Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
الإجهاز على الفيديو والتلفاز
أحاطت بالمسلمين في هذا العصر فتن ومخاطر تحطم وتهدم فيهم من كل جانب، وليس العجب مما يفرض عليهم من الخارج، ولكن العجب مما يفرضونه هم على أنفسهم.
ويعد التلفاز والفيديو من تلك الأشياء التي فرضوها على أنفسهم لكي تهدمهم من حيث لا يشعرون، ومما يميز هدم التلفاز والفيديو أنهما يهدمان الأخلاق والأديان والشرائع والأعراف كلها، وأن هذا الوباء يستشري مع الزمان ويتمكن في القلوب، وينتقل من جيل إلى آخر، مما ينذر بخطر عظيم ما لم يتدارك أهل العقل والعلم هذا الأمر ويحذروا من خطره.
стр. 2
تأثير الفيديو والتلفاز على المحيطين بهما
نستحضر معاً صورة رسمها أو تخيلها بعض الناس، وربما عبروا عنها في قصة تنسب إلى شخصية جحا أو غيره، شخصية ذلك الرجل الذي أراد أن يقطع غصن شجرة، فتسلق الشجرة وجلس على الغصن من طرفه الخارجي وليس من الجهة المقابلة للساق، ثم أخذ المنشار وظل يقطع الغصن، فرآه رجل على هذه الحالة، وكان هناك رجل يرى الصورة من بعيد، فقال له: أنت على وضع خطأ، يوشك أن تسقط الآن.
فما بالى به ولا التفت إليه، ونظر أمامه فقط، فأخذ يقطع الغصن حتى هوى به وسقط على أم رأسه، فأخذ يجري وراء ذلك الرجل ويقول له: كأنك تعلم الغيب، كيف عرفت أنني سأسقط؟ أخبرني إذاً متى سأموت؟ والشاهد أن الإنسان حينما يكون داخل تأثير مجال معين فإنه لا يستطيع أن يقيس الأمور قياساً دقيقاً، لكنه إذا حرر نفسه من هذا المجال ومن تأثيراته، ونظر من بعيد استطاع أن يذكر الحكم الصائب على الأشياء، ولذلك فإن ذلك الرجل -لأنه بعيد- استطاع أن يرى هذه الصورة بخلاف ذلك الذي كان يمارسها بالفعل.
فنحن نحتاج -أولاً- إذا أردنا أن نناقش هذا الموضوع أن نخرج من تأثيره السحري، أو تأثيره المخدر، كما يسميه بعض المعاصرين بالمخدر الكهربائي، نحن نحارب الإدمان بالمخدرات والكحول وغيرها كثيراً، إلا أننا نؤمن تماماً أن التلفزيون أو الفيديو أشد وأخطر وأفسد للقلوب.
إن هذا الشخص الذي أشرب حب هذه الأشياء، ويجلس أمامها عاكفاً في خشوع وصمت وسكون العابد الخاشع المتبتل ما حظ هذا الإنسان الذي يدعي الإسلام ومحبة النبي ﷺ ومحبة الله؟! ما حظه من قوله ﵎: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات:٧]، هل هذا الإنسان فعلاً بغض إليه الكفر والفسوق والعصيان؟! إن الذي يجلس ليرى -على الأقل- النساء المتبرجات هو الذي استجلب الجهاز بيده، واشتراه بماله، وربما أخذه من قوت أولاده، وهو الذي فتحه لأولاده وأحضره لهم، ثم بعد ذلك يذوق الثمار المريرة من هذه الفتنة التي أشعل نارها بيده هل له حظ من قوله ﵎: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]؟ هل له حظ من قوله : ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٥ - ١٦]؟ إذا حشر الخبيث والطيب يوم القيامة، إذا حشر الحق والباطل فمع أي الفريقين يكون صاحب التلفزيون والفيديو؟ المسألة لا تحتاج إلى جواب، وماذا بعد الحق إلا الضلال.
هذه الفتنة الآن اقتحمت بيوت المسلمين، وجاست خلال ديارهم تفسد عليهم عقيدتهم وأخلاقهم، وتصدهم عن دين ربهم ﵎، وتقتل فيهم روح الغيرة على حرمات الله، الغيرة التي هي حياة القلب ليرى المنكر منكراً والمعروف معروفاً، إذا ماتت الغيرة على حرمات الله مات الإيمان، وصار بلا روح، يقول النبي ﵌: (إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وإن غيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه)، فإن الله يغار حينما يرى حرماته تنتهك وحدوده تتعدى.
إن أقل ما يقع ممن يعكف ويجلس خاشعاً أمام هذا الصنم الكبير استحسان المعاصي، وإذا ما تعود قلبه على رؤية المنكرات يموت في قلبه الإحساس بأنها منكرات، لن يخلو من سماع الموسيقى، ولن يخلو من رؤية المرأة المتبرجة، ولن يخلو من إقرار كثير من المنكرات، بل لن تصير منكرات حينما يرى النساء الأجنبيات مع الرجال الأجانب عنهن في أوضاع -والعياذ بالله- تكاد تتفطر لها الأكباد والقلوب، هل القلب في هذه الحالة ينكر هذا المنكر؟ وإن أنكره في المرة الأولى ماذا يكون في الثانية والثالثة؟ وهكذا.
إذاً يموت الإحساس من القلب ويصير قلباً منكساً، يستحسن المعاصي ويتلذذ بها، ويود أن لا يزعجه أحد أو أن يبعده ويقصيه عن هذا الاسترسال والخشوع أمام هذا الصنم الجديد.
مر عبد الله بن عمرو رضي الله ﵎ عنهما على قوم جالسين يلعبون بالشطرنج، فأنكر عليهم قائلاً: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ فأيهما أولى بأن نتمثل له بهذه الآية، هذه القطع من الشطرنج الخشبية، أم هذا الصنم الجديد الذي حول ونقل السينما والبارات والمواخير والخمارات إلى داخل بيوت المسلمين؟! ثم حول الأمة تحويلاً شديداً عن الهدف الذي خلقت له.
إن هذه الأمة المحمدية أمة ذات رسالة في هذه الحياة، كما قال ربعي بن عامر لـ رستم لما قال له: ما جاء بكم؟ قال: (إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة)، هذه هي أهداف هذه الأمة، لا أن تجلس وتقتل الوقت أو تنتحر -بتعبير أدق- أمام هذا الجهاز الخبيث، صارت الفتنة في كل مكان الآن، ولا يكاد يخلو منها بيت، وفي نفس الوقت نحتاج ونحن ندرس هذه القضية إلى الاقتباس من كثير من البحوث، وإن كنت -والحمد لله- لا أرى هذين الجهازين، لكن من خلال بحوث علمية كثيرة جمعت ودراسات اشتملت على الأسئلة التي ننقلها إليكم بالتنبيه إلى هذا الخبر.
أيضاً نحتاج كثيراً جداً إلى الاقتباس من الباحثين الغربيين لسببين: الأول: أن الحكمة ضالة المؤمن.
والسبب الثاني: أن القوم كانوا أسرف منا في الابتلاء بهذه الأشياء، ومع ذلك شهد شاهد من أهلها، وفهم رماه الأقربون حينما يضجون الآن ويمنعون أبناءهم من مشاهدة هذا الجهاز لأخطاره على الأخلاق والقيم؛ لأنه فتنة يشب عليها الصغير ويهرم عليها الكبير.
الكل يوقف سمعه وبصره وقلبه على البث التلفزيوني، انظر إلى منظرهم وهم يتابعون مباراة كرة قدم، أو تمثيلية مهمة، ماذا يكون حالهم؟ تجد الخشوع، وهل يخشعون في الصلاة هكذا؟ أو إذا قرئ القرآن ينصتون له هكذا؟! لا.
إنك تجد القلوب والأسماع خاشعة، ولو أن طفلاً صغيراً ألقى قشة في الأرض لثاروا وضجوا: اسكت.
ويخرصون كل من يهم بأن يقطع عليهم هذه العبادة وهذا التبتل في محراب الشيطان، يتشبث كل فرد في متابعته لا يكاد ينفك عنها، الجميع عاكفون أمامه سامرون على حال من الذهول وفقدان الوعي كأنهم مسحورون قد سمروا على مقاعدهم يتابعون الأحداث بكل إصغاء وانتباه، تنقطع أنفاسهم، وتدق قلوبهم إذا تأزم الموقف، ثم تنطلق صيحاتهم وصرخاتهم ويتحركون في عنف عند أي موقف ناسين ما حولهم ومن حولهم، فترى الرجل الكبير يخرج عن وقاره، ويقف على الكرسي إذا سجل هدف -مثلاً- في مبارة كرة، ويصرخون كأن الحرب قد قامت، وكأن المسلمين استردوا فلسطين وعاد بيت المقدس بذاك الهدف، وأقيمت الخلافة، وعادت أفغانستان، ونفذت كل مآرب الأمة وأهدافها.
هل من العقل والحكمة أن نتعامل مع هذا الجهاز الخبيث بهذه العفوية والسذاجة والسلبية؟ هل نحسن به الظن ونعتقد أن فوائده كثيرة؟ بل صار من المسلمين من يعتبر وجود هذا الخبيث ضرورة حياتية لا يستطيع أن يستغني عنها، قد يستغني عن الطعام والشراب ولا يستغني أبداً عن هذا الجهاز الخبيث، غاب عن هؤلاء جميعاً مساوئ ومخاطر هذا الجهاز، أو نظروا إليها بمنظار مصغر فحقروها.
ومن هنا نقف هذه الوقفة في دعوة صادقة مع النفس نراجعها ونقلب أبصارنا وبصائرنا في محاسن هذا الجهاز ومساوئه، فإذا فعلنا ذلك سنقرر أن للفيديو والتلفزيون منافع للناس، ولكن هما كالخمر والميسر فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما.
لكن المنافع على قلتها ضخمت، وأريد لها الظهور فروج لها، وأخفيت المساوئ على خطورتها وكثرتها فلا تكاد تذكر، ومن أجل ذلك لن نتكلم على مزية واحدة من مزايا هذا الجهاز؛ لأن الناس يحفظونها ويعدونها كأسلحة مضادة إذا هوجموا، يقول أحدهم: أنا اشتريت التلفزيون لأشاهد البرامج الدينية، أو لمتابعة الشيخ الشعراوي، أنا أتيت به لكي أطالع نشرات الأخبار.
ويستنزله الشيطان دركة دركة حتى يقع في الهاوية.
فالتلفزيون ليس في حاجة إلى تلميع حتى نتكلم على مزاياه، وإنما نحاول كشف ما فيه من مخاطر يغفل عنها أكثر المسلمين انطلاقاً من قوله ﵎: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥].
стр. 3
مفاسد التلفاز الأخلاقية والشرعية
أول ما نذكر به هؤلاء المؤمنين آية نتلوها من كتاب ربنا العظيم، لو فقهت معناها قلوبنا لرأيتها خاشعة متصدعة من خشية الله، وإذا استيقظت ضمائرنا فلعل قشعريرة الرهبة تسري في أوصالنا، ورعشة الهيبة تهز أعماقنا، إنها قول ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، فما ألصق هذه الآية بموضوعنا حيث تتعلق بأخطر جهاز إعلامي يخاطب العين، والسمع، والبصر، والقلب بالصوت والصورة والحركة.
стр. 4
أضرار التلفاز الصحية
بالنسبة للأضرار الصحية والجسيمة التي تحدث من هذا الجهاز تجد أطفال الجيل التلفزيوني حينما يجرى لهم الفحص الطبي عند دخولهم المدارس تجد أن ظهورهم منحنية من الجلسة التي يجلسونها أمام التلفزيون، الأبصار ضعيفة، مشكلات في النطق والطلاقة في الحديث، إرهاق لأعصاب العين وإجهاد لها بسبب النظر المستمر في حجرة مظلمة عن قرب وباستمرار، وعدم تحريك الظهر إلا في هذا الحيز الضيق.
عالم شهير بالتصوير الإشعاعي يسمى: دكتور إينل كروب أكد بمرارة وهو يحتضر في إحدى المستشفيات بأمريكا -هذا عالم في الإشعاع، ولن يكون هناك عالم بالإشعاع مثله متخصص في ذلك- فقال وهو يحتضر: إن أجهزة التلفزيون في البيوت هي عبارة عن عدو لدود وإخطبوط سرطاني خطير يمتد إلى أجسام الأطفال.
وقد كان هذا الدكتور نفسه أحد ضحايا السرطان الناتج عن إشعاعات التلفزيون، بالذات الأشعة السينية التي تسبب الإصابة بالسرطان، وتشوه الأجنة، وقد تقتل الأجنة قبل الولادة أو بعد الولادة، وقد تحدث سرطانات في الجلد.
هذا الدكتور كان أحد ضحايا السرطان الناتج عن إشعاعات التلفزيون، وقد أجريت له قبل وفاته ستٌّ وتسعون عملية جراحية لاستئصال الدرنات السرطانية ولكن دون جدوى؛ إذ إنه وصل إلى النهاية المؤلمة بعد أن استؤصل قسم كبير من وجهه وبترت ذراعه.
وأضاف الدكتور كروب قبل موته: إن شركات التلفزيون تكذب وتخدع الناس عندما تزعم أن هناك حداً أدنى للطاقة الإشعاعية لا تضر ولا تزود بها أجهزتها، فالعلم يقول بعد التجارب العديدة: إن أية كمية من الإشعاع مضرة بالجسم على درجات متفاوتة، وذلك حسب نسبة التعرض والجلوس أمام التلفزيون.
وقد طالبت مجلة الاقتصاد التي نقلت هذه المعلومات -وهي مجلة تصدر في بيروت- في نهاية مقترحاتها أن على كل أب وأم أن يتناولا مطرقة ضخمة ويحطما بها كل ما لديهما من أجهزة تلفزيونية.
يحذر العلماء في مصر أيضاً من ذلك، ويقولون: أكدت نتائج بحث علمي مصري أن تعرض الأم الحامل لمصادر الإشعاع الشديدة الموجودة حولنا في كل مكان ينتج عنه تشوهات في الأجنة قد تتسبب في موت الجنين قبل أو بعد الولادة.
وأيضاً الدكتور محمد محمد منصور رئيس وحدة بحوث المناعة والطفيليات بالمركز القومي لتكنولوجيا الإشعاع في مصر يقول: بناءً على هذه النتيجة ينصح الدكتور محمد منصور السيدات الحوامل وكذلك الأطفال بعدم الجلوس لفترات طويلة أمام أجهزة التلفزيون الملون الموجودة حالياً في معظم البيوت المصرية؛ إذ به -الإشعاع- مصدر قاتل للجنين، كما أنه يؤدي إلى ضعف الإبصار عند الأطفال، إضافة إلى تأثيره على عدسة زجاج النظارة الطبية، وبالتالي درجة ملاءمتها للعين.
وعلى أي الأحوال فهذه بعض الأشياء تكشف أنه خبيث لا خير فيه.
стр. 5
تدمير الفيديو لأخلاق الأجيال
من مفاسد الفيديو تلك الظاهرة التي انتشرت، وملخص القصة أن مالك إحدى المدارس ذهب إلى صاحب مقهى يرجوه أن لا يقدم أفلام الفيديو في الصباح؛ لأن المدرسة خلت تماماً من التلاميذ، ولما لم يستجب له صاحب المقهى طلب معاونة البوليس.
أب أيضاً اقتنى جهاز الفيديو وعاد فوجد أولاده أتوا بشريط قذر، وجلس جميع الأولاد ينظرون إليه، فحطم الأب الجهاز تحطيماً وكسره تكسيراً.
مثل هؤلاء الآباء هم أولى أن يسجنوا وأن يوضعوا في الأحداث، وليس الأبناء المساكين؛ لأنك أنت الذي أتيت بهذه الأشياء في البيت، ولتجدن إثمها ولو بعد حين، وستذوق ثمرتها.
من ذلك أيضاً ظاهرة الهروب من المدرسة كما ذكرنا، فقد جاء في صحيفة الأهرام: كان أمراً غريباً أن تتجاوز أرقام الغياب نصف تلاميذ المدرسة، وباتت الفصول الدراسية شبه خاوية نتيجة لغياب التلاميذ، ولم يكن أمام ناظر المدرسة إلا أن يفزع إلى مدير أمن الجيزة ويضع أمامه أبعاد المشكلة والمخاطر التي تهدد مستقبل التلاميذ، وضرورة التوصل إلى حقيقة الأمر قبل أن يتفاقم الخطر وتمتد العدوى إلى باقي التلاميذ.
فلم يكن ناظر المدرسة وحده الذي يعاني من مشكلة غياب تلاميذ مدرسته، فقد كانت مشكلة عامة عانت منها بعض المدارس الأخرى المجاورة التي تجاوز فيها أعداد الغائبين من تلاميذ تلك المدرسة النسب المعقولة، وأحال مدير الأمن بلاغ ناظر المدرسة لمدير المباحث لدراسته، وقاد رئيس قسم مكافحة جرائم الآداب العامة فريقاً للبحث، وبدأ تنفيذ خطة العمل بالانتشار في الأماكن القريبة من المدرسة والمدارس المجاورة، ومراقبة التلاميذ في خفاء، ومتابعة خطواتهم والطرق التي يسلكونها، ولم يدم الأمر طويلاً وبدأت الحقائق تتكشف حين تبين أن معظم التلاميذ يسلكون طريقاً واحداً يؤدي إلى حظيرة مواشي يتوقفون أمامها قليلاً لترقب الطريق، ثم يسرعون بعدها بالدخول في حذر حيث يقضون الساعات الطويلة بداخلها إلى حين حلول موعد انصرافهم من المدرسة، ويعودون بعد ذلك إلى بيوتهم.
واكتملت الصورة، ولم يتبق سوى معرفة ما يدور داخل المكان، حتى تمكن ضابط الآداب من التسلل إلى داخل الحظيرة بعد أن دفع مبلغاً من المال في الوقت الذي انتشر فيه رجال الكمين لمحاصرة المكان، وكانت المفاجأة أن وجد الضابط أن حظيرة مواش مظلمة قد امتلأت عن آخرها بتلاميذ المدارس الهاربين الذين جلسوا متراصين على مقاعد خشبية، واستغرقوا في مشاهدة أحد أفلام الفيديو القذرة، فألقي القبض على صاحب الحظيرة وعلى التلاميذ، وتمت مصادرة مجموعة شرائط الفيديو.
هذا من الحصاد المر الذي جناه المسلمون من هذا الجهاز.
أيضاً أضعف الجهاز سلطان الأسرة، فاضمحلت القيم والآداب التي كانت الأسرة تعلمها، وحل محلها قيم التلفزيون المشتقة من الأفلام والمسرحيات والتمثيليات، عطلت الأمور النافعة التي كان يمارسها الأبناء والشباب كالقراءة والكتابة أو الرياضات النافعة، وإذا بالتلفزيون يصور الخمول والكسل والخواء الفكري لدى الإنسان، فلست أنت الذي تتحكم فيه بل هو الذي يتحكم فيك ويغير من نظم حياتك.
стр. 6
دور التلفاز في قلب المنكر معروفاً والمعروف منكراً
من أسوأ آثار التلفاز -إن لم تكن أسوأها على الإطلاق- تعويد الناس على التغاضي عن كثير من الفضائل الاجتماعية، فهو يهدم ويحطم الأخلاق والأديان، ويبطش بالحياء والقيم، وينشر الرذيلة، ويقتل الأحاسيس، بحيث ينتهي الأمر إلى استمراء المنكر، بل استحسان المنكر والفرح الشديد بارتكابه.
