Полный текст (438 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
شرح سنن أبي داود_ كتاب الطهارة [١]
حرص الإسلام على الآداب العامة وبين أهمية العمل بها، ومن هذه الآداب التي اهتم بها الشرع آداب التنزه وقضاء الحاجة، فبين الطريقة الصحيحة للتنزه من النجاسة بعد قضاء الحاجة، كما بين الطريقة الصحيحة لقضاء الحاجة وما يلحق ذلك من استقبال القبلة أو استدبارها عند ذلك.
стр. 2
مقدمة العظيم آبادي في كتابه عون المعبود
الحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله تعالى على رسوله محمد الذي جعل اتباعه سبباً لكفارة السيئات، وعلى آله وأزواجه وسائر أصحابه الذين نالوا به المنازل الرفيعة والدرجات.
أما بعد: فيقول العبد الفقير إلى الله تعالى أبو عبد الرحمن شرف الحق الشهير بـ محمد أشرف بن أمير بن علي بن حيدر الصديقي العظيم آبادي غفر الله لهم وستر عيوبهم: [إن هذه الفوائد المتفرقة والحواشي النافعة على أحاديث سنن الإمام الهمام المجتهد المطلق أبي داود سليمان بن أشعث السجستاني رضي الله تعالى عنه جمعتها من كتب أئمة هذا الشأن رحمهم الله تعالى، مقتصراً على حمل بعض المطالب العالية، وكشف بعض اللغات المغلقة، وتراكيب بعض العبارات، مجتنباً عن الإطالة والتطويل، إلا ما شاء الله تعالى، وسميتها بـ (عون المعبود على سنن أبي داود) تقبل الله مني].
قوله: (عون المعبود على سنن أبي داود) المعبود: هو الله ، وهذا شرح من أمثل الشروح الموجودة المطبوعة الآن، وإن كان فيه بعض النقص؛ لكن مع ضمه إلى تهذيب السنن لـ ابن القيم ومع مراجعة كتب الرجال تحصل الفائدة إن شاء الله.
قال ﵀: [والمقصود من هذه الحاشية المباركة الوقوف على معنى أحاديث الكتاب فقط من غير بحث؛ لترجيح الأحاديث بعضها على بعض، إلا على سبيل الإيجاز والاختصار، ومن غير ذكر أدلة المذاهب المتبوعة على وجه الاستيعاب، إلا في المواضع التي دعت إليها الحاجة.
أعان الله تعالى وتبارك على إتمام هذه الحواشي، ونفع بها إخواننا أهل العلم وإياي خاصة.
وأما الجامع لهذه المهمات المذكورة من الترجيح والتحقيق، وبيان أدلة المذاهب والتحقيقات الشريفة وغير ذلك من الفوائد الحديثية في المتون والأسانيد وعللها الشرح الكبير لأخينا العلامة الأعظم الأكرم أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي المسمى بـ (غاية المقصود في حل سنن أبي داود)، وفقه الله تعالى لإتمامه كما وفقه لابتدائه، وهو شرح كبير جليل عظيم الشأن، وشارحه العلامة صرف همته إلى إتمامه، والمشغول فيه بحسب الإمكان، جزاه الله ﵎ وتقبل منه وجعله خير العقبى.
وإني استفدت كثيراً من هذا الشرح المبارك، وقد أعانني شارحه في هذه الحاشية في جل من المواضع، وأمدني بكثير من المواقع، فكيف يكفر شكره؟! والباعث على تأييد هذه الحاشية المباركة أن أخانا الأعظم الأمجد أبا الطيب شارح السنن ذكر غير مرة في مجلس العلم والذكر أن شرحي: (غاية المقصود) يطول شرحه إلى غير النهاية، لا أدري كم تطول المدة في إتمامه، والله يعينني.
والآن لا نرضى بالاختصار؛ لكن الحبيب المكرم الشفيق المعظم جامع الفضائل والكمالات خادم سنن سيد الكونين الحاج تطلف حسين العظيم آبادي (ت ١٣٣هـ) مصر على تأليف الشرح الصغير سوى غاية المقصود، فكيف أرد كلامه؟! فأمرني أخونا العلامة الأعظم الأكرم أبو الطيب أدام الله مجده لإبرام هذا المرام فاعتذرت كثيراً، لكن ما قبل عذري، وقال: لا بد عليك هذا الأمر، وإني أعينك بقدر الإمكان والاستطاعة، فشرعت متوكلاً على الله في إتمام هذه الحاشية، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، استغفر الله ربي من كل ذنب وأتوب إليه].
стр. 3
مقدمة ابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود
قال الشيخ الإمام العلامة شمس الدين أبو بكر محمد بن القيم الجوزية الحنبلي غفر الله له: [الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين، وإله المرسلين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، وحجة على جميع المكلفين، فرق الله برسالته بين الهدى والضلال، والغي والرشاد، والشك واليقين، فهو الميزان الراجح الذي على أقواله وأعماله وأخلاقه توزن الأخلاق والأعمال والأقوال، وبمتابعته والاقتداء به يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، أرسله على حين فترة من الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق، وأوضح السبل، وافترض على العباد طاعته ومحبته وتأزيره وتوقيره والقيام بحقوقه، وأغلق دون جنته الأبواب، وسد إليها الطرق، فلم يفتح إلا من طريقه، فشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: هذا فيه بيان أنه ليس هناك طريق يوصل إلى الله إلا من طريق الرسول ﵊، ومن تعبد الله بغير الشريعة التي جاء بها الرسول ﵊ فعبادته باطلة، فقد سدت الطرق التي توصل إلى الله إلا من طريق الرسول ﵊؛ فالرسول ﵊ هو الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ الرسالة، ولكن ليس هناك واسطة بين الله وبين خلقه في دعائه وعبادته والتضرع إليه؛ لكن الرسول ﵊ واسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ الكتاب والرسالة.
قال ابن القيم ﵀: [وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، هدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وأرشد به من الغي، وفتح به أعيناً عمياً وآذانا صماً وقلوباً غلفاً، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق الجهاد، لا يرده عنه راد، ولا يصده عنه صاد؛ حتى سارت دعوته مسير الشمس في الأقطار، وبلغ دينه ما بلغ الليل والنهار؛ فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين صلاة دائمة على تعاقب الأوقات والسنين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فإن أولى ما صرفت إليه العناية، وجرى المتسابقون في ميدانه إلى أفضل غاية، وتنافس المتنافسون فيه، وشمر إليه العاملون: العلم الموروث عن خاتم المرسلين ورسول رب العالمين، الذي لا نجاة لأحد إلا به، ولا فلاح له في داره إلا بالتعلق بسببه، الذي من ظفر به فقد فاز وغنم، ومن صرف عنه فقد خسر وحرم؛ لأنه قطب السعادة الذي مدارها عليه، وآخية الإيمان الذي مرجعه إليه، فالوصول إلى الله وإلى رضوانه بدونه محال، وطلب الهدى من غيره هو عين الضلال، وكيف يوصل إلى الله من غير الطريق التي جعلها هو سبحانه موصلة إليه، ودالة لمن سلك فيها عليه، بعث رسوله بها منادياً، وأقامه على أعلامها داعياً وإليها هادياً، فالباب عن السالك في غيرها مسدود، وهو عن طريق هداه وسعادته مصدود، بل كلما ازداد كدحاً واجتهاداً ازداد من الله طرداً وإبعاداً؛ ذلك بأنه صد عن الصراط المستقيم، وأعرض عن المنهج القويم، ووقف مع آراء الرجال، ورضي لنفسه بكثرة القيل والقال، وأخلد إلى أرض التقليد، وقنع أن يكون عيالاً على أمثاله من العبيد، لم يسلك من سبل العلم منهاجها، ولم يرتق في درجاته معارجها، ولا تألقت في خلده أنوار بوارقه، ولا بات قلبه يتقلب بين رياضه وحدائقه، لكنه ارتضع من ثدي من لم تطهر بالعصمة لبانه، وورد مشرباً آجناً طالما كدره قلب الوارد ولسانه].
