← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

آية الكرسي هي أعظم آية في القرآن إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد النبي الأمي وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإن لآية الكرسي مكانة عظمى، ومنزلة رفيعة؛ لأنها اشتملت على أشرف المذكورات، وعلى أفضل المعلومات، كما أنها تتضمن توحيد الله ﷻ ، وتعظيمه وتمجيده، وذكر صفاته، ولا مذكور ولا معلوم أعظم من رب العالمين ﵎. يقول الرازي ﵀: واعلم أن الذكر والعلم يتبعان المذكور والمعلوم، فكلما كان المذكور والمعلوم أشرف، كان الذكر والعلم أشرف، وأشرف المذكورات وأشرف المعلومات هو الله ، وكل كلام اشتمل على نعوت جلاله وصفات كبريائه، فإن ذلك الكلام يكون النهاية في الجلال والشرف. وآية الكرسي هي بهذه المثابة، وقد بلغت في الشرف أقصى الغايات وأبلغ النهايات. والرسول ﵌ الذي لا ينطق عن الهوى، والذي أنزل عليه القرآن الكريم قد بين فضل هذه الآية ومكانتها في عدد من أحاديثه ﵌. ونحن نحاول أن نفرد هذه الآية بالتدبر والتأمل من خلال بحث مختصر للدكتور فضل إلهي حفظه الله تعالى بعنوان: (فضل آية الكرسي وتفسيرها). يذكر المؤلف أولاً: أن آية الكرسي هي أعظم آية في القرآن الكريم، فقد روى الإمام مسلم، عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قلت: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فضرب في صدري وقال: والله! ليهنك العلم أبا المنذر)، معناها: ليكن العلم هنيئاً لك، رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى. فخير الكلام كلام الرحمن جل جلالة، وخير ما نزل من كلام الله : القرآن الكريم، وخير وأعظم آية في القرآن الكريم: آية الكرسي، فما أعظم شأنها، وأجلّ منزلتها، وأعلى مكانتها! يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى معلقاً على هذا الحديث، وعلى وصفه هذه الآية بأنها أعظم آية في كتاب الله: وليس في القرآن آية واحدة تضمنت ما تضمنته آية الكرسي، وإنما ذكر الله في أول سورة الحديد وآخر سورة الحشر عدة آيات لا آية واحدة. وهو هنا يشير إلى أن أوائل سورة الحديد وأواخر سورة الحشر تضمنتا من أسماء الله وصفاته الكثير، لكن هذا أتى مفرقاً في عدة آيات، وإنما كلامنا هنا عن أفضل آية في القرآن.

стр. 37

آية الكرسي تتضمن اسم الله الأعظم كذلك من فضائل هذه الآية المباركة: أن فيها اسم الله الأعظم، فلله ﵎ أسماء، وهي الأسماء الحسنى التي أمرنا أن ندعوه بها، ومن تلك الأسماء المباركة: اسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب، وقد أخبر الصادق المصدوق ﵌ أن اسمه الأعظم ﷻ في آيات من القرآن الكريم، ومن تلك الآيات التي ذكر فيها ذلك: آية الكرسي. فقد روى الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (في هاتين الآيتين: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١ - ٢]: إن فيهما اسم الله الأعظم). يستفاد من هذا الحديث أن اسم الله الأعظم هو: الله لا إله إلا هو الحي القيوم؛ لأن هذا هو القاسم المشترك بين هذين الموضعين في آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفي صدر آل عمران: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١ - ٢]. وروى الحاكم عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (إن اسم الله الأعظم لفي ثلاث سور في القرآن: في سورة البقرة، وآل عمران، وطه) فالتمستها فوجدت في سورة البقرة قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ آية الكرسي، وفي سورة آل عمران: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١ - ٢] وفي سورة طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه:١١١]. فمن رغب في الدعاء باسم الله الأعظم ليستجاب له فليدعُ بما جاء في آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، فمن توفيق الله للعبد أن يدعو الله باسمه الأعظم؛ لأن الإنسان إذا دعا باسم الله الأعظم وتوسل به فإنه إذا سأل الله أعطاه، وإذا دعاه أجابه. والاسم الأعظم لله سبحانه يحتاج إلى بحث مستقل، وهناك خلاف كبير بين العلماء في تعيين اسم الله الأعظم، والروايات، في هذا كثيرة، وتستحق بالفعل أن نفردها ببحث مستقل إن شاء الله تعالى فيما بعد، لكن هذه إحدى الروايات التي تؤيدها بعض الأدلة في أن اسم الله الأعظم هو: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن اسم الله الأعظم هو: الحي، حيث قال: فالحي نفسه مستلزم لجميع الصفات، وهو أصلها؛ ولهذا كانت أعظم آية في القرآن: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وهو الاسم الأعظم؛ لأنه ما من حي إلا هو شاعر مريد، فاستلزم جميع الصفات، فلو اكتفي في الصفات بالتلازم لاكتفى بالحي؛ لأنه لو لم يكن إلا اسمه الحي لاستلزمت حياته سائر الصفات. فرأي ابن تيمية: أن (الحي) هو اسم الله الأعظم. أما ابن القيم فإنه يرى أن اسم الله الأعظم هو: الحي القيوم، فقد قال: كان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، هو اسم (الحي القيوم). من الروايات التي وردت في اسم الله الأعظم: دعاء ذي النون: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]. ومنها: (اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد) إلى آخر الدعاء، وموضعه بعد التشهد وقبل التسليم. وهناك عدة روايات في الاسم الأعظم، وتفصيل ذلك في موضع آخر.

стр. 38

آية الكرسي من أعظم ما يحصن العبد من الشيطان الرجيم ومن فضائل هذه الآية الكريمة: أنها تحرز الإنسان وتحفظه من الشيطان الرجيم. فالشيطان يسعى إلى الإضرار بالعباد، والله -وهو الرءوف بالعباد- شرع لهم أموراً تقيهم من شر الشيطان وتبعده عنهم. فمن تلك الأمور التي يتقى بها شر الشيطان: قراءة آية الكرسي، فقد أخبر رسول الله ﷺ أن قراءة آية الكرسي تبعد الشيطان عن قارئها وتحفظه من شره. من ذلك ما رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: (وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثوا من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ يعني: لأذهبن بك وأشكوك إلى رسول الله ﷺ ، يقال: رفعه إلى الحاكم، يعني: أحضره للشكوى، (قال: إني محتاج، وعليّ عيال، ولي حاجة شديدة)، يحتمل هنا أنه يعني: عليّ نفقة عيال، أو أن (علي عيال) بمعنى: لي عيال، قال: (فخليت عنه، فأصبحت، فقال النبي ﵌، يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك البارحة؟). أي: بادره النبي ﷺ بالسؤال عن شيء لم يخبره به أبو هريرة، وإنما ذلك وحي من الله. قال: (قلت: يا رسول الله! شكا حاجة شديدة وعيالاً، فرحمته فخليت سبيله، قال: أما إنه قد كذبك وسيعود)، أي: أنه كان كاذباً في هذا الكلام، وسيعود مرة ثانية إلى هذا الفعل، قال: (فعرفت أنه سيعود؛ لقول رسول الله ﷺ : إنه سيعود، فرصدته -أي: راقبته- فجعل يحثوا من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: دعني؛ فإني محتاج وعلي عيال، لا أعود. فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً، فرحمته فخليت سبيله، قال: أما إنه قد كذبك وسيعود، فرصدته الثالثة، فجعل يحثوا من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، وهذا آخر ثلاث مرات، إنك تزعم لا تعود ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح). قوله: (فإنك لن يزال عليك من الله حافظ) يعني: حافظ من عند الله، أو من جهة أمر الله ﵎، وقوله: (ولا يقربنك شيطان حتى تصبح) هذا ضمان للحفظ من الشيطان. قال أبو هريرة: (فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت يا رسول الله: زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله، قال ما هي؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح). وكان الصحابة رضي عنهم أحرص ما يكونون على الخير، فلم يكن أبو هريرة ليفوّت مثل هذه الفرصة التي أغراه فيها هذا الجني بأن يعلمه كلمات ينفعه الله بها. وكانوا أحرص شيء على الخير، (فقال النبي ﷺ : أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب مذ ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة؟ قال: لا، قال: ذاك شيطان). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى تعليقاً على هذا الحديث: ولهذا إذا قرأها الإنسان عند الأحوال الشيطانية بصدق أبطلتها. أي: إذا قرأتها في وضع من الأوضاع الشيطانية بصدق فإنها تبطل هذه الأحوال الشيطانية، مثل من يدخل النار بأحوال شيطانية، وبعض الناس الذين يزعمون أنهم يلقون أنفسهم في النار، ويكون في الأمر نوع من الأحوال الشيطانية، فإذا كان هناك شخص موجود وقرأ آية الكرسي فإن هذا يبطل، أو يحضر سماع المكاء والتصدية، فتتنزل عليه الشياطين وتتكلم على لسانه كلاماً لا يُعلم، وكذلك في مثل هذا الموضع إذا قرأ الإنسان آية الكرسي فإنه يبطل الأحوال الشيطانية، ولذلك فإن القوم الذي ينشغلون بهذه الأحوال الشيطانية، يخافون جداً من أن يوجد أحد الحضور يذكر الله أو يقرأ آية الكرسي، ولا شك أن في هذا الحديث فضل عظيم لآية الكرسي. ومن ذلك ما رواه الإمامان أحمد والترمذي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁: (أنه كانت له سهوة فيها تمر)، والسهوة: هي الطاق في الحائط، يوضع فيها الشيء، وقيل: المخدع بين البيتين، وقيل: شيء يشبه الرف، وقيل: بيت صغير كالخزانة الصغيرة، وكل هذه الأشياء يُطلق عليه: سهوة، ولفظ الحديث يحتملها كلها، وإن كان بعض الطرق تُرجح أن المراد بالسهوة هنا: التعريف الأول، وهو الطاق في الحائط يوضع فيها الشيء. عن أبي أيوب الأنصاري ﵁: (أنه كانت له سهوة فيها تمر، فكان تجيء الغول فتأخذ منه)، والغول: مفرد الغيلان، وهي جنس من جن الشياطين، (فشكا ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: اذهب، إذا رأيتها فقل: باسم الله، أجيبي رسول الله ﷺ ، قال: فأخذها، فَحَلَفَتْ ألا تعود، فأرسلتها، فجئت إلى النبي ﷺ ، فقال: ما فعل أسيرك؟ قلت: حلفت ألا تعود، قال: كذبت، وهي معاودة للكذب، فأخذتها مرة أخرى، فحلفت ألا تعود، فأرسلتها، فجئت إلى النبي ﷺ ، فقال: ما فعل أسيرك؟ قلت: حلفت ألا تعود، فقال: كذبت وهي معاودة للكذب، فأخذتها، فقلت: ما أنا بتاركك حتى أذهب بك إلى النبي صلى عليه وسلم، فقالت: إني ذاكرة لك شيئاً: آية الكرسي، اقرأها في بيتك، فلا يقربك شيطان ولا غيره) أي: لا يقربك شيء يضرك، سواء كان شيطاناً أو غيره، (فجئت إلى النبي ﵌، فقال: ما فعل أسيرك؟ فأخبرته بما قالت، قال: صدقت وهي كذوب)، قال الترمذي: حديث حسن غريب، وأقرّه الحافظ المنذري، وصححه الألباني رحمهم الله تعالى. وروى النسائي وابن حبان والطبراني والحاكم والبغوي عن أبي بن كعب ﵁: (أنه كان له جرين تمر)، وجرين التمر: هو موضع يجفف فيه التمر، (فكان يجده ينقص، فحرسه ليلة، فإذا هو بمثل الغلام المحتلم، فسلم عليه، فرد ﵇، فقال: أجني أم أنسي؟ فقال: بل جني، فقال: أرني يدك، فأراه، فإذا يد كلب وشعر كلب، فقال: هكذا خلق الجن؟ فقال: لقد عَلِمَتْ الجن أنه ليس فيهم رجل أشدّ مني، قال: ما جاء بك؟ قال: أنبئنا أنك تحب الصدقة، فجئنا نُصيب من طعامك، قال: ما يجيرنا منكم؟ قال: تقرأ آية الكرسي من سورة البقرة: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾؟ -يعني: أتحفظها؟ - قال: نعم، قال: إذا قرأتها غدوة أُجِرْتَ منّا حتى تمسي، وإذا قرأتها حين تمسي أُجِرْتَ منّا حتى تصبح). قوله: (غدوة) يعني: في الغدو، وهو الصباح. قال أُبي: (فغدوت إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرته بذلك، فقال ﵌: صدق الخبيث). فالشاهد: أن هذا من فضائل آية الكرسي. وهذا الحديث قال فيه الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده قوي، وقد ترجم الإمام ابن حبان هذا الحديث بقوله: ذكر الاحتراز من الشياطين -نعوذ بالله منهم- بقراءة آية الكرسي. إذاً: من وظائف آية الكرسي أنها تقال في أذكار الصباح والمساء، وعندما يأوي المسلم إلى فراشه لينام، فإنه إذا قرأ آية الكرسي، فإنه يصير معه حافظ من الله تعالى ولا يقربه شيطان حتى يصبح. وأيضاً: قراءة آية الكرسي في البيت تبعد الشيطان وغيره مما يضر الناس عن ذلك البيت. وكذلك قراءة آية الكرسي غُدوة -أي: في الصباح- تجير قارئها من الجن حتى المساء، وقراءتها مساء تجير قارئها منهم حتى الصباح.

стр. 39

من قرأ آية الكرسي بعد كل صلاة مكتوبة كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى كذلك مما ثبت من فضل آية الكرسي: أن من قرأها بعد الصلاة المكتوبة فهو في ذمة الله تعالى إلى الصلاة الأخرى. فقد روى الإمام الطبراني عن الحسن بن علي ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله تعالى إلى الصلاة الأخرى)، وهذا حديث حسن. فما أعظم هذه الذمة! وما أوثقها وأقواها! فإنها ذمة الله القادر المقتدر، رب الخلق، ومالك الكون، ومدبر الأمر كله، إنها ذمة الله الذي لا يذل من والاه، ولا يعز من عاداه، إنها ذمة الله الذي لا غالب لمن نصره، ولا ناصر لمن خذله، فعلى الراغبين في أن يدخلوا في ذمة الله أن يحرصوا على مداومة قراءة آية الكرسي بعد كل صلاة.

