Полный текст (438 стр.). Показаны 421–438 · переход к 426.
стр. 421
شرح حديث أم قيس بنت محصن في بول ابنها في حجر رسول الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب بول الصبي يصيب الثوب: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أم قيس بنت محصن ﵂: (أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ ، فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله)].
هذه الترجمة معقودة لحكم بول الصبي الذي لم يأكل الطعام إذا أصاب الثوب فيكفي فيه الرش والنضح، وهذا الحديث أخرجه مالك والشيخان والترمذي وابن ماجة والطحاوي.
وفي هذا قصة، وهي أن أم قيس بنت محصن -وهي أخت عكاشة بن محصن - أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى النبي ﷺ فبال في حجره، والحجر مثلث الحاء، فيجوز فيه الفتح والضم والكسر، فيقال: حَجر وحِجر وحُجر، فلما بال على ثوبه دعا بماء فنضحه ولم يغسله، أي: رشه، فدل هذا على أن الصبي الذكر إذا لم يأكل الطعام وبال على ثوب فإنه يكفي فيه النضح والرش من غير غسل ولا قرص.
стр. 422
شرح حديث: (إنما يغسل من بول الأنثى وينضح من بول الذكر)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد بن مسرهد والربيع بن نافع أبو توبة قالا: حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن قابوس عن لبابة بنت الحارث قالت: (كان الحسين بن علي ﵁ في حجر رسول الله ﷺ فبال عليه، فقلت: البس ثوباً وأعطني إزارك حتى أغسله، قال: إنما يغسل من بول الأنثى وينضح من بول الذكر)].
هذا الحديث صحيح أخرجه ابن ماجة وأحمد وابن خزيمة والحاكم والبيهقي من وجوه كثيرة، والحديث صريح في الفرق بين بول الغلام والجارية، أي: الأنثى، ففيه أن بول الغلام إذا لم يأكل الطعام يكفي فيه الرش، وأما الجارية -وهي الأنثى- فلا يكفي في بولها النضح، بل لابد من الغسل، وهذا إذا لم يأكل الصبي الطعام، أما إذا أكل الطعام فالحكم واحد، فإذا أكل الطعام واستغنى به فإنه يغسل من بوله ولا يكفي فيه النضح.
فإذا كان الصبي والصبية لا يأكلان الطعام وإنما يستغنيان بالحليب فقط، ففي هذه الحالة يفرق بين بول الغلام وبين بول الجارية، والحديث صريح في هذا، وهذا هو قول الجماهير، وهو الصواب.
وقال بعض العلماء: يغسل بول الغلام والجارية، وإلى هذا ذهب الإمام أبو حنيفة والنخعي وسفيان الثوري.
والصواب أنه يفرق بين بول الغلام وبول الجارية كما دل عليه الحديث.
وقد اختلف العلماء في حكمة الفرق بين بول الأنثى وبول الذكر، فقال بعض العلماء؛ لأن حواء خلقت من ضلع آدم، والذكر خلق من طين، وقال بعض العلماء: الحكمة في ذلك أن بول الأنثى يجتمع في مكان واحد، وبول الذكر ينتشر، وقال آخرون: لأن الذكر يكثر حمله من أبويه وأقاربه لمحبته والأنثى يقل حملها، والله أعلم بالحكمة، والأقرب أن الحكمة قد تكون هذه الأمور كلها مجتمعة، ويحتمل أن تكون الحكمة غير ذلك، والله تعالى حكيم عليم، وقد شرع أن يفرق بين بول الغلام وبول الأنثى، فإن عرفنا الحكمة فبها ونعمت، وإن لم نعرف الحكمة فنحن عبيد لله مأمورون بالامتثال لأوامر الله وأوامر رسوله، واجتناب ما نهى الله عنه وما نهى عنه رسوله ﷺ ، مع قطعنا بأن الشرع حكيم، وأنه لا يجمع بين مختلفين، ولا يفرق بين متماثلين.
стр. 423
شرح حديث: (يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مجاهد بن موسى وعباس بن عبد العظيم العنبري قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثني يحيى بن الوليد حدثني محل بن خليفة حدثني أبو السمح ﵁ قال: (كنت أخدم النبي ﷺ ، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني قفاك، فأوليه قفاي فأستره به، فأتي بـ حسن أو حسين ﵄ فبال على صدره، فجئت أغسله فقال: يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام)].
هذا الحديث أخرجه النسائي والبزار وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم، ولا بأس بسند الحديث، وقال البخاري: إنه حديث حسن.
وفيه أن أبا السمح كان يخدم النبي ﷺ ، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني قفاك، فيوليه قفاه فيستره، ولعل هذا كان في السفر، وإلا فستر النبي ﵊ كان في المدينة عند أهله، والحديث صريح في الفرق بين بول الصبي والصبية، وأنه يكفي في بول الصبي الرش وأما بول الجارية فلابد من أن يغسل، وهذا محمول على أنه لم يأكل الطعام، كما سبق في حديث أم قيس بنت محصن.
