Полный текст (231 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ما جاء في الرخصة في ترك غسل اليدين والمضمضة من أكل اللحم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في ترك غسل اليدين والمضمضة من أكل اللحم إذ العرب قد تسمي غسل اليدين وضوءاً.
حدثنا بندار حدثنا يحيى بن سعيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن زينب ابنة أم سلمة عن أم سلمة: (أن النبي ﷺ أكل كتفاً ثم صلى ولم يمس ماءً)].
يعني: ولم يتمضمض ولم يغسل يديه.
стр. 37
شرح صحيح ابن خزيمة_ كتاب الوضوء [٤]
علمتنا الشريعة كل شيء حتى آداب قضاء الحاجة، وهذا من كمالها وشمولها وعظمتها، ومن آداب قضاء الحاجة الاستتار والتباعد في الصحراء عن الناس والتنزه من البول وترك استقبال القبلة أو استدبارها.
стр. 38
ما جاء في أن الكلام السيئ والفحش في المنطق لا يوجب وضوءاً
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الدليل على أن الكلام السيئ والفحش في المنطق لا يوجب وضوءاً.
حدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من حلف فقال في حلفه: واللات، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق بشيء)] ورواه البخاري.
قوله: (من حلف فقال في حلفه: واللات، فليقل: لا إله إلا الله) يعني: أن حلفه باللات شرك، ولا إله إلا الله توحيد، فهذه تكفر تلك.
قوله: (ومن قال: تعال أقامرك) يعني: نلعب القمار، (فليتصدق) وذلك لأن الصدقة تكفر هذه.
[قال أبو بكر: فلم يأمر النبي ﷺ الحالف باللات ولا القائل لصاحبه: تعال أقامرك بإحداث وضوء، فالخبر دال على أن الفحش في المنطق وما زجر المرء عن النطق به لا يوجب وضوءاً، خلاف قول من زعم أن الكلام السيئ يوجب الوضوء].
يقول الأحناف: القهقهة في الصلاة تبطل الصلاة والوضوء، وهذا لا دليل عليه، نعم القهقهة لا تبطل الوضوء، لكن تبطل الصلاة إذا كان متعمداً، فالمؤلف يرد على من قال: إن الكلام السيئ يوجب الوضوء.
стр. 39
ما جاء في استحباب المضمضة من شرب اللبن
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب استحباب المضمضة من شرب اللبن.
حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري أنبأنا أبو عاصم عن ابن جريج عن هشام بن عروة عن وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ شرب لبناً ثم مضمض)].
هذا من باب النظافة، يعني: المضمضة فيها تنظيف الفم.
стр. 40
بيان الحكمة من المضمضة من شرب اللبن
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الدليل على أن المضمضة من شرب اللبن استحباب لإزالة الدسم من الفم وإذهابه، لا لإيجاب المضمضة من شربه.
حدثنا محمد بن عزيز الأيلي أن سلامة بن روح حدثهم عن عقيل - وهو ابن خالد - وحدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني حدثنا معتمر - يعني ابن سليمان - قال: سمعت معمراً وحدثنا محمد بن بشار بندار وأبو موسى قالا: حدثنا يحيى - وهو ابن سعيد - حدثنا الأوزاعي كلهم عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ شرب لبناً فمضمض وقال: إن له دسماً).
وقال الصنعاني في حديثه: (أو إنه دسم).
وقال بندار: (إنه دسم)].
هذا الحديث رواه البخاري ومسلم.
والذي قبله تابع له.
والمضمضة من شرب اللبن مستحبة ليست بواجبة، وهي من باب النظافة.
стр. 41
ما جاء في الفرق بين النبي وأمته في إيجاب الوضوء من النوم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ذكر ما كان الله فرق به بين نبيه ﷺ وبين أمته في النوم، من أن عينيه إذا نامتا لم يكن قلبه ينام، ففرق بينه وبينهم في إيجاب الوضوء من النوم على أمته دونه ﵊.
حدثنا محمد بن بشار عن يحيى بن سعيد حدثنا ابن عجلان وحدثنا يحيى بن حكيم حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن عجلان قال: سمعت أبي يحدث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (تنام عيناي ولا ينام قلبي)] رواه أحمد وهو صحيح.
يعني: لا ينتقض وضوءه ﵊، وفي الحديث الآخر: (العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء) وإن كان هذا الحديث فيه كلام، لكن قد ثبت: (أن النبي ﷺ نام حتى نفخ ثم قام ولم يتوضأ) وذلك لأن نومه لا ينقض وضوءه ﵊؛ لأنه تنام عيناه ولا ينام قلبه.
قال: [حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي أخبرنا ابن وهب أن مالكاً حدثه عن سعيد المقبري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أخبره أنه سأل عائشة: (كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ ؟ فقالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً.
قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله! أتنام قبل أن توتر؟ فقال: يا عائشة! إن عيني تنامان ولا ينام قلبي)].
رواه البخاري في التهجد.
وهذا من خصائصه ﵊؛ لأنه قد يأتيه الوحي ﵊ وهو نائم؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي.
فإن قيل: هل في هذا الحديث دليل على جواز صلاة الأربع ركعات بسلام واحد؟ نقول: لا، ليس فيه دليل على ذلك؛ لأن هذا مجمل، والأحاديث الأخرى بينت أن المراد أربع بسلامين، ومنها: قول النبي ﷺ كما في حديث ابن عمر في صحيح البخاري: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بواحدة) وهذا خبر في معنى الأمر.
أما الوتر فقد أوتر ﷺ بثلاث وأوتر بخمس وأوتر بسبع فلا بأس، أما أن يصلي شفعاً أربعاً أو ستاً فلا؛ لأن صلاة الليل مثنى مثنى.
