← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

كتاب (بدع التفاسير) للغماري هناك علم ابتكره الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري ومعروف عنه أنه من أعداء السلفية، وإذا أمسكت كتاباً له ففتش عن شتيمة ابن تيمية، لكن مع ذلك له بحوث جيدة جداً منها هذا الكتاب؛ لأنه في الحقيقة ابتكر هذا الكتاب وليس فيه محاكاة لغيره ممن سبقه، كتاب (بدع التفاسير)، واحذر جداً من أخطائه والمؤاخذات عليه، خاصة فيما يتعلق بالعقيدة السلفية أو نيله من بعض العلماء الأفاضل، لكن مع ذلك هو كتاب فيه فوائد عظيمة.

стр. 1052

أهم الكتب المؤلفة في معرفة الإسرائيليات والموضوعات في التفاسير بالنسبة لمعرفة الإسرائيليات والموضوعات في التفاسير فهناك كتاب للدكتور محمد أبو شهبة (الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير).

стр. 1053

الناسخ والمنسوخ في القرآن، وأهم الكتب المؤلفة في ذلك وبعد ذلك يبقى نوع آخر من علوم القرآن وهو الناسخ والمنسوخ، وهو من أهم العلوم، وهذا الموضوع فيه كلام طويل جداً، وموضوع النسخ فيه نقاش واختلافات، خاصة في العصر الحديث، فكثير من الناس تطاولوا في هذه القضية، واتبعوا كلاماً كثيراً، وهناك كتاب يناقش موضوع النسخ اسمه (نظرية النسخ في الشرائع السماوية) للدكتور شعبان محمد إسماعيل، وهو كتاب جيد. والكتب التي تتناول الناسخ والمنسوخ تستعرض الآيات التي فيها النسخ، وهناك كتب في الناسخ والمنسوخ، ككتاب لـ ابن العربي وجمال الدين البذوري أو ابن الباذري وقتادة بن دعامة وهبة الله بن سلامة وغيرهم، وفي الحقيقة الكلام كثير جداً في موضوع الناسخ والمنسوخ، فهناك آيات كثيرة يزعم أنها فيها ناسخ ومنسوخ وهي ليست كذلك، والإمام السيوطي ﵀ قد اختصرها جداً، ونظمها في قصيدة في صفحة واحدة، هذه القصيدة ضمنها العلامة القرآني الشنقيطي ﵀ كتابه (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن)، وعمل حاشية على قصيدة السيوطي، فالآن يستطيع الطالب أنه يحفظ قصيدة السيوطي ويتقن شرحها للشنقيطي ﵀، فيكون قد جمع علماً في هذا الباب، وهو معرفة الناسخ والمنسوخ، وهو علم أساسي، فيستطيع الطالب أن يحفظ قصيدة السيوطي ويتقن شرحها المكون من صفحتين، فهي عبارة عن ثلاث صفحات: صفحة قصيدة، وصفحتان شرح، والله أعلم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1054

الكتب المختارة في بعض علوم القرآن الكتاب المعتمد الذي ننصح به: تفسير المشكل من القرآن العظيم على الإيجاز والاختصار، لـ أبي محمد مكي القيطي، يفضل أن يلحق به كتاب أيضاً عظيم جداً من كتب التراث لا يقل عنه أهمية للإمام بدر الدين بن جماعة وهو: غرر التبيان فيمن لم يسم في القرآن، كلامنا يكمل بعضه بعضاً. لنفرض أن الكتابين غير متوفرين، فما المخرج؟ هناك كتب بسيطة أي كتاب في غريب القرآن، مثلاً: كتاب كلمات القرآن توضيح وبيان، وهو كتيب صغير جداً لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف ﵀، أو: مختصر معاني مفردات القرآن الكريم للشيخ محمد سند الطوخي. أما المرجع في مفردات القرآن الكريم فهناك المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني، مجلد واحد كبير، وهذا المرجع إن تمكن طالب العلم من حفظه واستظهاره فهذا جيد، وإن كان الراغب الأصفهاني يقال إنه شيعي إمامي، لكن الله أعلم بصحة ذلك، لكن الكتاب جيد من حيث اللغة، لكن يكون الإنسان على حذر؛ لأنه أحياناً تشم هذه الرائحة الشيعية في مواضع قليلة جداً. وهناك علم آخر يسمى: مشكل القرآن، أي: الآيات التي يتعارض ظاهرها في نظر من لم يحكم دراسة القرآن وفهمه، يقوم بعض العلماء بتوضيحها والجمع بينها وإزالة هذا الإشكال، فأشهر كتاب ألفه السلف في ذلك هو عبارة عن رسالة هي أوراق قليلة جداً للإمام أحمد بن حنبل ﵀ في الرد على الزنادقة والجهمية. وهناك كتاب قيم جداً في هذا الباب وهو كتاب: "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" للعلامة الشنقيطي ﵀. وهناك علم من العلوم الخطيرة جداً والمهمة، بل يعتبر أهم علوم القرآن هو: علم أحكام القرآن وآيات الأحكام، هذا علم مهم جداً، وهو باختصار: عبارة عن الآيات التي تضمنت أحكاماً فقهية، وأفضل كتاب نرشحه في هذا هو: روائع البيان تفسير آيات الأحكام، للشيخ محمد علي الصابوني، والكتاب عليه مآخذ من حيث تساهله في أحاديث ضعيفة، وعدم إتقانه لتخريج الأحاديث، فهذه مآخذ معروفة لأنه غير متضلع من علم الحديث، لكن كناحية تنظيمية كتاب "روائع البيان" من أحسن الكتب في التنظيم والترتيب وحسن التسهيل في التدريس، فالكتاب الذي يعتمد: "روائع البيان في تفسير آيات الأحكام في القرآن الكريم" للصابوني. وهناك مراجع أخرى يحتفظ بها الإنسان مثل: جامع أحكام القرآن للقرطبي أو لـ ابن العربي، وكذلك: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي رحمه الله تعالى.