стр. 424
بيان قول الحسن: (الأبوال كلها سواء)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال العباس: حدثنا يحيى بن الوليد -قال أبو داود: وهو أبو الزعراء - قال هارون بن تميم عن الحسن قال: الأبوال كلها سواء].
قوله: [قال عباس] هو عباس بن عبد العظيم العنبري، قال: [حدثنا يحيى بن الوليد -قال أبو داود: هو أبو الزعراء] يعني أن كنية يحيى بن الوليد هي: أبو الزعراء [عن هارون بن تميم عن الحسن البصري أنه قال: الأبوال كلها سواء].
يعني أن الأبوال كلها سواء في النجاسة، فلا فرق بين الصبي والصبية والصغير والكبير، أو أن الأبوال كلها حكمها واحد -سواء ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه- في النجاسة، وهذا ليس بصحيح، وهو قول باطل لا وجه له، وهذا من أوهامه، وإن كان الحسن البصري ﵀ من العلماء ومن الأتقياء، لكن هذا القول ترده الآثار والأحاديث الصحيحة؛ فقد فرق الشارع بين الأبوال، وأمر ﷺ العربيين لما اجتووا المدينة أن يلحقوا بإبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ولم يأمرهم بالغسل، فدل على طهارتها.
وإن كان المراد أنه لا فرق بين بول الصبي والصبية فقد فرق الشارع بينهما.
ولعل المؤلف أورد ذلك عن الحسن ليدل على بطلانه لوضوح مخالفته للحديث.
стр. 425
شرح حديث: (يغسل من بول الجارية وينضح من بول الغلام ما لم يطعم)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه عن علي ﵁ قال: (يغسل من بول الجارية وينضح من بول الغلام ما لم يطعم)].
هذا الحديث موقوف على علي ﵁، وهو موافق للأحاديث السابقة، لكن هناك فرق بين بول الجارية وبول الغلام، وفيه التقييد بأنه [ما لم يطعم] يعني: ما لم يستغن بأكل الطعام، فإذا استغنى بالطعام واكتفى به عن الحليب فإنه يصدق عليه أنه يطعم.
стр. 426
إسناد آخر لحديث (يغسل من بول الجارية) وبيان رفعه وزيادته
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا ابن المثنى حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال، فذكر معناه ولم يذكر: ما لم يطعم.
زاد: قال قتادة: هذا ما لم يطعما الطعام، فإذا طعما غسلا جميعاً].
هذه الرواية مرفوعة عن علي بن أبي طالب، بخلاف الرواية الأخرى فهي موقوفة عليه، ولهذا قال: [إن النبي ﷺ قال، فذكر معناه] يعني معنى الحديث الموقوف السابق في التفرقة بين بول الجارية وبول الغلام، وقوله: [ولم يذكر: ما لم يطعم] يعني: لم يذكر هشام ما ذكره سعيد بن أبي عروبة من قوله: [ما لم يطعم].
وزاد هشام في روايته: [قال قتادة: هذا ما لم يطعما الطعام، فإذا طعما غسلا جميعاً].
وهذا هو الصواب، وهذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن.
стр. 427
شرح حديث صب أم سلمة الماء على بول الغلام ما لم يطعم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر حدثنا عبد الوارث عن يونس عن الحسن عن أمه: أنها أبصرت أم سلمة ﵂ تصب الماء على بول الغلام ما لم يطعم، فإذا طعم غسلته، وكانت تغسل بول الجارية].
هذه الرواية موقوفة على أم سلمة، وقال الحافظ في التفسير: سنده صحيح، وأم الحسن اسمها خيرة، وهي مولاة لـ أم سلمة، فـ الحسن يروي عن أمه خيرة أنها أبصرت أم سلمة تصب الماء على بول الغلام ما لم يطعم، فإذا طعم غسلته، وكانت تغسل بول الجارية، أي: تفرق بين بول الصبي والصبية، فالصبي يكتفى فيه بالرش والنضح والصبية يغسل من بولها، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة في ذلك.
стр. 428
الأسئلة
стр. 429
حكم صلاة من رأى بعد صلاته نجاسة في ثوبه
السؤال
ما حكم من رأى بعد صلاته نجاسة في ثوبه؟
الجواب
الصواب أن الصلاة صحيحة، لكن إذا علم وهو في الصلاة فإن استطاع أن يلقي الثوب الذي فيه نجاسة، كما لو كانت النجاسة في عمامته أو في المنديل فصلاته صحيحة، وإن كانت في الثوب الذي يلي الجسد، أو في ثوب لا يستطيع نزعه فإنه يقطع الصلاة ثم ينزعه ويعيد الصلاة.
