Полный текст (155 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
منهج أهل السنة في الرؤية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ودين الله وسط بين تكذيب هؤلاء بما أخبر به رسوله ﷺ في الآخرة وبين تصديق الغالية بأنه يرى بالعيون في الدنيا، وكلاهما باطل].
دين الله وسط بين تكذيب هؤلاء الذين يكذبون بالنصوص التي فيها أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وبين تصديق الغلاة الذين يقولون: إن الله يرى بالعيون في الدنيا، وكلاهما باطل، فدين الله وسط بين الغالي والجافي.
فالصوفية قالوا: إن الله يراه كل أحد، وأنه ينزل في عشية عرفة ويسامر ويصافح، وأن كل خضرة في الدنيا قد يكون الله فيها، وأنه يرى في بعض سكك المدينة ويرى في الأمكنة.
والمعطلة يقولون: إن الله لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة، وقالوا: من قال: إن الله يرى في الآخرة كفر، فالمؤلف يقول: دين الله وسط بين الغالي والجافي، وهو الحق، فنقول: إن الله يرى في الآخرة ولا يرى في الدنيا.
стр. 72
منهج أهل الحلول في الرؤية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء الذين يزعم أحدهم أنه يراه بعيني رأسه في الدنيا هم ضلال كما تقدم، فإن ضموا إلى ذلك أنهم يرونه في بعض الأشخاص: إما بعض الصالحين، أو بعض المردان، أو بعض الملوك أو غيرهم عظم ضلالهم وكفرهم، وكانوا حينئذٍ أضل من النصارى الذين يزعمون أنهم رأوه في صورة عيسى ابن مريم].
يعني: أن هؤلاء الذين يزعم أحدهم أنه رآه بعين رأسه هم ضُلاّل من الصوفية وغيرهم، فإن قالوا مع ذلك: إنه يرى في بعض الأشخاص أو في بعض الصالحين أو بعض المردان أو بعض الملوك عظم ضلالهم؛ لأن بعضهم يرون أن الله حل في المخلوقات، ويقولون: إن الله حل في بعض الصالحين، فإذا رأيت الصالح فقد رأيت الله؛ لأن الله حل فيه، نعوذ بالله.
وبعضهم يقول: إن الله حل في بعض المردان، والأمرد هو: الذي لا لحية له، أو يقول: إنه حل في بعض الملوك، وكل هؤلاء ظلال وكفار، وهم أضل من النصارى الذين يزعمون أنهم رأوا الله في صورة عيسى، فالنصارى يقولون: إنهم رأوا الله في صورة عيسى، وهؤلاء الضلال يقولون: إنهم رأوه في كل مكان وفي بعض الملوك أو بعض الصالحين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل هم أضل من أتباع الدجال الذي يكون في آخر الزمان ويقول للناس: أنا ربكم، ويأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، ويقول للخربة: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها].
يعني: أن هؤلاء الضلال الذين يقولون: إن الله يرى في الدنيا أشد ضلالاً من أتباع الدجال، والدجال هو من بني آدم يدعي الصلاح، ثم النبوة، ثم الربوبية، وهو كافر مكتوب بين عينيه (ك ف ر)، فهؤلاء الذين يقولون: إن الله يرى في الدنيا أضل من أتباع الدجال الذي يكون في آخر الزمان ويقول للناس: أنا ربكم، ويأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، ويقول للخربة: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها، كما أخبر بذلك النبي ﷺ .
стр. 73
أصناف الحلولية والاتحادية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء قد يسمون الحلولية والاتحادية، وهم صنفان: قوم يخصونه بالحلول أو الاتحاد في بعض الأشياء، كما يقوله النصارى في المسيح ﵇، والغالية في علي ﵁ ونحوه.
وقوم في أنواع من المشايخ، وقوم في بعض الملوك، وقوم في بعض الصور الجميلة، إلى غير ذلك من الأقوال التي هي شر من مقالة النصارى.
وصنف يعممون فيقولون بحلوله أو اتحاده في جميع الموجودات حتى الكلاب والخنازير والنجاسات وغيرها كما يقول ذلك قوم من الجهمية ومن تبعهم من الاتحادية كأصحاب ابن عربي وابن سبعين وابن الفارض والتلمساني والبلياني وغيرهم].
ذكر المؤلف ﵀ فيما سبق: أن من الناس من يضل فيُجوِّز أن يرى ربه في الدنيا في صورة البشر، كهؤلاء الضلال الذين يعتقدون ذلك، وذكر أن هؤلاء يسمون بالحلولية والاتحادية، ثم بين ﵀ أن الحلولية والاتحادية صنفان: الصنف الأول: قوم يخصونه بالحلول أو الاتحاد في بعض الأشياء، والصنف الثاني: يعممون القول بالحلول والاتحاد، ومعنى الحلول: هو قولهم: إن الله حل في بعض الناس والعياذ بالله! وهذا كفر وضلال.
والاتحادية يقولون: اتحد الله مع بعض الناس وصار معهم شيئاً واحداً، فالاتحادية يقولون: الوجود واحد، فالعبد هو الرب والرب هو العبد، فقد اتحدا، يعني: صارا شيئاً واحداً، فلا فرق بين العبد والرب، فالعبد هو الرب والرب هو العبد، وممن يقول بهذا ابن عربي.
فالصنف الأول: قوم يخصونه بالحلول والاتحاد في بعض الأشياء لا في جميع المخلوقات، وقوم يعممون في جميع المخلوقات، فيقولون: الله حل في كل المخلوقات، والعياذ بالله! إذاً: فالذين يعممون يقولون: ليس في الوجود إلا الله، فالله هو العبد والعبد هو الله، والرب هو العبد والعبد هو الرب، ولا يوجد وجودان، وإنما هو وجود واحد، فهذا الوجود الذي تراه هو الخالق وهو المخلوق، فأنت الرب وأنت العبد! فهؤلاء يعممون الوجود، وهناك طائفة أخرى يخصصون، فيقولون: الله حل في بعض الأشياء لا في جميعها، كما يقول النصارى في المسيح ﵇، فالنصارى يقولون: إن الله حل في المسيح ﵊ فقط ولم يحل في غيره، ويقولون: إن المسيح هو الله -والعياذ بالله-، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة.
وكذلك الغالية من الرافضة الذين يقولون: إن الله حل في علي، ويقولون: علي هو الإله، والله حل فيه ولم يحل في غيره.
وكذلك هناك قوم يخصون الحلول في أنواع من المشايخ، يعني: مشايخ الصوفية، فبعضهم يقول: إن الله حل في بعض شيوخ الصوفية.
وهناك قوم يخصون ويقولون: إن الله حل في بعض الملوك، وقوم يقولون: إن الله حل في بعض الصور الجميلة، إلى غير ذلك من الأقوال التي هي شر من مقالة النصارى، ولا شك أن هذه الأقوال شر من مقالة النصارى؛ لأن النصارى خصصوا الله بالمسيح، وهؤلاء جعلوه في أنواع من مشايخ الصوفية.
والصنف الثاني يعممون فيقولون بحلوله أو اتحاده في جميع الموجودات، ويقولون: الله حل في جميع الموجودات واتحد مع جميع الموجودات، بحيث إن كل مخلوق هو الله؛ لأنه اتحد به، يقول المؤلف: حتى الكلاب والخنازير والنجاسات، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
ويقولون: إن الله حل في أجواف الطيور وبطون السباع، كما يقول ذلك قوم من الجهمية ومن تبعهم من الاتحادية، كأصحاب ابن عربي، وابن عربي هذا هو محمد محيي الدين بن عربي وهو رئيس الاتحادية -والعياذ بالله-، وكذلك ابن سبعين وابن الفارض وكلهم من الاتحادية، وهكذا التلمساني والبلياني وغيرهم، وهؤلاء من أكفر خلق الله.
فإن قيل: أيهما أشد كفراً الحولية أم الاتحادية؟ وهل الحلولية والاتحادية شيء واحد أو شيئان؟ ف
الجواب
أن بعضهم يرى أن المعنى واحد، وأن القول بالحلول والاتحاد واحد، ويرى آخرون أن الحلولية والاتحادية صنفان، فالحلولية هم الذين يقولون: إن الله حل في بعض المخلوقات، فيقولون: بوحدة الاثنين؛ أحدهما حل في الآخر، والاتحادية أعظم كفراً فيقولون: اتحد الخالق بالمخلوق، فليس هناك تعدد فالوجود واحد.
стр. 74
عقيدة ابن عربي
وهؤلاء رئيسهم ابن عربي، فـ ابن عربي يقول: الرب عبد والعبد رب يا ليت شعري من المكلف إن قلت عبد فذاك رب أو قلت رب أنى يكلف فاشتبه عليه الأمر والعياذ بالله! ومن أقوال ابن عربي: رب مالك، وعبد هالك، وأنت ذلك، العبد فقط والكثرة وهم، فما تراه من الأشخاص توهم وإلا فالوجود واحد، وكل ما تراه مظاهر لتجلي الله ولتجلي الحق، نعوذ بالله! ويقول ابن عربي: إن من أسماء الله الحسنى العلي، ثم يقول: علي على ماذا؟ ليس في الوجود إلا هو! نسأل الله السلامة والعافية، وهؤلاء من أكفر خلق الله.
وابن عربي لا ريب في قوله بوحدة الوجود، وهو يدعي أنه من كبار العارفين، وهناك من يقدس ابن عربي ويعظمه ويحترمه، وهناك من ينتصر له ويقول: إنه من كبار العارفين، وتطبع مؤلفات الاتحادية بورق ثقيل وهناك من يعتذر عن ابن عربي، وابن عربي له مؤلفات منها: الفتوحات المكية، وكتاب فصوص الحكم، وكتابه فصوص الحكم يعارض فيه القرآن، ويفسر القرآن بتفسيرات كفرية إلحادية، فيقول مثلاً: فصل نوح، ويأتي بقصة نوح، فصل هود وعاد، ويقول: إن الوجود واحد، وكل من عبد شيئاً فهو على صواب! فمن عبد الأصنام فهو على صواب! ومن عبد النار فهو على صواب! ومن عبد البشر فهو على صواب! ومن عبد الحجر فهو على صواب! ويكفر بالتخصيص، فيقول: الذي يمنع ويخصص ولا يعبد من البشر أحداً فهذا كافر! ويقول: سر حيث شئت فالله ثمَّ، وقل ما شئت فالواسع الله، وكل شيء تراه هو الله! ومن فروع هذا المذهب أن كل من عبد شيئاً فهو على صواب، ويقول: إن فرعون مصيب حينما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]؛ لأن الله يتجلى في صورة معبود كما تجلى في صورة فرعون، ويتجلى في صور هادٍ كما يتجلى في صورة رجل، فكل من عمل شيئاً فهو على صواب! والذي يمنع من عبادة شيء فهو كافر! والذي يخصص ويقول: لا يعبد إلا شيء واحد فهو كافر، والعياذ بالله! وفسر قصة موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام وقصة إغراق الله فرعون فقال: إن فرعون أغرق ليزول الحسبان والتوهم؛ فإن فرعون قال: (أنا ربكم الأعلى) فخص نفسه فقط، وكل الناس أرباب، وليس خاصاً به، فلما توهم هذا التوهم أغرق تطهيراً له؛ ليزول الوهم والحسبان، حتى لا يتوهم أنه هو الرب وحده.
ويقول: إن موسى ﵇ لما ذهب لميقات ربه ورجع إلى بني إسرائيل وجدهم يعبدون العجل ومعهم هارون، وهارون نصحهم وعجز عنهم وكادوا يقتلونه، ولما جاء موسى أخذ برأس أخيه يجره إليه من شدة الغضب وذلك عندما أخبره الله أن بني إسرائيل عبدوا العجل، لكن لما رآهم يعبدون العجل اشتد غضبه وألقى الألواح حتى تكسرت من شدة الغضب، وعفا الله عنه؛ لأنه غلطان! فقد ألقاها وفيها كلام الله، ثم أخذ بلحية أخيه هارون - وهو نبي مثله - يجره من شدة الغضب: كيف تتركهم يعبدون العجل؟ فقال له هارون: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه:٩٤] فهو أخوه من أمه وأبيه، لكن قال: (يَبْنَؤُمَّ) من باب الاستعطاف ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه:٩٤].
يقول ابن عربي: إنما أخذ موسى بلحية هارون إنكاراً عليه حيث أنكر على القوم عبادة العجل، وقال: لِمَ لم تتركهم يعبدون العجل؟! والعياذ بالله! فالمقصود: أن ابن عربي هذا من أكفر خلق الله لرؤيته وحدة الوجود، ومثله ابن الفارض وابن سبعين والتلمساني، فكل هؤلاء من رءوس الكفر والعياذ بالله! فهم صوفية اتحادية ملاحدة.