стр. 40

قراءة آية الكرسي بعد كل صلاة من أسباب دخول الجنة ومن فضائل ووظائف آية الكرسي أيضاًًًُ: ما بشّر به الصادق المصدوق ﵌: أن من قرأها بعد الصلاة المكتوبة، لا يحول بينه وبين دخول الجنة إلا الموت. فقد روى الإمام النسائي وابن حبان والطبراني عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت). وهذا الحديث قال عنه الحافظ المنذري: رواه النسائي والطبراني بأسانيد آحادها صحيح، وقال شيخنا أبو الحسن: هو على شرط البخاري وابن حبان في كتاب الصلاة وصححه، وأيضاً صححه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. قال الطيبي في شرح قوله: (لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت): أي: أن الموت يكون هو الحاجز بينه وبين دخول الجنة، فإذا انقضى هذا الحاجز -الموت- حصل دخول الجنة، (لم يمنعه)، وهذا يدل على أن من أراد أيضاً أن يختم له بخير فليحرص على آية الكرسي دبر الصلاة المكتوبة، كما في فضيلة سيد الاستغفار: (أن من قرأه حين يصبح ثم مات من يومه دخل الجنة، ومن قرأه حين يمسي ثم مات من ليلته دخل الجنة). وقراءة آية الكرسي أحد أسباب دخول الجنة، واستحقاق الجنة أن يكون قد قرأ آية الكرسي في هذين الوقتين، أو يكون قرأ آية الكرسي دبر الصلاة المكتوبة. قال المُلاّ علي القاري: ويمكن أن يقال بالمقصود: أنه لا يمنع من دخول الجنة شيء من الأشياء ألبتة؛ لأن الموت في الحقيقة ليس مانعاً من دخول الجنة، بل قد يكون موجباً لدخولها، ويكون الوسيلة لدخول الجنة، فيكون تفسير هذا الحديث على مثل قول القائل: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلولٌ من قراع الكتائبِ فهل الناس الذين يصفهم الشاعر يُذمّون بهذا الكلام؟! الجواب لا، بل هذا من المدح؛ لأن مما يدل على الشجاعة أن السيوف تكون فيها الخدوش نتيجة لكثرة القتال بها، فهذا فيه وصف لهم بالشجاعة. وأحياناً قد يمدح الإنسان من يحبه ويؤكد مدحه بما يشبه الذم، فمثلاً تقول: فلان ليس فيه عيب إلا أنه يموت، وهل كون الإنسان يموت هذا عيب؟! فيكون المقصود في هذا البيت: أنه لا عيب فيهم. فإذاً: هذا يشبه تفسير آخر الحديث: (لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت)، يعني: لم يمنعه من دخول الجنة شيء ألبتة. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨]، فقوله: (وما نقموا منهم) يعني: ما كرهوا وما عابوا عليهم إلا الإيمان، مع أن هذا مما لا يُكره ولا يُعاب. ولا شك أن هذا من الفضل العظيم لهذه الآية العظيمة -وهي آية الكرسي- وفعله يسير جداً، وفي نفس الوقت جزاؤه عظيم للغاية، فهل يخطر على قلب بشر جزاء أجلّ وأفضل من هذا الجزاء، وهو أنه إذا قرأ آية الكرسي استحقّ الجنة! ويبقى فقط أن يموت حتى يدخل الجنة! فهذا هو الفوز العظيم كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥].

стр. 41

تفسير قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو)

стр. 42

(الله لا إله إلا هو) أساس دعوة جميع الأنبياء إن آية الكرسي مشتملة على عشر جمل مستقلة، نذكرها بالترتيب: الجملة الأولى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ والكلام فيها على قسمين: أولاً: بيان أن (الله لا إله إلا هو) أساس دعوة جميع الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. فقوله: (الله لا إله إلا هو) هذا هو شعار الإسلام، وهذه كلمة الإخلاص، لا إله إلا الله، أي: لا إله حق إلا الله ﵎. يقول الإمام الطبري رحمه الله تعالى: وأما تأويل قوله: (لا إله إلا الله) فإن معناه: النهي أن يُعبد شيء غير الله الحي القيوم، الذي صفته ما وصف به نفسه تباك وتعالى في هذه الآية: (الله لا إله إلا هو)، فبدأ بلفظ الجلالة، ثم ذكر أهمّ شيء على الإطلاق في دعوة الإسلام، وهو هذا الشعار -شعار التوحيد-: (لا إله إلا هو). قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: إخبارٌ بأنه المتفرد بالإلهية لجميع الخلق. وقال البيضاوي: والمعنى أنه المستحق للعبادة لا غير. وقال القاضي أبو السعود: أي: هو المستحق للعبودية لا غير. وقال السعدي: فأخبر أنه الله الذي له جميع معاني الألوهية، وأنه لا يستحق الألوهية والعبودية إلا هو، فألوهية غيره وعبودية غيره باطلة. إذاً: معنى هذه الجملة: أن الله ﷻ هو المتفرد في استحقاق العبودية، فلا يعبد أحد سواه كائناً من كان، بأي نوع من أنواع العبادات. فلا قيام ولا ركوع ولا سجود ولا ذبح ولا نذر إلا له وحده تعالى. ولا يُدعى في السراء والضراء واليسر والعسر والفرح والغمّ إلا الله . ولا يُستمدّ ولا يُستنصر ولا يُستغاث إلا به. ولا طواف إلا ببيته العتيق. ولا حلف إلا به، ولا حكم إلا له. ولا ندّ ولا نظير ولا شريك له في أي نوع من أنواع العبادات. ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هذه كلمة النجاة، وهي مكونة من شقين: الأول: شق فيه النفي، وهو: (لا إله) يعني: نفي استحقاق العبودية والألوهية عن غير الله. الثاني: الإثبات، وهو: (إلا الله)، وهو إثبات استحقاق الألوهية لله الأحد ﷻ . وقد أتى ذكر شهادة التوحيد بمعناها في بعض المواضع، مثل قول الله ﵎: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]، والعروة الوثقى هي: لا إله إلا الله، وهي كلمة الشهادة، فقوله: (فمن يكفر بالطاغوت) يعني: يحقق النفي، فيؤمن بأنه لا يوجد أحد ولا شيء غير الله يستحق أن يُعبد. وقوله: (ويؤمن بالله)، يعني: لا يصحّ إيمانك بالله حتى تبطل استحقاق العبودية لغير الله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]. وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٨] وهي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، لكنه هنا ذكرها بالمعنى: (إنني براء مما تعبدون) أي: أكفر بكل ما تعبدون من دون الله، (إلا الذي فطرني فإنه سيهدين)، وهذا هو نفس معنى: لا إله إلا الله. وهذا هو ما بدأت به آية الكرسي، وهو مفتاح وأساس دعوة جميع الأنبياء والرسل عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فما بعث الله نبياً إلا أوحى إليه أنه لا إله إلا هو، كما قال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] فهذه الكلمة مفتاح دعوة جميع الأنبياء والرسل، ولذلك كانت هذه الشهادة قاسماً مشتركاً بين جميع الأنبياء على الإطلاق، ولجميع الرسالات: لا إله إلا الله، ينضّم إليها شق آخر في الشهادة بإثبات النبوة والرسالة وهي: فلان رسول الله، ويختلف هذا من أمه إلى أمه، فمثلاً في عهد نوح كانت كلمة النجاة: لا إله إلا الله نوح رسول الله، وفي عهد موسى: لا إله إلا الله موسى رسول الله، وفي عهد عيسى ﵇: لا إله إلا الله عيسى رسول الله، ثم جاءت الرسالة الخاتمة: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ . إذاً: لا ينجو الإنسان إلا إذا حقق هذين النوعين من التوحيد: توحيد المعبود -وهو: الله- وتوحيد الطريق الموصلة إلى الله؛ لأن معنى أنك تشهد أن لا إله إلا الله: أنك تثبت أنه لا ينبغي أن توجّه العبادة إلا إلى الله، وأن من عبد أو وجه العبادة لغير الله فقد أشرك بالله واتخذ معبوده إلهاً من دون الله. فخلاصة الكلام: أن الشقّ الأول من كلمة التوحيد يدلنا على توحيد العبادة، فإذا قال قائل: يا رب آمنت أنه لا إله إلا أنت، وأنه لا ينبغي أن توجّه العبادة إلا إليك، إذاً: كيف يتعرف هذا على كيفية العبادة؟ وعن أي طريق يعرف ما يرضي ربه ليفعله؟ وما يسخطه ليتجنبه؟ وكيف يصلي؟ وكيف يصوم؟ وكيف يزكي؟ وكيف يحج؟ وكيف يقوم بسائر العبادات؟ وقد أتى بيان هذا كله في الشق الثاني، وهو توحيد الطريق الموصلة إلى الله، فلا يعبد الله بالأهواء، ولا بمقتضيات العقول فحسب، وإنما يعبده بالوحي الذي يوحيه الله للرسول الذي أرسله كي يعلمك كيف تحقق التوحيد. فإذاً: لابد من توحيدين: توحيد الله ، وتوحيد الطريق الموصلة إلى الله، إذ لا يمكن أن يقبل الله من العبد عبادة إلا إذا كانت موافقة لما جاء به رسول الله ﵌. قال القاضي ابن عطية في تفسيره: لما أخبرهم تعالى أنهم لا يعلمون الحق لإعراضهم، أتبع ذلك بإعلامهم أنه ما أرسل قط رسولاً إلا أوحى إليه أن الله فرد صمد، وهذه عقيدة لم تختلف فيها النبوات، وإنما اختلفت في الأحكام، ولذلك نقول: إن لفظة التوحيد (لا إله إلا الله) قاسم مشترك بين جميع الأنبياء، وكل الأنبياء دعوا إليها، واختلفوا في الأحكام، والشريعة تختلف، لذلك فمن الممكن أن نقول: الرسالات السماوية، ولا ينبغي أن نقول: الديانات السماوية؛ فهذا كذب وضلال مبين، إذ لا يوجد شيء اسمه: (الديانات السماوية) بصيغة الجمع؛ لأن السماء لم ينزل منها إلا دين واحد، وكل الأنبياء دعوا إلى الإسلام، لكن التحريف هو الذي فعل ذلك، فادعاء أن الأديان المحرّفة الموجودة حالياً كلها سماوية هذا من الضلال المبين؛ لأن السماء لم ينزل منها غير دين واحد فقط، وهو دين الإسلام، فآدم كان مسلماً نوح كان مسلماً موسى دعا إلى الإسلام عيسى دعا إلى الإسلام هود دعا إلى الإسلام صالح دعا إلى الإسلام وهكذا جميع الأنبياء دعوا إلى الإسلام، فلذلك إذا قرأت قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] فإياك أن تظن أن الإسلام هو الرسالة الخاصة بنبينا محمد ﵌، لا، بل معنى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] أي: منذ أن خلق الله الدنيا والناس كلهم مطالبون بالإسلام، والأدلة في القرآن على ذلك أكثر من أن تُحصر، ووصف الأنبياء بالإسلام شائع جداً في القرآن الكريم. فجميع الأنبياء متّحدون في العقيدة، وقد يختلفون في الشرائع، فمن الممكن أن نقول: شرائع سماوية، أو رسالات سماوية؛ لأنها رسالات متعددة، لكن لا نقول أبداً: الأديان السماوية كما سبق. والحق لابد أن يكون واحداً، فكيف يقال عن النصرانية المحرّفة أنها دين سماوي في سياق المدح؟! وفيها: لا إله إلا الله، ليس عيسى رسول الله، حيث يزعمون أن عيسى هو الله!! أو أن الآلهة ثلاثة!! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وفي اليهودية نجد إلحاداً في أسماء الله وصفاته، فكيف يكون هذا أيضاً دين سماوي؟! الدين السماوي هو دين موسى وعيسى وآدم ومحمد ونوح وجميع الأنبياء، فهؤلاء كلهم دعوا إلى: لا إله إلا الله، واختلفوا في الشرائع لاختلاف الأمم والظروف، إلى أن جاءت الشريعة الخاتمة التي يصلح بها كل زمان وكل مكان. إذاً: لا تختلف النبوات على الإطلاق في الدعوة إلى: لا إله إلا الله، وإنما يختلفون في الأحكام، مثل: أحكام الزواج أحكام الطلاق أحكام العبادات، إلخ. قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: أي: قلنا للجميع: لا إله إلا الله، فأدلة العقل شاهدة على أنه لا شريك له، والنقل عن جميع الأنبياء موجود؛ لأن الدليل إما معقول وإما منقول: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ [الملك:١٠]. وقال قتادة: لم يُرسَل نبي إلا بالتوحيد، والشرائع مختلفة في التوراة والإنجيل والقرآن، وكل ذلك على الإخلاص والتوحيد، روحه التوحيد، كما قال النبي ﷺ : (إنا معشر الأنبياء إخوة لعلات، ديننا واحد، وأمهاتنا شتى) العلات: الضرائر، أي: مثل الشخص الذي يتزوج عدة نساء ويأتي بأولاد، فهؤلاء الأولاد يكون أشقاء من جهة الأب، فالدين واحد وهو التوحيد، وكلهم متفقون على هذا الأصل. قوله: (وأمهاتنا شتى)، أي: الشرائع تختلف، ولذلك جاءت شريعة محمد ﷺ بنسخ الشرائع التي قبلها، يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]. وقال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيرها: ((وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ)) أي: بعثناهم بأن اعبدوا الله ووحدوه، (واجتنبوا الطاغوت) أي: اتركوا كل معبود دون الله كالشيطان، والكاهن، والصنم، وكل ما دعا إلى الضلال. وقال ابن كثير: (ولقد بعثنا في كل أمة) أي: في كل قرن وطائفة (رسولاً) وكلّهم يدعون إلى عبادة الله، وينهون عن عبادة ما سواه. إذا استعرضنا بعض آيات القرآن الكريم نجد أن هذه الحقيقة هي أجلى حقائق القر