وقد جاء في بعض الروايات: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) لكن زيادة: (والنهار) طعن فيها بعض العلماء وقال: إن هذه خطأ، والذي طعن فيها هو النسائي، ولهذا الجمهور يجيزون الصلاة في النهار أربع ركعات بسلام واحد، لكن الأفضل حتى في النهار أن يسلم من كل ركعتين.
стр. 42
ما جاء في التباعد للغائط في الصحاري عن الناس
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [جماع أبواب الآداب المحتاج إليها في إتيان الغائط والبول إلى الفراغ منها.
باب التباعد للغائط في الصحاري عن الناس.
حدثنا علي بن حجر السعدي حدثنا إسماعيل - يعني ابن جعفر - حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن المغيرة بن شعبة قال: (كان النبي ﷺ إذا ذهب المذهب أبعد)].
الحديث إسناده حسن، أخرجه الترمذي وأبو داود، وأظن أن النسائي أخرجه.
هذا الحديث فيه مشروعية البعد عند قضاء الحاجة، وأنه يشرع للإنسان إذا قضى حاجته أن يكون بعيداً عن الناس في الصحراء، لما ورد في الحديث الآخر: (أن النبي ﷺ كان يتوارى عن الناس حتى لا يسمع له صوت ولا ترى له عورة) إذاً: من السنة البعد عن الناس عند قضاء الحاجة، أما ما ثبت في الحديث: (أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائماً) فهذا خاص، أو أنه في بعض الأحيان للحاجة، ولعله طال مقامه ﵊ في البلد فأتى هذه السباطة، ولم يكن الجلوس مناسباً فستره حذيفة وأمامه الجدار من الجهة الأخرى، فلا بأس بالبول قائماً إذا تستر عن الأعين، وكانت الحاجة داعية إلى هذا، والبول قاعداً هو الأفضل وهو الأكثر من فعله ﵊، أما البول قائماً فلم يفعله ﵊ إلا مرة واحدة.
قال: [حدثنا بندار حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا أبو جعفر الخطمي قال بندار: قلت لـ يحيى: ما اسمه؟ فقال: عمير بن يزيد قال: حدثني عمارة بن خزيمة والحارث بن فضيل عن عبد الرحمن بن أبي قراد قال: (خرجت مع رسول الله ﷺ ، فرأيته خرج من الخلاء، وكان إذا أراد حاجة أبعد)].
قوله: (كان أراد حاجة أبعد) يعني: هذه عادته المستمرة؛ لأن (كان) تفيد الاستمرار والدوام.
وسيأتي في حديث حذيفة أنه بال قائماً عند الحاجة، وإلا الأكثر أنه كان يتباعد.
стр. 43
ما جاء في الرخصة في ترك التباعد عن الناس عند البول
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في ترك التباعد عن الناس عند البول.
حدثنا أبو هاشم زياد بن أيوب حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن حذيفة قال: (لقد رأيتني أتمشى مع رسول الله ﷺ ، فانتهى إلى سباطة قوم فقام يبول كما يبول أحدكم، فذهبت أتنحى منه فقال: ادنه، فدنوت منه حتى قمت عند عقبه حتى فرغ)].
الحديث هذا رواه البخاري في صحيحه، ورواه أبو داود والنسائي وغيرهم.
وهو من أصح الأحاديث، وفيه دليل على جواز البول قائماً عند الحاجة، بشرط أن يستتر عن الأعين.
وقال بعضهم: إن النبي ﷺ إنما بال قائماً لوجع في صلبه، وأن البول حال القيام يستشفى به من وجع الصلب.
وقال آخرون: إنما بال قائماً لوجع في مأبضه وهو باطن الركبة، وكل هذا ليس بصحيح، والصواب أنه بال قائماً للحاجة ولبيان الجواز، والحاجة داعية إلى هذا إما لأن المكان غير مناسب؛ لأنه يرتد إليه البول، أو لأن الأرض صلبة، أو لغير ذلك من الأسباب، فدل هذا على الجواز، لكن بشرط أن يستتر عن الأعين؛ ولهذا ستره حذيفة والجهة الأخرى فيها الجدار، والأكثر من فعله ﵊ أنه يبول قاعداً، ولهذا أنكرت عائشة على من قال: إنه بال قائماً، فقالت: (من حدثكم أن النبي ﷺ بال قائماً فلا تصدقوه، ما كان رسول الله ﷺ يبول إلا قاعداً).
وهذا إنما أخبرت عما رأته في البيوت، لكن حذيفة أخبر عما رآه خارج البيوت، والقاعدة أن المثبت مقدم على النافي، فهي نفت؛ لأنها ما علمت، لكن علم هذا حذيفة، وهذا محمول على أن الأكثر من فعله ﵊ البول قاعداً، أما البول قائماً فإنما فعل هذا مرة.
فإن قيل: هل البول قائماً يحمل على الكراهة؟ أقول: لا، ليس فيه كراهة؛ لأن ما فعله النبي ﷺ ليس فيه كراهة، لكن الأفضل البول قاعداً، وإذا بال قائماً فلا حرج، لكن مع الأخذ بالاحتياطات: من التستر عن الأعين، ومن عدم رجوع البول على البائل، وغير ذلك.
стр. 44
ما جاء في استحباب الاستتار عند الغائط
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب استحباب الاستتار عند الغائط.
حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا مهدي بن ميمون عن محمد بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد عن عبد الله بن جعفر قال: (وكان رسول الله ﷺ أحب ما استتر به في حاجته هدفاً أو حائش نخل).
قال أبو بكر: سمعت محمد بن أبان يقول: سمعت ابن إدريس يقول: قلت لـ شعبة: ما تقول في مهدي بن ميمون؟ قال: ثقة.