стр. 430
شرح سنن أبي داود_ كتاب الطهارة [٢٥]
لقد كان رسول الله أرحم بالناس من أنفسهم، فالأعرابي حين بال في المسجد وهم الصحابة بضربه نهاهم عن ذلك وعلم الأعرابي بعد أن فرغ من بوله أن هذا المكان ليس للقاذروات، وأمر أصحابه أن يصبوا على بول الأعرابي ذنوباً من ماء.
стр. 431
الأرض يصيبها البول
стр. 432
شرح حديث الأعرابي الذي بال في المسجد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الأرض يصيبها البول: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح وابن عبدة في آخرين -وهذا لفظ ابن عبدة - قال: أخبرنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة (أن أعرابياً دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس فصلى -قال ابن عبدة: ركعتين- ثم قال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً.
فقال النبي ﷺ : لقد تحجرت واسعاً، ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع الناس إليه، فنهاهم النبي ﷺ وقال: إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، صبوا عليه سجلاً من ماء.
أو قال: ذنوباً من ماء)].
وهذا الحديث أخرجه الترمذي والنسائي، وأخرجه ابن ماجة من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وأخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك، وهو معروف عند أهل العلم بحديث الأعرابي، والأعرابي: من الأعراب، وهم سكان البادية.
وفيه أن هذا الأعرابي قال: [اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً] ثم بال، وجاء في الأحاديث الأخرى أن بوله سابق على قوله أولاً، ثم بعد ذلك لما زجره الصحابة، وعلمه النبي ﷺ ، ورفق به قال: [اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً]؛ لأنه لما رأى خلق النبي ﷺ ومعاملته، ورأى شدة بعض الصحابة عليه فقال: [اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً].
فقال له النبي ﷺ : [(لقد تحجرت واسعاً)] ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد، وقوله: [يلبث] هو من لبث يلبث، من باب فرح يفرح، فالأقرب أنه بال أولاً، ثم لما رأى معاملة النبي ﷺ قال: [اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً].
فقال له النبي ﷺ : [(لقد تحجرت واسعاً) فرحمة الله واسعة.
وفي هذا الحديث من الفوائد: رفق النبي ﷺ بالأمة، وأنه ينبغي الرفق بالجاهل وتعليمه، ولهذا قال النبي: [(إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين)] يعني: إنما بعث الله نبيكم ﷺ الذي تأتمون به وتتأسون به إنما بعث بالتيسير لا بالتعسير، وجاء في رواية أخرى أن النبي قال: (دعوه -وفي لفظ قال: لا تزرموه- حتى قضى بوله ثم أمر بسجل من ماء فصب عليه)، وهذه هي الحكمة، لأنه لما زجره الصحابة لو تركهم النبي ﷺ يزجرونه لحصل مضار على المسجد وعلى البائل: أولاً: يقطع عليه بوله، وهذا يؤثر عليه صحياً.
ثانياً: يقوم ثم يلطخ بوله ثيابه، وتكون بقع البول في نواح متعددة من المسجد، وكل هذه مفاسد، أما إذا ترك يبول في مكان واحد سلم من الضرر الصحي، وسلم جسمه من البول، وسلمت ثيابه من البول، وسلمت الأماكن الأخرى من البول، ثم يؤتى ويصب عليه الماء وتنتهي المسألة؛ ولهذا ينبغي للإنسان المسلم أنه إذا أراد أن ينكر منكراً أن يتأمل، وأن يحيط بالعواقب والآثام قبل أن ينهى، وينظر ما يترتب على هذا المنكر، ولهذا ما سلكه النبي ﷺ هو عين الحكمة والمصلحة، قال: (دعوه لا تزرموه، حتى قضى بوله، ثم أمر بسجل من ماء وصب عليه، ثم أتى الأعرابي وقال: له يا فلان! إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من القذر والبول، إنما هي لذكر الله والصلاة) أو كما قال ﵊.
وفيه دليل على أنه ينبغي الرفق بالجاهل وعدم العنف، وكذا المتعمد، إذا كان يترتب على التغليظ عليه مفسدة، فلا يغلظ عليه؛ لأنه يترتب على زجره وقيامه من البول مفاسد كما سمعنا.
وفيه دليل على أن البول إذا كان في الأرض، يكاثر بالماء ولا يحجر بالتراب ولا ينقل ترابه، فالبول إذا كان في الأرض يصب عليها الماء ويكاثر، ولهذا أمر النبي ﷺ بأن يصب عليه سجل من ماء، ولم ينقل ترابه، أما ما جاء أنه نقل ترابه كما سيأتي فلا يصح، فلم يأمر بنقل ترابه ولا بتحديد التراب، فإذا كان البول في غير الأرض فإنه يغسل، وإذا كان في بسط أو فرش كبيرة فإنه يقلب أو يثقل كما قال أهل العلم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جرير -يعني: ابن حازم - قال: سمعت عبد الملك -يعني ابن عمير - يحدث عن عبد الله بن معقل بن مقرن قال: (صلى أعرابي مع النبي ﷺ بهذه القصة -قال فيه وقال يعني: النبي ﷺ : خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه وأهريقوا على مكانه ماءً) قال أبو داود: هو مرسل؛ ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ ].