الماء الآجن هو: الماء المتغير.
قال ﵀: [تضج منه الفروج والدماء والأموال إلى من حل الحلال وحرم الحرام، وتعج منه الحقوق إلى منزل الشرائع والأحكام].
يتكلم الشيخ ﵀ عن هؤلاء المنحرفين الذين أحلوا ما حرم الله، وحرموا ما أحل الله.
قال ﵀: [فحق على من كان في سعادة نفسه ساعياً، وكان قلبه حياً واعياً، أن يرغب بنفسه عن أن يجعل كده وسعيه في نصرة من لا يملك له ضراً ولا نفعاً، وألا ينزلها في منازل الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً؛ فإن لله يوماً يخسر فيه المبطلون، ويربح فيه المحقون: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧] ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [الإسراء:٧١]، فما ظن من اتخذ غير الرسول إماماً، ونبذ سنته وراء ظهره، وجعل خواطر الرجال وآراءها بين عينيه وأمامه، فسيعلم يوم العرض أي بضاعة أضاع، وعند الوزن ماذا أحضر من الجواهر أو خرثي المتاع].
يعني: هل أحضر شيئاً نفيساً، أو شيئاً سافلاً تافهاً؟! قال ﵀: [فصل: ولما كان كتاب السنن لـ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ﵀، من الإسلام بالموضع الذي خصه الله به؛ بحيث صار حكماً بين أهل الإسلام، وفصلاً في موارد النزاع والخصام، فإليه يتحاكم المنصفون، وبحكمه يرضى المحققون، فإنه جمع شمل أحاديث الأحكام ورتبها أحسن ترتيب، ونظمها أحسن نظام مع انتقائها أحسن انتقاء واطراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء.
وكان الإمام العلامة الحافظ تقي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري رحمه الله تعالى قد أحسن في اختصاره وتهذيبه، وعزو أحاديثه وإيضاح علله وتقريبه، فأحسن حتى لم يكد يدع للإحسان موضعاً، وسبق حتى جاء من خلفه له تبعاً، جعلت كتابه من أفضل الزاد، واتخذته ذخيرة ليوم المعاد، فهذبته نحو ما هذب هو به الأصل، وزدت عليه من الكلام على علل سكت عنها أو لم يكملها، والتعرض إلى تصحيح أحاديث لم يصححها، والكلام على متون مشكلة لم يفتح مقفلها، وزيادة أحاديث صالحة في الباب لم يشر إليها، وبسطت الكلام على مواضع جليلة؛ لعل الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه، فهي جديرة بأن تثنى عليها الخناصر، ويعض عليها بالنواجذ، وإلى الله الرغبة أن يجعله خالصاً لوجهه، موجباً لمغفرته، وأن ينفع به من كتبه أو قرأه أو نظر فيه أو استفاد منه، فأنا أبرأ إلى الله من التعصب والحمية، وجعل سنة رسول الله ﷺ تابعة لآراء الرجال، منزلة عليها مسوقة إليها، كما أبرأ إليه من الخطأ والزور والسهو، والله سبحانه عند لسان كل قائم وقلبه، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب].
стр. 4
التخلي عند قضاء الحاجة
стр. 5
شرح حديث: (كان إذا ذهب المذهب أبعد)
قال المؤلف ﵀: [كتاب الطهارة.
باب التخلي عند قضاء الحاجة.
حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي قال: حدثنا عبد العزيز -يعني: ابن محمد - عن محمد -يعني: ابن عمرو - عن أبي سلمة عن المغيرة بن شعبة: (أن النبي ﷺ كان إذا ذهب المذهب أبعد)].
وهذا فيه بيان استحباب البعد عند قضاء الحاجة، وقد كان النبي ﷺ إذا ذهب لقضاء الحاجة أبعد؛ حتى لا تراه العيون ولا يسمع له صوت، ولهذا لما كان يوم تبوك تأخر النبي ﷺ وذهب معه المغيرة وقضى حاجته، ثم جعل المغيرة يصب عليه الماء، وتأخر عن الصحابة في صلاة الفجر، فقدموا عبد الرحمن بن عوف وصلى بهم ركعة ثم جاء النبي ﷺ والمغيرة.
وهذا يدل على أنه ﵊ أبعد المذهب، فالسنة أن الإنسان أذا أراد قضاء حاجته في البرية أو الصحراء أنه يبعد ويتوارى عن الناس؛ حتى لا ترى له عورة ولا يسمع له صوت.
والحديث لا بأس بسنده، وهو في الصحيح.
فإن قال قائل: هل هناك فرق بين البول والغائط، فيبعد في الغائط ولا يبعد في البول؟ أقول: لا شك أن الغائط أولى بالاستتار من غيره، والمهم أن يكون الإنسان عنده شيء يتقي به ويستتر به.
стр. 6
شرح حديث: (كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد بن مسرهد أخبرنا عيسى بن يونس، حدثنا إسماعيل بن عبد الملك عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄: (أن النبي ﷺ كان إذا أراد البراز انطلق؛ حتى لا يراه أحد)].
البراز بالفتح المراد به: الخلاء، يعني: قضاء الحاجة، وأصله اسم للصحراء البارزة، ثم أطلق على قضاء الحاجة، وأما البراز بالكسر: فهو من المبارزة.
قال الخطابي: البراز مفتوحة الباء: اسم للفضاء الواسع من الأرض، كنوا به عن حاجة الإنسان كما كنوا بالخلاء عنه، يقال: تبرز الرجل إذا تغوط، وهو أن يخرج إلى البراز، كما قيل: تخلى إذا سار إلى الخلاء، وأكثر الرواة يقولون: البراز بكسر الباء وهو غلط، إنما البراز مصدر: بارزت الرجل في الحرب مبارزة وبرازاً.
والحديث فيه عنعنة أبي الزبير وهو مدلس، لكن الحديث له شواهد.
стр. 7
الرجل يتبوأ لبوله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الرجل يتبوأ لبوله].
يعني: يختار لبوله مكاناً رخواً كما سيأتي، فلا يبول في أي مكان؛ لأنه إذا بال في أرض صلبة يرتد عليه البول أو شيء من رشاش البول، فلا بد أن يتبوأ ويرتاد لبوله مكاناً رخواً؛ حتى لا يرتد إليه البول أو يصيبه شيء من رشاش البول.