قلت: فإنه أخبرني عن سلم العلوي قال: رأيت أبان بن أبي عياش عند أنس بن مالك يكتب في سبورجة.
قال: سلم العلوي الذي كان يرى الهلال قبل الناس.
قال أبو بكر: ومحمد بن أبي يعقوب هو محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب نسبه إلى جده، هو الذي قال عنه شعبة: حدثني محمد بن أبي يعقوب سيد بني تميم].
هذا الحديث فيه مشروعية الاستتار عند قضاء الحاجة؛ ولهذا كان النبي ﷺ يستتر بهدف، أو حائش نخل، أو جدار، فينبغي الاستتار عند قضاء الحاجة.
والحديث رواه مسلم في الحيض.
стр. 45
ما جاء في الرخصة للنساء في الخروج للبراز بالليل إلى الصحاري
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة للنساء في الخروج للبراز بالليل إلى الصحاري.
حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا محمد بن عبد الرحمن - يعني الطفاوي - حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (كانت سودة بنت زمعة امرأة جسيمة، فكانت إذا خرجت لحاجتها بالليل أشرفت على النساء، فرآها عمر بن الخطاب فقال: انظري كيف تخرجين، فإنك والله ما تخفين علينا إذا خرجت، فذكرت ذلك سودة لنبي الله ﷺ وفي يده عرق، فما رد العرق من يده حتى فرغ الوحي، فقال: إن الله قد جعل لكن رخصة أن تخرجن لحوائجكن)].
العرق هو العظم الذي فيه بقية لحم، فهو عندما كان يتعرق العرق نزل عليه الوحي، وعمر ﵁ كان يحب ألا تخرج النساء من حبه لذلك، حتى لعلهن يمنعن، فلما خرجت سودة وكانت طويلة رآها في ظلام الليل، ولم يكن هناك كهرباء ولا شمع، لكن من شدة غيرة عمر ﵁ لما رأى سودة خرجت قال: (انظري يا سودة والله ما تخفين علينا) وفي اللفظ الآخر: (أنها رجعت واشتكت ذلك للنبي ﷺ ، فنزل عليه الوحي وهو يتعرق العرق، وقال: إنه أذن لكن في قضاء حوائجكن).
فهذا فيه دليل على أنه لا بأس بخروج المرأة لقضاء حاجتها في الليل مع حشمة وتحجب، ومع عدم الريبة إذا لم يخش عليها الفتنة، وكانت المدينة صغيرة في ذلك الوقت، وليست في البيوت حمامات أو مكان قضاء الحاجة، فكان النساء تخرج تقضي الحاجة في البر في الصحراء، قالت عائشة: (وكنا نخرج من ليل إلى ليل في الظلام، وكانت النساء يأكلن العلقة من الطعام) يعني: الشيء الذي يقيم الجسد، ليس مثل الآن يأكلن كثيراً، قد كان الشخص لا يأكل إلا أكلة مرة واحدة في اليوم، أو أكلتين خفيفتين مما يتيسر؛ لأنه لم يكن عندهم شيء.
وهذا الحديث أخرجه البخاري، والظاهر أنه أخرجه مسلم أيضاً.
قال: [حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة بنحوه].
стр. 46
ما جاء في التحفظ من البول كي لا يصيب البدن والثياب والتغليظ في ترك غسله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب التحفظ من البول كي لا يصيب البدن والثياب، والتغليظ في ترك غسله إذا أصاب البدن أو الثياب.
حدثنا يوسف بن موسى حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس قال: (مر رسول الله ﷺ بحائط من حيطان مكة أو المدينة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال رسول الله ﷺ : يعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة، ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة، فقيل له: لم فعلت هذا؟ قال: لعله يخفف عنهما ما لم تيبسا أو إلى أن ييبسا)].
هذا الحديث فيه أنه ينبغي التحرز من البول، وفيه أن التساهل في البول من أسباب عذاب القبر، وكذلك النميمة.
وفيه إثبات عذاب القبر والرد على أنكره من أهل البدع.
وقوله: (وما يعذبان في كبير) يعني: ما يعذبان في كبير يشق عليهما التحرز منه، وإنما هو سهل التحرز من الغيبة والنميمة والبول.
وفي اللفظ الآخر: (بلى إنه كبير) يعني: هو كبير عند الله وإن لم يكن كبيراً في أنفسهما، أو ليس بكبير يشق عليهما الاحتراز منه.
وفي اللفظ الآخر: (بلى إنه كبير) يعني: كبير عند الله.
والحديث أخرجه البخاري في الوضوء.
فإن قيل: هل يجوز لأحد أن يضع جريده النخل على القبر؟ نقول: لا؛ لأن هذا خاص بالنبي ﷺ ؛ لأن الله أعلمه بذلك، أما نحن فلا نعلم أحوال الناس، لا ندري هل هم يعذبون أو ينعمون؛ إنما الرسول ﷺ فعل هذا بوحي من الله، حيث أخبره الله أنهما يعذبان، أما نحن فلا يشرع لنا ذلك.
قال: [حدثنا يوسف بن موسى حدثنا وكيع حدثنا الأعمش قال: سمعت مجاهداً يحدث عن طاوس عن ابن عباس قال: (مر رسول الله ﷺ بقبرين) بمثله].
стр. 47
ما جاء في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند الغائط والبول بلفظ عام مراده خاص
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ذكر خبر روي عن النبي ﷺ في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند الغائط والبول بلفظ عام مراده خاص.