هذا الحديث كما قال أبو داود ﵀ مرسل، ابن معقل بن مقرن لم يدرك النبي ﷺ والمرسل ضعيف، فلا حجة فيما دل عليه من أخذ التراب وإلقائه، والصواب: ما دل عليه الحديث المرفوع من صب الماء على التراب من دون أخذ التراب وإلقائه.
стр. 433
ما جاء في طهور الأرض إذا يبست
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في طهور الأرض إذا يبست.
حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب حدثني حمزة بن عبد الله بن عمر قال ابن عمر ﵄ (كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله ﷺ ، وكنت فتى شاباً عزباً، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك)].
وهذه الترجمة في حكم طهور الأرض إذا يبست، يعني: إذا أصاب الأرض بول مثلاً أو نجاسة ثم يبست بالشمس أو بالهواء، فهل تطهر أو لا تطهر؟ نقول: إذا كانت النجاسة لها جرم فلا بد أن ينقل الجرم، فإذا كانت عذرة أو قطع فنقله لا بد منه، لكن إذا كان بولاً ثم يبست الأرض بالشمس أو بالريح، فظاهر ترجمة المؤلف ﵀ واختياره أنها إن جفت بالشمس أو بالريح فإنها تطهر، وهذا هو اختيار الأحناف، وما وروي عن أبي قلابة، واختيار شارح عون المعبود: أبي الطيب محمد شمس الدين، يقول: إذا أصابت الأرض نجاسة فلها وجهان في التطهير: الوجه الأول: صب الماء عليها، والثاني: جفافها ويبسها بالشمس أو بالهواء، وكأن ظاهر اختيار أبي داود في الترجمة هو هذا، وذهب جمهور العلماء إلى أنه لا بد من الماء وأنها لا تطهر، وأجابوا عن هذا الحديث أولاً: بأن النجاسة محتملة وليست ظاهرة، والأصل الطهارة، وكون الكلاب تقبل وتدبر في المسجد فهذا محتمل أن يكون فيه نجاسة وليست ظاهرة، ولو رأوها لما تركوها هذا محتمل، وفي رواية أبي داود هنا: كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد؛ لأن مسجد النبي ﷺ لم يكن عليه أبواب، لكن حديثاً رواه البخاري لفظة: كانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد، في زمان رسول الله ﷺ ، وليس في رواية البخاري: لفطة: تبول، فلم يكونوا يرشون شيئاً، إذ أن الأصل الطهارة، وهم لم يروا شيئاً، ولو رأوا شيئاً لغسلوه، وكونها تمر لا يدل على أنها تنجس المسجد ولا سيما إذا كانت يابسة، وهذا لا يوجب غسله والأصل الطهارة، ولم يكونوا يروا شيئاً، ولو رأوا شيئاً لغسلوه، فليس فيه حجة في أن النجاسة إذا يبست بالشمس أو بالهواء يكفي بدون الماء، وليس في رواية البخاري: تبول، إنما في روايته تقبل وتدبر؛ لأن المساجد ليس فيها أبواب، والصواب: ما علمته من العلماء أن النجاسة لا يكفي في تطهيرها الجفاف بالشمس أو بالهواء، بل لا بد من غسلها بالماء، والغسل لا يحتاج إلى نية، فلو جاء المطر وصب عليها لكفى وطهرت؛ لأنها ليست كالعبادة التي تحتاج إلى نية.
إذا اندثر على النجاسة التي في الأرض من الثرى طبقة كبيرة فهي طاهرة، لكن إذا علم النجاسة فلا بد من صب الماء علهيا كما في حديث الأعرابي، وهذا هو الأصل، فلو كانت الشمس والريح تكفي لقالوا: اتركوه حتى تيبس الأرض وتجف، فلما لم يشهد النبي ﷺ للجفاف، وأمر بأن يصب سجل من ماء على بول الأعرابي، فدل على أنه لا بد من الماء، ولو كان يكفي لقال: اتركوه يجف وييبس ويطهر.
والنجاسة إذا مسستها بيدك وهي يابسة لا يضر، لكن إذا كانت يدك رطبة أو النجاسة رطبة فلا بد حينئذ من الغسل.
وما ورد في رواية أبي داود لم يرد في لفظ البخاري يعني قوله تبول، وقوله: (تقبل وتدبر): هذا يحتمل أنها قد تبول، لكن هذا شيء غير محقق، والصحابة لم يروا شيئاً، ولو رأوا النجاسة لغسلوها كما في حديث الأعرابي.
стр. 434
ذكر ما جاء في الأذى يصيب الذيل
[باب في الأذى يصيب الذيل.
حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم عن محمد بن إبراهيم عن أم ولد لـ إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنها سألت أم سلمة زوج النبي ﷺ فقالت: (إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر فقالت أم سلمة ﵂ قال رسول الله ﷺ : يطهره ما بعده)].
وهذه الترجمة معقودة لبيان حكم النجاسة تصيب الذيل، والذيل: طرف الثوب الذي إلى الأرض، فقد كانت المرأة سابقاً تطيل الثوب حتى يغطي ظهور قدميها؛ ولهذا لما نهى النبي ﷺ عن إرخاء الثوب، قيل: ما تفعل النساء، تنكشف أقدامهن، قال: (يرخينه شبراً فقالت أم سلمة: إذاً تنكشف أقدامهن قال: فيرخينه ذراعاً) فكان النساء يطلن الثياب، والآن انعكست القضية، فقد صار النساء الآن يرفعن الثياب، وصار الرجل هو الذي يرخي الثياب، فيتجاوز القدمين، وهذا من الانتكاسة، حيث أن الرجل يتستر والمرأة تتكشف، وفي هذا الحديث: أن أم ولد لإبراهيم سألت أم سلمة ﵂ قالت: إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر، يعني: النجس، فقالت أم سلمة: (يطهره ما بعده) وهذا الحديث أخرجه مالك والترمذي وابن ماجة والدارمي لكن الحديث في سنده أم ولد إبراهيم وهي مقبولة، لكن الذي بعده أصح.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي وأحمد بن يونس قالا: حدثنا زهير حدثنا عبد الله بن عيسى عن موسى بن عبد الله بن يزيد عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت (قلت: يا رسول الله، إن لنا طريقاً إلى المسجد منتنة فكيف نفعل إذا مطرنا؟ قال: أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟ قالت: قلت: بلى، قال: فهذه بهذ)].
يعني: هذه تطهر هذه، فهذان الحديثان في طهارة ذيل المرأة، ولا بأس بسند الحديثين، فالحديث الأول مقبول، ويسانده الحديث الثاني، والثاني أصح من الأول؛ لأن الأول فيه أم ولد إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وهي مقبولة كما في التقريب، وفي هذا يكون درجة الحديث في القوة والصحة أقل من الثاني، وهما يدلان على طهارة ذيل المرأة إذا مرت بطريق فيها نجاسة، ثم مرت بأخرى طيبة، وزالت عين النجاسة عند اختلاطها بالطين والتراب ويبست وتناثرت أو كانت يابسة فلا يضر، أما إذا بقيت فلا بد من تطهير النجاسة في الثوب بغسله، ويكون الحكم السابق من باب التخفيف، دفعاً للمشقة، كالنعلان كما سيأتي فإنهما يطهران بالدلك والحك.
стр. 435
ما جاء في الأذى يصيب النعل
[باب في الأذى يصيب النعل.
حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا أبو المغيرة ح وحدثنا عباس بن الوليد بن مزيد أخبرني أبي، ح وحدثنا محمود بن خالد، حدثنا عمر -يعني ابن عبد الواحد -عن الأوزاعي: قال أنبئت أن سعيد بن أبي سعيد المقبري حدث عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال (إذا وطىء أحدكم بنعله الأذى، فإن التراب له طهور)].
وهذا الحديث فيه حكم الأذى والنجاسة تصيب النعل، وفيه أن التراب له طهور ويكفي، لكن الحديث هذا ضعيف؛ لأن فيه مجهول وهو من أخبر الأوزاعي بهذا الحديث، لكن الحديث الذي بعده يشهد له.
قال: [حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثني محمد بن كثير -يعني الصنعاني - عن الأوزاعي، عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بمعناه، قال: (إذا وطىء الأذى بخفيه فطهورهما التراب)].
وهذا الحديث رواه ابن حبان والحاكم، قال النووي: رواه أبو داود بسند صحيح، والحديث وإن كان في سنده محمد بن كثير وهو ضعيف، لكن تابعه أبو المغيرة والوليد بن مزيد وعمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي فيكون الحديث دليلاً على طهارة النعل بالدلك والتراب، دفعاً للمشقة ويؤيد هذا الحديث، ما أخرجه المؤلف أبو داود في باب الصلاة في النعال من حديث أبي سعيد مرفوعاً: (وفيه إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وليصل فيهم)، وهذا إسناد صحيح ويكون هذا من باب دفع المشقة، فالنعل والخف إذا دلكهما كفى، كما أن ذيل المرأة إذا مر في أرض نجسة ثم مر بأرض أخرى طيبة، ودُلك عند المشي بالتراب وأزيلت عين النجاسة صار طاهراً دفعاً للمشقة.
قال: [حدثنا محمود بن خالد حدثنا محمد -يعني ابن عائذ - حدثني يحيى -يعني ابن حمزة - عن الأوزاعي عن محمد بن الوليد أخبرني أيضاً سعيد بن أبي سعيد، عن القعقاع بن حكيم عن عائشة عن رسول الله ﷺ بمعناه].