стр. 43

شواهد اهتمام الرسول ﷺ بالدعوة إلى هذا الأساس: (الله لا إله إلا هو) إذا كان الأمر كذلك فلا غرو أن نرى سيد الأنبياء وخاتمهم ﵌ قد اهتمّ بالتوحيد، وأعطاه الأولوية المطلقة، يقول الله مخاطباً نبيه ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] وهذا هو الأصل الذي أمر أن يعلنه للناس كافة، يقول : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [الأعراف:١٥٨]. فهذا الأصل لم ينشغل عنه النبي ﵌ أبداً قبل تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة، بل وبعد ذلك في حال الأمن وفي حال الحرب في الحضر والسفر في المسجد والسوق، فدعا إليه أقاربه وعامة الناس، ومن أحبوه ومن أبغضوه من جميع أصناف الناس، وسواء المشركين أو المنافقين، أو اليهود والنصارى، كان ﷺ يدعوهم إليه بكل وسيلة من المشافهة والمكاتبة، ومنهم من أرسل إليهم رسلاً، فالسيرة الدعوية في المرحلة المكّية والمدنية مليئة بالشواهد الدالّة على ذلك. روى الإمام أحمد عن رجل من بني مالك بن كنانة، وهذا الرجل من الصحابة، وإذا لم نعرف اسم الصحابي الذي روى الحديث، كأن يقول الراوي: عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، فإن هذا لا يؤثر في صحة الحديث على الإطلاق؛ لأن الصحابة جميعهم عدول، ﵃. فقد روى الإمام أحمد بسنده عن رجل من بني مالك بن كنانة قال: (رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز يتخلّلها) يتخللها: يمشي خلال تجمّعات الناس في سوق ذي المجاز، (يقول: يا أيها الناس! قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. وأبو جهل يحثي عليه التراب، ويقول: لا يُغوينّكم هذا عن دينكم، فإنما يريد لتتركوا آلهتكم وتتركوا اللات والعزى، وما يلتفت إليه رسول الله ﵌ قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وروى الإمام الحاكم عن ربيعة بن عباد الدؤلي قال: (رأيت رسول الله ﷺ بمنى في منازلهم قبل أن يهاجر إلى المدينة يقول: يا أيها الناس! إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً. ووراءه رجل يقول: يا أيها الناس! إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم. فسألتُ عن هذا الرجل، فقيل: أبو لهب). ففي الحديث الأول كان أبو جهل هو الذي يحثي عليه التراب، أما في هذه المرّة فكان أبو لهب. وروى البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبيه أنه أخبره: (لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ ، فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول الله ﷺ ل أبي طالب: يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب! أترغب عن ملّة عبد المطلب؟! فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة حتى قال: أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلا الله). وروى البخاري عن معاذ ﵁ قال: (كنت ردف النبي ﷺ على حمار يقال له: عفير، فقال يا معاذ! هل تدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله: ألاّ يعذب من لا يشرك به شيئاً). وروى البخاري عن جابر ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ بذات الرقاع) يعني: في غزوة ذات الرقاع، (فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي ﷺ ، فجاء رجل من المشركين وسيف النبي ﷺ معلق بالشجرة، فاخترطه) أي: أن هذا المشرك أخذ السيف، (فقال له) يعني: قال المشرك للرسول ﵊: (أتخافني؟ فقال له: لا، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله)، وفي رواية للإسماعيلي: (فسقط السيف من يده) أي: سقط السيف من يد هذا المشرك، (فأخذ رسول الله ﷺ السيف، فقال: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ). فتأمل كيف أن الرجل لم يُجب على السؤال، أما النبي ﷺ لما قال له الرجل: من يمنعك مني؟ قال: الله. أما المشرك فلا مولى له، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١]، وذلك هو الذي يرجّح كفّة أهل الإسلام في صراعهم مع أهل الباطل، وهو أن الله معهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١٩]، فمن كان الله معه فلن يغلبه أحد. فإذاً: إلى من يلجأ الكفار والظالمون والذين يعيثون في الأرض فساداً؟! لو سُئلوا فلن يجدوا جواباً، أما المؤمن فهو يعرف جيداً من الذي يلجأ إليه. وتكملة الحديث: (فأخذ رسول الله ﷺ السيف، فقال: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ، قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: لا، ولكني أعاهدك على ألاّ أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلّى سبيله، فأتى أصحابه -أي: الرجل- فقال: جئتكم من عند خير الناس). كذلك دعا رسول الله ﷺ قيصر ملك الروم إلى عبادة الله وحده وترك الشرك، فقد جاء في نصّ كتابه الكريم إلى هرقل، كما جاء في البخاري عن ابن عباس ﵄: (من محمد عبد الله ورسوله ﷺ إلى هرقل عظيم الروم، سلامٌ على من اتّبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلِمْ تَسْلَم يؤتِك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين؟ -وهُمْ: الأكارين أو الفالحين جمع أريس- ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤]). وهذه الآية يستدل بها بعض السّاسة كما فعل السادات في بعض المناسبات أو المؤتمرات المتعلقة بالتنفيذية، فكان يتلو الآية في سياق أننا شيء واحد، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤] بحيث يوهم أن المسلمين واليهود والصنارى وغيرهم شيء واحد، وأنهم كلهم يدعو إلى عبادة الله، بطريقته، فهذا يقول: إن الله هو المسيح! واليهود يقولون على الله الكذب! وينسبون إليه من الصفات ما يتنزه سبحانه عنه! والمسلمون كذلك يدعون إلى عبادة الله، وهذا كلام باطل، فإن معنى (كلمةٍ سواء) هي: دين الإسلام فقط لا غير، فقوله: ﴿يا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ [آل عمران:٦٤] يعني: ادخلوا في دين الله، ((أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)) فإذا أكملت الآية: ((فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)). كذلك أمر رسول الله ﷺ معاذاً ﵁ حين بعثه إلى اليمن أن يكون أول ما يدعو الناس إليه هو: توحيد الله ﵎. فقد روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: (لما بعث النبي ﷺ معاذاً إلى نحو أهل اليمن قال له: إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحّدوا الله تعالى). إذاً: التوحيد له الأولية المطلقة، ثم قال ﷺ : (فإذا عرفوا ذلك، فأخبِرْهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم) إلى آخر الحديث. وفي رواية: (فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﵌. إذاً: أول ما بُدئت به آية الكرسي هو أفضل الكلام على الإطلاق، كما قال النبي ﷺ : (خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير). فأفضل الذكر على الإطلاق -أي: بعد القرآن الكريم- هو أن تقول: لا إله إلا الله، فالله هو المتفرد بالإلوهية والعبودية لجميع الخلائق دون سواه، وهذا هو الأمر المهمّ الذي ابتعث الله له جميع الأنبياء والمرسلين بمن فيهم خاتمهم وقائدهم محمد ﵌.

стр. 44

تفسير قوله تعالى: (الحي القيوم)

стр. 45

بيان معنى (الحي) وأنه من أعظم أسماء الله الحسنى الجملة الثانية من آية الكرسي: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. بدأ الشيخ فضل إلهي بتعريف معنى (الحي). يقول: المراد به -والله تعالى أعلم- الذي له الحياة الذاتية التي لم تأتِ من مصدر آخر، الكاملة الدائمة التي ليس لها انقطاع ولا زوال، لا قبل ولا بعد. وحينما تصف الله بأنه الحي فإن تماثل الأسماء لا يقتضي تماثل المسمّيات، فقد يُطلق لفظ من الألفاظ على الله وعلى غير الله، لكنّ هذا التماثل في الاسم لا يقتضي تماثل المسمّيات، فمثلاً: يوصف الله بأنه عالم، ويوصف بعض البشر بأنه أيضاً عالم، أو كريم، أو حليم، وكذلك (حي) أيضاً من أوصاف بعض المخلوقات، لكن حينما نقول: إن الله من أسمائه الحسنى (الحي) فيجب أن ندرك الفرق بين حياتنا وبين حياة الله ﵎، فحياتنا قبلها عدم وبعدها موت، ونحن لم نحي أنفسنا، وإنما الذي أحيانا هو الله ﵎. فمعنى وصف الله بهذا الوصف: (الحي) يعني: أنه له الحياة الذاتية التي لم تستمد من مصدر آخر، فهو دائماً حي منذ الأزل وإلى الأبد، لم ينفصل عنه هذا الوصف أبداً ﵎، فحياة الله حياة كاملة دائمة، ليس لها انقطاع ولا زوال، لا قبل ولا بعد. وقال قتادة في تفسير الحي: يعني: الحي الذي لا يموت. وقال الإمام السدي: المراد بالحي: الباقي. وقال الطبري: أما قوله: ((الْحَيُّ)) فإنه يعني: الذي له الحياة الدائمة، والبقاء الذي لا أول له بحدّ، ولا آخر له بأمد -أي: غاية ينتهي إليها- إذ كل ما سواه فإنه وإن كان حيّاً فلحياته أول محدود وآخر ممدود، ينقطع بانقطاع أمدها، وينقضي بانقضاء غايتها. وقال البغوي: (الحي): الباقي الدائم على الأبد. وقال ابن كثير: أي: الحي في نفسه، الذي لا يموت أبداً. وقال أبو السعود: الباقي الذي لا سبيل عليه للموت والفناء. ومن الآيات التي جاء فيها اسم (الحي) لله ﵎: قوله في أول سورة آل عمران: ((الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ))، وقال : ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه:١١١]، وقال : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان:٥٨]،وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:٦٥]. وقد ذكرنا أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يرى أن اسم (الحي) يستلزم جميع صفات الكمال لله تبارك تعالى، ولذلك كان يرى أن (الحي) هو اسم الله الأعظم، يقول: فالحي نفسه مستلزم لجميع الصفات، وهو أصلها، ولهذا كانت أعظم آية في القرآن: ((اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)) فهو الاسم الأعظم؛ لأنه ما من حي إلا وهو شاعر مريد، فاستلزم جميع الصفات، فلو اكتفي في الصفات بالتلازم لاكتُفي بالحي. وقال السعدي: وأنه الحي الذي له جميع معاني الحياة الكاملة، من السمع والبصر والقدرة والإرادة وغيرها من الصفات الذاتية. وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في تفسير (الحي القيوم): هذان اسمان من أسمائه تعالى، وهما جامعان لكمال الأوصاف والأفعال، فكمال الأوصاف في الحي، وكمال الأفعال في القيوم؛ لأن معنى الحي: ذو الحياة الكاملة، ويدل على ذلك (أل) التي تفيد الاستغراق، وكمال الحياة من حيث الوجود والعدم، ومن حيث الكمال والنقص. أيضاً: إثبات هذا الاسم (الحي) بهذا المعنى الذي ذكرناه يستلزم أن كل ما سوى الله ﵎ ميت، فإن الحياة الأزلية الأبدية الدائمة ليست إلا الله الأحد ﵎، وكل من سواه كائناً من كان فإنه هالك وميت، يقول : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، وقال : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]، وقال : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:٥٧]، وقال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. فلو كان لأحد من الخلق الخلود والبقاء لكان أولاهم بذلك سيد الأولين والآخرين خليل رب العالمين: رسول الله محمد ﷺ ، لكنه لم يبق ﵊، وإنما مات كما يموت البشر، فهذه الحقيقة كانت مؤكدة حتى قبل وفاة رسول الله ﷺ ، حيث يقول : ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤ - ٣٥]، وقال : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤] وقال جل وعلا: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]. وعن سهل بن سعد ﵁ قال: (جاء جبريل ﵇ فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌّ به، ثم قال: واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزّه استغناؤه عن الناس) رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الحافظ الذهبي رحمهم الله تعالى. وليس الحديث على ظاهره؛ لأن الإنسان لا يعيش كما يشاء هو، لكن هذا لبيان هذه الحقيقة، كما قال موسى ﵇ لما أُمر أن يضع يده على متن ثور وله بكل شعره وقعت عليها يده سنة، فيمتد عمره بذلك، قال: ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن. فالشاهد قوله: (يا محمد! عِشْ ما شئت)، أي: افترض أنك تعيش ما شئت، فلا بد في النهاية من الموت، فإنك ميت. ونحن نلاحظ أن الله ذكر اسم الحي مباشرة بعد قوله: ((اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ))، وفي ذلك استدلال على إثبات تفرده بالألوهية، فكأن الحي دليل لإثبات قوله: (الله لا إله إلا هو)، فالدليل على أنه لا إله إلا هو: أنه الحي، فهذا استدلال على إثبات تفرده بالألوهية وإبطال عبودية كل من سواه؛ لأنه لا يستحق العبادة إلا من كان حياً بالحياة الذاتية الدائمة الأبدية، وحيث لا حي بهذه الحياة إلا الله الأحد، فلا يستحق العبادة إلا هو. يقول ابن عاشور: والمقصود: إثبات الحياة، وإبطال استحقاق آلهة المشركين وصف الإلهية؛ لانتفاء الحياة عنهم، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢]. وقد يقول قائل: إن هذه الأصنام كانت جمادات، ولكن من عبد إنساناً أو كائناً حياً فإنه يعبد حياً، نقول: لا، يوجد وصف الحياة المستقلة الذاتية التي لم تأتِ بمصدر آخر سوى الله ، فليس هناك حي بهذا المعنى إلا الله، وبالتالي فلا ينبغي أن يُعبد إلا الله؛ لأن حياة كل ما سوى الله إنما هي من عند الله، فهو الذي يحيي ويميت، وغيره لا يحيي ولا يميت. وقد نبّه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه إلى التلازم بين الحياة الدائمة واستحقاق العبودية، فانتبهوا لهذا المعنى، وهو معنى كلمة (الحي)، وأنها أتت مباشرة بعد قوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وأبو بكر الصديق نبّه إلى الربط بين الحياة وبين استحقاق الألوهية والعبودية. وهذا كان في الخطبة التي ألقاها أبو بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ ؛ لأن الصحابة كانت الصدمة عليهم أشد ما تكون، ونحن نعرف ماذا فعل عمر في تلك الحادثة الجليلة، والتي هي أعظم قاصمة وقعت في تاريخ الإسلام كله، وهي وفاة النبي ﷺ وانقطاع الوحي، والصحابة كانوا قد صُدموا أشد الصدمة، وثبت أبو بكر ﵁، وهذه من فضائله التي تبين فعلاً استحقاقه لأنْ يكون الرجل الثاني في الإسلام بعد رسول الله ﷺ ، فالمصيبة رغم عظمها إلا أن أبا بكر أراد أن يلفتهم إلى أن لا غرابة في أن يموت رسول الله ﷺ ، ولا استحالة في ذلك، بدليلٍ لطيف جداً، وهو أن النبي ﷺ ليس إلهاً يُعبد، وإنما هو بشر من البشر، وأن الذي نعبده نحن المسلمين وحده هو الله ، فهو حي لا يموت. فقد روى البخاري عن ابن عباس ﵄: أن أبا بكر ﵁ خرج، وعمر ﵁ يكلم الناس، حتى وصل الأمر إلى أن عمر قال: كذب من ادعى أن الرسول ﵊ قد قُبض، بل ذهب إلى لقاء ربه كما حصل لموسى. ورفع السيف وقال: من ادعى أن الرسول ﵊ مات لأقطعن عنقه بهذا السيف -وهذا من شدة الصدمة- فخرج أبو بكر رضي الله تعالى عنه بكل ثقة، فقال له: اجلس يا عمر، فأبى عمر ﵁ أن يجلس من شدة الانفعال، فأقبل الناس عليه وتركوا عمر ﵁، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أما بعد: من كان منكم يعبد محمداً ﷺ فإن محمداً صلى الله ع