стр. 8
شرح حديث: (إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله موضعاً)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل أخبرنا حماد أخبرنا أبو التياح حدثني شيخ قال: لما قدم عبد الله بن عباس البصرة فكان يحدث عن أبي موسى فكتب عبد الله إلى أبي موسى يسأله عن أشياء، فكتب إليه أبو موسى: (إني كنت مع رسول الله ﷺ ذات يوم فأراد أن يبول، فأتى دمثاً في أصل جدار فبال، ثم قال ﷺ : إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله موضعاً)].
هذا الحديث ضعيف فيه مبهم، وهو الشيخ الذي يروي عن ابن عباس، لكن معناه صحيح.
والإنسان يرتاد لبوله مكاناً دمثاً، يعني: لا يبول على شيء صلب؛ لأنه إذا بال على شيء صلب جاءه شيء من رشاش البول، وكذلك أيضاً إذا بال في مكان مرتفع ارتد إليه البول، وإنما يرتاد مكاناً منخفضاً أو أرضاً مستوية ليست صلبة، والحديث رجاله كلهم ثقات ما عدا الشيخ المبهم، فـ موسى بن إسماعيل ثقة، وحماد: هو ابن سلمة، وأبو التياح: روى له البخاري.
стр. 9
ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء
стр. 10
شرح حديث أنس فيما يقال عند دخول الخلاء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء.
حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا حماد بن زيد وعبد الوارث عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال -عن حماد - قال: اللهم إني أعوذ بك -وقال عن عبد الوارث - قال أعوذ بالله من الخبث والخبائث).
قال أبو داود: رواه شعبة عن عبد العزيز: (اللهم إني أعوذ بك)، وقال مرة: (أعوذ بالله)، وقال وهيب: (فليتعوذ بالله)].
هذا الحديث فيه استحباب قول هذا الذكر عند دخول الخلاء، وهو قول: (اللهم أني أعوذ بك من الخبث والخبائث) وهذا الحديث رواه الشيخان وغيرهما، ويقال خُبُث وخُبْث بضم الباء وبإسكانها والخُبْثُ والخبائث: ذكران الشياطين وإناثهم، وهذا الذكر فيه تعوذ من ذكران الجن والشياطين وإناثهم، قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث).
قوله: (إذا دخل الخلاء) يعني: إذا أراد دخول الخلاء كما في قوله : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، يعني: إذا أردت قراءة القرآن، وهنا إذا دخل الخلاء، يعني: إذا أراد دخول الخلاء قال هذا الدعاء؛ لأنه حال قضاء الحاجة لا يذكر الله، وأما قول: باسم الله فهذه جاءت في حديث ضعيف، ولكن أخذاً بالأدلة العامة فلا بأس، فالمرء يقول: باسم الله عند دخول البيت، وعند الخروج منه، وعند دخول المسجد، وقولك عند دخول الخلاء: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) استعاذة بالله، أعوذ يعني: ألوذ وألتجئ وأعتصم بك يا ألله من الخبث -ذكران الشياطين- والخبائث -إناثهم-.
وقال الحافظ: وقد روى العمري من طريق عبد العزيز بن مختار عن عبد العزيز بن صهيب بلفظ الأمر قال: (إذا دخلتم الخلاء فقولوا: باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث) إسناده على شرط مسلم.
إذاً: قول باسم الله عند دخول الخلاء مشروعة.
قال: [حدثنا الحسن بن عمرو -يعني: السدوسي - قال: حدثنا وكيع عن شعبة عن عبد العزيز -هو ابن صهيب - عن أنس بهذا الحديث قال: (اللهم إني أعوذ بك) وقال شعبة وقال مرة: (أعوذ بالله).
стр. 11
شرح حديث: (إن هذه الحشوش محتضرة)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم عن رسول الله ﷺ قال: (إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث)].
وهذا فيه بيان الحكمة من شرعية هذا الدعاء: أن هذه الحشوش محتضرة، والحشوش: جمع حش، وهو مكان قضاء الحاجة، (محتضرة) يعني: تحضرها الشياطين: (فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله الخبث والخبائث) يعني: أعوذ وألوذ وألتجئ وأعتصم بك يا ألله من الخبث والخبائث، من ذكران الشياطين وإناثهم.
стр. 12
كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة
стр. 13
شرح حديث سلمان: (نهانا ﷺ أن نستقبل القبلة بغائط أو بول)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة.
حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان قال: قيل له: (لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟ قال: أجل، لقد نهانا ﷺ أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وألا نستنجي باليمين، وألا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو عظم)].
وهذه الترجمة فيها كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، والمراد بالكراهية: التحريم؛ لأنه يحرم استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، وهذا في غير البنيان، وأما في البنيان فإنه جائز في أصح أقوال أهل العلم جمعاً بين النصوص، وذهب بعض العلماء إلى المنع حتى في البنيان، والمسألة فيها خلاف لأهل العلم: منهم من أجاز الاستقبال بإطلاق، ومنهم منعها بإطلاق، ومنهم من فصل، ومنهم من أجاز الاستدبار دون الاستقبال، والصواب: المنع في الصحراء والفضاء، والجواز في البنيان جمعاً بين النصوص؛ لأنه ثبت في حديث ابن عمر أنه رأى النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة.
وفي هذا الحديث حديث سلمان أنه قال: (نهانا النبي ﷺ أن نستقبل القبلة بغائط أو بول) النهي يفيد التحريم، فدل على تحريم استقبال القبلة بغائط أو بول في الصحاري والفضاء، وقوله: (وألا نستنجي باليمين) يفيد تحريم الاستنجاء باليمين، وقوله: (وألا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار) يعني: إذا أراد أن يكتفي بالأحجار دون الماء فلا بد أن تكون ثلاثة أحجار، فلا يكفي حجر ولا حجران، ولا بد أن تكون منقية، أي: لا يبقى إلا أثر يسير لا يزيله إلا الماء فيعفى عنه، ولكن إذا لم ينق بالثلاث فيزيد رابعة، وإذا أنقى بالرابعة فالأفضل أن يزيد الخامسة حتى ينقي على وتر، فإذا لم ينق بالخامسة زاد السادسة فإن أنقى بالسادسة فالأفضل أن يزيد السابعة حتى ينقي على وتر، فالتنقية على وتر مستحبة، وكذلك يشترط ألا يتجاوز الخارج موضع العادة، فإن تجاوز الخارج موضع العادة فلا ينقي إلا الماء، وقوله: (أو أن نستنجي برجيع أو عظم) فهذه أمور في هذا الحديث نهى عنها النبي: استقبال القبلة بغائط أو بول، وهو حرام إلا في البنيان، الثاني: الاستنجاء باليمين؛ لأن اليمين للتكريم، وإنما يكون الاستنجاء باليسار، والثالث: (ألا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار) إذا أراد أن يكتفي بها عن الماء.
الرابع: (أو أن نستنجي برجيع أو عظم) والرجيع: هو رجيع الدابة، ورجيع الدابة لا يستنجى به، وكذلك العظم؛ لأن العظم زاد إخواننا من الجن، والرجيع والبعرة علف لدوابهم، لأنه ثبت أن وفداً من الجن جاءوا إلى النبي ﷺ فسألوه الزاد فقال: (لكم كل عظم يذكر اسم الله عليه، يعود أوفر ما كان عليه لحمه، وكل بعرة علف لدوابكم) قال النبي ﷺ : (فلا تستنجوا بالعظام ولا بالروث فإنها زاد إخوانكم من الجن).