стр. 1055

الكتب المختارة في التفسير أخيراً تفسير شامل للقرآن ككل، ما هو التفسير الذي يرشح بأن يدرس كتفسير شامل؟ في هذه المرحلة نحن نركز على أن نختار مصدراً للحجم الأقل بحيث يستطيع الطالب أن يأخذ خلفية في كل العلوم، وبالنسبة لأفضل كتاب تفسير على الإطلاق هو جامع البيان في تفسير آيات القرآن للإمام الطبري، والإمام الطبري شيخ في السنة على الإطلاق، وأفضل كتاب في الإسلام كله في تفسير القرآن هو كتاب الإمام ابن جرير الطبري وقد حققه العلامة أحمد شاكر لكن لم يتمه للأسف الشديد، لكن دراسته تحتاج وقتاً طويلاً، ويحتاج إلى بداية مبكرة عن البداية التي يبدأ منها أغلب الإخوة. بالنسبة للمرجع المختار في موضوع التفسير الشامل للقرآن بحيث إذا أنهيته تنتقل إلى مرحلة أعلى منها -فهناك مرحلة أولى من كل علم وبعد ذلك مرحلة أخرى- هو: تفسير الجلالين للجلال السيوطي والجلال المحلي، وهو كتاب جيد وميسر للفهم، ويكفي أنه شرح في مجلدات، وكل كلمة فيه موضوعة بهدف وبدراسة، ليس مسألة عشوائية، فهو تفسير مركز جداً بحيث يصلح أنك تحفظه، تحفظ التفسير وتتقنه. وهناك بعض المؤاخذات على تفسير الجلالين: أولاً: وجود أحاديث ضعيفة فيه. ثانياً: تأويل الآيات والصفات بما يخالف منهج السلف رحمهم الله تعالى. ثالثاً: وجود بعض الإسرائيليات. فاحذر من هذه الثلاث، وقد حاول كثير من العلماء تهذيبه حتى يخلو من هذه المآخذ، ويكون صافياً نقياً، وأنجح محاولة حتى الآن قام بها القاضي محمد كنعان، وهو موجود في مجلد واحد كبير يسمى: قرة العينين على تفسير الجلالين، وهو موجود متوفر، فهذا التفسير شامل لكل القرآن بإيجاز، فهو يجمع أحياناً بين أشهر القراءات فيعطيك فائدة في معرفة القراءات، ويعطيك أحياناً أسباب النزول، وأحياناً يذكر أحاديث في تفسير الآيات، وكذلك توضيح غريب اللغة، والربط بين الآيات بعضها ببعض، وقرة العينين مع تفسير الجلالين هذا أفضل لصغر حجمه وتركيزه، وهناك أيضاً كتاب مدرسي يفيد جداً لو أن مجموعة تأخذ التفسير كدراسة في معهد في مدرسة أو في مجموعات، وهو كتاب: أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير لفضيلة الشيخ أبي بكر جابر الجزائري حفظه الله تعالى، في كتاب مدرسي، خاصة إذا كان الإنسان يحفظ فقرة ثم يدرس تفسيرها بمنتهى البساطة. أو تفسير القرآن العظيم لـ ابن كثير؛ لأن تفسير ابن كثير يعتبر تلخيصاً لتفسير ابن جرير الطبري وزاد عليه فوائد كثيرة، فإذا كنت تدرس كتاباً أكبر أو فرغت من مرحلة قرة العينين على تفسير الجلالين، فليكن تفسير القرآن العظيم لـ ابن كثير أو أحد مختصراته، وأفضل مختصر لـ ابن كثير على الإطلاق هو: عمدة التفاسير أو عمدة التفسير للعلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى، فهو أروع اختصار على الإطلاق، وقد حافظ فيه على روح ابن كثير، فالاختصار لم يخل بروح المؤلف الأصلي، وصدر منه للأسف فقط خمسة أجزاء، فيمكن للطالب أن يدرس أولاً هذه الخمسة الأجزاء الأولى للشيخ أحمد شاكر ثم يتم ذلك بمختصر آخر، ولعل أيسرها: تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير، للشيخ محمد نسيب الرفاعي ﵀، لكن الشيخ ﵀ اشترط في مقدمة التفسير أنه اقتصر على الصحيح، ولم يوفق في هذا، فكثير من الأحاديث التي يرمز لها بالصحة أو الحسن تكون ضعيفة! فإما أن تدرس تفسير ابن كثير أو أحد مختصراته كما أشرنا، أو تدرس أيضاً تفسيراً نقياً جداً في الحقيقة هو محاسن التأويل للقاسمي، والحقيقة أنك إذا قرأت في محاسن التأويل تشعر أنك تقرأ في حوالي عشرة أو عشرين مرجعاً، فعنده ﵀ القدرة على الجمع وامتصاص الرحيق من الأزهار في التفاسير الأخرى ويضمها، وأحياناً يتوسع في بعض البحوث فيخرج بحثاً مفيداً جداً. إذاً يمكن الاقتصار إما على تفسير القرآن العظيم لـ ابن كثير في هذه المرحلة، أو على محاسن التأويل للقاسمي. هذا فيما يتعلق بأهم الكتب التي نرشحها فيما يتعلق بعلوم القرآن، والكتب كثيرة جداً، فلا يعترض أحد بأن بين الكتب الأخرى كتباً بديلة؛ لأن هذا تنبيه على بعض الأنواع، فقد يكون نفس الكتاب وقد يكون ما يقوم مقامه، إذاً هذه أسماء الكتب المرشحة فيما يتعلق بعلوم القرآن، وفيما بعد سيأتي الكلام على موضوع المنهجية والمرحلية. أولاً: التبيان في آداب حملة القرآن، القواعد الذهبية لحفظ القرآن الكريم، دليل الحيران لحفظ القرآن، تنبيه الحفاظ بالآيات المتشابهة في الألفاظ، حفظ تحفة الأطفال، دراسة بغية الكمال، شرح تحفة الأطفال، حفظ الجزرية، دراسة فتح المريد في علم التجويد، لمحات في علوم القرآن لهذا التفسير، أصول التفسير وقواعده، قصيدة السيوطي في الناسخ والمنسوخ وشرحها للشنقيطي، تفسير المشكل من القرآن العظيم لـ مكي القيطي، قرة العينين على تفسير الجلالين للشيخ القاضي محمد كنعان، دراسة روائع البيان في تفسير آيات الأحكام للصابوني. ولا تزال عندنا بعض التنبيهات فيما يتعلق بهذا الموضوع.

стр. 1056

المنهج العلمي [٢] كثير هم أولئك الذين يقبلون على طلب العلم أو يتفرغون له، ولكن القليل منهم من يحسن سلوك طرائقه ودخول أبوابه، وذلك بحفظ أهم المتون في أغلب العلوم والفنون، والتدرج في أخذ العلم والتريث فيه، والتلقي عن أهل العلم الذين يحلون له ما أعضل ويوضحون له ما أشكل. فعلى الطالب الصبر والاجتهاد والتدرج، فمن رام العلم جملة ذهب عنه العلم جملة، فإنما يؤخذ العلم على مر الأيام والليالي، كما يحسن بطالب العلم أن يختار الكتب المفيدة في كل فن من الفنون.

стр. 1057

فضائل الصيام عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يسخط، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه). وفي رواية لـ مسلم: (كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) يعني: لا حد لمضاعفته، (يدع شهوته وطعامه من أجلي، وللصائم فرحتان: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك). قوله في هذا الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم) له يعني له أجر محدود ومعين، الحسنة بعشرة أمثالها، أو تضاعف إلى سبعمائة ضعف (إلا الصوم) يعني: أجره غير محدود (فإنه لي وأنا أجزي به) فأجره بدون حساب، والذي يؤيد ذلك الرواية التي في صحيح مسلم: (كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم) فيدل على أن المستثنى هنا هو هذه المضاعفة، ثم قال ﵊: (والصيام جنة) الجنة من الوقاية يقي الإنسان عذاب الله ﵎، (والصيام جنة) أي: يقي صاحبه مما يؤذيه من الشهوات، أو يقي صاحبه عذاب النار، (فإن كان أو فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث) الرفث: النطق بالكلام الفاحش، (ولا يسخط، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم إني صائم) يحتمل أنه يقوله بلسانه حتى يذكر هذا الشخص الذي يؤذيه بحرمة هذا الشهر فيزدجر ويراعي حرمته، وإلا فيحدث بها نفسه حتى يمنعه ذلك من مشاتمته، يعني: يقول بينه وبين نفسه: إني صائم إني صائم، حتى يزجر نفسه عن أن يقابله بالمثل، أو يرفع بها صوته حتى ينزجر الشخص الآخر ويتذكر حرمة الصيام: (والذي نفس محمد بيدي لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) هذه الرائحة المتغيرة التي تخرج من المعدة وتكون في فم الصائم، هذه عند الله ﵎ أطيب من ريح المسك. (للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره) وهذا فرح فطري، فرح طبيعي أن الإنسان إذا جاع أو عطش فوجد الطعام والشراب فإنه يفرح بذلك فرحاً فطرياً، (وإذا لقي ربه فرح بصومه) يعني: إذا عاين ثواب هذا الصيام. وفي حديث الحارث الأشعري مرفوعاً إلى النبي ﷺ قال: (وآمركم بالصيام، ومثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة مسك كلهم يحبُّ أن يجد ريحها، وإن الصيام أطيب عند الله من ريح المسك). وعن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن في الجنة باباً يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد)، وفي رواية: (ومن دخله لم يظمأ أبداً). وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الصيام جنة يستجن بها العبد من النار). وعن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال له: (ألا أدلك على أبواب الخير؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول ﷺ قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه قال: فيشفعان). وعن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ بعث أبا موسى على سرية في البحر، فبينما هم كذلك قد رفعوا الشراع في ليلة مظلمة إذا هاتف فوقهم يهتف -سمعوا الصوت ولم يروا شخصاً-: يا أهل السفينة! قفوا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه. فقال أبو موسى ﵁: أخبرنا إن كنت مخبراً. قال: إن الله ﵎ قضى على نفسه أنه من أعطش نفسه له في يوم صائف يوم حر سقاه الله يوم العطش)، والجزاء من جنس العمل، وهذا حديث حسن. وعن حذيفة ﵁ قال: أسندت النبي ﷺ إلى صدري فقال: (من قال: لا إلا الله ختم له بها دخل الجنة، ومن صام يوماً ابتغاء وجه الله ختم له به دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة). وعن أبي أمامة ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! مرني بعمل؟ قال: عليك بالصوم فإنه لا عدل له. قلت: يا رسول الله! مرني بعمل؟ قال: عليك بالصوم فإنه لا عدل له)، وفي رواية: (فإنه لا مثل له). وقال ﵊: (ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله تعالى إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً). هذا فيما يتعلق بفضل الصيام عموماً.