وهم أشد كفراً من الحلولية؛ لأن الحلولية يثبتون وجودين، ولكن أحدهما حل في الآخر، والاتحادية يقولون: ليس هناك تعدد الوجود، بل هو واحد لا اثنين ولا تعدد، ولهذا يقولون: من قال عن الاتحادية: إنهم حلولية يقولون: أنت محجوب عن معرفة سر المذهب، ولا تعرف المذهب!
стр. 75
طبقات الناس عند ابن عربي
وابن عربي يقسم الناس إلى أقسام: عامة، وخاصة، وخاصة الخاصة، فالعامة عليهم التكاليف، من صلاة وقيام وزكاة وحج وذكر.
ومن العامة جميع الأنبياء والمرسلين.
ثم الخاصة، وهؤلاء عندهم طاعات وليس عندهم معاصٍ، والعامة عندهم طاعات ومعاصٍ، وأما الخاصة فإنهم وصلوا إلى درجة ارتفعت عنهم التكاليف وليس عندهم معاصٍ، فكل ما يفعلونه طاعات، حتى ولو فعلوا الكفر والزنا والسرقة فهي طاعات؛ لأنهم تجاوزوا التكاليف.
وهناك خاصة الخاصة وهم الذين وصلوا إلى القول بوحدة الوجود والعياذ بالله! ويقول: إن العامة لهم أذكار، وأذكارهم: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر.
وأما الخاصة فيكفيهم في الذكر لفظ الجلالة، فلا يحتاج أحدهم أن يقول: لا إله إلا الله، بل يقول: الله، الله، الله، الله، الله، الله، الله، الله فهذه أذكار الخاصة.
ومن كان من خاصة الخاصة فلا يحتاج إلى لفظ الجلالة كاملة، بل يكتفي بالهاء من لفظ الجلالة، فتصير: هو، هو، هو، هو، هو، هو وهكذا، فهذه أذكار خاصة الخاصة، وهؤلاء موجودون الآن في كل مكان.
فتجد الصوفية في كل مكان، ولهم في كل بلد مئات الطرق، ولكل طريقة شيخ يقودهم إلى النار.
فبعض الطرق كفر، وبعضها بدع وهكذا، ولفظ (هو) أو (الله) ليست ذكراً وليس جملة مفيدة، فلفظ الجلالة وحده ليس فيه ذكر، ولا يفيد القلوب إيماناً ولا تقوى؛ إذ لابد للذكر أن يكون جملة مفيدة كالله أكبر، أو سبحان الله، أو الحمد لله، أما الله، الله، الله، الله فهذا ليس ذكراً.
وأما خاصة الخاصة فيأخذون الهاء فقط ويقولون: هو هو هو، يقول بعض الناس: ذهبت إلى أفريقيا فوجدت جماعة صوفية يجلسون من بعد العصر إلى غروب الشمس وهم يقولون: الله الله الله الله الله الله الله الله، وبعضهم يدور حتى يسقط ويغمى عليه، نسأل الله السلامة والعافية.
ويقول ابن عربي: عندي دليل على أن ذكر خاصة الخاصة (هو)، حتى إنه ألف كتاباً سماه كتاب (الهو) وقال: عندي دليل من القرآن على أن ذكر الخاصة (الله)، فاستدل بقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام:٩١]، فهذا دليل على أن هذا ذكر الخاصة (الله).
ويقول: الدليل على أن ذكر خاصة الخاصة (هو) قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران:٧] فهذا دليل على أن (هو) ذكر خاصة الخاصة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فقلت لبعض الصوفية: لو كان كما تقول: لكتبت الهاء منفصلة عن الكلمة التي قبلها وكتبت: (وما يعلم تأويل هو) لكن الآية فيها أن الهاء مرتبطة بما قبله: (وما يعلم تأويله)، والاتحادية والحلولية لا يؤمنون بالقرآن، لكن هذا من باب التغطية والنفاق وذر الرماد في العيون؛ حتى يدلسوا ويموهوا على الناس أنهم يعملون بالقرآن، وإلا فإن بعض الصوفية لما قيل له: إن القرآن يخالف ما تنكرون، قال: القرآن كله شرك من أوله إلى آخره والحق ما نقول، نعوذ بالله! وكثير من الصوفية الملاحدة إذا أذن المؤذن شتمه وقال: لأنه يذكر الله وهو يريد أن ينسى كل شيء! وإذا نبح الكلب أو نهق الحمار أثنى عليه؛ لأن الحمار والكلب ينسيه، والمؤذن يذكره بالله! وهذا المؤذن يثبت اثنين: أحدهما خالق والآخر مخلوق، والحمار والكلب ينسيه فلا يذكر إلا شيئاً واحداً أنه هو الرب وهو العبد.
والخاصة عندما يريدون أن يتوصلوا إلى مرتبة خاصة الخاصة يقولون له: انس كل شيء حتى نفسك، ولا تشاهد إلا الله حتى يغلب الشهود عليك، فيظن أنه هو الله، وأن الله اتحد به، فالمؤذن حينما يذكر الله يثبت اثنين؛ فلذلك يشتمه الصوفية الملاحدة قبحهم الله وأخزاهم.
فالمقصود: أن الاتحادية الآن من أكفر خلق الله، والحلولية أخف كفراً؛ لأنهم يقولون بوجود اثنين أحدهما حل في الآخر، والاتحادية يقولون: الوجود واحد، فقد اتحد الخالق بالمخلوق، بل ليس هناك خالق ولا مخلوق بل الوجود واحد، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
стр. 76
مخالفة الاتحادية والحلولية للشرع والعقل والحس
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومذهب جميع المرسلين ومن تبعهم من المؤمنين وأهل الكتاب أن الله سبحانه خالق العالمين، ورب السموات والأرض وما بينهما، ورب العرش العظيم، والخلق جميعهم عباده وهم فقراء إليه].
هذا مذهب جميع المرسلين الذين أرسلهم الله ومن تبعهم من المؤمنين وأهل الكتب: أن الله سبحانه خالق العالمين، ورب السموات والأرض وما بينهما، ورب العرش العظيم، والخلق جميعهم عباده وهم الفقراء إليه.
وهذا فيه إبطال لمذهب الحلولية والاتحادية الكفرة، الذين يقولون: الوجود واحد، وخالفوا جميع الأنبياء والمرسلين، وخالفوا جميع العقلاء، فإذا قلت للاتحادية: كلامكم هذا غير معقول مخالف للعقل، وينكره العقل والحس والسمع، قالوا: لن تفهم مذهبنا حتى تخرق الحس والعقل وتلغي عقلك فتكون مجنوناً! فحين تبطل كل هذه الأشياء تفهم المذهب.
فيصير بذلك كافراً والعياذ بالله! لأنه يترك الشرع ويلغي عقله ويكون مجنوناً حتى يفهم مذهب هؤلاء الملاحدة، وقالوا: لن تفهم الآن مذهبنا وأنت في إحساسك وشعورك ودينك، بل ألغ دينك وعقلك وشعورك وستفهم المذهب، فأنت الآن محجوب عن معرفة سر المذهب، نسأل الله السلامة والعافية، نعوذ بالله من زيغ القلوب.
والحلولية خالفوا جميع الأنبياء والمرسلين، وخالفوا ما عليه العقلاء، وخالفوا ما عليه الحس، ومذهب جميع المرسلين ومن تبعهم من المؤمنين أن الله سبحانه خالق العالمين ورب السموات والأرض وما بينهما ورب العرش العظيم، والخلق جميعهم عباده وهم فقراء إليه، وكل من في السموات والأرض سيأتي ربه يوم القيامة معبداً مجبوراً تنفذ فيه قدرة الله ومشيئته، قال الله : ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥].
стр. 77
معية الله وعلوه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهو سبحانه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، ومع هذا فهو معهم أينما كانوا، كما قال : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]].
هذا هو الذي دل عليه القرآن الكريم، وسنة نبيه ﷺ ، وأجمع عليه أهل الحق: أن الله سبحانه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ومنفصل، فلم يدخل فيه شيء من خلقه، ومع هذا فهو معهم أينما كانوا بعلمه وإحاطته واطلاعه، وهو فوق العرش، وهو مع المؤمنين بلطفه وتأييده وتوفيقه وتسديده، فالمعية معية عامة ومعية خاصة.
فالمعية العامة: عامة للمؤمن والكافر، فالله مع كل أحد بعلمه، فالمعية العامة معية علم واطلاع وإحاطة ونفوذ القدرة والمشيئة، وهو سبحانه مع الخلق كلهم بعلمه، فيعلم أحوالهم ويطلع عليهم ويحيط بهم، وهم في قبضته وتحت تصرفه، وتنفذ فيهم قدرته ومشيئته، ولا يمتنعون منه.
والمعية الخاصة للمؤمنين، فهو مع المؤمنين خاصة بلطفه وتأييده وتوفيقه وتسديده كما قال تعالى لنبيه: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، فهذه معية خاصة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، هذه معية خاصة، وأما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] فهذه معية عامة.
стр. 78
بيان ضلال غلاة الصوفية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهؤلاء الضلال الكفار الذين يزعم أحدهم أنه يرى ربه بعينيه، وربما زعم أنه جالسه وحادثه أو ضاجعه! وربما يعين أحدهم آدمياً إما شخصاً أو صبياً أو غير ذلك، ويزعم أنه كلمهم، يستتابون فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم وكانوا كفاراً؛ إذ هم أكفر من اليهود والنصارى الذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]، فإن المسيح رسول كريم وجيه عند الله في الدنيا والآخرة ومن المقربين، فإذا كان الذين قالوا: إنه هو الله وإنه اتحد به أو حل فيه قد كفرهم وعظم كفرهم بل الذين قالوا: إنه اتخذ ولداً حتى قال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٣] فكيف بمن يزعم في شخص من الأشخاص أنه هو؟ هذا أكفر من الغالية الذين يزعمون أن علياً ﵁ أو غيره من أهل البيت هو الله.
وهؤلاء هم الزنادقة الذين حرقهم علي ﵁ بالنار، وأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة، وقذفهم فيها بعد أن أجلهم ثلاثاً ليتوبوا، فلما لم يتوبوا أحرقهم بالنار، واتفقت الصحابة ﵃ على قتلهم، لكن ابن عباس ﵄ كان مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق، وهو قول أكثر العلماء، وقصتهم معروفة عند العلماء].
يبين المؤلف ﵀ أن هؤلاء الاتحادية والملاحدة والصوفية ضلال كفار؛ لأن هؤلاء الضلال الكفار يزعم أحدهم أنه يرى ربه بعينيه، وربما زعم أنه جالسه وحادثه وراجعه، ويقول: إن الله ينزل عشية عرفة على جمل، وإنه يحاضر ويسامر ويصافح ويعانق!! وبعضهم يقول كاليهود: إنه يندم ويحزن ويبكي! تعالى الله عما يقولون، فبعض الصوفية يزعم أنه يرى ربه بعينيه، وبعضهم يزعم أن الله يكون في الخضرة! فكل شيء أخضر يكون الله فيه، وهذا معروف عن الصوفية أنهم يقدسون الشيء الأخضر، فتجد عندهم اللمبة التي على الجدران خضراء، والمسبحة خضراء، والسجادة خضراء، وهكذا يقدسون الأخضر مثل النباتات، وكل شيء أخضر يقولون: لعل ربنا موجود فيها.
كذلك بعضهم يزعم أنه يحضر في المولد، فعندما يقيم المولد يزعم أن الله يحضر المولد ويسمونها الحضرة، فيقول: إن الله حضر هنا! تعالى الله عما يقولون.
وربما يعين أحدهم آدمياً إما شخصاً أو صبياً ويقول: إن الله حل في هذا! والعياذ بالله! وبعضهم يزعم أن الله كلمه! وكل هؤلاء يقول عنهم المؤلف ﵀: يستتابون فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم وكانوا كفاراً.
فمن زعم أنه يرى ربه بعينيه في الدنيا أو زعم أنه يجالس الله أو يحادثه أو يراجعه أو عين آدمياً أو صبياً فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافراً، وكفْر هؤلاء أعظم من كفر اليهود والنصارى؛ لأن النصارى قالوا: إن الله حلَّ في عيسى فقط، وأما هؤلاء فقالوا: حل في كل شيء في أشخاص وآدميين كثيرين؛ ولأن هؤلاء ملاحدة زنادقة، واليهود والنصارى أهل كتاب، وكفر أهل الكتاب أخف من كفر الملاحدة والمشركين والوثنيين.
فيقول المؤلف: إن هؤلاء أكفر من اليهود والنصارى الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، فإن المسيح رسول كريم وجيه عند الله في الدنيا والآخرة، كما أخبر الله عنه أنه وجيه في الدنيا والآخرة ومن المقربين، فإذا كان الذين قالوا: إن الله حل في المسيح أو الذين قالوا: إن الله هو المسيح قد كفرهم الله وعظم كفرهم، فقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧] وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، بل إن الله كفر الذين قالوا: إن الله اتخذ ولداً فقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم:٨٨ - ٨٩] يعني: أمراً عظيماً، ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم:٩٠]؛ من عظم هذا القول وهو القول بأن لله ولداً.