стр. 14
شرح حديث: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا ابن المبارك عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يستطب بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة)].
وهذا الحديث فيه دليل على تحريم استقبال القبلة بغائط أو بول، قال النبي: (إنما أن لكم بمنزلة الوالد) فلا شك أنه ﵊ بمنزلة الوالد بل إن حقه أعظم من حق الوالد ﵊، ومحبته ينبغي أن تكون أعظم من محبة الوالدين والنفس ﵊؛ لأن محبة النبي تابعة لمحبة الله؛ لأنه ﵊ هو السبب في إنقاذ الأمة من الهلاك، والسبب في النجاة وهو الواسطة بين الله وبين عباده في تبليغ الشرع والدين، وكل خير نالته الأمة بسببه وكل شر دفعه يكون بسببه ﵊، قال: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها - يعني: في الصحراء- ولا يستطب بيمينه) يعني: لا يستنج، يسمى الاستنجاء استطابة لما فيه من دلك النجاسة وتطهير موضعها، (وكان يأمر بثلاثة أحجار)، يعني: في الاستجمار، هذا إذا أراد أن يكتفي به عن الماء.
قوله: (وينهى عن الروث والرمة) ينهى عن الروث يعني: الاستنجاء بالروث، والرمة: العظام البالية، يعني: لا يستنجى بالروث ولا بالعظام؛ لأنها زاد إخواننا من الجن كما سبق.
стр. 15
شرح حديث: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا سفيان عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب رواية قال: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولكن شرقوا أو غربوا، فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله)].
وهذا الحديث -وهو حديث أبي أيوب رواه الشيخان وغيرهما- فيه النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول، يعني: في الصحراء، وقال النبي ﷺ : (ولكن شرقوا أو غربوا) هذا خطاب لأهل المدينة؛ لأن قبلة أهل المدينة جنوب، والشمال دبر القبلة، فيشرقون أو يغربون، أما غيرهم فيختلف، فصاحب نجد مثلاً يقال له: يشمل أو يجنب؛ لأن قبلته غرب، وهذا خطاب لأهل المدينة.
وفيه دليل على جواز استقبال النيرين وهما الشمس والقمر، وأنه لا كراهة في استقبالهما، وهو خلاف قول بعض الفقهاء من الحنابلة وغيرهم أنه يكره استقبال النيرين.
قال أبو أيوب ﵁: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله.
هذا يدل على أن أبا أيوب ﵁ يرى المنع من استقبال القبلة حتى في البنيان، ولهذا قال: فكنا ننحرف عنها -يعني: في البنيان- ونستغفر الله .
стр. 16
شرح حديث: (نهى رسول الله أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا عمرو بن يحيى عن أبي زيد عن معقل بن أبي معقل الأسدي ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط) قال أبو داود: وأبو زيد هو مولى بني ثعلبة].
وهذ الحديث ضعيف، أراد بالقبلتين الكعبة وبيت المقدس، وأبو زيد هذا هو الوليد مولى بني ثعلبة، قال ابن حجر ﵀ في التهذيب: قيل: اسمه الوليد روى عن معقل بن أبي معقل الأسدي في النهي عن استقبال القبلتين، وعنه عمرو بن يحيى بن عمارة، قال ابن المديني: ليس بمعروف.
وعلى هذا فيكون الحديث ضعيفاً، فلا حجة فيما دل عليه من النهي عن استقبال القبلتين، والقبلة المنسوخة -أي: بيت المقدس- لا حرج في استقبالها، وإنما نهي عن استقبال الكعبة.
стр. 17
شرح أثر ابن عمر في استقباله القبلة من وراء الدابة عند قضاء الحاجة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا صفوان بن عيسى، عن الحسن بن ذكوان عن مروان الأصفر قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى، إنما نهي عن ذلك في الفضاء فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس].
وهذا الحديث فيه أن ابن عمر ﵄ يرى أنه لا بأس باستقبال القبلة إذا كان بينه وبينها حائل، جمعاً بين النصوص؛ لأنه روى أنه لما صعد سطح بيت له رأى النبي ﷺ يقضي حاجته على لبنتين مستقبل الشام مستدبر الكعبة، فلهذا كان يفتي بهذا ويرى أنه لا بأس في أن يستقبل القبلة عند قضاء الحاجة إذا كان بينه وبينها حائل؛ فلهذا أناخ راحلته وجعلها بينه وبين القبلة، ثم جلس يقضي حاجته ﵁، وهذا هو الصواب، واختاره البخاري ﵀ وجماعة، ولهذا بوب البخاري باب استقبال القبلة في البنيان أو قريباً من هذا، فدل على أنه في البنيان يجوز، وفي الفضاء لا يجوز جمعاً بين النصوص.
стр. 18
ما جاء في الرخصة في استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة
стр. 19
شرح حديث ابن عمر في رؤيته رسول الله في البيت مستقبلاً بيت المقدس لحاجته
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في ذلك حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن عبد الله بن عمر قال: (لقد ارتقيت على ظهر البيت فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته)].
وهذا الحديث أخرجه البخاري في الوضوء: باب من تبرز على لبنتين، ومسلم أيضاً في الطهارة، وابن ماجة والنسائي.
وفيه الرخصة في استقبال القبلة عند قضاء الحاجة واستدبارها؛ ولهذا بوب أبو داود ﵀، قال: باب الرخصة في ذلك.
يعني: في الاستقبال والاستدبار عند قضاء الحاجة، أخذاً بهذا الحديث، حديث ابن عمر فيكون قوله ﷺ : (لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول) خصصه حديث ابن عمر وأنه لا بأس بالاستقبال في البنيان.
стр. 20
شرح حديث: (نهى نبي الله أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن أبان بن صالح عن مجاهد عن جابر بن عبد الله قال: (نهى نبي الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها)].
هذا الحديث رواه الترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وقد أخذ به بعض العلماء وقالوا: إنه لا بأس بالاستقبال.
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى بعد قول الحافظ زكي الدين: وقال الترمذي: حديث غريب، وقال الترمذي: سألت محمداً عن هذا الحديث؟ فقال: حديث صحيح، وقد أعل ابن حزم حديث جابر بأنه عن أبان بن صالح وهو مجهول ولا يحتج برواية مجهول، قال ابن المفوز: أبان بن صالح مشهور ثقة صاحب حديث وهو أبان بن صالح بن عمير أبو محمد القرشي مولى لهم المكي، روى عنه ابن جريج وابن عجلان وابن إسحاق وعبيد الله بن أبي جعفر، واستشهد بروايته البخاري في صحيحه عن مجاهد والحكم بن مسلم وعطاء، وثقه يحيى بن معين، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان والنسائي وهو والد محمد بن أبان بن صالح بن عمير الكوفي الذي روى عنه أبو الوليد وأبو داود الطيالسي وحسين الجعفي وغيرهم، وجد أبي عبد الرحمن مشكدانة شيخ مسلم وكان حافظاً، وأما الحديث فإنه انفرد به محمد بن إسحاق وليس هو ممن يحتج به في الأحكام، فكيف نعارض بحديثه الأحاديث الصحاح، أو ينسخ به السنن الثابتة مع أن التأويل في حديثه ممكن، والمخرج منه معرض.