стр. 1058

فضائل شهر رمضان أما الترغيب في صيام رمضان خصوصاً إيماناً واحتساباً، وقيام ليله وقيام ليلة القدر، فقد جاء في فضل ذلك أحاديث كثيرة منها: قوله ﷺ : (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). وعن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة، ثم يقول: من قام رمضان إيماناً واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) يعني: من قام كل رمضان رغبة في الثواب من عند الله ﵎ لا مستثقلاً ولا متضجراً. وقال ﵊: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر). وعن كعب بن عجرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (احضروا المنبر فحضرنا، فلما ارتقى درجة قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: آمين، فلما نزل قلنا: يا رسول الله! لقد سمعنا منك اليوم شيئاً ما كنا نسمعه، قال ﵊: إن جبريل عرض لي فقال: بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له - دعا عليه بالإبعاد - قلت: آمين) (بَعُدَ) يعني: بعداً وشقاءً لمن أدرك رمضان ووافته هذه الفرصة ثم مر رمضان ولم يغفر له، يعني: أنه لم ينتهز هذه الفرصة الثمينة ولم يغتنمها حتى مر رمضان ولم يغفر له، أي: أن هذا الإنسان مفرط غاية التفريط إذ فاته رمضان دون أن يغفر له، ورمضان فرصة ذهبية ليبدأ الإنسان فيها صفحة جديدة من التوبة والاستقامة، فهي فرصة لكل الناس وسوق مفتوح لكل من يريد أن يربح؛ فلذلك دعا النبي ﵊ بالإبعاد والمهلكة في حق من أدرك رمضان ولم يغفر له، قال: (فلما رقيت الثانية قال -بعد يعني جبريل-: بعد من ذكرتَ عنده فلم يصل عليك ﷺ فقلت: آمين، فلما رقيت الثالثة قال: بعد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قلت: آمين). وقال ﷺ : (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة)، ففي كل ليلة هناك طائفة من المسلمين يعتقها الله ﵎ من النار، ويحكم عليها بالنجاة والبراءة من النار، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم وسائر المسلمين منهم. فالمنادي ينادي ونحن لم نسمعه، ولكن الصادق المصدوق أخبرنا أنه يقول: (يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر) فكل من نوى شراً في رمضان فعليه أن يقصر وأن يتوقف عن هذا الشر ويحترم ويراعي حرمة هذا الشهر، حتى لا يعكس ما وظف له هذا الشهر، فهذا الشهر شهر الانقطاع عن الشهوات وليس شهر الشهوات والطعام! هذا شهر حبس النفس عن الغضب والانفعال وليس شهر الضجر وسوء الخلق مع الناس، ثم إذا أصبت بذلك تقول: اعذروني فإني صائم! هذا شهر الجهاد والعمل، وليس شهر التكاسل والخمول وهكذا، فالكثير من الناس عكسوا رمضان الذي هو موسم الطاعات والعبادات إلى موسم للهو واللعب والمعاصي. وكان ﷺ قد قال للصحابة ﵃ عشية أول ليلة من رمضان: (أتاكم شهر رمضان شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم). وعن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لله عند كل فطر عتقاء). وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله ﵎ عتقاء في كل يوم وليلة - يعني في رمضان - وإن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة) لكل مسلم في كل يوم وليلة من رمضان دعوة مستجابة، وهذا صحيح.

стр. 1059

الوعيد في حق من ترك صيام رمضان أما الوعيد في حق من يضيع صيام رمضان فعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بينا أنا نائم أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأتيا بي جبلاً وعراً فقالا: اصعد فقلت: إني لا أطيقه، فقالا: إنا سنسهله لك، فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات شديدة قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عواء أهل النار، ثم انطلق بي فإذا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دماً، قال: قلت: من هؤلاء؟ قالا: الذين يفطرون قبل تحلة صومهم) أي: يتعجلون الإفطار قبل أذان المغرب قبل أن تغرب الشمس، كأنهم يصومون كل اليوم ثم يتعجلون في الإفطار قبل دخول وقت المغرب، فكيف يكون حال من لا يصوم أبداً، لا قبل تحلة الإفطار ولا غير ذلك، فلا شك أن هذا من أقبح الكبائر التي لا تليق بمن ينتسب إلى هذا الدين؛ ولذلك كما ذكر العلماء: أن من أفطر عامداً كان تفويته لهذا الصيام من كبائر الذنوب، من يفطر في رمضان متعمداً، وعند بعض العلماء أن من ترك صوم رمضان بلا عذر فهو أشر من الزاني ومدمن الخمر، بل يشكون في إسلامه وينسبونه إلى الزندقة والانحلال. هذه بعض الأحاديث الثابتة في فضيلة الصيام عموماً، وفي فضيلة صيام شهر رمضان خصوصاً. فهذه فرصة لكل إنسان مهما بلغ من المعاصي أو التفريط في حق الله ﵎، يمكن أن تكون هذه بداية جديدة في السير إلى الله ، مهما كان ما مضى من المعاصي أو من التفريط في جنب الله، فالمحسن فيما مضى عليه أن يزداد إحساناً، والمسيء عليه أن ينزجر ويغتنم هذه الفرصة العظيمة.

стр. 1060

إثبات دخول شهر رمضان نضطر في بداية كل رمضان تقريباً منذ عدة سنوات إلى التنبيه على هذا الموضوع المتعلق بالرؤية، والأحاديث في تعليق ثبوت دخول شهر رمضان على الرؤية البصرية معلومة، كقوله ﷺ : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، والمقصود: الرؤية البصرية، والعلة الشرعية للأحكام لا تعلم إلا من قبل الرسول ﵊، فالعلة الشرعية هي: الرؤية البصرية وليست الرؤية العلمية، أو كما يقول المبتدعة: الحساب الفلكي، فالعبرة -كما أشرنا إلى هذا من قبل بالتفصيل- بالرؤية البصرية. والعلماء اختلفوا: هل لكل جهة من جهات البلاد الإسلامية المتباعدة مطلع خاص بالنسبة لرؤية الهلال؟ القائلون بتعدد المطالع لهم أدلة، والقائلون بتوحيدها لهم أدلة، والقضية ليست بهذه الخطورة، لكن كلا الفريقين متفقون على أن المعتمد هو الرؤية البصرية، حتى وإن قالوا بتعدد المطالع.

стр. 1061

لا ينبغي الاختلاف في ثبوت دخول رمضان وقد نبتت طائفة ممن شذوا عن إجماع السلف الصالح ﵃ وبدءوا ينشرون هذه الفتنة بين وقت وآخر، وهي: الكلام في موضوع الحساب الفلكي والاعتماد عليه، وتقديمه على الرؤية البصرية إلى آخر هذا الكلام الذي يتكرر بصورة موسمية كلما آن هذا الأوان، لكن الذي ينبغي أن نلفت النظر إليه هو أن جميع علمائنا بلا استثناء متفقون على عدم مخالفة المفتي على الأقل في الظاهر، فكل علمائنا يفتون بهذا؛ لأن المخالفة في الظاهر تؤدي إلى فتنة عظيمة جداً بين الناس وإلى بلبلة، والناس في الحقيقة غير محتملين لمزيد من البلاء، يكفيهم التشنيع والحملات الصحفية والإعلامية على الدعوة الإسلامية، وعلى الدعاة إلى الله ، وعلى الملتزمين بدينهم، فلا نريد مزيداً من التشنيع، فعلماؤنا ينصحون بأن الإنسان في مثل هذا الوقت لا يخالف على الأقل في الظاهر، ينقسمون فرغم أن المفتي يقيم فتواه على الحساب الفلكي بصفة أساسية إلا أن كثيراً من أهل العلم يرون متابعته حتى لو كان الأمر على هذا النحو، وهذا قول كثير من العلماء المعاصرين أن يتابع حتى وإن كان مخطئاً في ذلك، بناءً على أن الشهر هو ما اشتهر وعرف بين الناس أنه هو الشهر، ويعتمدون أيضاً على قول النبي ﵌ في الحديث الذي في الترمذي: (الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس) أو كما قال ﷺ . فلابد أن ندرك هذه القاعدة: أن موضوع عدم الجهر بمخالفة المفتي هذا موضع اتفاق بين جميع العلماء، لا يوجد أحد من العلماء أبداً يقول لك: اخرج للناس في الطريق وإذا كانوا صائمين تظهر الإفطار أو العكس، أو تقيم صلاة عيد والأمة بجملتها لا تصلي العيد في هذا اليوم، فينبغي أنه لا يوافق أحد من العلماء على أن يجهر بالمخالفة، غاية ما في الأمر أن من لا يوافق العلماء، أو لا يأخذ بقول العلماء الذين يقولون بموافقة المفتي، أن يكون قلبه غير مطمئن، فهو يرى شرعاً أنه قد هلّ هلال رمضان، وصام هذا اليوم من رمضان وقلبه لا يطيق، إذاً يكون هذا مسلكاً شخصياً في السر لا يجهر بالمخالفة ولا يدعو أحداً إلى ذلك، فله أن يقوم الليل مثلاً لأن هذا في اعتقاده أول ليلة من رمضان، يقوم الليل مع أهله في بيته ولا يجهر بالمخالفة، كذلك في نهاية رمضان، حتى نفوت على أعداء المسلمين وأعداء الأمة هذا الغرض الخبيث، وهو المزيد من التمزيق لنفوسنا، وإحلال الحزن والهم والغم محل الفرحة التي اعتدنا عليها منذ شرف الله بلادنا بالإسلام، فأنت تشعر بطعم العبودية وطعم التعبد وأنت تجلس وتنتظر هل غداً سيحرم علينا الطعام والشراب أم لا؟ ماذا سيحكم الله علينا في الطعام والشراب الذي هو حلال لنا في نهار اليوم ثم غداً يكون حراماً بحكم الله ؟ فكان هناك طعم للعبودية ولترقب رؤية الهلال! فنجزم جزماً على الإخوة ألا يجهر أحد ولا يدعو غيره، لكن يكون الأمر محدوداً جداً، ولا تظهر المخالفة بأي صورة لعموم المسلمين، فهذا فيما يتعلق بهذا الأمر، أنه من سيوافق المفتي في فتواه وفي منهجه لا تنكر عليه، فإذا كنت غير مطمئن لهذه الفتوى، ويعظم في قلبك أن هذا ثبت بصورة شرعية في أحد البلاد الإسلامية، بالذات التي فيها قضاء شرعي وفيها علماء ثقات وتعظيم لهذا الأمر ومراعاة لحدود الشرع فيه، فإن أخذت بذلك فلا تدع إلى المخالفة، وندعو الله أن يجنبنا الفتن، ويوفق جميع المسلمين في هذا الأمر.