فهو أمر عظيم تكاد السماوات تتفطر وتتشقق: ﴿وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٠ - ٩٣]، فكل من في السموات والأرض يأتي عبداً لله، فكيف يقال: إن لله ولداً؟! تعالى الله.
стр. 79
منهج السبئية
فإذا كان الذي يقول: إن الله حل في المسيح والمسيح وجيه نبي كريم يكون كافراً، والله كفره وعظم كفره، فكيف بالذي يقول: إن الله حل في شخص من الأشخاص غير المسيح؟! لا شك أنه يكون كفره أعظم وأعظم.
ولهذا قال المؤلف: فكيف بمن يزعم في شخص من الأشخاص أنه هو؟ يعني: أنه الله، فهذا أكفر من الغالية الذين يزعمون أن علياً ﵁ أو غيره من أهل البيت هو الله، وغلاة الشيعة والرافضة يقولون: إن الله حل في علي وإن علياً هو الإله، فهؤلاء كفرة ملاحدة، وهؤلاء هم الزنادقة الذين حرقهم علي ﵁ بالنار، وهم أتباع عبد الله بن سبأ الذين غلو في علي، وقالوا: إن علياً هو الله.
فلما رأى ذلك علي ﵁ أنكر عليهم وأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة، وجعل فيها الحطب وأضرمها ناراً، ثم قذفهم فيها، ولم يقتلهم بالسيف بل حرقهم بالنار؛ لشدة غضبه عليهم وغيظه منهم، وقال لمولاه: لما رأيت الأمر أمراً منكراً أججت ناري ودعوت قنبراً فلما عذبهم بالنار زادوا في عبادته وسجدوا له، وقالوا: هذا هو الله الذي يعذب بالنار! نعوذ بالله، والصحابة جميعاً اتفقوا على أنهم يستحقون القتل، إلا أن ابن عباس خالف علياً في كيفية القتل، فكان مذهب ابن عباس أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق وهو قول أكثر العلماء، وقصتهم معروفة عند العلماء؛ وابن عباس استدل بحديث: (لا يعذب بالنار إلا رب النار)، وهذا هو الصواب، لكن علياً ﵁ لم يقتلهم بالسيف من شدة غضبه عليهم، أو لأنه خفي عليه النص الذي فيه: (أنه لا يحرق بالنار إلا رب النار).
وكذلك أبو بكر ﵁ وخالد بن الوليد في قتاله لأهل الردة حرق بعضهم بالنار، فلعله خفي عليهم النص، وإلا فقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ أمر بإحراق رجلين بالنار، ثم دعاهما فقال: (اقتلوهما بالسيف ولا تعذبوهما بالنار؛ فلا يعذب بالنار إلا رب النار)، أو كما قال ﵊.
стр. 80
شرح الوصية الكبرى لابن تيمية [٨]
لقد حذر ديننا من الغلو والإفراط في الصالحين؛ فإن ذلك بوابة إلى الشرك بالله تعالى، وما خبر قوم نوح عنا ببعيد، ومن الغلو الحلف ببعض المخلوقات من الأولياء وغيرهم، فيعظمها بعضهم حتى يبلغ به الحال أن يحلف بها، وينذر لها، ويصرف لها شتى العبادات من دون الله أو مع الله، وما ذلك إلا بسبب مخالفة الدين، والابتعاد عن شرع رب العالمين.
стр. 81
التحذير من الغلو في الصالحين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك الغلو في بعض المشايخ، إما في الشيخ عدي ويونس القني أو الحلاج وغيرهم].
يونس القني هو يونس بن يوسف بن مساعد الشيباني المخارقي الجزري القني الزاهد.
قال الذهبي في السير: أحد الأعلام، شيخ اليونسية أولي الزعارة والشطح.
والقني نسبه إلى قرية القنية، والقنية قرية من أعمال دارا من نواحي ماردين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل الغلو في علي بن أبي طالب ﵁، ونحوه بل الغلو في المسيح ﵇ ونحوه.
فكل من غلا في حي أو في رجل صالح كمثل علي ﵁ أو عدي أو نحوه، أو فيمن يُعتقد فيه الصلاح كـ الحلاج أو الحاكم الذي كان بمصر أو يونس القني ونحوهم وجعل فيه نوعاً من الإلهية مثل أن يقول: كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ما أريده، أو يقول إذا ذبح شاة: باسم سيدي، أو يعبده بالسجود له أو لغيره، أو يدعوه من دون الله مثل أن يقول: يا سيدي فلان! اغفر لي، أو ارحمني، أو انصرني، أو ارزقني، أو أغثني، أو أجرني، أو توكلت عليك، أو أنت حسبي، أو أنا في حسبك أو نحو هذه الأقوال والأفعال التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله تعالى، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لنعبد الله وحده لا شريك له، ولا نجعل مع الله إلهاً آخر].
هذا الفصل الثاني بين فيه المؤلف ﵀ حكم الغلو في الأحياء والأموات، فقال: وكذلك الغلو في بعض المشايخ فمن غلا في بعض المشايخ وجعل فيه نوعاً من الإلهية فإنه مشرك كافر مرتد، والعياذ بالله.
وسواء كان هذا الغلو في بعض العلماء كالشيخ عدي بن مسافر الذي وجه المؤلف له هذه الرسالة، أو يونس القني، أو الحلاج الذي قتل، أو الغلو في علي ﵁، أو الغلو في المسيح عيسى ابن مريم، أو غيرهم؛ فكل من غلا في حي، أو ميت، أو في رجل صالح كمثل علي، أو عدي، أو فيمن اعتقدوا فيه الصلاح كـ الحلاج، أو الذي كان بمصر هو الحاكم بن عبيد أو يونس القني وجعل فيه نوعاً من الإلهية فإنه يكون كافراً مرتداً، فيستتاب فإن تاب وإلا قتل كافراً؛ لأن هذا مصادم لدين الله، ومصادم للتوحيد الذي بعث الله به رسله.
ومن الصور التي يجعل فيها للصالح نوع من الإلهية أن يدعوه من دون الله فيطلب منه الرزق، أو يقول: كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ما أريده، فإنه بهذا اعتقد أنه هو الذي يرزق، قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:١٦ - ١٧].
فمن اعتقد في شخص أنه هو الذي يرزق ويقول: كل رزق لا يرزقنيه شيخ الصوفية فلان أو شيخ الطريقة فلان ما أريده فهذا يكون كافراً، وهذا من الغلو، فيكون مشركاً، فهو يعتقد أن فلاناً يرزق، وهذا نوع من الإلهية، وهو شرك يستتاب منه فإن تاب وإلا قتل، وهكذا إذا ذبح شاة وقال: باسم سيدي فلان، فهذا أشرك بالله لأنه ذكر عليها اسم السيد، قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:١٢١]، أو يعبده من دون الله ويسجد له، فإنه يكفر بسجوده؛ لأن السجود عبادة.
أو يدعوه من دون الله فيقول: يا سيدي فلان فرج كربتي، أو يا سيدي فلان اغفر لي، أو يا سيدي فلان ارحمني، أو يا سيدي فلان استرني أو يا سيدي فلان ارزقني، أو يا سيدي فلان أغثني، أو يا سيدي فلان أجرني، أو يقول: توكلت عليك، أو أنت حسبي، أو أنا في حسبك، أو نحو هذه الأقوال والأفعال التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله.
فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل؛ لأن هذا مصادم للأمر الذي خلق الله الخلق من أجله، وبعث لأجله الرسل، وأنزل لأجله الكتب؛ ولهذا قال المؤلف: فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لنعبد الله وحده لا شريك له، ولا نجعل معه إلهاً آخر.
стр. 82
بيان كون الغلو في الصالحين وسيلة إلى الشرك
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والذين كانوا يدعون مع الله آلهة أخرى مثل الشمس والقمر والكواكب والعزير والمسيح والملائكة واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ويغوث ويعوق ونسر أو وغير ذلك لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو أنها تنزل المطر أو أنها تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدون الأنبياء والملائكة والكواكب والجن والتماثيل المصورة لهؤلاء أو يعبدون قبورهم ويقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويقولون: هم شفعاؤنا عند الله.
فأرسل الله رسله تنهى أن يُدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧].
قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيراً والملائكة فقال الله لهم: هؤلاء الذين تدعونهم يتقربون إلي كما تتقربون، ويرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي].
بين المؤلف ﵀ أن الذين يدعون مع الله آلهة أخرى إنما شركهم بدعاء غير الله أو النذر لغير الله، وليس شركهم في اعتقادهم أنهم يخلقون أو يرزقون، فالذين يعبدون مع الله آلهة أخرى لا يعتقدون أنهم يخلقون أو يرزقون أو يحيون أو يميتون، بل يقولون: هذا من خصائص الله، لكن شركهم هو في صرف نوع من أنواع العبادة لغير الله، فيخصونهم بالدعاء أو الذبح أو النذر أو الطواف.
فبعض الناس إذا قلت له: إذا دعوت غير الله فهو شرك، قال: أنا ما أعتقد أنه يخلق ويرزق، أنا أقول: إن الله هو الذي يخلق ويرزق وهذا لا يخلق ولا يرزق وليس بيده شيء من الأمر، لكن أدعوه حتى ينقل حوائجي إلى الله ويقربني إلى الله؛ لأنه وجيه، وهو واسطة بيني وبين الله.
فنقول: هذا هو الشرك بعينه، فهذا هو شرك المشركين، كما قال : ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨]،وقال عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، فلا يشترط أن تعتقد أنه يخلق ويرزق، بل نقول: لو اعتقدت أنه يخلق ويرزق لكان شركاً في الربوبية أعظم من الشرك في الألوهية، فكونك تدعوه أو تذبح له أو تنذر له هذا شرك في العبادة.
ولهذا قال المؤلف: والذين كانوا يدعون مع الله آلهة أخرى مثل: الشمس والقمر والكواكب والعزير والمسيح والملائكة واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ويغوث ويعوق ونسراً وغير ذلك من المعبودات التي كان يعبدها المشركون لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو أنها تنزل المطر، أو أنها تنبت النبات.
وإنما كانوا يعبدون الأنبياء والملائكة والكواكب والجن والتماثيل المصورة لهؤلاء أو يعبدون قبورهم ويقولون: إنما نعبدهم لقربونا إلى الله زلفى، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله.
إذاً: فهم يعبدونهم لا لأنهم يعتقدون أنهم يخلقون أو يرزقون أو يحيون أو يميتون، بل يعبدونهم لأجل القربة والشفاعة فقط.
فيقولون: هم أقرب منا إلى الله ينقلون حوائجنا إلى الله، ويشفعون لنا عند الله، فأرسل الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دون الله، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة، ودعاء العبادة: كأن يركع له أو يسجد له، ودعاء الاستغاثة: كأن يستغيث به ويستنجد به ويسأله، فهذا وهذا كلاهما نوع من الشرك.
قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧].
قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح -يعني: عيسى- وعزيراً والملائكة، فقال الله لهم: هؤلاء الذين تدعونهم يتقربون إلي كما تتقربون، ويرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي، ثم بين الله تعالى أنهم لا يملكون كشف الضر، يعني: إزالة الضر، ولا تحويله: أي نقله من حال إلى حال، فكيف يعبدون من دون الله؟! قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء:٥٧] يعني: كما قال بعض السلف: هؤلاء الذين تدعونهم هم محتاجون إلي يتقربون إلي كما تتقربون إلي، ويرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي.
إذاً: إذا كانوا محتاجين فلا يصلحون آلهة، فالإله الكامل لا يحتاج إلى أحد، وهؤلاء الذين تعبدونهم يحتاجونني ويدعونني كما تدعونني، ويخافونني كما تخافونني.
стр. 83
تفسير الآية التي قطعت عروق الشرك
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣].
فأخبر سبحانه أن ما يدعى من دون الله ليس له مثقال ذرة في الملك، ولا شرك في الملك، وأنه ليس له من الخلق عون يستعين به، وأنه لا تنفع الشفاعة عنده إلا بإذنه].
هذه الآية يقول العلماء: قطعت عروق الشرك؛ فإن الله بين فيها أن العابد إنما يعبد معبوداً لما يرجوه من النفع، فلا يعبده إلا ليرجو حصول النفع، والنفع لا يحصل من أحد إلا بأمور أربعة: الأمر الأول: أن يكون المرجو مالكاً للشيء الذي يريده عابده حتى يعطيه.
الأمر الثاني: إن لم يكن مالكاً كان شريكاً للمالك.
الأمر الثالث: إن لم يكن شريكاً للمالك كان معيناً ومساعداً وظهيراً.