حدثنا عبد الجبار بن العلاء حدثنا سفيان حدثنا الزهري، وحدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي حدثنا سفيان عن الزهري عن عطاء الليثي عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا قال أبو أيوب ﵁: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو القبلة، فننحرف عنها ونستغفر الله) هذا لفظ حديث عبد الجبار].
وهذا الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما، وهو دليل على تحريم استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء عند قضاء الحاجة، يقول: (لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا) وهذا خطاب لأهل المدينة؛ لأن قبلتهم جنوب، ولهذا قال: (ولكن شرقوا أو غربوا) لكن نحن الآن الذين في الرياض نجنب أو نشمل.
وفيه دليل على أن أبا أيوب ﵁ يرى أنه لا يجوز الاستقبال ولا الاستدبار حتى في البنيان، ولهذا قال: (فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها ونستغفر الله .
والصواب أنه في البنيان جائز، عملاً بحديث ابن عمر: (أنه رأى النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة).
فدل على أن ذلك في البنيان لا بأس به، جمعاً بين الحديثين، وإنما النهي عن هذا في الصحراء.
قوله: (باب ذكر خبر روي عن النبي ﷺ في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند الغائط والبول، بلفظ عام مراده خاص).
يعني: كأن المراد الخاص في الصحراء، مع أن اللفظ عام.
والحديث أخرجه البخاري ومسلم.
стр. 48
ما جاء في الرخصة في البول مستقبل القبلة بعد النهي عنه ووجه الرخصة في ذلك
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ذكر خبر روي عن النبي ﷺ في الرخصة في البول مستقبل القبلة، بعد نهي النبي ﷺ عنه مجملاً غير مفسر، قد يحسب من لم يتبحر العلم أن البول مستقبل القبلة جائز لكل بائل وفي أي موضع كان، ويتوهم من لا يفهم العلم ولا يميز بين المفسر والمجمل أن فعل النبي ﷺ في هذا ناسخ لنهيه عن البول مستقبل القبلة.
حدثنا محمد بن بشار حدثنا وهب - يعني ابن جرير بن حازم - حدثني أبي قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن أبان بن صالح عن مجاهد عن جابر بن عبد الله قال: (نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها)].
هذا الحديث فيه كلام لأهل العلم، وفي صحته نظر.
قال في الترجمة: (باب ذكر خبر روي عن النبي ﷺ في الرخصة في البول مستقبل القبلة بعد نهي النبي ﷺ عنه مجملاً غير مفسر، قد يحسب من لم يتبحر العلم أن البول مستقبل القبلة جائز لكل بائل وفي أي موضع كان، ويتوهم من لا يفهم العلم، ولا يميز بين المفسر والمجمل أن فعل النبي ﷺ في هذا ناسخ لنهيه عن البول مستقبل القبلة).
يعني: كأن المؤلف يرى أن هذا مجمل عام، لكن ليس فيه أنه في الصحراء، بل هذا يحمل على أنه في البنيان، فبعض الناس أخذ بعمومه، مع أن هذا يحمل على أنه في البنيان، كما في حديث ابن عمر.
وهذا حديث حسن، وصرح ابن إسحاق فيه بالتحديث عند ابن الجارود.
فهذا لو صح فهو عام، وكونه ﷺ استقبلها قبل أن يقبض بعام فهذا في البنيان.
стр. 49
ما جاء في تفسير حديث أبي أيوب وجابر في النهي عن استقبال القبلة ببول أو غائط
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الخبر المفسر للخبرين اللذين ذكرتهما في البابين المتقدمين، والدليل على أن النبي ﷺ إنما نهى عن استقبال القبلة واستدبارها عند الغائط والبول في الصحاري والمواضع اللواتي لا سترة فيها، وأن الرخصة في ذلك في الكنف والمواضع التي فيها بين المتغوط والبائل وبين القبلة حائط أو سترة].
يعني: هذا يفسر الحديثين السابقين: حديث: (فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها) يعني: في البنيان لا في الصحراء وحديث أبي أيوب الذي قبل هذا، ولهذا بين المؤلف في الترجمة أن هذا يقيد الأحاديث السابقة.
قال: [حدثنا محمد بن بشار ويحيى بن حكيم قالا: حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله وحدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا عبد الأعلى حدثنا عبيد الله وحدثنا محمد بن معاوية البغدادي حدثنا هشيم عن يحيى بن سعيد وحدثنا محمد بن الوليد حدثنا عبد الوهاب - يعني الثقفي - سمعت يحيى بن سعيد وحدثنا محمد بن عبد الله المخزومي حدثنا أبو هشام - يعني المخزومي - حدثنا وهيب عن عبيد الله ويحيى بن سعيد وإسماعيل بن أمية وحدثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي حدثنا ابن أبي مريم أخبرنا يحيى بن أيوب أخبرني ابن عجلان قال بندار في حديثه: حدثني، وقال يحيى بن حكيم: حدثنا، وقال محمد بن الوليد سمعت وقال الآخرون: عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن ابن عمر قال: (دخلت على حفصة بنت عمر، فصعدت على ظهر البيت، فأشرفت على النبي ﷺ وهو على خلائه مستدبر القبلة متوجهاً نحو الشام).
هذا لفظ حديث عبد الأعلى وفي خبر أبي هشام (مستقبل القبلة)].
هذا الحديث رواه البخاري ومسلم.
هذا هو مقيد للأحاديث السابقة، فيدل على أنه في البنيان لا بأس به، وإنما النهي يكون في الصحراء.
قال: [حدثنا محمد بن يحيى حدثنا صفوان بن عيسى عن الحسن بن ذكوان عن مروان الأصغر قال: (رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليها، قلت: أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى، إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس)].
هذا الحديث أخرجه أبو داود.