ومن الأدلة الواقعية على ذلك أن الناس أصبحوا يقبلون أن رجلاً بحجة أنه أب لفتاة شابة يحتضنها، وهم يعلمون أنه أجنبي عنها وأن هذا تمثيل وكذب، ولكنهم صدقوا الكذب ولم يعودوا يستنكرونه، فهذا عندهم ليس منكراً هذا أبوها! فيأخذونه بعفوية وكأنه أمر طبيعي وعادي.
ولم يعد يستنكر ما يقع بين رجال ونساء أجانب عنهم مما حرمه الله ﵎، بل من يمكن نفسه من هذا الإجرام وهذا الانحلال ويعيش الدور بصدق -كما يقولون- يقال عنه: الممثل المحترم، والممثلة القديرة -أي: على الفساد والانحلال- أما من يظهر عدم الانسجام فهذا ضيق الأفق، هذا إنسان متزمت متطرف، وتنطلق عبارات: إنهم يريدون أن يعيدونا إلى القرون الوسطى المظلمة والعصور الحجرية.
أيضاً صاروا لا ينكرون على المرأة المتزينة المتبرجة التي تظهر بأبهى زينتها حاسرة الرأس، كاشفة الشعر والرقبة والذراعين والساقين، ومع ذلك ربما يصفون هذه الممثلة أو هذه المذيعة بأنها محتشمة، فهي تكشف فقط شعرها ووجها ويديها وما إلى ذلك.
تعودت القلوب على مناظر احتساء الخمور، كأنك داخل الخمارة والحانة وأماكن الفساد والإجرام، تعودت العيون أن ترى هذه المناظر وهي قيم كفرية فاسقة خبيثة تتعود عليها هذه القلوب، احتساء الخمور، التدخين، إتيان الفواحش، السرقات، القتل، السباب بأقذع الألفاظ السوقية، توجيه اهتمام الناس إلى تعظيم كرة القدم، وأن الأبطال هم أبطال كرة القدم، وإذا كانت هناك مباراة دولية لكرة القدم أو شيء من هذا ترى -كما قال بعض الإخوة- البلد خاوية تماماً، كأنه يوجد حظر تجوال، لا سيارات ولا مشاة، والمحلات مغلقة.
حتى قال بعض الإخوة: لو أن عدواً من الأعداء أراد أن يحتل مصر بدون أن تطلق رصاصة واحدة تقاومه لاختار هذا الوقت؛ لأن الناس قابعون في بيوتهم أمام هذا الصنم، وانظر إلى الناس في ساعة صلاة الجمعة تجد وسائل المواصلات تعمل، والشوارع مزدحمة بالسيارات، والناس يمشون في الشوارع، وكأنك لست في بلد من بلاد المسلمين بشغل هذا الجهاز الخبيث.
أيضاً إبراز برامج الرقص والخلاعة وأمثال هذه الأشياء، حتى عندما تسأل الطفلة الصغيرة: ما أملك في الحياة؟ تقول: أريد أن أكون راقصة مثل فلانة، أو مغنية مثل فلانة.
فلا حول ولا قوة إلا بالله! هل هؤلاء هم أبناء المسلمين؟
стр. 7
تناقض المواقف بيننا وبين الغرب في محاربة التلفاز
وهو تناقض غريب جداً، فإننا بقدر ما نتهاون بقدر ما يحرص الكفار على حماية أبنائهم من هذا الجهاز الخبيث، مع أنهم كفار لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، تجد -مثلاً- المدرسة الألمانية في الإسكندرية تأتي بالآباء وتعمل لهم فرزاً شديداً جداً للآباء والأمهات والأطفال، وتقيم لهم مختبرات الذكاء، ثم يوقع الأبوان إقراراً أن أولادهما إذا عادوا من المدرسة لا يشاهدون التلفزيون، هؤلاء لا يتدينون بذلك، لكن يقولون: إن التربية التلفزيونية تسير في خط موازٍ ومضاد للتربية التي تنتهجها هذه المدرسة، هذه تلغي مفعول تلك، ولذلك يوقع الأب والأم على إقرار أنه إذا طلب الطفل النظر إلى التلفزيون ونظر فالمدرسة غير مسئولة عن أي آثار تربوية تظهر في سلوكه، وتقول المدرسة: هذا أتى منكم أنتم وليس من طرفنا نحن.
في حين تجد في مدرسة أخرى، وفي مكان اجتماع مجلس الآباء والمعلمين أتت امرأة متبرجة منسوبة ومحسوبة على الإسلام، أتت تصرخ وتشتكي وتضج وتصيح في اجتماع مجلس الآباء، وتقول: لابد من أن تبحثوا لي عن السبب، من الذي فعل بابني هكذا؟ لابد من أن عندكم هنا في المدرسة أناساً متطرفين.
تقول لهم: إن ابني حينما يجلس عند التلفزيون إذا رأى راقصة أو شيئاً من هذه المناظر فإنه يضع بصره في الأرض ويرفض أن ينظر، فقولوا لي: من المسئول؟ أنتم متطرفون، أنتم تعلمون ابني التطرف، ابحثوا لي عن المسئول عن ذلك؟ أجاب مدير المدرسة: أبداً.
نحن أبرياء من هذا التطرف، نحن لا نعلمه ذلك، نحن نلتزم كاملاً بمنهج الوزارة.
أيضاً التلفزيون يعد أستاذاً من أساتذة الجريمة، ففي إحدى البرامج التلفزيونية أجريت مقابلة مع فتاة في الخامسة عشر من عمرها، رأت شخصاً في فلم يريد أن يقتل آخر فقطع مكابح السيارة، وكادت البنت أن تقتل أباها وأمها، فذهبت أيضاً لتقص فرامل السيارة لتقتلهما، لكن الأبوان اكتشفا الأمر بقدر من الله؛ لأن الفتاة أخطأت فقطعت بدل الفرامل سلكاً آخر أضاء إشارة إنذار حمراء، ولم يعرفا الفاعل.
فجربت الفتاة خطة أخرى، إذ ألقت صفيحة من البنزين على السيارة في داخل الجراش فانفجرت، فتنبه الأبوان في آخر لحظة فأسرعا يفتشان الجراش والبيت خوفاً على ابنتهما حتى لا تحترق، وكادا يختنقان لكثافة الدخان واكتشفا أن الفاعل هو ابنتهما، وعندما سئلت الفتاة عن السبب قالت: أبواي يضغطان علي كثيراً للمذاكرة، وأخي أخفق، وهما يريدان مني تعويض إخفاقه، فنظرت إلى التلفزيون فتعلمت هذه الجريمة.
هذه الفكرة علمها إياها التلفزيون.
стр. 8
جيل التلفاز والمثل الأعلى
من أخطر الأشياء أن التلفزيون يؤثر في الأولاد عندما يأخذون منه المثل الأعلى في حياتهم، حيث يقلب القيم في نظرهم، فالشباب عامة ربما إذا سألته هل تتقن سورة الفاتحة أم لا لم يدر ما الجواب، وربما نجد بعضهم يجيب علينا، لكن لو سألته: ما هي الأسئلة التي ستتوجه إليك أول ما تنزل في قبرك؟ وإنك سوف تسأل عن ثلاثة أسئلة هل تعرف ما هي؟ كيف ستجيب عليها؟ وحين يسألك الملكان: من ربك وما دينك وماذا تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم ﵌ كيف ستجيب؟ فإنه لا يعرف، لكنه يعرف أسماء الممثلين والممثلات، والألوان المفضلة لهم، والأكلة المفضلة لهم، وكم مرة تزوج، والراقصين والراقصات، وأسماءهم، وربما عناوينهم، ويعرف عنهم ما لا يعرفه عن أقربائه.
وهذا يضطرنا -للأسف الشديد- إلى حكاية أشياء نحب أن ننزه مجلس الذكر عن حكايتها، لكن ربما نلجأ أحياناً لضرب الأمثلة؛ لأن هذا واقع نعيشه، والخطر قادم في كل بيت بهذا التغيير.
هذا نموذج يحكيه الشيخ مروان كجك، وهي مشكلة زوج يعاني من زوجته، وهي امرأة متعلمة وتعمل، وهي مغرمة بمشاهدة الأفلام التي تروي تاريخ حياة الراقصات، أو الأفلام التي تكون بطلتها (معلمة في قهوة بلدي) هذه المرأة تشجع طفلتها وهي في العاشرة من عمرها على المشاهدة أيضاً، والنتيجة أن الطفلة أصبحت تحاول إجادة الرقص البلدي أمام المرآة، إنه اغتيال البراءة والفطرة، وفي أوقات الفراغ فإن هذه الطفلة لا تلعب، وإنما تأتي بكوب وخرطوم لتجعل منه (شيشة)، وتطلب من زميلاتها أن ينادينها بصوت أجش: (يا معلمة!).
وقال صاحب الرسالة أيضاً: إن زوجته تشعر بالارتياح من أعمال الطفلة، وتقول: إنها موهوبة في التمثيل فهذا حصاد هذه التربية التلفزيونية الخبيثة، ماذا تنتظر؟ البنت تتعلم من مثل هذه الممثلة كيف تسلك هذه المسالك، لذلك لا تعجب إذا كانوا يسمون الفاسق الفاجر المجرم (البطل)، بدل أن يقال: الفاسق الصادّ عن سبيل الله عدو الله وعدو رسول الله يقال: (البطل).
المطربة أو المغنية معبودة الجماهير، وسبحان المعبود! يعبدونها عبادة، ولعلك تذكر حديث جريج العابد، فقد كان جريج يتعبد في صومعة، فأتته أمه وهو يصلي فنادته.
فقال: أي رب! أمي وصلاتي؟ يعني: أيهما أقدم: هل أجيب أمي أم أكمل صلاتي؟ فنادته الثانية.
فقال: أي رب! أمي وصلاتي.
فأقبل على صلاته.
ونادته الثالثة فقال: أي رب! أمي وصلاتي.
وكان لابد له من أن يقطع الصلاة ويجيب أمه براً بها.
فدعت عليه أمه أن يعاقب عقوبة شديدة، وما كانت هذه العقوبة؟ لقد دعت عليه أن لا يموت حتى ينظر في وجوه الزانيات، دعت عليه بهذه الدعوة، فإذاً هذه عقوبة؛ لأن النظر إلى وجوه الفساق والظالمين يفسد القلوب ويطبع فيها السموم ويمرض القلوب، بعكس النظر إلى الصالحين الذين إذا رأيتهم ذكرت الله ﵎.
فانظر كيف أن المسلمين صاروا طواعية لا ينظرون إلى هذا عن عقوبة، لكنهم يستحسنون النظر إلى وجوه المجرمات الفاسقات، ويتقدمون بأنفسهم إلى هذا الجهاز الخبيث ويستجلبونه حتى ينظر أبناؤهم وشبابهم إلى هؤلاء النساء المجرمات اللاتي يسمونهن (البطلات) معبودات الجماهير.
يقول الكاتب محمد عبد الله السمان مشيراً إلى حلقة تلفزيونية استضيف فيها بعض الطلبة من مدرسة معروفة، يقول: كان من المتوقع أن تكون الحلقة إلى آخر دقيقة فيها بالطلبة المتفوقين، وتكون حلقة من الحلقات الجادة التي يتلقى منها سائر الطلبة دروساً في التفوق، ولكن مقدم البرنامج سأل الطلبة واحداً واحداً عن مثله الأعلى في الحياة؟ وكانت الإجابات مذهلة، فالمثل الأعلى لدى الطلبة المتفوقين هم على الترتيب -ولست أدري أهو ترتيب تصاعدي أم تنازلي-: عبد الحليم حافظ، بليغ حمدي، نزار قباني، محمد عبد الوهاب، أنيس منصور.
وقلت تعقيباً على هذه الإجابات: لم أكن أنتظر من هؤلاء الطلبة المتفوقين أن يقولوا: إن مثلنا الأعلى أبو بكر أو عمر أو علي أو خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنهم، بل كنت أتوقع أن يقول واحدٌ منهم: إن مثلي الأعلى هو أبي.
إلا أنه ما وجد في أبيه مثله الأعلى، وإلا فلو أحسن أبوه تربيته لما عمد إلى هذه الزبالة كي يتخذهم قدوة ومثلاً أعلى في الحياة.
стр. 9
جيل التلفزيون وشيوع الإجرام والرذيلة
إن تأثير التلفاز تأثير وبائي عام، لما يتسم به من جماهيرية وشمولية، ولا يمكن الزعم بأن هذا الوباء غير ضار لأنه نجى منه بعض الناس.
يقول دكتور يسمى استيفن محاضر في جامعة كالفورنيا، يقول هذا وهو رجل كافر نصراني أو يهودي الله أعلم به.
يقول: إذا كان السجن هو جامعة الجريمة فإن التلفزيون هو المدرسة الإعدادية لانحراف الأحداث.
طفل فرنسي عمره خمس سنوات أطلق رصاصة على جار له عمره سبع سنوات، وأصابه إصابة خطيرة بعد أن رفض الأخير إعطاءه قطعة من اللبان، وقد ذكر في أقواله للشرطة أنه تعلم كيف يحشو بندقية والده عن طريق مشاهدة الأفلام في التلفزيون.
ولذلك كتب أستاذ التاريخ الدكتور شاكر مصطفى عن جيل التلفزيون قائلاً: أبناؤنا هم أبناء وسائل الإعلام التي أفسدت الأسرة لدينا إفساداً، ودمرت كل مفاهيمها وآدابها، وكان قد قدم التلفزيون هذه الأمثلة كلها من خلال بحوث مجموعة أصلاً في هذا الأمر، قدم شخصية بطل طائر غير طبيعي يسمونه كذا العجيب منذ سنوات، حاول أحد الأطفال أن يقلد هذا المخلوق العجيب عندما طار من شرفة المنزل محاولاً تقليد هذا البطل العجيب فكان فيها هلاكه.
فما من شك في آثاره في نشر الجريمة والعنف، وإضعاف الأشخاص، وشيوع الرذيلة، وتشييع الفاحشة وتزيينها في نظر الناس، وشيوع أساليب النصب والاحتيال، والسلبية، والتراخي، وتخريب البيوت.
ويتحدث عما تثيره مسلسلات التلفزيون وأفلام الفيديو من تنغيص الحياة الزوجية، يقول: وحدث عن ذلك ولا حرج، ومن المؤسف حقاً أن كثيراً من مشاهدي التلفزيون يجهلون أن هذه البيوت الواسعة والفرش المتنوعة ليست سوى أستديوهات قد أنشأت خصيصاً لتأجيرها للمنتجين الذين يصورون فيها مسلسلاتهم وأفلامهم، وهي ليست ملكاً للممثلة، هم يعتقدون أن هذا ملك للممثلة، الحدائق والخدم والحشم والأجهزة الحديثة والأثاث الرفيع وكذا وكذا، فتبدأ الزوجة في المقارنة بين ما تعيش فيه من ضيق وضنك وبين هذه الممثلة: انظر إلى الغنى، انظر إلى البيت الواسع المؤثث.
فهي لا تتصور أن هذه أشياء مؤجرة لكن تتصور أن هذا ملك للممثلة، ويصدقون الكذب.
فهذه الخدعة الماكرة تصيب النساء بالتأفف من حياتهن؛ لأنهن يعشن في بيوت متواضعة تخلوا من مظاهر الأبهة التي تعيش فيها الممثلات.
أيضاً الزوجة التلفزيونية في الأفلام والمسرحيات والتمثيليات يأتون لها بطريقة المعاملة بين الرجل وبين المرأة، بين الزوج والزوجة، مشتملة على الرقة والخلو من المشاكل والحنو والعطف وكذا وكذا، فتبدأ تقارن كيف يمكث معها وكيف يحصل بينهما المودة، في حين هذا الزوج يرجع مكدوداً منغصاً عليه عيشته من السعي في جلب لقمة العيش لها ولأولادها ولا تعذره في ذلك، فتقارن بينه وبين ذلك الممثل، هذا ممثل، وهذا عمله، هو يعمل ممثلاً كذاباً ويتصنع، وهم أبعد الناس عن الابتسامة التي يرسمونها، وأبعد الناس عن الرقة التي يتظاهرون بها، هم أخبث الناس وأسقطهم وأهونهم في المجتمع.
стр. 10
آثار التلفاز على الحفظ والذاكرة
يعمل التلفاز على استفراغ طاقة الأبناء على الحفظ والتذكر بما يبثه من أغان واستعراضات جذابة، فتجد أن الأطفال يحفظون أغاني الإعلانات ويرددون شعاراتها، وبذلك ترسخ في نفوسهم قيم وأذواق الممثلين والمغنيات، فأنت تأتي بدروس خصوصية في البيت كل يوم، وتعلم بنتك كيف تعشق، وكيف تحب الولد، وإذا جلست معه ماذا تفعل.
أتبكي على لبنى وأنت قتلتها لقد ذهبت لبنى فما أنت فاعل يداك أوكتا وفوك نفخ فالأطفال يحفظون الأغاني ويرددون شعاراتها، وتربيهم الممثلات والفنانون، أتعرف ما معنى (الفنان) في لغة العرب؟ الحمار المخطط، هذا هو الفنان، فهؤلاء هم الذين يربون أولادك، تربية الممثلين تربية البارات والخمارات والحانات التي انتقلت إلى داخل بيوت المسلمين، فيا حسرة على العباد! كيف ومتى يحفظ هؤلاء الأطفال القرآن، هل يجتمع القرآن كلام الله الذي قال تعالى عنه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] هل يجتمع مع الأغاني والإعلانات والتمثيليات وأسماء المطربين والمطربات.
كلا.
لا يجامع القرآن غيره، قرآن الرحمن ومزمار الشيطان لا يجتمعان.
стр. 11
أهداف برامج التلفاز
تدور المسرحيات والأفلام وهذه الأشياء حول ضررين لا ثالث لهما، الضحك بمجرد الضحك، الضحك القائم على الكذب وربما دس فيه السخرية من شريعة الإسلام، وربما أضحكوا الناس على المتدينين وأهل طاعة الله وأولياء الرحمن ، السخرية والضحك التافه، الضحك الذي يلقي صاحبه في جهنم، كما يقول النبي ﷺ : (ويل له ويل له ويله له قالوا: من يا رسول الله؟ قال: الذي يكذب ليضحك الناس.
فقال الصحابة للنبي: إنك تمازحنا! قال: نعم ولكني لا أقول إلا حقاً) ﵌، ويقول ﷺ : (إياكم وكثرة الضحك؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب)، فهذا هو الهدف الأول.
أما الهدف الآخر الذي تدور حوله كل البرامج والأفلام والمسرحيات والتمثيليات فهو قيم الحب والغرام والعشق والهيام ونحو هذه المعاني، وكأن هذه هي المشكلة الوحيدة في هذه الأمة، حلت كل المشاكل وما أصبحت غير مشكلة هذه الفتاة التي أحبت ذلك الولد وجرت بينهما هذه الأشياء المكررة، من أجل صد الناس عن سبيل الله ﵎، وفي خلال ذلك يبثون السموم، ويصبح الخمر والدخان هو الحل الأول إذا بدرت مشكلة، إذا وقعت مشكلة لا يلجأ ولا يرجع إلى الاستخارة، أو الدعاء، أو الصلاة كما كان يفعل ﵊، لا.
