كما تقولون فالله يغفر للفاسق والظالم، لا سيما إذا أتى الفاسق بحسنة عظيمة تمحو سيئاته، وقد ثبت في صحيح البخاري أن يزيد فعل حسنة وهي الجهاد في سبيل الله، فقَدْ رَوَى البخاري فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابن عمر ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (أَوَّلُ جَيْشٍ يَغْزُو قُسْطَنْطِينِية مَغْفُورٌ لَهُ)، وَأَوَّلُ جَيْشٍ غَزَاهَا كَانَ أَمِيرُهُمْ يزيد بن معاوية وَكَانَ مَعَهُ أبو أيوب الأنصاري ﵁]، فدل ذلك على أنه لا ينبغي لعنه وسبه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وَقَدْ يُشْتَبَهُ يزيد بن معاوية بِعَمِّهِ يزيد بن أبي سفيان، فَإِنَّ يزيد بن أبي سفيان كَانَ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ خَيْرُ آلِ حَرْبٍ، وَكَانَ أَحَدَ أُمَرَاءِ الشَّامِ، الَّذِينَ بَعَثَهُمْ أبو بكر ﵁ فِي فُتُوحِ الشَّامِ، وَمَشَى أبو بكر فِي رِكَابِهِ يُوصِيهِ مُشَيِّعًا لَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ: إمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ أَنْزِلَ، فَقَالَ: لَسْتُ بِرَاكِبِ وَلَسْتَ بِنَازِلِ، إنِّي أَحْتَسِبُ خُطَايَ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ بَعْدَ فُتُوحِ الشَّامِ فِي خِلَافَةِ عمر وَلَّى عمر ﵁ مَكَانَهُ أَخَاهُ معاوية، وَوُلِدَ لَهُ يزيد فِي خِلَافَةِ عثمان بن عفان ﵁، وَأَقَامَ معاوية بِالشَّامِ إلَى أَنْ وَقَعَ مَا وَقَعَ.
فَالْوَاجِبُ الِاقْتِصَارُ فِي ذَلِكَ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ ذِكْرِ يزيد بن معاوية وَامْتِحَانِ الْمُسْلِمِينَ بِهِ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ اعْتَقَدَ قَوْمٌ مِنْ الْجُهَّالِ أَنَّ يزيد بن معاوية مِنْ الصَّحَابَةِ، وَأَنَّهُ مِنْ أَكَابِرِ الصَّالِحِينَ وَأَئِمَّةِ الْعَدْلِ، وَهُوَ خَطَأٌ بَيِّنٌ.
] يقول المؤلف ﵀: إن يزيد بن معاوية يشتبه بعمه يزيد بن أبي سفيان وهناك فرق بينهما، فإن يزيد بن أبي سفيان كان من الصحابة، وهو أخو معاوية، وأبوه أبو سفيان بن حرب وأبو سفيان أسلم يوم فتح مكة، وأسلم معه ابنه معاوية، وابنه يزيد، فهم من الصحابة معاوية ويزيد، معاوية الذي تولى الخلافة حين تنازل عنها الحسن بن علي، وولِد له يزيد، فتولى الخلافة بعد موت أبيه، فصار يزيد بن معاوية غير يزيد بن أبي سفيان، فـ يزيد بن أبي سفيان هو عم يزيد بن معاوية، ولذا قال المؤلف: (يشتبه هذا بهذا، فإن يزيد بن أبي سفيان كان من الصحابة، وكان من خيار الصحابة، وهو خير آل حرب، وكان أحد أمراء الشام الذين بعثهم أبو بكر ﵁ في فتوح الشام) يعني: يزيد بن أبي سفيان صحابي جليل، وهو خير آل حرب.
وكان أحد أمراء الشام الذين بعثهم أبو بكر ﵁ في خلافته في فتوح الشام، ومشى أبو بكر مع يزيد بن أبي سفيان لما بعثه في فتوح الشام، مشى معه يوصيه ويشيعه، فقال يزيد بن أبي سفيان لـ أبي بكر: يا خليفة رسول الله! إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال الصديق: لست براكب ولست بنازل إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله.
انظر إلى التواضع العظيم، فخليفة المسلمين أبو بكر الصديق الذي هو أفضل الأمة بعد نبيها مشى على قدميه ليشيع يزيد بن أبي سفيان ويوصيه، فـ يزيد بن أبي سفيان كان يقول: أنت تمشي على الأرض، وأنت خليفة المسلمين، وأنا أركب، هذا لا يمكن، إما أن تركب معي، وإما أن أنزل أنا إلى الأرض ونمشي سوياً، فرفض الصديق وقال: لا أركب ولا تنزل؛ إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله، أي: أريد الأجر.
فتوفي يزيد بن أبي سفيان بعد فتوح الشام في خلافة عمر، فولى عمر ﵁ مكانه أخاه معاوية، ولاه الشام، وولد له يزيد في خلافة عثمان بن عفان، وأقام معاوية في الشام إلى أن حصل ما حصل من الخلاف بينه وبين علي ﵁ لما بويع له بالخلافة، وامتنع أهل الشام عن بيعته حتى حصل القتال.
يقول المؤلف ﵀: (فَالْوَاجِبُ الِاقْتِصَارُ فِي ذَلِكَ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ ذِكْرِ يزيد بن معاوية) يعني: أن الواجب الاقتصاد في يزيد، وسلوك مسلك الاقتصاد والعدل، فلا يسب
стр. 118
شرح الوصية الكبرى لابن تيمية [١١]
إن تفرق الأمة شيعاً وأحزاباً وطوائف سبب من أسباب تمزقها وضعفها وتسلط الأعداء عليها، وإن المؤمنين كلهم أخوة وبعضهم أولياء بعض، وليس من الإيمان أن يولي المسلم أحداً من الناس لأنه في حزبه أو في جماعته بغض النظر عن استقامته ودينه، فالولاء يجب أن يكون لكل مؤمن بكتاب الله وسنة رسوله في أي جماعة أو في أي مذهب مادام متبعاً غير مبتدع.
стр. 119
التحذير من التفريق بين الأمة وامتحانها بما يزيد فرقتها واختلافها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فَصْلٌ: وَكَذَلِكَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْأُمَّةِ وَامْتِحَانِهَا بِمَا لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ بِهِ وَلَا رَسُولُهُ مِثْلَ أَنْ يُقَالَ لِلرَّجُلِ: أَنْتَ شكيلي أَوْ قرفندي، فَإِنَّ هَذِهِ أَسْمَاءٌ بَاطِلَةٌ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلا سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَلَا فِي الْآثَارِ الْمَعْرُوفَةِ عَنْ سَلَفِ الْأَئِمَّةِ لَا شكيلي وَلَا قرفندي.
وَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ إذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: لَا أَنَا شكيلي وَلَا قرفندي؛ بَلْ أَنَا مُسْلِمٌ مُتَّبِعٌ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ.
] ذكر المؤلف ﵀ فيما سبق الكلام على الصحابة، وأنه يجب على المسلم الاقتصاد والاعتدال في الصحابة، وليس له أن يغلو في الصحابة ولا في آل البيت فيرفعهم عن مقامهم إلى مقام النبوة أو الألوهية، وليس له أن يجفو الصحابة أو يسبهم، بل يقتصد ويعتدل.
ثم قال المؤلف: (وَكَذَلِكَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْأُمَّةِ وَامْتِحَانِهَا بِمَا لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ بِهِ وَلَا رَسُولُهُ مِثْلَ أَنْ يُقَالَ لِلرَّجُلِ: أَنْتَ شكيلي، أَوْ قرفندي) هذه أسماء كأنها ألقاب أو فرق كانت موجودة عندهم في ذلك الوقت، ولذا قال (فَإِنَّ هَذِهِ أَسْمَاءٌ بَاطِلَةٌ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَلَا فِي الْآثَارِ الْمَعْرُوفَةِ عَنْ سَلَفِ الْأَئِمَّةِ لَا شكيلي وَلَا قرفندي.
وَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ إذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: لَا أَنَا شكيلي وَلَا قرفندي؛ بَلْ أَنَا مُسْلِمٌ مُتَّبِعٌ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ) يعني: ينبغي للإنسان المسلم أن يكون انتسابه للإسلام وأن يجتمع المسلمون تحت فرقة واحدة، يقول: أنا من أهل السنة أنا مسلم، لا كما هو موجود في هذا العصر، هذا يسمى إخوانياً وهذا يسمى سرورياً وهذا يسمى سلفياً، كل هذه الأسماء مفرِّقة فالواجب على الإنسان المسلم اتباع الكتاب والسنة، ويجب على المسلمين أن ينضووا تحت راية الإسلام، لك أن تقول: أنا مسلم، أنا متبع للكتاب والسنة، أنا من أهل السنة والجماعة، أنا متبع لآثار السلف من أهل السنة والجماعة، ولذلك جاء في الحديث: (أنه حصل خلاف في بعض الغزوات بين مهاجري وأنصاري فنادى الأنصاري: يا للأنصار، ونادى المهاجري: يا للمهاجرين.
فلما تنادوا فيما يزيد التفرقة، غضب النبي ﷺ وقال: أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها منتنة) والمهاجري والأنصاري اسمان إسلاميان، لكن لما كان هناك تحزب، وتعصب غضب النبي ﷺ وقال: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها منتنة)، أي: لا تتحزبوا وإنما اجتمعوا.
فإذا كان النبي ﷺ قال عن اسمين إسلاميين: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم) فكيف بغيرها من الأسماء؟! كيف يتفرق المسلمون؟! يجب على كل مسلم أن يحكم الكتاب والسنة، وينظر إن كانت أعماله موافقة للكتاب والسنة فهي حق، وإن كانت مخالفة للكتاب والسنة فهي باطل، وإن كان فيها حق وفيها باطل فيأخذ الحق ويرد الباطل.
ولا ينبغي التحزب، بعض الشباب الآن يتحزبون، صار بعضهم ينشغل بهذا، فتراه يسأل: أنت تنتسب إلى الإخوان؟ أنت سروري؟ أنت سلفي؟ وهكذا حتى صار بينهم تحزبات وعداوات ومشاحنات، وتركوا العلم.
الواجب على الشاب طالب العلم أن يقبل على العلم، ويترك هذه النعرات وهذه التحزبات والعصبيات، وأن يعمل بالكتاب والسنة، ولا ينتمي إلى هذه الفرق، فهذه الفرق يجب أن تجتمع وتتحد وأن تعمل بكتاب الله وسنة رسوله، ومن خالف الكتاب والسنة سواء كان في العقيدة أوفي العبادة أو في المعاملات فعليه الرجوع إلى الكتاب والسنة.
ولهذا المؤلف ﵀ أنكر على التحزبات في زمانه: كأن يقال أنت شكيلي أو أنت قرفندي، هذه تحزبات كانت موجودة في زمانه، ونحن في زماننا تحزبات، ولهذا قال المؤلف ﵀: (هَذِهِ أَسْمَاءٌ بَاطِلَةٌ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) كون بعض الناس يقول: أنت سروري أو أنت إخواني أو أنت من أهل كذا، أو أنت من جماعة التبليغ، هذه كلها أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، الواجب الانتساب إلى الكتاب والسنة، وسلف الأمة ولهذا قال المؤلف ﵀ (هَذِهِ أَسْمَاءٌ بَاطِلَةٌ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَلَا فِي الْآثَارِ الْمَعْرُوفَةِ عَنْ سَلَفِ الْأَئِمَّةِ لَا شكيلي وَلَا قرفندي.
وَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ إذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: لَا أَنَا شكيلي وَلَا قرفندي؛ بَلْ أَنَا مُسْلِمٌ مُتَّبِعٌ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ) إذا قال لك: أنت إخواني أو سلفي أو سروري أو تبليغي فقل له: أنا مسلم متبع لكتاب الله وسنة رسوله، أنا من أهل السنة والجماعة، أعمل بكتاب الله وسنة رسوله، وحينئذ تلقمه حجراً وتقطع باب الجدال بينك وبينه.
تقول: أنا مسلم متبع للكتاب والسنة، لا أنا إخواني ولا سروري ولا من جماعة التكفير والهجرة، ولا من جماعة التبليغ، إنما أنا مسلم متبع لكتاب الله وسنة رسوله، من أهل السنة والجماعة.
وما يفعله بعض الشباب من إضاعة الأوقات في العداوات والتحزبات، ويصنفون الناس إلى كذا وإلى كذا، وينشغلون عن طلب العلم، كل هذا من مكر الشيطان وتسويله وخداعه، حتى يفرق المسلمين، وهذه من دسائس الكفرة وأهل البدع الذين يريدون أن يفرقوا بين المسلمين، ويريدون أن يفسدوا على الشباب التزامهم واتباعهم للكتاب والسنة، وأن يقطعوا عليهم طلب العلم، والطريق الموصل إلى العلم؛ بهذه التحزبات وهذه الحزازات والعداوات، فالواجب على طالب العلم أن يقبل على طلب العلم، ويدع هذه التحزبات.