تم كلامه.
وهو لو صح حكاية فعل لا عموم لها ولا يعلم هل كان في فضاء أو بنيان؟ وهل كان لعذر من ضيق مكان ونحوه أو اختياراً؟ فكيف يقدم على النصوص الصحيحة الصريحة بالمنع، فإن قيل: فهب أن هذا الحديث معلول فما يقولون في حديث عراك عن عائشة: (ذكر عند رسول الله ﷺ أن ناساً يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة، فقال رسول الله ﷺ : أوقد فعلوها؟ استقبلوا بمقاعدكم القبلة)؟ ف
الجواب
أن هذا الحديث لا يصح وإنما هو موقوف على عائشة حكاه الترمذي في كتاب العلل عن البخاري.
وقال بعض الحفاظ: هذا حديث لا يصح وله علة لا يدركها إلا المعتنون بالصناعة، وذلك أن خالد بن أبي الصلت لم يحفظ متنه ولا أقام إسناده، خالفه فيه الثقة الثبت صاحب عراك بن مالك المختص به، الضابط لحديثه: جعفر بن ربيعة الفقيه، فرواه عن عراك عن عروة عن عائشة ﵂ أنها كانت تنكر ذلك، فبين أن الحديث لـ عراك عن عروة ولم يرفعه ولا يجاوز به عائشة، وجعفر بن ربيعة هو الحجة في عراك بن مالك مع صحة الأحاديث عن النبي ﷺ وشهرتها بخلاف ذلك، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب المراسيل عن الأثرم: سمعت أبا عبد الله وذكر حديث خالد بن أبي الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ هذا الحديث، فقال: مرسل، فقلت له: عراك بن مالك قال: سمعت عائشة فأنكره، وقال عراك بن مالك: من أين سمع عائشة؟ ما له ولـ عائشة؟ إنما يروونه عن عروة هذا خطأ، قال لي: من روى هذا؟ قلت: محمد بن سلمة عن خالد الحذاء قال: رواه غير واحد عن خالد الحذاء، وليس فيه سمعت، وقال غير واحد أيضاً عن حماد بن سلمة: ليس فيه سمعت.
وهذا الحديث تفرد به محمد بن إسحاق، فيكون شاذاً مخالفاً للأحاديث الصحيحة والشاذ ضعيف، ولو صح قد يكون محتملاً ونقول: قوله: (رأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها) محتمل أن يكون يستقبلها في البنيان، ثم أيضاً هو حكاية فعل فلا يعارض به الأقوال الصريحة، وعلى كل حال هذا محتمل مجمل مشتبه، والقاعدة عند أهل العلم: أن المجمل لا يعارض به المحكم الواضح، وإنما يرد إلى المحكم ويفسر به، ولا يتعلق بالمشتبه والمجمل إلا الضعفاء من أهل البصيرة، والمقصود أن العمدة على الأحاديث الصحيحة: النهي عن استقبال القبلة، أما هذا فقد تفرد به محمد بن إسحاق، ولو صح فهو محتمل أن يكون في البنيان أو في الصحراء، ثم أيضاً هو حكاية فعل.
стр. 21
كيفية التكشف عند الحاجة
стр. 22
شرح حديث (أن النبي كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب كيف التكشف عند الحاجة؟ حدثنا زهير بن حرب حدثنا وكيع عن الأعمش عن رجل عن ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض).
قال أبو داود: رواه عبد السلام بن حرب عن الأعمش عن أنس بن مالك ﵁، وهو ضعيف].
هذه الترجمة أوردها المؤلف ﵀ في بيان كيفية التكشف عند قضاء الحاجة، يعني: متى يرفع ثوبه؟! ثم ذكر هذا الحديث، وهو ضعيف فيه هذا الرجل المبهم، والثاني كذلك قال: رواه عبد السلام عن أنس.
ولكن من المعلوم أن من الأدلة العامة أنه لا يجوز كشف العورة إلا عند الحاجة، والحاجة إلى ذلك تكون في موضعين: إذا أراد الإنسان أن يقضي حاجته، وإذا أراد أن يغتسل وليس عنده أحد فإنه يخلع ثوبه، وهنا عند قضاء الحاجة إذا قرب من الأرض ودنا منها، ويكشف قدر الحاجة، أما هذا الحديث ففيه ضعف.
قال السيوطي رحمه الله تعالى: ليس المراد هو تضعيف عبد السلام؛ لأنه ثقة حافظ من رجال الصحيحين، بل تضعيف من قال: عن أنس؛ لأن الأعمش لم يسمع من أنس.
стр. 23
شرح سنن أبي داود_ كتاب الطهارة [٢]
نهى الشارع الحكيم عن الكلام أثناء قضاء الحاجة وكذلك رد السلام، كما أمر بالتستر عند قضاء الحاجة والتنزه من البول والاستتار عند ذلك، وقد جاء الوعيد الشديد لمن أهمل التنزه من البول.
стр. 24
كراهية الكلام عند الخلاء
стр. 25
شرح حديث: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب كراهية الكلام عند الخلاء.
حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة حدثنا ابن مهدي حدثنا عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن عياض قال: حدثني أبو سعيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان؛ فإن الله يمقت على ذلك).
قال أبو داود: هذا لم يسنده إلا عكرمة بن عمار].
هذا الحديث أخرجه ابن ماجة وأحمد والبيهقي والحاكم وابن خزيمة في صحيحه وابن حبان، قال ابن حبان في الثقات: عكرمة بن عمار روايته عن يحيى بن أبي كثير فيها اضطراب.
قال الذهبي في الميزان: عياض بن هلال أو هلال بن عياض عن أبي سعيد لا يعرف، ما علمت روى عنه سوى يحيى بن أبي كثير.
وقال أبو داود: لم يذكره إلا عكرمة بن عمار، يعني: أنه موقوف على أبي سعيد، ولكن مثل هذا لا يقال من جهة الرأي، وفيه إثبات صفة المقت لله ، وإذا صح الحديث يؤخذ منه صفة المقت لله، وصفة المقت ثابتة في القرآن الكريم، والمقت هو: أشد البغض، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر:١٠]، ولكن ما دل عليه الحديث صحيح أيضاً؛ فإن كشف من يتخلى عند حاجته عن عورته أو كون الاثنين يقضيان حاجتهما ويكشفان عوراتهما هذا ممنوع ولا يجوز، وهكذا حين يتحدثان أيضاً، فإن هذا ليس مكاناً للحديث، فمكان قضاء الحاجة ليس مكاناً للحديث إلا للضرورة، كأن يتكلم مع إنسان كفيف يريد أن يسقط في حفرة أو ما أشبه ذلك، أما ما عدا ذلك فلا يتكلم؛ لأنه ليس محلاً للكلام.
وعليه فإن كشف الإنسان عن عورته أو الرجلين عن عورتهما وحديثهما عند قضاء الحاجة كل هذا ممنوع.
стр. 26
ما جاء في الرجل يرد السلام وهو يبول
стр. 27
شرح حديث: (مر رجل على النبي وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يرد السلام وهو يبول.
حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة قالا: حدثنا عمر بن سعد عن سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: (مر رجل على النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه).