стр. 1062

العلوم الشرعية التي ينبغي أن يلم بها طالب العلم كنا شرعنا في موضوع المنهج العلمي بالنسبة لقراءة الكتب المختارة أو المرشحة في بعض العلوم، ولابد من إتمام الوفاء بالوعد؛ لأن بعض الإخوة لاحظوا أننا معتدلون جداً في هذه المحاضرة من حيث الكلام وعدم التفصيل، وبعض الإخوة اقترح أن يكون ذلك بعد رمضان، لكن مبادرة بالأعمال ووفاء بالوعد فإننا نتم ما بدأناه، ونرجو أن تكون هناك فرصة أخرى لمزيد من التفصيل في هذا الأمر. ونحن نتكلم على العلوم الشرعية التي ينبغي أن يلم بها الإنسان أو الداعية أو طالب العلم، من مثل التفسير وعلوم القرآن، الحديث والسنة، التوحيد والفرق، أصول الفقه، البدع، السيرة، التاريخ والتراجم، الرقائق والأخلاق والآداب الشرعية، اللغة العربية، الفكر والدعوة، هذه عموماً المجالات أو الفروع التي ينبغي الاطلاع عليها بصورة أو بأخرى، وقد تكلمنا عن التفسير وعلوم القرآن وسوف نتكلم الآن إن شاء الله عن الحديث.

стр. 1063

المنهجية في دراسة علم الحديث بالنسبة للحديث هناك قاعدة عامة للطالب عند اختيار الكتب أن يراعي ويتحرى الكتب المحققة والطبعات المحققة، خاصة إذا كان من قام على تحقيقها من أهل العلم المشهود لهم، والذين اشتهروا بالتدقيق في تحقيقهم وبذل أقصى وسعهم.

стр. 1064

عدم الاشتغال بالحديث قبل حفظ القرآن أيضاً: مازال العلماء ينصحون الإنسان أن لا يشتغل بالحديث قبل أن يحفظ القرآن ويولي القرآن اهتماماً، فكان العلماء إذا أتاهم طالب يطلب سماع الحديث سألوه: هل حفظت القرآن؟ فإن قال: لا، أبوا أن يقرءوا عليه أو يسمعوه الأحاديث حتى يفرغ من قراءة القرآن وحفظ القرآن، فإذا جاءهم حافظ للقرآن اختبروه فيه، وحينئذ يبدءون في تسميعه، لكن اليوم في الحقيقة هناك آفة منتشرة جداً: أن بعض الناس يهجرون القرآن تماماً ويركزون فقط على علم الحديث، وليس على كل فروع علم الحديث، إنما في أبواب معينة أو علوم معينة من علوم الحديث، فيركزون عليها ويهملون سائر العلوم بما في ذلك التوحيد أو الفقه أو غير ذلك، وللأسف الشديد ظهر هذا كشعار لمن ينتسبون إلى الدعوة السلفية في كثير من بقاع الأرض، ظنوا أن السلفية هي هذا النموذج! أن يشتغل الطالب ليل نهار في علم الرجال وعلم الحديث ويهجر القرآن تماماً، ويهجر العلوم الشرعية الأخرى بما في ذلك الفقه وغيره من العلوم، حتى وصل الأمر ببعض الناس ممن ينتسبون إلى السلفية أن أنكروا علم أصول الفقه تماماً! والبعض يقول: التجويد هذا ليس له أي أصل، وما نعترف بعلم التجويد وهكذا!! وهذا من الخطأ في فهم هذه المسألة، فالسلف رحمهم الله تعالى كانوا يراعون هذا الأمر، وكانوا يرفضون قراءة الأحاديث على من لم يفرغ من حفظ القرآن الكريم.

стр. 1065

عدم الاشتغال بفروع تخصصية في علم الحديث مع إهمال ما هو أهم منها وكذلك هناك اشتغال بعض الإخوة أحياناً بفروع تخصصية في علم الحديث، وهذه الفروع قد خدمها من هم أعلم منهم وأقدر على خدمتها، لكن ينبغي الاشتغال بالسنة؛ ولهذا نجد الآن بعض الإخوة قد وصل إلى سن الأربعين أو الثلاثين مثلاً وبدأ الآن يحفظ الكتب بأسانيدها، هذا شيء طيب بلا شك، لكن إذا تقدم بك العمر وأنت ما زلت بعد بادئاً مبتدئاً في طلب العلم فلا تضمن امتداد العمر يكون إلى متى، فإذا أنفقت عمرك في حفظ الأسانيد الآن فمتى تنتهي؟ وما جدواها؟! والآن في الغالب يكون بعضهم مسئولاً عن نشاط دعوي معين يُسأل في العلم الشرعي، وهو في سلوكه وفي حياته يحتاج إلى معرفة حكم الشرع في مسائل كثيرة، فإن لم يكن عنده علم ووسائل لطلب العلم في هذه الفروع فإنه سيتكلم بدون علم، فالشاهد: أن هناك فروعاً في علوم الحديث قد كفينا شأنها، ليس المطلوب أن يكون جميع الإخوة طلاب العلم محققين للأحاديث، فالعلماء المحققون متواترون، ولا بأس من التدرب على تصحيح الأحاديث: أن يأخذ حديثاً من الأحاديث وتدرس أسانيده، وتنظر في كتب الرجال والتراجم، وتحاول أن تطبق ما تقرؤه على سبيل التدريب والتجربة، أما أن تستقل بتصحيح وتضعيف الأحاديث وأنت مازلت تخطو الخطوات الأولى في علم الحديث، فهذا ما لا يكون أبداً، وعلى أي الأحوال فإن هذا حديث المتون، ولكن الشاهد أنا قد كفينا ولله الحمد، سواء من علمائنا السابقين، أو العلماء المعاصرين الذين محضوا حياتهم لخدمة الأحاديث وتحقيقها.