الأمر الرابع: إن لم يكن معيناً ولا مساعداً صار شفيعاً.
وقد نفى الله هذه الأمور الأربعة واحداً بعد واحد مرتباً لها منتقلاً من الأعلى إلى الأدنى.
وتبين بذلك أن المعبودين من دون الله لا يستطيعون نفع معبوديهم بأي نوع من أنواع النفع، فقال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سبأ:٢٢] قل لهم يا محمد: ادعوا الذين زعمتم أنكم تدعونهم: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ:٢٢] نفى عنهم الملك، فلا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض على سعتهما وكبرهما وعظم أجسامهما، فكيف تعبدونهم وما عندهم شيء؟! ثم قال سبحانه: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ:٢٢] فنفى عنهم الشركة، وقال: لا يملكون شيئاً، وليس لهم شركة في أي شيء، ثم قال سبحانه: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢] يعني: ليس لله مساعد ومعين منهم، فهذا الأمر الثالث.
ثم جاء الأمر الرابع: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣]، فقطعت هذه الآية عروق الشرك التي يتعلق بها المشركون، فإن الله بين أنهم لا يملكون، وليس لهم شركة في الملك، وليسوا معينين ولا مساعدين لله وليس لهم الشفاعة إلا بإذن الله.
стр. 84
شروط الشفاعة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]].
أي: من يفعل الشفاعة لابد له من شرطين: إذن الله للشافع، وأن يرضى الله عن المشفوع له، فالشرط الأول دليله قوله: ﴿أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النجم:٢٦]، والثاني قوله: ﴿وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤]].
بين أنهم لا يملكون شيئاً فكيف تعبدونهم من دون الله؟ وبين أن الشفاعة له سبحانه فقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤].
стр. 85
حال المشركين مع معبوداتهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:١٨] الآية].
يبين حال المشركين وأنهم إنما يعبدون المعبودات وهي لا تضر ولا تنفع، لكن يقولون: إنها تشفع لنا عند الله، فقال سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس:١٨]، فإذا قيل لهم: لم تعبدونها؟ قالوا: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨]، فرد الله عليهم بقوله: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:١٨] أي: هل تنبئون الله بشيء لا يعلمه وهو سبحانه لا يعلم أن له شريكاً في ملكه؛ ولهذا قال: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:١٨].
стр. 86
توحيد الله أصل الدين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعبادة الله وحده هي أصل الدين، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب، فقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]].
بين المؤلف ﵀ أن عبادة الله وحده هي أصل الدين، فأصل الدين وأساس الملة هو التوحيد، وهو عبادة الله وحده دونما سواه، فمن عبد الله وعبد غيره معه فقد أشرك، ولا يكون موحداً حتى يعبد الله وحده ويخصه بالعبادة ويتبرأ من عبادة كل معبود سواه.
وهذا هو الكفر بالطاغوت، وهو اعتقاد بطلان عبادة كل معبود سوى الله ونفيها وإنكارها والبراءة منها ومن أهلها وبغضها ومعاداتها، وهذا هو التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]، فالرسل كلهم أرسلهم الله بالتوحيد، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].
فقوله: (أن اعبدوا الله) هذا هو الإيمان بالله، (واجتنبوا الطاغوت) هذا هو الكفر بالطاغوت، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، فكل الرسل بعثوا بالتوحيد.
стр. 87
صور من حرص النبي على تحقيق التوحيد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكان النبي ﷺ يحقق التوحيد ويعلمه أمته، حتى قال له رجل: (ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده)، وقال: (لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن ما شاء الله ثم شاء محمد)، ونهى عن الحلف بغير الله فقال: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت).
وقال: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، وقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله)].
لقد كان النبي ﷺ يحقق التوحيد ويخلصه، وتحقيق التوحيد: تبسيطه وتصفيته وتخليصه من شوائب الشرك والبدع والمخالفات، فهذا تحقق التوحيد، ومن حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، كما بوب الإمام العلامة المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب التوحيد فقال: باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب.
فمن حقق التوحيد وخلصه وصفاه دخل الجنة بغير حساب، وكان النبي ﷺ يحقق التوحيد ويصفيه ويخلصه مما علق به من شوائب الشرك، ويعلمه أمته، حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئت، فقال: (أجعلتني لله نداً؟! قل: ما شاء الله ثم شئت) فهذا من تحقيق التوحيد، فلما قال الرجل: ما شاء وشئت أنكر عليه وقال: (أجعلتني لله نداً؟!) يعني: مثيلاً، والند هو النظير، وقال: (لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن ما شاء الله ثم شاء محمد).
فإن قيل: ما الفرق بينهما؟ ف
الجواب
أن الأولى تشريك بالواو، بمعنى جعل مشيئة الرسول معطوفة على مشيئة الله، والواو تقتضي التشريك والجمع، فهي ممنوعة، لكن (ثم) جائزة، فلك أن تقول: ما شاء الله ثم شاء محمد؛ لأن (ثم) للترتيب والتراخي، فلا تأتي مشيئة العبد إلا بعد مشيئة الله، فجازت (ثم) وامتنعت الواو.
والواو لا تفيد الترتيب ولا التراخي وإنما تفيد التشريك، وأكمل من ذلك أن يقول المرء: ما شاء الله وحده، فالأحوال ثلاثة: ما شاء الله وشئت، وهذا شرك، وما شاء الله ثم شئت، وهذا جائز، وما شاء الله وحده، وهذا الكمال والأفضل.
стр. 88
النهي عن الحلف بغير الله
وكذلك نهى النبي ﷺ عن الحلف بغير الله فقال: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، وقال: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، وقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) وهذا من كمال التوحيد.
والإطراء هو: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه، فنهى النبي ﷺ أن يطروه وأن يجاوزوا الحد في مدحه كما فعلت النصارى؛ فإنهم أطروا عيسى ومدحوه حتى رفعوه من مقام العبودية إلى مقام الربوبية والألوهية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا اتفق العلماء على أنه ليس لأحد أن يحلف بمخلوق كالكعبة ونحوها، ونهى النبي ﷺ عن السجود له ولما سجد بعض أصحابه نهاه عن ذلك وقال: (لا يصلح السجود إلا لله)، وقال: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)، وقال لـ معاذ بن جبل ﵁: (أرأيت لو مررت بقبري أكنت ساجداً له؟ قال: لا، قال: فلا تسجد لي)].
قول المؤلف: ولهذا اتفق العلماء على أنه ليس لأحد أن يحلف بمخلوق كالكعبة ونحوها، فلا يقول: والكعبة؛ لأنه شرك، ولا يقول: والأمانة، أو وأبيك، أو ولحيتك وشرفك؛ لأن هذا شرك، ولكن يقول: ورب الكعبة، أما أن يحلف بالكعبة فهذا شرك؛ لأن الكعبة مخلوقة.
стр. 89
النهي عن السجود لأحد غير الله
ونهى النبي ﷺ عن السجود له، ولما سجد بعض أصحابه نهاه عن ذلك فقال: (لا يصلح السجود إلا لله)؛ لأن السجود عبادة، وأما سجود إخوة يوسف وأبويه له فهذا سجود تحية وإكرام، وهو جائز في شريعتهم، وأما في شريعتنا فلا يجوز.
وقال: (لو كنت آمراً أحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)، يعني: من عظم حقه عليها.
وقال لـ معاذ بن جبل ﵁: (أرأيت لو مررت بقبري أكنت ساجداً له؟ قال: لا، قال: فلا تسجد لي)، وكل هذا من تحقيقه التوحيد وتخليصه من شوائب الشرك، وحديث معاذ هذا أخرجه ابن ماجة وعبد الرزاق وابن حبان.
عن أيوب عن القاسم الشيباني عن عبد الله بن أوفى قال: (لما قدم معاذ من الشام سجد لنبيه ﷺ ، فقال: ما هذا يا معاذ؟! قال: أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك، فقال رسول الله: فلا تفعلوا فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)، قال: وسنده حسن؛ القاسم هو ابن عوف صدوق يغرب.
стр. 90
النهي عن اتخاذ القبور مساجد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ونهى النبي ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد، فقال في مرض موته: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر مما فعلوا)، قالت عائشة ﵂: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً.
وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال قبل أن يموت بخمس: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا بيتي عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني).
ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ولا تشرع الصلاة عند القبور، بل كثير من العلماء يقول: الصلاة عندها باطلة].
من تحقيق النبي ﷺ للتوحيد أنه نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وكل شيء صلى فيه الإنسان فقد اتخذه مسجداً، فلا يجوز الصلاة في المقابر؛ لأن الصلاة في المقابر من اتخاذها مساجد، فقال في مرض موته ﵊: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، يحذر مما فعلوا، قالت عائشة ﵂: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً، فالنبي نهى عن اتخاذ القبور مساجد، والصلاة عندها من اتخاذها مساجد، فمن صلى عند القبور فقد اتخذها مساجد شاء أم أبى، والنبي ﷺ لعن اليهود لأنهم اتخذوا القبور مساجد، فدل على أن اتخاذها مساجد من الكبائر، ومن وسائل الشرك العظيمة.
حتى إن النبي ﷺ في مرض موته اهتم بذلك، وكان قبل أن يموت بخمس ليالٍ وهو في شدة المرض يطرح على وجهه خميصة فإذا اغتم كشفها، ثم يعيدها، فقال في هذه الحالة قبل أن يموت بخمس ليال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
قال الراوي: يحذر مما صنعوا، يعني: لا تفعلوا كفعلهم، فإن الله لعنهم على هذا الفعل، ومن فعل فعلهم أصابه ما أصابهم، قالت عائشة: (ولولا ذلك لأبرز قبر النبي ﷺ ، وإنما دفن في بيته خشية أن يتخذ مسجداً.
وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال قبل أن يموت بخمس ليال: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا بيتي عيداً ولا بيوتكم قبوراً).
يعني: لا تجعلوا بيتي كالعيد، وفي لفظ: (قبري عيداً)، والنبي ﷺ مدفون في بيته، وقوله: (لا تتخذوه عيداً) يعني: لا تكرروا المجيء إليه كما يتكرر العيد، فالذي يكرر المجيء والزيارة في أوقات محددة يكون قد جعله كالعيد.
وقوله: (ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً) يعني: لا تعطلوها من الصلاة والقراءة فتصبح كالقبور، فصلوا في بيوتكم.
وقوله: (وصلوا علي حيثما كنتم) يعني: في أي مكان من أرض الله، فإن صلاتكم تبلغني، أي: تبلغه الملائكة؛ ولهذا اتفق العلماء على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، فإن بناء المساجد على القبور من وسائل الشرك، وهو حرام، ولا تشرع الصلاة عند القبور، فالكثير من العلماء يقول: الصلاة عندها باطلة، فإذا صلى الإنسان عند القبر تكون صلاته باطلة، ولا تصح الصلاة بمسجد فيه قبر.
стр. 91
آداب زيارة القبور
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والسنة في زيارة قبور المسلمين نظير الصلاة عليهم قبل الدفن، قال الله تعالى في كتابه عن المنافقين: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤] فكان دليل الخطاب أن المؤمنين يصلى عليهم ويقام على قبورهم.
وكان النبي ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: (السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم)].
السنة في زيارة قبور المسلمين أن يدعى لهم، ويترحم عليهم؛ لأن الميت بحاجة إلى دعائك، وهو بحاجة إليك، وأنت لست بحاجة إليه.
فالسنة في زيارة قبور المسلمين الدعاء لهم والترحم عليهم، فيستفيد الميت بالدعاء لهم والترحم عليهم، وتستفيد أنت أيها الحي بأن تتذكر الموت فيرق قلبك؛ ففيه فائدة للحي وفائدة للميت، ولهذا قال المؤلف: والسنة في زيارة قبور المسلمين نظير الصلاة عليهم قبل الدفن، فكما أننا ندعو لهم في الصلاة عليهم قبل الدفن فكذلك ندعو لهم عند زيارتنا لهم بعد الدفن.
قال الله تعالى في كتابه عن المنافقين مخاطباً نبيه: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤] أي: لا تصل يا محمد! على أحد من المنافقين ولا تقم على قبره للدعاء عليه، ما السبب؟ قال الله: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤].
إذاً: فالعلة هي الكفر، فمن كان كافراً فلا يصلى عليه إذا مات، ولا يقام على قبره بالدعاء له بعد الدفن، قال المؤلف: فكان دليل الخطاب -يعني: المطلوب- أن المؤمنين يُصلى عليهم، ويُقام على قبورهم بعد الدفن بالدعاء.
стр. 92
تابع حكم زيارة القبر وأنواعها
فزيارة القبور قد تكون زيارة شركية، أو زيارة بدعية، أو زيارة شرعية.