قال أبو داود: وروي عن ابن عمر ﵄ وغيره: (أن النبي ﷺ تيمم ثم رد على الرجل السلام)].
وهذا فيه أنه لا يسلم على من يبول ومن يقضي حاجته، وإذا سلم عليه أحد وكان موجوداً وأمكنه السلام عليه بعد ذلك فلا بأس، والتيمم هنا هو من باب الاستحباب؛ لأن النبي ﷺ كان يذكر الله في كل أحواله، والسلام اسم من أسماء الله.
وقد جاء في الحديث الآخر أنه سلم عليه وهو ليس على حاجته، ولم يكن على طهر، فتيمم ورد ﵇.
وفي الحديث الآخر أنه لم يجد ماءً أو لم يكن قريباً من البلد فحك الجدار وتيمم ورد ﵇ وقال: (كرهت أن أذكر الله إلا على طهر)، هذا إذا أمكن رد السلام عليه، فإذا سلم إنسان على آخر وهو يبول ولم يذهب فله أن يرد ﵇ بعد ذلك إذا تيمم، وإذا كان الماء موجوداً يتوضأ؛ لأن السلام على طهارة أفضل.
قال الشارح: فلم يرد عليه الجواب، وفي هذا دلالة على أن المسلم في هذا الحال لا يستحق جواباً، وهكذا في رواية مسلم وأصحاب السنن من طريق الضحاك عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: (مر رجل على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه)، وكذا في ابن ماجة من حديث أبي هريرة وجابر بن عبد الله ﵄.
وأما في رواية محمد بن ثابت العبدي وابن الهاد كلاهما عن نافع عن ابن عمر ﵄ التي أخرجها المؤلف في باب التيمم ففيها أن السلام كان بعد البول.
وفي رواية مسلم: (أنه سلم عليه وهو يبول ولم يرد عليه)، فإذا سلم عليه وهو يقضي حاجته لا يرد عليه, وأما إذا كان ليس في قضاء الحاجة فإنه يجب رد السلام، لكن إن رده وهو على طهارة فهو أفضل، وإلا فلا يجب التطهر؛ لأن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحواله.
وأما ما جاء في الحديث الآخر أن النبي ﷺ حك الجدار لما سلم عليه الرجل وتيمم وقال: (كرهت أن أذكر الله إلا على طهر) فهذا من باب الاستحباب، فالأفضل للإنسان إذا أراد أن يذكر الله أن يكون على طهارة، والسلام من ذكر الله، ولكن لا بأس بذكر الله ولو لم يكن على طهور، وأعلى ذكر الله قراءة القرآن، وأفضل الذكر قراءة القرآن، فيجوز للإنسان أن يقرأ القرآن عن ظهر قلب إذا لم يمس المصحف، إلا إذا كان عليه جنابة، كما في حديث علي: (فأما الجنب فلا ولا آية) فالجنب لا يقرأ ولا عن ظهر قلب، وأما غير الجنب فله أن يقرأ من غير مس المصحف، ولكن الأفضل أن يكون على طهارة.
стр. 28
شرح حديث: (إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن حضين بن المنذر أبي ساسان عن المهاجر بن قنفذ ﵁: (أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر، أو قال: على طهارة)].
محمد بن المثنى قال فيه ابن حجر: ثقة ثبت.
وعبد الأعلى: ثقة.
وسعيد، هو سعيد بن أبي عروبة مهران اليشكري، ثقة حافظ، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة.
والحسن ثقة فقيه قاض مشهور، وكان يرسل كثيراً ويدلس.
وحضين بن المنذر أبي ساسان ثقة.
ولا شك أن ذكر الله على طهارة أفضل، فإذا لم يكن الإنسان على طهارة يؤخر رد السلام حتى يتوضأ، هذا إذا لم يخش ذهاب الوقت، أما إذا خشي فالأولى في مثل هذه الحالة أن يرد عليه في الحال؛ لأن ذكر الله على غير طهارة لا بأس به، كما في حديث عائشة: (كان النبي ﷺ يذكر الله في كل أحيانه)، وقد يتأثر المسلِّم ويقع في نفسه شيء إذا أخر رد السلام عليه حتى يتوضأ؛ لأنه قد يتأخر وقتاً طويلاً، والحديث فيه الحسن يدلس ويرسل، وفيه سعيد بن أبي عروبة كثير التدليس، فلو صح فهو محمول على ما إذا لم يتأثر المسلِّم ولم يقع في نفسه شيء، أو أخبره وقال: إني سأتوضأ، وإلا فالأولى في مثل هذه الحالة أن يرد ﵇ في الحال.
ونقل الخطابي أن الرجل إذا خاف خروج الوقت يتيمم من غير مرض ولا حرج، قال: وإلى هذا ذهب الأوزاعي وقال: يتيمم ويصلي قبل فوات الوقت.
وهذا ليس بصحيح، فقول الأوزاعي هذا ليس بشيء، والصواب: أنه لا يجوز له أن يتيمم مع وجود الماء، فهذا كلام مصادم لقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣]، فإن وجد ماءً فلا يتيمم ولو خاف طلوع الشمس، ولو كان نائماً نوماً يعذر فيه فوقت الصلاة من حين يستيقظ، يقول النبي ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك) فإذا استيقظ قرب طلوع الشمس فوقتها حين يستيقظ، وهو معذور إذا كان نوماً يعذر فيه، أو يسخن الماء إذا كان في الشتاء ويغتسل ولو طلعت الشمس ثم يصلي، أما أن يصلي بالتيمم فهذا باطل ولا يجوز إلا عند عدم الماء أو العجز عن استعماله.
أما رد السلام فالتطهر له من باب الاستحباب، فقد جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ لما سلم عليه رجل وهو في مكان يقال له: بئر جمل وكان قريباً من البلد حك الجدار وتيمم، ثم رد ﵇ وقال: (كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة) فيحتمل هنا أن الماء كان بعيداً عنه أو أنه تيمم؛ لأن هذا من باب الاستحباب وليس لأداء فريضة، أما الفريضة فلا بد لها من الوضوء إذا كان يجد الماء ويستطيع استعماله.
وأما حديث ابن عمر: (أن رجلاً مر على النبي ﷺ وهو يبول فلم يرد عليه) فتمامه: (أن رجلاً مر بالنبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه حتى فرغ من حاجته، ثم رمى يده على الجدار ثم تيمم، فرد عليه)، ومعناه: أن النبي ﷺ تيمم لذكر الله، وذكر الله على طهارة أفضل، ولا سيما إذا كان دعاءً، وقد كان مالك لا يقرأ عليه حديث رسول الله ﷺ حتى يتوضأ.
стр. 29
ما جاء في الرجل يذكر الله تعالى على غير طهر
стр. 30
شرح حديث: (كان رسول الله يذكر الله على كل أحيانه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يذكر الله تعالى على غير طهر.
حدثنا محمد بن العلاء حدثنا ابن أبي زائدة عن أبيه عن خالد بن سلمة -يعني: الفأفاء - عن البهي عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه)].