стр. 120
موقف السلف ممن يدعو إلى التفرقة والاختلاف والانتساب إلى الأشخاص والجماعات
قال المؤلف رحمه الله تعالى [وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ معاوية بن أبي سفيان أَنَّهُ سَأَلَ عبد الله بن عباس ﵄ فَقَالَ: أَنْتَ عَلَى مِلَّةِ علي أَوْ مِلَّةِ عثمان؟ فَقَالَ: لَسْتُ عَلَى مِلَّةِ علي وَلَا عَلَى مِلَّةِ عثمان، بَلْ أَنَا عَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] انظر إلى البصيرة عند ابن عباس حبر هذه الأمة، فقد دعا له النبي ﷺ بأن يفقهه في الدين وأن يعلمه التأويل، وقال: (اللهم فقه في الدين، وعلمه التأويل)، فـ معاوية لما سأل عبد الله بن عباس قال له: أنت على ملة علي أو ملة عثمان؟ قال: لست على ملة علي ولا على ملة عثمان، بل أنا على ملة رسول الله ﷺ ، يعني: علي ليس معصوماً وعثمان ليس معصوماً فكلاهما يخطئ ويصيب، وكل الصحابة يخطئ ويصيب، لكن النبي ﷺ هو المعصوم عن الخطأ فيما يبلغ عن الله، قال : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣]، وملة رسول الله ﷺ هي المعصومة، فأنا على ملة الرسول ﷺ .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وَكَذَلِكَ كَانَ كُلٌّ السَّلَفِ يَقُولُونَ: كُلُّ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ فِي النَّارِ، وَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: مَا أُبَالِي أَيُّ النِّعْمَتَيْنِ أَعْظَمُ؟ عَلَى أَنْ هَدَانِي اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ، أَوْ أَنْ جَنَّبَنِي هَذِهِ الْأَهْوَاءَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ سَمَّانَا فِي الْقُرْآنِ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللَّهِ، فَلَا نَعْدِلُ عَنْ الْأَسْمَاءِ الَّتِي سَمَّانَا اللَّهُ بِهَا إلَى أَسْمَاءٍ أَحْدَثَهَا قَوْمٌ -وَسَمَّوْهَا هُمْ وَآبَاؤُهُمْ- مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ.
] يقول المؤلف: (وكذلك كان كل السلف يقولون: كل هذه الأهواء في النار) المراد بالأهواء البدع، فهذه الأهواء في النار، (ويقول أحدهم: ما أبالي أي النعمتين أعظم؟ أن هداني الله للإسلام، أو أن جنبني هذه الأهواء) يعني: كلاهما نعمتان، النعمة الأولى: أن هداك الله للإسلام، والنعمة الثانية: أن جنبك الله البدع، وجنبك هذه الأهواء.
ثم يقول المؤلف ﵀: (وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ سَمَّانَا فِي الْقُرْآنِ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللَّهِ، فَلَا نَعْدِلُ عَنْ الْأَسْمَاءِ الَّتِي سَمَّانَا اللَّهُ بِهَا إلَى أَسْمَاءٍ أَحْدَثَهَا قَوْمٌ -وَسَمَّوْهَا هُمْ وَآبَاؤُهُمْ- مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) فإذا قيل لك: ما أنت؟ فقل: أنا مسلم أنا مؤمن أنا من عباد الله، أنا من أهل السنة والجماعة، فإذا قال: أنت سروري؟ أنت سلفي؟ أنت إخواني؟ أنت من جماعة الهجرة والتكفير؟ إن قلت أنا سروري، قال: أنت فيك كذا وكذا وكذا، وإن قلت: أنا إخواني، قال فيك: أنت كذا وكذا وكذا، وأنت تغلو في الحاكمية وتترك العبادة وهكذا، وصار الجدال بينك وبينه، فالأسلم لك والأفضل أن تقول: لست سرورياً ولا إخوانياً، ولا من جماعة التكفير والهجرة، بل أنا مسلم من المسلمين المؤمنين من عباد الله، من أهل السنة والجماعة.
فتقطع عليه الطريق وتقطع الجدال بينك وبينه، وتنتهي الخصومة وتشتغل بما ينفعك، وتقول: هذه أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، وليس لها أصل في الكتاب والسنة، فأنا لا أعترف بها.
стр. 121
ذكر الأسماء والألقاب التي يجوز الانتساب إليها وعدم امتحان الناس بها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بَلْ الْأَسْمَاءُ الَّتِي قَدْ يَسُوغُ التَّسَمِّي بِهَا مِثْلُ انْتِسَابِ النَّاسِ إلَى إمَامٍ كَالْحَنَفِيِّ وَالْمَالِكِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَالْحَنْبَلِيِّ، أَوْ إلَى شَيْخٍ كَالْقَادِرِيِّ والعدوي وَنَحْوِهِمْ، أَوْ مِثْلُ الِانْتِسَابِ إلَى الْقَبَائِلِ كَالْقَيْسِيِّ وَالْيَمَانِيِّ، وَإِلَى الْأَمْصَارِ كَالشَّامِيِّ وَالْعِرَاقِيِّ وَالْمِصْرِيِّ.
فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِ أَنْ يَمْتَحِنَ النَّاسَ بِهَا، وَلَا يُوَالِيَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَلَا يُعَادِيَ عليها، بَلْ أَكْرَمُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ مِنْ أَيِّ طَائِفَةٍ كَانَ.
] يعني: الأسماء التي قد يسوغ التسمي بها ولا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها، مثل أن يقول: أنا حنفي، أو مالكي، أو شافعي، أو حنبلي، فهذه أسماء إلى الأئمة الفقهاء، فيجوز للإنسان أن ينتسب إليها، إذا كان ليس عنده أهلية أن يأخذ بالأدلة فله أن يقلد إماماً من الأئمة، وإذا كان عنده أهلية للنظر فلا يقلد، بل يعمل بالأدلة، ولا يضره كونه يوافق الإمام في الأصول، مثل: شيخ الإسلام حنبلي، لكن ليس مقلداً للإمام، لكن المعنى أنه يوافقه في الأصول: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والعمل بقول الصحابي، وكذلك ابن القيم وغيره يسمون حنابلة، ولكن ليس معنى ذلك أنه يأخذ بأقوال الإمام أحمد بغير دليل، لا، قد يوافقه في الأصول، فلا يضر هذا، ومع ذلك يجوز للإنسان أن ينتسب ويقول: أنا حنبلي أو حنفي، لكن لا يجوز لأحد أن يمتحن الناس ويوالي ويقول: أنت حنبلي فأوالي الحنبلي، أما الحنفي والشافعي فأبغضهم، أو يقول: أنا حنفي ويوالي الأحناف أو يقول: شافعي ويعادي المالكي أو العكس، فهذا غلط، لا يجوز أن يوالي ولا يعادي على المذاهب.
وكذلك أيضاً الانتساب إلى شيخ كالقادري والعدوي، أوالانتساب إلى القبائل كالقيسي واليماني، أو إلى الأمصار كالشامي والعراقي والمصري، كل هذه أسماء لا يجب أن يوالى عليها ولا يعادى عليها، قال الله تعالى في كتابه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، قال : ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ)) لأي شيء؟ ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣]، فلا يجوز للإنسان أن يوالي هذا الشخص؛ لأنه من قبيلته، أو يوالي هذا الشخص؛ لأنه من أهل بلده، أو يوالي هذا الشخص؛ لأنه موافق للمذهب، فالموالاة والمعاداة لا تكون إلا في الله، فيوالي في الله ويعادي في الله، فمن كان مستقيماً على أمر الله نواليه، ولو كان من أقصى الدنيا، ولو كان بعيداً، سواء كان من العرب أو من العجم.
ومن كان مخالفاً لأمر الله يعادى ولو كان من أقرب الناس إليك، ولو كان أخاك لأبيك وأمك، تعاديه عداوة دينية، أما الموالاة لأجل القبائل أو لأجل الانتساب إلى المذهب، أو لأجل الانتساب إلى البلد كل هذا ما أنزل الله به من سلطان.
стр. 122
صفات أولياء الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وَأَوْلِيَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ هُمْ أَوْلِيَاؤُهُ: هُمْ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، فَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّقُونَ، وَقَدْ بَيَّنَ الْمُتَّقِينَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧]، وَالتَّقْوَى: هِيَ فِعْلُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَتَرْكُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ.
] يقول المؤلف ﵀: (وَأَوْلِيَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ هُمْ أَوْلِيَاؤُهُ: هُمْ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) يعني: ولي الله هو المؤمن التقي، له وصفان، الوصف الأول: الإيمان، والوصف الثاني: التقوى، فمن كان مؤمناً تقياً فهو ولي الله، وولي الله هو المؤمن التقي، ولي الله هو الذي يوافق الله في محابه ومساخطه، فيفعل ما يحبه الله، ويترك ما يسخطه الله، هذا هو ولي الله.
ليس ولي الله كما يزعم بعض الصوفية هو الذي يتصرف في الكون، هذا كفر وردة، من ادعى أن أحداً يتصرف في الكون فهو كافر مرتد، ومن يسمونهم أولياء يشرعون لهم تشريعات ما أنزل الله بها من سلطان، ويرون أن بعض الأولياء الصوفية تسقط عنهم التكاليف، وأنه لا يسأل عن شيء، وأنك تكون بين يدي شيخك وإمامك كالميت بين يدي المغسل، فالصوفية لهم قبائح، فهم يزعمون أن أولياءهم ترفع عنهم التكاليف، يدخل بعض الصوفية على تلميذه ولا يمنعه من شيء، فيدخل على زوجته ويفعل بها الفاحشة، ولا يُسأل لأنه يجب أن يكون التلميذ بين يديه كالميت بين يدي الغاسل لا يتحرك ولا يسأل.
هكذا يقولون والعياذ بالله.
هذا من أولياء الشيطان ليس من أولياء الرحمن، بعضهم يزعم أن الولي هو الذي يتصرف في الكون، وأن له تدبيراً مع الله، وهذا شرك أكبر أعظم من شرك كفار قريش، يقول بعضهم: إن بعض الأولياء يتصرف في هذا الكون، ويقولون: هناك أوتاد وأقطاب، قد يكون الولي غير معروف؛ وقد يتصرف في الكون وأنت تراه وعليه ثياب مخرقة ومرمي على زبالة وشعوره وأظافيره طويلة، ولا يؤبه له، هذا حسب زعمهم، أقول: كل هذا من الكفر والضلال نعوذ بالله، إن ولي الله هو المؤمن التقي، بدليل قول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عليهمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣]، ما ثوابهم؟ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس:٦٤].
إذاً فولي الله هو المؤمن التقي، وليس الولي كما يزعم الصوفية هو الذي رفعت عنه التكاليف ويفعل الكبائر والكفر ولا يُسأل عما يفعل، أو يزعمون أنه يتصرف في الكون، فهذا كفر وضلال.
قوله: (فقد أخبر الله أن أولياءه هم المؤمنون المتقون وقد بين المتقين في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧].
أي: هؤلاء هم الصادقون، وهذه تسمى آية البر؛ لأن الله تعالى بين خصال البر في هذه الآية، فأهل التقوى هم الذين يفعلون هذه الخصال، والتقوى هي فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه.
وأصلها توحيد الله ، وفعل الأوامر، وترك النواهي، هذه هي التقوى.
стр. 123
حال أولياء الله وذكر ما صاروا به أولياء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ حَالِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَمَا صَارُوا بِهِ أَوْلِيَاءَ، فَفِي صَحِيحِ البخاري عَنْ أبي هريرة ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (يَقُولُ اللَّهُ ﵎: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عليه، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَني لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْت عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مسَاءَتَهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ).
فَقَدْ ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى دَرَجَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: التَّقَرُّبُ إلَيْهِ بِالْفَرَائِضِ.
وَالثَّانِيَةُ: هِيَ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ بِالنَّوَافِلِ بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ.
فالْأُولَى دَرَجَةُ الْمُقْتَصِدِينَ الْأَبْرَارِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ.
وَالثَّانِيَةُ دَرَجَةُ السَّابِقِينَ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٢ - ٢٦].
قَالَ ابن عباس ﵄: يُمْزَجُ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ مَزْجًا وَيَشْرَبُهُ الْمُقَرَّبُونَ صِرْفًا.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ هَذَا الْمَعْنَى فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، فَكُلُّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقَى اللَّهَ فَهُوَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ.
] بيّن المؤلف ﵀ أن النبي ﷺ أخبر عن حال أولياء الله وما صاروا إليه، وذكر الحديث القدسي الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (يقول الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة)، هذا حديث قدسي منسوب إلى قدسية الله، يعني: كونه كلام الله لفظاً ومعنى كالقرآن، ولهذا فإن النبي ﷺ يرويه عن ربه فيقول: يقول الله تعالى.
فهو من كلام الله لفظاً ومعنى مثل القرآن، إلا أن له أحكاماً تختلف عن القرآن، بخلاف الحديث غير القدسي فهو من النبي ﷺ لفظاً ومن الله معنى، أما الحديث القدسي فهو من الله لفظاً ومعنى، ولهذا يرويه النبي ﷺ فيقول: (يقول الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة)، فهذا الحديث القدسي بين فيه الرب حال الأولياء ومنزلتهم، فقال: (يَقُولُ اللَّهُ ﵎: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ)، وفي لفظ: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، وهذا فيه الوعيد الشديد على من عادى أولياء الله، والولي كما سبق هو المؤمن التقي، أي: من عادى المؤمن التقي فقد بارز الله بالمحاربة، وفي لفظ: (فقد آذنته بالحرب)، وهذا وعيد شديد لمن آذى المؤمنين المتقين، وأنه على خطر عظيم؛ لأنه محارب لله، ومن حارب الله فهو هالك.
فقوله: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) هذه بشارة للمؤمن التقي، وهي أن الله يدفع عنه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، لأن من عادى ولي الله فهو مبارز لله بالحرب، ثم يقول الرب سبحانه: (وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه) يعني: أن أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله هو أن يؤدي الفرائض، والفرائض هي: الصلوات الخمس والزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام وبر الوالدين وصلة الرحم وهكذا.