стр. 1066

التقليد في تصحيح وتضعيف الأحاديث ليس مذموماً فطالب العلم وخصوصاً من يبدأ متأخراً ربما يكون أقصى ما يحتاجه الآن في الواقع العملي أن يعرف الحديث هل هو حسن أم صحيح أم ضعيف، وهذا يسهل جداً الرجوع إليه من خلال كتب العلماء في ذلك، فالذي يبدأ بهذه الصورة لا يصلح لأن يكون مستقلاً في الحكم على الأحاديث، فعليه أن يقلد، كما قال الحافظ العراقي ﵀ في شأن علم الحديث: ولا تأخذ بالظن، ولا تقلد غير أهل الفن، أي: فن الحديث، فهذا ليس من التقليد المذموم الذي أشرنا إلى ذمه في مسألة الفقه ومخالفة الدليل، لكن هذا من باب قبول خبر العدل؛ لأن الجهبذ مثل الحافظ ابن حجر أمير المؤمنين في الحديث رحمه الله تعالى، حينما يقول في الحديث مثلاً: إنه حسن أو صحيح، فهذا ليس مجرد كلمة تقال، بل هذه خلاصة بحث طويل، وربما سهروا الليالي والشهور وبذلوا جهداً جهيداً في دراسة الأسانيد، وتتبع طرق الحديث، والنظر في السند والنظر في المتن وغير ذلك، حتى توصل في النهاية إلى كلمة (حسن) فهي تساوي أن يخبرك هذا الحافظ أو هذا الإمام: بأني قد تتبعت طرق هذا الحديث وتتبعت رجال الأسانيد، وبحثت عن شروط الصحة والحسن، وانتهيت إلى أنه حديث حسن، فهي كلمة لا تقال جزافاً، وإنما هي ثمرة بحث طويل من ورائها، فهذا من باب قبول خبر العدل، عدل يخبرك بخبر فأنت تصدقه، وليس من باب التقليد المذموم المعروف. فهناك -كما ذكرنا- من العلماء من قدم السنة وسهلها وقربها من هذه الأمة، وما من شك أنه لا يستطيع أي إنسان أن ينكر أو يجحد فضل محدث الديار الشامية العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله تعالى، فعامة طلاب العلم في هذا العصر، بل ومن الخواص أيضاً من هم على كتبه وخدمته العظيمة والجليلة التي أداها إلى سنة رسول الله ﵌، فلا شك أنه جدير بأن يلقب بالفعل بمحدث العصر، بشهادة أئمة العلم وأئمة الهدى في مشارق الأرض ومغاربها، فمصنفات الألباني ما يكاد يستغني عنها أحد، حتى الذين يغيبون الألباني يستدلون من كتبه وإن جحدوا في الظاهر، فقل أن يستغني إنسان عن مؤلفات العلامة الألباني حفظه الله تعالى.

стр. 1067

الكتب المختارة في الحديث وعلومه هناك مجموعة من الكتب في علم الحديث مرشحة إن شاء الله: أولاً: رياض الصالحين، وهو كتاب مبارك، وتظهر في مؤلفات الإمام النووي رحمه الله تعالى علامات إخلاص هذا الرجل، فقد وضع لكتبه نوع من القبول ليس له تفسير إلا أن هذا الرجل كان يبتغي بها وجه الله ، رحمه الله تعالى ورضي عنه، فتتعامل مع كتبه كأنك تتعامل مع كائن حي لا تتعامل مع ورق وحبر، تشعر بروح ونفس لهذا العلامة الجليل في كتبه، وبالذات في هذا الكتاب المبارك الذي وضع له القبول في الأرض وفي كل الأعصار بصورة لا تكاد تتوفر في كتاب آخر مما ألفه العلماء، فرياض الصالحين كتاب أساسي جداً، وينبغي أن يعطى اهتماماً خاصاً، وهناك بعض المساجد في بعض البلاد يومياً بعد العصر لابد أن يقرأ باب في رياض الصالحين، فهذه سنة حسنة ينبغي المحافظة عليها وإحياؤها وتجديدها في الناس، أن يقرأ من رياض الصالحين حتى ولو ثلاثة أحاديث في اليوم تتلى على الناس، ثم شرح مبسط جداً لها يتعلق بسنة النبي ﵌ وهديه، فرياض الصالحين يتربع في قلة كتب السنة الجامعة التي ينبغي الاهتمام بها. ومنها أيضاً: كتاب الترغيب والترهيب للحافظ ابن رجب، وقد حقق العلامة الألباني قسماً كبيراً منه في كتابه: صحيح الترغيب والترهيب. ومنها: جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم، وهو عبارة عن الأربعين النووية، ثم أضاف إليها الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عشرة أحاديث أيضاً، ثم شرحها في هذا الكتاب: جامع العلوم والحِكم، بكسر الحاء لا بضمها؛ لأن بعض الإخوة كانوا معتقلين، وكان أقاربهم يفتشون إذا أحضروا لهم كتباً، فأحد العباقرة قرأها: الحُكم! فمنعوا الكتاب وصادروه، قال: هذا يتكلم عن الحكم!! ومثله أيضاً أن عبقرياً آخر منع الأربعين النووية، قال: هذا يتكلم عن القنابل النووية!! ومنها أيضاً: كتاب مبارك قيم جداً للعلامة الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى هو: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع. وفي هذه المرحلة لابد من حفظ الأربعين النووية، هذا أقل ما ينبغي، ومن القبيح جداً أن الإنسان لا يكون قد حفظ الأربعين النووية، وإذا أضاف إليها العشر الرجبية فتكون خمسين، وهي أحاديث أمهات الإسلام، وبعد حفظ الأربعين النووية، إن وجدت همة واستطعت أن تحفظ رياض الصالحين بعدما تكون حفظت العشر الرجبية فهذا أمر عظيم جداً. ومنها أيضاً: مختصر الشمائل للإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وهو يتكلم باختصار عن شمائل الرسول ﵊ وخصائصه ﵌ وأفعاله وأحواله، وقد حققه العلامة الألباني بهذا الاسم: مختصر الشمائل للترمذي، فهذه كتب عامة في السنة لابد من الإلمام بها: رياض الصالحين، الترغيب والترهيب، جامع العلوم والحكم، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، مختصر الشمائل للترمذي.