بمعناه يعني: إذا وطئ الأذى بخفيه يدلكهما بالتراب ويطهرهما به.
стр. 436
ما جاء في الإعادة من النجاسة تكون في الثوب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الإعادة من النجاسة تكون في الثوب.
حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثتنا أم يونس بنت شداد قالت: حدثتني حماتي أم جحدر العامرية: (أنها سألت عائشة ﵂ عن دم الحيض يصيب الثوب فقالت: كنت مع رسول الله ﷺ وعلينا شعارنا، وقد ألقينا فوقه كساء، فلما أصبح رسول الله ﷺ أخذ الكساء فلبسه، ثم خرج فصلى الغداة، ثم جلس فقال رجل: يا رسول الله! هذه لمعة من دم، فقبض رسول الله ﷺ على ما يليها، فبعث بها إلي مصرورة في يد الغلام، فقال: اغسلي هذه وأجفيها ثم أرسلي بها إلي، فدعوت بقصعتي فغسلتُها، ثم أجففتها، فأحرتها إليه، فجاء رسول الله ﷺ بنصف النهار وهي عليه)].
وهذه الترجمة يقول المؤلف ﵀: باب الإعادة من النجاسة تكون في الثوب.
فإذا قيل: هل تعاد الصلاة؟ ف
الجواب
إذا كانت النجاسة في الثوب، فظاهر ترجمة المؤلف أنه إذا صلى في ثوب فيه نجاسة فإنه يعيد الصلاة، لكن الحديث الذي ذكره هنا ضعيف، أولاً: فيه مجهولان: أم يونس بنت شداد مجهولة، وأم جحدر العامرية مجهولة.
ثم أيضاً ليس في هذا الحديث أن النبي ﷺ أعاد الصلاة من النجاسة، فيه أن أم جحدر العامرية سألت عائشة عن دم الحيض يصيب الثوب، فقالت: (كنت مع رسول الله ﷺ وعلينا شعارنا) الشعار هو الثوب الذي يلي الجسد (وقد ألقينا فوقه كساء فلما أصبح رسول الله ﷺ أخذ الكساء فلبسه، ثم خرج فصلى الغداة -أي: الصبح- ثم جلس فقال رجل: يا رسول الله! هذه لمعة من دم، فقبض رسول الله على ما يليها -ما يلي اللمعة يعني: البقعة- فبعث بها إلي مصرورة -تقول عائشة - في يد الغلام فقال: اغسلي هذه وأجفيها ثم أرسلي بها إلي، فدعوت بقصعتي فغسلتها ثم أجففتها- يعني: أيبستها- فأحرتها إليه، فجاء رسول الله ﷺ بنصف النهار وهي عليه) فهل في هذا الحديث أنه أعاد الصلاة؟ لا ليس فيه أنه أعاد الصلاة، فترجمة أبي داود قال: باب الإعادة من النجاسة تكون في الثوب، فيه أن النبي صلى الغداة ووجد بقعة من دم على كسائه وغسلها، وليس فيه أنه أعادها؛ ولهذا قال المنذري: والحديث ليس فيه أن النبي أعاد الصلاة التي صلى في ذلك الثوب، فكيف يكون استدلال المؤلف من الحديث؟ وإذا صلى الإنسان في ثوب فيه نجاسة أو في بدنه أو البقعة التي يصلي فيها ثم لم يعلم إلا بعد الصلاة، فالصواب: أنه لا يعيد، وصلاته صحيحة، ومن الأدلة على هذا: حديث أبي سعيد في صلاة النبي ﷺ بنعاله وخلعها في أثناء الصلاة لما أخبره جبريل أن بها أذى ولم يعد ما مضى من الصلاة، فدل على أنه لا يعيد الصلاة إذا لم يعلم إلا بعد فراغه.