ثم قال الرب سبحانه: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) يعني: فيه أن العبد إذا تقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض صار من أحباب الله، مثلاً: يتقرب إلى الله بأداء الصلوات الخمس ثم يتقرب إلى الله بأداء السنن الرواتب، وهي: أربع ركعات قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، ويتقرب إلى الله بصلاة الضحى، ويتقرب إلى الله بصلاة الليل، وسنة الوضوء، وتحية المسجد، كل هذه من النوافل.
كذلك يتقرب إلى الله بالصدقة بعد أداء الزكاة.
كذلك تتقرب إلى الله بعد صيام رمضان بصيام التطوع صيام الإثنين والخميس صيام أيام البيض صيام ست من شوال صيام تسع من ذي الحجة صيام التاسع والعاشر من شهر محرم.
كذلك الحج تؤدي الفريضة ثم تحج نافلة.
إذاً: إذا تقرب العبد إلى الله بالنوافل بعد الفرائض صار من أحباب الله، وإذا صار من أحباب الله يحصل له ما قال الرب سبحانه: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَني لَأُعِيذَنَّهُ) هذه كلها آثار ناتجة عن كون العبد محبوباً لله، وقوله: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي) المعنى: أن الله يسدده في جوارحه: في سمعه وبصره ويده ورجله، فلا ينظر بعينيه إلى ما حرم الله؛ لأن الله سدده، ولا يسمع بأذنه ما حرم الله، ولا يتناول بيده ويبطش بيده ما حرم الله، ولا يمشي برجله إلى ما حرم الله؛ لأن الله سدده ووفقه، وليس كما يظن بعض الاتحادية الملاحدة، حيث استدلوا بهذا، قالوا: إن الله حل في العبد (فبي يسمع وبي يبصر) (كنت سمعه الذي يسمع به) قالوا: إن الله حل في العبد فصار سمعه، هذا قول الملاحدة الاتحادية، وهذا من أبطل الباطل، تقول: المعنى: أن الله يسدده في جوارحه، فلا يعمل بجوارحه ما يغضب الله، وإنما يستعملها في طاعة الله، وأيضاً مع ذلك: (ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) المعنى: أن الله يجيب سؤاله، ويعيذه مما استعاذ، ثم قال الرب سبحانه: (وَمَا تَرَدَّدْت عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مُسَاءَتَهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ) هذا التردد ليس كتردد المخلوق، المخلوق يتردد في الشيء؛ لضعفه وجهله وعدم علمه بالنتائج، أما هذا التردد فهو وصف يليق بالله وجلاله وعظمته، ليس فيه نقص، وإنما هو شيء يليق بجلال الله وعظمته، لا يشابه فيه أحداً من خلقه، وصف يليق بالله ليس كتردد المخلوق الذي يدل على ضعفه وجهله وعدم علمه بالنتائج أو بالعاقبة.
وذلك أن العبد يكره الموت والله تعالى يكره ما يكره عبده المؤمن، ولكن هذا التردد لا يمنع من تغليب إحدى الإرادتين، فتتغلب الإرادة التي قدرها الله، ولهذا قال: (ولا بد له منه) فالعبد يكره الموت والله تعالى يكره ما يسيء للعبد، ولكن لا بد من تغليب إحدى الإرادتين، فالله تعالى يريد للعبد الموت؛ لأنه قدره له، ويريد ما يريده عبده وهو كراهة الموت؛ لأن العبد يكره الموت، لكن لا بد من تغليب إحدى الإرادتين، وهو الموت؛ لأنه مقدر ولا بد له منه.
يقول المؤلف ﵀: (ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى دَرَجَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: التَّقَرُّبُ إلَيْهِ بِالْفَرَائِضِ) هذه عرفناها (وَالثَّانِيَةُ: هِيَ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ بِالنَّوَافِلِ بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، فَالْأُولَى دَرَجَةُ الْمُقْتَصِدِينَ.
وَالثَّانِيَةُ دَرَجَةُ السَّابِقِينَ) الأولى: درجة المقتصدين الذين تقربوا إلى الله بالفرائض فقط، والمقتصدون هم أصحاب اليمين الأبرار؛ لأنهم تقربوا إلى الله بالفرائض وهي الواجبات، ووقفوا عند هذا الحد، ما كان عندهم نشاط لفعل النوافل، وهؤلاء المقتصدون تركوا المحرمات فقط، لكن ليس عندهم نشاط لترك المكروهات كراهة تنزيه، فترى المقتصد يتوسع في المباحات، فهؤلاء يسمون المقتصدين الذين يدخلون الجنة لأول وهلة.
الدرجة الثانية: درجة السابقين المقربين، وهم الذين أدوا الفرائض، وكان عندهم نشاط ففعلوا المستحبات والنوافل، وتركوا المحرمات وكان عندهم نشاط فتركوا أيضاً المكروهات كراهة تنزيه، وتركوا التوسع في المباحات حتى لا يقعوا في المكروهات، هذه درجة عالية، فالسابقون هم أعلى درجة من القسم الأول، وكل من الصنفين يدخل الجنة من أول وهلة، وهناك درجة ثالثة للمؤمنين وهم الظالمون لأنفسهم، الذين يقصرون في بعض الواجبات ويفعلون بعض المحرمات، فهؤلاء ما فعلوا الشرك، لكن فعلوا بعض المعاصي، فهم على خطر من دخول النار، وعلى خطر من عذاب القبر، فقد يعذبون في قبورهم، وقد تصيبهم الأهوال والشدائد، وقد يسلمون وقد يعفى عنهم، وقد يدخلون النار وقد يمكثون فيها مدة طويلة، لكن في النهاية لا بد أن يدخلوا الجنة، وهؤلاء يسمون الظالمين لأنفسهم؛ لأنهم ظلموا أنفسهم بالمعاصي.
وكل من الأصناف الثلاثة من أهل الجنة، لكن الصنفان الأول والثاني وهم المقتصدون والسابقون يدخلون الجنة من أول وهلة ولا يدخلون النار، أما الظالمون فهم على خطر، فقد يعفو الله عنهم، وقد يعذبون في قبورهم، وقد تصيبهم الأ
стр. 124
وجوب موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ أَوْجَبَ مُوَالَاةَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ وَأَوْجَبَ عليهمْ مُعَادَاةَ الْكَافِرِينَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عليمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥١ - ٥٦].
فَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ وَلِيَّ الْمُؤْمِنِ هُوَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَعِبَادُهُ الْمُؤْمِنِينَ وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ مَوْصُوفٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ نِسْبَةٍ أَوْ بَلْدَةٍ أَوْ مَذْهَبٍ أَوْ طَرِيقَةٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٢] إلَى قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال:٧٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:٩ - ١٠].
] في هذا البحث بين المؤلف ﵀ أن الله تعالى أوجب على المؤمن أن يوالي أخاه المؤمن، وأن المؤمنين يجب أن يوالوا بعضهم بعضاً، وموالاة المؤمن: يعني نصره وحبه وتأييده والدفاع عنه، والوقوف معه في السراء والضراء، فكما أوجب الله على المؤمن موالاة المؤمنين كذلك أوجب معاداة الكفار، وبغضهم والبعد عنهم، وبغض دينهم، وعدم مصادقتهم ومخاللتهم، فلا يتخذ الكافر صديقاً، ولا يركن إليه، بل على المؤمن أن يبغضه ويبغض دينه.
إذاً واجب على المؤمن أن يوالي المؤمنين، أي: ينصرهم ويحبهم ويواليهم ويدافع عنهم، وواجب عليه أن يعادي الكفار ويبغضهم ولا يتولاهم ولا يحبهم ولا يوافقهم فيما هم عليه ولا يعاشرهم ولا يصادقهم، وإنما إذا عاملهم تكون معاملة دنيوية على حسب الحال من البيع والشراء معهم إذا احتاج، وهذا لا يلزم منه موالاة، فقد أوجب الله على المؤمنين موالاة المؤمنين ومعاداة الكفار.
أوجب الله موالاة المؤمنين بعضهم لبعض، وأوجب عليهم معاداة الكافرين، وقد سرد المؤلف ﵀ الآيات التي في سورة المائدة والتي نهى الله فيها عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:٥١] يعني أيها المسلمون! ﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، فتولي الكفرة ردة وكفر، أما الموالاة فهي معصية وكبيرة، والموالاة هي: المعاشرة والمخالطة بدون حاجة لا لبيع ولا لشراء ولا للدعوة إلى الله، فيتخذ الكافر صديقاً، أما التولي فهو: محبتهم بالقلب، وينشأ عن ذلك نصرتهم وإعانتهم على المسلمين، فهذا ردة، فمن أحب الكافر بقلبه وأعانه على المسلمين بالسلاح أو بالرأي أو بالمال فهو كافر مثله؛ ولهذا قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] فالتولي ردة والموالاة كبيرة.
ثم قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم﴾ [المائدة:٥١ - ٥٢] الذين في قلوبهم مرض هم المنافقون، ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِم﴾ [المائدة:٥٢] أي: يوالون اليهود والنصارى، ويقولون: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة:٥٢] وحجتهم هي: أن نتخذ يداً مع اليهود ونتخذ يداً مع المسلمين، فإن انتصر المسلمون قالوا لهم: نحن معكم فأعطونا من الغنائم، وإن انتصر اليهود صاروا معهم وقالوا: نحن معكم، وإنما أظهرنا لهم أننا منهم ونحن معكم، ولهذا كان عبد الله بن أبي يوالي بعض اليهود فإذا قيل له: لماذا؟ قال: أنا أخشى الدوائر.
فإذا كانت الدائرة لليهود فيكون لي معهم يد.
قال الله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٢ - ٥٤]، هذا هو وصف المؤمنين: يحبون الله ويحبهم الله.
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٤] أي أنهم يعطفون على إخوانهم، ويرقون لهم، ويخفضون الجناح لهم، لكنهم على الكفار أعزة وأقوياء.
﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٥٤ - ٥٥]، فهذا هو الإيمان، فولي المؤمن هو الله ورسوله والمؤمنون.
من هم المؤمنون؟ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦].
ثم علق المؤلف على الآية فقال: فقد أخبر سبحانه أن ولي المؤمن هو الله ورسوله وعباده المؤمنون، وهذا عام في كل مؤمن موصوف بهذه الصفة، وكل مؤمن فهو ولي للمؤمنين، وكل مؤمن وليه الله ورسوله والمؤمنون سواء كان منتسباً إلى حرفة، أو كان جزاراً، أو خياطاً، أو بناءً أو مزارعاً، أو تاجراً، أو موظفاً، أو عربياً، أو عجمياً، سواء كان منتسباً إلى نسبة معينة، أو بلدة من البلدان سواءً كانت في المشرق أو في المغرب، أو كان على مذهب الشافعي أو كان مالكياً أو حنفياً، فكل من اتصف بهذه الصفات فهو ولي المؤمن، لا تنظر إلى حرفته ولا إلى بلده ولا إلى نسبته، كل مؤمن تقي متصف بهذه الصفات نتولاه بقطع النظر عن الحرفة وعن النسبة والبلدة والمذهب والطريق.
قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٧١]، فالمؤمن ولي أخيه ينصره ويؤيده مهما كان.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٢]، فهذه هي أوصافهم، فمن اتصف بهذه الصفات فهو ولي، فيجب على المؤمنين أن يوالي بعضهم بعضاً، فإذا كان مؤمناً مهاجراً مجاهداً آوى ونصر فهذا هو المؤمن الذي يتولى.
قال الله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال:٧٥].
وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] لماذا نص
стр. 125
وجوب اتحاد المسلمين حسياً ومعنوياً
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر).
وفي الصحاح أيضاً أنه قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك بين أصابعه).
وفي الصحاح أيضاً أنه قال: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
وقال ﷺ : (المسلم أخو المسلم، لا يسلمه ولا يظلمه).
وأمثال هذه النصوص في الكتاب والسنة كثيرة].
سرد المؤلف ﵀ الأدلة من الكتاب على أن المؤمن ولي أخيه المؤمن ينصره ويتولاه، ثم سرد الأدلة من السنة المطهرة، وقوله: في الصحاح، يعني: من الأحاديث الصحيحة التي وردت في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﷺ أنه قال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، فإذا آلمك عضوك تألم الجسم كله فينبغي كذلك أنه إذا تألم مؤمن يتألم المؤمنون كلهم؛ لأنهم كالجسد الواحد، والأمة الإسلامية جسد واحد، يعني: يشترك أفرادها في السراء والضراء، في الآلام والآمال، فما يحزن أخاك يجب أن يحزنك وما يؤلمه يؤلمك، وما يفرحه يفرحك، هكذا يكون الإيمان التام.
وفي الصحاح أيضاً أنه قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه).
وفي الصحاح أيضاً أنه قال: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وهذا حديث عظيم، فلو تدبر وفكر الإنسان في هذا الحديث وطبقه على نفسه فلن يجد حسداً ولا عداوات ولا خصومات ولا نزاعاً بين الناس، ويقول النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، في أمور الدين وفي أمور الدنيا، فأنت تحب لنفسك أن يوفقك الله للعلم النافع والعمل الصالح، وأن تكون من المحافظين على الصلوات الخمس، ومن المؤدين للواجبات، ومن المنتهين عن المحرمات، فأنت تحب هذا، فيجب أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، فأنت تحب لنفسك من الدنيا أن يرزقك الله مالاً حلالاً فيجب أن تحب لأخيك هذا، وتحب أن يرزقك الله زوجة صالحة فتحب لأخيك مثله، فإذا كنت تحب لنفسك الخير ولا تحبه لأخيك فأنت لم تأتِ بالإيمان الكامل، بل إيمانك ناقص، فإذا كنت تحب لنفسك شيئاً ولا تحبه لأخيك في أمر الدين أو في أمر الدنيا فاعلم أن إيمانك ناقص ولم تؤدِ الإيمان الواجب يقول النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم)، وليس هذا من باب الاستحباب بل (لا يؤمن أحدكم) يعني الإيمان الكامل، وهذا واجب وليس مستحباً.