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصحيح، وفيه جواز الذكر في جميع الأحيان، سواء كان الإنسان متوضئاً أو غير متوضئ، حتى ولو كان عليه جنابة فله أن يذكر الله ويسبح ويقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ويقرأ القرآن عن ظهر قلب إلا إذا كان عليه جنابة فلا يقرأ القرآن؛ لما جاء في حديث علي (فأما الجنب فلا ولا آية) فالجنب لا يقرأ شيئاً من القرآن حتى يغتسل، أما إذا لم يكن عليه جنابة فإنه يذكر الله، وأعلى الذكر تلاوة القرآن، وله أن يسبح ويهلل ويكبر ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى الله وهو على غير طهارة، لكن الأفضل أن يكون على طهارة.
стр. 31
ما جاء في الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى يدخل به الخلاء
стр. 32
شرح حديث: (كان النبي إذا دخل الخلاء وضع خاتمه)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى يدخل به الخلاء.
حدثنا نصر بن علي عن أبي علي الحنفي عن همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس ﵁: (كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه).
قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس ﵁ قال: (إن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه) والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام].
وهمام ثقة، ولكنه خالف الثقات.
وأبو داود يرى أن ابن جريج دلس عن الزهري، وأنه أسقط زياد بن سعد.
وقال آخرون: إنه جاء ما يتابعه ويؤيده، وأبو داود يقول: إن هذا إنما هو في إلقاء الخاتم.
وجاء في حديث آخر: (أن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من ذهب؛ فاتخذ الناس خواتم من ذهب، ثم نزعه وألقاه) كان في أول الأمر التختم بالذهب مباحاً، ثم جاء النهي، فاتخذ النبي خاتماً من ورق، يعني: من فضة، ثم ألقاه.
قال الشارح: وقال السخاوي في فتح المغيث: وكذا قال النسائي: إنه غير محفوظ.
انتهى.
وهمام ثقة احتج به أهل الصحيح، ولكنه خالف الناس، ولم يوافق أبو داود على الحكم عليه بالنكارة؛ فقد قال موسى بن هارون: لا أدفع أن يكونا حديثين.
ومال إليه ابن حبان فصححهما معاً، ويشهد له أن ابن سعد أخرج بهذا السند: (أن أنساً نقش بخاتمه: محمداً رسول الله، قال: فكان إذا أراد الخلاء وضعه) لا سيما وهمام لم ينفرد به، بل تابعه عليه يحيى بن المتوكل عن ابن جريج.
وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ولكنه متعقب؛ فإنهما لم يخرجا لكل منهما على انفراده.
وقول الترمذي: إنه حسن صحيح غريب فيه نظر.
وبالجملة فقد قال شيخنا: إنه لا علة له عندي إلا تدليس ابن جريج؛ فإن وجد عنه التصريح بالسماع فلا مانع من الحكم بصحته في نقدي.
انتهى.
ولم يذكر أنه صرح بالسماع، وعلى كل حال لا شك أنه ينبغي للإنسان ألا يدخل الخلاء بشيء فيه ذكر الله، سواء كان خاتماً أو غيره ما أمكن، فإذا كان الخاتم فيه ذكر الله فإنه يخلع، إلا إذا كان يخشى عليه من الضياع، وكذلك إذا كان معه أوراق فيها ذكر الله لا يدخل بها، إلا إذا خاف عليها أن تضيع أو ينساها أو تؤخذ فيكون معذوراً في هذه الحالة، فلا بأس، وإلا فالأولى عدم دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله.
وهذا الحديث قال عنه الدارقطني في كتاب العلل: رواه سعيد بن عامر وهدبة بن خالد عن همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس به، وخالفهم عمرو بن عاصم فرواه عن همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس: (أنه كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه) موقوفاً ولم يتابع عليه، ورواه يحيى بن المتوكل بن الضرير عن ابن جريج عن الزهري عن أنس نحو قول سعيد بن عامر ومن تابعه عن همام.
ورواه عبد الله بن حارث المخزومي وأبو عاصم وهشام بن سليمان وموسى بن طارق عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس: (أنه رأى في يد النبي ﷺ خاتماً من ذهب، فاضطرب الناس الخواتيم، فرمى به النبي ﷺ وقال: لا ألبسه أبداً) وهذا هو المحفوظ والصحيح عن ابن جريج.
انتهى.
وهو خاتم من الذهب، فنزعه وقال: (لا ألبسه أبداً) وهذا بعد أن جاءه الوحي، وكان في أول الأمر مباحاً، وقد كان النبي ﷺ قد اتخذ خواتم من ذهب فاتخذ الناس خواتماً من ذهب، ثم نزعه النبي فنزع الناس خواتيمهم، فاتخذ النبي ﷺ الخاتم لما جاءه الوحي من ورق، أي: من فضة.
стр. 33
الاستبراء من البول
стр. 34
شرح حديث: (مر النبي على قبرين فقال إنهما يعذبان)
الملقي: [باب الاستبراء من البول.
حدثنا زهير بن حرب وهناد بن السري قالا: حدثنا وكيع حدثنا الأعمش قال: سمعت مجاهداً يحدث عن طاوس عن ابن عباس ﵄ قال (مر رسول الله ﷺ على قبرين فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما هذا فكان لا يستنزه من البول، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة، ثم دعا بعسيب رطب فشقه باثنين ثم غرس على هذا واحداً، وعلى هذا واحداً وقال: لعله يخفف عنها ما لم ييبسا).
قال هناد: (يستتر) مكان (يستنزه)].
وهذا الحديث أخرجه الشيخان، وفيه وجوب الاستنزاه والاستبراء من البول، ووجوب اجتناب النميمة، وفيه: أن عدم الاستبراء من البول والوقوع في النميمة من أسباب عذاب القبر.
قوله: (لا يستنزه من البول) (ال) هنا عهدية، يعني: البول المعهود، وهو بول الآدمي كما جاء في اللفظ الآخر: (من بوله) واحتج بهذا بعض علماء الشافعية على أن بول ما يؤكل لحمه نجس، والصواب: أنه طاهر ليس بنجس، وأن المراد بالبول هنا البول المعهود وهو بول الآدمي، ويدل على هذا رواية: (من بوله)، فـ (أل) عوض عن (الهاء).
وأما بول الإبل فهو طاهر، وكذلك الغنم والبقر وما يؤكل لحمه روثه وبوله طاهر، والدليل على هذا أن النبي ﷺ أمر العرنيين الذين استوخموا المدينة أن يلحقوا بإبل الصدقة، ويشربوا من أبوالها وألبانها، ولم يأمرهم بغسل أفواههم، ولم يقل: (اغسلوا أفواهكم لأنها نجسة، فدل هذا على أن أبوالها طاهرة، وإنما المراد هنا بالبول المعهود بول الآدمي.
فينبغي للإنسان أن يستنزه ويستبرئ من البول.
وكذلك يحذر النميمة؛ لأنهما من أسباب عذاب القبر.
قال الشارح: (يستتر) مكان (يستنزه) كذا في أكثر الروايات بمثناتين من فوق الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وفي رواية ابن عساكر (يستبرئ) بموحدة ساكنة من الاستبراء، فعلى رواية الأكثر معنى الاستتار: أنه لا يجعل بينه وبين بوله سترة، يعني: لا يتحفظ منه، فتوافق رواية (لا يستنزه)؛ لأنها من التنزه وهو الإبعاد.
ووقع عند أبي نعيم عن الأعمش: (كان لا يتوقى) وهي مفسرة للمراد.