بل أول حل إذا وقعت مشكلة أن يشعل السيجارة أو يشرب الخمر، هذا هو المخرج من الضائقات عند هؤلاء وأمثالهم.
فالتلفزيون انتزع وسرق زمام القيادة من الآباء والأمهات، حتى يصح أن نعتبر هذا الجيل التلفزيوني ابن التلفزيون، هؤلاء هم أبناء التلفزيون وليسوا أبناء أبويهم، أهملهم الآباء، بل الآباء عندما يريدون أن يستريحوا من الضوضاء يفتحون لهم التلفزيون حتى يستريحوا منهم، ويسلمونهم إلى هذا الخبيث وهم عجينة غضة طرية يشكلونها كما شاؤوا، حتى سماه بعضهم (الوالد الثالث)، أو (الأب الثالث).
стр. 12
مفاسد التلفاز الشرعية
يتناول القائمون على البرامج من خلال برامجهم الخبيثة تشويه بعض الأحكام والمفاهيم الإسلامية الثابتة، بل قد يتوصلون إلى الطعن في الشريعة الإسلامية، فيأتون مثلاً لقضية الطلاق التي هي من مميزات هذا الدين، حتى إن العالم الغربي الكافر اضطر أخيراً إليها، وبعدما كانوا يعيرون الإسلام بنظام الطلاق اضطروا اضطراراً إلى تشريع الطلاق، ومن الذي يكتب القصة؟ إنسان خبيث عنده هدف يريد أن يحققه من خلال القصة، فيأتيك بامرأة ناشز متحللة، ومع ذلك هو يصنع هذه الشخصيات، ثم يظهرها في صورة المظلومة المقهورة، وأن المرأة مستعبدة بسبب الإسلام وبسبب هذا الزوج الرجعي المتزمت، وهو الذي تحكم في صفات الفريقين، ثم بعد ذلك يبين كيف أن الرجل يتخلص من المرأة باستعمال سلاح الطلاق، وأن الطلاق عبارة عن كلمة تلقى بلا مسئولية، وجزافاً بلا مبالاة، وأنه بمجرد خروج هذه الكلمة تتمزق الأسرة وتهدم جدرانها، مع أن تشريع الطلاق في الإسلام أسمى وأعلى من أن يكون كذلك، لكنهم يركزون على الأخطاء الفردية، ويوهمون الناس أن هذا هو الأصل في المجتمع الإسلامي، وهذا هو الأصل في تشريع الطلاق، مما يزعزع يقين الناس بتشريعات القرآن ويجرئهم على التطاول عليها، والعياذ بالله.
стр. 13
خطر التلفاز كوسيلة إعلامية
من المعلوم أن الإنسان يحصل على المعلومات إذا كانت بطريق النظر بنسبة تسعين في المائة، ويحصل على المعلومات عن طريق السمع كما أن العين تجذبها الحركة أكثر من أي شيء آخر.
وإذا أرادنا أن نستشعر خطورة قضية هذا الجهاز علينا أن نسأل أنفسنا، لماذا تتسابق أمريكا وفرنسا والعالم الغربي على أن يبثوا إلينا البث المباشر؟! ليس هذا فحسب بل يعطونه إيانا منحة وهدية، لماذا؟ هل يجمعون الضرائب من مواطنيهم من أجل أن يتصدقوا علينا، وهل يريدون بنا الخير والسلامة والعافية، أم أنهم هم الذين قال الله ﵎ فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٢١]؟ نعم هؤلاء هم الذين قال الله ﵎ في حقهم: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران:١١٩]، وقال: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨].
سؤال آخر نسأل أنفسنا إياه يبين لنا خطورة هذا الجهاز، التلفزيون ليس مجرد جهاز كهربائي موجود كغسالة أو ثلاجة أو نحوهما، كلا.
إن التلفزيون موجه تربوي وله رسالة يؤديها، وليس مجرد تسلية، إنه موجه يوجه الناس إلى أهداف محددة، وإذا أردنا أن نستشعر خطورة التلفزيون كأقوى جهاز إعلامي ينطبق عليه المثل القائل: فإنك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبد منهن كوكب إذا سمعت عند حدوث أي انقلاب عسكري في أي مكان في الدنيا فإن أول ما يبدأ به الانقلابيون هو الاستيلاء على الإذاعة والتلفزيون، لماذا؟ لأن بهما يمكن أن توجه الجيوش التي لم يتمكنوا منها من بعد، هذا الجهاز الذي يسميه بعض الإعلاميين بالمخدر الكهربائي، بل المخدرات التي يدمنها الناس يقعون في أسر هذا الجهاز، ذلك الأسر الذي لا يضاهيه سوى الأسر العسكري، لكن الأسر العسكري إذا قدر لصاحبه الخلاص منه خرج مرفوع الجبين، أما من يقع في الأسر التلفزيوني فإنه يوم يتمكن من الفرار والإفلات من الشاشة فإنه يمضي مهدود القوى نادماً ولا يكاد أن يرفع له رأس.
стр. 14
مفاسد التلفاز المادية على الناس
لقد فاقت جاذبية التلفزيون كل حد حتى أضحت إدماناً استسلمت له طوائف كثيرة من الناس، ودخل التلفزيون إلى المصنع والمتجر وأكشاك السجائر والمرطبات، ورافق المسافرين في مركباتهم، والمتنزهين في نزهاتهم، حتى أصبح الرفيق الدائم الذي لا يمل، والسمير المستعلي الذي لا ينفك عن اللهو وترهات القول، حتى الطعام يتناوله الناس وهم يشاهدونه، وهذا يشعر إلى أي مدى تعلق الناس به، حتى إنهم في المحلات التجارية لا يتصورون العيش بدونه، وبلغت الفتنة به إلى أنهم بعدما كانوا في السابق يأتون بجهاز واحد في البيت أصبحوا بعد ذلك يأتون بجهازين أحدهما يستعمل والثاني احتياطي، فإذا تعطل الجهاز الأول لا يطيقون أن يعيشوا بدونه كأنه هواء يتنفسونه، فلابد من وجود جهاز آخر.
ثم تطور الأمر بعد ذلك إلى أن حدثت موضة جديدة، وهي أن يكون هناك مراعاة للذوق والآداب والحياء والقيم، وحتى لا يجلس الأولاد مع الأبوين وهما يشاهدان المناظر الخليعة، فكيف حلت المشكلة؟ أن يشتري الأب تلفزيوناً خاصاً ويضعه في غرفة النوم، ويضع تلفزيوناً آخر في غرفة الأولاد، هذه هي المروءة والشهامة والغيرة، كيف يجلسان معاً وينظران إلى هذه الأشياء؟ وهذا يذكرنا بذلك الممثل الفاسق الذي كانت زوجته تمثل دوراً من الأدوار القذرة الإجرامية مع أحد الممثلين، فالشهامة والغيرة والرجولة والنخوة اقتضت منه أنه يرفض أن يتم تسجيل هذه المشاهد في وجود أي شخص في داخل الأستوديو، فأمر بإخراج كل من في الأستوديو حتى لا يروا زوجته وهي تمثل هذه المشاهد.
انظر كيف انتكست قلوبهم، وصارت عقولهم هباءً كأن لم تكن؟ أين النخوة؟ أين الشهامة؟ ربما جعلتك الشهامة تطرد خمسة أو ستة من الموجودين في الأستوديو حتى لا يروا زوجتك بهذه الحالة المزرية، وماذا عن الرجل الذي كان يصورها؟ ماذا عن الملايين من الناس الذين سيطالعون هذه الأشياء؟ ويقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن ما كاد هذا الجهاز يدخل بيتاً حتى شرعت كل البيوت لاحتضانه حتى البيوت الفقيرة المعدمة التي ربما يعوزها القوت اليومي، يقتطعون من قوتهم ليأتوا بهذه الأجهزة، ودخل هذا الخبيث وترفع في أزهى وأفضل مكان في صدر الدار بلا مقدمات، وانتشر في بيوت المسلمين انتشار النار في الهشيم.
стр. 15
الآثار الأخلاقية السيئة للتلفاز
إن الآثار والبصمات التي يطبعها هذا الجهاز على الأسرة إنما تسري وتنطبع في نفوسهم بهدوء وبطء وخفاء، ولا تظهر على مدى يوم أو يومين وإنما تظهر بمرور الوقت في صور ما يسمى بمشكلات التلفزيون.
لا شك أنه من المعلوم والملاحظ أن حال الناس -ولا حول ولا قوة إلا بالله- في يوم الإجازة ارتياد المساجد لصلاة الجماعة، لكن عندما يكون في نفس الوقت مباراة مهمة -كأنهم سيفتحون عكا وفلسطين والقدس- تجد المساجد خاوية، وتجد دروس العلم خاوية، حتى رواد المساجد يفتنون بهذه الصورة، ويضيعون صلاة الجماعة من أجل هذا الخبيث.
تجد النزاعات العائلية، دمر كل شيء، إذا دخل بيتاً أذن بخرابه، إذا دخل قرية أذن بخرابها، قطع الأواصر، وأفسد وخبب بين الزوجات والأزواج، وأثار النزاعات بين الآباء والأبناء، فمثلاً: إذا أراد الآباء -مراعاة للمروءة ومن باب الحكمة والوقار والهيبة- منع أولادهم من النظر إلى شيء معين إذا بالأولاد يقاومون، ومن ثمَّ تحصل النزاعات والصراعات بين أفراد الأسرة الواحدة، الأبناء يتشاجرون على القناة التي يريدون أن يروها، ثم إصرار الأبناء على السهر وانصرافهم عن واجباتهم محاكاة وتقليداً لما يرونه من العنف والعدوانية، وأيضاً ما يقع من كثير من الشباب -وهم قد صاروا بالتلفزيون أطفالاً صغاراً غير راشدين- صاروا يعانون من النقص، ويحاولون إكمال هذا النقص عن طريق التقليد والمحاكاة.
لقد دمر التلفزيون الكثير من القيم والأخلاق الإسلامية، ولنذكر مثالاً على ذلك: شرع الله ﵎ الاستئذان، وما الحكمة من تشريع الاستئذان؟ قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور:٥٨] إلى آخر الآية في سورة النور، حتى لا يطلعوا على العورات، وقد دمر التلفزيون هذه الحرمة، وضيع الحكمة من تشريع الاستئذان، أمر الشرع الأولاد والأطفال أن يستأذنوا قبل الدخول على الأبوين في أوقات خاصة من أجل الستر والصيانة والعفاف، لكن هذا الجهاز الخبيث هتك هذه الأستار، ولم يعد لهذه الأمور احترام ولا صيانة ولا سرية ولا ستر، بل تكشفت المرأة في هذا الجهاز بصورة مبتذلة ورخيصة، وفي إسفاف بالغ.
إذا تأملنا حديث أسماء بنت يزيد ﵂ حينما كانت عند رسول الله ﵌، والرجال والنساء قعود عنده -الرجال أمامه والنساء في الخلف-، فقال ﵊: (لعل رجلاً يقول ما يفعل بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها؟ فأرم القوم -سكت الصحابة وأحرجوا من هذا-، فقالت أسماء بنت يزيد ﵂: إي والله -يا رسول الله- إنهن ليقلن وإنهم ليفعلون -اشتكتهم إلى النبي ﵊، فقالت: نعم -يا رسول الله- يفعلون ذلك، الرجال يتحدثون، والنساء أيضاً يفعلن نفس الشيء فيما بينهن- فغضب النبي ﵊ والسلام فقال: فلا تفعلوا -لا يتحدث الرجل ولا المرأة بما يكون بينهما من أمور خاصة- فإنما مثل ذلك مثل شيطان لقي شيطانة في طريق فغشيها والناس ينظرون)، فتأملوا هذا المثال فيما ضربه رسول الله ﵊، ضربه فيما يكون بين الزوجين، وهذا يكون في حدود ما أحل الله ﵎، فكيف إذا كان الذي يكشف ذلك هما شيطانان حقيقة من شياطين الإنس، وإذا كان الكلام في الحديث هنا في مجرد الحكاية فكيف إذا انضمت إليها المشاهدة والعياذ بالله، وقد قيل: حسبك من شر سماعه.
فكيف برؤيته؟!
стр. 16
مسئولية المسلمين تجاه أطفالهم
يتصور بعض الناس أن تربية الأطفال تقتصر على أن يطعمه الطعام الجيد ويلبسه الملابس الجيدة وغير ذلك، ولا يلتفت إطلاقاً إلى مسئوليته في تربية هؤلاء الأولاد، والرسول ﷺ يقول: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها)، فليست المسألة تطوعاً ولا نافلة، بل إن هذا واجب، وسوف تحاسب عليه وتسأل أمام الله عنه.
يقول أيضاً ﷺ : (إن الله سائل كل راع عما استرعاه، حتى ليسأل الرجل عن أهل بيته)، ويقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
يقول الشيخ أبو حامد الغزالي ﵀: الولد أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة، فإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك، وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق.
ويقول الشاعر: وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه وما دان الفتى حجاً ولكن يعوده التدين أقربوه ويقول ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).
وأيضاً في هذا الزمان أبواه يتلفزانه، فيجعلانه عبداً للتلفزيون ومفاسد التلفزيون.
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ولا يلين إذا قومته الخشب فإذا نشأ على الفساد لا يصلح بعد ذلك فيه شيء.
ودور الأب والأم الآن بسبب هذا الجهاز الخبيث في انحسار شديد جداً، فالأب مشغول بالعمل، وربما الأم -أيضاً- تخرج للعمل، ثم يصبح الأطفال فريسة لهذا الجهاز الذي يتسلمهم وهم في طور التكوين عجينة رطبة يشكلها كيفما يشاء، ويتحكم فيها كاتبو برامجه، وقد يكون هؤلاء الكتاب من مرضى النفوس الذين يسقطون أمراضهم إسقاطاً نفسياً خلال كتابتهم، وحسب موقف الأب يكون موقف الابن، إذا كان الأب يصيح في الولد ويهجره ويزجره: كيف تنظر إلى التلفزيون؟ ثم إذا به هو يغلق الحجرة وينظر فما من شك أن هذه القدوة السيئة ستؤثر في موقف الابن من هذا الجهاز.
لكن إذا كان الأب يحكي لأولاده ويعلمهم أن هذا الجهاز الخبيث جهاز حافل بالمعاصي التي تغضب الله ﵎، فيحذر ابنه باستمرار، ويبغضه في هذا الخبيث، حينئذ يصبح الموقف الطبيعي للابن أن يكره أيضاً هذا الجهاز، فيتعالى عن مشاهدة شيء لا يرضي والده؛ لأنه يثق بوالده ويقلده.
أيضاً الطفل عاجز عن أن يقوم بدور الرقابة على نفسه وحمايته مما يؤذيه في دينه أو دنياه، وهذه مسئولية أبيه، والأطفال ليسوا هم من يشتري الجهاز؛ لأنهم لا يستطيعون ذلك، وليسوا هم الذين ينتجون الأفلام والبرامج، فإذاً لابد أن يكون هناك رقابة وحماية من الأب لهذه الرعية المسكينة من أن تسقط فريسة لهذا الجهاز الخبيث.
والسلف ﵏ كانوا يهتمون اهتماماً شديداً بتربية الأولاد، حتى إن بعض هؤلاء في بعض العصور الإسلامية لما أتى بهم الحاكم بعدما سجنهم فترة فقال لهم: أخبرونا ما هو أشد شيء مر عليكم في هذا الحبس؟ فأجابوا جميعاً: ما فاتنا من تربية أولادنا.
لأنهم كانوا في هذه الفترة بعيدين عن أولادهم ولم يراقبوهم، فكيف بهذا الأب المعتدي الظالم المفرط الذي يأتي بهذا الجهاز لهؤلاء الأطفال المساكين فيسقطون ضحايا، ثم يعاقب الأولاد بعدما يفعلون الجرائم بأن يدخلوا في أماكن الأحداث، هو الذي يستحق أن يسجن وليس هؤلاء الأطفال الضحايا بجهل وظلم أبيهم.
فكم يقلق الأب إذا وجد ابنه قد ارتفعت حرارته وعانى من الحمى، أو حصل له اصفرار اللون، أو جرح عضو منه، ثم لا يبالي وهو يرى ابنه موغلاً في المعاصي التي تنتهي به إلى النار والعياذ بالله، ما الفرق بين أن تأتي ببرميل من البترول وتسكبه على ابنك وتشعل فيه النار وتحرقه، وبين أن تسلك به طريق جهنم بأن تجعل قدوته الممثلين والفنانين والساقطين والساقطات والراقصين والراقصات؟ فأنت تقتله، أنت تضر ولدك، وعدمك خير من وجودك؛ لأنه إذا كان يتيماً ربما وجد من يعطف عليه ويرحمه من هذا العذاب ويحميه، لكن أنت أب شرير حينما تأتي بالجهاز وتضعه أمام أبنائك، وكيف يجلس الأب الذي لا رجولة فيه؟! بل كيف يقبل أن يجلس وبناته وأبناؤه إلى جواره يشاهدون معاً المناظر الخليعة القذرة التي يفعلها هؤلاء الفاسقون المجرمون؟! ماذا يفعل؟!
стр. 17
من جرائم التلفاز في حق المسلمين
مما يؤسف له أيضاً أننا بين الحين والآخر نضطر إلى ضرب أمثلة حتى تتحرك النخوة في هذه العقول التي طارت منها النخوة، يحكي الأستاذ مروان كجك يقول: روى لي أخ كريم أنه زار أستاذه الجامعي في بيته، وكان هذا الأستاذ نصرانياً، فلاحظ الأخ أنه ليس لدى أستاذه تلفزيون، رجل يعبد المسيح، ويقول: إن الله ثالث ثلاثة فسأله: لماذا لا تضع تلفزيوناً في بيتك؟ فأجابه ذلك النصراني: أأنا مجنون حتى آتي إلى بيتي بمن يشاركني في تربية أبنائي؟! فالتلفزيون يعد الوالد الثالث الذي يحتل مرتبة في الأسرة تلي مرتبة الأب والأم، بل هي فوق مرتبة الأم والأب في بعض الأحيان، فهو ليس ضيفاً دائماً وإنما هو مشارك في مفعولية إعداد وتربية أبنائنا.
وقاضي فرنسي يعمل في ميدان الأحداث يقول: لا يخالجني أي تردد في أن لبعض الأفلام وخاصة الأفلام البوليسية المثيرة معظم الأثر الضار على غالبية حالات الأحداث المنحرفين.
وإننا لهذا لسنا بحاجة إلى البحث عن أسباب عميقة وراء السلوك الإجرامي عند هؤلاء الأطفال أو المراهقين، والمرأة الناجحة تصبح هي المرأة التي تتخذ المرأة التلفزيونية أسوة وقدوة لها، فلابد أن تعدل في شخصيتها، وفي طريقة كلامها، وفي ملابسها، حتى تتشبه بهذه المرأة التلفزيونية بقدر الإمكان، والبطلة دائماً تسكر، وتدخن، وتعربد، وتتبرج لكل غاد ورائح.
أيضاً تلقن هذه البرامج الأطفال والمراهقين فنون الغزل منذ نعومة أظفارهم، كيف يعشقون، كيف يكون لكل ولد بنت يمشي معها ويصاحبها ويدرس أخلاقها، وكل ما يجري من المفاسد المعروفة التي تفسد على المسلمين بيوتهم.