стр. 46

بيان معنى (القيوم) وأنه من أعظم أسماء الله الحسنى قال الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى: (الحي) كمال الأوصاف، و (القيوم) تعبير عن كمال الأفعال، أما وزن (القيوم) فهو: (فيعول) مأخوذ من القيام، ومعنى ذلك: أنه ﷻ قائم بأمر الخلق برزقه ورعايته وحفظه، وما من شيء إلا وإقامته بأمره وتدبيره . قال القرطبي: وأما قوله: (القيوم) فإنه (الفيعول) من القيام، وأصله: القيوُوْم، بواوين. وقال أبو حيان: القيوم على وزن (فيعول) أصله: قيووم، اجتمعت الياء والواو واستبقت إحداهما بالسكون، فقُلبتْ الواو ياءً وأُدغمت فيها الياء. أما معناه: فقال قتادة: القيوم: القائم بتدبير خلقه. وقال الربيع: القيوم: قيّم كل شيء، يكلؤه ويرزقه ويحفظه. وقال الطبري: القيوم: القائم برزق خلقه وحفظه. وقال ابن كثير: القيوم: القيّم لغيره، فجميع الموجودات مفتقرة إليه وهو غني عنها، ولا قوام لها بدون أمره. وقد وردت نصوص أخرى من القرآن الكريم تدل على أن قيام الموجودات وبقاءها وحفظها بأمر الله تعالى، ولا قوام لها بدونه. من ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك:١٩] (صافات): باسطات أجنحتهن، (ويقبضن) يعني: قابضات، (ما يمسكهن): يعني: عن الوقوع سواء في حالة البسط أو القبض، (إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير): فمن الذي يمسك الطير في السماء؟ لا أحد إلا الله . وقال جل وعلا: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٨ - ٣٩] (العرجون): العذق الذي عليه الشماريخ، ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس:٤٠] يعني: فتجتمع معه في الليل، ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس:٤٠] فلا يأتي قبل انقضائه، ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠] (يسبحون): يجرون، ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس:٤١] المشحون: المملوء، ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ * وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ [يس:٤٢ - ٤٣] أي: لا مغيث لهم، ﴿وَلا هُمْ يُنقَذُونَ﴾ [يس:٤٣] يعني: ولا هم ينجون من الغرق، ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [يس:٤٤]. فمن يأمر الشمس بالجري لمستقرٍ لها؟! ومن يقدر منازل القمر؟! ومن يمنع الشمس عن الاجتماع مع القمر؟! ومن يحجز الليل عن المجيء قبل انقضاء النهار؟! ومن يوقف النهار من الطلوع قبل انصرام الليل؟! ومن يحفظ ركاب السفن وسط موجات البحر التي هي كالجبال؟! الجواب إنه الله لا إله إلا هو الحي القيوم. يقول ﵎ مبيّناً قيام السموات والأرض بأمره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم:٢٥] (أن تقوم) أي: أن تدوما قائمتين، ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم:٢٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر:٤١] يعني: أن الله يمنعهما من الزوال والذهاب والوقوع، ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٤١] يعني: ما يمسكهما أحد سوى الله ﵎، ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر:٤١] وهذه الآية فيها ترغيب عظيم جداً، فهو الحافظ القيوم لأمرهما، الحكمة في أنه ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر:٤١]؛ لأن الله لو يؤاخذ الناس بما كسبوا لدمر هذا الكون، ولأزال السموات والأرض، لكنه حليم، يحلم عنهم، ويرجئهم إلى أن يتوبوا. فهذا ترغيب في المبادرة إلى الله، وألا ينخدع الإنسان بإمهال الله إياه، ولا يغتر بصفة الحلم، بل عليه أن يبادر إلى التوبة، فإنه إذا تاب إلى الله تاب الله عليه، (إنه كان حليماً) يعطيك الفرصة، ويمهلك كي تستعتب وتتوب، (غفوراً)، إذا رجعت إليه فإنه يغفر لك. وكما بين العلماء أن لاسم (الحي) منزلة عظيمة، فكذلك بيّنوا عظم شأن اسم (القيوم). يقول القاضي علي بن علي الحنفي شارح الطحاوية ﵀: فعلى هذين الاثنين: (الحي القيوم) مدار الأسماء الحسنى كلها، وإليهما ترجع معانيهما، فكل الأسماء الحسنى تدور حول (الحي القيوم). ثم قال رحمه الله تعالى: وأما (القيوم) فهو متضمن كمال غناه وكمال قدرته، فإنه القائم بنفسه، فلا يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه، المقيم لغيره فلا قيام لغيره إلا بإقامته، فانتظم هذان الاسمان صفات الكمال أتمّ انتظام. فالله سبحانه هو الغني الحليم، يقوم بنفسه ولا يحتاج إلى غيره، أما غير الله فلابد من أن يقيمه الله؛ لأنه لا حول ولا قوة لأحد إلا بالله، فيجب أن نرى أفعال الله، وتدبير الله، وقيامنا بالله في كل شيء، في كل نبضة قلب في كل نفس تأخذه في كل رزق يفتح عليك به في طلوع الشمس في غروبها في كل شيء، فما من شيء إلا وهو بقدرة الله وبإقامة الله إياه، فلو لم يُقمْك الله لما قدرت على شيء، إذ لا حول ولا قوة إلا بالله، فهذه القيّومية هي سبب كل ما نرى في الوجود من تدبير، ومن إقامتنا. قال السعدي ﵀: كما أن (القيوم) تدخل فيه جميع صفات الأفعال؛ لأنه القيوم الذي قام بنفسه، واستغنى عن جميع مخلوقاته، وقام بجميع الموجودات، فأوجدها وأبقاها، وأمدّها بجميع ما تحتاج إليه في وجودها وبقائها. وذكر اسم (القيوم) لله بعد (الله لا إله إلا هو) فيه ما يدل على تفرده تعالى بالألوهية والعبودية؛ لأنه هو المتفرد لقيام أمر الخلق، من رزقهم وحفظهم ورعايتهم من غير ندّ ولا شريك، فما دام لم يقم الخلق، ولم يدبر أمرهم، ولم يرزقهم، ولم يُحيهم، ولم يعافهم، ولم يفعل بهم كل هذا إلا الله وحده، فينبغي ألا نوجّه العبادة إلا إلى الله ؛ لأنه هو المستحق وحده لجميع أنواع العبادات، دون أن يشرك معه فيها أحد. هذا ما تيسر من استعراض هذا التفسير لجزء من آية الكرسي: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم). أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 47

بداية الهداية عندما يأذن الله بهداية شخص فإنه ييسر له أسباب الهداية، وما أكثر الذين أسرفوا على أنفسهم بالمعاصي ثم وفقهم الله ﵎ إلى الهداية، وقد جعل الله للهداية أسباباً كما جعل للغواية أسباباً، فمن أسباب الهداية: مجالسة الصالحين، وسماع أخبار التائبين، وتلاوة القرآن بالتدبر، وغير ذلك من الأسباب الكثيرة.

стр. 48

أسباب تجديد الإيمان في القلوب

стр. 49

السبب الأول: دعاء الله وسؤاله تجديد الإيمان إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عن عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم) رواه الطبراني عن ابن عمر ﵄، وقال الهيثمي: إسناده حسن، ورواه الحاكم عن ابن عمرو ﵄ وقال: رواته ثقات، وأقره الذهبي، وصححه الألباني، ومن قبله قال الحافظ العراقي في أماليه: حديث حسن من طريقين، عن ابن عمرو وابن عمر ﵃. قوله ﷺ : (إن الإيمان ليخلق) أي: يكاد أن يبلى. قوله: (في جوف أحدكم) يعني: أيها المؤمنون. قوله: (كما يخلق الثوب) شبه الإيمان بالثوب الذي لا يستمر على هيئته، فحينما تشتري ثوباً جديداً له ألوان معينة فبمرور الوقت يتعرض للشمس والغسل فيصبح ثوباً خلقاً قديماً، وتتغير ألوانه، فهكذا الإيمان أيضاً إذا دخل القلب لابد أن يجدد، وقد أمرنا النبي ﷺ أن ندعو بهذا الدعاء حتى يجدد الله الإيمان في قلوبنا، وإلا فإن الإيمان يخلق ويطول الأمد على القلب، ويطرأ عليه القساوة والران، وربما اشتدت به الأمراض حتى يموت ذلك القلب. قوله: (كما يخلق الثوب) وذلك أن العبد يتكلم بكلمة الإيمان وبذكر الله والتوحيد، ثم يدنس هذه الكلمة بسوء أفعاله، فإذا عاد واعتذر واستغفر فقد جدد ما أخلق وطهر ما دنس من قلبه. قوله: (فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم) يعني: حتى لا يكون لقلوبكم وجهة غير الله ﵎، ولا رغبة في سواه، ولهذا قال معاذ لبعض أصحابه: (اجلس بنا نؤمن ساعة) أي: نجدد إيماننا بذكر الله ﵎ وتعلم العلم. هذا الحديث يبين الخطر الذي يهدد قلب أي مؤمن، ولا يكفي الإنسان مجرد أن يدخل في الإيمان أو ينعم الله عليه بالتوبة، ثم يظن أنه نجا، بل لابد مع التقوى من الاستقامة عليها، لابد من الثبات حتى الممات، وإلا فأكثر الناس يشرعون في هذا الطريق ثم لا يثبتون عليه، وتتخطفهم الشهوات والأهواء من الجانبين، وقل من يسلم، ولذلك أمر النبي ﷺ في هذا الحديث بأخذ هذا السبب من أسباب تثبيت الإيمان في القلب، وهو الدعاء، وهو أعظم سبب؛ فإنه ﵊ قال: (الدعاء هو العبادة)، وقال قبل ذلك: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. فهذا الدعاء أحد أسباب مداواة القلوب وشفائها وعافيتها من القساوة وعودة الإيمان من جديد، وهو أن نقول: اللهم جدد الإيمان في قلوبنا!

стр. 50

السبب الثاني: الذكرى بالآيات والأحاديث والقصص من الأسباب التي تنفع القلب وتجدد الإيمان وتعافي القلب من قساوته: الذكرى، ولا يشترط أن يكون الإنسان جاهلاً بالأحاديث أو الآيات التي تتكلم -مثلاً- عن عظة الموت وعن أهوال يوم القيامة وعن القرب من الله والأحوال القلبية، وإنما قد يعلم الإنسان كثيراً جداً من الآيات والأحاديث، ولكنه لما طال عليه الأمد، وتعود قلبه على سماعها؛ لم ينفعل بها، ولم تؤثر فيه شيئاً، لكن إذا جدد العهد بتذكر هذه النصوص ولم يهجرها، وجدد العهد بزيارة المقابر، وبقراءة هذه الأحاديث، وبحضور مجالس العلم؛ فقد نصت آية في كتاب الله ﵎ أن هذا مما ينفع القلب، ولا يشترط أن تكون جاهلاً بما يقال، لكنك تنتفع بالتذكرة، وذلك في قوله : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥] فمن كان مؤمناً انتفع بهذه الذكرى، وحملته على تجديد الإيمان في قلبه.

стр. 51

أهمية استقامة القلب وأسباب فساده وقسوته القلب هو قطب الدائرة، وهو أساس الاستقامة وصلاح الحال، ولذلك يقول ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)، فعلى العبد أن يهتم بصلاح قلبه قبل أي شيء آخر، فإذا صلح القلب صلح كل شيء واستقام كل أحواله. ويقول ﵊: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم). ويقول ﵊: (التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره ﷺ . وقال ﵊: (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه) فتبين من هذه الأحاديث أن أس الاستقامة وقطب رحاها استقامة القلب.

стр. 52

من أسباب قسوة القلب ومرضه: التهاون بالمعاصي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء) هكذا تحصل القساوة والمرض والران على القلوب تدريجياً؛ وذلك بسبب تهاون الإنسان بالمعاصي، وكونه يظن أن الوقت فيه سعة، وسوف يتوب ويستدرك فيما بعد، لكن تنضم نكتة إلى نكتة إلى نكتة حتى يعلو الصدأ ويعلو السواد ويعلو الران جميع القلب. إذاً: على الإنسان ألا يتهاون بأي معصية وإن دقت في عينه؛ فإن هذا الذنب الصغير مع الأيام ومع تكراره يعود كبيراً. لا تحقرن من الذنوب صغيراً إن الصغير غداً يعود كبيرا إن الصغير وإن تقادم عهده عند الإله مسطر تسطيرا قال ﷺ : (إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه وعاد إليه نوره، وإن عاد -يعني: عاد إلى المعصية- زيد فيها حتى تعلو قلبه). قوله: (زيد فيها حتى تعلو قلبه) هو الران الذي ذكر الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤].