وقال بعض أهل العلم: يعيد الصلاة، كما قال أبو داود هنا، والصواب: أنه لا يعيد، أما إذا علم في أثناء الصلاة، فإن كان يستطيع أن يلقي ما فيه نجاسة فعل واستمر في صلاته، كأن تكون النجاسة في منديل أو عمامة أو كوفية فإنه يلقيها ويستمر في صلاته، وإن لم يستطع فإنه يقطع صلاته، ويزيل النجاسة ثم يستأنف الصلاة، كما لو كانت في ثوبه فتنكشف عورته، أو كانت على بدنه وهذا بخلاف الحدث، فإن النجاسة في الثوب تختلف عن الحدث، فإنه إذا صلى وهو محدث ثم علم بعد الصلاة فإنه يعيد الصلاة مطلقاً؛ لأن الوضوء شرط في صحة الصلاة وهو من باب الإيجاد فلا بد من إيجاده، بخلاف النجاسة فإنها من باب الترك أما الوضوء فلا بد منه، لكن إن كان إماماً، فإنه يعيد وحده، وقد حصل لـ عمر ﵁ أنه صلى بالناس، ثم رأى أثر الاحتلام في الضحى فأعاد وحده الصلاة أما إذا كان الحدث في أثناء الصلاة فإنه يستأنف الصلاة مطلقاً، لكن إن كان إماماً فإنه يستنيب من يتم بهم الصلاة وقيل: إن نائبه يستأنف بهم الصلاة ويبتدئ الصلاة من جديد، والأول أصح، وقول من فرق بين سبق الحدث في الإمام وعدم سبقه، فيستأنف بهم الصلاة إذا سبقه ويتم بهم إذا لم يسبقه كما هو مذهب الحنابلة فهو قول ضعيف، وقد سبق لنا في أبي داود أن الصواب أنه يستنيب من يتم بهم الصلاة ولو سبقه الحدث، أما الحنابلة فإنهم يفرقون بين ما إذا سبقه الحدث فإن النائب يستأنف بهم الصلاة، أما إذا لم يسبقه الحدث فإنه يتم بهم الصلاة، ولهذا يقول الحنابلة: وتبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه، فلا استخلاف، يعني: فلا يستخلف، وعن الإمام أحمد لا تبطل وهو الصواب والأئمة الثلاثة على أنها لا تبطل، فإن عمر استخلف بعد أن سبقه الحدث، وأما هذا الحديث فهو ضعيف، كذلك ليس فيه أن النبي ﷺ أعاد الصلاة، وقد يقال: إن أبا داود لم يجزم بالحكم، وإنما قال: باب الإعادة من النجاسة تكون في الثوب، يعني: هل تعاد أو لا تعاد؟ لكن ظاهره: أنه يعيد، والصواب: أنه لا يعيد كما سبق، وإن قال به بعض العلماء.
стр. 437
البصاق يصيب الثوب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الإعادة من النجاسة تكون في الثوب.
حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثتنا أم يونس بنت شداد قالت: حدثتني حماتي أم جحدر العامرية: (أنها سألت عائشة ﵂ عن دم الحيض يصيب الثوب فقالت: كنت مع رسول الله ﷺ وعلينا شعارنا، وقد ألقينا فوقه كساء، فلما أصبح رسول الله ﷺ أخذ الكساء فلبسه، ثم خرج فصلى الغداة، ثم جلس فقال رجل: يا رسول الله! هذه لمعة من دم، فقبض رسول الله ﷺ على ما يليها، فبعث بها إلي مصرورة في يد الغلام، فقال: اغسلي هذه وأجفيها ثم أرسلي بها إلي، فدعوت بقصعتي فغسلتُها، ثم أجففتها، فأحرتها إليه، فجاء رسول الله ﷺ بنصف النهار وهي عليه)].
وهذه الترجمة يقول المؤلف ﵀: باب الإعادة من النجاسة تكون في الثوب.
فإذا قيل: هل تعاد الصلاة؟ ف
الجواب
إذا كانت النجاسة في الثوب، فظاهر ترجمة المؤلف أنه إذا صلى في ثوب فيه نجاسة فإنه يعيد الصلاة، لكن الحديث الذي ذكره هنا ضعيف، أولاً: فيه مجهولان: أم يونس بنت شداد مجهولة، وأم جحدر العامرية مجهولة.
ثم أيضاً ليس في هذا الحديث أن النبي ﷺ أعاد الصلاة من النجاسة، فيه أن أم جحدر العامرية سألت عائشة عن دم الحيض يصيب الثوب، فقالت: (كنت مع رسول الله ﷺ وعلينا شعارنا) الشعار هو الثوب الذي يلي الجسد (وقد ألقينا فوقه كساء فلما أصبح رسول الله ﷺ أخذ الكساء فلبسه، ثم خرج فصلى الغداة -أي: الصبح- ثم جلس فقال رجل: يا رسول الله! هذه لمعة من دم، فقبض رسول الله على ما يليها -ما يلي اللمعة يعني: البقعة- فبعث بها إلي مصرورة -تقول عائشة - في يد الغلام فقال: اغسلي هذه وأجفيها ثم أرسلي بها إلي، فدعوت بقصعتي فغسلتها ثم أجففتها- يعني: أيبستها- فأحرتها إليه، فجاء رسول الله ﷺ بنصف النهار وهي عليه) فهل في هذا الحديث أنه أعاد الصلاة؟ لا ليس فيه أنه أعاد الصلاة، فترجمة أبي داود قال: باب الإعادة من النجاسة تكون في الثوب، فيه أن النبي صلى الغداة ووجد بقعة من دم على كسائه وغسلها، وليس فيه أنه أعادها؛ ولهذا قال المنذري: والحديث ليس فيه أن النبي أعاد الصلاة التي صلى في ذلك الثوب، فكيف يكون استدلال المؤلف من الحديث؟ وإذا صلى الإنسان في ثوب فيه نجاسة أو في بدنه أو البقعة التي يصلي فيها ثم لم يعلم إلا بعد الصلاة، فالصواب: أنه لا يعيد، وصلاته صحيحة، ومن الأدلة على هذا: حديث أبي سعيد في صلاة النبي ﷺ بنعاله وخلعها في أثناء الصلاة لما أخبره جبريل أن بها أذى ولم يعد ما مضى من الصلاة، فدل على أنه لا يعيد الصلاة إذا لم يعلم إلا بعد فراغه.