أيضاً يجعل المشاهير ممن يسمونهم نجوماً في عالم السينما والمسرح والرقص والملاهي الليلية يجعل هؤلاء هم المثل الأعلى، ويرسخ في أذهان الأجيال أن الراقصات والفنانات والممثلات ونجوم الكرة أهم بكثير من العلماء والشيوخ والدعاة والمدرسين والمهندسين والأطباء، ويكفي أن تلمح مظاهر الحداد لموت فنان أو فنانة وتقارنها بموت شيخ أو عالم أو داعية من دعاة الإسلام.
كنت مرة في مطار جدة فسمعت طفلاً صغيراً يصيح بكلمة ما فهمتها، وكأنه يقول: (لولاك) أو: (لولاك حبيبتي) فلفت نظري، ولما نزلت في مطار الإسكندرية سمعت أطفالاً آخرين في المطار يقولون نفس الشيء ونفس الكلمة، وأمشي في الشوارع أسمع الأطفال يرددونها، فسألت: ما معنى هذه الكلمة؟ قالوا: هذه أغنية مما يذاع ويشاع، والأطفال يرددونها ويترنمون بها.
ومن الجرائم الكبرى للتلفزيون تزوير التاريخ الإسلامي، وتشويه بعض الصحابة أو الفاتحين أو المجاهدين كـ هارون الرشيد، وإذا ذكر هارون الرشيد ذكرت معه الجواري والخمور والمعازف، مع أن هذا الخليفة العظيم كان غازياً حاجاً، يحج سنة ويجاهد في سبيل الله سنة، وهو الذي قال لـ نقفور ملك الروم لما غدر به فكتب إليه الجواب يقول فيه: من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم: وصلني كتابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع يا ابن الكافرة.
وجهز له جيوشاً وأدبه تأديباً، تلك كانت عزة الإسلام، ولما رأى السحابة في السماء قال لها: أمطري أو لا تمطري فسيأتيني خراجك.
فحتى نبغض الخلافة الإسلامية ننظر إلى الأتراك العثمانيين على أنهم محتلون، وأن الأتراك هؤلاء هم الاستعمار العثماني، يبغضوننا في أمجادنا، وفي نفس الوقت يضخمون أمامنا فساق الشرق والغرب والمغنيين ولاعبي الكرة والفارغين والتافهين؛ لكي يضعوا الحواجز بيننا وبين أمجادنا التي أخرجت خير أمة أخرجت للناس.
стр. 18
شبهات المقتنين للتلفاز والفيديو
стр. 19
شبهة كون التلفاز للترويح عن النفس بعد العبادة
من الشبهات التي يتشبث بها بعض الناس: (ساعة لربك وساعة لقلبك)، والحقيقة أن هذه هي قسمة ضيزى، هي ساعة أو سويعات أو دقائق أو ثوانٍ لربك إن كانت لربك، وساعات وأيام طوال وليالٍ لشيطانك، أو إن شئت: ساعة لربك وساعة لقلبك المريض بالنفاق والفساد.
وكأنها شركة تقسم، وهل أنت تعبد إلهين؟ أين أنت من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
فالإنسان لا بأس بأن يروح عن نفسه لكن في اللهو المباح والبريء، ولا يشترط حتى يشعر الإنسان بالسعادة أن يعصي الله ﵎، هناك صور كثيرة من الرياضات النافعة من اللهو المباح البريء الخالي من المعاصي يمكن أن تروح بها عن نفسك.
стр. 20
شبهة كون الأبناء قد أدمنوا على التلفاز
بعض الناس يقولون: فات الأوان، الوقت متأخر جداً لإنقاذ أبنائنا وانتشالهم من هذا المستنقع الآثم، فهم أشربوا في قلوبهم حب التلفزيون، وغرقوا في إدمانه، فلا أمل في الخلاص بعد ذلك.
والجواب هو في قول الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، وفي قول الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٤]، فالبداية هي النية الصادقة الجازمة، والعزم الأكيد على التوحيد الإيجابي، ثم التوكل على الله والسير حثيثاً في طريق مرضاته، ولنكن على يقين أن من ترك شيئاً لوجه الله أبدله الله خيراً منه، ومن تقرب إليه ذراعاً تقرب الله إليه باعاً، ومن أتاه يمشي أتاه الله ﵎ هرولة.
حتى في البلاد الأوروبية وأمريكا الغالب على استعمال الفيديو وهذه الأجهزة الأشياء النافعة جداً، برامج كاملة تعليمية، وفيها آيات من آيات الله ﵎ النافعة، واكتشافات علمية، وعلوم كثيرة جداً تدرس من خلال الفيديو وأجهزة الفيديو، لكن هنا ما علم عن هذا الجهاز الشرير إلا الخبث والفساد، وكأنهم لا يصدرون إلينا إلا هذه الأشياء التي تحطم ديننا وتحصيناتنا الأخلاقية.
فالغالب عليه الفساد، ولا أحد يستطيع أن ينكر هذا أبداً ولو زينها بمائة ثوب، ففي الحقيقة ما عرفنا عن الفيديو والتلفزيون إلا الفساد، أما البرامج النافعة فهذا يخدع نفسه، أين البرامج النافعة؟ حتى لو كان فيه نفع فهو كالخمر والميسر ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩].
والقاعدة الفقهية المأخوذة من الحديث هي (لا ضر ولا ضرار)، وهذا ضرر يقيني في الدين، وإلا فمن يتخيل أنه يفتح التلفزيون ولا يسمع منه موسيقى، أو ينظر إلى امرأة فاسقة متبرجة، هذا بغض النظر عما عدا ذلك مما ذكرنا بعضه.
فلا يخلو أبداً من فساد، هو شر كله ولا شك في هذا، ومن يغالط في هذا فهو إنسان مكابر، نحن نرى الآن في هذا الزمان من شدة الفساد الذي طغى على التلفزيون أناساً غير ملتزمين بالدين، وربما لا يصلون، وتجد الواحد منهم يعمد إلى التلفزيون ويحطمه ويكسره لما رآه بعينه قد أوقع بين أولاده فساداً وتطبيق الدروس التي يرونها من الانحلال والفساد.
فنحن لا نوجه كلامنا إلى الحكومة أو السياسيين أو الإعلاميين أو المنتجين أو المخرجين، ولكن هؤلاء إذا استمروا سادرين في غفلتهم مصرين على انحرافهم فما من شك أنهم ما أجبروك على أن تأتي بالجهاز في البيت، وتخرج من قوت أولادك وتشتري أحد هذين الجهازين الخبيثين أو كليهما، أنت الذي أتيت به، وأنت المسئول عن هذا المنكر، ما أجبرت عليه، أنت الذي أضرمت النار في نفسك وأولادك.
فإن كنت لا ترعوي ولا تنزجر بمثل هذا فلنحك هذه الحكاية -ونختم بها الحديث- لعلك تتخيل أنك حينما تدرج في أكفانك وتنكشف أمامك الحجب وترى الملائكة وتدرج في قبرك فلعل هذه الرؤيا الصالحة أو الصادقة -بتعبير أدق- التي رآها بعض الناس من قبل ممن كان قد أقتنى جهاز التلفزيون ثم مات تنفعك.
هذه القصة قصة شيخ كبير في السن كان سبباً في هداية أسرة بكاملها، كانت هذه الأسرة غافلة لاهية تقضي معظم وقتها أمام شاشة التلفزيون لمشاهدة الصور المحرمة، ومسلسلات الحب والغرام والهيام، فما هي تفاصيل القصة؟ يحكي هذا الشيخ فيقول: في يوم من أيام شهر رمضان المبارك كنت نائماً في المسجد بعد صلاة الظهر، فرأيت فيما يرى النائم رجلاً أعرفه من أقاربي قد مات، ولم أكن أعلم أن في بيته تلفزيوناً، جاءني وأنا نائم في المنام فضربني بقدمه ضربة حتى كدت أن أصرع من ضربته، وقال لي: يا فلان! اذهب إلى أهلي وقل لهم بأن يخرجوا التلفزيون من بيتي.
قال الشيخ: في نفس الرؤيا كنت أرى التلفزيون في جانب من البيت وكأنه كلب أسود والعياذ بالله.
قال: فاستيقظت من نومي مذعوراً واستعذت بالله من الشيطان الرجيم وعدت إلى نومي، فجاءني في المنام مرة ثانية وضربني ضربة أقوى من الأولى، وقال لي: قم واذهب إلى أهلي وقل لهم أن يخرجوا التلفزيون من بيتي ولا يعذبونني به، قال: فاستيقظت مرة ثانية وهممت أن أقوم، ولكنني تثاقلت وعدت إلى نومي.
فجاءني في المرة الثالثة وضربني في هذه المرة ضربة أعظم من الضربتين الأوليين وقال لي: يا فلان! قم واذهب إلى أهلي وقل لهم بأن يخلصوني مما أنا فيه خلصك الله.
قال: فاستيقظت من نومي وعلمت أن الأمر حقيقة، فلما صليت التراويح من ذلك اليوم ذهبت إلى بيت صاحبي وهو قريب لي، فلما دخلت إذا بأهله وأولاده قد اجتمعوا عليه ينظرون إليه وكأن على رؤوسهم الطير، فجلست، فلما رأوني قالوا مستغربين: ما الذي جاء بك -يا فلان- في هذا الوقت؛ فليس هذا من عادتك؟ قال: فقلت لهم: جئت لأسألكم سؤالاً فأجيبوني: لو جاءكم مخبر وأخبركم أن أباكم في نار جهنم أو يعذب في قبره، هل ترضون بذلك؟ قالوا: لا.
ندفع كل ما نملك مقابل نجاة أبينا من العذاب.
قال: فأخبرتهم بما رأيته في المنام من حال أبيهم، فانفجروا جميعاً بالبكاء، وقام كبيرهم إلى ذلك الجهاز التلفزيون وكسره تكسيراً أمام الجميع معلناً التوبة، ولكن القصة لم تنته بعد.
قال الشيخ: فرأيته بعد ذلك في النوم فقال لي: خلصك الله كما خلصتني.
هذه عبرة من الواقع المشاهد وقعت مع هذا الرجل.
فمن منا يريد أن يخلصه الله؟ وهذا الرجل وجد من يخلصه فربما أنت لا تجد من يخلصك، تموت وتدرج في أكفانك وتصير وحيداً في قبرك ثم تبقى هذه السنة السيئة التي أحدثتها وتركتها تفسد عليك أولادك وتبعدهم عن ربهم وتقطع عليهم الطريق إلى الله.
إن التلفزيون قاطع الطريق إلى الله، فهو يقطع عليك الطريق إلى الله، ويبعدك عن طاعة الله ﵎، فلا تقل أبداً: أنا أضبطه، وأنا أتحكم فيه.
إنما هو الذي يتحكم فيك، لا تقل أبداً: أنا أتركه وأثق من أولادي.
كلا؛ النساء ضعيفات القلوب، وربما أحياناً العقول، حتى المسيح الدجال عندما يخرج فإن الرجال يقيدون النساء بالحبال ويوثقونهن بها في البيوت من شدة افتتانهن بالمسيح الدجال، فكيف تعرض زوجتك للفتنة؟ كيف تعرض بناتك للفتنة؟ كيف تعرض أولادك لعشق الممثلة الفلانية، والتلذذ بالنظر للمذيعة الفلانية، وتسلم قلوبهم لهذه السموم ثم تحسب بعد ذلك أنك على شيء؟! فالتوبة بابها مفتوح لمن أراد النجاة، ولا سبيل في مجتمعنا للتعامل مع هذا الجهاز إلا أن تعمد الآن إلى تكسيره وتلقيه على المزبلة في المكان اللائق به، متى يأتي هذا اليوم الذي نجد أكوام القمامة كدست فيها أجهزة التلفزيون في توبة جماعية من جميع المسلمين حتى ينزل الله علينا المطر الذي أمسكته السماء؟ يقول النبي ﵊: (يا معشر المهاجرين! خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن -كان يتعوذ أن يدرك هذه الأيام- لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا من قبل، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا).
стр. 21
مشاهد الاستهتار في التلفاز
من الأمور الخطيرة جداً في التلفزيون الاستهتار بالقيم الإسلامية، بل ربما يوقع الناس في الكفر والعياذ بالله، إذا تحدث عن حكم شرعي بطريقة فكاهية معينة وضحك الناس هلكوا وراحوا إلى النار واستحقوا عذاب الله إن لم يتوبوا ويسلموا من جديد، حينما يأتي شخص بآية قرآنية ويسخر منها ويضحك الناس عليها ويضحك الغافلون الجاهلون يقعون والعياذ بالله في الردة، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦].
وفي مشهد راقص هابط ساقط يردد أحد المجرمين الفاسقين عبارة أمام الراقصة -والعياذ بالله- يقول فيها: أستغفر الله.
أو: اللهم! صل على النبي.
وهل هذا مقام الصلاة على النبي ﷺ ؟ أو في الأغاني يغنون ويقولون: صل على النبي ﵊.
إن النبي بريء منهم ومن أفعالهم أخزاهم الله.
стр. 22
شبهة كون التلفاز للتسلية فقط
هناك بعض الشبهات يذكرها بعض الناس، ومع أنها شبهات ضحلة لكن سوف نتوقف قليلاً لنجيب عليها.
بعض الناس يقول: التلفزيون مجرد تسلية وقضاء وقت فراغ وليس أكثر، وليس كما تزعمون! فالجواب أن علماء النفس أنفسهم يؤكدون أن الشيء الذي لا يأخذه الإنسان مأخذ الجد هو الذي يؤثر فيه أبلغ الأثر، فالترفيه التلفزيوني ليس أمراً ثانوياً يمكن التهوين من شأنه، التلفاز مثل الماء والنار له جاذبية، وله سحر؛ لأنه يتحرك ويسحر ويقلب الألباب، ويتواطأ فيه الشكل مع المضمون.
يقول الباحث الألماني مارتن كارلي هيتر: إن أطفال اليوم ليسوا مشاهدين فقط، وإنما هم شركاء في الأحداث والتمثيل، فهم يعيشون الحدث ويشاركون فيه، ويتأثرون بالتجربة تأثراً واقعياً حياً، فهذا مثل الأفعى ناعمة الملمس لكن بداخلها السم الزعاف، كما يقول الشاعر: إن الأفاعي وإن لانت ملامسها عند التقلب في أنيابها العطب فليس جهاز التلفزيون مجرد تسلية، بل هو عبارة عن مرب وموجه وصانع لهذه الأجيال التلفزيونية، وهذه حقيقة ندركها وليس كلاماً خيالياً، واسألوا السجون، واسألوا الأحداث، واسألوا صفحات الجرائم في الجرائد عن ثمار التلفزيون وأثرها على الأولاد.
стр. 23
شبهة مشاهدة البرامج الدينية
بعض البسطاء يقول: أنا أشتريه من أجل البرامج الدينية، ونور على نور.
وفي الحقيقة هو ظلام في ظلام، حتى البرامج الدينية لا تخلوا من التشويش ومهاجمة الإخوة الملتزمين، والتشنيع على الدعاة إلى الله، ووصفهم بالتطرف.
فهذه الندوة والمسرحية التي يسمونها (ندوة الرأي) التي تدار من وراء الكواليس وكل واحد يحفظ فيها دوره كالدمى التي تحرك لكي يصلوا عن طريقها إلى هدف معين.
إن التلفزيون يعاني من ازدواج الشخصية، فيفتتحونه بالقرآن الكريم من باب ذر الرماد في العيون، حتى إذا ما اعتراض معترض قيل له: نعم له مساوئ ولكن له أيضاً محاسن.
فيختارون الأوقات -كما يذكر الباحثون- غير الملائمة تماماً لتكون منفرة بحيث لا يجلس إليها الناس، وأوله قرآن وآخره قرآن، وما بين ذلك عبادة للشيطان، نفس الجهاز الخبيث الذي يذيع القرآن الكريم هو هو الذي يذيع الرقص والغناء والفساد المحلي والمستورد بألوانه المتعددة تعدد ألوان الطيف.
إذاعة إسرائيل تذيع القرآن، إذاعة لندن تذيع القرآن، وأنت إذا ركبت سيارة أجرة مع بعض الناس في السفر يبدأ بنفس برنامج الإذاعة، أول شيء يقرأ الركاب الفاتحة، ثم يفتح شريط القرآن، ثم بعد ذلك إذا بالأغاني والفساد والفسق طوال الرحلة، فهو اتجاه سائد، رجل يريد أن يفتتح مشروعاً معيناً يأتي بالمقرئ يقرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١].
وإن كانت معاهدة صلح قرأ ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال:٦١]، وإن وقعت حرب يقول: لا أدري وافعلوا كذا، ويأتون بالآيات القرآنية، لكي تبرر هذه التصرفات.
فمن يتأمل مساحة البرامج الدينية المزعومة مقارنة بمساحة البرامج الأخرى لا يمكن أن يتخيل أن هذا التلفزيون في بلد أو في مجتمع يدين شعبه بدين الإسلام، بل بدين آخر يعنى به القائمون على هذا الجهاز الخطير.
متى يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنت تبني وغيرك يهدم
стр. 24
منهاج أهل السنة في تقييم الرجال
إن الخوض في أعراض الناس إثم عظيم، وأعظم منه الخوض في أعراض العلماء؛ لذا سلك أهل الحديث في تقييم الرجال منهجاً قويماً لم يسبقهم إليه أحد من الأمم، وهذا المنهج له قواعد مبنية على العدل الذي قامت به السماوات والأرض، وعلى العلم الذي هو معرفة الشيء على حقيقته.
стр. 25
أهمية العدل والإنصاف كميزان في الحياة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عن ابن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا).
رواه مسلم قوله ﷺ : (إن المقسطين) المقسطون: هم العادلون كما فسرها ﷺ في نفس الحديث، فبدأ الحديث بقوله: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور)، ثم قال في آخره: (الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا)، ففسرها في آخر الحديث بأن المقصود بـ (المقسطين): العادلون، والإقساط والقسط: العدل، يقال: أقسط إقساطاً إذا عدل، ومنه قوله ﵎: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩].
وأما بفتح الياء وكسر السين قسط يقسط قسوطاً وقسطاً فهو قاسط وهم قاسطون فيعني الجائرون الظالمون، أما المقسطون فالعادلون، ومنه قوله ﵎: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن:١٥] يعني: وأما الجائرون الظالمون (فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً)، فقوله: (إن المقسطين -يعني: العادلين- عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن) يعني: يجلسون على منابر، وسمي المنبر بهذا الاسم لارتفاعه، فهم على منابر حقيقة، ومنازلهم رفيعة عن يمين الرحمن ، وهذا الحديث من أحاديث الصفات التي يسلك فيها مسلك السلف الصالح، ونقول فيها: نؤمن بالله وبما جاء من عند الله، على مراد الله ، ونؤمن بهذه الصفات أن لها حقيقة، وإن كنا لا يمكن أن ندرك كيفية اتصاف الله ﵎ بها، فهذه صفات الله تعرف بها إلينا، وما علينا إلا أن نثبتها كما أراد الله، وبلا كيف، مثل قوله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فأثبت صفة السمع والبصر، وفي نفس الوقت رفع علم الكيفية وقال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) يعني: ليس كالله شيء.