فإذا كنت تحب لنفسك أن يوفقك الله للعلم فيجب أن تحبه لأخيك، فإن لم تحبه لأخيك فإنك لم تأت بالإيمان الواجب، وإيمانك ناقص وعليك أن تحاسب نفسك وتراجعها.
وقال ﷺ : (المسلم أخو المسلم، لا يكذبه ولا يظلمه)، وفي لفظ له: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه).
لا تظلمه لا في مال، ولا في أي أمر من أمور الدنيا، ولا تسلمه للعدو بل تدافع عنه، ولا تخذله.
стр. 126
تأكيد الله على مبدأ الأخوة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد جعل الله فيها عباده المؤمنين بعضهم أولياء بعض، وجعلهم إخوة، وجعلهم متناصرين متراحمين متعاطفين، وأمرهم سبحانه بالائتلاف، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف فقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣].
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٥٩].
فكيف يجوز مع هذا لأمة محمد ﷺ أن تفترق وتختلف حتى يوالي الرجل طائفة ويعادي طائفة بالظن والهوى، وبلا برهان من الله تعالى؟! وقد برأ الله نبيه ﷺ ممن كان هكذا، فهذا فعل أهل البدع كالخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين واستحلوا دماء من خالفهم.
وأما أهل السنة والجماعة فهم معتصمون بحبل الله وأقل ما في ذلك أن يفضل الرجل من يوافقه على هواه وإن كان غيره أتقى لله منه].
وقد جعل الله في عباده المؤمنين بعضهم أولياء بعض.
أي: جعل الله في هذه النصوص عباده المؤمنين بعضهم أولياء بعض، فالمؤمن ولي أخيه قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١].
وجعلهم إخوة متناصرين ينصر بعضهم بعضاً، متراحمين يرحم بعضهم بعضاً، متعاطفين يعطف بعضهم على بعض، وهكذا هو حال المؤمن.
وأمرهم سبحانه بالائتلاف، فيجب أن يأتلفوا ويتفقوا ويتحدوا وأن تكون كلمتهم واحدة وقلوبهم متفقة، ونهاهم عن الاختلاف، فقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٠٣] وحبل الله هو: دينه وكتابه، وذم المتفرقين فقال عنهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٩]، هذا تهديد لهم.
يقول المؤلف: فكيف يجوز لأمة محمد ﷺ أن تفترق وتختلف حتى يوالي الرجل طائفة ويعادي طائفة، مثلما يفعل بعض الناس من الفرق الموجودة عند بعض المسلمين الشباب، فهذا الشاب يوالي طائفة الإخوان ويعادي الطائفة السلفية، أو هذا الشاب يوالي طائفة السلفيين ويعادي طائفة الإخوان.
إن الموالاة والمعادة لا تكون إلا في الله، وهذه الطائفة إذا كان عندها أخطاء تُبين أخطاؤها فإن رجعوا عن البدع وإلا يُهجروا، أما أن يوالي لأجل الطائفة فقط، فهذا لا يجوز، بل يجب عليك أن تنظر إلى الطائفة التي تريد أن تواليها، فإن كانت على الباطل، وإن كان فيها بدع فيجب ألا يواليها المسلم أما أن يوالي الطائفة فقط لأنهم من أهل بلده، أو لأن هواه يميل إليهم فهذا خطأ، ولهذا قال المؤلف: كيف يجوز مع هذا لأمة محمد أن تفترق وتختلف حتى يوالي الرجل طائفة ويعادي طائفة أخرى بالظن والهوى بلا برهان من الله تعالى؟ لكن إذا وجد برهان فلا بأس، وإذا كانت هذه الطائفة عندها بدع فيجب على المسلم أن يهجرها ويبتعد عنها ويتبرأ إلى الله منها فقد برأ الله نبيه ﷺ ممن كان على الاختلاف والتفرق.
فهذا فعل أهل البدع كالخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين واستحلوا دماء من خالفهم، لأن الخوارج يوالون ويعادون لأجل اعتقادهم الفاسد، ويكفرون الناس بالمعاصي، فمن عصى أو من فعل كبيرة كفروه، وإذا كفروه عادوه واستحلوا دمه وماله وخلدوه في النار، فهؤلاء يوالون ويعادون بالهوى.
وأما أهل السنة والجماعة فهم معتصمون بحبل الله.
وأقل ما في ذلك أن يفضل الرجل من يوافقه على هواه وإن كان غيره أتقى لله منه، وهذا أقل ما يكون من الخلاف والفرقة، فإذا وجد أحداً يوافقه على هواه والاه وإن كان غيره أتقى منه، فالأتقى لله لا يواليه؛ لأنه خالف هواه، وهذا يواليه؛ لأنه وافق هواه، فهذا أقل ما في الخلاف، والواجب أن تكون الموالاة لله لا للهوى.
стр. 127
إيثار محاب الله على محاب النفس
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإنما الواجب أن يقدم من قدمه الله ورسوله ويؤخر من أخره الله ورسوله، ويحب ما أحبه الله ورسوله ويبغض ما أبغض الله ورسوله، وينهى عما نهى الله عنه ورسوله، وأن يرضى بما رضي الله به ورسوله، وأن يكون المسلمون يداً واحدة، فكيف إذا بلغ الأمر ببعض الناس إلى أن يضلل غيره ويكفره وقد يكون الصواب معه وهو الموافق للكتاب والسنة، ولو كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور الدين فليس كل من أخطأ يكون كافراً ولا فاسقاً، بل قد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وقد قال تعالى في كتابه في دعاء الرسول ﷺ والمؤمنين: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
وثبت في الصحيح أن الله قال: (قد فعلت) لا سيما وقد يكون من يوافقكم في أخص من الإسلام مثل أن يكون مثلكم على مذهب الشافعي أو منتسباً إلى الشيخ عدي].
الآن وجه الخطاب إلى طائفة عدي بن مسافر الأول، فقوله: (أن يكون مثلكم).
يعني: شافعي؛ لأنهم كانوا شافعية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم بعد هذا قد يخالف في شيء وربما كان الصواب معه، فكيف يستحل عرضه ودمه وماله مع ما قد ذكر الله من حقوق المسلم والمؤمن؟].
فالواجب على المسلم أن يقدم ما قدمه الله ورسوله، ويؤخر ما أخره الله ورسوله، ويحب ما أحبه الله ورسوله ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، وينهى عما نهى الله عنه ورسوله، ويرضى بما رضي الله به ورسوله، فهذا هو المؤمن، وهذه صفة المؤمن الولي، وهذا هو التقي وهو الذي يوافق ربه فيرضى لرضا الله ويغضب لغضب الله، ويوالي في الله ويعادي في الله، ويحب في الله ويبغض في الله، ويكون خوفه ورجاءه من الله، وعطاءه لله ومنعه لله.
والولي هو المؤمن التقي والولاية هي موافقة الولي الحبيب فهي محابه ومكارهه، والولي هو الذي يوافق الله ورسوله في محبوباته ومكروهاته، وعطائه ومنعه، وحبه وبغضه، فهذا هو الولي.
وأن يكون المسلمون يداً واحدة فبعض الناس يضلل من خالفه فيقول فيه: إنه ظالم أو كافر، وقد يكون الصواب معه ولكن لأنه خالفه قال فيه: ظالم، وكافر، وفاسق، لو حققت ودققت وجدت الصواب معه.
فيجب على الإنسان أن يتورع ويحبس لسانه عن صغير التكفير، ويتأمل ويتدبر الأمر، فقد يكون هو المخطئ، ولهذا قال المؤلف: وقد يكون الصواب معه وهو الموافق للكتاب والسنة، ولو كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور الدين فليس كل من أخطأ يكون كافراً أو فاسقاً، فمن أخطأ فلا تضلله ولا تكفره، ومن حصل منه زلة فهذا لا يبيح لك تكفيره، ولهذا قال المؤلف: وقد عفا الله لهذه الأمة الخطأ والنسيان، وقد قال تعالى في كتابه في دعاء الرسول ﷺ والمؤمنين: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
وثبت في الصحيح أن الله قال: (قد فعلت) وهذه رواية الإمام مسلم، وهي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤]، فخاف الصحابة، وشق عليهم هذا، وجثوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله! أُمرنا بالصلاة والصيام والحج وهذه نطيقها وقد نزلت عليك هذه الآية ونحن لا نطيقها، وهي: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] يعني: ما تبديه لنفسك أو تخفيه فالله يحاسبك به، فمن الذي يستطيع أن يمنع الوساوس في الصلاة مثلاً.
فجثوا على الركب وقالوا: (يا رسول الله! لا نطيق هذه، فقال النبي ﷺ : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ قولوا: سمعنا وأطعنا، فقالوا: سمعنا وأطعنا، فلما اقترأ القوم وذلت بها ألسنتهم نسخها الله وأنزل في إثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] ولما قالوا: سمعنا، أنزل الله في إثرها آية تخفف عنهم وهي: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قال الله: قد فعلت.
﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قال الله: قد فعلت.
﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦] قال الله: قد فعلت).
وهذا رواه الإمام مسلم في صحيحه.
يقول المؤلف: لا سيما وقد يكون من يوافقكم في شيء أخص من الإسلام.
يخاطب عدي بن مسافر، مثل أن يكون مثلكم على منهج الشافعي أو منتسب إلى الشيخ عدي، ثم بعد هذا قد يخالف في شيء وربما كان الصواب معه.
يعني يقول: إن بعض الناس يعادي الشخص الذي يخالفه حتى قد يكون موافقاً له في المذهب يكون شافعياً مثله أو منتسباً إلى الطائفة التي أنت منتسب إليها، لكنه يخالف في أمر من الأمور فيبدعه أو يكفره أو يفسقه وقد يكون الصواب معه، ثم تجد بعض الناس يستحل دمه وماله وعرضه، فيغتابه أو يأخذ ماله، أو يستحل دمه وجسده بالضرب، أو بالسجن، أو بالقتل -على سبيل المثال- من أجل أنه خالفه وقد يكون الصواب معه، فكيف يكون هذا الفعل من أفعال المسلم مع ما قد ذكر الله تعالى من حقوق المسلم والمؤمن على أخيه.
стр. 128
شرح الوصية الكبرى لابن تيمية [١٢]
جاء الإسلام بجلب المصالح ودفع المفاسد، ومن ذلك أنه حرم كل ما يوقع العداوة والبغضاء بين المسلمين، وحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحث على تزكية النفس، وصلاح القلب، ومن أعظم أسباب صلاح القلب تدبر القرآن والخشوع في الصلاة.
стр. 129
سبب وقوع العداوة والبغضاء بين المسلمين
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة لا أصل لها في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ؟ وهذا التفريق الذي حصل من الأئمة: علمائها ومشايخها وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة:١٤].
فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا؛ فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب].
كلام المؤلف كلام عظيم يكتب بماء الذهب، وهذه الجمل التي قرئت كلمات عظيمة ينبغي أن تكتب بماء الذهب لعظم شأنها، وليس المراد أن تكتب بماء الذهب فقط للتجمل، بل لما اشتملت عليه من العلم العظيم المأخوذ من الكتاب والسنة، فجدير بطالب العلم أن يتأمل هذه العبارات ويعمل بها.
يقول المؤلف: كيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة لا أصل لها في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ .
وقد يكون السبب في إطلاق هذه المسميات؛ لأن هذا ينتسب إلى بلد، أو لأن هذا ينتسب إلى مذهب، أو لأنه ينتسب إلى فرقة، أو هذا ينتسب إلى قبيلة، ويفرق كل التفريق بين الناس في هذه الأشياء التي ما أنزل الله بها من سلطان.
والأصل أن التفريق بين الناس يكون بالإيمان والكفر والسنة والبدعة، هذا هو الميزان، فالموالاة والمعاداة تكون على وفق ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، أما الأسماء المبتدعة التي ما أنزل الله بها من سلطان فلا يجوز أن تفرق بين الناس بسبب أن هذا موافق لك؛ لأنه من أهل بلدك فتواليه، وإذا كان من غير بلدك تعاديه، أو إذا كان يوافقك في المذهب تواليه وإذا خالفك تعاديه، أو من أهل فرقتك، فهذه الأمور ما أنزل الله بها من سلطان.
ثم قال المؤلف ﵀: وهذا التفريق الذي حصل من علمائنا ومشائخنا وأمرائنا وكبرائنا هو الذي أوجب تسلط الأعداء علينا، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله.
يعني: أن تفرق الأمة وتفرق علمائها وأمرائها وكبرائها أوجب تسلط الأعداء عليهم؛ لأنهم إنما تفرقوا بالباطل لا بالحق، حيث إنهم تركوا العمل بطاعة الله ورسوله، ومن ترك طاعة الله ورسوله وفرق بين الناس في أمور ما أنزل الله بها من سلطان فهو عاصٍ، ومن عصى الله سلط عليه الأعداء وحلت به العقوبات والنكبات، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:١٤].
انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ [المائدة:١٤] فأخذ الله عليهم الميثاق والعهد، والميثاق ذكره الله في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة:١٢] والميثاق هو: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة:١٢]، والجزاء هو ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:١٢]، وقال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ [المائدة:١٤] ولكنهم لم يلتزموا فقال الله عنهم: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة:١٤].
ولقد جازاهم الله بهذا وذلك بسبب معصيتهم، ثم جاء التهديد أيضاً: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:١٤].
إذاً الأمر خطير، والتفريق بين الأمة في أمور ما أنزل الله بها من سلطان، والموالاة والمعاداة من أجلها، وترك العمل بطاعة الله يسبب العداوة والبغضاء وتسليط الأعداء، كما أن النصارى لما أخذ الله منهم الميثاق ولم يعملوا به جعل الله بأسهم بينهم، وجعل الله بينهم العداوة والبغضاء؛ ولهذا قال المؤلف ﵀: فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، فإذا ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وتركوا العمل بطاعة الله وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا وقعت العداوة والبغضاء تفرقوا، وإذا تفرقوا فسدوا وهلكوا، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥].
وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب؛ ولهذا بين الله : ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [يونس:١٩].
وذم الله المختلفين في آخر سورة هود فقال: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩]، فاستثنى من وصفهم بالرحمة من الاختلاف، أي: إلا من رحم الله فليسوا مختلفين.
﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩].
إذاً: فالفرقة عذاب، والجماعة رحمة وصواب.
стр. 130
أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ثم بين المؤلف الشيء الذي يجمع هذا بعد ذلك فقال رحمه الله تعالى: [وجماع ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٣] إلى قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]، فمن الأمر بالمعروف: الأمر بالائتلاف والاجتماع والنهي عن الاختلاف والفرقة، ومن النهي عن المنكر: إقامة الحدود على من خرج عن شريعة الله تعالى].
هذا الأمر الذي سبق أن ذكرته له شيء يجمعه، وهو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا هو الذي يجمعها، فإذا أمر الناس بالمعروف ونهوا عن المنكر صلحت أحوالهم واستقامت أمورهم، واستقاموا على دين الله وكانوا أبعد ما يكونون عن الفرقة والخلاف، وسلموا من العقوبات والنكبات في الدنيا والآخرة، ولهذا قال المؤلف: وجماع ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٣] إلى قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤].
يقول: كيف يكون جماع ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: فمن الأمر بالمعروف الأمر بالائتلاف والاجتماع ومن النهي عن المنكر النهي عن الاختلاف والفرقة، ومن النهي عن المنكر كذلك إقامة الحدود على من خرج عن شريعة الله.
إذاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجمع هذا الأمر الذي سببه استقامة الناس وصلاحهم وسلامتهم من الفرقة والاختلاف والعذاب والنكبات؛ لأن من الأمر بالمعروف الأمر بالائتلاف والاجتماع، ومن النهي عن المنكر إقامة الحدود على من خرج عن شريعة الله، فإذا أقام الناس الحدود على من خرج عن شريعة الله وأمروا بالائتلاف والاجتماع سلموا من العداوة والبغضاء والفرقة والاختلاف ثم يسلمون من العقوبات والنكبات وتسليط الأعداء.
стр. 131
حكم المرتد القتل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن اعتقد في بشر أنه إله، أو دعا ميتاً، أو طلب منه الرزق والنصر والهداية، وتوكل عليه أو سجد له فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
ومن فضل أحداً من المشايخ على النبي ﷺ أو اعتقد أن أحداً يستغني عن طاعة رسول الله ﷺ استتيب فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وكذلك من اعتقد أن أحداً من أولياء الله يكون مع محمد ﷺ كما كان الخضر مع موسى ﵇ فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه؛ لأن الخضر لم يكن من أمة موسى ﵇ ولا كان يجب عليه طاعته بل قال له: (إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلم، وكان مبعوثاً إلى بني إسرائيل -كما قال نبينا ﷺ وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة).
ومحمد ﷺ مبعوث إلى جميع الثقلين إنسهم وجنهم، فمن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قلته].
مع أن كل هذه الأعمال التي ذكرها المؤلف أعمال كفرية وشركية تخرج الإنسان عن الإسلام، وتجعله في عداد الوثنية، ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها وأن يرقمها ويجعل تحتها خطاً.
الأمر الأول من الأعمال الكفرية: من اعتقد في بشر أنه إله فهو كافر، فمن اعتقد في أي بشر أنه إله يستحق العبادة فهذا كافر بإجماع المسلمين دون خلاف، وإذا مات على هذا الاعتقاد فهو من أهل النار خالداً مخلداً في النار، وكفره أعظم من كفر اليهود والنصارى؛ لأن اليهود والنصارى أهل كتاب خص كفرهم وهذا وثني.
ثانياً: من دعا ميتاً فإنه يكون كافراً، ومن قال للميت: يا فلان، ودعاه، وناجاه: أن اشفع لي، حتى ولو نادى الرسول ﷺ ، فإذا قال: يا رسول الله! اشفع لي، فهذا كفر وردة، أو قال: أغثني، أو طلب منه الرزق أيضاً، من طلب من شخص ميت الرزق يكون كافراً، أو طلب من الميت أن ينصره على عدوه يكون كافراً.
أو طلب منه أن يهديه حتى لو طلب الهداية من الحي، فإذا قال له: اهدني يعني هداية التوفيق والتسديد فقد كفر، أما إذا قال: اهدني إلى الحي يعني اهدني هداية الإرشاد فلا بأس بذلك، وكذلك من توكل على المخلوق أو على ميت يكون كافراً، أو سجد لحي أو ميت وكل واحد منهم يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه ولا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين في مقابرهم، وإذا مات على ذلك فهو من أهل النار.
ومن أنواع الكفر أيضاً: من فضل أحداً من المشايخ على النبي ﷺ .
فمن فضل أحداً على النبي ﷺ من شيوخ الصوفية وغيرهم واعتقد أنه أفضل من محمد فهذا مرتد كافر إن تاب وإلا قتل، أو اعتقد أن أحداً يستغني عن طاعة الرسول ﷺ ، وقال: لا حاجة لي بطاعة الرسول، فأنا أستغني عن طاعة الرسول.
وإذا قال شخص: أنا أستغني عن طاعة الرسول بطاعة شيخ الطريقة، أو بطاعة ملك من الملوك، أو بطاعة فيلسوف فهذا يصير مرتداً فإن تاب وإلا قتل.
فلا أحد يستغني عن طاعة الرسول؛ لأن طاعة الرسول طاعة لله.
وكذلك من الأعمال الكفرية: من اعتقد أن أحداً من أولياء الله يكون مع محمد ﷺ كما كان الخضر مع موسى، فهذا كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافراً.
فموسى ﵊ من أنبياء بني إسرائيل وهو من أولي العزم الخمسة.
ثبت في صحيح البخاري أن رجلاً سأل موسى فقال: (من أعلم الناس؟ فقال: أنا -يعني في زمانه- فعتب الله عليه؛ لأنه لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: بلى عبدنا خضر أعلم منك، فقال: يا رب! أين أجده؟ قال: بمجمع البحرين).
وجعل الله له علامة وهي أن يفقد الحوت فإذا فقده وجده، فسافر وذهب معه فتاه يوشع بن نون الذي كان نبياً بعد وفاته، وقد فتح يوشع بن نون بيت المقدس.
فجلسا مجلساً فذهب الحوت، ثم انطلقا فلما أحس موسى بالجوع قال: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف:٦٢] فقال: (إني نسيت الحوت)، فقال له موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف:٦٤]، فلما ذهب ورجع وجد رجلاً مسجى وسلم عليه، فرفع رأسه وقال: وأنى بأرضك السلام؟! يعني: أن الخضر استغرب منه السلام؛ لأنه في أرض ليس فيها سلام! قال: من أنت؟ قال: أنا موسى.
قال: أنت موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، فقال: لم جئت؟ قال: جئت أتعلم ولتعلمني مما علمك الله.
فقال -كما في بعض الروايات- أو لم تكفك التوراة التي أنزلها الله عليك؟ ثم جلس معه وتعلم، وهذا يدل على أهمية وفضل طلب العلم، فموسى هو كليم الله ومن أولي العزم الخمسة ومع ذلك ذهب يتعلم من الخضر وهو أقل منه فضلاً، لكن الله أعطاه علماً ليس عند موسى، فجلس موسى يتعلم، قال له الخضر: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٦٧] فقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف:٦٩] فذهبا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهما سفينة فأوقفها وهم يعرفونه، فوقفت وركبوا، فركبا في السفينة، فلما ركبا جاء بالقدوم وجعل يكسر السفينة، لقد أركبوهم بدون أجرة؛ لأنهم يعرفون الخضر، فجعل يكسر السفينة حتى خرق السفينة ودخل الماء، فصاح موسى: سبحان الله! ناس أحسنوا إلينا وأركبونا بدون أجرة وتخرب سفينتهم؟ ﴿أََخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف:٧١ - ٧٣]، فسمح له، ثم جاءت المسألة الثانية وهي أعظم وأعظم، فجعلا يمشيان فمر بغلام يلعب مع الصبيان فاقتلع الخضر رأس الصبي ورماه في الشارع، فصاح موسى: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٧٤]، قال: هذا أمر عظيم كيف أصبر عليه، فشدد عليه الخضر قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ﴾ [الكهف:٧٥] الأولى قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾ [الكهف:٧٢] وهذه أكدها بـ (لك)، ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٥] قال: هذه آخر مرة، فإن اعترضت عليك مرة أخرى نتفارق.
فلما ذهبا إلى بلدة فيها جماعة من الناس لؤماء ردوهم ولم يعطوهم الضيافة، فجاء على جدار يكاد أن يسقط فجعل يبنيه، وبنى سوى الجدار وعمله بدون أجرة فاعترض عليه موسى فقال: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:٧٨] كما قص الله علينا في القرآن.
والشاهد أن موسى يتعلم ممن هو أقل منه في المكانة، وقد اختلفوا في الخضر هل هو نبي أو عبد صالح؟ والصواب أنه نبي، والجمهور على أنه عبد صالح.
والخضر له شريعة مستقلة؛ لأنه يوحى إليه، وموسى له شريعة تختلف عن شريعة الخضر، إذاً: فـ الخضر غير مأمور باتباع موسى في شريعته؛ لأن موسى لم يُرسل إلى الخضر وإنما أُرسل إلى بني إسرائيل وهم قومه، والخضر خرج عن شريعة موسى ويجوز له ذلك؛ لأن شريعة موسى ليست عامة.
يقول المؤلف ﵀: كذلك من اعتقد أن أحداً من الأولياء يكون مع محمد ﵊ كما كان الخضر مع موسى -يعني: يخرج عن شريعته- فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
فلو قال شخص: أنا لا ألتزم بشريعة محمد كـ الخضر عندما لم يلتزم بشريعة موسى، فنقول لمن يقول هذا الكلام: أنت كافر؛ لأن الخضر خرج عن شريعة موسى ولم يكفر به، فهناك فرق بين حالك مع محمد، وبين حال الخضر مع موسى، فالأمر الأول أن شريعة موسى ليست عامة إلى الثقلين بل هي خاصة لبني إسرائيل، ومحمد شريعته عامة، فليس لك أن تخرج عنه.
ثانياً: الخضر نبي يوحى إليه، وأنت لست نبياً، فمن زعم أنه يجوز له الخروج عن شريعة محمد كما أنه جاز للخضر الخروج عن شريعة موسى فهو مرتد، يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافراً.
ولهذا بين المؤلف ذلك فقال: لأن الخضر لم يكن من أمة موسى ﵊ وما كان يجب عليه طاعته بل قال الخضر لموسى: إني على علم من الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه.
وكان موسى مبعوثاً إلى بني إسرائيل كما قال نبينا ﷺ : (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة).
ومحمد ﷺ مبعوث إلى جميع الثقلين إنسهم وجنهم، فمن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قتله.
стр. 132
كفر من كفر المسلمين أو استحل دماءهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك من كفر المسلمين أو استحل دماءهم وأموالهم ببدعة ابتدعها ليست في كتاب الله ولا سنة رسوله فيجب نهيه عن ذلك وعقوبته بما يزجره ولو بالقتل أو القتال، فإذا عوقب المعتدون من جميع الطوائف، وأكرم المتقون من جميع الطوائف كان ذلك من أعظم الأسباب التي ترضي الله ورسوله وتصلح أمر المسلمين، ويجب على أولي الأمر -وهم علماء كل طائفة وأمراؤها ومشايخها- أن يقوموا عامتهم ويأمروهم بالمعروف، وينهوهم عن المنكر، ويأمرونهم بما أمر الله به ورسوله، وينهونهم عما نهى عنه ورسوله ﷺ ].
كذلك من كفر المسلمين أو استحل دماءهم وأموالهم ببدعة، مثل ما يفعل الخوارج فهم يكفرون الناس بالمعاصي وبالكبائر ففي اعتقادهم أن من زنى كفر، ومن شرب الخمر كفر، ومن عق والديه كفر، فهذا يجب نهيه عن ذلك وعقوبته بما يزجره، فإن لم ينزجر إلا بالقتل قتل، وإن كانت طائفة يقاتلون حتى يتوبوا من هذه البدعة.