كان ابن عمر أخذ هذا من فعل النبي ﷺ لما رآه مستدبر الكعبة مستقبل الشام، رأى أنه إذا حال بينه وبينه حائل فلا بأس، ولهذا جعل راحلته بينه وبين القبلة ثم قضى حاجته، لكن ينبغي أن يتجنب هذا في الصحاري؛ لأنه ليس ستراً كاملاً بخلاف الكنف، الحمامات داخل البيوت.
فعلى مذهب ابن عمر إذا كان بينه وبين القبلة جدار أو شجرة أو دابة أو سيارة فهذا لا بأس.
كذلك الاستدبار حكمه حكم الاستقبال.
وهذه المسألة فيها لأهل العلم ثمانية أقوال: من العلماء من يجيزه مطلقاً.
ومنهم من يمنعه مطلقاً.
ومنهم من يجيز الاستقبال.
ومنهم من يجيز الاستدبار.
ومنهم من يقول: إن هذا منسوخ، وهناك أقوال كثيرة، لكن أرجحها أنه يحرم الاستقبال والاستدبار في الصحراء، ولا يحرم في البنيان، وهذا هو الذي عليه الأئمة، وهو اختيار البخاري ﵀ في تراجمه، وابن خزيمة وغيرهما من أهل العلم.
стр. 50
ما جاء في الرخصة في البول قائماً
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في البول قائماً.
حدثنا أحمد بن عبدة الضبي حدثنا أبو عوانة وحدثنا سلم بن جنادة حدثنا وكيع كلاهما عن الأعمش وحدثنا أبو موسى محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة وحدثنا بشر بن خالد العسكري حدثنا محمد - يعني ابن جعفر - عن شعبة عن سليمان وهو الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة: (أن رسول الله ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائماً ثم توضأ ومسح على خفيه)].
وهذا ثابت في البخاري وأبي داود والنسائي، وفيه جواز البول قائماً إذا أمن من كشف عورته، وإذا تستر واحتاط لنفسه فلا بأس، والنبي ﷺ فعل هذا لبيان الجواز، قال بعضهم: إنه فعل هذا لوجع في مأبضه، وهو باطن الركبة، أو لوجع في صلبه، أما القول بأن من به وجع في صلبه فإنه يستشفي بالبول قائماً فهذا ضعيف، وليس عليه دليل، والصواب أنه فعل هذا للحاجة، وقد ستره حذيفة ﵁، قيل: إن السبب في هذا أن المكان غير مناسب للجلوس؛ لأنه يرتد إليه البول، أو لأن المكان صلب، والمقصود أن النبي ﷺ فعل هذا لبيان الجواز، وفعله مرة واحدة، والأكثر من فعله ﵊ أنه كان يبول قاعداً، وهذا هو الأفضل، ولهذا خفي على عائشة فأنكرت بوله قائماً وقالت: (من حدثكم أن محمداً ﷺ يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان النبي ﷺ يبول إلا قاعداً) لكن حذيفة مثبت وهي نافية، والمثبت مقدم على النافي؛ فهي إنما أخبرت عما يكون في البيوت، وحذيفة أخبر بما رآه خارج البيوت.
قال: [حدثنا نصر بن علي حدثنا الفضيل بن سليمان أنبأنا أبو حازم قال: (رأيت سهل بن سعد يبول قائماً، فإنه تحدث ذلك عليه، وقال: قد رأيت من هو خير مني فعله).
قوله: (فإنه تحدث ذلك عليه) يعني: تحدث الناس عنه.
قوله: (قد رأيت من هو خير مني فعله).
هذا فيه أن سهلاً أيضاً رأى النبي ﷺ يبول قائماً.
هذا الحديث رواه الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد.
إذاً: سهل بن سعد رآه مع حذيفة، والحديث ثابت عن حذيفة، والمحفوظ أنه فعله مرة واحدة، ويحتمل أنه فعله مرة ثانية، أو أن سهلاً كان مع حذيفة إن صح هذا عن سهل.
стр. 51
ما جاء في استحباب تفريج الرجلين عند البول قائماً
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب استحباب تفريج الرجلين عند البول قائماً؛ إذ هو أحرى ألا ينشر البول على الفخذين والساقين.
حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي حدثنا يونس بن محمد حدثنا حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان وعاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن المغيرة بن شعبة: (أن رسول الله ﷺ أتى على سباطة بني فلان ففرج رجليه وبال قائماً)].
وأيضاً رأى المغيرة بن شعبة النبي ﷺ يبول قائماً.
وهذا الحديث إسناده صحيح.
إذاً: ورد من رواية سهل بن سعد وحذيفة والمغيرة بن شعبة أنه ﷺ بال قائماً.
قوله: (ففرج رجليه وبال قائماً).
يقول المؤلف في الترجمة: (لئلا ينتشر إليه البول).
стр. 52
ما جاء في كراهية تسمية البائل مهريقاً للماء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب كراهية تسمية البائل مهريقاً للماء.
حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي حدثنا سفيان عن إبراهيم بن عقبة وابن أبي حرملة عن كريب عن ابن عباس قال: أخبرني أسامة بن زيد: (أن النبي ﷺ بال في الشعب ليلة مزدلفة، ولم يقل: إهراق الماء)].
عاصم بن بهدلة صدوق له أوهام، وهو حجة في القراءات، وحديثه في الصحيحين مقرون، فيكون الحديث حسناً.
стр. 53
ما جاء في الرخصة في البول في الطساس
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في البول في الطساس].
(الطساس) جمع طست.
قال: [حدثنا أحمد بن عبدة الضبي أخبرنا سليم - يعني ابن أخضر - عن ابن عون عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: (كنت مسندة النبي ﷺ إلى صدري فدعا بطست فبال فيها، ثم مال فمات)].