فأي شيء من آيات أو أحاديث الصفات مهما حاولت أن تجتهد، أو تصل بعقلك إلى تخيل صورة لها، فلابد أن تقطع حتماً أن الله على خلاف هذه الصورة التي يمكن أن تتخيلها، فكل ما تتخيله فالله جل وعلا بخلافه، فإذا قال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) فليس كالله ﵎ شيء، فلا يعلم كيف هو إلا هو ﵎، فلذلك علينا أن نيئس تماماً وأن نيئس العقول ألا تطمح أبداً في أن تعرف كيفية اتصاف الله ﵎ بهذه الصفات، ثم نحن لا نشبه الله بخلقه، وفي نفس الوقت لا نعقل صفات الله ﵎.
بعض الناس إذا سمعوا نصوصاً في صفات الرب تبادر إلى ذهنهم المعنى الذي يليق بالمخلوقين، فيستبشعونه فيقعون في التشبيه أولاً، ويترتب على التشبيه أن يستبشعوا هذا الوصف، فالبتالي يلجئون ويفرون إلى التعطيل، فينفون صفات الله ﵎، ولو أنهم من البداية ما شبهوا لما وقعوا في الورطة الثانية، وهي ورطة التعطيل، أما السلفيون الموحدون فإنهم يقولون كما قال سلفهم الصالح: آمنا بالله، وبما جاء من عند الله، على مراد الله، ونحن نقول أيضاً كما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف.
تنبيه: جاءت وصف الله ﵎ باليمين كما في قوله ﵎: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، وفي هذا الحديث يقول: (وكلتا يديه يمين)، وهذا تنبيه على أن اتصاف الله ﵎ بهذه الصفة لا كاتصاف المخلوقين، بل كلتا يديه ﵎ يمين، فيده لا تشبه صفات المخلوقين التي تستحيل في حق الرب .
(الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) هذا الجزاء، وهذا الفضل العظيم، وهو أن يتبوأ هؤلاء المقسطون منابر من نور عن يمين الرحمن ، وحتى ينال الإنسان هذه الفضيلة فلابد أن يتصف بصفة العدل.
ويقول ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله -جعل أولهم- إمام عادل) فكل ما تقلده الإنسان يجب أن يعدل فيه؛ من خلافة أو إمارة أو قضاء أو حسبة أو نظر على يتيم أو صدقة أو وصف، وأيضاً فيما يلزمه من حقوق أهله وعياله ونحو ذلك كما قال ﵊: (إن الله سائل كل راع عما استرعاه، حتى ليسأل الرجل عن أهل بيته) أو كما قال ﷺ ، وقال: (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته).
الشاهد: أن من اتصف بصفة العدل وعمل بها فيما يتولاه من أمور؛ فإن جزاءه عند الله ما ورد في هذا الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا).
هذا العدل الذي نوه به هذا الحديث، ووعد عليه هذا التشريف والتعظيم، لا يقتصر فقط على الإمارة أو الخلافة، أو ولاية الرجل أهله، والمدير مع موظفيه وهكذا، وإنما ينبغي أن يتصف به الإنسان في كل شيء حتى في حكمه على الأمور، وتقويمه للناس ولمنازلهم، وحكمه على الأفكار والمؤلفات والشيوخ، وهكذا ينبغي أن يتصف الإنسان بالعدل كما أمر الله ﵎ في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:٨] فهذه الآية توضح منهجاً عظيماً يجعل العدل لازماً أصيلاً من لوازم الإيمان؛ فقد بدأ الخطاب في الآية بمخاطبة المؤمنين.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فأمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم يشترك فيها إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام، وذلك أن العدل نظام كل شيء؛ فإذا أقيم نظام الدنيا بالعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الدين من خلاق، ومتى لم تقم بالعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة.
هذا قانون من قوانين وسنن الله في هذه الحياة الدنيا: أن الدولة التي تقوم على العدل فإنها تمكن ويقوم أمرها، والدولة التي تقوم على الظلم -حتى لو كانت مسلمة- فإنه لا يقوم لها أمر، وإن كانت تجازى بالإسلام في الآخرة.
ونحن نحتاج أيضاً إلى العدل والإنصاف حينما نرجع إلى منهج السلف الصالح لنزن الأمور كلها بالميزان القسط، حيث أصبحت الأهواء اليوم هي التي تتحكم بالآراء والتوجهات، حتى أن الإنسان قد يتغاضى عن أخطاء من يحبهم وإن كانت كبيرة، ويسوغها ويلتمس لها المعاذير، بل قد تتحول هذه الأخطاء إلى محاسن في نظره، ويجعل محبوبه في أعلى المنازل؛ ولا يقبل فيه نقداً أو مراجعة، وفي المقابل تراه إذا أبغض أحداً لهوىً في نفسه، أو تقليداً لغيره؛ جرده من جميع الفضائل، ولم ينظر إلا إلى سيئاته وزلاته، فيفخمها وينسى أو يتناسى محاسنه الأخرى مهما كانت بينة، فالاضطراب ليس فقط في تقويم الرجال بل أيضاً في عالم المؤلفات والمصنفات، ترى بعض الناس إذا رأى خللاً في كتاب ما رمى به عرض الحائط، أو إذا رأى شيخاً زل في مسألة فلا يعرف هذا الشيخ إلا بهذه الزلة، كأنه ليست له محاسن على الإطلاق، ولا يقبل منه أي شيء، ويقول: الشيخ صاحب البدعة الفلانية.
الشيخ سالك الخطأ الفلاني في الكتاب الفلاني.
ولا يلتفت إلى أنه ينبغي أن يلتزم بقوله : ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة:٨].
فعامل الهوى وغيره من العوامل تجعل الإنسان يميل وينحرف عن ميزان العدل، وميزان القسط، فبعض الناس إذا رأى خللاً في كتاب من الكتب رمى به عرض الحائط، وشن على مؤلفه وعلى من اقتناه أو قرأه غاره، وهو في ذلك مغفل إغفالاً شديداً الجوانب الإيجابية التي قدمها صاحبه.
أما إذا كان هذا الكتاب لأحد ممن ينتمي إلى حزبه مثلاً، أو إذا كان مرضياً عنده؛ فإنه يرفع الكتاب فوق منزلته، ويغض الطرف عن زلل المؤلف أو تقصيره؛ ظناً منه بأنه إن اعترف بوجود بعض جوانب النقص في هذا الكتاب فإن هذا يحط من قيمة صاحبه، أو يقلل من شأنه، وقد قيل: وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا لم يقف الخلل الفكري والقصور المنهجي عند هذا الحد، بل تعداه إلى ما هو أعظم من التنازع و
стр. 26
أصول المنهج القويم في الرجال والمصنفات والآراء
لشيوع هذه الظاهرة حاول بعض الباحثين أن يعالجها، ويسد هذه الثغرة، وهناك قضايا فكرية كثيرة مهمة جداً ما زالت تحتاج إلى حسم، وإلى وضع ضوابط وموازين، هذه الثغرة هي ثغرة المنهج القويم في الحكم على الرجال، أو تقويم الرجال والمصنفات والآراء وغير ذلك في ضوء موازين ومنهج أهل السنة والجماعة الفرقة الناجية، هذه الثغرة حاول بعض الكتاب أن يعالجها، ومن ذلك هذا البحث الذي نلخصه لكم اليوم لندرته أو لعدم وجود هذا الكتيب، وهو إعداد الشيخ أحمد بن عبد الرحمن الصويان: منهج أهل السنة والجماعة في تقويم الرجال ومؤلفاتهم.
يذكر في أول بحثه أنه يعالج فتنة الظلم والجور في الحكم على الرجال والكتب والمناهج.
стр. 27
ورع اللسان
إذا ضعف ورع اللسان أو انحرف أو زال عن الإنسان؛ فإنه يتجرأ على الخوض في أعراض الناس، فيتجرأ في بعض الأحيان ويطلق الأحكام جزافاً بدون تثبت، فيجرح أو يعدل ويخطئ ويصوب، وربما سمع شيئاً في حق من هو مخالف له فلا يتفطن إلى قول النبي ﷺ : (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما يسمع)، فنتسمعه يردد كل ما يسمع لموافقته هواه، ويظن أنه ليس عليه عهدة في ذلك لأنه يروي عن الآخرين، ويظن أنه لا يخوض في عرض إخوانه، ويظن أن الرواية عن الآخرين تشفع له، وهذا ظن خاطئ، فالواجب عليه أن يتثبت في ذلك، فهو داخل تحت قوله ﵊: (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما يسمع)، فليس كل ما تسمع ترويه وتنقله وتعتمده، ولا يشفع لك أنك تقول: إنما أروي عن غيري؛ لأن هذا هو عين ما أشار إليه ﵊، فقوله: (كفى بالمرء كذباً) فيه توضيح أن عين الكذب أن تحكي وتروي بدون تثبت، وهذا ينشأ منه كثير من الفتن، والخوض في حقوق المسلمين لا يجوز؛ ولأن الكلام وافق هواه فهو ينقله عن الآخرين بحجة أن هذا كلام سمعه، وأنه لم يختلقه، والرسول يقول: (كفى بهذا كذباً) يعني: ليس كذباً أصرح من هذا.
فينبغي التثبت تماماً مع من لا تحب كما تتثبت في حق من تحب، وحسن الظن بالمسلمين واجب، فكل المسلمين سواء من هؤلاء أو هؤلاء ينبغي أن تنضبط بميزان العدل معهم، بعض الناس تراه يجرح ويعدل ويخطئ ويصوب قبل أن يستوعب الأمر، وقيل: أن يجمع أطرافه ويدرسه من جميع جوانبه، فيغلب على أحكامه الجور وعدم القسط، وحينما تتفلت الألسنة من قيود الشرع والعقل فإنها تتبارى في الوقيعة في أعراض المسلمين، وتجلب العداوة والبغضاء بين الأحباب، ولو تأمل الإنسان ما ورد في مثل هذا من النصوص لتردد كثيراً قبل أن يزل لسانه ليرمي به من هنا ومن هناك، يقول الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، فيا ويح غافل وليس بمغفول عنه! (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ)، ولو أنك بكل ذنب ترتكبه بلسانك رميت حجراً في غرفة لامتلأت هذه الغرفة في زمن يسير جداً بالأحجار؛ بحيث لا تتسع بعدها لشيء آخر، فالإنسان في غفلة عن هذا الذي يحصى عليه كل يوم، (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، وفي حديث معاذ بن جبل ﵁ قال رسول الله ﷺ : (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ فقلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه فقال: كف عليك هذا، فقلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس على وجوههم في النار -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟!).
من أجل ذلك جعل النبي ﷺ الضمان الذي يؤمن لك دخول الجنة هو حفظ اللسان، يقول ﷺ : (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة).
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن العجب! أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر ومن النظر المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى يرى الرجل يشار إليه بالدين وبالزهد وبالعبادة وهو يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يزل بها أبعد مما بين المشرق والمغرب.
وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي بما يقول، وتزداد الخطورة ويعظم الذنب إذا كان هذا القدح الجائر في العلماء، فهم سادة الأمة وقادتها ونورها، ولا خير في قوم لا يعرفون لعلمائهم قدرهم.
وفي هذا الزمان قد ابتلينا بهذه الجماعات التي تبدأ تعرض وتزين وتزخرف فكرها للآخرين ليقبلوا عليه، وأول ما يهتمون به هو تحطيم علماء المسلمين في نظر الشباب، وأكل لحوم العلماء بالغيبة والنميمة والبهتان أحياناً، والتنقص من شأنهم، والازدراء لهم، والتطاول عليهم، وهذا من أعظم الذنوب، والله يعجل لفاعله العقوبة؛ لأن الطعن في علماء المسلمين ذنب عظيم، يقول الحافظ ابن عساكر ﵀: اعلم أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك ستر منتقصيهم معلومة.
فعادة الله وسنته جرت أن كل من يتناول ويقع في أعراض علماء المسلمين فإن الله جرت سنته أنه لابد أن يهتك ستر من هتك ستر أئمة العلم والهدى، فقوله: اعلم أن لحوم العلماء مسمومة.
يعني: من أكل منها هلك ومات، وأهلكه الله ﵎، يعني: من أكل منها بالغيبة والنميمة؛ فلا ينبغي أبداً أن يقر أحد على التطاول على علماء المسلمين، أو هتك أعراضهم، أو الخوض فيهم بغير حق، بل ينبغي أن تحمل أقوال العلماء وأفعالهم على أحسن وجه ممكن، ويجتهد الإنسان في ذلك، وهو مثاب على هذا الاجتهاد وإن أخطأ.
الإمام ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله تعالى له كتاب (الرد الوافر)، وقد طبع الكتاب الشيخ زهير جزاه الله خيراً، وكأنه تعمد ألا يكمل عنوان الكتاب على الغلاف؛ لأن هذا الكتاب هو في على العلاء البخاري الذي تطاول على شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: إن من قال: ابن تيمية شيخ الإسلام فهو كافر! فرد الإمام ابن ناصر الدين عليه بهذا الكتاب القيم جداً، والذي لا يليق بكم ألا تقرءوه، والعنوان هو: الرد الوافر على من قال: من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام فهو كافر! فمراعاة لحرمة شيخ الإسلام ما أتم الشيخ زهير طبع العنوان على الغلاف، لكن سماه فقط الرد الوافر، ويقول الإمام ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله تعالى في هذا الكتاب: لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة، ومن وقع فيهم بالسلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب، فأعراض المسلمين حفرة من حفر الناس، ومن وضع قدمه في أعراض المسلمين فقد وضعها على شفا جرف هار يخشى أن ينهار به في نار جهنم، وكما قال أحد الحكماء: يموت الفتى من عثرة بلسانه وليس يموت المرء من عثرة الرجل فعثرته من فيه ترمي برأسه وعثرته في الرجل تبرى على مهل إذاً: العلاج الأول للجور في الحكم على الآخرين: ورع اللسان، والخوف من الله ﵎، وخوف العقوبة من التطاول بغير حق في أعراض العلماء.
стр. 28
أهمية التجرد من الهوى
لا يصح تقويم أي رجل من الرجال أو مؤلف من المؤلفات بمقررات سابقة، فلا يقبل الإنسان على قراءة البحث وهو يحمل فكرة في ذهنه، وغير مستعد لأن يتنازل عنها أو تهتز عنده، فهو يبيت خلفيات معينة، ومن خلالها ينظر لهذا البحث، فهذا يجعل الإنسان لا ينظر بتجرد إلى البحث، بل يميل عن الحق ميلاً واضحاً، فهو لا ينظر إلى المرء بمجموع أعماله، بل يتغاضى عن المحاسن، ولا يقع بين عينيه إلا الهفوات، بل قد يعطيها أكثر مما تستحق من النقد والتجريح.
فلذا كان التجرد في التقويم من الأسباب المهمة التي تجعل الحكم صواباً أو قريباً من الصواب، ومثال عدم التجرد: حينما أسلم عبد الله بن سلام ﵁، لقي النبي ﷺ اليهود فقال لهم: (أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، فقال: ما تقولون فيه لو أنه دخل في دين الإسلام؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك! فخرج عليهم عبد الله بن سلام وقال لهم: يا معشر اليهود! أنتم تعلمون أن هذا هو النبي الذي جاءت صفته في التوراة، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ ، فقالوا: هو شرنا وابن شرنا، وأجهلنا وابن أجهلنا!) في الحال انقلبت هذه الموازين؛ لأنهم مقيمون على الباطل ولا يريدون أن يتحولوا عنه، فالتجرد في التقويم من الأسباب المهمة التي تجعل الحكم صواباً أو قريباً من الصواب.
يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء:١٣٥] فالهوى من الأنواع الخفية التي تتسلل إلى قلب المرء تدريجياً حتى تسيطر عليه من حيث لا يشعر، فهو باب عريض من أبواب الضلال يجثم على صدر الإنسان، ولا يولد إلا الجور والظلم في أحكام المرء، يقول ﵎ مخاطباً نبيه داود ﵇: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦]، ويقول ﷺ : (تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين: أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة مادامت السماوات والأرض، وآخر أسود مرباداً كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه) والقرآن دائماً يأتي بالوحي في مقابلة الهوى كما في هذه الآية: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى﴾ [ص:٢٦].
ويقول أيضاً: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١١٩]، ويقول : ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص:٥٠]، ويقول ﵎: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، لذلك كان السلف الصالح ﵏ يسمون أهل البدع والتفرق الذين يخالفون الكتاب والسنة: أهل الأهواء؛ لأنهم قبلوا ما أحبوه، وردوا ما أبغضوه بأهوائهم بغير هدىً من الله.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه، فلا يحب لحب الله ورسوله في ذلك، ولا يرضى لرضى الله ورسوله ﷺ ، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا ما حصل ما يغضب له بهواه، ويكون مع ذلك معه شبهة دين: أن الذي يرضى له ويغضب له أنه السنة، وأنه الحق وهو الدين، فإذا قدر أن الذي معه هو الحق المحض لدين الإسلام، ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، بل قصده الحمية لنفسه وطائفته، أو الرياء ليعظم هو ويثنى عليه، أو فعل ذلك شجاعة؛ فليس مجاهداً في سبيل الله.
يعني: أنه ممكن أن يوافق الحق ويتحمس له، لا لأن البحث المتجرد أدى إلى أن هذا حق، لكن لأن الطائفة التي ينتمي إليها يقولون بهذا القول، ولأن من يحيطون به يقولون بهذا القول، أو ينتصر للحق ليثنى عليه به، ولا يقول ذلك خالصاً لله بل لغرض من الدنيا، فهذا ليس مجاهداً في سبيل الله، ولا يفعل هذا لله، لكن يرى الحمية لطائفته التي ينتمي إليها، أو الحزب الذي ينتمي إليه، أو ليقال عنه: شجاع أو جريء، أو عالم، أو لينال غرضاً من الدنيا؛ فهذا ليس عاملاً لله، وليس مجاهداً في سبيل الله، وإن كان يدافع عن حق، فكيف إذا كان الذي يدعي الحق والسنة هو نظيره أيضاً معه حق وباطل وسنة وبدعة، ومع خصمه حق وباطل وسنة وبدعة، فالمقصود: أن التجرد بالقول والعمل وسلامة القصد، مقصد مهم في تقويم الرجال وأعمالهم، فينبغي أن يقصد بالبحث أو الكلام وجه الله ، والنصيحة للمسلمين، كما قال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥].
وينبه شيخ الإسلام أيضاً تنبيهاً مهماً جداً إلى أمر النية في ذلك فيقول ﵀: وهكذا الرد على أهل البدع من الرافضة وغيرهم، إن لم يقصد منه بيان الحق، وهدي الخلق ورحمتهم والإحسان إليهم، لم يكن عملهم صالحاً، وإذا غلظ في ذم بدعة ومعصية كان قصده بيان ما فيها من الفساد ليحذرها العباد، كما في نصوص الوعيد وغيرها، وقد يهجر الرجل عقوبةً وتعزيراً، والمقصود بذلك ردعه وردع أمثاله للرحمة والإحسان لا للتشفي والانتقام.