وأجراه بعضهم على ظاهره فقال: معناه لا يستر عورته، فقلت: لو حمل الاستتار على حقيقته للزم أن مجرد كشف العورة كان سبب العذاب المذكور.
وسياق الحديث يدل على أن للبول بالنسبة لعذاب القبر خصوصية، ويؤيده ما أخرجه ابن خزيمة من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (أكثر عذاب القبر من البول) أي: بسبب ترك التحرز منه، وعند أحمد وابن ماجة من حديث أبي بكرة: (أما أحدهما فيعذب في البول) ومثله للطبراني عن أنس.
يعني: أنه ينبغي للإنسان أن يستبرئ من البول ويتوقى ويتحفظ ويتحرز من النجاسة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ بمعناه قال: (كان لا يستتر من بوله) وقال أبو معاوية: (يستنزه)].
قوله: (من بوله) هذه مفسرة لقوله: (كان لا يستنزه من البول) وأن المراد به بول الآدمي وليس بول الحيوانات.
стр. 35
شرح حديث: استتار رسول الله بدرقة في بوله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن حسنة ﵁ قال: (انطلقت أنا وعمرو بن العاص ﵁ إلى النبي ﷺ ، فخرج ومعه درقة، ثم استتر بها، ثم بال، فقلنا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة، فسمع ذلك فقال: ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم؛ فنهاهم فعذب في قبره) قال أبو داود: قال منصور عن أبي وائل عن أبي موسى ﵁ في هذا الحديث قال: (جلد أحدهم).
وقال عاصم عن أبي وائل عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: (جسد أحدهم)].
وهذا الحديث أخرجه النسائي وابن ماجة وأحمد.
وهذا الحديث فيه أنهم أنكروا على النبي ﷺ كونه يستتر، وقد كان من عادة العرب أن الواحد منهم يبول قائماً، وينكرون على من بال جالساً ويقولون: هذا من خصائص النساء، ولذا قالوا: (انظروا إليه يبول كما تبول المرأة).
وسيأتي أن البول قائماً يجوز للحاجة وأن البول جالساً هو الأفضل.
ففي هذا الحديث أن النبي استتر، فلما أنكروا عليه أنكر عليهم عليه الصلاة السلام، وبين لهم أن بني إسرائيل شدد عليهم في هذا، وكان الواحد منهم إذا أصابه البول يقرض مكان البول ولا يزيله بالغسل، فلما نهاهم إنسان عذب في قبره؛ لأنه نهاهم عن أمر واجب، فالنبي ﷺ أنكر عليهم وقال: كيف تنكرون علي استتاري من البول وصاحب بني إسرائيل لما أنكر عليهم عذب في قبره؟! فقد كان الواحد منهم إذا أصاب أحدهم البول قرض مكانه بالمقراض ولا يجزئه الغسل، وهذا من الآصار التي كانت عليهم، وأما في شريعتنا -والحمد لله- فإنه يطهره الغسل بالماء.
стр. 36
ما جاء في البول قائماً
стр. 37
شرح حديث: (أتى رسول الله سباطة قوم فبال قائماً)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب البول قائماً.
حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم قالا: حدثنا شعبة ح وحدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة -وهذا لفظ حفص عن سليمان عن أبي وائل عن حذيفة ﵁ قال: (أتى رسول الله ﷺ سباطة قوم فبال قائماً، ثم دعا بماءٍ فمسح على خفيه).
قال أبو داود: قال مسدد: فذهبت أتباعد فدعاني حتى كنت عند عقبه].
هذا الحديث أخرجه الشيخان، وهو دليل على جواز البول قائماً عند الحاجة إلى ذلك مع التستر والأمن من نظر أحد إلى عورة الرجل، وهو مباح عند الحاجة، ولكن الأفضل البول قاعداً وهذا هو الأكثر من فعله ﷺ ، ولهذا روت عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ ما كان يبول إلا قاعداً)؛ لأنها علمت هذا من فعله في البيوت، وحذيفة رآه خارج البيوت، وحديثه مقدم على حديث عائشة؛ لأن عائشة قالت: (من حدثكم أن النبي ﷺ بال قائماً فلا تصدقوه؛ ما كان رسول الله يبول إلا قاعداً) وهذا على حسب علمها، وحديثه مقدم على حديث عائشة؛ لأن حذيفة مثبت وعائشة نافية؛ والمثبت مقدم على النافي.
والسباطة هي: القمامة التي يلقى فيها الكناسة وما أشبهها.
فالنبي ﷺ بال قائماً لحاجة دعت إلى ذلك؛ لأن المكان غير مناسب للجلوس، أو لأن الأرض صلبة ولا يأمن من ارتداد رشاش البول، أو لأن الأرض وسخة، والصواب أنه فعله للحاجة، وليس لمرض كما زعمه بعضهم، فقد قال بعضهم: إنه فعل هذا لوجع في مأبضه، وهو باطن الركبة، أو لوجع في صلبه، وهذا ليس بصحيح، والصواب: أنه فعله لبيان الجواز.
وكان أهل هراة يرونه سنة، وكان أحدهم يبول قائماً في السنة مرة، والصواب: أن الأفضل البول قاعداً، لكن إذا دعت الحاجة للبول قائماً فلا بأس مع التستر، ولهذا أمر النبي ﷺ حذيفة أن يدنو حتى يستره، وولاه ظهره، والقمامة تستره من الجهة الثانية، ويحتمل أن هناك جداراً أيضاً من الجهة الأخرى.
وفيه دليل على مشروعية مسح الخفين من الحدث الأصغر؛ لأن النبي مسح على خفيه، وحديث مسح الخفين من الأحاديث المتواترة رواه عن النبي ﷺ ما يقارب سبعين صحابياً.
стр. 38
ما جاء في الرجل يبول بالليل في الإناء ثم يضعه عنده
стр. 39
شرح حديث (كان للنبي قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يبول بالليل في الإناء ثم يضعه عنده.
حدثنا محمد بن عيسى حدثنا حجاج عن ابن جريج عن حكيمة بنت أميمة بنت رقيقة عن أمها أنها قالت: (كان للنبي ﷺ قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل)].
أميمة صحابية، لكن حكيمة مجهولة، وعلى هذا فالحديث ضعيف فلا يحتج به.
لكن قد يخشى أن ينكفئ الإناء فيتنجس المحل، إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، كأن يكون الإنسان مريضاً أو كبير السن يشق عليه الخروج، وما أشبه ذلك؛ فإنه يضعه ثم يؤخذ ويوضع في مكانه، أما عند عدم الحاجة فلا ينبغي؛ لأن هذا الحديث ضعيف؛ فـ حكيمة هذه مجهولة، قال عنها في التقريب: لا تعرف، أي: مجهولة، وعلى هذا يكون الحديث ضعيفاً.
стр. 40
شرح سنن أبي داود_ كتاب الطهارة [٣]
جاء الإسلام بكل ما فيه منفعة المسلم، وحذر من كل ما يضر به، ومن ذلك ما يتعلق بآداب قضاء الحاجة، فنهى عن التخلي في الظل والطريق والموارد، ونهى عن التخلي في الخلاء دون سترة، ونهى كذلك عن استعمال اليمين عند التنزه، أو التنزه بالرجيع والعظم.
следующие страницы →