فالزيارة الشركية كأن يذبح أو ينذر له أو يدعوه، والزيارة البدعية كأن يقرأ القرآن أو يصلي أو يدعو الله عنده، والزيارة الشرعية بأن يدعو له، ويترحم عليه، ثم ينصرف.
стр. 93
تعظيم القبور من أسباب عبادة الأوثان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وذلك أن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان التعظيم للقبور بالعبادة ونحوها، قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣].
قالت طائفة من السلف: كانت هذه أسماء قوم صالحين، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم وعبدوها.
ولهذا اتفق العلماء على أن من سلم على النبي ﷺ عند قبره فإنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها؛ لأن التقبيل والاستلام إنما يكون لأركان بيت الله الحرام، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق].
يذكر المؤلف ﵀ أن من أكبر أسباب عبادة الأوثان التعظيم للقبور بالعبادة ونحوها، فإذا عظم القبر بالعبادة من دعائه والذبح والنذر له والطواف عنده، صار هذا من أسباب عبادة الأوثان، فالأوثان إنما وجدت لهذا، فقوم نوح لما عظموا القبور وعبدوها من دون الله وجدت الأوثان، قال الله تعالى في كتابه عن قوم نوح إنهم قالوا: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أي: يوصي بعضهم بعضاً لا تتركوا آلهتكم، ((ولا تذرن)) أي: لاتتركن، ((وداً)) وهو اسم صنم، ((ولا سواعاً)) اسم صنم آخر، ((ولا يغوث)) اسم صنم ثالث، ((ويعوق)) اسم صنم رابع، ((ونسراً)) صنم خامس.
قالت طائفة من السلف: كانت هذه أسماء قوم صالحين فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم وعبدوها، فلما كان تعظيم القبور بالعبادة ونحوها من أكبر أسباب عبادة الأوثان؛ اتفق العلماء على أن من سلم على النبي ﷺ عند قبره فإنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها؛ لأن التقبيل والاستلام إنما يكون لأركان بيت الله الحرام، أي: أن التقبيل والاستلام يكون للحجر الأسود فقط، وأما الركن اليماني فإنه يمسح ولا يقبل، فإذا لم يتيسر تركته ولم تشر إليه، وأما الحجر الأسود فإنك تستلمه باليد اليمني وتقبله بالشفتين، فإذا لم يتيسر استلمته بيدك وقبلتها، فإذا لم يتيسر أشرت إليه بعصا ونحوها، فإن لم تستطع أشرت إليه بيدك.
فالتقبيل والاستلام يكون لأركان بيت الله، وأما حجرة النبي ﷺ فلا تقبل ولا تستلم؛ لأنها بيت مخلوق، والكعبة بيت الله، ولا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق.
стр. 94
حماية جناب التوحيد من الوقوع في الشرك والبدع
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك الطواف والصلاة والاجتماع للعبادات إنما تقصد في بيوت الله، وهي المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، فلا تقصد بيوت المخلوقين فتتخذ عيداً، كما قال ﷺ : (لا تتخذوا بيتي عيداً)، كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه الذي لا يقبل الله عملاً إلا به، ويغفر لصاحبه، ولا يغفر لمن تركه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٨]].
يذكر المؤلف ﵀: أن الطواف والصلاة من العبادات التي تفعل في بيوت؛ فالاجتماع للعبادات تقصد في بيوت الله وهي المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، كما قال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦]، فلا تقصد بيوت المخلوقين فتتخذ عيداً كقبر النبي ﷺ ، فلا يتخذه الإنسان عيداً، أو يخصص في كل أسبوع يوماً كالجمعة لزيارة القبر، ولكن يسلم على النبي ﷺ إذا قدم من سفر أو في أوقات أخرى من غير تحديد أوقات معينة، كما قال ﷺ : (لا تتخذوا بيتي عيداً)، فكل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه، والذي لا يقبل الله عملاً إلا به، ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه، يعني: يغفر لصاحب التوحيد ولا يغفر لمن تركه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٨].
стр. 95
فضل كلمة الإخلاص وآية الكرسي
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه، فأعظم آية في القرآن آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال ﷺ : (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة).
والإله: الذي يألهه القلب عبادة له، واستعانة به، ورجاءً له، وخشية وإجلالاً وإكراماً].
قوله: (كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه) أي: لأنها أصل الدين وأساس الملة، ولهذا كانت أعظم آية في القرآن الكريم هي آية الكرسي، ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وهي مشتملة على عشر جمل، فأول جملة كلمة التوحيد: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا معبود بحق سواه.
الحي القيوم: فالحي الذي له الحياة الكاملة، يعني: لا يلحق حياته نقص ولا نوم ولا ضعف ولا موت، والقيوم القائم بنفسه المقيم لغيره.
قوله: (وقال رسول الله ﷺ : (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) أي: لأنها كلمة التوحيد التي هي أصل الدين وأساس الملة، وأفضل الكلام وأعظمه.
قوله: (والإله: هو الذي يألهه القلب عبادة له واستعانة ورجاءً له وخشية وإجلالاً وإكراماً) هذا هو الإله، ولهذا فإن من أله غير الله فإنه يكون مشركاً.
стр. 96
شرح الوصية الكبرى لابن تيمية [٩]
القرآن كلام الله بألفاظه ومعانيه، هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، وقال أهل البدعة والضلال: القرآن مخلوق، ومنهم من قال: هو عبارة عن كلام الله، فخالفوا بذلك الكتاب والسنة وإجماع السلف.
стр. 97
القرآن كلام الله تعالى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: ومن ذلك الاقتصاد في السنة واتباعها كما جاءت بلا زيادة ولا نقصان، مثل الكلام في القرآن وسائر الصفات، فإن مذهب سلف الأمة وأهل السنة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، هكذا قال غير واحد من السلف؛ وروي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار وكان من التابعين الأعيان قال: مازلت أسمع الناس يقولون ذلك].
قوله: (الاقتصاد في السنة واتباعها كما جاءت) هذا مما جاءت به السنة، وهو أن المسلم يقتصد في السنة ويتبعها كما جاءت من غير غلو ولا زيادة ولا نقصان، مثل الكلام في القرآن وسائر الصفات، وهو أن يثبت الصفات لله، ومن ذلك الكلام، فإن القرآن كلام الله.
ولهذا قال المؤلف: (فإن مذهب سلف الأمة وأهل السنة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق) كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٤]، فهو منزل غير مخلوق، وقد كفّر العلماء من قال: إن القرآن مخلوق.
وقوله: (منه بدأ وإليه يعود) منه بدأ: يعني تكلم الله به، خلافاً للأشاعرة الذين يقولون: لم يتكلم به، وإنما الكلام معنى قائم بالنفس، وجبريل لم يسمع من الله حرفاً ولا صوتاً، ولكنه اضطر جبريل، ففهم الكلام القائم بنفسه فعبر عنه، فالقرآن عبارة عبّر بها جبريل، وبعضهم يقول: عبّر بها محمد، وبعضهم يقول: أخذه جبريل من اللوح المحفوظ، والله لم يتكلم بحرف ولا صوت.
وهذا من أبطل الباطل.
وقوله: (وإليه يعود) في آخر الزمان، وذلك إذا ترك الناس العمل به نزع القرآن من الصدور ومن المصاحف، وهو من أشراط الساعة الكبرى نعوذ بالله، فيصبح الناس لا يجدون في صدورهم أو في مصاحفهم آية، نعوذ بالله.
(هكذا قال غير واحد من السلف.
وروى عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار وكان من التابعين الأعيان قال: مازلت أسمع الناس يقولون ذلك) أي: يقولون: بأن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والقرآن الذي أنزله الله على رسوله ﷺ هو هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون ويكتبونه في مصاحفهم، وهو كلام الله لا كلام غيره وإن تلاه العباد، وبلغوه بحركاتهم وأصواتهم؛ فإن الكلام لمن قاله مبتدئاً لا لمن قاله مبلغاً مؤدياً، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة:٦] وهذا القرآن في المصاحف كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢]، وقال تعالى: ﴿يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة:٢ - ٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٨].
] وهذا هو الحق المبين، فالمؤلف ﵀ يقول: (والقرآن الذي أنزله الله على رسوله هو هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون ويكتبونه في مصاحفهم) أي: أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه ﷺ ، وسمعه جبرائيل من الله، ونزل به جبرائيل على قلب محمد ﷺ : (هو هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون ويكتبونه في مصاحفهم، وهو كلام الله لا كلام غيره وإن تلاه العباد وبلغوه بحركاتهم وأصواتهم؛ فإن الكلام لمن قاله مبتدئاً لا لمن قاله مبلغاً مؤدياً) فإذا قرأت القرآن كنت مبلغاً مؤدياً، والكلام كلام الله، فإذا قرأ أحد هذا الشعر فقال: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل قال: هذا البيت لـ امرئ القيس وليس من كلامي وإنما أنا مبلغ مؤد.
وإذا قال قائل: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)، قلت: هذا كلام الرسول ﵊، وأنت تبلغه، وليس من كلامك؛ فالكلام لمن قاله مبتدئاً لا لمن قاله مبلغاً مؤدياً.
وكذلك القرآن كلام الله، فإذا قرأه القارئ فهو يقرأ كلام الله، وهو مبلغ له، فالكلام لمن قاله مبتدءاً لا لمن قاله مبلغاً مؤدياً، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة:٦]، والشاهد قوله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فدل على أن القرآن مسموع، وهذا القرآن في المصاحف كما قال سبحانه: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢]، وقال: ﴿يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة:٢ - ٣] وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٨]، فالقرآن كلام الله على أي حال كان؛ فإن قرأه القارئ فالمقروء كلام الله، وإن سمعه السامع فالمسموع كلام الله، وإن كتبه الكاتب فالمكتوب كلام الله، وإن حفظه الحافظ فالمحفوظ كلام الله، فكلام الله مقروء بالألسن، مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، معلوم في القلوب.
стр. 98
القرآن كلام الله لفظاً ومعنى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والقرآن كلام الله بحروفه ونظمه ومعانيه، كل ذلك يدخل في القرآن وفي كلام الله، وإعراب الحروف هو من تمام الحروف كما قال النبي ﷺ : (من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات)، وقال أبو بكر وعمر ﵄: حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه.
] قوله: (القرآن كلام الله بحروفه ونظمه ومعانيه): فهذا هو الحق وهو معتقد أهل السنة والجماعة، خلافاً للمعتزلة والأشاعرة، فالمعتزلة يقولون: إن القرآن ليس بكلام الله لا لفظاً ولا معنى، ولكنه مخلوق من مخلوقات الله، وهذا كفر وضلال.
والأشاعرة يقولون: إن القرآن كلام الله معنى لا لفظاً، فالمعنى كلام الله، واللفظ ليس بكلام الله وإنما هو كلام جبريل أو كلام محمد، وهذا نصف مذهب المعتزلة، فالمعتزلة يقولون: إن القرآن مخلوق لفظه ومعناه، والأشاعرة يقولون: لفظه مخلوق ومعناه ليس بمخلوق، فالقرآن اسم للمعنى فقط، أما اللفظ فليس داخلاً في اسم القرآن.
وهنا رد المؤلف ﵀ فقال: (القرآن كلام الله بحروفه ونظمه ومعانيه، كل ذلك يدخل في القرآن وفي كلام الله، وإعراب الحروف هو من تمام الحروف) كما في الحديث: (من قرأ القرآن فأعربه فله في كل حرف عشر حسنات)، يعني: إذا كان يوضحه ويقرؤه بترتيل وإخراج الحروف من مخارجها، بخلاف من يقرؤه وهو يتتعتع فيه، (فمن قرأ القرآن فأعربه وهو ماهر فيه فهو مع السفرة الكرام البررة، ومن قرأ القرآن وهو يتتعتع فيه وهو عليه شاق فله أجران)، كما في الحديث.
ولهذا قال: (وإعراب الحروف هو من تمام الحروف) فمن تمام الحروف: أنك تخرج الحروف من مخارجها، وتلتزم بأحكام التجويد التي وردت، والالتزام بأحكام التجويد سنة وليس بواجب، والقراءة المجودة أفضل من غيرها، وإذا قرأت القرآن ولم تلتزم بأحكام التجويد فلا بأس بشرط أن تخرج الحروف من مخارجها، ولا تسقط شيئاً من أجزاء الحروف، وأما قول الجزري: والأخذ بالتجويد حتم لازم من لم يجود القرآن آثم فليس بصحيح، وليس بآثم، بل هو سنة مستحبة؛ فالمطلوب والواجب: قراءة القرآن وإخراج الحروف من مخارجها، فإذا لم تسقط شيئاً من الحروف وأديتها كما هي فقد أديت ما عليك، أما كونك تجود وتلتزم بالمدود كالمد المتصل والمد المنفصل والإدغام بغنة والإدغام بغير غنة، والإخفاء والإظهار والإقلاب، فهذا من باب الكمال والأفضلية لا غير، ولهذا قال النبي ﷺ : (من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات).