فالهجرة المقصود منها معالجة هذا الشخص، وزجره عن المعصية أو الباطل أو البدع، وليس المقصود منها التشفي منه، وإنما المقصود الإحسان إليه بهجره لينبذ هذا الضلال، كما هجر النبي ﷺ أصحابه الثلاثة الذين خلفوا لما جاء المتخلفون عن الغزاة يعتذرون ويحلفون وكانوا يكذبون، وهؤلاء الثلاثة صدقوا وعوقبوا بالهجر، ثم تاب الله عليهم ببركة الصدق.
وقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: وعلى المتكلم في هذا الباب وغيره أن يكون مصدر كلامه عن العلم بالحق، وغايته النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولإخوانه المسلمين، وإن جعل الحق تبعاً للهوى فسد القلب والعمل والحال والطريق، قال تعالى: ﴿وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون:٧١]، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به).
فالعلم والعدل أصل كل خير، والظلم والجهل أصل كل شر، والله ﵎ أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وأمره أن يعدل بين الطوائف ولا يتبع هوى أحد منهم، فقال سبحانه: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى:١٥].
يقول الإمام الفذ ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله تعالى: هيهات هيهات؛ إن في مجال الكلام في الرجال عقبات، مرتقيها على خطر، ومرتقبها هوى لا منجى له من الإثم ولا وزر، فلو حاسب نفسه الرامي أخاه ما السبب الذي هاج ذلك، لتحقق أنه الهوى الذي صاحبه هالك.
وقديماً كان سلفنا الكرام ﵃ يقولون: احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دنيا أعمته دنياه.
стр. 29
معرفة الرجال بالحق
يقول الحافظ ابن حزم ﵀: التقليد على الحقيقة: إنما هو قبول ما قاله قائل دون النبي ﷺ بغير برهان، فهذا هو الذي أجمعت الأمة على تسميته تقليداً، فقام البرهان على بطلانه.
وقال الشوكاني ﵀ في التقليد: هو قبول رأي من لا تقوم به الحجة بلا حجة، فثمرة التقليد إهمال النصوص الشرعية، وتعطيل العقل البشري، فالإنسان يرى بعين غيره بدون معرفة دليله، ولسان حاله يقول: إن إمامه قد اقتبس شعلة من نور العصمة، فلا يمكن أن يفوته حديث، ولا يمكن أن يفوته فهم حديث؛ فيصبح فكر الإنسان أسيراً لا حراك به، ليس له قدرة على التأمل أو التفكير أو النظر، وإن وجد فيه بقية من تأمل أو فكر فإنه يسخرها لتحليل أقوال شيخه ودراستها، فمنها المبدأ وإليها المنتهى! كثير من النزاعات والخلافات التي تحدث بين العلماء وبين طلبة العلم قديماً وحديثاً حصلت بسبب هذا التقليد، والتعصب لأقوال الرجال، ومعرفة الحق عن طريق أقوال الرجال، وجعلها حجة في كل صغيرة وكبيرة.
يقول الإمام ابن القيم: اتخاذ أقوال رجل بعينه بمنزلة نصوص الشارع لا يلتفت إلى قول من سواه، بل ولا إلى نصوص الشارع إلا إذا وافقت نصوص قوله، فهذا والله هو الذي أجمعت الأمة على أنه محرم في دين الله، ولم يظهر في الأمة إلا بعد انقراض القرون الفاضلة.
فمسألة التقليد والتعصب لأقوال الرجال خطأ كامن وخطير جداً في منهج التلقي، فينبغي تجاوز أقوال الرجال، والتحرر من هذا الداء العضال إلى تقديم قول الله ورسوله ﷺ .
وما يعلم أحد من الأئمة الربانيين إلا وقد نهى عن تقليده، وأخذ كلامه بدون برهان، يقول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً، إن آمن آمن وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر.
ربيعة شيخ الإمام مالك يعرف بـ: ربيعة الرأي، واسم أبيه فروخ، خرج هذا الأب إلى الجهاد وبقي سنوات طويلة، وكان ربيعة ما يزال حملاً في بطن أمه، ثم ولدته أمه وعلمته حتى صار إماماً، وقصته طويلة معروفة، يقول سفيان بن عيينة ﵀: اضطجع ربيعة مقنعاً رأسه وبكى، فقيل له: ما يبكيك؟! فقال: رياء ظاهر، وشهوة خفية، والناس عند علمائهم كالصبيان في حجور أمهاتهم، ما نهوهم عنه انتهوا، وما أمروهم به ائتمروا! يعني: يتحسر لحال بعض العلماء لاتصافهم بالرياء الظاهر، والشهوة الخفية، وأن الناس عند علمائهم كالصبيان في حجور أمهاتهم، والعلماء هم الذين يتولون صياغتهم وتربيتهم.
وقال أبو حنيفة ﵀: لا يحل لمن يفتي من كتبي أن يفتي حتى يعلم من أين قلت.
وقال مالك بن أنس ﵀: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه.
وبعض تلامذة الإمام مالك كان يحضر مجلسه في مسجد النبي ﷺ ، فذكر عن الإمام مالك أنه إذا تكلم وناظره أحد في مسألة وناقشه في الدليل، فكان يرفع صوته بهذه العبارة المشهورة: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر، ويضع يده على قبر النبي ﵌.
وقال الشافعي ﵀: ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله ﷺ وتعزب عنه، فمهما قلت من قول، أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله ﷺ خلاف ما قلت، فالقول قول رسول الله ﷺ ، وهو قولي، وجعل يردد هذا لكلام.
وقال الإمام أحمد: من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال، وقال أيضاً: لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا.
فهذا هو منهج الأئمة الكرام بصفائه ونقائه، ومع وضوح هذه القضية عند أهل العلم إلا أن شريحة كبيرة من الأمة تعاني من هذا الداء المستحكم، ليس فقط في مسائل الفروع، لكن أيضاً في مسائل الأصول وأمور العقيدة.
يقول الشيخ أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: وهذه عادة ضعفاء العقول، يعرفون الحق بالرجال لا الرجال بالحق، الحق هو حق لأن فلاناً قاله، وليس حقاً لأنه قام عليه الدليل، والعاقل يقتدي بسيد العقلاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ حين قال: لا تعرف الحق بالرجال، بل اعرف الحق تعرف أهله، والعاقل ينظر في القول نفسه فإن كان حقاً قبله، سواءً كان قائله مبطلاً أو محقاً، بل ربما يحرص على انتزاع الحق من أقاويل أهل الضلال عالماً بأن معدن الذهب الرغام، والرغام هو التراب، فالذهب تحصل عليه من التراب، فكذلك حتى لو كان في أقاويل أهل الضلال شيء من الحق فتأخذ هذا الحق ولا تعرض عنه.
قال: ولا تأس على الصراف إذا أدخل يده في كيس القلاب.
لماذا؟ لأن الصراف ناقد وبصير يستطيع أن يميز الذهب من غيره.
قال: وانتزاع الإبريز الخالص من الزيت والبهرج دون الصيرفي البصير، ويمنع من ساحل البحر الأخرق دون السباح الحاذق.
أي: فيمنع من الدخول في البحر الشخص الأخرق الذي لا يحسن السباحة، لكن السباح الماهر يسمح له بذلك حتى يغوص ويستجلب الدرر.
قال: ويصد عن مس الحية الصبي دون المغرم البارع.
стр. 30
كل بني آدم خطاء
صح عن النبي ﷺ أنه قال: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، فالخطأ صفة لازمة للبشر، لا ينجو منها أحد عدا الأنبياء المعصومين عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولو نجا من هذه الخصلة أحد لنجا منها خير البشر بعد الأنبياء وهم الصحابة رضي الله ﵎ عنهم، فبعض المبتدعة يرون أن الخطأ والإثم متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، لكن أهل السنة والجماعة يرون أن المجتهد المخطئ مأجور غير مأزور؛ لعموم قول النبي ﷺ : (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فأما الصديقون والشهداء والصالحون فليسوا بمعصومين، وهذا في الذنوب المحققة، أما ما اجتهدوا فيه فتارة يصيبون وتارة يخطئون، فإذا اجتهدوا فأصابوا فلهم أجران، وإذا اجتهدوا وأخطئوا فلهم أجر على اجتهادهم، وخطؤهم مغفور لهم، وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين، فتارة يغلون فيهم ويقولون: إنهم معصومون -لأنهم لا يريدون أن يخطئوا الأئمة كما يفعل الرافضة- وتارة يجفون عنهم، ويقولون: إنهم باغون بالخطأ، وأهل العلم والإيمان لا يعصمون ولا يأثمون.
يقول الإمام ابن الأثير الجزري ﵀: وإنما السيد من عدت سقطاته، وأخذت غلطاته، فهي الدنيا لا يكمل فيها شيء، فالشخص النبيل هو الذي تعد أخطاؤه، وتكون معدودة، فلا يوجد إنسان بدون خطأ: من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط يقول ابن القيم ﵀: وكيف ينجو من الخطأ من خلق ظلوماً جهولاً، ولكن من عدت غلطاته أقرب إلى الصلاح ممن عدت إصاباته.
стр. 31
الموازنة بين الإيجابيات والسلبيات
إذا تبين أن الإنسان معرض للصواب وللخطأ، فلا يجوز لنا مهما كانت منزلته أن نطرح جميع اجتهاداته، بل ننظر إلى أقواله؛ فما وافق الحق منها نلتزمه، ونعرض عن أخطائه، فعين الإنصاف أن توازن بين الإيجابيات والسلبيات، يقول الله ﵎: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧٥].
فالله يذم اليهود من حيث العموم، لكن في الوقت ذاته يبين ﵎ أن بعضهم يلتزم بأداء الأمانة ولا يخونها، وهؤلاء قليلون فيهم، من أجل هذا يقول : ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨].
بلقيس لما كانت كافرة وقالت: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٣٤]، في بعض وجوه التفسير أن قولها: (وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)، هو من عند الله ، وأنه أقر بلقيس على ما قالته وإن كانت كافرة، لكن لأن هذا حق، ولذلك يقول بعض الشعراء: لا تحقرن الرأي وهو موافق حكم الصواب إذا أتى من ناقص فالدر وهو أعز شيء يقتنى ما حط قيمته هوان الغائص فمن أجل ذلك ينبغي أن يتصف الإنسان بالإنصاف.
يقول الله وهو يذكر صفات بعض أهل الكتاب مبيناً منهج العدل والإنصاف: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران:٧٥] يعني: مال الأميين أو الأمميين أو الجويين -وهم كل من عادى اليهود- حلال، ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧٥].
وجاء في صحيح البخاري في حديث طويل فيه قصة رجل من بني إسرائيل استقرض من صاحب له ألف دينار إلى أجل مسمى، فلما جاء الأجل التمس مركباً ليركبه ليقدم عليه للأجل الذي أجله، فلم يجد مركباً، وكان قد قال له صاحب المال: أريد شهيداً، قال: كفى بالله شهيداً، قال: أريد كفيلاً، فقال: كفى بالله كفيلاً؛ فأقره على ذلك، وأخذ منه هذا القرض، فلما أراد الرجل أن يؤدي إليه المال، وحاول أن يصل إليه بالمركب في الموعد ما استطاع، فلما عجز أتى بخشبة، وجعل فيها تجويفاً ووضع فيها الألف دينار، وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم أصلح موضعها ولحمها، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركباً يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركباً قد جاء بماله، فوضع الآخر الخشبة في البحر، ودعا الله أن تصل إلى الرجل، فإذا بالرجل صاحب المال خرج في الموعد ينتظر المركب لأجل أن يسدد له الدين، فوقف ينتظر المركب فما رأى مركباً، وما أتى الرجل في الموعد، فحينئذ وجد الخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله كحطب يحتطب به، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه فأتى بالألف دينار مرة أخرى، فقال: والله! ما زلت جاهداً في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركباً قبل الذي جئت به، فقال: فإن الله قد أدى عنك، وبعث بالخشبة، فانصرف بالألف دينار راشداً، فهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران:٧٥]، فمن الإنصاف أن تصف هؤلاء بما هم فيه من خير حتى وإن كانوا أعداء.
يقول شيخ الإسلام ﵀: ويعلمون -يعني: أهل السنة- أن جنس المتكلمين أقرب إلى المعقول والمنقول من جنس الفلاسفة، وإن كان الفلاسفة قد يصيبون أحياناً، كما أن جنس المسلمين خير من جنس أهل الكتابين، وإن كان يوجد في أهل الكتاب من له عقل وصدق وأمانة لا توجد في كثير من المنتسبين إلى الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران:٧٥]، فمن الإنصاف أن تصف هؤلاء حتى وإن كانوا أعداء بما هو فيهم حقيقة.
وقال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] فالله أثبت النفع في الخمر والميسر، وهو ما يحصل من الربح المادي نتيجة التجارة فيهما، ولكنه حرمهما لغلبة مفاسدهما على هذه المنافع.
وقال حذيفة بن اليمان ﵁: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: (يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم.
قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن) فمع أنه وصفه بأنه خير، لكن خالطه دخن، فأدرجه في جملة الخير، (قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر)، فأثبت الخيرية لبعض القوم على الرغم من وجود الدخن بينهم؛ فالعبرة بكثرة المحاسن وغلبتها.
وعن عمر بن الخطاب ﵁: أن رجلاً كان على عهد النبي ﷺ اسمه عبد الله، وكان يلقب حماراً، وكان يضحك رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في شرب الخمر، فأتي به يوماً فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه! ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ : (لا تلعنوه، فوالله! ما علمت أنه يحب الله ورسوله).
كلمة: (ما)، هنا موصولة بمعنى الذي، أي: لا تلعنوه؛ فإن الذي أعلمه منه أنه يحب الله ورسوله ﷺ ، فهذا الصحابي رضي الله تعالى عنه زلت قدمه وتكررت منه هذه المعصية، ولكن هذا لا يعني أنه فاسد بالكلية، بحيث تهمل الصفات الحميدة الأخرى التي توجب محبته وموالاته.
فلابد أن يعرف للمحسن إحسانه، وللمسيء إساءته إتماماً للعدل والإنصاف، فلا يجوز أن يغلب جانب النظر إلى المعصية على جانب النظر إلى الطاعات وبقية الحسنات والفضائل، فهذا هو الحد الفاصل بين أهل السنة والخوارج، فالخوارج يكفرونه، ويتبرءون من فعل المعصية، ويعدونه قد خرج من الملة تماماً، ويعادونه كما يعادون الكافر، بل ربما يكونون على أهل الإسلام أشد منهم على أهل الأوثان، كما جاء في صفتهم: أنهم يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان.
وهذا من شدة انحرافهم عن هذا الأصل القويم.
وقال النبي ﷺ لـ أبي هريرة ﵁ في حق الشيطان الذي علمه آية الكرسي لتحفظه من الشيطان إذا أراد أن ينام: (أما إنه صدقك وهو كذوب)، فانظر إلى الإنصاف؛ مع أنه شيطان، لكنه كان صادقاً في هذه الجزئية، فوصفه بالصدق مع أن الأصل فيه أنه كذاب، فأثبت الصدق للشيطان الذي ديدنه الكذب، ولم يمنع ذلك من اتباع الخير الذي دل عليه، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في ضمن فوائد هذا الحديث: ومنها: أن الحكمة قد يتلقاها الفاجر فلا ينتفع بها، وتؤخذ عنه فينتفع بها، وبأن الكذاب قد يصدق.
كذلك السلف الصالح أيضاً رسخوا وأصلوا هذا الأصل الأصيل، فمن ذلك قول سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه، وهب نقصه لفضله يعني: من كان الخير الذي فيه أكثر من الشر الذي فيه، فيعفى عن النقص؛ لأجل غلبة الخير فيه، ولذلك يقول ﵊: (إن من المروءة جبر نقص ذوي الهيئات)، وجاء في حديث صحيح: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود) أي: الشخص الذي يعلم من غالب أحواله الاستقامة إذا زل مرة أو مرتين ما لم يكن حداً من حدود الله تغاضوا عنه، ولا تؤاخذوه به؛ لأن الغالب عليه الخير.
وقال ابن المسيب: إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، ومن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله.
وقال محمد بن سيرين: ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم، وتكتم خيره.
وقال عبد الله بن الزبير الحميدي ﵀: كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بمكة على سفيان بن عيينة، فقال لي ذات يوم: هاهنا رجل من قريش له بيان ومعرفة، فقلت: فمن هو؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي، وكان أحمد قد جالسه بالعراق، فلم يزل بي حتى اجترني إليه -حتى يحضر عنده- وكان الشافعي قبالة ميزاب الكعبة، فجلسنا إليه، ودارت مسائل، فلما قمنا قال لي أحمد بن حنبل: كيف رأيت؟ -أي: كيف رأيت الإمام الشافعي ﵀؟ - فجعلت أتتبع ما كان أخطأ فيه.
أي: جعل يذكر الأخطاء التي أخطأ فيها الإمام الشافعي في أثناء هذه المناظرة، قال: وكان ذلك مني بالقرشية -يعني: كان ذلك حسداً مني للإمام الشافعي رحمه الله تعالى- فقال لي أحمد بن حنبل: فأنت لا ترضى أن يكون رجل من قريش يكون له هذه المعرفة وهذا البيان؟ تمر مائة مسألة يخطئ في خمس منها أو عشر هل من العقل أن تترك خمسة وتسعين مسألة من الصواب، وتتمسك بخمس؟ ألا يساوي الشافعي عندك إلا هذه الأخطاء الخمسة؟! اترك ما
стр. 32
منهج أئمة الحديث في تقويم الرجال
العلم المتعلق بالرجال يسمونه: علم الجرح والتعديل، ومعلوم أنه لا يوجد منهج بشري على الإطلاق يملك عشر معشار هذا المنهج التوثيقي الدقيق الذي قدمه لنا أئمة الحديث ﵃ أجمعين.
يقول الإمام أبو حاتم ابن حبان وهو يصف معالم هذا المنهج: لسنا ممن يوهم الرعاع ما لا يستحله، ولا ممن يحيف بالقدح في إنسان وإن كان لنا مخالفاً، بل نعطي كل شيخ حظه مما كان فيه، ونقول في كل إنسان ما كان يستحقه من العدالة والجرح.
محاور هذا المنهج متعددة، وتفاصيلها تراجع في مظانها من كتب الحديث والمصطلح، لكن هنا إشارة عابرة إلى ثلاث مسائل حتى يتبين لنا بها مدى عدلهم وإنصافهم ﵏.
المسألة الأولى: تقويم المبتدعة: فالعلماء ينظرون في الراوي إلى جهتين: جهة الضبط والإتقان، وجهة الصدق، فإذا توافرت فيه هاتان الصفتان اعتمدت رواية الراوي حتى لو كان ممن عرف تلبسه ببدعة غير مكفرة تخالف منهج السلف الصالح، وكانوا يقولون: لنا صدقه وعليه بدعته؛ لأنه عرف بالصدق، لاسيما إن كان خارجياً يعتقد أنه يكفر لو كذب، وإن كان قد وجد أيضاً كذب في الخوارج، لكن هذا في حق من قبلوه من أهل البدع إذا ثبت صدقه، فليس هذا تهوين من أمر البدع وأهلها، وإنما تعظيم للعدل، واعتراف بالحق لأهله.
يقول الإمام الطبري ﵀: لو كان كل من ادعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة، ثبت عليه ما ادعي به، وسقطت عدالته، وبطلت شهادته بذلك؛ للزم ترك أكثر محدثي الأمصار؛ لأنهم ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه مجرد الاتهام.