стр. 53

من أسباب قسوة القلب ومرضه: استحسان المنكرات عن حذيفة رضي الله ﵎ عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء) وهذه أيضاً من الأبواب التي يسمم بها القلب، ويطرأ عليه بسببها الصدأ والسواد والتعكير؛ لأنه حينما يرى المنكرات ولا يتمعر وجهه غضباً لله ﵎، بل لا يكتفي أنه لم ينكر الحرام، بل يستلذ بهذا الحرام ويستحسنه والعياذ بالله، فيكون ذلك سواداً في قلبه، وهو لا يشعر أن النظر إلى فساد التلفاز -مثلاً- يعتبر معصية، لكنه يظن أن هذه متعة، وأن الوقت الذي يقضيه في هذه المعصية يعود عليه بنفع موافق لهواه ولشهواته، فهو لا يستقبح المعصية، لكنه يستحسنها، فتنكت كل معصية نكتة سوداء في قلبه، ويموت قلبه رويداً رويداً، ولهذا لما سئل سفيان رحمه الله تعالى: ما بال أهل الأهواء شديدو المحبة لأهوائهم؟ قال: ألم تر إلى قوله ﵎: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة:٩٣]، فهكذا يشرب الإنسان المعاصي ويستحسنها، وتنقلب المفاهيم والموازين في قلبه فيرى المعروف منكراً والمنكر معروفاً، فأنى له الهداية إن لم يتداركه الله برحمته؟! يقول ﷺ : (تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفاء لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مرباداً كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه). فيكون الهوى هو الحاكم، وبذلك يصبح قلبه أسود مرباداً، يعني: متغيراً. قوله: (كالكوز مجخياً) أي: كالكوز المقلوب، وهل الكوز المقلوب يستوعب الحكمة؟ لا، فكذلك هذا القلب منكوس، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه.

стр. 54

من أسباب قسوة القلب ومرضه: الإعراض عن القرآن لقد اهتم الرسول ﵊ في كثير من الأحاديث بأمر القلب، فقد كان يكثر الدعاء بصلاح القلب، فكان من دعائه ﷺ قوله: (اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلبي) قوله: (ربيع قلبي) يعني: المطر الذي يحيي قلبي؛ فإن القرآن فيه حياة القلوب، وقراءة القرآن وحفظه والتعبد به من أعظم ما يتقرب به إلى الله ﵎، كما قال ﵊: (إنكم لن تتقربوا إلى الله بشيء أحب إليه مما خرج منه) يعني: كلامه ، لكن كيف ندعو الله في كل مناسبة، ونقول: اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونحن أصلاً نهجر القرآن ولا نقرأ القرآن ولا نعيش مع القرآن؟! كيف ندعو الله أن يجعله ربيع قلوبنا ونحن لا نأخذ هذا الدواء؟! إن هجرنا لهذا الدواء الموجود في الصيدلية لا ينفي كونه سبباً من أسباب الشفاء، وكون بعض الناس يعرضون عن تعاطي هذا الدواء الذي هو القرآن -وهو سبب من أسباب الشفاء- لا يقدح في كونه شفاءً لما في الصدور، يقول : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢]، وهذا المعرض عن القرآن لا يعود وبال عمله إلا على نفسه، فيكون ممن يشتكيهم رسول الله ﷺ إلى ربه يوم القيامة: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، فالسؤال الذي يجب أن يعرضه كل منا على نفسه: إذا كنت تسأل الله وتدعوه بقولك: اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، كيف يكون ربيع قلبك وأنت لا تتعاطى هذا الدواء ولا تداوي قلبك به؟!

стр. 55

من أسباب قسوة القلب ومرضه: الإعراض عن ذكر الله ﵎ جاء في بعض الآثار: (لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله ؛ فتقسو قلوبكم، وإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، ولكن انظروا فيها كأنكم عبيد، إنما الناس رجلان: مبتلى، ومعافى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية).

стр. 56

أسباب استقامة القلب وشفائه من القسوة كان ﷺ يهتم كثيراً بوصف دواء القلوب لأصحابه رضي الله ﵎ عنهم، فعن أبي هريرة ﵁: (أن رجلاً شكا إلى النبي ﷺ قسوة قلبه، فقال له: إن أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم)، وشكا ذلك رجل إلى مالك بن دينار فقال له: أدمن الصيام -أي: داوم على الصيام- فإن وجدت قسوة فأطل القيام، فإن وجدت قسوة فأقل الطعام. قال إبراهيم الخواص: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين.

стр. 57

من أسباب استقامة القلب وشفائه من القسوة مجالسة التائبين يقول بعض السلف: اجلسوا إلى التوابين؛ فإنهم أرق الناس أفئدة. إذاً: من أعظم أسباب استقامة القلب وشفائه من القسوة أن يكثر الإنسان من الجلوس إلى التائبين لاسيما حديثي العهد بالتوبة، فهؤلاء يكونون أرق الناس أفئدة وقلوباً، فإن لم يتيسر له ذلك فليطالع في أحوال هؤلاء التائبين، وكيف تابوا، فإن لكل توبة قصة، ولكل هداية بداية، وقد تكون هذه البداية للهداية إما آية سمعها رجل فأفاق وصحا من سكرته، وإما حادثة تعرض لها كسرت قلبه بعد الكبر والإعراض فتاب وأناب إلى الله ﵎ وهكذا. إذاً: ما دام هناك روح في الإنسان فمهما قسا قلبه فهناك أمل بأن يشفيه الله ﵎، يقول بعض الصالحين: أسق غصنك ما دامت فيه رطوبة. أي: إذا كان الغصن ما زال فيه رطوبة -حتى ولو كانت قليلة- فهو قابل لأن يحيا، أما إذا جف الغصن تماماً ويبس فهذا لا ينفع فيه شيء.

стр. 58

مراحل التوبة يقول بعض العلماء حينما يتكلمون عن التوبة: إن بداية الطريق إلى الله وبداية الهداية لا تكون بالتوبة بقدر ما تكون بالإفاقة، وذلك بأن يفيق الإنسان ويصحو ويفكر في مصيره وماذا عمل لما بعد الموت؟! وكيف يستعد للقاء الله؟! حينها يندم على ما فرط منه. هذه الإفاقة هي الصحوة التي يفيق بها الإنسان، والتي إن لم تقم له هذه القيامة في الدنيا فرغماً عنه سيفيق وسيندم، لكن حيث لا ينفعه الندم حينما يأتيه ملك الموت. فأول المراحل: أن يفيق الإنسان ويقوم من نومه ومن سباته، يقول الله ﵎: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ:٤٦] فهذه القيامة هي أن يفيق الإنسان من سكرته، ويعزل نفسه عن هذه المؤثرات التي تشغله عن الله، وعن الدار الآخرة، وعن الوطن الحقيقي، وعن المستقبل الدائم الذي لا انقطاع له في حياة أبدية لا نهاية لها. يقول ﵎: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف:١٤]، عبر عنها بهذا القيام. قوله: (إذ قاموا) أي: أفاقوا، (فقالوا ربنا رب السموات والأرض). إذاً: كل هداية لها بداية، وأي إنسان منَّ الله عليه بالهداية ففي الغالب أن يكون هناك موقف معين، خاصة إذا كان هذا الإنسان من قبل معرضاً عن الله، ولم يوفق أن يكون شاباً نشأ على طاعة الله وعلى عبادة الله، بل يكون قد خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، أو انغمس تماماً في المعاصي والمخالفات، فتكون هناك بداية لهدايته. وهذه البداية تختلف حسب مدخل كل إنسان إلى التوبة، والاستقامة قد تكون بآية سمعها مئات المرات من قبل، لكن في موقف معين فهذه الآية جعلته بإذن الله يفيق من غفوته، وتكون سبباً لاستئناف الطريق إلى الله .

стр. 59

معنى قوله تعالى: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم) وسبب نزولها الآيات في موضوع التوبة والاستقامة كثيرة، منها هذه الآية في سورة الحديد: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد:١٦ - ١٧]. يقول الله : (ألم يأن) يعني: ألم يحن أو ألم يأت الأوان والحين، وهو من أنى الأمر يأنى إذا جاء إناه، أي: وقته بمعنى يقرب. كما قال الشاعر: ألم يأن لي يا قلب أن أترك الجهلا وأن يحدث الشيب الملم لي العقلا وكما أنشد ابن السكيت: ألما يأن لي أن تجّلى عمايتي وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا معنى قوله تعالى: (ألم يأن) أي: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله أي: تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن، فتفهمه وتنقاد له وتسمع له وتطيعه. قوله تعالى: (أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) هذا فيه بيان أن دواء قسوة القلوب هو ذكر الله. قوله: (وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) هو القرآن الكريم. والخشوع أصله في اللغة: السكون والطمأنينة والانخفاض. أما في الشرع: فهو خشية من الله تداخل القلوب، فتظهر آثارها على الجوارح بالانخفاض والسكون كما هو شأن الإنسان الخائف. إذاً: لقد حان للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، وجاء الحين والأوان لذلك؛ لكثرة ما تردد عليهم من زواجر القرآن ومواعظه. وقال عبد الله بن المبارك ﵀: حدثنا صالح المري عن قتادة عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (إن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٦]). وعن ابن مسعود ﵁ قال: (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٦] إلا أربع سنين) رواه مسلم، والعتاب: هو مخاطبة الإدلال وطلب حسن المراجعة والتذكير بما كره من عمله. يقول ابن مسعود: (لما نزلت هذه الآية بهذا العتاب من الله ، جعل بعضنا ينظر إلى بعض ويقول: ما أحدثنا؟!) أي: ما الشيء الذي أوجب نزول هذه الآية؟ وما التقصير الذي قصرناه؟ وقال الحسن: استبطأهم وهم أحب خلقه إليه ﵎. ويروى في بعض كتب التفاسير: أن المزاح والضحك كثر في أصحاب النبي ﷺ لما ترفهوا بالمدينة، فنزلت الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]، فقال ﷺ : (إن الله يستبطئكم الخشوع، فقالوا عند ذلك: خشعنا). وهذا أيضاً يذكرنا بقوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤] قوله: (لما يحييكم) أي: يحيي قلوبكم، ثم قال : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤]. قوله : (وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ) أي: الأجل والإمهال والاستدراج. قوله: (فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) أي: بطول الأمد. إذاً: الإنسان قد يعلم الآيات ويعلم الأحاديث ويعلم الحلال ويعلم الحرام، لكن قلبه لا ينفعل بهذه الآيات والأحاديث لطول الأمد الذي يحدث قسوة في القلوب. يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول عليهم الأمد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم، واشتروا به ثمناً قليلاً، ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الآراء المختلفة، والأقوال المؤتفكة، وقلدوا الرجال في دين الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله؛ فعند ذلك قست قلوبهم، فلا يقبلون الموعظة، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد. قوله: (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) أي: خارجون عن طاعة الله، فاسقون في الأعمال فقلوبهم فاسدة، وأعمالهم باطلة، كما قال : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة:١٣]، فكل نقض لميثاق الله وعهد الله يعاقب الإنسان من جرائه بقسوة القلب، ماذا أحدثت هذه القسوة؟ ﴿يحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣]. ويقول ﵎: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران:١١٠]، ويقول : ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:٢٧] أي: خارجون عن أمر الله ﵎. يقول الحافظ ابن كثير معلقاً على قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣] أي: فسدت قلوبهم فقست وصار من سجيتهم تحريف الكلم عن مواضعه، وتركوا الأعمال التي أمروا بها، وارتكبوا ما نهوا عنه، ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في أي شيء من الأمور الأصلية أو الفرعية. ثم قال : ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد:١٧] فيه إشارة إلى أنه ﵎ يلين القلوب بعد قساوتها، ويهدي الحيارى بعد ضلالتها، ويفرج الكروب بعد شدتها، فكما يحيي الأرض الميتة المجدبة الهامدة بالغيث الهتان الوابل، كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل، ويولج إليها النور بعد أن كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الإضلال، والمضل لمن أراد بعد الكمال، الذي هو لما يشاء فعال، وهو الحكم العدل في جميع الفعال، اللطيف الخبير الكبير المتعال. قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]: الذين ابتدعوا الرهبانية من أصحاب الصوامع قست قلوبهم فخرجوا وفسقوا عن أمر الله . وقيل: الفاسقون: هم من لا يعلم ما يتدين به من الفقه، ويخالف من يعلم، وقيل: هم من لا يؤمن في علم الله تعالى. وقال محمد بن كعب: كانت الصحابة ﵃ بمكة مجدبين، فلما هاجروا إلى المدينة أصابوا الريف والنعمة، ففتروا عما كانوا فيه، فقست قلوبهم فوعظهم الله؛ فأفاقوا. وقال ابن المبارك: أخبرنا مالك بن أنس قال: (بلغني أن عيسى ﵇ قال لقومه: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله تعالى فتقسو قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، ولكن انظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس رجلان: معافى، ومبتلى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية).

стр. 60

نماذج من التائبين في الزمن القديم والمعاصر

стр. 61

توبة ابن المبارك والفضيل بن عياض وسببها يقول القرطبي: وهذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٦] كانت سبب توبة الفضيل بن عياض وابن المبارك رحمهما الله ﵎. وروى بسنده عن الحسن بن زاهر قال: سئل عبد الله بن المبارك عن بدء زهده، قال: كنت يوماً مع إخواني في بستان لنا؛ وذلك حين حملت الثمار من ألوان الفواكه، فأكلنا وشربنا حتى الليل فنمنا، وكنت مولعاً بضرب العود والطنبور، فقمت في بعض الليل فضربت بصوت يقال له: راشين السحر -لعله نوع من الموسيقى- وأراد سنان يغني، وطائر يصيح فوق رأسي على شجرة، والعود بيدي لا يجيبني إلى ما أريد -أي: العود لا يجيب إلى هذا العزف-، وإذا به ينطق كما ينطق الإنسان -والعهدة على الراوي إن صح السند في ذلك- يقول: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد:١٦] قلت: بلى والله! وكسرت العود، وصرفت من كان عندي، فكان هذا أول زهدي وتشميري. فإن صحت هذه القصة فهذه تكون إعانة من الله ﵎ لـ ابن المبارك على هذه الهداية والتوبة. يقول القرطبي: وبلغنا أن الشعر الذي أراد ابن المبارك أن يضرب به العود ويغني به: ألم يأن لي منك أن ترحما وتعص العواذل واللوما وترثي لصب بكم مغرم أقام على هجركم مأتما يبيت إذا جنه ليله يراعي الكواكب والأنجما وماذا على الظبي لو أنه أحل من الوصل ما حرما وأما الفضيل بن عياض فمشهور عنه أكثر مما اشتهر عن ابن المبارك أن هذه الآية كانت سبباً في توبته، وذلك أن الفضيل كان يعشق جارية فواعدته ليلاً، فبينما هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع قارئاً يقرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٦] فرجع القهقرى وهو يقول: بلى والله قد آن، فآواه الليل إلى خربة وفيها جماعة من السابلة، وبعضهم يقول لبعض: نسير الليلة، فقال آخرون: لا إن فضيلاً يقطع الطريق فانتظروا حتى الصباح، فسمعهم الفضيل ﵀، فقال: أواه! أراني بالليل أسعى في معاصي الله، قوم من المسلمين يخافونني، اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي إليك جوار بيتك الحرام، فجاور في الحرمين، ولذلك سمي بعابد الحرمين رحمه الله تعالى.