وقال أبو بكر ﵁: حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه.
стр. 99
الشكل والتنقيط في المصحف
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا كتب المسلمون مصحفا فإن أحبوا ألا ينقطوه ولا يشكلوه جاز ذلك؛ كما كان الصحابة يكتبون المصاحف من غير تنقيط ولا تشكيل؛ لأن القوم كانوا عرباً لا يلحنون، وهكذا هي المصاحف التي بعث بها عثمان ﵁ إلى الأمصار في زمن التابعين].
قوله: (إذا كتب المسلمون مصحفاً فإن أحبوا ألا ينقطوه ولا يشكلوه جاز)؛ لأن العبرة بالكلمة، وأما النقط والتشكيل فهذا من باب التحسين والتجويد؛ ولذلك كان الصحابة يكتبون المصاحف من غير تنقيط ولا تشكيل؛ لأنهم كانوا عرباً لا يخطئون، ويقال في قصة: إن رجلاً قرأ المصحف من أوله إلى آخره وليس فيه تشكيل ولا تنقيط، ومع ذلك لم يخطئ إلا في كلمة واحدة، وهي قوله في سورة الروم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم:١٥]، فقد قرأها: يخبزون، والله أعلم بحال القصة، ولكنها تؤيد ما قاله المؤلف من أن الصحابة كانوا عرباً لا ينقطون ولا يشكلون.
ويقال: إن أول من نقط وشكل هو الحجاج بن يوسف وهذا من حسناته، وكان الحجاج بن يوسف فاسقاً مسرفاً ظالماً، فقد أسرف في القتل، ولكن من حسناته: أنه أمر بتشكيل المصحف وتنقيطه.
وكانت المصاحف التي بعث بها عثمان ﵁ إلى الأمصار ليس فيها تنقيط ولا تشكيل، وإنما فيها الكلمات فقط.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم فشا اللحن، فنقطت المصاحف وشكلت بالنقط الحمر، ثم شكلت بمثل خط الحروف، فتنازع العلماء في كراهة ذلك، وفيه خلاف عن الإمام أحمد ﵀ وغيره من العلماء، قيل: يكره ذلك؛ لأنه بدعة، وقيل: لا يكره للحاجة إليه، وقيل: يكره النقط دون الشكل؛ لبيان الإعراب، والصحيح أنه لا بأس به].
بين المؤلف ﵀: أن الصحابة والتابعين ليسوا بحاجة إلى التنقيط والتشكيل؛ لأنهم عرب، ثم بعد ذلك فشا اللحن في اللسان وفسد بسبب دخول الأعاجم.
فلما فتحت الأمصار واختلط الناس بالأعاجم فسد اللسان العربي، فصاروا يحتاجون إلى تنقيط وتشكيل، ثم بعد ذلك وجد علم النحو، ولم يكن الناس بحاجة إليه، ولذلك أمر الإمام علي بن أبي طالب ﵁ أبا الأسود الدؤلي أن يضع مبادئ علم النحو؛ لأن الناس اختلطوا بالأعاجم بعد فتحهم الأمصار، ففسد اللسان، فاحتاجوا إلى التنقيط والتشكيل ووضع علم القواعد، أما قبل ذلك فلم يحتاجوا إلى شيء؛ لأنهم عرب فصحاء؛ ولهذا قال: (ثم فشا اللحن فنقطت المصاحف وشكلت بالنقط الحمر، ثم شكلت بمثل خط الحروف، فتنازع العلماء في كراهة ذلك، وفيه خلاف عن الإمام أحمد ﵀ وغيره من العلماء) فبعض العلماء يكره أن تشكل بخط الحروف، وبعضهم قال: لا يكره، (قيل: يكره ذلك؛ لأنه بدعة، وقيل: لا يكره للحاجة إليه، وقيل: يكره النقط دون الشكل؛ لبيان الإعراب) قال المؤلف ﵀: (والصحيح أنه لا بأس به) للحاجة إليه.
стр. 100
إثبات الصوت لله تعالى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والتصديق بما ثبت عن النبي ﷺ : (إن الله يتكلم بصوت وينادي آدم ﵇ بصوت) إلى أمثال ذلك من الأحاديث، فهذه الجملة كان عليه سلف الأمة وأئمة السنة].
يعني: أنه يجب التصديق بما ثبت عن النبي ﷺ : أن الله يتكلم بصوت، وينادي آدم بصوت كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (ينادي آدم يوم القيامة، يقول: يا آدم! -بصوت- فيقول: لبيك وسعديك! فيقول الرب سبحانه: أخرج بعث النار.
فيقول: يا رب من كم؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة).
وفي الحديث الآخر: (إن الله ينادي بصوت يسمعه من بعُد كما يسمعه من قرُب)، لهذا احتج العلماء: على أن كلام الله يكون بحرف وصوت، وأنكر الأشاعرة أن يكون كلام الله بصوت، وقالوا: إن كلام الله لا يُسمع، فهو معنى قائم في نفسه مثل العلم، ليس بحرف ولا صوت، وهذا باطل.
стр. 101
حكم قول الإنسان: لفظي بالقرآن مخلوق والمداد قديم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أئمة السنة: القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق حيث تلي وحيث كتب، فلا يقال لتلاوة العبد بالقرآن إنها مخلوقة؛ لأن ذلك يدخل فيه القرآن المنزل، ولا يقال غير مخلوقة؛ لأن ذلك يدخل في أفعال العباد، ولم يقل قط أحد من أئمة السلف: إن أصوات العباد بالقرآن قديمة، بل أنكروا على من قال: لفظ العبد بالقرآن غير مخلوق، وأما من قال: إن المداد قديم، فهذا من أجهل الناس وأبعدهم عن السنة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩]].
كل هذه المباحث تتعلق بالقرآن، والسبب في هذا: أن أهل البدع تكلموا في الباطل؛ فاضطر أهل السنة كـ شيخ الإسلام وغيره إلى الرد عليهم، وإلا فإن هذه الأمور لا تنبغي؛ لأن هذه الأمور معلومة من الدين بالضرورة.
ولذلك يقول المؤلف: (وقال أئمة السنة: القرآن كلام الله غير مخلوق) رداً على المعتزلة الذين يقولون: كلام الله مخلوق، وقالوا: من قال: إن القرآن مخلوق فقد كفر، يقول المؤلف: (كلام الله غير مخلوق حيث تلي وحيث كُتب) فإن تلي فالمتلو هو كلام الله، وإن كتب فالمكتوب كلام الله، قال المؤلف: (فلا يقال لتلاوة العبد بالقرآن إنها مخلوقة)؛ لأن هذا من البدع، ولأن ذلك يدخل فيه القرآن المنزل، ولا يقال غير مخلوقة؛ لأن ذلك يدخل فيه أفعال العباد.
ولأنه إذا قيل إنها مخلوقة يدخل فيه القرآن وهو منزل غير مخلوق، وإذا قيل غير مخلوق يدخل فيه أفعال العباد، ولهذا قال الإمام أحمد في كلمته المشهورة: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع، ولم يقل قط أحد من السلف: إن أصوات العباد بالقرآن قديمة، بل أنكروا على من قال: لفظ العبد بالقرآن غير مخلوق، وأما من قال: إن المداد قديم فهذا من أجهل الناس -والمداد: هو الحبر الذي يكتب به- والحبر معروف أنه حادث يكتب به، فهذا من أجهل الناس وأبعدهم من السنة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩]، فأخبر أن المداد تكتب به كلماته.
стр. 102
القول بأنه ليس القرآن في المصحف
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك من قال: ليس القرآن في المصحف، وإنما في المصحف مداد وورق أو حكاية وعبارة، فهو مبتدع ضال، بل القرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ هو ما بين الدفتين، والكلام في المصحف على الوجه الذي يعرفه الناس له خاصية يمتاز بها عن سائر الأشياء].
قوله: (من قال: ليس القرآن في المصحف، وإنما في المصحف مداد وورق أو حكاية وعبارة، فهو مبتدع ضال) هذا الكلام يقوله الأشاعرة والكلابية، فالأشاعرة يقولون: ما في المصحف عبارة عن كلام الله وليس كلام الله، والكلابية يقولون: ما في المصحف حكاية عن كلام الله، ويقولون: كلام الله معنى قائم بنفسه، وأما المصحف فليس فيه كلام الله -والعياذ بالله- حتى إن بعض الفسقة يغلو ويدوس المصحف بقدميه، ويقول ليس فيه كلام الله؛ فكلام الله في نفسه لا يسمع، وهذا من أبطل الباطل، ويقولون: إن المصحف ليس فيه إلا مداد وورق، وحكاية وعبارة عن كلام الله، أما كلام الله فهو في نفسه لا يسمع، وليس بحرف ولا صوت، وهذا بدعة وضلال، وهو قول المبتدعة والضلال من الأشاعرة والكلابية.
وأما القول الحق فيقول: بل القرآن الذي أنزله الله على محمد هو ما بين دفتي المصحف، والكلام في المصحف على الوجه الذي يعرفه الناس له خاصية يمتاز بها عن سائر الأشياء، فالمسلمون يقولون: إن هذا المصحف فيه كلام الله فيحترمونه ويعظمونه ويرفعونه.
стр. 103
القول بأن ألفاظ العباد وأصواتهم قديمة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك من زاد على السنة فقال: إن ألفاظ العباد وأصواتهم قديمة فهو مبتدع ضال، كمن قال: إن الله لا يتكلم بحرف ولا بصوت فإنه أيضاً مبتدع منكر للسنة، وكذلك من زاد وقال: إن المداد قديم فهو ضال، كمن قال: ليس في المصاحف كلام الله].
وهذا الكلام من ألفاظ أهل البدع، فمن زاد على السنة وقال: ألفاظ العباد وأصواتهم قديمة فهو مبتدع ضال، لأن هذا مخالف لقول أهل السنة، وكذلك من قال: إن الله لا يتكلم بحرف ولا بصوت فهو مبتدع مخالف للسنة، وهذا قول الأشاعرة والكلابية، وكذلك من زاد وقال: إن المداد قديم -والمداد حادث- فهو ضال، كمن قال: ليس في المصحف كلام الله فهو ضال، ومن قال: إن الحبر الذي يكتب به قديم فهو ضال.
стр. 104
القول بأن الورق والجلد من كلام الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما من زاد على ذلك من الجهال الذين يقولون: إن الورق والجلد والوتد وقطعة من الحائط كلام الله فهو بمنزلة من يقول: ما تكلم الله بالقرآن ولا هو كلامه.
هذا الغلو من جانب الإثبات يقابل التكذيب من جانب النفي، وكلاهما خارج عن السنة والجماعة.
] فهؤلاء مبتدعة يقابلهم المبتدعة الذين يقولون: ما في المصحف هو كلام الله، وزاد بعض الجهال أن قالوا: إن الورق والجلد والوتد وقطعة من الحائط كلام الله، وهؤلاء عكس أولئك، فالأشاعرة يقولون: ليس في المصحف كلام الله، وليس فيه إلا ورق وجلد ومداد وحروف وأصوات ويجوز لك أن تدوسها بقدميك، وليس فيه كلام الله وقابلهم بعض الجهال فقال: إن الورق والجلد والوتد وقطعة من الحائط كلام الله، فهؤلاء مبتدعة وأولئك مبتدعة، فالجلد ليس بكلام الله، والورق ليس بكلام الله، لكن كلام الله مكتوب في المصحف، وأما الورق والجلد والمداد فليس كلام الله، فهو بمنزلة من يقول: ما تكلم الله بالقرآن ولا هو كلامه، وهذا الغلو من جانب الإثبات يقابله الغلو من جانب النفي، يعني: أن الأشاعرة الذين يقولون: ليس في المصحف كلام الله غلو في النفي، وهؤلاء الذين قالوا: إن الورق والجلد كلام الله غلو من جهة الإثبات فهؤلاء يقابلون هؤلاء، ولهذا قال المؤلف: هذا الغلو من جانب الإثبات يقابله الغلو من جانب النفي، وكلاهما خارج عن السنة والجماعة.
стр. 105
إفراد الكلام في النقط والشكل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك إفراد الكلام في النقطة والشكل بدعة نفياً وإثباتاً، وإنما حدثت هذه البدعة من مائة سنة أو أكثر بقليل، فإن من قال: إن المداد الذي تنقط به الحروف ويشكل به قديم فهو ضال جاهل، ومن قال: إن إعراب حروف القرآن ليس من القرآن فهو ضال مبتدع، بل الواجب أن يقال: هذا القرآن العربي هو كلام الله، وقد دخل في ذلك حروفه بإعرابها كما دخلت معانيه، ويقال: ما بين اللوحين جميعه كلام الله، فإن كان المصحف منقوطاً مشكولاً كالمصاحف القديمة التي كتبها الصحابة كان أيضاً ما بين اللوحين هو كلام الله، فلا يجوز أن تلقى الفتنة بين المسلمين بأمر محدث ونزاع لفظي لا حقيقة له، ولا يجوز أن يحدث في الدين ما ليس منه.