فالقدح هكذا جزافاً لا يصح، لكن ينبغي التحري والتدقيق في هذا.
ويقول الحافظ ابن حجر: فالمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمراً متواتراً من الشرع معلوماً من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه، فأما من لم يكن بهذه الصفة، وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه؛ فلا مانع من قبوله.
فلذلك لا نعزب إذا رأينا بعض علماء الحديث وأئمتهم حتى البخاري نفسه قد يروي لبعض أهل البدع لتوفر هاتين الصفتين: الصدق والضبط، فهذا يدل على عظم العدل الذي اتصف به هؤلاء السلف في تقويمهم للرجال مع شدتهم على أهل البدع، وحساسيتهم في هذه المسألة.
ولذلك نجد شيخ الإسلام نفسه أحياناً كان يعترف بفضائل المبتدعة إذا ثبتت عنهم، ولا يتردد في ذلك، يقول ﵀: وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار؛ فأسلم على يديه خلق كثير وانتفعوا بذلك، وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفاراً.
فانظر إلى دقة فهم شيخ الإسلام، وشدة إنصافه في هذا الباب.
نجد أيضاً في صفوف من ينتسبون إلى الدعوة الإسلامية أخذهم على بعض الجماعات أنهم ينتشرون في كل أقطار العالم كجماعة التبليغ، حتى في داخل روسيا وجنوب أفريقيا وأمريكا وأوروبا وكل العالم؛ ينتشرون للدعوة إلى الإسلام على بعض البدع التي يتلبسون بها، ولهذا يقولون: كيف يعلمون الناس إسلاماً بهذه البدع؟ فالأولى أن من يرى فهماً أصح للإسلام أن ينشط نشاطهم ويتحرك حركتهم، لكن مع الكسل نتفرغ فقط للرثاء لحال هؤلاء الذين يسلمون على أيديهم، وهذا كلام شيخ الإسلام يقول: وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار، فأسلم على يديه خلق كثير، وانتفعوا بذلك، وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفاراً، وكذلك بعض الملوك قد يغزو غزواً يظلم فيه المسلمين والكفار، ويكون آثماً بذلك، ومع هذا فيحصل به نفع خلق كثير كانوا كفاراً فصاروا مسلمين، وذلك كان شراً بالنسبة إلى القائم بالواجب، وأما بالنسبة إلى الكفار فهو خير، وأكثر المتكلمين يردون باطلاً بباطل، وبدعة ببدعة، لكن قد يردون باطل الكفار من المشركين وأهل الكتاب بباطل المسلمين؛ فيصير الكافر مسلماً مبتدعاً، وأخص من هؤلاء من يرد البدع الظاهرة كبدعة الرافضة ببدعة أخص منها وهي بدعة أهل السنة.
ثم يقول شيخ الإسلام في نفس الباب ﵀: والرافضة فيهم من هو متعبد متورع زاهد، لكن ليسوا في ذلك مثل غيرهم من أهل الأهواء، فالمعتزلة أعقل منهم وأعلم وأزين، والكذب والفجور فيهم أقل منه في الرافضة، والزيدية من الشيعة خير منهم، وأقرب إلى الصدق والعدل والعلم، وليس في أهل الأهواء أصدق ولا أعبد من الخوارج، ومع هذا فأهل السنة يستعملون معهم العدل والإنصاف ولا يظلمونهم؛ فإن الظلم حرام مطلقاً كما تقدم، بل أهل السنة لكل طائفة من هؤلاء خير من بعضهم لبعض، بل هم للرافضة خير وأعدل من بعض الرافضة لبعض، وهذا مما يعترفون هم به، ويقولون: أنتم تنصفوننا ما لا ينصف بعضنا بعضاً، وهذا لأن الأصل الذي اشتركوا فيه أصل فاسد مبني على جهل وظلم، وهم مشتركون في ظلم سائر المسلمين، فصاروا بمنزلة قطاع الطريق المشتركين في ظلم الناس، ولا ريب أن المسلم العالم العادل أعدل عليهم وعلى بعضهم من بعض.
ومن جميل ما سطره يراع الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في كتابه سير أعلام النبلاء، وهو من أنفس كتب الرجال وأعظمها، يقول ﵀: غلاة المعتزلة وغلاة الشيعة وغلاة الحنابلة وغلاة الأشاعرة وغلاة المرجئة وغلاة الجهمية وغلاة الكرامية قد ماجت بهم الدنيا وكثروا، وفيهم أذكياء وعباد وعلماء، نسأل الله العفو والمغفرة لأهل التوحيد، ونبرأ إلى الله من الهوى والبدع، ونحب السنة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من الاتباع والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ، وإنما العبرة بكثرة المحاسن.
هذه هي المسألة الأولى فيما يتعلق بتقويم أهل الحديث في تقويم المبتدع.
المسألة الثانية في منهج أهل الحديث: أن الخطأ اليسير في جنب الصواب الكثير مغفور: فالحكم يكون على غالب مرويات الرجل، وضبط الراوي شرط أساسي من الشروط، لكن هذا لا يعني سلامته من الخطأ تماماً، بل ينظر إلى مجموع ما يرويه الرجل، فإذا كان الغالب على ما يرويه السلامة من الخطأ؛ اعتبر الراوي ضابطاً وقبلت روايته، لكن إذا كثرت الأخطاء، ومخالفة الراوي لغيره من الثقات؛ رد حديثه.
يقول سفيان الثوري ﵀: ليس يكاد يفلت من الغلط أحد، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ، وإذا كان الغالب عليه الغلط ترك.
ويقول عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى: الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن، فهذا لا خلاف فيه، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة.
فهذا لا يترك حديثه، وآخر يهم والغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك حديثه.
وقال الإمام أحمد ﵀: ما رأيت أحداً أقل خطأ من يحيى بن سعيد، ولقد أخطأ في أحاديث، ثم قال: ومن يعرى من الخطأ والتصحيف؟! وقال أبو عيسى الترمذي: وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان، والتثبت عند السماع؛ مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط أحد من الأئمة مع حفظهم.
وقال الحافظ ضياء الدين المقدسي: ولو كان كل من وهم في حديث اتهم؛ لكان هذا لا يسلم منه أحد.
المسألة الثالثة والأخيرة من ضوابط أهل علم الحديث في الحكم على الرجال، وهي مهمة جداً، وقل ما يتفطن لها كثير من الناس، وهي: أن كلام الأقران يطوى ولا يروى: فقد يحصل أن بعض الأقران المتقاربين في السن والعلم ممن يكونون في عصر واحد يحصل بينهم شيء من الاختلاف لسبب من الأسباب، فيؤدي ذلك إلى وقوع بعضهم ببعض دون عدل أو تأن، حتى أن الواحد منهم قد يصف غيره أحياناً بأوصاف يعلم يقيناً أنه بريء منها، ولكن حب الذات والانتصار للنفس يذكي فيه روح الغيرة والاعتداء، من أجل ذلك كان النقاد الجهابذة من المحدثين يهملون الجرح بين الأقران، إذا تبين لهم أن سبب صدوره نزاعات شخصية بين الطرفين، والعبرة بالأدلة والبراهين، صحيح أن الجرح مقدم على التعديل، لكن إذا كان الجرح ناشئاً عن خصومة مذهبية أو عصبية، أو نوع من التحاسد، وثبت ذلك؛ فلا يقبل هذا الجرح، ولا ينبغي أن يحكى، لكنه يطوى ويخفى، فهذه الصورة أيضاً لا تقف عند المحدثين، بل قد تتعداه في مثل هذا العصر إلى العلماء والدعاة وشتى العاملين في حقل الدعوة الإسلامية؛ فبعض الناس قد يعجب مما يراه في كتب بعض علماء الدعوة السلفية من الخلاف والمساجلات والمحاورات الشديدة؛ لأنهم ينحرفون عن هذا المنهج، ولكن كلام الأقران يطوى ولا يحكى، فالمنهج القسط: أن ينظر إلى الخلفيات التي تبنى عليها الأحكام، ومن ثم توزن بما يقتضيه الحال من التحري والإنصاف حتى لا يتهم أحد بما ليس فيه، فليس كل جرح مؤثراً، وليس كل اتهام مقبولاً، يقول الإمام أحمد بن حنبل ﵀: كل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد يتبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه.
قال الإمام أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى: هذا باب غلط فيه كثير من الناس، وضلت فيه نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك، والصحيح في هذا الباب: أن من صحت عدالته، وثبتت في العلم أمانته، وبانت ثقته وعنايته بالعلم؛ لم يلتفت فيه إلى قول أحد، إلا أن يأتي في جرحه ببينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات، والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب قوله من جهة الفقه والنظر، وأما من لم تثبت إمامته، ولا عرفت عدالته، ولا صحت لعدم الحفظ والإتقان روايته، فإنه ينظر فيه إلى ما اتفق أهل العلم عليه، ويجتهد في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدي النظر إليه.
يقول الإمام الذهبي: كلام بعض الأقران في بعض لا يعبأ به، لاسيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، وما ينجو منه إلا من عصمه الله، وما علمت أن عصراً من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئت لذكرت من ذلك الشيء الكثير.
وذلك مثل ما حصل بين العز بن عبد السلام وابن الصلاح، وبين السيوطي والسخاوي، وهكذا في كل عصر تحصل مثل هذه الأشياء، فإذا تناطحت ا
стр. 33
أمثلة تطبيقية لتقويم الرجال
أخيراً وقبل أن نطوي بساط هذا البحث نذكر أمثلة تطبيقية لتقويم الرجال، فنلاحظ في كلام العلماء في تقويم الرجال التورع والتحري والعدل والإنصاف، فنجد بعض النقاد من علماء الحديث قد يضعف أباه أو ولده أو قريبه إذا كان يستحق ذلك، ولا يداري ولا يداهن؛ فإن المنهج أغلى من أولئك الرجال، يقول شعبة: لو حابيت أحداً لحابيت هشام بن حسان؛ كان ختني -قريباً له- ولم يكن يحفظ.
وسئل علي المديني عن أبيه فقال: سلوا غيري.
يعني: لا يريد أن يتكلم في أبيه، فأعادوا فأطرق ثم رفع رأسه فقال: هو الدين، يعني: هي مسئولية الدين، فكأن هناك تحفظ من أن يوثق أباه في الرواية أو من ناحية حفظه مثلاً، حتى مع أبيه، فهذا تصديق لقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء:١٣٥]، فهو يتحرج من أن يقع في أبيه، ويستخدم كل وسيلة ليهرب من هذا الأمر، وفي نفس الوقت يقول: هو الدين.
وأبو داود السجستاني كان يكذب ابنه ويقول: هو كذاب لا تقبلوا روايته.
وقال عبيد الله بن عمرو: قال لي زيد بن أبي أنيسة: لا تكتب عن أخي؛ فإنه كذاب.
وقال الذهبي: لو حابيت أحداً لحابيت أبا علي، لمكان علو روايته في القراءات عنه؛ لأنه صاحب الروايات العالية في القراءات التي أخذها عنه الإمام الذهبي رحمه الله تعالى.
ونذكر مثالاً في معرض حديث شيخ الإسلام عن أبي ذر الهروي، وهو أحد الرواة المشهورين لصحيح البخاري، يقول: أبو ذر فيه من العلم والدين والمعرفة بالحديث والسنة، وانتصابه لرواية البخاري عن شيوخه الثلاثة وغير ذلك من المحاسن والفضائل ما هو معروف.
ثم ذكر بعض أصحابه ممن فيهم نظر، وفيهم بعض البدع، ووضح أيضاً ما هم عليه من الخطأ في هذه الأبواب.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الإمام أبي محمد بن حزم ﵀: كذلك أبو محمد بن حزم فيما صنفه من الملل والنحل إنما يستحمد بموافقة السنة والحديث، مثل ما ذكره في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك، بخلاف ما انفرد به من قوله في التفضيل بين الصحابة، وكذلك ما ذكره في باب الصفات، فإنه يستحمد فيه موافقة أهل السنة والحديث، لكونه يثبت الأحاديث الصحيحة، ويعظم السلف وأئمة الحديث، ويقول: إنه موافق للإمام أحمد في مسألة القرآن الكريم وغيرها، ولا ريب أنه موافق له في بعض ذلك، لكن الأشعري ونحوه أعظم موافقة للإمام أحمد بن حنبل ومن قبله من الأئمة في القرآن الكريم والصفات.
وكذا يفصل الإمام ابن تيمية القول في حق الإمام الكبير ابن حزم ﵀، ثم يقول في النهاية بعد أن ذكر بعض المؤاخذات: وإن كان له من الإيمان والدين والعلوم الواسعة الكثيرة ما لا يدافعه إلا مكابر، ويوجد في كتبه من كثرة الاطلاع على الأقوال والمعرفة بالأحوال، والتعظيم لدعائم الإسلام، ولجانب الرسالة ما لا يجتمع مثله لغيره، فالمسألة التي يكون فيها حديث يكون جانبه فيها ظاهر الترجيح، وله من التمييز بين الصحيح والضعيف، والمعرفة بأقوال السلف ما لا يكاد يقع مثله لغيره من الفقهاء.
كذلك انظر إلى كلام الذهبي في ترجمة القاضي أبي بكر بن العربي مشيراً إلى وقوع القاضي أبي بكر بن العربي في ابن حزم ﵀، فقال بعدما مدح القاضي أبا بكر بن العربي رحمه الله تعالى: ولم أنقم على القاضي ﵀ إلا إقذاعه في ذم ابن حزم واستجهاله له، وابن حزم أوسع دائرة من أبي بكر في العلوم، وأحفظ بكثير، وأصاب في أشياء وأجاد، وزلق في مضايق كغيره من الأئمة، والإنصاف عزيز.
أيضاً يقول الإمام الذهبي في ترجمة ابن حزم: وكان قد مهر أولاً في الأدب والأخبار والشعر، وفي المنطق وأجزاء الفلسفة، فأثرت فيه تأثيراً ليته سلم من ذلك، ولقد وقفت له على تأليف يحض فيه على الاعتناء بالمنطق، ويقدمه على العلوم؛ فتألمت له، فإنه رأس في علوم الإسلام، متبحر في النقل، عديم النظير، على يبس فيه، وفرط ظاهرية في الفروع والأصول، وصنف في ذلك كتباً كثيرة -أي: في المذهب الظاهري- وناظر عليه، وبسط لسانه وقلمه، ولم يتأدب مع الأئمة في الخطاب، بل فجج العبارة وسب وجدع، فكان جزاؤه من جنس فعله؛ بحيث إنه أعرض عن تصانيفه جماعة من الأئمة وهجروها، ونفروا منها، وأحرقت في وقت، واعتنى بها آخرون من العلماء، وفتشوها انتقاداً واستفادة وأخذاً ومؤاخذة، ورأوا فيها الدر الثمين ممزوجاً في الرصف بالخرز المهين -يعني: كأنهم عملوا منها عقداً فيه درر ثمينة وفيه خرز مهين- فتارة يطربون، ومرة يعجبون، ومن تفرده يهزءون! وفي الجملة فالكمال عزيز، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، وكان ينهض بعلوم جمة، ويجيد النقل، ويحسن النظم والنثر، وفيه دين وخير، ومقاصده جميلة، ومصنفاته مفيدة، وقد زهد في الرئاسة، ولزم منزله مكباً على العلم، فلا نغلو فيه، ولا نجفو عنه، وقد أثنى عليه قبلنا الكبار.
اهـ أيضاً الإمام أبو إسماعيل الهروي له كتاب معروف اسمه: ذم الكلام، وكتاب في التصوف اسمه: منازل السائرين شرحه الإمام ابن القيم في مدارج السالكين، والإمام الهروي ممن يلقب بشيخ الإسلام، لكن الحافظ ابن القيم استدرك عليه في كتابه مسائل عديدة، وتعقبه في ألفاظ مختلفة، يقول الإمام ابن القيم في بعض المواضع التي ما استطاع أن يتجاوز عنها وهو يشرح كتاب الإمام الهروي: في هذا اللفظ قلق وسوء تعبير يجبره حسن حال صاحبه وصدقه وتعظيمه لله ورسوله ﷺ ، ولكن أبى الله أن يكون الكمال إلا له.
ولذلك تجد الفرق بين عبارات الإمام ابن القيم في بعض الطبعات من كتاب مدارج السالكين، وبين عبارات بعض علماء الدعوة السلفية، فقد كانت عباراتهم شديدة جداً في مثل الإمام الهروي، ففي الغالب الشباب يميلون إلى هذه الشدة ويتجاوبون معها، ولا ينضبطون بهذا الذي نتحدث فيه الآن، وهو العدل والإنصاف، فتجد من السهل جداً أن تخرج منهم كلمة الكفر والشرك، ويوصف رجل بأنه صوفي؛ فيظن أن كلمة صوفي تطلق دائماً على أهل الإلحاد والاتحاد، وتعني كذا وكذا، وهذه لفظة مشتبهة، وينبغي أن تفتش عن المعنى المقصود لمن اتصف بها؛ لأنها كلمة تحتمل عدة معانٍ، وبسط هذا له موضع آخر.
يقول ابن القيم في بعض الألفاظ قبل أن ينتقده شيخ الإسلام حبيب، ولكن الحق أحب إلينا منه، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: عمله خير من علمه، أي: عمل الهروي خير من علمه.
وصدق ﵀، فسيرته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد أهل البدع لا يشق له فيها غبار، وله المقامات المشهورة في نصرة الله رسوله، وأبى الله أن يكسو ثوب العصمة لغير الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ ، وقد أخطأ في هذا الباب لفظاً ومعنى.
ثم في موضع آخر يستنكر ابن القيم على الهروي بعض هذه المواضع ويقول: ولا توجب هذه الزلة من شيخ الإسلام إهدار محاسنه، وإساءة الظن به، فمحله من العلم والإمامة والمعرفة والتقدم في طريق السلوك المحل الذي لا يجهل، وكل أحد فمأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، والكامل من عدّ خطؤه، ولاسيما في مثل هذا المجال الضنك، والمعترك الصعب الذي زلت فيه أقدام، وضلت فيه أفهام، وافترقت بالسالكين فيه الطرقات، وأشرفوا إلا أقلهم على أودية الهلكة.
ومن هذه النماذج أيضاً، وهو نموذج واضح جداً ونحتاجه كثيراً، نقد العلماء لكتاب إحياء علوم الدين لـ أبي حامد الغزالي، وكتاب قوت القلوب لـ أبي طالب المكي، يقول شيخ الإسلام بعد كلام طويل في حق الإحياء: والإحياء فيه فوائد كثيرة، ولكن فيه مواد مذمومة، فإن فيه مواد فاسدة من كلام الفلاسفة تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد، فإذا ذكر معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدواً للمسلمين ألبسه ثياب المسلمين، وقد أنكر أئمة الدين على أبي حامد هذا في كتبه، وقالوا: أبو حامد أمرضه الشفاء! وهو كتاب لـ ابن سيناء اسمه الشفاء في الفلسفة فكانوا يقولون: إن أبا حامد لما قرأ في كتاب الشفاء أمرضه.
يقول الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في الإحياء أيضاً: وأما الإحياء ففيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثير لولا ما فيه من آداب ورسوم وزهد من طرائق الحكماء، ومنحرفي الصوفية نسأل الله علماً نافعاً.