قال المؤلف: فإذا عوقب المعتدي وأكرم المتقون من جميع الطوائف كان هذا من أعظم الأسباب التي ترضي الله ورسوله، ويجب على أولي الأمر وهم علماء كل طائفة وأمراؤها ومشايخها أن يقوموا عامتهم ويأمروهم بالمعروف، وينهوهم عن المنكر، ويأمرونهم بما أمر الله به ورسوله، وينهونهم عما نهى الله، فهذا واجب عليهم، فيجب أن توجد طائفة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فإن تركت الأمة هذا الأمر فقدت الخيرية التي وصفها الله تعالى بقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران:١٠٤] أمة أي: طائفة.
﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] فما هي الأمور التي يأمر بها الإنسان؟ وما هي الأشياء التي ينهى عنها؟ وما هو المعروف؟ المعروف: كل ما أمر الله به ورسوله، والمنكر: كل ما نهى الله عنه نهي تحريم أو تنزيه.
стр. 133
أمثلة المعروف التي يجب الأمر بها
المؤلف سرد لنا أمثلة للمعروف وأمثلة للمنكر فقال رحمه الله تعالى: [فالأول مثل شرائع الإسلام وهي الصلوات الخمس في مواقيتها، وإقامة الجمعة والجماعات من الواجبات والسنن الراتبات كالأعياد وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح وصلاة الجنائز وغير ذلك.
وكذلك الصدقات المشروعة، والصوم المشروع، وحج البيت الحرام.
ومثل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره.
ومثل الإحسان وهو: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك].
فكل هذه الأمور المعروفة تُعد من المعروف، فصلاة الجمعة والسنن الرواتب والأعياد والكسوف والاستسقاء والتراويح وصلاة الجنائز وحج البيت كلها معروفة، ويجب على المسلم أن يأمر بها؛ لأنها من الدين وقد أمر الله بها ورسوله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومثل سائر ما أمر الله به ورسوله من الأمور الباطنة والظاهرة، ومثل إخلاص الدين لله، والتوكل على الله، وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، والرجاء لرحمة الله، والخشية من عذابه، والصبر لحكم الله، والتسليم لأمر الله.
ومثل صدق الحديث، والوفاء بالعهود، وأداء الأمانات إلى أهلها، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والتعاون على البر والتقوى، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين، والعدل في المقال والفعال، ثم الندب إلى مكارم الأخلاق مثل: أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٠ - ٤٣]].
فكل هذه أمثلة للأمر بالمعروف، والقاعدة في المعروف هي: كل ما أمر الله به ورسوله، سواء أمر وجوب أو أمر استحباب، وسواء كان من الأمور الباطنة أو الأمور الظاهرة، فالأمور الباطنة مثل إخلاص الدين، والتوكل على الله وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، والرجاء لرحمة الله، والخشية من عذابه، والصبر لحكمه والتسليم لأمره، والأمور الظاهرة مثل صدق الحديث، والوفاء في العهود وأداء الأمانات إلى آخر ذلك وهي أمور واضحة.
стр. 134
أمثلة للمنكر الذي يجب النهي عنه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله فأعظمه الشرك بالله وهو: أن يدعو مع الله إلهاً آخر إما الشمس وإما القمر، أو الكواكب، أو ملكاً من الملائكة، أو نبياً من الأنبياء، أو رجلاً من الصالحين، أو أحداً من الجن، أو تماثيل أشخاص معينين أو قبورهم أو غير ذلك مما يدعى من دون الله أو يستغاث به أو يسجد له، فكل هذا وأشباهه من الشرك الذي حرمه الله على لسان جميع رسله].
وهذا هو أعظم المنكرات.
والمنكر القاعدة فيه هي: كل ما نهى الله عنه ورسوله، وأعظم المنكرات الشرك بالله، كما أن أعظم الأوامر توحيد الله.
ثم يلي أعظم الأوامر بعد التوحيد الصلوات الخمس، وأعظم المنهيات الشرك ويليه قتل النفس، ولهذا بين المؤلف أن أعظم المنكرات الشرك الذي نهى الله عنه ورسوله، وله أمثلة: أن يدعو الإنسان مع الله إلهاً آخر، كأن يدعو الشمس أو القمر أو الكواكب، أو يدعو ملكاً أو نبياً أو رجلاً صالحاً أو جنياً أو تماثيل أو طقوس يدعوها من دون الله أو يسجد لها أو يستغيث بها فكل هذا من الشرك.
ثم يليه بعد ذلك قتل النفوس.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد حرم الله قتل النفس بغير حقها، وأكل أموال الناس بالباطل إما بالغصب وإما بالربا، أو الميسر كالبيوع والمعاملات التي نهى عنها رسول الله ﷺ ، وكذلك قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وتطفيف المكيال والميزان، والإثم والبغي بغير الحق].
فكل هذه أمثلة للمنكر، وأعظمها بعد الشرك قتل النفس، ثم أكل المال بالباطل عن طريق الغصب أو الربا أو الميسر أو الغش أو الخداع وتنفيق السلعة بالحلف الكاذب وجحد الدين والحق فكل هذا من المنكرات، والبيوع والمعاملات التي نهى الله عنها ورسوله، وقطيعة الرحم وعقوق الوالدين، وتطفيف المكيال والميزان، والإثم والبغي بغير الحق فكل هذه أمثلة للمنكرات.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك مما حرمه الله تعالى أن يقول الرجل على الله ما لا يعلم، مثل أن يروي عن الله ورسوله أحاديث يجزم بها وهو لا يعلم صحتها، أو يصف الله بصفات لم ينزل بها كتاب من الله ولا أثارة من علم عن رسول الله ﷺ سواء كانت من صفات النفي والتعطيل مثل قول الجهمية: إنه ليس فوق العرش ولا فوق السماوات، وإنه لا يرى في الآخرة، وإنه لا يتكلم ولا يحب، ونحو ذلك مما كذبوا به الله ورسوله، أو كانت من صفات الإثبات والتمثيل مثل من يزعم أنه يمشي في الأرض أو يجالس الخلق أو أنهم يرونه بأعينهم، أو أن السماوات تحويه وتحيط به، أو أنه سار في مخلوقاته إلى غير ذلك من أنواع الفرية على الله].
وهذه كذلك من الأمثلة للمنكر، وأكثر الأمثلة التي ذكرها المؤلف هنا تعتبر من الكفريات، قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨].
فالقول على الله بلا علم جعله الله فوق الشرك؛ لأنه يدخل في الشرك وغيره.
ومن يروي أحاديث يجزم بها وهو لا يعلم صحتها فهذا من الكذابين يقول النبي ﷺ : (من حدث عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين أو الكذابين).
كذلك من وصف الله بصفات لم ينزل بها كتابه، وسواء كانت من صفات النفي أو التعطيل مثل قول الجهمية: إنه ليس فوق العرش ولا فوق السماوات إله! فهذا كفر وردة، فقد كفر العلماء من أنكر علو الله على خلقه، وكذلك من قال: إن الله لا يُرى في الآخرة، كفره الأئمة كذلك.
ومن صفات الإثبات والتمثيل مثل من يزعم أن الله يمشي في الأرض، أو أن الله يجالس الخلق، أو أنهم يرونه بأعينهم أو أن السماوات تحويه وتحيط به، أو أنه سار في المخلوقات مثلما يقوله الاتحادية، يقولون: إن الله سارٍ في المخلوقات مثلما يسري الدهن ويسري الماء في العود، ومثلما تسري النار في الفحم! فهذا كفر وردة، وكلها أقوال كفرية.
نعوذ بالله.
وهي من أعظم الفرية على الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك العبادات المبتدعة التي لم يشرعها الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، فإن الله شرع لعباده المؤمنين عبادات فأحدث الشيطان عبادات ضاهاها بها مثل أنه شرع لهم عبادة الله وحده لا شريك له، فشرع لهم شركاء وهي عبادة ما سواه والإشراك به، وشرع لهم الصلوات الخمس وقراءة القرآن فيها والاجتماع له، والاجتماع لسماع القرآن خارج الصلاة أيضاً فأول سورة أنزلها على نبيه ﷺ : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، أمر في أولها بالقراءة وفي آخرها بالسجود بقوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩]].
وهذه أيضاً أمثلة للعبادات المبتدعة التي لم يشرعها الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] فلو شرع الإنسان لنفسه بأن يتعبد لله بزيادة ركعة في الصلوات ففي الرباعية صلى خمساً، أو في الثلاثية صلى أربعاً، أو شرع لنفسه صلاة ثالثة، فكل هذا من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، وقد تكون كفراً وضلالاً، ثم بين أن الله شرع لعباده المؤمنين عبادات، فأحدث لهم الشيطان عبادات ضاهاها بها، يعني: ماثلها، فالله تعالى شرع لعباده عبادات، والشيطان أحدث لأوليائه عبادات يماثلون ويضاهون بها ما شرع الله، ومثال ذلك: أنه شرع لهم عبادة الله وحده لا شريك له، وشرع الله لهم أن يعبدوه ويخلصوا له العبادة، فشرع الشيطان لهم شركاء وهي عبادة ما سواه والإشراك به.
وشرع الله للمسلمين الصلوات الخمس، وقراءة القرآن والاستماع للقرآن خارج الصلاة، فأول سورة أنزلها على نبيه ﷺ : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، أمر الله في أولها بالقراءة وفي آخرها: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩].
فالشيطان يشرع لهم أشياء تضاهي هذه العبادات حتى تخرجهم من السنة إلى البدعة.
كل هذه أمثلة للمنكرات.
стр. 135
فضل قراءة القرآن وكيفية قراءته الصحيحة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهذا كان أعظم الأذكار التي في الصلاة قراءة القرآن، وأعظم الأفعال السجود لله وحده لا شريك له، وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤].
وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم أن يقرأ والباقي يستمعون، وكان عمر بن الخطاب يقول لـ أبي موسى ﵄: ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يستمعون.
ومر النبي ﷺ بـ أبي موسى ﵁ وهو يقرأ فجعل يستمع لقراءته، فقال: (يا أبا موسى، مررت بك البارحة فجعلت أستمع لقراءتك.
فقال: لو علمت لحبرته لك تحبيراً.
وقال: لله أشد أذناً - أي استماعاً- إلى الرجل يحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته)].
قال ﵀: ولهذا كان أعظم الأذكار التي في الصلاة: قراءة القرآن، يعني: أن الصلاة هي أعظم المعروف بعد توحيد الله ، وأعظم الأذكار فيها قراءة القرآن، قال: ولهذا كان أعظم الأذكار التي في الصلاة قراءة القرآن، وأعظم الأفعال السجود لله وحده لا شريك له، إذاً فالصلاة فيها أقوال وأفعال، فأعظم الأقوال والتي هي الأذكار في الصلاة: قراءة القرآن، وأعظم الأفعال السجود لله ، وبه تختم الركعة، فالسجود أعظم الأفعال في الصلاة؛ لأن الساجد يعفر وجهه بالتراب ويجعله على الأرض والوجه هو أشرف شيء، وذلك خضوعاً لله .
وقال تعالى: ﴿وََقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] يعني: وقراءة الفجر، وقرآن الفجر هو صلاة الفجر، فسميت صلاة الفجر قرآناً لأن أطول ما فيها القراءة، فلهذا سميت قرآناً، قال تعالى: ﴿وََقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] يعني: وصلاة الفجر.
﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] يعني: صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، فيصعد ملائكة الليل ويبقى ملائكة النهار.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤]، وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم أن يقرأ والباقي يستمعون، فيتأملون ويتدبرون ويتفكرون في الآيات، وكذلك الحديث فكان يقرأ واحد الحديث والباقي يستمعون إليه، أو القصيدة المفيدة التي تحوي على الحكم فيقرأ واحد والباقي يستمعون، أما ما يفعله بعض الناس من الأناشيد الجماعية الآن وتجده يلحن الأناشيد تلحين الغناء، فلا يفرق بينه وبين الغناء، وبعضهم ينشد نشيداً جماعياً، يرفعون فيه الصوت رفعاً واحداً ويخفضونه خفضاً واحداً، هذا معناه أن المستمع إنما يتلذذ بالأصوات وبالنغمات فقط، ويتأمل متى يرفعون الصوت ومتى يخفضون الصوت دون أي فائدة، وهذا فيه مشابهة للصوفية، فنصيحتي للشباب: أن يتركوا ما يسمونه بالأناشيد الإسلامية، فهذه ليست أناشيد إسلامية، والإسلام منها بريء، كونه بصوت واحد ويلحنونها تلحين الغناء، حتى لو لم يلحنوا فلا فائدة فيها، فالمسلم لا يستفيد منها، إلا من النغمات فقط، لكن إذا قرأ واحد قراءة عادية ليس فيها تلحين والباقي يستمعون، سواء كان يقرأ القرآن وهو أعلى الذكر، أو حديث أو قصيدة مفيدة، واحد يقرأ والباقي يستمعون، أما جماعة يقرءون فلا فائدة في ذلك، ولا أحد يتدبر، ولا أحد يتأمل، ولا ينظر إلا إلى النغمات، وهذا من استحواذ الشيطان على بعض الشباب الطيبين والذين عجز عنهم الشيطان أن يسمعوا الغناء فجاءهم من هذا الباب، بحجة أن هذه أناشيد إسلامية وهي ليست كذلك، فكانوا يأمرون واحداً يقرأ والباقي يسمع، وهذا الذي يقرأ لا يلحن تلحين الغناء، فإذا لحن تلحين الغناء ما حصل المقصود، مثلما يفعل بعض الناس يقرء القصيدة لكنه يلحنها تحلين الغناء ويتأوه ويمطط، فهذا لا يجوز، حتى في قراءة القرآن، فبعض القراء والعياذ بالله يغني، وبعض المغنين، يغني قل هو الله أحد، والعياذ بالله.