стр. 62

توبة شاب بعد إنقاذه من الغرق نستطرد قليلاً في هذا الموضوع الذي أشرنا إليه وهو ذكر قصص التائبين، ومن ذلك قصة شاب كان يمشي بسيارته، وإذا بها تخرج عن سيطرته وتهوي به في النهر فغاصت به حتى بلغت به القاع، يقول هذا الشاب: وأحسست كأنما استحالت المياه إلى جدران من الحديد، فقلت: إنها النهاية لا محالة فنطقت بالشهادتين، -أي: في نفسه- وبدأت أستعد للموت، وحركت يدي فإذا بها تنفذ في فراغ يمتد إلى خارج السيارة، وفي الحال تذكرت أن زجاج السيارة الأمامي مكسور، شاء الله أن ينكسر في حادث منذ أيام ثلاثة، وقفزت دون تفكير، ودفعت بنفسي من خلال هذا الفراغ، فإذا الأضواء تغمرني، وإذا بي خارج السيارة، ونظرت فإذا جمع من الناس يقفون على الشاطئ كانوا يصيحون بأصوات لم أتبينها، ولما رأوني خارج السيارة، نزل اثنان منهم وصعدا بي إلى الشاطئ، وقفت على الشاطئ ذاهلاً عما حولي، غير مصدق أني نجوت من الموت وأني الآن بين الأحياء، وكنت أنظر إلى السيارة وهي غارقة في الماء فأتخيل حياتي الماضية سجينة هذه السيارة الغارقة، أتخيلها تختنق وتموت وقد ماتت فعلاً، وهي الآن راقدة في نعشها أمامي، لقد تخلصت منها، وخرجت مولوداً جديداً لا يمت إلى الماضي بسبب من الأسباب، وأحسست برغبة شديدة في الجري بعيداً عن هذا المكان الذي دفنت فيه ماضيّ الدنس، ومضيت إلى البيت إنساناً آخر غير الذي خرج قبل ساعات، دخلت البيت وكان أول ما وقع عليه بصري صور معلقة على الحائط لبعض الممثلات والراقصات، فمزقتها، وارتميت على سريري أبكي، ولأول مرة أحس بالندم على ما فرطت في جنب الله، فأخذت الدموع تنساب بغزارة من عيني، وأخذ جسمي يهتز، وبينما أنا كذلك إذا بصوت المؤذن يجلجل في الفضاء، وكأني أسمعه لأول مرة، فانتفضت واقفاً وتوضأت، وفي المسجد بعد أن أديت الصلاة أعلنت توبتي، ودعوت الله أن يغفر لي، ومنذ ذلك الحين وأنا كما ترى. قلت: هنيئاً لك يا أخي! وحمداً لله على سلامتك، لقد أراد الله بك خيراً، والله يتولاك ويرعاك، ويثبت على الحق خطاك.

стр. 63

توبة شاب من استعمال الحبوب المنبهة قصة أخرى أيضاً من الواقع لشاب تائب يقول: كنت أعمل سائقاً للمسافات الطويلة، وبالجهد والكفاح استطعت بفضل الله أن أشتري سيارة أعمل عليها، وأنا لا أستطيع أن أواصل الليل بالنهار؛ لأني كنت أحلم بالحياة الوردية كما يقولون، مما أدى بي إلى استعمال الحبوب المنبهة، فأصبحت أواصل السهر والسفر من ثلاثة أيام إلى خمسة أيام دون نوم، بقيت على هذا الحال ما يقرب من سنتين، جمعت خلالهما مبلغاً كبيراً، وفي سفرة من السفرات قررت أن تكون هذه الرحلة آخر رحلة، وبعدها أرتاح من هذا العناء، وكانت إرادة الله فوق كل شيء. ركب المسافرون السيارة، وخرجنا من المدينة وقطعت مسافة لا بأس بها، وإذا بي أفاجأ بسيارة تمر من جواري تسير بسرعة جنونية، أحسست بداخلي بأن أمراً ما سوف يحدث، وبالفعل فما هي إلا لحظات حتى رأيت السيارة المذكورة وهي تتقلب أمامي، ومع تقلبها كنت أرى أشلاء تتطاير في الهواء، هالني المنظر فلقد مرت بي حوادث كثيرة، ولكن الذي رأيت كان فوق تصوري، ووجمت للحظات أفقت بعدها على صوت بعض المسافرين وهم يرددون: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون. انظروا الموت لا يفرق بين شاب وعجوز، ولا رجل ولا امرأة، ولا طفل ولا كبير، ولا سائق ماهر ولا غيره، وإنما يأتيك بغتة دون إنذار مسبق، فإذا تذكر الإنسان كثيراً من أصدقائه وأحبابه فإنه يرد على خاطره الكثيرين ممن سبقوه، فهل إذا صرت إلى مثل الذي صاروا إليه ستضمن أنك ستنجو من عذاب الله؟! يقول: قلت في نفسي: كيف لو كنت مكان هذا الشاب؟ كيف أقابل ربي بلا صلاة ولا عبادة ولا خوف من الله؟ أحسست برعدة شديدة في جسمي ثم لم أستطع قيادة السيارة إلا بعد ثلاث ساعات، بعدها أخذت الركاب وعدت، وفي الطريق أديت صلاة المغرب والعشاء، وكانتا أول صلاة أصليهما في حياتي. دخلت إلى منزلي وقابلتني زوجتي، فرأت تغيراً واضحاً وجلياً في هيئتي، فظنت بأني مريض فصرخت في وجهي: ألم أقل لك اترك هذه الحبوب؟! إنك لن تدعها حتى يخطف الله عمرك فتذهب إلى النار، كانت هذه الكلمات بمثابة صفعات وجهتها لي زوجتي، فقلت لها: أعاهد الله أنني لن أستعمل هذا الخبيث، وبشرتها بأني صليت المغرب والعشاء، وأني تبت إلى الله وبكيت بكاء مراً وشديداً. أيقنت زوجتي أني صادق فيما أقول، فما كان منها إلا أن انخرطت تبكي معي فرحة بتوبتي ورجوعي إلى الحق، في تلك الليلة لم أتناول عشائي، نمت وأنا خائف من الموت وما يليه، فرأيت فيما يرى النائم أني أملك قصوراً وشركات وسيارات وملايين الجنيهات، وفجأة وجدت نفسي بين القبور أنتقل من حفرة إلى حفرة أبحث عن ذلك الشاب المقطع فلم أجده، فأحسست بضربة شديدة على رأسي أفقت بعدها لأجد نفسي على فراشي، تنفست الصعداء وكان الوقت قد جاوز منتصف الليل، فقمت وتوضأت وصليت حتى بزغ الفجر فخرجت من البيت إلى المسجد، ومنذ ذلك اليوم وأنا -ولله الحمد- ملازم لبيوت الله لا أفارقها، وأصبحت حريصاً على حضور الندوات والدروس التي تقام في المساجد، وأحمد الله أن هداني إلى طريق السعادة الحقيقية والحياة الحقة.

стр. 64

توبة شاب من استعمال المخدرات وسبب تعاطيه لها هذه قصة توبة شاب مدمن للمخدرات: كان شاباً يافعاً شجاعاً يعرفه كل أولاد الحارة بالنخوة والشهامة، كان دوماً لا يفارق ذلك المقهى المنزوي، والذي تظلله تلك الشجرة الكبيرة، أولاد الحارة يخافونه ويستنجدون به في وقت الأزمات، كانت عصاه لا تخطئ، وكانت حجارته كالسهام، كانت أخباره في كل الحارات، كان إذا دخل ذلك المقهى وأخذ الكرسي الذي اعتاد الجلوس عليه وشاهده القوهجي؛ ترك كل شيء في يده وأحضر براد الشاي الذي تعود أن يتناوله باستمرار، وخاصة بعد صلاة المغرب، إنه لا يخافه، ولكنه يحترم فيه نخوته وشهامته، ظل ذلك الشاب طويلاً على هذه الحال بلا منافس، غير أن هذه الأحوال لم تعجب مجموعة من أشرار الحي، كيف يأخذ هذا الشاب كل هذه الشهرة، وكل هذا الحب والاحترام؟ لابد من حل لكسر شوكته وتحطيم معنوياته وأحلامه وسمعته، فكر كبيرهم ملياً وقال: إنني لا أستطيع مقاومة ذلك الشاب، ولكن لدي سلاح سهل ويسير إذا استخدمته دمرته به، إنها المخدرات، ولكن كيف؟ قفز واحد من تلك المجموعة الشريرة وصاح: براد الشاي، براد الشاي، إنه يحب أن يتناوله يومياً بعد صلاة المغرب. تسلل واحد منهم بخفية وسرعة إلى ذلك المقهى، ووضع كمية من الحبوب المخدرة في براد الشاي، وجلسوا في الموقع المقابل يراقبون تصرفاته، لقد وقع في الفخ، وتمر بقدر الله دورية للشرطة وترى حالته غير طبيعية فتلقي القبض عليه، إنها المخدرات، وكم كان اندهاش قائد الدورية، فهو يعرفه تماماً، فكيف تحول بهذه السرعة إلى تلك الملعونة الحبوب المخدرة؟ أدخل السجن ولكن لا فائدة، لقد أدمن ولم يستطع الإفلات من حبائلها، إنه في كل مرة يخرج من السجن يعود إلى ذلك المقهى ويقابل تلك المجموعة، استمر على تلك الحال عدة سنوات، وكانت المفاجأة لقد فكر والداه وأقاربه كثيراً وحاله ومصيره وسمعتهم بين الناس، وكان القرار أن أصلح شيء له هو الزواج من إحدى البلاد المجاورة؛ حتى ينسيه ذلك المقهى وتلك الجماعة الشريرة، وأبلغوه بذلك القرار فكان نبأ ساراً، فأعلن توبته، وعاهد والديه، وبدأ في الترتيب لعش الزوجية، واشترى بعض الأثاث، ودخل مرحلة الأحلام والأماني: زوجة وبيت وأسرة وأبناء، ما أجمل ذلك، وتحدد موعد السفر ليرافق والده للبحث عن زوجة، إنه يوم السبت، لكن الله لم يمهله، نام ليلة الخميس، وكان كل تفكيره في الحلم الجديد في الموعد الآتي حتى ينقضي هذا اليوم واليوم الذي بعده، إيه أيتها الليلة! إنك طويلة، وكان الجواب إنها ليلتك الأخيرة! فما أصبح الصباح، حتى اعتلى الصياح وكانت النهاية أن يمسي في قبره تلك الليلة.

стр. 65

توبة شاب عاق لأمه هذا شاب ذهب إلى الخارج، تعلم وحصل على شهادات عالية، ثم رجع إلى بلاده، وتزوج من فتاة غنية جميلة كانت سبباً في تعاسته لولا عناية الله، يقول: مات والدي وأنا صغير، فأشرفت أمي على رعايتي، عملت خادمة في البيوت حتى تستطيع أن تنفق علي، فقد كنت وحيدها، أدخلتني المدرسة، وتعلمت حتى أنهيت الدراسة الجامعية، كنت باراً بها، وجاءت بعثتي إلى الخارج، فودعتني أمي والدموع تملأ عينيها وهي تقول لي: انتبه يا ولدي على نفسك ولا تقطعني من أخبارك، أرسل لي رسائل حتى أطمئن على صحتك، أكملت تعليمي بعد مضي زمن طويل ورجعت شخصاً آخر -قد أثرت فيه الحضارة الغربية-، فصرت أرى في الدين تخلفاً ورجعية، وأصبحت لا أؤمن إلا بالحياة المادية والعياذ بالله، وتحصلت على وظيفة عالية، وبدأت أبحث عن الزوجة، حتى حصلت عليها، وكانت والدتي قد اختارت لي فتاة متدينة محافظة، ولكني أبيت إلا تلك الفتاة الغنية الجميلة؛ لأني كنت أحلم بالحياة الأرستقراطية كما يقولون. وخلال ستة أشهر من زواجي، كانت زوجتي تكيد لأمي حتى كرهت والدتي، وفي يوم من الأيام دخلت البيت وإذا بزوجتي تبكي، فسألتها عن السبب؟ فقالت لي: إما أنا وإما أمك في هذا البيت، لا أستطيع أن أصبر عليها أكثر من ذلك، جن جنوني وطردت أمي من البيت في لحظة غضب، فخرجت وهي تبكي وتقول: أسعدك الله يا ولدي! وبعد ذلك بساعات خرجت أبحث عنها ولكن بلا فائدة، فرجعت إلى البيت واستطاعت زوجتي بمكرها وجهلي أن تنسيني تلك الأم الغالية الفاضلة، وانقطعت أخبار أمي عني فترة من الزمن، وأصبت خلالها بمرض خبيث، دخلت على إثره المستشفى، وعلمت أمي بالخبر فجاءت تزورني، وكانت زوجتي عندي، وقبل أن تدخل علي طردتها زوجتي وقالت لها: ابنك ليس هنا، ماذا تريدين منا؟ اذهبي عنا؟ رجعت أمي من حيث أتت، وخرجت من المستشفى بعد وقت طويل، وانتكست فيه حالتي النفسية، وفقدت الوظيفة والبيت، وتراكمت علي الديون، وكل ذلك بسبب زوجتي، فقد كانت ترهقني بطلباتها الكثيرة. وفي آخر المطاف ردت زوجتي الجميل وقالت: ما دمت قد فقدت وظيفتك ومالك، ولم يعد لك مكان في المجتمع؛ فإني أعلنها لك صريحة: أنا لا أريدك، طلقني! كان هذا الخبر بمثابة صاعقة وقعت على رأسي، فطلقتها بالفعل، فاستيقظت من السبات الذي كنت فيه، خرجت أهيم على وجهي أبحث عن أمي، وفي النهاية وجدتها، ولكن أين وجدتها؟ كانت تقبع في أحد الأرصفة تأكل من صدقات المحسنين، وجدتها وقد أثر عليها البكاء فبدت شاحبة، وما إن رأيتها حتى ألقيت بنفسي عند رجليها وبكيت بكاء مراً، وما كان منها إلا أن شاركتني البكاء، بقينا على هذه الحالة حوالى ساعة كاملة، بعدها أخذتها إلى البيت، وآليت على نفسي أن أكون طائعاً لها، وقبل ذلك أكون متبعاً لأوامر الله ومجتنباً لنواهيه، وهأنا الآن أعيش أحلى أيامي وأجملها مع حبيبة العمر أمي حفظها الله، وأسأل الله أن يديم علينا الستر والعافية.