ويقول أيضاً: الغزالي إمام كبير، وما من شرط العالم أنه لا يخطئ، ويقول الذهبي أيضاً: رحم الله أبا حامد فأين مثله في علومه وفضائله؟ ولكن لا ندعي عصمته من الغلط والخطأ، ولا تقليد في الأصول.
فهذان إمامان من أئمة أهل السنة؛ شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام الذهبي رحمهما الله يثبتان الاضطراب والانحراف في منهج أبي حامد الغزالي ﵀، ولم يمنعهما ذلك من تقرير الجوانب الإيجابية في منهجه الفكري إحقاقاً للحق، وإتماماً للعدل المأمور به شرعاً، فإذا فقدنا هذه الضوابط التي ذكرناها، تشيع الاتهامات وتكثر الافتراءات، ويصل الحال عند بعض الناس إلى أن يرموا بالكتاب جملة وتفصيلاً، وقد يتطاولون بألفاظ السب والتجديع لمؤلفه.
منهج أهل
стр. 34
تفسير آية الكرسي
إن أعظم آية في كتاب الله هي آية الكرسي؛ ففيها من المعاني ومن صفات الله وأسمائه وتنزيهه ما لا يحيط به إنسان، ولا يسطره بنان.
ومن تأمل هذه الآية وتدبرها ظهر له من هذه المعاني ما يُعرّفه بقدر هذه الآية، وفضلها وعلوّ منزلتها، فحريّ بكل مسلم أن يحفظها، وأن يعي تفسيرها؛ ليكون له عند الله الثواب العظيم، والأجر الجزيل.
стр. 35
فضل آية الكرسي
стр. 36
آية الكرسي هي أعظم آية في القرآن
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل على محمد النبي الأمي وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن لآية الكرسي مكانة عظمى، ومنزلة رفيعة؛ لأنها اشتملت على أشرف المذكورات، وعلى أفضل المعلومات، كما أنها تتضمن توحيد الله ﷻ ، وتعظيمه وتمجيده، وذكر صفاته، ولا مذكور ولا معلوم أعظم من رب العالمين ﵎.
يقول الرازي ﵀: واعلم أن الذكر والعلم يتبعان المذكور والمعلوم، فكلما كان المذكور والمعلوم أشرف، كان الذكر والعلم أشرف، وأشرف المذكورات وأشرف المعلومات هو الله ، وكل كلام اشتمل على نعوت جلاله وصفات كبريائه، فإن ذلك الكلام يكون النهاية في الجلال والشرف.
وآية الكرسي هي بهذه المثابة، وقد بلغت في الشرف أقصى الغايات وأبلغ النهايات.
والرسول ﵌ الذي لا ينطق عن الهوى، والذي أنزل عليه القرآن الكريم قد بين فضل هذه الآية ومكانتها في عدد من أحاديثه ﵌.
ونحن نحاول أن نفرد هذه الآية بالتدبر والتأمل من خلال بحث مختصر للدكتور فضل إلهي حفظه الله تعالى بعنوان: (فضل آية الكرسي وتفسيرها).
يذكر المؤلف أولاً: أن آية الكرسي هي أعظم آية في القرآن الكريم، فقد روى الإمام مسلم، عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قلت: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فضرب في صدري وقال: والله! ليهنك العلم أبا المنذر)، معناها: ليكن العلم هنيئاً لك، رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
فخير الكلام كلام الرحمن جل جلالة، وخير ما نزل من كلام الله : القرآن الكريم، وخير وأعظم آية في القرآن الكريم: آية الكرسي، فما أعظم شأنها، وأجلّ منزلتها، وأعلى مكانتها! يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى معلقاً على هذا الحديث، وعلى وصفه هذه الآية بأنها أعظم آية في كتاب الله: وليس في القرآن آية واحدة تضمنت ما تضمنته آية الكرسي، وإنما ذكر الله في أول سورة الحديد وآخر سورة الحشر عدة آيات لا آية واحدة.
وهو هنا يشير إلى أن أوائل سورة الحديد وأواخر سورة الحشر تضمنتا من أسماء الله وصفاته الكثير، لكن هذا أتى مفرقاً في عدة آيات، وإنما كلامنا هنا عن أفضل آية في القرآن.
стр. 37
آية الكرسي تتضمن اسم الله الأعظم
كذلك من فضائل هذه الآية المباركة: أن فيها اسم الله الأعظم، فلله ﵎ أسماء، وهي الأسماء الحسنى التي أمرنا أن ندعوه بها، ومن تلك الأسماء المباركة: اسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب، وقد أخبر الصادق المصدوق ﵌ أن اسمه الأعظم ﷻ في آيات من القرآن الكريم، ومن تلك الآيات التي ذكر فيها ذلك: آية الكرسي.
فقد روى الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (في هاتين الآيتين: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١ - ٢]: إن فيهما اسم الله الأعظم).
يستفاد من هذا الحديث أن اسم الله الأعظم هو: الله لا إله إلا هو الحي القيوم؛ لأن هذا هو القاسم المشترك بين هذين الموضعين في آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفي صدر آل عمران: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١ - ٢].
وروى الحاكم عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (إن اسم الله الأعظم لفي ثلاث سور في القرآن: في سورة البقرة، وآل عمران، وطه) فالتمستها فوجدت في سورة البقرة قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ آية الكرسي، وفي سورة آل عمران: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١ - ٢] وفي سورة طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه:١١١].
فمن رغب في الدعاء باسم الله الأعظم ليستجاب له فليدعُ بما جاء في آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، فمن توفيق الله للعبد أن يدعو الله باسمه الأعظم؛ لأن الإنسان إذا دعا باسم الله الأعظم وتوسل به فإنه إذا سأل الله أعطاه، وإذا دعاه أجابه.
والاسم الأعظم لله سبحانه يحتاج إلى بحث مستقل، وهناك خلاف كبير بين العلماء في تعيين اسم الله الأعظم، والروايات، في هذا كثيرة، وتستحق بالفعل أن نفردها ببحث مستقل إن شاء الله تعالى فيما بعد، لكن هذه إحدى الروايات التي تؤيدها بعض الأدلة في أن اسم الله الأعظم هو: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن اسم الله الأعظم هو: الحي، حيث قال: فالحي نفسه مستلزم لجميع الصفات، وهو أصلها؛ ولهذا كانت أعظم آية في القرآن: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وهو الاسم الأعظم؛ لأنه ما من حي إلا هو شاعر مريد، فاستلزم جميع الصفات، فلو اكتفي في الصفات بالتلازم لاكتفى بالحي؛ لأنه لو لم يكن إلا اسمه الحي لاستلزمت حياته سائر الصفات.
فرأي ابن تيمية: أن (الحي) هو اسم الله الأعظم.
أما ابن القيم فإنه يرى أن اسم الله الأعظم هو: الحي القيوم، فقد قال: كان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، هو اسم (الحي القيوم).
من الروايات التي وردت في اسم الله الأعظم: دعاء ذي النون: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].
ومنها: (اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد) إلى آخر الدعاء، وموضعه بعد التشهد وقبل التسليم.
وهناك عدة روايات في الاسم الأعظم، وتفصيل ذلك في موضع آخر.
стр. 38
آية الكرسي من أعظم ما يحصن العبد من الشيطان الرجيم
ومن فضائل هذه الآية الكريمة: أنها تحرز الإنسان وتحفظه من الشيطان الرجيم.
فالشيطان يسعى إلى الإضرار بالعباد، والله -وهو الرءوف بالعباد- شرع لهم أموراً تقيهم من شر الشيطان وتبعده عنهم.
فمن تلك الأمور التي يتقى بها شر الشيطان: قراءة آية الكرسي، فقد أخبر رسول الله ﷺ أن قراءة آية الكرسي تبعد الشيطان عن قارئها وتحفظه من شره.
من ذلك ما رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: (وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثوا من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ يعني: لأذهبن بك وأشكوك إلى رسول الله ﷺ ، يقال: رفعه إلى الحاكم، يعني: أحضره للشكوى، (قال: إني محتاج، وعليّ عيال، ولي حاجة شديدة)، يحتمل هنا أنه يعني: عليّ نفقة عيال، أو أن (علي عيال) بمعنى: لي عيال، قال: (فخليت عنه، فأصبحت، فقال النبي ﵌، يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك البارحة؟).
أي: بادره النبي ﷺ بالسؤال عن شيء لم يخبره به أبو هريرة، وإنما ذلك وحي من الله.
قال: (قلت: يا رسول الله! شكا حاجة شديدة وعيالاً، فرحمته فخليت سبيله، قال: أما إنه قد كذبك وسيعود)، أي: أنه كان كاذباً في هذا الكلام، وسيعود مرة ثانية إلى هذا الفعل، قال: (فعرفت أنه سيعود؛ لقول رسول الله ﷺ : إنه سيعود، فرصدته -أي: راقبته- فجعل يحثوا من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: دعني؛ فإني محتاج وعلي عيال، لا أعود.
فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً، فرحمته فخليت سبيله، قال: أما إنه قد كذبك وسيعود، فرصدته الثالثة، فجعل يحثوا من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، وهذا آخر ثلاث مرات، إنك تزعم لا تعود ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح).
قوله: (فإنك لن يزال عليك من الله حافظ) يعني: حافظ من عند الله، أو من جهة أمر الله ﵎، وقوله: (ولا يقربنك شيطان حتى تصبح) هذا ضمان للحفظ من الشيطان.
قال أبو هريرة: (فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت يا رسول الله: زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله، قال ما هي؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح).
وكان الصحابة رضي عنهم أحرص ما يكونون على الخير، فلم يكن أبو هريرة ليفوّت مثل هذه الفرصة التي أغراه فيها هذا الجني بأن يعلمه كلمات ينفعه الله بها.
وكانوا أحرص شيء على الخير، (فقال النبي ﷺ : أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب مذ ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة؟ قال: لا، قال: ذاك شيطان).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى تعليقاً على هذا الحديث: ولهذا إذا قرأها الإنسان عند الأحوال الشيطانية بصدق أبطلتها.
أي: إذا قرأتها في وضع من الأوضاع الشيطانية بصدق فإنها تبطل هذه الأحوال الشيطانية، مثل من يدخل النار بأحوال شيطانية، وبعض الناس الذين يزعمون أنهم يلقون أنفسهم في النار، ويكون في الأمر نوع من الأحوال الشيطانية، فإذا كان هناك شخص موجود وقرأ آية الكرسي فإن هذا يبطل، أو يحضر سماع المكاء والتصدية، فتتنزل عليه الشياطين وتتكلم على لسانه كلاماً لا يُعلم، وكذلك في مثل هذا الموضع إذا قرأ الإنسان آية الكرسي فإنه يبطل الأحوال الشيطانية، ولذلك فإن القوم الذي ينشغلون بهذه الأحوال الشيطانية، يخافون جداً من أن يوجد أحد الحضور يذكر الله أو يقرأ آية الكرسي، ولا شك أن في هذا الحديث فضل عظيم لآية الكرسي.
ومن ذلك ما رواه الإمامان أحمد والترمذي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁: (أنه كانت له سهوة فيها تمر)، والسهوة: هي الطاق في الحائط، يوضع فيها الشيء، وقيل: المخدع بين البيتين، وقيل: شيء يشبه الرف، وقيل: بيت صغير كالخزانة الصغيرة، وكل هذه الأشياء يُطلق عليه: سهوة، ولفظ الحديث يحتملها كلها، وإن كان بعض الطرق تُرجح أن المراد بالسهوة هنا: التعريف الأول، وهو الطاق في الحائط يوضع فيها الشيء.
عن أبي أيوب الأنصاري ﵁: (أنه كانت له سهوة فيها تمر، فكان تجيء الغول فتأخذ منه)، والغول: مفرد الغيلان، وهي جنس من جن الشياطين، (فشكا ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: اذهب، إذا رأيتها فقل: باسم الله، أجيبي رسول الله ﷺ ، قال: فأخذها، فَحَلَفَتْ ألا تعود، فأرسلتها، فجئت إلى النبي ﷺ ، فقال: ما فعل أسيرك؟ قلت: حلفت ألا تعود، قال: كذبت، وهي معاودة للكذب، فأخذتها مرة أخرى، فحلفت ألا تعود، فأرسلتها، فجئت إلى النبي ﷺ ، فقال: ما فعل أسيرك؟ قلت: حلفت ألا تعود، فقال: كذبت وهي معاودة للكذب، فأخذتها، فقلت: ما أنا بتاركك حتى أذهب بك إلى النبي صلى عليه وسلم، فقالت: إني ذاكرة لك شيئاً: آية الكرسي، اقرأها في بيتك، فلا يقربك شيطان ولا غيره) أي: لا يقربك شيء يضرك، سواء كان شيطاناً أو غيره، (فجئت إلى النبي ﵌، فقال: ما فعل أسيرك؟ فأخبرته بما قالت، قال: صدقت وهي كذوب)، قال الترمذي: حديث حسن غريب، وأقرّه الحافظ المنذري، وصححه الألباني رحمهم الله تعالى.
وروى النسائي وابن حبان والطبراني والحاكم والبغوي عن أبي بن كعب ﵁: (أنه كان له جرين تمر)، وجرين التمر: هو موضع يجفف فيه التمر، (فكان يجده ينقص، فحرسه ليلة، فإذا هو بمثل الغلام المحتلم، فسلم عليه، فرد ﵇، فقال: أجني أم أنسي؟ فقال: بل جني، فقال: أرني يدك، فأراه، فإذا يد كلب وشعر كلب، فقال: هكذا خلق الجن؟ فقال: لقد عَلِمَتْ الجن أنه ليس فيهم رجل أشدّ مني، قال: ما جاء بك؟ قال: أنبئنا أنك تحب الصدقة، فجئنا نُصيب من طعامك، قال: ما يجيرنا منكم؟ قال: تقرأ آية الكرسي من سورة البقرة: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾؟ -يعني: أتحفظها؟ - قال: نعم، قال: إذا قرأتها غدوة أُجِرْتَ منّا حتى تمسي، وإذا قرأتها حين تمسي أُجِرْتَ منّا حتى تصبح).
قوله: (غدوة) يعني: في الغدو، وهو الصباح.
قال أُبي: (فغدوت إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرته بذلك، فقال ﵌: صدق الخبيث).
فالشاهد: أن هذا من فضائل آية الكرسي.
وهذا الحديث قال فيه الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده قوي، وقد ترجم الإمام ابن حبان هذا الحديث بقوله: ذكر الاحتراز من الشياطين -نعوذ بالله منهم- بقراءة آية الكرسي.
إذاً: من وظائف آية الكرسي أنها تقال في أذكار الصباح والمساء، وعندما يأوي المسلم إلى فراشه لينام، فإنه إذا قرأ آية الكرسي، فإنه يصير معه حافظ من الله تعالى ولا يقربه شيطان حتى يصبح.
وأيضاً: قراءة آية الكرسي في البيت تبعد الشيطان وغيره مما يضر الناس عن ذلك البيت.
وكذلك قراءة آية الكرسي غُدوة -أي: في الصباح- تجير قارئها من الجن حتى المساء، وقراءتها مساء تجير قارئها منهم حتى الصباح.
стр. 39
من قرأ آية الكرسي بعد كل صلاة مكتوبة كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى
كذلك مما ثبت من فضل آية الكرسي: أن من قرأها بعد الصلاة المكتوبة فهو في ذمة الله تعالى إلى الصلاة الأخرى.
فقد روى الإمام الطبراني عن الحسن بن علي ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله تعالى إلى الصلاة الأخرى)، وهذا حديث حسن.
فما أعظم هذه الذمة! وما أوثقها وأقواها! فإنها ذمة الله القادر المقتدر، رب الخلق، ومالك الكون، ومدبر الأمر كله، إنها ذمة الله الذي لا يذل من والاه، ولا يعز من عاداه، إنها ذمة الله الذي لا غالب لمن نصره، ولا ناصر لمن خذله، فعلى الراغبين في أن يدخلوا في ذمة الله أن يحرصوا على مداومة قراءة آية الكرسي بعد كل صلاة.
стр. 40
قراءة آية الكرسي بعد كل صلاة من أسباب دخول الجنة
ومن فضائل ووظائف آية الكرسي أيضاًًًُ: ما بشّر به الصادق المصدوق ﵌: أن من قرأها بعد الصلاة المكتوبة، لا يحول بينه وبين دخول الجنة إلا الموت.
فقد روى الإمام النسائي وابن حبان والطبراني عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت).
وهذا الحديث قال عنه الحافظ المنذري: رواه النسائي والطبراني بأسانيد آحادها صحيح، وقال شيخنا أبو الحسن: هو على شرط البخاري وابن حبان في كتاب الصلاة وصححه، وأيضاً صححه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.
قال الطيبي في شرح قوله: (لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت): أي: أن الموت يكون هو الحاجز بينه وبين دخول الجنة، فإذا انقضى هذا الحاجز -الموت- حصل دخول الجنة، (لم يمنعه)، وهذا يدل على أن من أراد أيضاً أن يختم له بخير فليحرص على آية الكرسي دبر الصلاة المكتوبة، كما في فضيلة سيد الاستغفار: (أن من قرأه حين يصبح ثم مات من يومه دخل الجنة، ومن قرأه حين يمسي ثم مات من ليلته دخل الجنة).
وقراءة آية الكرسي أحد أسباب دخول الجنة، واستحقاق الجنة أن يكون قد قرأ آية الكرسي في هذين الوقتين، أو يكون قرأ آية الكرسي دبر الصلاة المكتوبة.
قال المُلاّ علي القاري: ويمكن أن يقال بالمقصود: أنه لا يمنع من دخول الجنة شيء من الأشياء ألبتة؛ لأن الموت في الحقيقة ليس مانعاً من دخول الجنة، بل قد يكون موجباً لدخولها، ويكون الوسيلة لدخول الجنة، فيكون تفسير هذا الحديث على مثل قول القائل: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلولٌ من قراع الكتائبِ فهل الناس الذين يصفهم الشاعر يُذمّون بهذا الكلام؟!
الجواب
لا، بل هذا من المدح؛ لأن مما يدل على الشجاعة أن السيوف تكون فيها الخدوش نتيجة لكثرة القتال بها، فهذا فيه وصف لهم بالشجاعة.
وأحياناً قد يمدح الإنسان من يحبه ويؤكد مدحه بما يشبه الذم، فمثلاً تقول: فلان ليس فيه عيب إلا أنه يموت، وهل كون الإنسان يموت هذا عيب؟! فيكون المقصود في هذا البيت: أنه لا عيب فيهم.
فإذاً: هذا يشبه تفسير آخر الحديث: (لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت)، يعني: لم يمنعه من دخول الجنة شيء ألبتة.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨]، فقوله: (وما نقموا منهم) يعني: ما كرهوا وما عابوا عليهم إلا الإيمان، مع أن هذا مما لا يُكره ولا يُعاب.
ولا شك أن هذا من الفضل العظيم لهذه الآية العظيمة -وهي آية الكرسي- وفعله يسير جداً، وفي نفس الوقت جزاؤه عظيم للغاية، فهل يخطر على قلب بشر جزاء أجلّ وأفضل من هذا الجزاء، وهو أنه إذا قرأ آية الكرسي استحقّ الجنة! ويبقى فقط أن يموت حتى يدخل الجنة! فهذا هو الفوز العظيم كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
следующие страницы →