وقال بعض أهل العلم: يعيد الصلاة، كما قال أبو داود هنا، والصواب: أنه لا يعيد، أما إذا علم في أثناء الصلاة، فإن كان يستطيع أن يلقي ما فيه نجاسة فعل واستمر في صلاته، كأن تكون النجاسة في منديل أو عمامة أو كوفية فإنه يلقيها ويستمر في صلاته، وإن لم يستطع فإنه يقطع صلاته، ويزيل النجاسة ثم يستأنف الصلاة، كما لو كانت في ثوبه فتنكشف عورته، أو كانت على بدنه وهذا بخلاف الحدث، فإن النجاسة في الثوب تختلف عن الحدث، فإنه إذا صلى وهو محدث ثم علم بعد الصلاة فإنه يعيد الصلاة مطلقاً؛ لأن الوضوء شرط في صحة الصلاة وهو من باب الإيجاد فلا بد من إيجاده، بخلاف النجاسة فإنها من باب الترك أما الوضوء فلا بد منه، لكن إن كان إماماً، فإنه يعيد وحده، وقد حصل لـ عمر ﵁ أنه صلى بالناس، ثم رأى أثر الاحتلام في الضحى فأعاد وحده الصلاة أما إذا كان الحدث في أثناء الصلاة فإنه يستأنف الصلاة مطلقاً، لكن إن كان إماماً فإنه يستنيب من يتم بهم الصلاة وقيل: إن نائبه يستأنف بهم الصلاة ويبتدئ الصلاة من جديد، والأول أصح، وقول من فرق بين سبق الحدث في الإمام وعدم سبقه، فيستأنف بهم الصلاة إذا سبقه ويتم بهم إذا لم يسبقه كما هو مذهب الحنابلة فهو قول ضعيف، وقد سبق لنا في أبي داود أن الصواب أنه يستنيب من يتم بهم الصلاة ولو سبقه الحدث، أما الحنابلة فإنهم يفرقون بين ما إذا سبقه الحدث فإن النائب يستأنف بهم الصلاة، أما إذا لم يسبقه الحدث فإنه يتم بهم الصلاة، ولهذا يقول الحنابلة: وتبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه، فلا استخلاف، يعني: فلا يستخلف، وعن الإمام أحمد لا تبطل وهو الصواب والأئمة الثلاثة على أنها لا تبطل، فإن عمر استخلف بعد أن سبقه الحدث، وأما هذا الحديث فهو ضعيف، كذلك ليس فيه أن النبي ﷺ أعاد الصلاة، وقد يقال: إن أبا داود لم يجزم بالحكم، وإنما قال: باب الإعادة من النجاسة تكون في الثوب، يعني: هل تعاد أو لا تعاد؟ لكن ظاهره: أنه يعيد، والصواب: أنه لا يعيد كما سبق، وإن قال به بعض العلماء.
стр. 438
شرح حديث: (بزق رسول الله في ثوبه وحك بعضه ببعض)
[باب البصاق يصيب الثوب.
حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا ثابت البناني عن أبي نضرة قال (بزق رسول الله ﷺ في ثوبه وحك بعضه ببعض).
حدثنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا حماد عن حميد عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ بمثله].
الحديث الأول مرسل عن أبي نضرة وهو ضعيف، لكن الحديث الثاني الذي بعده مسند وهو دليل على طهارة البزاق، وكذا النخامة والمخاط، وإذا بصق في الصلاة فلا تفسد صلاته، كذلك إذا بصق في منديل أو في ثوبه، ويرد بعضه على بعض، وإذا كان في الصحراء خارج المسجد فلا بأس أن يبصق عن يساره في الأرض، أما إذا كان في الصلاة فإنه يبصق في ثوبه أو في منديل، وفي الصحراء يبصق عن يساره أو تحت قدمه، وإذا أصاب البصاق الثوب فإنه طاهر والبزاق هو البصاق، بضم الباء، أما البزاق ففيه ثلاث لغات: بُزاق، بَزاق، بِزاق، أو بصاق وبساق بالصاد وبالسين، وهذا الحديث فيه أن النبي ﷺ بزق في ثوبه وحك بعضه على بعض، فدل على أن البزاق طاهر، والحديث الأول وإن كان مرسلاً إلا أن الحديث الثاني يسانده.