стр. 1068

الكتب المختارة في حجية السنة والدفاع عنها وهناك موضوع آخر، أو نوع من القضايا الأخرى في السنة: وهي كتب تتكلم عن حجية السنة والدفاع عنها، وهذا مما نحتاجه في هذا العصر الذي انطلقت فيه كثير من الدعاوى المعادية لسنة النبي ﵌، سواء كانت صدى لبدعة ظهرت في قرون سابقة، أو لبدع حديثة ناشئة، فهذا الموضوع من الموضوعات المهمة جداً: حجية السنة والرد على أعدائها والدفاع عنها، وفي هذا كتب كثيرة لكن نرشح كتابين أساسيين في هذا الموضوع: الكتاب الأول: زوابع في وجه السنة قديماً وحديثاً، للشيخ صلاح الدين مقبول من علماء باكستان، والكتاب طبع هناك لكن ما أظن أنه متوفر هنا، ولكن إن وجد فيكون فيه خير كثير إن شاء الله، وهذه الكتب التي يصعب توفرها لعلنا نجتهد في تدريسها إن شاء الله فيما بعد، والذي يهمنا كثيراً جداً في هذا البحث هو كلمة (حديثاً)؛ لأنه تطرق بجهد جيد جداً للدعاوى الحديثة ضد السنة، وذكر من هؤلاء الناس الذين كان لهم شيء من التخبط في بعض المواقف من السنة الغزالي، وهذا الكتاب قد كتبه قبل أن يطبع كتاب الغزالي المشئوم الأبتر الذي هو: السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، وهو يأخذ على الغزالي مآخذ ويراه في مصاف الذين انحرفوا عن السنة، وهاجموا أحاديث صحيحة قبل أن يطبع، فما بالك لو كان قد طبع. أيضاً انتقد بعض مواقف المودودي رحمه الله تعالى في بعض القضايا في السنة وغير ذلك، فهو استقرأ وتتبع كثيراً من مواقف بعض المشاهير غير الحميدة فيما يتعلق ببعض القضايا المتعلقة بالسنة والحديث. الكتاب الثاني: السنة ومكانتها في التشريع، للشيخ مصطفى السباعي رحمه الله تعالى، فهذان هما الكتابان المرشحان في هذا، وهناك كتب أخرى جيدة لا بأس إن توفر منها شيء بديل فهو يغني، مثلاً: حجية السنة، للشيخ عبد الغني عبد الخالق رحمه الله تعالى فهو كتاب قيم جداً، وكتاب دفاع عن السنة، للدكتور محمد أبو شهبة ﵀، وهناك كتاب السنة قبل التدوين لـ محمد عجاج الخطيب. وهناك رسالة مختصرة ولطيفة الحجم ولكنها تحوي علماً غزيراً في هذه القضية بالذات، وهي: الأضواء السنية للدكتور عمر الأشقر، وقد سبق أن نوهنا أن فضيلة الدكتور عمر الأشقر إذا وجدت اسمه على كتاب فلا تنظر في عنوان الكتاب، إنما خذ الكتاب ما زال اسمه عليه، وإلا تكون قد خسرت خيراً عظيماً، فهو من المؤلفين الذين يجيدون في الكتابات، ولعل القبول الذي وضعه الله لكتبه ناشئ عن الإخلاص إن شاء الله، كما ترون في المجموعة المباركة: مجموعة العقيدة في ضوء الكتاب والسنة، وكتابه المبارك: "مقاصد المكلفين" هو من أروع الكتب في مسألة النيات، وسنتكلم عنه إن شاء الله تعالى. وهناك رسالة للشيخ ناصر الألباني لطيفة الحجم تدعى: الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام، فيما يتعلق بقضية خبر الواحد، وهناك أيضاً رسالة جيدة للشيخ سليم الهلالي تدعى: الأدلة والشواهد على وجوب الأخذ بخبر الواحد. وأخيراً فيما يتعلق بمشكلات الأحاديث: الأحاديث التي أشكل معناها على كثير من الناس كيف يتم التأليف بينها ودفع التعارض عنها؟ هناك كتاب جمعه الشيخ زكريا علي يوسف ﵀ من علماء أنصار السنة يدعى: دفاع عن الحديث النبوي ومشكلات الأحاديث، وهذا الكتاب شطر منه في حجية السنة والدفاع عنها، والشطر الآخر في دفع التعارض عن الأحاديث المشكلة، إذاً حجية السنة والدفاع عنها أيسر من هذه الكتب الأساسية، وبالذات لو أمكن كتاب: زوابع في وجه السنة قديماً وحديثاً، والسنة ومكانتها في التشريع، فنحن نحتاج بعد هذه الزوبعة التي أثارها الغزالي في كتابه: السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث إلى التنبيه لبعض الكتب التي ردت عليه؛ لأن لصوته صدىً عالياً، وأحياناً تنتشر الضلالة فنحتاج للرد عليه، وأشهر كتاب معروف في الرد عليه هو كتاب: حوار هادئ مع الشيخ محمد الغزالي للشيخ سلمان العودة، أو كتاب: "جناية الغزالي على السنة وأهلها" للأخ أشرف عبد المقصود وهو جيد ولا بأس به، أو كتاب: المعيار لعلم الغزالي، لفضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، أو كتاب: أزمة الحوار الديني، وهذا من أفضل الردود للشيخ جمال سلطان، وإلا فهناك عشرات الكتب ألفت في الرد على الغزالي، لكن أوجزها من حيث التركيز والقوة مع صغر حجمها هما هذان الكتابان: المعيار لعلم الغزالي، وأزمة الحوار الديني، لـ جمال سلطان.

стр. 1069

الكتب المختارة في علم مصطلح الحديث بالنسبة للمصطلح: فإنه يحفظ فيه أي متن في مصطلح الحديث، مثلاً: نزهة النظر في مصطلح أهل الأثر" للحافظ ابن حجر العسقلاني، أو " القصيدة البيقونية" أو قصيدة "غرامي صحيح" هي قصيدة في ظاهرها أنها قصيدة غزلية، ولكنها استوعبت أحكام الحديث، أو يحفظ "متن التقريب" للنووي، وفي الحقيقة فإن عامة الكتب التي تناولت علم المصطلح إنما هي فرع على كتاب ابن الصلاح في مصطلح الحديث، فإما اختصروه وإما هذبوه وإما شرحوه، فعامة الكتب الموجودة في المصطلح سواء هذه الكتب التي ذكرناها أو غيرها يدور حول كتاب الإمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى. وهناك ألفية السيوطي، وألفية العراقي، من وجد همة فالباب مفتوح، ولكن هذه من أخصر المتون، لو حفظت البيقونية ودرست شرحها فهذا جيد، أو نزهة النظر، أو غرامي صحيح، أو التقريب للنووي، وعلى حسب الكتاب الذي ستدرسه، فإن كنت مثلاً ستدرس "تدريب الراوي" للسيوطي فتحفظ معه متن التقريب للنووي، كذلك أيضاً كتاب الباعث الحثيث وهو شرح "مختصر علوم الحديث" للحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى كذلك قواعد التحديث للقاسمي، وتوضيح الأفكار للصنعاني، هذه كلها كتب في المصطلحات، إن كان ولابد من كتاب واحد مختصر على الطريقة المدرسية المبسطة والمجدولة، فليأخذ كتاب تيسير مصطلح الحديث للشيخ الطحان، لكن الكتاب الذي يرشح هنا أن يحفظ متن تقريب النووي ويدرس شرحه تدريب الراوي فهذا يكفي، أو نزهة النظر أو الباعث الحثيث -كما ذكرنا- أو قواعد التحديث للقاسمي أو توضيح الأفكار. ويمكن أن تقرأ رسالة موفقة جداً في الناسخ والمنسوخ وهي: إخبار أهل الرسوخ بالناسخ والمنسوخ للإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى.

стр. 1070

الكتب المختارة في علم التخريج ودراسة الأسانيد وهناك فرع آخر من علوم الحديث هو علم التخريج ودراسة الأسانيد، فأول كتاب ألف هو كتاب للدكتور الطحان أيضاً اسمه: أصول التخريج ودراسة الأسانيد للشيخ محمود الطحان، وهو شقيق الشيخ عبد الرحيم الطحان وهناك كتاب آخر اسمه "طرق تخريج أحاديث رسول الله ﷺ ، لكن الكتاب المختار والمرشح في هذا الفن هو كتاب قيم ومفيد جداً، وهو أوسع كتب التخريج كتاب يدعى: كشف اللثام عن تخريج أحاديث الرسول ﵊، ويقع في مجلدين.

стр. 1071

أحاديث الأحكام فرع آخر من فروع علم الحديث: أحاديث الأحكام، كما أن في القرآن آيات الأحكام فهناك كتب متخصصة ألفت في آيات الأحكام، كذلك في السنة هناك أحاديث الأحكام، وهي التي يمكن أن نعبر عنها بفقه الحديث أو فقه السنة؛ لأن البعض يقرأ ويحصل عندهم خلط، فبعض الإخوة إذا قلت له: ماذا تدرس في الفقه؟ يقول لك مثلاً: أدرس سبل السلام أو غيره من كتب أحاديث الأحكام، وأحسن منها دلالة فقه السنة، لكن الذي يحصل في أحاديث الأحكام هو أن الأئمة العلماء يجمعون أمهات الأدلة في المسائل الفقهية المشهورة في طريقة أبواب، ثم يشرحها عالم آخر أو هو نفسه، فهذا الفقه مقيد بفقه السنة مثل آيات الأحكام، فأنت إذا درست آيات الأحكام لا تكون قد ألممت بالفقه كله، وإنما ألممت فقط بالآيات التي تتعلق بالأحكام، كذلك أحاديث الأحكام هناك فرق بين دراسة الفقه، وبين دراسة فقه الحديث أو فقه السنة أو أحاديث الأحكام، فهذا خاص، أما الفقه ككل فهو لا يحتوي فقط على الأحكام من القرآن والأحكام من السنة، إنما يحتوي أيضاً جملة أخرى من الأدلة، سواء كانت أدلة متفق عليها أو أدلة مختلف فيها، هناك قياس، هناك الإجماع، هناك قول الصحابي، سد الذرائع، المصالح المرسلة، شرع من قبلنا وغير ذلك من الأدلة حسب الاختلاف في المذاهب في بعض هذه الأدلة من القرآن أو المذكورة أخيراً. إذاً: الفقه أوسع وأعم من فقه الحديث، أو فقه القرآن، أو آيات الأحكام، أو أحاديث الأحكام، ومن القصور: أن يقتصر في دراسة الفقه فقط على القضايا التي وردت فيها أدلة من القرآن أو أدلة من السنة ولا شك أن هذه أمهات المسائل، والأصول هي: القرآن والسنة، لكن علم الفقه يشمل أوسع من ذلك، يشمل اجتهادات الفقهاء، وحكايات الخلاف والتفريق إلخ. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 1072

الهوية الإسلامية [١] لا عز للمسلمين ولا كرامة إلا بالمحافظة على الهوية الإسلامية المبنية على العقيدة الصحيحة؛ فالمؤمن عزه في عقيدته؛ فعقيدته هي كل شيء بالنسبة له، فهي وطنه وهي أهله ونسبه، سلفه في ذلك أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم.