стр. 66

توبة شاب بسبب دعاء أمه له هذه قصة شاب كان يسكن مع أمه العجوز في بيت متواضع، وكان يقضي معظم وقته أمام شاشة التلفاز، كان مغرماً بمشاهدة الأفلام والمسلسلات، يسهر الليالي من أجل ذلك، لم يكن يذهب إلى المسجد ليؤدي الصلاة المفروضة مع المسلمين، طالما نصحته أمه العجوز بأداء الصلاة فكان يستهزئ بها ويسخر منها ولا يعيرها أي اهتمام، مسكينة تلك المرأة الكبيرة الضعيفة، إنها تتمنى لو أن الهداية تباع فتشتريها لابنها الوحيد بكل ما تملك. وهذه العجوز لا تملك إلا شيئاً واحداً فقط إنه الدعاء، فهو سهام الليل التي لا تخطئ، فبينما هو يسهر طوال الليل أمام تلك المناظر المزرية كانت هي تقوم في جوف الليل تدعو له بالهداية والصلاح، ولا عجب فإنها عاطفة الأمومة التي لا تساويها عاطفة أياً كانت. وفي ليلة من الليالي حيث السكون والهدوء، وبينما هي رافعة كفيها تدعو الله، وقد سالت على خديها دموع الحزن والألم، إذا بصوت غريب يقطع ذلك الصمت الرهيب، فخرجت الأم مسرعة باتجاه الصوت وهي تصرخ: ولدي حبيبي! فلما دخلت عليه فإذا بيده المسحاة -آلة مثل الفأس- وهو يحطم ذلك الجهاز اللعين، الذي طالما عكف عليه وانشغل به عن طاعة الله وطاعة أمه، وترك من أجله الصلوات المكتوبة، ثم انطلق إلى أمه يقبل رأسها ويضمها إلى صدره، وفي تلك اللحظة وقفت الأم مندهشة مما رأت والدموع على خديها، ولكنها في هذه المرة ليست دموع الحزن والألم، وإنما هي دموع الفرح والسرور، لقد استجاب الله دعاءها فكانت الهداية، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦].

стр. 67

توبة شاب من سماع الغناء بسبب طفل صغير هذا طفل صغير لم يتجاوز سن البلوغ، كان سبباً في هداية أخيه من سماع الغناء المحرم، عرف ذلك الطفل حكم الإسلام في الغناء وتحريمه له، فانشغل عن الغناء بقراءة القرآن وحفظه، ولكن لابد من الابتلاء. ففي يوم من الأيام خرج مع أخيه الأكبر في السيارة في طريق طويل، وأخوه هذا كان مفتوناً بسماع الغناء، فهو لا يرتاح إلا إذا سمعه، قام الأخ الأكبر بفتح المسجل على أغنية من الأغاني التي كان يحبها، فأخذ يهز رأسه طرباً، ويردد كلماتها مسروراً، لكن لم يتحمل ذلك الطفل الصغير هذه الحال، وتذكر قول الرسول ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) فعزم على الإنكار وهو لا يملك هنا إلا أن ينكر بلسانه أو بقلبه، فأنكر بلسانه وقال مخاطباً أخاه: لو سمحت! أغلق المسجل؛ فإن الغناء حرام، وأنا لا أريد أن أسمعه، فضحك أخوه الأكبر ورفض أن يجيبه إلى طلبه. ومضت فترة وأعاد ذلك الطفل الطلب، وفي هذه المرة قوبل بالاستهزاء والسخرية، فقد اتهمه أخوه بالتزمت والتشدد إلى آخره، وحذره من الوسوسة، وهدده بأن ينزله في الطريق ويتركه وحده! وهنا سكت الطفل على مضض، ولم يعد أمامه إلا أن ينكر بقلبه، ولكن كيف ينكر بقلبه؟ إنه لا يستطيع أن يفارق ذلك المكان، فجاء التعبير عن ذلك بعبرة ثم دمعة نزلت على خده الصغير الطاهر؛ فكانت أبلغ موعظة لذلك الأخ المعاند من كل كلام يقال. فقد التفت الأخ الأكبر إلى أخيه الصغير فرأى الدمعة تسيل على خده، فاستيقظ من غفلته، وبكى متأثراً بما رأى، ثم أخرج الشريط من مسجل السيارة ورمى به بعيداً معلناً بذلك توبته من استماع تلك الترهات الباطلة.

стр. 68

توبة أسرة كاملة من مشاهدة الأفلام والمسلسلات الماجنة في التلفاز وغيره هذا شيخ كبير في السن كان سبباً في هداية أسرة كاملة، كانت غافلة لاهية، تقضي معظم وقتها أمام شاشة التلفاز لمشاهدة الصور المحرمة ومسلسلات الحب والغرام والهيام. يقول هذا الشيخ الكبير: كنت نائماً في المسجد بعد صلاة الظهر، فرأيت فيما يرى النائم رجلاًً أعرفه من أقاربي قد مات، ولم أكن أعلم أن في بيته التلفاز، جاءني فضربني بقدمه ضربة كدت أصرع من ضربته، وقال لي: يا فلان! اذهب إلى أهلي وقل لهم: يخرجون التلفاز من بيتي. قال الشيخ: وكنت أرى هذا التلفاز في بيته -يعني: في المنام- وكأنه كلب أسود والعياذ بالله، قال: فاستيقظت من نومي مذعوراً، واستعذت بالله من الشيطان الرجيم، وعدت إلى نومي، فجاءني في المنام مرة ثانية وضربني ضربة أقوى من الأولى وقال لي: قم واذهب إلى أهلي وقل لهم: يخرجون التلفاز من بيتي لا يعذبونني به، قال: فاستيقظت مرة ثانية وهممت أن أقوم، ولكني تثاقلت وعدت إلى نومي، فجاءني في المرة الثالثة وضربني في هذه المرة ضربة أعظم من الضربتين الأوليين وقال لي: يا فلان! اذهب إلى أهلي، وقل لهم: يخلصونني مما أنا فيه خلصك الله، قال: فاستيقظت من نومي، وعلمت أن الأمر حقيقة. فلما صليت التراويح من ذلك اليوم ذهبت إلى بيت صاحبي وهو قريب لي، فلما دخلت فإذا بأهله وأولاده قد اجتمعوا عليه ينظرون إليه وكأن على رءوسهم الطير، فجلست، فلما رأوني قالوا مستغربين: ما الذي جاء بك -يا فلان- في هذا الوقت، فليس هذا من عادتك؟! فقلت لهم: جئت لأسألكم سؤالاً فأجيبوني عليه: لو جاءكم مخبر وأخبركم أن أباكم يعذب في قبره هل ترضون بذلك؟ قالوا: لا، وندفع كل ما نملك مقابل نجاة أبينا من العذاب! قال: فأخبرتهم بما رأيته في المنام من حال أبيهم؛ فانفجروا جميعاً بالبكاء، وقام كبيرهم إلى ذلك الجهاز (التلفاز) وكسره تكسيراً أمام الجميع معلناً التوبة. لكن القصة لم تنته بعد، قال الشيخ: فرأيته بعد ذلك في النوم فقال لي: خلصك الله كما خلصتني! يعني من العذاب. إذاً: فكل أب أو ولي يدع هذا الجهاز الخبيث في بيته ويموت فويل له إن لم يدمره تدميراً قبل أن ينتقل إلى جوار الله ﵎.

стр. 69

توبة من في المرقص على يد شيخ وعظهم فيه هذه القصة الأخيرة وهي قصة غريبة جداً، قال الشيخ علي الطنطاوي في بعض كتبه: دخلت أحد مساجد مدينة حلب، فوجدت شاباً يصلي فقلت: سبحان الله! إن هذا الشاب من أكثر الناس فساداً، يشرب الخمر، ويفعل الزنا، ويأكل الربا، وهو عاق لوالديه، وقد طرداه من البيت، فما الذي جاء به إلى المسجد؟! فاقتربت منه وسألته: أنت فلان؟ قال: نعم. قلت: الحمد لله على هدايتك، أخبرني كيف هداك الله؟! قال: هدايتي كانت على يد شيخ وعظنا في مرقص -يعني ساحة رقص- قلت مستغرباً: في مرقص؟! قال: نعم في مرقص، قلت: كيف ذلك؟ قال: كان في حارتنا مسجد صغير يؤم الناس فيه شيخ كبير السن، وذات يوم التفت الشيخ إلى المصلين وقال لهم: أين الناس؟ ما بال أكثر الناس وخاصة الشباب لا يقربون المسجد ولا يعرفونه؟! فأجابه المصلون: إنهم في المراقص والملاهي. قال الشيخ: وما هي المراقص والملاهي؟ رد عليه أحد المصلين: المرقص: صالة كبيرة فيها خشبة متسعة تصعد عليها الفتيات شبه عاريات يرقصن، والناس حولهن ينظرون إليهن، فقال الشيخ: والذين ينظرون إليهن من المسلمين؟! قالوا: نعم. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، هيا بنا إلى تلك المراقص ننصح الناس. قالوا له: يا شيخ! أتعظ الناس وتنصحهم في المراقص؟! قال: نعم. حاولوا أن يثنوه عن عزمه، وأخبروه أنهم سيواجهونه بالسخرية والاستهزاء، وسيناله الأذى، فقال: وهل نحن خير من محمد ﷺ ؟! وأمسك الشيخ بيد أحد المصلين ليدله على المرقص، وعندما وصلا إليه سألهما صاحب المرقص: ماذا تريدان؟ قال الشيخ: نريد أن ننصح من في المرقص. تعجب صاحب المرقص! وأخذ يمعن النظر فيهما، ورفض السماح لهما بالدخول، فأخذا يساومانه ليأذن لهما حتى دفعا له مبلغاً من المال يعادل دخله اليومي؛ فحينئذ وافق صاحب المرقص، وطلب منهما أن يحضرا في الغد عند بدء العرض اليومي. قال الشاب: فلما كان الغد كنت موجوداً في المرقص، فبدأ الرقص من إحدى الفتيات، ولما انتهت أسدل الستار ثم فتح، فإذا بشيخ وقور يجلس على كرسي، فبدأ بالبسملة وحمد الله والثناء عليه، وصلى على رسول الله ﷺ ، ثم بدأ في وعظ الناس الذين أخذتهم الدهشة، وتملكهم العجب، وظنوا أن ما يرونه هو فقرة فكاهية! فلما عرفوا أنهم أمام شيخ يعظهم، أخذوا يسخرون منه، ويرفعون أصواتهم بالضحك والاستهزاء وهو لا يبالي بهم، واستمر في نصحه ووعظه، حتى قام أحد الحضور وأمرهم بالسكوت والإنصات حتى يسمعوا ما يقوله الشيخ. قال: فبدأ السكون والهدوء يخيم على أنحاء المرقص حتى أصبحنا لا نسمع إلا صوت الشيخ، فقال كلاماً ما سمعناه من قبل، تلا علينا آيات من القرآن الكريم، وأحاديث نبوية، وقصصاً لتوبة بعض الصالحين. وكان مما قاله: أيها الناس! إنكم عشتم طويلاً وعصيتم الله كثيراً، فأين ذهبت لذة المعصية؟ لقد ذهبت اللذة وبقيت الصحائف سوداء، ستسألون عنها يوم القيامة، وسيأتي يوم يهلك فيه كل شيء إلا الله . أيها الناس! هل نظرتم إلى أعمالكم إلى أين ستؤدي بكم؟ إنكم لا تتحملون نار الدنيا وهي جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم فكيف بنار جهنم؟! بادروا بالتوبة قبل فوات الأوان. قال: فبكى الناس جميعاً وخرج الشيخ من المرقص وخرج الجميع وراءه، وكانت توبتهم على يده، حتى صاحب المرقص تاب وندم على ما كان منه. هذا ما تيسر ذكره من بيان بعض المواقف التي كانت بداية لهداية كثير من الناس، فعلينا أن نجدد العهد مع الله ﵎، وأن نتذكر قول النبي ﷺ : (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم). وعلينا أن نذكر أنفسنا بهذه الآية العظيمة التي كانت سبباً في بداية الهداية لكثير من عباد الله الصالحين، هذه الآية التي خاطبت خير أمة أخرجت للناس: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد:١٦ - ١٧]. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 70

تلخيص مناسك الحج الحج فريضة الله على من استطاع إليه سبيلاً، وعلى المسلم قبل أن يحج أن يتعلم أحكام الحج وآدابه، وما ينبغي فعله أو تركه من الأعمال، وفي هذه المادة تلخيص مفيد لما يتعلق بآداب السفر إلى الحج، والإحرام له، والطواف فيه.

стр. 71

آداب السفر إلى الحج الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. نشرع في تلخيص المناسك -مناسك الحج والعمرة- ونحيل التفاصيل في الفروع الفقهية إلى درس السبت والخميس إن شاء الله. فالمقصود اليوم تبسيط المناسك بصورة عملية بحيث تسعف من يتعجل للسفر في هذه الأيام. وأول ما ينبغي الكلام فيه: آداب السفر إلى هذه الفريضة.