] قوله: (وكذلك إفراد الكلام في النقطة والشكل بدعة نفياً وإثباتاً) يعني: كأن يقال: هذه النقطة من كلام الله أو هذا الشكل من كلام الله، أو هذه النقطة ليست من كلام الله أو هذا الشكل ليس من كلام الله، يقول المؤلف: فهذه بدعة، فلا يقال هذه النقطة من كلام الله، ولا يقال ليست من كلام الله، فالذي يقول: إن هذه النقطة من كلام الله أو ليست من كلام الله فهو مبتدع، والذي يقول: هذه التشكيلة من كلام الله أو ليست من كلام الله فهذا مبتدع أيضاً.
يقول المؤلف: (وإنما حدثت هذه البدعة من مائة سنة أو أكثر بقليل؛ فإن من قال: إن المداد الذي تنقط به الحروف ويشكل به قديم فهو ضال جاهل) والمداد: هو الحبر الذي تنقط به الحروف وتشكل، وهو حبر معروف تركيبه.
قوله: (ومن قال: إن إعراب حروف القرآن ليس من القرآن فهو ضال مبتدع) فإعرابه: كالمدود، وكذلك إخراج الحروف من مخارجها، وهذا كله من القرآن، فمن قال: إنه ليس من القرآن فهو ضال مبتدع.
ثم قال المؤلف: (بل الواجب أن يقال هذا الكلام العربي هو كلام الله) أي: أن هذا القرآن العربي الموجود في المصاحف والذي نقرأه هو كلام الله، ويدخل في ذلك حروفه بإعرابها كما دخلت المعاني، ويقال: إن ما بين اللوحين جميعه كلام الله، أي: ما بين الغلاف الأول والثاني، وهذا هو الحق، وكذلك يقال: إن القرآن العربي كلام الله ويدخل فيه حروفه بإعرابها وتدخل فيه معانيه، فنقول: إن القرآن كلام الله حروفه ومعانيه.
يقول المؤلف: (فإن كان المصحف منقوطاً مشكولاً) أطلق على ما بين اللوحين جميعه أنه كلام الله، وإن كان غير منقوط ولا مشكول -كما في المصاحف القديمة التي كتبها الصحابة- كان أيضاً ما بين اللوحين هو كلام الله.
يقول المؤلف: إن الصحابة كتبوا القرآن خالياً من النقط ومن غيره، فيقال: ما بين اللوحين هو كلام الله، وجاء من بعدهم من نقطها وشكلها فيقال: أيضاً ما بين اللوحين هو كلام الله، فإن كان مشكولاً منقوطاً فهو كلام الله، وإن كان ليس بمشكول ولا منقوط فهو كلام الله أيضاً.
يقول المؤلف: (فلا يجوز أن تلقى الفتنة بين المسلمين بأمر محدث ونزاع لفظي)؛ لأنه حصل نزاع في زمنه ﵀، فبعضهم قال: إن النقط ليست من كلام الله، والتشكيل ليس من كلام الله، وبعضهم قال: بل هو كلام الله، فالمؤلف يقول: بأن هذه فتنة، ويقول: إن المصاحف القديمة مكتوبة بدون نقط ولا شكل ومع ذلك فهي كلام الله، وإن كانت منقوطة مشكولة فهي كلام الله أيضاً، فلا يجوز أن يحدث في الدين ما ليس منه والله أعلم.
стр. 106
شرح الوصية الكبرى لابن تيمية [١٠]
من عقيدة أهل السنة والجماعة: السكوت عما شجر بين الصحابة من الفتن، وعدم الخوض فيها، مع اعتقادهم أن كلا الفريقين لا يخرجون عن مسمى الإيمان، وهو نعت القرآن، الذي هو كلام الواحد الديَّان، واعتقادهم أن الصحابة مجتهدون في ذلك لا يعدمون أجر الصواب، وأجر الخطأ، ومن عقيدة جمهور أهل السنة: عدم لعن يزيد بن معاوية وعدم محبته، وأمره إلى الله، وهو أحكم الحاكمين.
стр. 107
الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: وكذلك يجب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة والقرابة ﵃، فإن الله تعالى أثنى على أصحاب نبيه ﷺ من السابقين والتابعين لهم بإحسان، وأخبر أنه رضي عنهم ورضوا عنه، وذكرهم في آيات من كتابه، مثل قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عليه مْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨].
وفي الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)].
يقول المؤلف ﵀: (وكذلك يجب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة والقرابة) يعني بالصحابة: صحابة النبي ﷺ ، والقرابة: قرابة النبي ﷺ ، والصحابي كما سبق: هو كل من لقي النبي ﷺ مؤمناً ومات على الإسلام، ولو تخللته ردة في الأصح، والقرابة: هم قرابة النبي ﷺ من جهة النسب، فيجب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة والقرابة، وإنزالهم منازلهم التي أنزلهم الله بالإنصاف والعدل، لا بالهوى والتعصب، ولا يجوز الغلو في جانب الصحابة كأن يعتقد الإنسان أنهم معصومون، أو أنهم يستحقون شيئاً من الألوهية، كما لا يجوز الجفاء مثل: سب الصحابة وإيذائهم، فكل ذلك من المنكرات العظيمة، فالواجب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة، واعتقاد فضلهم وسابقتهم وخيريتهم، وأنهم خير الناس بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم.
وكذلك يجب الاقتصاد والاعتدال في أمر قرابة النبي ﷺ بدون غلو كما تفعل الرافضة، فإنهم يعبدونهم من دون الله، ومن دون جفاء كما تجفو النواصب من الخوارج وغيرهم، فإنهم جفوا آل البيت وكفروا علياً ومن شايعه، فالواجب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة والقرابة، ويكون ذلك بالترضي عنهم، والترحم عليهم، وإنزالهم منازلهم التي أنزلهم الله بالعدل والإنصاف، لا بالهوى والتعصب، فإن الله تعالى أثنى على أصحاب نبيه ﷺ من السابقين والتابعين لهم بإحسان وأخبر أنه رضي عنهم ورضوا عنه، وذكرهم في آيات من كتابه مثل قوله تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ)) وهم الصحابة رضوان الله عليهم ((أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) وهذا وصفهم ((تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ)) يعني: قواه ((فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ)) وقد استنبط الإمام مالك ﵀ من قوله: ((لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ)): أن من أغاظ الصحابة فهو كافر؛ لأن الله أخبر: أنه يغيظ بالصحابة الكفار، قال: فمن أغاظ الصحابة فإنه يكون مرتداً -نعوذ بالله- لأن الله قال: ((لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ)) فمن سب أو أغاظ الصحابة فإنه يكون كافراً لهذه الآية كما قاله الإمام مالك ﵀.
قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩]، وهذا ثناء على الصحابة، ووعد كريم، فكيف يسب الصحابة من يؤمن بالله واليوم الآخر؟! وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عليهمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨]، وهذا: في أهل بيعة الرضوان وكانوا ألفاً وأربعمائة.
وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام مسلم عن حفصة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة)، فهذا وعد كريم، وقد كانوا ألفاً وأربعمائة، وقال : ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الحسنى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد:١٠]، كلهم وعدهم الله بالحسنى وهي: الجنة، وهو وعد كريم، وفي الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، وهذا قاله النبي ﷺ لـ خالد بن الوليد، لما حصل بينه وبين عبد الرحمن بن عوف سوء تفاهم، فقال النبي ﷺ مخاطباً خالداً بن الوليد: (لا تسبوا أصحابي)، يعني: المتقدمين في الصحبة، وإلا فـ خالد صحابي، لكن إسلامه تأخر فلم يسلم إلا بعد صلح الحديبية، وعبد الرحمن بن عوف من السابقين الأولين، وبينهم تفاوت في الصحبة، والصحابة طبقات، وهناك طبقة بعدهم: وهم الذين أسلموا يوم الفتح، ويقال لهم: مسلمة الفتح.
والسابقون الأولون: هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والمراد بالفتح: صلح الحديبية وهذا هو الصواب، وقيل: المراد بالسابقين الأولين: من صلى إلى القبلتين بيت المقدس والكعبة، لكن هذا قول ضعيف، والصواب: أن السابقين الأولين: هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وجاهدوا، والمراد بالفتح: صلح الحديبية، فقد سماه الله فتحاً في سورة الفتح فقال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، ولما قرأها النبي ﷺ على عمر قال: أفتح هو؟ قال: نعم.
فقال سبحانه: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠]، فلما حصل بعض الكلام بسبب سوء التفاهم بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف، فكأن خالداً سب عبد الرحمن، فقال النبي ﷺ مخاطباً خالداً وكان ممن تأخر إسلامه وتأخرت صحبته: (لا تسبوا أصحابي)، يعني: المتقدمين في الصحبة كـ عبد الرحمن بن عوف، فلا تسبوا -أيها المتأخرون في الصحبة- أصحابي المتقدمين في الصحبة فإن بينكم تفاوتاً عظيماً: (فوالذي نفسي بيده!) وهذا قسم، وهو الصادق ﵊ وإن لم يقسم، لكن لتأكيد الأمر، وفيه: إثبات اليد لله ، قوله: (فوالذي نفسي) أي: نفس النبي ﷺ ، قال: (فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، يعني: لو أن أحدكم -أيها المتأخرون في الصحبة كـ خالد بن الوليد ومن أسلم بعد الحديبية -أنفق مثل أحد ذهباً في سبيل الله ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فلو أن خالداً أنفق مثل أحد ذهباً، وأنفق عبد الرحمن مداً، والمد: ملء كفي الرجل المتوسط، أو نصف مد لسبق عبد الرحمن لتقدمه في الإسلام على خالد، فإذا كان هذا التفاوت بين الصحابة أنفسهم، فكيف بالتفاوت بينهم وبين التابعين؟ وخالد ﵁ أسلم بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة، وهناك طبقة بعدهم: وهم الذين أسلموا بعد فتح مكة ويقال لهم: الطلقاء، ومنهم: معاوية بن أبي سفيان، وأخوه يزيد، وأبوه أبو سفيان، ويقال لهم أيضاً: مسلمة الفتح، فهم طبقات، فإذا كان هذا التفاوت بين الصحابة أنفسهم، فكيف بالتفاوت بين الصحابة ومن بعدهم، فهو أعظم وأعظم.
стр. 108
فضل بعض الصحابة على بعض
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد اتفق أهل السنة والجماعة على ما تواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ﵄، واتفق أصحاب رسول الله ﷺ على بيعة عثمان بعد عمر ﵄، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً)، وقال ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة)، وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ آخر الخلفاء الراشدين المهديين، وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃، ودلائل ذلك وفضائل الصحابة كثيرة ليس هذا موضعها] يقول المؤلف ﵀: (اتفق أهل السنة والجماعة على ما تواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ﵄ يعني: أنهم اتفقوا على تقديم الشيخين في الأفضيلة وفي الخلافة، فاتفق أهل السنة والجماعة: على أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، واتفقوا أيضاً: على أن الخليفة بعده هو أبو بكر ثم عمر، وكذلك اتفق الصحابة ﵃: على بيعة عثمان بعد عمر، وأن الخليفة الثالث: هو عثمان، وهذا مجمع عليه بين أهل السنة والجماعة، واتفقوا على أن الخليفة الرابع: هو علي بن أبي طالب، فترتيب الصحابة والخلفاء الأربعة في الخلافة متفق عليه بين أهل السنة والجماعة، وأن الخليفة الأول: أبو بكر، والخليفة الثاني: عمر، والخليفة الثالث: عثمان، والخليفة الرابع: علي بن أبي طالب ﵃.
واتفقوا أيضاً: على أن ترتيبهم في الفضيلة كترتيبهم في الخلافة سواءً بسواء، وأن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، إلا أنه وقع خلاف بين بعض أهل السنة في الفضيلة بين عثمان وعلي، فروي عن الإمام أبي حنيفة ﵀: أن علياً أفضل من عثمان، وقال به بعض العلماء، وقال بعض أهل العلم بالتوقف، والجمهور على أن عثمان أفضل، ثم انقرض هذا الخلاف واتفق على تقديم عثمان على علي في الفضيلة، وهذا في الفضيلة فقط، أما ترتيبهم في الخلافة ففيه إجماع، فمن قدم علياً على عثمان في الخلافة فقد ضل، بخلاف من قدم علياً على عثمان في الفضيلة فهذا لا يضل، وهذه مسألة سهلة خفيفة.
ولهذا يقول العلماء: من قدم علياً على عثمان في الخلافة فهو أضل من حمار أهله.
وقال بعض التابعين: من قدم علياً على عثمان في الخلافة فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار.