стр. 1073

حقيقة الهوية الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، لاسيما عبده المصطفى، وآله المستكملين الشرف. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وأحسن الهدى هدى محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فعن أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله تعالى عنها قالت: (كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر؛ لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة ونزل قباء غدا عليه أبي وعمي مغلسين، فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، فأتيا كالّين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى، فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله! ما التفت إلي واحد منهما؛ مع ما بهما من الغم، وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم، والله! قال عمي: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم. قال: فما في نفسك منه؟ فأجاب: عداوته والله! ما بقي). كان حيي بن أخطب وأبو ياسر كلاهما من كبار علماء وزعماء اليهود في المدينة، وحينما قدم النبي ﵌ المدينة ذهبا إليه مغلسين، والغلس هو: الوقت الذي بعد الفجر مباشرة حين يختلط الضوء بظلمة الليل، فذهبا في هذا الوقت المبكر، ومكثا يراقبان رسول الله ﷺ ، فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، فأتيا كالّين ساقطين يمشيان الهوينى في غاية الإرهاق، قالت صفية ﵂: فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله! ما التفت إلي واحد منهما، مع ما بهما من الغم، وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي: أهو هو؟ يعني: أهو النبي المبشر به في التوراة والموصوف في التوراة بالصفات والخصائص المعروفة؟ قال: نعم، والله! يعني: إنه لهو النبي الذي بشرت به التوراة، قال عمي: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم. قال: فما في نفسك منه؟ أي: ماذا عن موقفك؟ قال: عداوته -والله- ما بقيت! وهكذا هم اليهود. والشاهد في هذا الحديث هو: كلمة (أهو هو؟) وإن كان علاقته بموضوعنا ليست علاقة مباشرة، لكن نحن نتخذه منطلقاً. فقوله: أهو هو؟ إشارة إلى هوية النبي ﷺ ، وأنه هو الموصوف في التوراة. وحديثنا هو عن الهوُية، والهوُية هي: حقيقة الشيء أو حقيقة الشخص التي تميزه عن غيره؛ فهي ماهيته وما يوصف وما يعرف به، كما دل عليه هذا الحديث، فالهوية هي المفهوم الذي يكون عليه الفرد من فكره وسلوكه اللذين يصدران عنه، من حيث مرجعهما الاعتقادي والاجتماعي، وبهذه الهوية يتميز الفرد، ويكون له طابعه الخاص. وهي -بعبارة أخرى-: تعريف الإنسان نفسه بفكر وثقافة وأسلوب حياة. والإنسان يحمل ما نسميها ببطاقة الهوية أو البطاقة الشخصية التي فيها: اسم هذا الشخص، وأنه -مثلاً- مسلم، يعمل كذا، وسنه كذا، ومولود في كذا، ويعيش في بلدة كذا، وهكذا، وإن كانت البطاقة الشخصية تحتوي فقط على بعض البيانات المحددة، أما مجال الهوية فمجالها أوسع؛ فهي تعبر عن كل قيم الإنسان، وكل ما فيه من صفات عقلية وجسمية وخلقية ونفسية. فمثلاً: حينما يقول الإنسان: أنا مسلم. فهذا انتماء لدائرة كبيرة جداً من دوائر الهوية ديانتها الإسلام، فإذا قال: أنا مسلم تعرف أنه مسلم، وإذا زاد وقال: أنا منهجي الإسلام الذي أحيا به فقد وضح أكثر، فإذا زاد أكثر حدد الدائرة بصورة أدق وأوضح، فإذا قال: أنا مؤمن ملتزم بالإسلام تميز أكثر عمن ينتسب إليه بالاسم، وإذا زاد وأوضح فقال: أنا مسلم سلفي عرفنا بمجرد كلمة (سلفي) أنه ليس خارجياً ولا معتزلياً ولا مبتدعاً، وأنه يعتقد في القضية الفلانية كذا وفي القضية الفلانية كذا، وأن هذه الصفة عبارة عن لافتة تعنون لجملة من الصفات الثابتة التي لا تتغير فيما بين الذين ينتمون إلى هذه الهوية. فالفرد كما أن له هوية كذلك المجتمع والأمة لها هوية مستقلة تتميز بها عن غيرها، وإلا تشابهت الأمم كما يتشابه السمك في الماء. وكلما توافقت هوية الفرد مع هوية المجتمع كلما تعمق إحساسه بالانتماء لهذا المجتمع واعتزازه به، أما إذا تصادمتا فهناك تكون أزمة الهوية وأزمة الاغتراب، وإلى معناها أشار النبي ﷺ بقوله: (إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء) وفي بعض الروايات (قيل: من الغرباء؟ فقال: أناس قليل في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم).

стр. 1074

منبع الهوية وتأثيرها الانتماء الوجداني والانتساب إلى الهوية ينبع عن إرادة النفس، فالنفس تكون راضية بهذا الانتماء، إلى هذه الهوية، قابلة لهذا الانتماء راضية عنه، معتزة به، فهذا الانتماء هو الزمام الذي يملك النفس ويقودها، ويحدد أهداف صاحب الهوية، وهو الذي يرتب أولوياته في الحياة، فتعتز النفس به، وتندمج فيه، وتنتصر له، وتوالي وتعادي فيه، وفي نفس الوقت تبرأ من الانتساب إلى أي هوية أخرى مضادة أو مزاحمة لهذه الهوية التي يعتز بالانتماء إليها. إذاً: هذا التفاعل النفسي ينتج عنه بطبيعة الحال اقتناء حواجز نفسية بين الشخص وبين كل من يخالفه في هذه الهوية، وفي نفس الوقت يقع الاندماج والتوحد مع الذين يوافقونه في هذه الهوية. والهوية لها علاقة أساسية بمعتقدات الفرد ومسلماته الفكرية، والهوية هي التي توجه لاختيار هذا الفرد عند تعدد البدائل، فأنت إذا عرفت أن هذا هويته -مثلاً- مسلم فالأصل أن هذا المسلم يجتنب لحم الخنزير، ويجتنب الخمر، ولا يفعل كذا وكذا، ويعتقد كذا وكذا، وإذا عرضت عليه عدة اختيارات في أي قضية فطبقاً لانتمائه الاعتقادي وطبقاً لهويته فهذه الهوية هي التي سوف توجه اختياره أمام البدائل المتعددة، وبعبارة أخرى: الهوية هي التي تقوم بتهذيب سلوكه، وسلوكه يكون محدداً في إطار هذه الهوية، حيث يصبح سلوكه له غاية، كما أنها تؤثر تأثيراً بليغاً في تحديد سمات شخصيته، وإطفاء صفة الرجولة والاستقرار والوحدة على هذه الشخصية، وبالتالي إذا تحققت له عناصر وأفكار لهذه الهوية ونتج عنها الانتماء الذي تحدثنا عنه، فلا يمكن أبداً أن يكون صاحبها ذا وجهين يقابل هؤلاء بوجه وهؤلاء وجه كما وصف الله تعالى المنافقين بقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣]. فالشخص الذي حدد هويته لا يمكن أن يقع في هذا التذبذب، ولا يمكن أن تضطرب شخصيته، بل تكون ثابتة ومستقرة وشخصية واحدة، لا يمكن أن تتعدد وجوهه كما يحصل للمنافقين. أما بالنسبة للمجتمع ككل فإن الهوية الواحدة أو المتحدة تصبح هي الواحة النفسية التي يلوذ بها أفراد الجماعة، وتكون هي الحصن الذي يتحصنون داخله، والنسيج أو المادة اللاصقة التي تربط بين لبناته، والتي إذا فقدت تشتت المجتمع، وتنازعته التناقضات.