стр. 72

آداب التهيؤ للسفر فأول آداب السفر: أن يشاور الإنسان من يثق بدينه وعلمه وتقواه في أمر سفره، وأيضاً: أن يستخير الله ﵎ في هذا السفر، وذلك إذا لم يكن السفر فريضة. من آدابه أيضاً: أن يعزم على التوبة والرجوع عن جميع المعاصي والمخالفات، وأن يرد المظالم إلى أصحابها، فإن كان غصب مالاً أو اغتاب رجلاً، أو أخذ أي نوع من المظالم من صاحبها فعليه أن يرد هذه المظالم. ثم أيضاً: يقضي من ديونه ما أمكنه أو يستأذن صاحب الدين عليه. أيضاً من هذه الآداب: أن يرد الودائع إن كان عنده ودائع يحفظها للناس فيردها إلى أصحابها، حتى إذا قبض أو مات في سفره لم يطالب بها أمام الله. أيضاً: يطلب المسامحة خصوصاً ممن كان يكثر مصاحبته ومعاملته من زوجة ووالدين وغيرهما. أيضاً: يكتب وصيته إن كان له مال يوصي به، ويشهد عليها، بشرط ألا تزيد على الثلث، وأن يؤديها إلى أقاربه الذين لا يرثون، أو إلى جهة من جهات الخير. يوكل من يقضي عنه من ديونه ما لم يتمكن من وفائه. أيضاً: يترك لأهله نفقتهم إلى حين عودته، وأن يجتهد في إرضاء والديه، وتجتهد المرأة إذا سافرت في إرضاء زوجها والتوثق من مسامحته. من ذلك أيضاً: الاستكثار من الزاد والنفقة بنية مواساة المحتاجين ممن يصحبونه أو يلقاهم في سفره. كذلك ترك المماحكة والمشاجرة والخلاف، وعدم المسامحة في البيع والشراء. أيضاً من هذه الآداب: أن يختار الصحبة الصالحة كما قال بعض الناس: الرفيق قبل الطريق، فينبغي أن يختار ويتحرى في الصحبة التي تصحبه في الحج، فيختار الرفيق الموافق الذي يؤثر على نفسه، ويحرص على راحة من يرافقه، ويا حبذا لو كان من أهل العلم أو ممن عنده علم بحيث يذكره إذا نسي، ويعينه إذا ذكر. من ذلك أيضاً: أن يؤمر القوم عليهم أميراً للسفر، لقوله ﷺ : (إذا كانوا ثلاثة في سفر فليؤمروا عليهم أحدهم). كذلك أيضاً: أن يحصل وسيلة مواصلات قوية ومريحة.

стр. 73

فقه الحج والعبادات وآداب الرفقة من هذه الآداب: أن يتعلم فقه الحج، وعلى الأقل يتعلم ما يصح به حجه، وما يفسد الحج، وكيف يتجنبه وهكذا، فيجب أن يتعلم من الفقه ما يصحح به عبادته ومناسكه، وأيضاً يتعلم من الفقه ما يحصل به النوافل، وما يزيد الحسنات ويضاعف الثواب في مثل هذه التجارة العظيمة، وفي مثل هذه المواضع المشرفة، فإن عجز عن ذلك فإنه يستصحب كتاباً شاملاً لمناسك الحج؛ بحيث يدمن ويداوم على مطالعته أثناء سفره ما بين الوقت والآخر حتى يستوثق من أداء المناسك على وجهها، أو يصطحب عالماً يرجع إليه كلما احتاج. من ذلك أيضاً: أن يجتهد في العبادة والذكر، وأن يتفرغ لهما في هذه الرحلة. من آداب السفر عموماً: أن يسافر يوم الخميس مبكراً؛ فإن النبي ﷺ كان أكثر ما يسافر يوم الخميس، أما مبكراً فلقوله ﷺ : (اللهم بارك لأمتي في بكورها). ويستحب المشي في السفر ليلاً؛ لقوله ﷺ : (عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل). من آداب هذا السفر: التقشف والرق، فيتجنب الإنسان تحصيل الشهوات ولو كانت مباحة كالطعام الزائد، والملابس الفخمة، والاهتمام بالمظهر، بل ينبغي أن يكون متقشفاً، ويتجنب الزينة والتبسط في الطعام والشراب وغير ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال لأصحابه ﵃: (أتدرون من الحاج؟ الحاج الشعث التفل) الشعث: الذي تفرق شعر رأسه، لأنه لا يهتم بمظهره ولا بهذه الأشياء، والتفل: الذي لا يضع طيباً ولا بخوراً ولا مثل هذه الأمور. أيضاً من آداب السفر: حسن الخلق مع الناس، لقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣] ومنها: تجنب المخاصمة والمخاشنة، ومزاحمة الناس، بل ينبغي أن يكون الإنسان منضبطاً، ولا يكون سلوكه في حال إحرامه وفي حال انطلاقه في هذا السفر المبارك مثل سلوكه في دار الإقامة، لأنه صار في حالة تلبس بعبادة من أعظم العبادات ينبغي أن ينزهها عن جميع المخالفات؛ لقوله ﵎: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] كما سنبين إن شاء الله، فنهى الله ﵎ عن الرفث والفسوق والجدال. والرفث: هو النطق بالكلام الذي يتعلق بالجماع، وقيل: هو ذكر أحوال هذا الأمر ما بين الرجل وبين أهله، ومواجهة النساء بذلك. والفسوق: هو جميع المعاصي من الخروج عن طاعة الله. ((وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)) أي: لا مماراة ولا مخاصمات ومجادلات تفضي إلى قسوة القلوب وإلى التفرق والشتات، فينبغي على الإنسان أن يكون منضبطاً. والتلبس بالمعاصي ينقص ثواب الحج جداً، ويكفي أن التلبس بالمعاصي يحرم الإنسان من الثواب العظيم على الأقل، وهو الثواب الذي ورد في قوله ﷺ : (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) أو كما قال ﷺ ، فإذا وقع في الرفث أو الفسوق أو أي شيء من المعاصي فإنه يقدح في استحقاقه لهذا الثواب العظيم، فينبغي لهذا الإنسان أن يكون متيقظاً حذراً من وقوع المخالفات. بل من العلماء -وهو الإمام ابن حزم ﵀ من أبطل حج من رفث أو فسق في حجه، فينبغي الاحتياط الشديد في ذلك.

стр. 74

أذكار السفر وما يتعلق بذلك من ذلك أيضاً: أن يحافظ على الأذكار؛ سواء الأذكار الموظفة أو الأذكار المطلقة، فإن هناك أذكاراً قيدت بوظيفة معينة ينبغي على الإنسان أن يحافظ عليها، فيستحب للمسافر عموماً أن يواظب على نفس الأذكار التي تستحب للمقيم في الليل والنهار، واختلاف الأحوال، كالأكل والشرب، وعند النوم، وعند الاستيقاظ، وعقب الصلاة، وغيرها من الأذكار الموظفة. أما المسافر فيزيد أذكاراً أخرى منها: أنه يودع حينما يودع من يكونون في وداعه يقول لهم: (أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه)، وفي بعض روايات الحديث: (أستودعكم الله الذي لا تخيب عنده الودائع) ففي الحديث: (إن الله إذا استودع شيئاً حفظه) فلا ينسى الإنسان أن يستودع الله أهله وبنيه وكل من يكونون في وداعه بهذا الدعاء كما كان يفعل النبي ﷺ ، ويقول المقيم للمسافر: (أستودع الله دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك). أستودع الله: أي أتركها وديعة عند الله، وهي ثلاثة أشياء: دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك. المقصود بالأمانة هنا: أهله ومن يخلفه، وماله الذي يتركه عند أمينه، وذكر الدين هنا، فقال: (أستودع الله دينك) أي: أن يحفظ عليك دينك، ويبقى عنده وديعة لا تضيع في السفر؛ لأن السفر مظنة المشقة، فربما كانت هذه المشقة سبباً لإهمال بعض أمور الدين والتفريط فيها، فلذلك خص هذا الأمر قبل كل شيء. قوله: (وخواتيم) جمع خاتمة، وهي: ما يختم به العمل، أي: يكون آخره، ودعا له بذلك لأن الأعمال بخواتيمها، كما قال ﷺ : (إنما الأعمال بالخواتيم) فلذلك اهتم بهذه الثلاث: دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك. وحينما يبعد الإنسان ولا يكون تحت رقابة القوم الذين يعرفونه ويعرفهم، ربما كان الشيطان عليه أقوى، فلذلك سمي السفر سفراً؛ لأنه يسفر عن حقيقة أخلاق الشخص وطباعه، فيحتاج إلى توفيق من الله وعصمة؛ حتى لا يتردى مهاوي المخالفات. أيضاً يقول المودع للمسافر بعد أن يقول: أستودع الله دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك؛ يقول له أيضاً: زودك الله التقوى، وغفر ذنبك، ويسر لك الخير حيثما كنت، وقد قال رجل للنبي ﷺ وهو مسافر: (زودني، فقال: زودك الله التقوى. قال: زدني. قال: وغفر ذنبك. قال: زدني. قال: ويسر لك الخير حيثما كنت) ثم يقول المودع للمسافر: (عليك بتقوى الله، والتكبير على كل شرف). الشرف: هو ما علا من الأرض، فهذه أيضاً كانت وصية النبي ﷺ للمسافر. وإذا كان سفر حج أو عمرة يقول له المقيم: ادع الله لنا بخير، فإذا ولى المسافر وانطلق دعا له المقيم قائلاً: اللهم اطوله البعد، وهون عليه السفر؛ لأن السفر قطعة من العذاب كما قال ﷺ . فإذا أراد ركوب دابته، أي: إذا أراد المسافر أن يركب المركوب فوضع رجله في الركاب يقول: باسم الله. وإذا كانت سفينة قال: كما قال نوح ﵇: ﴿بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود:٤١] أي: أن مجراها باسم الله ومرساها، وهو منتهى سيرها كذلك. وأيضاً يدعو كما دعا نوح ﵇ لما ركب الفلك: ﴿رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [المؤمنون:٢٩]. فإذا استوى واستقر على ظهر ما يركبه يقول: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٣ - ١٤] (مقرنين) أي: مطيقين أو مقتدرين عليه، فنحن ما كنا نطيق قهر هذه الدابة واستعمالها لولا تسخير الله تعالى إياها لنا. الإنسان إذا ركب جملاً فقوة الجمل لا تخفى، وإذا غضب الجمل وطاش كانت شدته وصعوبته عظيمة، فمن الذي ذلل الجمل بحيث يقوده طفل صغير؟ إن الذي ذلله هو الله ﵎، فنحمد الله على هذه النعمة، خاصة إذا كانت هناك نعم أعظم وأعظم، كركوب الطائرات أو السيارات أو ما إلى ذلك من الوسائل الحديثة التي وفرت الراحة، وهي من نعم الله ﵎ علينا، فنشكر الله على هذه النعمة وهذا التيسير! فيقول: الحمد لله، ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٣ - ١٤]، الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. النبي ﷺ لما علمهم هذا الدعاء ضحك بعدما قال: (سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فقال له أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: يا رسول الله! من أي شيء ضحكت؟ فقال: إن ربك سبحانه يعجب من عبده إذا قال: اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري). ويقول أيضاً: (اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا بنصحك واقلبنا بذمة، اللهم اطو لنا الأرض، وهون علنيا السفر) الذمة: العهد، والذمام العهد والأمان، اللهم اقلبنا: أي: أرجعنا إلى أهلنا (بذمة) أي: بعهد وأمان وضمان منك أن نعود آمنين سالمين. ويقول: (اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل)، وعثاء السفر: شدته ومشقته وتعبه. (وكآبة المنظر) الكآبة: هي الحزن والتغير والانكسار من مشقة السفر، وما يحصل على المسافر من الاهتمام بأموره. (وسوء المنقلب) سوء الانقلاب إلى أهله بعد السفر، وذلك بأن يرجع مهموماً أو منقوصاً ومهموماً بما يسوءه، فيتعوذ الإنسان من سوء المنقلب. ويقول أيضاً: (اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في الأهل والمال) الحور: هو النقصان والرجوع، والكور أو الكون المقصود به: الرجوع من الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعة إلى المعصية، أي: الرجوع من شيء إلى شيء من الشر، أو الرجوع من الاستقامة والزيادة إلى الاعوجاج والنقص، فهذا معنى الكون في قوله: (أعوذ بك من الحور بعد الكون)، ومن رواه بالراء (أعوذ بك من الحور بعد الكور) فالمقصود به هنا: الزيادة، مأخوذ من تكوير العمامة، فكلما كورها زادت، والمقصود التعوذ من الانتقاص بعد الزيادة والاستكمال، ورواية الكون معناها مأخوذ من الاستقرار والثبات، فالمراد التعوذ من النقصان والتغيير بعد الثبات والاستقرار حتى لا يتحول قلبه وينقص في دينه. وإذا علا الثنايا كبر، وإذا هبط سبح: أي: إذا ارتفع فوق جبل يكبر، وإذا هبط في الوديان يسبح، فأولى إذا ركب الطيارة أن يكثر من التسبيح، وإذا عثرت دابته، أو تعطلت السيارة أو شيء من هذا يقول: باسم الله. وإذا نزل منزلاً قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه إذا قال ذلك لن يضره شيء، ولما كان لا يجوز وصف أي شيء من كلام الله بالنقصان تعوذ ﷺ بكلمات الله التامة؛ لأنها ليس فيها نقصان ولا عيب كما يكون في كلام الآدميين، وقيل: معنى (التامات) أن ينتفع بها المتعوذ وتحفظه من الآفات. وإذا أتى عليه السحر وهو الجزء الأخير من الليل قال: (سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا وأفضل علينا؛ عائذاً بالله من النار) كما كان ﷺ يقول ذلك. (سمع سامع): المقصود فليشهد الشاهد، أو ليسمع السامع وليشهد على حمد الله على نعمه وحسن بلائه. وقيل معناه: انتشر ذلك وظهر، وسمعه السامعون أن نعم الله علينا قد ذاعت وكثرت وترادفت بحيث علم بها الجميع، فسمعها السامعون، وشهد الشاهدون. (وحسن بلائه علينا): المقصود بالبلاء: حسن بلاء النعمة، والبلاء: الاختبار والامتحان، فالبلاء بالقول ليتبين به الشكر، والابتلاء بالشر ليظهر الصبر. (ربنا صاحبنا): أي: احفظنا؛ لأن من صحبه الله لم يضره شيء. (عائذاً بالله من النار): تحتمل وجهين: أحدهما أن يريد: أنا عائذ بالله من النار. أو يقول: أنا متعوذ بالله من النار. فعلى المسافر أن يكثر من الدعاء، وهذا من أهم آداب السفر التي يقصر فيها كثير من الناس؛ لأن النبي ﷺ قال: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده) جعل منهن ﷺ دعوة المسافر، فالمسافر ينبغي أن يكثر من الدعاء؛ لأن دعوة المسافر مستجابة. وعلى المسافر أن يكون على دراية بأحكام الطهارة والصلاة، وما يحتاج إليه من الرخص أو الفقه الخاص بجمع الصلاة، والمسح على الجورب، وهكذا ما قد يحتاج إليه من الأحكام في سفره. فهذا فيما يتعلق بآداب السفر.

стр. 75

تنبيهات تتعلق بالمناسك
следующие страницы →