هذا الحديث إسناده صحيح أخرجه النسائي كما قال المحقق، لكن فيه أحمد بن عبدة الضبي قال عنه في الجرح: ناصبي، وبقية رجاله ثقات.
وهذا الحديث فيه غرابة، وقد مر في النسائي أنه لا يصح، وفي صحته نظر.
يعني: كونه فعله في آخر حياته ثم مات في الحال، لو كان هذا ثابتاً لنقل.
стр. 54
شرح صحيح ابن خزيمة_ كتاب الوضوء [٥]
من آداب قضاء الحاجة أن يتجنب البول في الماء الراكد وفي الطريق والظل، وعدم مس الذكر باليمين وهو يبول، والاستعاذة من الشيطان عند دخول الخلاء، وإعداد الماء أو الأحجار للاستنجاء، وعدم كشف العورة، وعدم التحدث حال قضاء الحاجة حتى برد السلام، وعدم الاستطابة باليمين، وألا يستجمر بأقل من ثلاثة أحجار.
стр. 55
النهي عن البول في الماء الراكد الذي لا يجري
стр. 56
شرح حديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الذي لا يجري)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن البول في الماء الراكد الذي لا يجري، وفي نهيه عن ذلك دلالة على إباحة البول في الماء الجاري.
حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي حدثنا سفيان -هو ابن عيينة - عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، وعن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ .
وحدثنا عبد الجبار بن العلاء حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الذي لا يجري ثم يغتسل منه).
وقال المخزومي: (في الماء الدائم ثم يغتسل منه)].
هذا الحديث فيه المنع من البول في الماء الدائم، والمراد بالماء الدائم: الراكد، وقوله: (ثم يغتسل منه) يعني: لا يجمع بينهما بأن يبول فيه ثم يغتسل منه.
وقد جاء في الرواية الأخرى النهي عن كل واحد منهما على حدة ولفظها: (لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ولا يغتسل منه) فهو ممنوع من الأمرين، ولا يدل هذا على نجاسته، أما إذا بال في الماء الراكد ثم بال الثاني والثالث فإن هذا يؤدي إلى تنجيسه، والماء هذا قد يكون نجساً وقد لا يكون نجساً؛ فإنه لا ينجس إلا بتغير أحد أوصافه، ولكن المنهي عنه: بول الإنسان في الماء الراكد؛ لأنه يحتاج إلى الاغتسال، وقد قيل لـ أبي هريرة: كيف يفعل؟ قال: (يغترف منه اغترافاً).
أما البول في الماء الجاري فلا بأس؛ لأن البول يذهب مع الماء.
وهذا الحديث أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم.
فإن قيل لنا: قد يكون الماء الراكد كثيراً؟ فنقول: ولو كان كثيراً، فإن الرسول ﷺ نهى ولم يفصل؛ لأن البول فيه مدعاة إلى تنجيسه وتقذيره، فلو كان كثيراً فلا يبول فيه الإنسان ما دام راكداً.
والنهي هنا للتحريم، فيحرم عليه أن يبول في الماء الراكد؛ لأن البول فيه وسيلة إلى تنجيسه، وتقذيره على نفسه وعلى غيره.
стр. 57
النهي عن التغوط على طريق المسلمين وظلهم الذي هو مجالسهم
стр. 58
شرح حديث: (اتقوا اللعنتين أو اللعانين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن التغوط على طريق المسلمين وظلهم الذي هو مجالسهم.
حدثنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل حدثنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اتقوا اللعنتين -أو اللعانين- قيل: وما هما؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم)].
هذا الحديث فيه تحريم التخلي في طريق الناس وفي ظلهم، وقوله: (اتقوا اللاعنين) يعني: الذي يجلب اللعن ويتسبب فيه؛ فإن الناس عادة يلعنون من يتخلى في طريقهم أو في ظلهم، فلا يجوز لإنسان أن يتخلى في طريق الناس الذي تطؤه الأقدام، وكذلك في الظل الذي يستظلون به، ومثله المشمس في الشتاء الذي يتشمس فيه الناس، وقد ورد كذلك النهي عن البول وعن التخلي في موارد الماء.
[قال أبو بكر: وإنما استدللت على أن النبي ﷺ أراد بقوله: (أو ظلهم) الظل الذي يستظلون به إذا جلسوا مجالسهم بخبر عبد الله بن جعفر: (أن النبي ﷺ كان أحب ما استتر به في حاجته هدفاً أو حائش نخل) والهدف هو: الحائط، والحائش من النخل: النخلات المجتمعات، وإنما سمي البستان حائشاً لكثرة أشجاره ولا يكاد الهدف يكون إلا وله ظل إلا وقت استواء الشمس، فأما الحائش من النخل فلا يكون وقت من الأوقات بالنهار إلا ولها ظل، والنبي ﷺ قد كان يستحب أن يستتر الإنسان في الغائط بالهدف، والحائش، وإن كان لهما ظل].
بين المصنف أن المراد بالظل: الذي يستظل به الناس، أما الظل الذي لا يستظل به الناس فلا حرج من التخلي عنده.
وهذا الحديث أخرجه مسلم.
стр. 59
النهي عن مس الذكر باليمين
стр. 60
شرح حديث: (إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن مس الذكر باليمين.
حدثنا علي بن خشرم حدثنا عيسى -هو ابن يونس - عن معمر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه)].
هذا النهي للتحريم، فيحرم مس الذكر باليمين حال البول؛ لأنه ربما أصابها شيء من البول فإن اليد اليمنى مكرمة، فلا يمسك ذكره إلا بيده اليسرى حال البول.