يعني: احتقرهم؛ وقد أجمع المهاجرون والأنصار على تقديم عثمان ومبايعته بالخلافة بعد عمر، فالخلافة مجمع عليها، لكن الخلاف في الفضيلة بين علي وعثمان، فالجماهير على أن عثمان أفضل، وبعض العلماء توقف، وبعض العلماء قدم علياً على عثمان، ولكن هذا الخلاف انقرض، واتفق العلماء على تقديم عثمان على علي في الفضيلة كتقديمه عليه في الخلافة، والتقديم في الفضيلة أمره سهل مع أنه انقرض، وإنما الأمر المنكر هو تقديم علي على عثمان في الخلافة، فمن قدم علياً على عثمان في الخلافة فهو أضل من حمار أهله، وقد احتقر الصحابة من المهاجرين والأنصار المجمعين على تقديم عثمان على علي في الخلافة.
ولهذا قال المؤلف في كتابه: (واتفق أصحاب رسول الله ﷺ على بيعة عثمان بعد عمر ﵄.
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً) يعني: اتفق العلماء على أن الخلفاء الراشدين هم الأربعة، أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ودل على ذلك الحديث الشريف، وهو قوله ﷺ : (خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً)، فإذا حسبت مدة خلافة الخلفاء الراشدين وجدتها ثلاثين سنة، فـ أبو بكر سنتان وثلاثة أشهر، وعمر عشر سنين ونصف، وعثمان اثني عشرة سنة، وعلي أربع سنين وستة أشهر، والحسن بن علي ستة أشهر، فقد بويع له بالخلافة بعد قتل أبيه ﵄، وبقي في الخلافة ستة أشهر، ثم تنازل عن الخلافة لـ معاوية بن أبي سفيان حقناً لدماء المسلمين، فإذا جمعت هذه المدة وجدتها ثلاثين سنة.
(ثم تصير ملكاً)، وأول ملوك المسلمين: هو معاوية بن أبي سفيان فقد بويع له بالخلافة عام أربعين، وتمت له البيعة، وسمي ذلك العام: عام الجماعة.
ثم قال ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)، يعني: الزموها، والشيء الذي يلزمه الإنسان ويهتم به يعض عليه بالنواجذ، والنواجذ: هي الأسنان التي تلي الثنايا، قال: (وإياكم ومحدثات الأمور)، يعني: الأمور المحدثة في الدين (فإن كل بدعة ضلالة)، (وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ آخر الخلفاء الراشدين المهديين، وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا -يعني: في الفضيلة- أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي) واتفقوا على أن يقولوا في الخلافة: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃، ودلائل ذلك وفضائل الصحابة كثيرة ليس هذا موضعها).
стр. 109
الإمساك عما شجر بين الصحابة من عقيدة أهل السنة والجماعة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك نؤمن بالإمساك عما شجر بينهم، ونعلم أن المنقول في ذلك كذب، وهم كانوا مجتهدين إما مصيبين فلهم أجران، أو مثابين على عملهم الصالح مغفور لهم خطؤهم وما كان من السيئات، وقد سبق لهم من الله الحسنى، فإن الله يغفر لهم إما بتوبة، أو بحسنات ماحية، أو مصائب مكفرة أو غير ذلك، فإنهم خير قرون هذه الأمة كما قال ﷺ : (خير القرون قرني الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم)، وهذه خير أمة أخرجت للناس].
يقول المؤلف ﵀ مبيناً معتقد أهل السنة والجماعة: (وكذلك نؤمن بالإمساك عما شجر بينهم) يعني: أن من عقيدة أهل السنة والجماعة الإمساك -ومعنى الإمساك: هو السكوت- عما شجر بين الصحابة، يعني: عما حصل بينهم من الخلاف، كالنزاع والقتال، فيجب الإمساك عنه، ولا يجوز إفشاؤه.
قال المؤلف ﵀: (ونعلم أن المنقول في ذلك كذب، وهم كانوا مجتهدين) أي: في الشيء الذي ثبت عنهم، وبين المؤلف ﵀ هذا المعنى بشكل أوضح في رسالة العقيدة الواسطية فقال: والمنقول عن الصحابة أنواع: منها: ما هو كذب لا أساس له من الصحة، ومنها: ما يوجد له أصل، ولكن زيد فيه أو نقص منه أو غير عليه، ومنها: ما هو ثابت في الصحيح، والثابت في الصحيح بين أمرين: فإما مجتهد مصيب له أجران، أجر الإصابة وأجر الاجتهاد، وإما مجتهد مخطئ فله أجر الاجتهاد، وخطؤه مغفور.
ثم نعتقد أن كل واحد من الصحابة ليس معصوماً من كبائر الذنوب ولا من صغائرها، فهم ليسوا أنبياء، والعصمة للأنبياء فقط، فالنبي معصوم عن الشرك وعن الكبائر ومعصوم فيما يبلغ عن الله، أما الواحد من الصحابة فليس معصوماً وقد تقع منه الذنوب، لكن إذا وقع منه الذنب فهناك أسباب المغفرة، فإن ما يحصل من الصحابة اجتهاد فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وإن وقع في ذنب محقق فأسباب المغفرة كثيرة: فقد يتوب إلى الله، فإما أن يغفرها الله له بتوبته فيتوب عليه، أو يغفرها له بإقامة الحد عليه في الدنيا مثلاً، أو بحسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو بشفاعة نبينا محمد ﷺ لهم، وهم أولى الناس بشفاعته، فإنهم خير قرون هذه الأمة، ولهذا قال المؤلف ﵀: (وهم كانوا مجتهدين) أي: فيما شجر بينهم، إما مصيبين فلهم أجران، أو مثابين على عملهم الصالح، ومغفور لهم ما كان عليهم من السيئات.
وقد سبق لهم من الله الحسنى، ووعدهم الله بالجنة، فإن الله يغفر لهم الذنوب المحققة: إما بتوبة، أو بحسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو غير ذلك مثل: شفاعة النبي ﷺ ، فإنهم خير قرون هذه الأمة، كما قال ﷺ : (خير القرون قرني الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم)، وبهذا يتبين أن معتقد أهل السنة والجماعة: الإمساك والسكوت عن الخلافات التي حصلت بين الصحابة فلا تتحدث عنها ولا تنشرها.
وبهذا ينبغي ألا تستمع للأشرطة التي سجلها بعض الناس في الصحابة والخلاف الذي بينهم، لأن هذه طريقة أهل البدع، فبعض الناس يسجل أشرطة ينقل فيها النزاع والخلاف والحروب التي حصلت بين الصحابة وينشرها، ويتكلم بالكلام السيئ، مثل أشرطة طارق السويدان، فـ طارق السويدان له أشرطة سيئة عن الصحابة، فلا ينبغي لطالب العلم استماعها، بل ينبغي له البعد عنها والتحذير منها؛ لأنها مخالفة لمعتقد أهل السنة والجماعة، ومعتقد أهل السنة والجماعة هو: السكوت عما شجر بين الصحابة من الخلافات وغيرها، واعتقاد أنهم أفضل وأخير الناس بعد الأنبياء، وأن ما حصل بينهم من اختلاف لا يخرج عن كونه إما مجتهد مصيب له أجران أو مجتهد مخطئ له أجر، وأن ما يروى عنهم من الأخبار لا يخرج عن كون بعضها كذباً لا أساس له من الصحة، وبعضها له أصل لكن زيد فيه بعض الكذب، أو نقصوا فيه، أو غيروه عن وجهه.
وبعض الذنوب المحققة صحيح ثابت، لكن هذا الثابت إما أن يمحى عنه بالتوبة أو بالحسنات أو بالمصائب أو بسابقتهم وفضلهم وجهادهم مع النبي ﷺ ، أو بشفاعة النبي ﷺ .
وبهذا يتبين أن من ينشر ويثير الخلافات بين الصحابة فهو مخالف لمعتقد أهل السنة والجماعة، ويجب هجره وعدم الاستماع لكلامه، ومن ذلك: أشرطة طارق السويدان، فينبغي هجرها وتركها وعدم سماعها والتحذير منها، لما فيها من مخالفة لمعتقد أهل السنة والجماعة بنشر ما شجر بين الصحابة من الخلافات.
стр. 110
الإمساك عما شجر بين علي ومعاوية مع اعتقاد أن كون الحق والصواب مع علي
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ونعلم مع ذلك أن علياً بن أبي طالب ﵁ كان أفضل وأقرب إلى الحق من معاوية وممن قاتله معه، لما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق)، وفي هذا الحديث دليل على أن مع كل طائفة حق، وأن علياً ﵁ أقرب إلى الحق] يقول المؤلف ﵀: بأن الخلاف والنزاع الذي حصل بين أهل العراق وهم علي ﵁ ومن معه، وبين أهل الشام وهم معاوية ومن معه، بأن الحروب التي حصلت بينهم كانت عن اجتهاد منهم فيها، فهم مجتهدون فمنهم المصيب له أجران ومنهم المخطئ له أجر، ونعلم أن علياً ﵁ أفضل من معاوية وأقرب إلى الحق منه وممن قاتله معه، والدليل على أنه أقرب إلى الحق: قول النبي ﷺ في حديث أبي سعيد: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين)، فقوله: تمرق بمعنى: تخرج عن الدين، وهم الخوارج، قال: (تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق)، وكان علي هو من قتلهم فصار أقرب إلى الحق من معاوية.
يقول المؤلف: (وفي هذا الحديث دليل على أن مع كل طائفة حق وأن علياً ﵁ أقرب إلى الحق).
والحديث فيه دليل على أن معاوية معه حق وكذلك علي ﵄، لكن الأقرب إلى الحق هو علي ﵁، ومما يدل على ذلك أيضاً: أن النبي ﷺ قال لـ عمار: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية)، فقتله جيش معاوية، فدل على أن معاوية ومن معه بغاة، لكن لا يعلمون أنهم بغاة، وذلك أن علياً بن أبي طالب ﵁ بويع بالخلافة من قبل أهل الحل والعقد، فامتنع معاوية وأهل الشام من البيعة، فتكلم بعضهم مع معاوية وقال بأنه يجب عليكم أن تبايعوا، وقد ثبتت البيعة لـ علي فلماذا لا تبايعون؟ فامتنع معاوية وأهل الشام، وقالوا: لا نبايع أحداً مع أننا نعتقد أنك أولى بالخلافة منا، لكن يجب عليك تسليم قتلة عثمان الذين قتلوه حتى نقتلهم، لأن معاوية أقرب الناس إليه، ونخشى أن يزيد طغيانهم وشرهم، فقال علي ﵁: أنا أوافقكم على ذلك، لكني لا أستطيع أن أسلمكم قتلته الآن، فلا أعرف من الذي قتل عثمان؛ لأنه مندس لا يعرف، وحتى لو عُرف فإن قبيلته تنتصر له فالأمر شديد جداً، فإذا استتب الأمر فإننا نأخذ قتلة عثمان ونقتلهم، فقال أهل الشام: بل أعطونا قتلة عثمان الآن، ومن هنا حصل الخلاف، وهذه أسبابه.
فلما رأى علي ﵁ أنهم لم يبايعوه أراد أن يخضعهم بالقوة ولابد من قتالهم، فانضم إلى علي أكثر الصحابة معتقدين أنه على الحق وأن أهل الشام بغاة يجب إخضاعهم؛ عملاً بقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]، فانضم جماهير الصحابة إلى علي بن أبي طالب ﵁ بهذه الآية، وقالوا: بأن أهل الشام بغاة، والله أمرنا أن نقاتل البغاة إذا لم يفيئوا إلى أمر الله، فلما لم يبايعوا قاتلهم علي ﵁، فدافعوا عن أنفسهم وهذا سبب الخلاف.
ولم ير علي ﵁ أن معاوية وأهل الشام من المؤلفة قلوبهم، فلم يستقر الإسلام في قلوبهم بعد -والمؤلفة قلوبهم: هم الذين دخلوا الإسلام من قريب- وكان معاوية بن أبي سفيان ممن دخل في الإسلام من قديم، فليسوا من المؤلفة قلوبهم، فلم يبق إلا القتال فقاتلوهم، وهذا هو الصواب.
فكان الصواب مع علي ﵁، وكان أهل الشام ومعاوية متأولين، فقالوا: نحن لا نمانع ولا نطالب بالخلافة، وإنما نطالب بدم عثمان لأننا أولياؤه، فأعطونا القتلة ثم نبايع بعد ذلك.
ويرى علي ﵁ أنه الخليفة الراشد الذي تمت له البيعة فيجب إخضاعهم له، وأما مطالبتهم بالدم فيكون بعد ذلك، فهذا هو بداية منشأ النزاع.
وهذا معنى قول المؤلف ﵀: (ونعلم أن علياً كان أفضل وأقرب إلى الحق).
следующие страницы →