أو يغني بالحديث، حتى الأذان وقراءة القرآن ينبغي أن تكون قراءة عادية فلا يكون فيها تطريب، ولهذا ثبت في صحيح البخاري أن عمر بن عبد العزيز قال لمؤذن له: أذن أذاناً سمحاً وإلا فاعتزلنا.
فبعض الناس إذا أذن يمطط الأذان تمطيطاً، وتلحيناً، ويأتي إذا انتهى الصوت بصوت آخر بعده، ولهذا قال العلماء: يكره الأذان الملحن وتكره القراءة الملحنة.
وبعض المؤذنين يعدم المناسبة فتجده لا تتناسب تكبيراته، فالتكبيرة الأولى قصيرة، فينبغي أن تكون التكبيرات متعادلة، التكبيرة الأولى تعادل التكبيرة الثانية.
والشهادة الأولى تعادلها الشهادة الثانية في الطول.
وبعض المؤذنين يعجب بأذان المطربين والملحنين فيقلدهم، فالتلحين في الأذان مكروه، كما أن قراءة القرآن تكون بأن يقرأ واحد والباقي يستمعون، فلو قرءوا القرآن بشكل جماعي فهذا ليس مشروعاً إلا إذا كان من باب تعليم الصبيان؛ ولهذا قال المؤلف ﵀: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم أن يقرأ والباقي يستمعون، فلا يقرءون قراءة جماعية، أما أن يقرءوا قراءة جماعية فهذا لا فائدة فيه.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لـ أبي موسى ﵄: ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يستمعون؛ لأن الصلاة تذكر بالله .
ومر النبي ﷺ بـ أبي موسى! ﵁ وهو يقرأ فجعل يستمع لقراءته، فقال: (يا أبا موسى، مررت بك البارحة فجعلت أستمع لقراءتك، فقال: لو علمته لحبرته لك تحبيراً).
يعني: من أجل استماع النبي ﷺ فأقره على ذلك فتحسينها مشروع وليس المراد من قوله: (حبرته لك) الرياء، وإنما المقصود بقوله: (حبرته لك) يعني: باستماعك له، حتى تحصل فضيلة تحسين الصوت، وحتى يستفيد من إقرار النبي ﷺ له.
وقال النبي ﷺ : (لله أشد أذناً - أي: استماعاً - إلى الرجل يحسن صوته بالقراءة من صاحب القينة إلى قينته).
وهذا من صفات الله، والأذن هو الاستماع، وهي من الصفات التي تليق به كسائر الصفات.
(لله أشد أذناً - أي: استماعاً - من الرجل يحسن صوته من صاحب القينة إلى قينته).
يعني: المغنية إلى مغنيته.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا هو سماع المؤمنين وسلف الأمة وأكابر المشايخ كـ معروف الكرخي والفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ونحوهم، وهو سماع المشايخ المتأخرين الأكابر كالشيخ عبد القادر والشيخ عدي بن مسافر والشيخ أبي مدين وغيرهم من المشايخ ﵏.
وأما المشركون فكان سماعهم كما ذكره الله في كتابه بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال:٣٥].
قال السلف: المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق باليد، فكان المشركون يجتمعون في المسجد الحرام يصفقون ويصوتون ويتخذون ذلك عبادة وصلاة، فذمهم الله على ذلك وجعله من الباطل الذي نهى عنه، فمن اتخذ نظير هذا السماع عبادة وقربة يتقرب بها إلى الله فقد ضاهى هؤلاء في بعض أمورهم، وكذلك لم تفعله القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي ﷺ ولا فعله أكابر المشايخ.
وأما سماع الغناء على وجه اللعب فهذا من خصوصية الأفراح للنساء والصبيان كما جاءت به الآثار؛ فإن دين الإسلام واسع لا حرج فيه].
وهذا فيه بيان سماع المؤمنين وسماع المشركين، فسماع المؤمنين هو سماع القرآن، يستمعون القرآن وذلك بأن يقرأ أحدهم والباقي يستمعون كما كان الصحابة رضوان الله عليهم، وكما كان عمر يقول لـ أبي موسى الأشعري، وكما استمع النبي ﷺ لقراءة أبي موسى الأشعري، فهذا هو سماع المؤمنين وسلف الأمة وأكابر المشايخ ومثلهم معروف الكرخي والفضيل بن عياض وأبي سليمان وغيرهم، سماعهم هو سماع القرآن ومنه سماع الأحاديث أيضاً، سماع القصائد المفيدة.
وأما المشركون فسماعهم -كما ذكر الله- هو المكاء والتصدية، أي: الصفير والتصفيق، ويتعبدون بذلك، يقول المؤلف: فكان سماعهم كما ذكره الله في كتابه في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال:٣٥].
قال السلف: المكاء الصفير والتصدية التصفيق باليد، فكان المشركون يجتمعون في المسجد الحرام يصفقون ويصوتون ويتخذون ذلك عبادة وصلاة، فذمهم الله على ذلك وجعل ذلك من الباطل الذي نهاه، والتصفيق ليس من شأن الرجال وإنما هو من شأن النساء، ولهذا إذا صلى في المسجد رجالاً ونساء وأخطأ الإمام في صلاته سبح الرجال وصفقت النساء، فالرجل يسبح يقول: سبحان الله سبحان الله، والمرأة تصفق تنبيهاً للإمام، ويكون التصفيق بباطن كفها اليمنى على ظهر كفه اليسرى تنبيهاً، وذلك لئلا يفتتن بصوتها، ولكن تجد بعض الناس في الحفلات إذا أعجبهم شيء صفقوا ويصفرون أيضاً، وهذا لا ينبغي لأهل الإسلام أن يتشبهوا بالكفرة وبالنساء، بل إذا أعجبك شيء قل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أو سبحان الله سبحان الله، فقد كان النبي ﷺ إذا أعجبه شيئاً سبح أو كبر.
يقول المؤلف: فمن اتخذ نظير هذا السماع عبادة وقربة يتقرب بها إلى الله فقد ضاهى هؤلاء في بعض أمورهم، أي: أنه اتخذ هذا السماع وهو المكاء والتصدية قربة يتقرب إلى الله فقد شابه المشركين، وهذا لم يفعله أحد من القرون الثلاث التي أثنى الله عليهم
стр. 136
وجوب الاعتناء بالصلاة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعماد الدين الذي لا يقوم إلا به هو: الصلوات الخمس المكتوبات، ويجب على المسلمين من الاعتناء بها ما لا يجب من الاعتناء بغيرها، كان عمر بن الخطاب ﵁ يكتب إلى عماله: إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها من العمل أشد إضاعة.
وهي أول ما أوجبه الله من العبادات، والصلوات الخمس تولى الله إيجابها بمخاطبة رسوله ليلة المعراج، وهي آخر ما وصى به النبي ﷺ أمته وقت فراق الدنيا، وجعل يقول: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم)، وهي أول ما يحاسب عليه العبد من عمله، وآخر ما يفقد من الدين فإذا ذهبت ذهب الدين كله، وهي عمود الدين فمتى ذهبت سقط الدين، قال النبي ﷺ : (رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله)، وقد قال الله في كتابه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩].
قال عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره: إضاعتها تأخيرها عن وقتها ولو تركوها كانوا كفاراً.
وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] والمحافظة عليها: فعلها في أوقاتها.
وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥] وهم الذين يؤخرونها حتى يخرج الوقت].
هذا فيه بيان عظم شأن الصلاة وأنها عماد الدين، يقول المؤلف ﵀: عماد الدين الذي لا يقوم إلا به هو الصلوات الخمس المكتوبات؛ لأن الصلوات الخمس هي أفرض الفرائض وأوجب الواجبات بعد توحيد الله ، وهي صلة العبد بربه، فإذا ترك العبد الصلاة قطع الصلة التي بينه وبين الله، وكيف يرجو الإنسان المدد من الله ويرجو رحمة الله وفضله وجوده وبره وهو قد قطع الصلة التي بينه وبينه؟! وكيف يقر له قرار؟ وكيف يهنأ بعيش؟ وكيف يهنأ بأكل وشرب؟ وكيف يتمتع بالحياة وقد قطع الصلة بينه وبين الله؟!!
стр. 137
شرح الوصية الكبرى لابن تيمية [١٣]
الصلاة عمود الدين، ويجب على المسلمين من الاعتناء بها ما لا يجب من الاعتناء بغيرها، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها أشد إضاعة، وهي أول ما أوجبه الله من العبادات، وهي آخر ما أوصى به النبي ﵊ أمته عند موته، وهي أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، وآخر ما يفقد من الدين، فإذا ذهبت ذهب الدين كله.
стр. 138
الصلوات الخمس المفروضات
стр. 139
مكانة الصلاة في الإسلام
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعماد الدين الذي لا يقوم إلا به، هو الصلوات الخمس المكتوبات، ويجب على المسلمين من الاعتناء بها ما لا يجب من الاعتناء بغيرها.
كان عمر بن الخطاب ﵁ يكتب إلى عماله: إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها من العمل أشد إضاعة.
وهي أول ما أوجبه الله من العبادات، والصلوات الخمس تولى الله إيجابها بمخاطبة رسوله ﷺ ليلة المعراج.
وهي آخر ما وصى به النبي ﷺ أمته وقت فراق الدنيا، جعل يقول: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم).
وهي أول ما يحاسب عليه العبد من عمله، وآخر ما يفقد من الدين، فإذا ذهبت ذهب الدين كله.
وهي عمود الدين فمتى ذهبت سقط الدين، قال النبي ﷺ : (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله).
وقد قال الله في كتابه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩] قال عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره: إضاعتها تأخيرها عن وقتها، ولو تركوها كانوا كفاراً.
وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] والمحافظة عليها: فعلها في أوقاتها.
وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥]، وهم الذين يؤخرونها حتى يخرج الوقت].
هذا فيه بيان عظم شأن الصلاة وأنها عماد الدين، يقول المؤلف ﵀: عماد الدين الذي لا يقوم إلا به هو الصلوات الخمس المكتوبات؛ لأن الصلوات الخمس هي أفرض الفرائض وأوجب الواجبات بعد توحيد الله ، وهي صلة العبد بربه، فإذا ترك الصلاة قطع الصلة بينه وبين الله، فكيف يرجو الإنسان المدد من الله ويرجو رحمته وفضله وجوده وبره، وقد قطع الصلة بينه وبين ربه؟! وكيف يقر له قرار ويهنأ بعيش؟! ويهنأ بأكل وشرب ويتمتع بالحياة وقد قطع الصلة بينه وبين الله؟! فتارك الصلاة مقطوع الصلة بالله، فصلته بالله مبتورة.
فالصلوات الخمس المكتوبات -أي: المفروضات- هي عماد الدين، ولا يقوم الدين إلا بها، فمن ترك الصلاة فلا دين له، ولهذا قال المؤلف ﵀: ويجب على المسلمين من الاعتناء بها ما لا يجب من الاعتناء بغيرها.
كان عمر بن الخطاب ﵁ يكتب إلى عماله: إن أهم أمركم عندي الصلاة فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها من عمله أشد إضاعة.
والصلوات الخمس هي أول ما أوجب الله من العبادات، فقد شرعت في مكة ليلة المعراج بخلاف بقية شرائع الإسلام، فالزكاة والصوم والحج والأذان والحدود كلها فرضت في المدينة، لكن الصلاة لعظم شأنها فرضت في مكة، وفرضت فوق السبع الطباق، لما تجاوزها نبينا ﷺ .
وأيضاً: فرضت بدون واسطة بخلاف بقية شرائع الإسلام فإنها تكون بواسطة جبرائيل، فيوحي الله إلى جبرائيل فينزل بالوحي على محمد ﷺ .
أما الصلاة فإن الله كلم نبينا محمداً ﷺ من دون واسطة ليلة المعراج فوق السبع الطباق، ولهذا قال المؤلف: وهي أول ما أوجبه الله من العبادات، والصلوات الخمس تولى الله إيجابها بمخاطبة رسوله ليلة المعراج، يعني: من دون واسطة.
وهي آخر ما وصى به النبي ﷺ أمته وقت فراق الدنيا، جعل يقول: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم) يعني: الزموا الصلاة واعتنوا بها، وبالأرقاء الذين هم ملك الأيمان وهم العبيد والإماء، فالنبي ﷺ يوصي بالعناية بهم، وعدم إيذائهم وظلمهم.
والصلاة أول ما يحاسب عليه العبد من عمله، وآخر ما يفقد من الدين، فإذا ذهبت ذهب الدين كله، ونحو هذا روي عن الإمام أحمد أنه قال: الصلاة آخر ما يفقد من الدين وكل شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء.
وهي عمود الدين فمتى ذهبت سقط الدين، قال النبي ﷺ : (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة)، يعني: الذي جاء به النبي ﷺ رأسه الإسلام، وهو: الاستسلام لله تعالى بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك والبراءة منه وأهله.
وعموده الصلاة، وقد قال الله في كتابه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩] وهذا وعيد شديد، قال العلماء: معنى أضاعوا الصلاة: أخروها عن وقتها ومعنى: غياً: هو شدة العذاب والهلاك، وقيل: واد في جهنم.
قال عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره: إضاعتها: تأخيرها عن وقتها ولو تركوها كانوا كفاراً.
فهذا يدل على أن ابن مسعود ﵁ يرى أن ترك الصلاة كفر.
وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨]، والمحافظة عليها فعلها في أوقاتها.
وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥] وهم الذين يؤخرونها حتى يخرج الوقت؛ فإذا كان الذي يؤخر الصلاة متوعد بالويل وهو شدة العذاب، فكيف يكون حال تارك الصلاة؟ فقد دلت النصوص على أنه كافر، قال ﵊: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵁.
وقال ﵊: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر).
رواه الإمام أحمد وأهل السنن.
والبينية تفصل بين الشيء وغيره، فجعل النبي ﷺ الصلاة حداً فاصلاً بين الإسلام وبين الكفر.
وقال ﵊: (من ترك صلاة العصر حبط عمله).
رواه البخاري في صحيحه.
والذي يحبط عمله هو الكافر، فالنصوص الكثيرة والواضحة تدل على كفر تارك الصلاة، وقد نقل إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي الجليل، قال: كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئاً تركه كفر غير الصلاة.
стр. 140
أعذار تأخير الصلاة عن وقتها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد اتفق المسلمون على أنه لا يجوز تأخير صلاة النهار إلى الليل، ولا تأخير صلاة الليل إلى النهار، لا لمسافر ولا لمريض ولا غيرهما، لكن يجوز عند الحاجة أن يجمع المسلم بين صلاتي النهار وهي الظهر والعصر في وقت إحداهما، ويجمع بين صلاتي الليل وهي المغرب والعشاء في وقت إحداهما، وذلك لمثل المسافر والمريض وعند المطر، ونحو ذلك من الأعذار].
يجوز عند الحاجة أن يجمع المسلم بين صلاتي النهار وهما الظهران أي: الظهر والعصر في وقت إحداهما، فيجمعهما جمع تقديم، فيصلي الظهر مع العصر في وقت الظهر، أو يجمعهما جمع تأخير فيصلي الظهر مع العصر في وقت العصر، وكذلك يجمع بين صلاتي الليل وهما العشاءان، أي: المغرب والعشاء في وقت إحداهما، فيصلي المغرب والعشاء في وقت المغرب، وهذا جمع تقديم، أو يؤخر المغرب إلى وقت العشاء فيصليهما معاً، وهذا جمع تأخير، وذلك لمثل المسافر والمريض.
وعند اشتداد المطر إذا تأذى منه الناس في البلد فيجوز الجمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم دفعاً للمشقة، ونحو ذلك من الأعذار كالخوف.
стр. 141
الأحوال التي يكون فيها التيمم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أوجب الله على المسلمين أن يصلوا بحسب طاقتهم، كما قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، فعلى الرجل أن يصلي بطهارة كاملة وقراءة كاملة وركوع وسجود كامل، فإن كان عادماً للماء، أو يتضرر باستعماله لمرض أو برد أو غير ذلك وهو محدث أو جنب يتيمم الصعيد الطيب وهو التراب يمسح به وجهه ويديه ويصلي؛ ولا يؤخرها عن وقتها باتفاق العلماء].
المسلم يصلي بحسب طاقته، فيصلي قائماً، فإن عجز صلى قاعداً، فإن عجز صلى على جنبه لقول النبي ﷺ لـ عمران بن حصين: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب).
يعني: على جنبه الأيمن.
زاد النسائي: (فإن لم تستطع فمستلقياً) بأن يستلقي ورجلاه إلى القبلة، وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه، فالعاجز عن الوقوف يصلي قاعداً، والعاجز عن القعود يصلي على جنبه، والعاجز على صلاة الجنب يصلي مستلقياً.
وكذلك يجب على الإنسان أن يتوضأ، فإذا عجز عن استعمال الماء أو لم يجده انتقل إلى التيمم بالتراب فينوي ويسمي الله فيقول: باسم الله، ويضرب بيديه الأرض ضربة واحدة مفرجتي الأصابع فيسمح بهما وجهه، ثم يضرب بيديه الأرض مرة أخرى وجهه ويمسح يديه ظاهرهما وباطنهما إلى الكفين كما في حديث عمار، ولا يؤخرها عن وقتها باتفاق العلماء.
وبعض الناس إذا كان مريضاً في المستشفى لا يصلي، فإذا قلت له: يا فلان لماذا لم تصل؟ قال: يا أخي، إن ثيابي نجسة وفيها دماء ولا أستطيع، لكن إن شاء الله إذا خرجت من المستشفى تطهرت وصليت، فهذا غلط كبير يجب على الزائرين أن ينبهوا المرضى، فالصلاة لا تؤخر عن وقتها، فيجب عليه أن يصلي على حسب حاله، فإن كان لا يستطيع أن يتوضأ بنفسه يوضئه شخص آخر، وإن كان لا يستطيع الاستنجاء بالماء يستجمر بالمناديل أو الورق الخشنة ثم يتوضأ، فإن عجز يتيمم بالتراب للحدث الأكبر أو الأصغر، فإن عجز عن ذلك ييممه من حوله، فينوي ويضرب بيديه التراب ويمسح بهما وجهه ويديه، ويصلي الصلاة في وقتها ولا يعيد.
كذلك أيضاً يصلي على السرير، فإذا كان يستطيع التوجه إلى القبلة يتوجه، وإذا لم يستطع فيصلي على حسب حاله، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ويقول النبي ﷺ لـ عمران: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب).
ولا يؤخر الصلاة عن وقتها بحجة أنه إذا خرج من المستشفى فإنه سيصلي، فقد يموت ويترك الصلاة.
فهذا الأمر ينبغي لطلبة العلم أن ينبهوا المرضى عليه، أنه يجب على المريض أن يصلي على حسب حاله إذا كان العقل معه، وما عجز عنه يسقط، أما إذا فقد العقل ارتفع التكليف، إلا إذا كان في غيبوبة مثلاً لمدة يوم أو يومين أو ثلاثة أيام أو أكثر، فإنه يقضي الصلاة في هذه المدة، أما إذا طالت الغيبوبة وفقدان الشعور لمدة أسبوع أو أسبوعين فيعتبر كالمجنون وكالنائم والمغمى عليه مدة طويلة فيسقط عنه التكليف فلا يجب عليه القضاء.
стр. 142
حكم صلاة فاقد الطهورين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك إذا كان محبوساً، أو مقيداً، أو زمناً، أو غير ذلك صلى على حسب حاله، وإذا كان بإزاء عدوه صلى أيضاً صلاة الخوف، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء:١٠١ - ١٠٢] إلى قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء:١٠٢] إلى قوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]].
وإذا كان الإنسان محبوساً في أرض نجسة؛ وليس عنده ماء ولا تراب أو كان مصلوباً على خشبة، أو كان زمناً بأن مرض مرضاً فلا يستطيع الحركة، فإنه يصلي على حسب حاله، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، أما من فقد الماء والتراب فيسمى فاقد الطهورين، فينوي ويصلي ولا يعيد الصلاة، والدليل على ذلك ما ثبت عن النبي ﷺ في بعض الغزوات، ومعه زوجته عائشة فسقط منها عقد كانت تتجمل به، فأرسل النبي ﷺ جماعة يبحثون عنه وحان وقت الصلاة وليس معهم ماء ولم يشرع التيمم، فصلوا بغير ماء ولا تراب، ولم يأمرهم النبي ﷺ بإعادتها.
فدل ذلك على أن الإنسان إذا كان ما عنده ماء ولا تراب فصلى بدون أحدهما فصلاته صحيحة، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].
стр. 143
كيفية صلاة الخوف
وكذلك إذا كان بإزاء عدوه صلى صلاة الخوف، ولو كان يركض ركضاً، ويومئ بالركوع وبالسجود حتى لا يدركه الأذى، وهذه الصلاة تسمى صلاة المطلوب.
وقد صلى النبي ﷺ صلاة الخوف على وجوه متعددة، فإذا كان العدو جهة القبلة كان النبي يصفهم صفين، وكبر وكبروا جميعاً، ثم ركع وركعوا جميعاً، ثم رفع ورفعوا جميعاً، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وبقي الصف الثاني يحرسهم من خلفهم، ثم قام إلى الركعة الثانية وتقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم ركع وركعوا جميعاً، ثم رفع ورفعوا جميعاً، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، الذي كان هو الصف المؤخر، ثم لما انتهى من الركعة الثانية قامت كل طائفة وأتت بركعة فسلم بهم جميعاً.
وصلى بكل طائفة ركعتين ركعتين.
وإذا كان العدو في غير جهة القبلة صلى بهم إلى غير القبلة، ولها وجوه متعددة، قال الإمام أحمد: ثبتت صلاة الخوف عن النبي ﷺ ستة أوجه أو سبعة أوجه، وكلها جائزة والله تعالى بينها في كتابه قال: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء:١٠١] والضرب في الأرض هو السفر.
ثم قال تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء:١٠١ - ١٠٢] أي: إذا كانوا خائفين فيصلون ومعهم السلاح، إذا كان فيهم من يشق عليه حمله أو كان مريضاً فيضعه مع أخذ الحذر، ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣].
стр. 144
حكم تارك الصلاة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجب على أهل القدرة من المسلمين أن يأمروا بالصلاة كل أحد من الرجال والنساء حتى الصبيان.
قال النبي ﷺ : (مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم على تركها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع).
والرجل البالغ إذا امتنع من صلاة واحدة من الصلوات الخمس، أو ترك بعض فرائضها المتفق عليها؛ فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل.
فمن العلماء من يقول: يكون مرتداً كافراً لا يصلى عليه ولا يدفن بين المسلمين.
ومنهم من يقول: يكون كقاطع الطريق وقاتل النفس والزاني المحصن].
يجب على القادر أن يأمر بالصلاة ولا سيما في بيته، فيأمر الرجال والنساء حتى الصبيان، لقول النبي ﷺ : (مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر).
فإذا بلغ الصبي سبع سنين فإنه يؤمر بالصلاة، حتى يبلغ عشراً، فإذا بلغ العشر فيؤمر بالصلاة، فإن رفض الصلاة أو تركها ضُرِبَ ضربَ تأديب لا ضرب تعذيب، فلا يجرح ولا يكسر العظم.
فإذا بلغ وامتنع عن الصلاة فإنه يستتاب من قبل ولاة الأمور فإن تاب وإلا قتل.
إذاً: الصبي إذا بلغ سبع سنين فإنه يؤمر ولا يضرب إذا امتنع، فإذا بلغ عشر سنين فيؤمر فإن امتنع ضرب، فإذا بلغ خمس عشرة سنة أو نبت في عانته شعر خشن أو احتلم وامتنع عن الصلاة فيستتاب من قبل ولاة الأمور وإلا قتل.
فمن العلماء من يقول فيه: يكون مرتداً كافراً لا يصلى عليه، ولا يدفن بين المسلمين؛ لأنه يكون كافراً، وهذا هو الراجح أو الأصح لقول النبي ﷺ : (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة)، وقوله ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر).
وقال بعض أهل العلم: يكون مسلماً لكن حكمه حكم مرتكب الكبيرة فيقتل، كقاطع الطريق وقاتل النفس، والزاني المحصن فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت، لكن هؤلاء يصلى عليهم؛ لأنهم مسلمون.
والصواب: أن ترك الصلاة كفر، وتاركها كافر ولو لم يجحد وجوبها، أما إذا جحد وجوبها فهو كافر بإجماع المسلمين بغير خلاف، كأن يقول: الصلاة ليست واجبة، أما إذا كان يعتقد بقلبه ويقول بلسانه أن الصلاة واجبة، لكن تركها كسلاً وتهاوناً، فهذا هو محل الخلاف بين العلماء، والصواب أنه يقتل كفراً، وقال آخرون من أهل العلم: يقتل حداً.
стр. 145
أهمية الصلاة ومكانتها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأمر الصلاة عظيم شأنها أن تذكر ههنا، فإنها قوام الدين وعماده، وتعظيمه تعالى لها في كتابه فوق جميع العبادات، فإنه سبحانه يخصها بالذكر تارة، ويقرنها بالزكاة تارة، وبالصبر تارة، وبالنسك تارة كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، وقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥]، وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
وتارة يفتتح بها أعمال البر ويختمها بها كما ذكره في سورة ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ [المعارج:١]، وفي أول سورة المؤمنين، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ١١]].
هذا فيه بيان مكانة الصلاة وأهميتها، فإنها قوام الدين، يعني: لا يقوم الدين إلا بها، وهي عماد الدين كما قال النبي ﷺ : (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة).
والشيء الذي هو قوام الدين وعماده هو أهم المهمات، فالصلاة أوجب الواجبات بعد توحيد الله ، والله تعالى عظمها في كتابه فوق جميع العبادات، ولها ميزة وخصوصية ليست لغيرها، فإنه سبحانه يخصها بالذكر تارة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، وتارة يقرنها بالزكاة: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، وتارة يقرنها بالصبر: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥]، وتارة يقرنها بالنسك وهو الذبح: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام:١٦٢].
وتارة يفتتح بها أعمال البر ويختمها بها لعظم شأنها، فالله تعالى يذكر أعمال البر ويبدؤها بالصلاة ويختمها بالصلاة لعظم شأنها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج:١٩ - ٢٢]، ثم ذكر أوصافهم وافتتحها بالصلاة فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:٢٩]، إلى أن قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج:٢٩ - ٣٤]، فختم الله أعمال البر بالصلاة، ثم قال سبحانه: ﴿أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج:٣٥].
وقال في سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] والوصف الأول من أوصافهم الصلاة: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٢ - ٩] ختمها بالصلاة، ثم قال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠ - ١١].
следующие страницы →