وقد ورد النهي عن الاستنجاء باليمين، وهذا الحديث هنا فيه النهي عن مس الذكر باليمين حال البول، أما في غير حال البول فلا يتناوله الحديث، وقال بعضهم: إنه عام أيضاً حتى في غير وقت البول، لكن الحديث مقيد بوقت البول؛ لأنه قد يصيبه شيء من البول.
فإذا أراد المرء أن يستنجي فيأخذ الماء بيده اليمين ويمسح باليسار.
стр. 61
الاستعاذة من الشيطان الرجيم عند دخول المتوضأ
стр. 62
شرح حديث: (إن هذه الحشوش محتضرة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاستعاذة من الشيطان الرجيم عند دخول المتوضأ.
حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا شعبة وحدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني حدثنا خالد -يعني ابن الحارث - حدثنا شعبة وحدثنا يحيى بن حكيم حدثني ابن أبي عدي حدثنا شعبة وحدثنا يحيى بن حكيم أيضاً قال: حدثنا أبو داود حدثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت النضر بن أنس يحدث عن زيد بن أرقم عن النبي ﷺ قال: (إن هذه الحشوش محتضرة فإذا دخلها أحدكم فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) هذا حديث بندار غير أنه قال عن النضر بن أنس وكذا قال يحيى بن حكيم في حديث ابن أبي عدي عن النضر بن أنس].
وهذا الحديث ثابت في الصحيحين وغيرهما، والخبث: ذكران الشياطين، والخبائث: إناثهم.
قوله: (هذه الحشوش) يعني: مكان قضاء الحاجة (محتضرة)، يعني: تحضرها الشياطين، فيستعيذ داخلها بالله من ذكران الشياطين وإناثهم، ويقول أيضاً: باسم الله قبل الدخول؛ عملاً بالأحاديث العامة، وجاء أيضاً في حديث عند الترمذي بلفظ: (باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث).
ومن نسي التسمية في الوضوء فلا بأس أن يأتي بالتسمية في أثنائه، ولو في الحمام؛ لأن التسمية واجبة عند الوضوء، وتزول الكراهة لأجل الإتيان بالشيء الواجب.
وقد ذكر في حاشية تلخيص الحبير عن ابن حجر أنه قال: لم يثبت في هذا الباب شيء، أي: في التسمية، وعلى كل حال فإن التسمية تؤخذ مشروعيتها عند الوضوء من الأدلة العامة.
وحديث: (إذا دخلتم الخلاء فقولوا: أعوذ بالله من الخبث والخبائث) قال الحافظ عنه في الفتح: إسناده على شرط مسلم.
стр. 63
إعداد الأحجار للاستنجاء عند إتيان الغائط
стр. 64
شرح حديث: (أراد النبي أن يتبرز)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب إعداد الأحجار للاستنجاء عند إتيان الغائط.
حدثنا أبو عبد الله سعيد الأشج حدثنا زياد بن الحسن بن فرات عن أبيه عن جده عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن عبد الله قال: (أراد النبي ﷺ أن يتبرز فقال: ائتني بثلاثة أحجار، فوجدت له حجرين وروثة حمار؛ فأمسك الحجرين وطرح الروثة وقال: هي رجس)].
هذا الحديث يدل على أنه لا بأس بالاستجمار بالأحجار، ويدل على أنه لا يجوز الاستنجاء بالروث ولا بالعظم، وفي الحديث الآخر: (إن العظم زاد إخوانكم من الجن، والروث علف لدوابهم).
ومن أراد أن يقتصر على الاستجمار فلابد أن يستجمر بثلاث أحجار فأكثر، أما إذا أراد أن يستنجي بالماء بعد ذلك فالأمر واسع، فلك أن تستجمر بحجرين ثم تتبع ذلك بالماء فلا حرج، لكن إذا أردت أن تقتصر على الأحجار فلابد أن تكون ثلاث، وأن تكون منقية، فإن لم تنق زاد حتى تنقي المحل، والمناديل إذا كانت خشنة فلا بأس باستعمالها.
стр. 65
النهي عن المحادثة على الغائط
стр. 66
شرح حديث: (لا يخرج الرجلان)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن المحادثة على الغائط.
حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن عياض قال: حدثني أبو سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان؛ فإن الله يمقت على ذلك)].
هذا الحديث أخرجه ابن ماجة وأبو داود والحاكم ووافقه الذهبي على تصحيحه، ولكنه ضعيف؛ لأنه من رواية عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير، وعكرمة بن عمار تكلم فيه.
وعلى كل لا يجوز للإنسان أن يكشف عورته، ولا يتحدث حال قضاء الحاجة.
وهذا الحديث قد رواه أحمد وصححه ابن حبان وابن القطان.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا به محمد بن يحيى حدثنا سلم بن إبراهيم -يعني الوراق - قال: حدثنا عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن عياض بن هلال بهذا الإسناد نحوه.
قال أبو بكر: وهذا هو الصحيح، هذا هو عياض بن هلال روى عنه يحيى بن أبي كثير غير حديث، وأحسب الوهم من عكرمة بن عمار حين قال: عن هلال بن عياض].
стр. 67
النهي عن نظر المسلم إلى عورة أخيه المسلم
стр. 68
شرح حديث: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن نظر المسلم إلى عورة أخيه المسلم.
حدثنا محمد بن رافع حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك أخبرنا الضحاك بن عثمان عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفض الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد، ولا تفض المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد)].
وهذا الحديث فيه النهي عن نظر الرجل إلى عورة الرجل والمرأة إلى عورة المرأة، بل يجب على الرجل أن يستر عورته، ولا يجوز له أن يكشف عورته، ولا أن يجعل أحداً ينظر إلى عورته، وكذلك المرأة.
وفيه النهي عن إفضاء الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد، بمعنى: أن يمس جسده جسد غيره بدون ثوب أو حائل، كأن يضطجعا ولا يكون بينهما حائل.
قوله: (لا يفض الرجل إلى الرجل) يعني: أنه يمس اللحم اللحم من دون ثوب أو حائل؛ فيكون مدعاة إلى تحرك الشهوة، وكذلك كون المرأة تضطجع بجانب المرأة ويمس لحمها لحمها بدون حائل أو ثوب.
والنهي هنا يفيد التحريم، فلا يجوز للرجل أن ينظر إلى عورة الرجل، ولا المرأة أن تنظر إلى عورة المرأة؛ لأن هذا من أسباب الشر وتحرك الشهوة.
стр. 69
كراهية رد السلام يسلم على البائل
стр. 70
شرح حديث ابن عمر أن رجلاً مر على النبي وهو يبول فسلم عليه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كراهية رد السلام يسلم على البائل.
حدثنا عبد الله بن سعيد الأشج حدثنا أبو داود الحفري عن سفيان، وحدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو أحمد - يعني: الزبيري - حدثنا سفيان الثوري عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر ﵄: (أن رجلاً مر على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد ﵇].
قال في الحاشية: إسناده صحيح.
هذا الحديث فيه أنه لا يسلم أحد على من يقضي حاجته؛ لأن السلام فيه ذكر لله ، ومن يقضي الحاجة ليس له أن يذكر الله في حال قضاء حاجته فلا يسلم عليه، وإذا سلم عليه فلا يرد ﵇.
стр. 71
الأمر بالاستطابة بالأحجار
стр. 72
شرح حديث: (إني أرى صاحبكم يعلمكم حتى الخراءة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [جماع أبواب الاستنجاء بالأحجار.
باب الأمر بالاستطابة بالأحجار، والدليل على أن الاستطابة بالأحجار يجزي دون الماء.
حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي ويوسف بن موسى قالا: حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان قال: (قال له بعض المشركين -وكانوا يستهزءون به-: إني أرى صاحبكم يعلمكم حتى الخراءة، قال سلمان: أجل أمرنا أن لا نستقبل القبلة، ولا نستنجي بأيماننا، ولا نكتفي بدون ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ولا عظم).
غير أن الدورقي قال: قال بعض المشركين لـ سلمان].
هذا الحديث فيه تحريم استقبال القبلة في حال قضاء الحاجة، وهذا إذا كان في غير البنيان، أما في البنيان فإنه يجوز جمعاً بين الأحاديث في أصح الأقوال.
وفيه تحريم الاستنجاء باليمين، بل يستنجي بيده اليسار؛ لأن اليمين تكون للتكريم للإعطاء والأخذ، وقد (كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله)، وكذلك فيه أنه لا يقتصر على أقل من ثلاثة أحجار إذا استنجى بالأحجار، واكتفى بها عن الماء، فلا بد أن تكون ثلاثة أحجار فأكثر، ولا يكتفي بالحجرين، أما إذا أراد أن يستنجي بالماء بعد ذلك فله أن يستجمر بالحجر أو الحجرين ثم يستنجي بالماء، ولا بد أن تكون الأحجار منقية، فإن لم ينق بثلاث زاد رابعاً، فإن أنقى بالرابع فإنه يستحب أن يزيد الخامسة حتى يقطع الشك وتكون وتراً.
ويشترط أيضاً: ألا يتعدى الخارج موضع العادة بألا ينتشر الغائط إلى الصفحتين، والبول لا يتجاوز الحشفة التي هي رأس الذكر.
ولابد أن يكون المستجمر به ليس روثاً ولا عظماً؛ لأنه قد جاء النهي عنهما في السنة، والعظم يعود أوفر ما كان لحماً ويكون زاداً لإخواننا من الجن، وكذلك رجيع الدابة يكون علفاً لدوابهم فيعود إليه حبه الذي أكل منه.
стр. 73
الأمر بالاستطابة بالأحجار وتراً لا شفعاً
стр. 74
شرح حديث: (من توضأ فليستنثر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الأمر بالاستطابة بالأحجار وتراً لا شفعاً.
حدثنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس بن يزيد وحدثنا يونس أيضاً حدثنا ابن وهب أن مالكاً حدثه، حدثنا عتبة بن عبد الله أخبرنا ابن المبارك أخبرنا يونس وحدثنا يحيى بن حكيم حدثنا عثمان بن عمر أخبرنا يونس ومالك عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: (من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر)].
استدل المؤلف بهذا على مشروعية الإيتار في الاستجمار، وهو مستحب.
وقوله: (من توضأ فليستنثر) الاستنثار معناه أن يخرج الماء الذي استنشقه بأنفه، إذ الاستنشاق جذب الماء بطرف الأنف، والاستنثار إخراجه، وهو واجب، فإذا توضأ فلابد من الاستنشاق والاستنثار.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي حديث ابن المبارك: أخبرني أبو إدريس الخولاني أنه سمع أبا هريرة ﵁، قال: سمعت يونس يقول: سئل ابن عيينة عن معنى قوله: (ومن استجمر فليوتر) قال: فسكت ابن عيينة، فقيل له: أترضى بما قال مالك؟ قال: وما قال مالك؟ قيل: قال مالك: الاستجمار: الاستطابة بالأحجار، فقال ابن عيينة: إنما مثلي ومثل مالك كما قال الأول: وابن اللبون إذ ما لز في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس].
وهذا من تواضع ابن عيينة.
стр. 75
ذكر الدليل على أن الأمر بالاستطابة وتراً
следующие страницы →