стр. 1075

العقيدة الصحيحة هي الركن الأعظم للهوية الإسلامية الهوية لها أركان عدة، لكن أهم أركانها على الإطلاق هو العقيدة، يليها التاريخ واللغة، فإذا تحدثنا عن الهوية الإسلامية نجد أنها مستوفية لكل مقومات الهوية الذاتية المستقلة، بحيث إن الهوية الإسلامية -بضم الهاء- تستغني تماماً عن أي لقاح أجنبي عنها، وتستعلي عن أن تحتاج إلى لقاح أجنبي يخصبها؛ فهي هوية خصبة تنبثق عن عقيدة صحيحة وأصول ثابتة رصينة تجمع وتوحد تحت لوائها جميع المنتمين إليها، وتملك رصيداً تاريخياً عملاقاً لا تملكه أمة من الأمم، وتتكلم لغة عربية واحدة، وتشغل بقعة جغرافية متصلة ومتشابكة وممتدة، وتحيا لهدف واحد هو إعلاء كلمة الله، وتعبيد العباد لربهم، وتحريرهم من عبودية الأنذال إلى عبودية الله ، وأي واحد من جنود الجيش الإسلامي الذي كان يفتح البلاد ويبشر وينشر ضياء ونور الإسلام إذا سألته سيردد جواب ذلك الصحابي الذي سئل: ما جاء بكم؟ فقال: الله جاء بنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الأديان، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، أو كما قال رضي الله تعالى عنه. فالمسلم يعرف الهدف الذي يعيش له بمنتهى الوضوح، ويعرف الهدف المحدد الذي يحيا لأجله، وهذا ثمرة من ثمرات هذه الهوية، لكننا سنلقي أكثر الضوء على الركن الأعظم من أركان الهوية الإسلامية وهو ركن العقيدة، فجنسية المسلم هي عقيدته، ووطنه هو دينه الذي هو عصمة أمره، والهوية الإسلامية في المقام الأول تعني الانتماء للعقيدة انتماءًَ يترجم ظاهراً في مظاهر دالة على الولاء لها، والالتزام بمقتضياتها؛ فالعقيدة الإسلامية التوحيدية هي أهم الثوابت على الإطلاق في هوية المسلم وشخصيته، وهي أشرف وأعلى وأسمى هوية يمكن أن يتصف بها إنسان ينتمي إلى بني آدم؛ لأنها انتماء إلى أكمل دين، وأشرف كتاب نزل على أشرف نبي ﷺ ، وإلى أشرف أمة، وقد أرسل هذا النبي ﷺ إلى أشرف أمة بأشرف لغة وبسفارة أشرف الملائكة في أشرف بقاع الأرض في أشرف شهور السنة في أشرف لياليه وهي ليلة القدر، وبأشرف شريعة وأقوم هدي، ولذلك مدح الله القرآن العظيم وعظم هذه الهوية، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣]. وإن كانوا يذكرون هذه الآية في فضائل المؤذن، لكن هي في عمومها تشمل كل من ينتمي إلى الهوية الإسلامية، فالمؤذن تتجاوب معه كل المخلوقات، إذ لا يبلغ مدى صوت المؤذن شجر ولا حجر ولا أي مكان إلا وهو يصدقه فيما يقول، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، يقول الشجر والحجر وكل ما يسمع: صدقت. ويقره على افتخاره ودعوته إلى هذه الهوية. ويقول الله مبيناً أنه لا أحسن ولا أكمل من الهوية الإسلامية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء:١٢٥]، وقال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. وبين تعالى أن صبغة الله هي التوحيد والإسلام والعقيدة، فإذا كان النصارى يصبغون أولادهم لينصروهم بما يسمى بالتعميد فصبغة الله هي فطرة التوحيد وعقيدة التوحيد، قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة:١٣٨].

стр. 1076

كذب اليهود في ادعائهم أنهم شعب الله المختار قال الله مبيناً شرف هذه الهوية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] فأمة الإسلام وأمة التوحيد بشروطها هي خير أمة على الإطلاق؛ لأنها تجتمع على العقيدة وعلى التوحيد، لا على عرق ولا جنس ولا وطن ولا أرض ولا كلأ ومرعى كما تجتمع الحيوانات، وإنما تجتمع على هذه العقيدة وهذا التوحيد؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] أي: عدولاً خياراً ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]. وقال : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] الآية؛ ولذلك في ضوء هذه الآية الكريمة كان بعض المجاهدين الفلسطينيين يواجهون كاهانا بقوله: نحن شعب الله المختار، فإنه كان يردد مزاعم اليهود أنهم شعب الله المختار، فكان المجاهدون يردون عليه بقولهم: بل نحن المسلمين شعب الله المختار؛ لأن الله تعالى قال: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ). فهم يقولون: نحن شعب الله المختار، بصفة عنصرية، وأن ماعدا ذلك من الأمم فهم عبارة عن بهائم خلقت ليس فيها استعمال البشر، وإنما خلقت ليسخرها اليهود لعنهم الله تعالى، ولذلك لا نجد في العقيدة اليهودية تبشير باليهودية؛ لأنهم -كما قال بعض الظرفاء يعلل ذلك في ضوء أخلاق اليهود- يخافون أن الناس يشاركونهم في الجنة، فإذا دخلوا اليهودية واعتنقوها فسيشاركونهم في الجنة على زعمهم، وهم لشدة بخلهم وشحهم يخشون أن يدخل الناس معهم الجنة، وهذا قاله على سبيل المزاح، لكن هم يزعمون أنهم شعب الله المختار؛ لأنهم فئة مستقلة وعنصر معين، وهو هذا العنصر الإسرائيلي. أما نحن فنحن بحق شعب الله المختار، لا بصفة قومية ولا عنصرية ولا عرقية، وإنما بصفة التوحيد الذي هو صبغة الله، وبصفة الهوية الإسلامية، وكيف لا تكون الهوية الإسلامية أشرف صبغة وأحسن دين وأعظم انتماء وهي في الحقيقة انتماء إلى الله وانتماء إلى رسول الله ﷺ وانتماء إلى عباد الله الصالحين وأوليائه المتقين من كانوا ومتى كانوا وأين كانوا؟! يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦].

стр. 1077

أهمية الانضمام تحت لواء الهوية الإسلامية قال الله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٧١]. هذا هو الانتماء لأمة الإيمان وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] يقول بعض المفسرين: إن عباد الله الصالحين هم أمة محمد ﷺ ، ودعا الحواريون فقالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٥٣] وقال الذين آمنوا من النصارى: ﴿وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة:٨٤] يعني: أمل وغاية من أسلم منهم أنه يطمع ويسعى سعياً حثيثاً إلى الانطواء تحت لواء هذه الهوية الإسلامية، ولذا قالوا: (وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ). وكل مسلم يقول في صلاته: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، انتماءً وانتظاماً في هذا النظام وهذا العرق الذي يضم كل من ينتسب إلى حزب الله ، يقول الشاعر: ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا ﷺ ، فالأمر مهم جداً، وينبغي أن نلتفت إليه؛ لأنه في غاية الأهمية، ونحن نناقش أن موضوع الانطواء تحت الهوية الإسلامية والاندماج في الهوية الإسلامية ليس أمراً اختيارياً، وهذا كلام ليس فقط للمسلمين، ولكن لجميع البشر ولكل الناس، فيجب على جميع بني آدم أن ينتموا إلى الهوية الإسلامية، فالهوية الإسلامية ليس الانتماء إليها أمراً مستحباً، ولا أمراً تكميلياً أو كمالياً، ولكنه فرض متعين على كل بني آدم المكلفين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يقول الله : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨]، والآيات كثيرة جداً في بيان أن دعوة الإسلام دعوة شاملة لجميع البشر، حتى يندمجوا في الهوية الإسلامية، ويشهدوا شهادتي التوحيد، وينقادوا لحكم الله ، ويكونوا من المسلمين، قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام:١٩] يعني: يا من أنتم حاضرون! وهم قريش (ومن بلغ) يعني: ومن يبلغه القرآن إلى أن تقوم الساعة أيضاً، كلكم أنا أنذره بذلك، ويقول ﷺ : (والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بي وبما أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) رواه مسلم. إذاً: هذه الأمة محملة برسالة إدخال جميع البشر في الهوية الإسلامية، وهذا هو موقعها الطبيعي والقيادي، وذلك باعتبارها خير أمة أخرجت للناس، وباعتبارها الأمة الوحيدة المؤهلة لإنقاذ البشرية من الضياع في الدنيا ومن عذاب الآخرة. فالسبيل الوحيد إلى النجاة في الآخرة لجميع الناس هو أن يذوبوا ويندمجوا في الهوية الإسلامية؛ لأن الهوية الإسلامية هوية تستوعب كل مظاهر الشخصية، وتحدد لصاحبها بكل دقة ووضوح هدفه ووظيفته وهوايته في هذه الحياة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].

стр. 1078

الهوية الإسلامية مصدر العزة الهوية الإسلامية هي مصدر العزة والكرامة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:١٠]، وقال : ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨] قال عمر ﵁: (إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله). وهي هوية متميزة عما عداها؛ حيث إنها هوية في غاية الوضوح، ولا يمكن أبداً أن تختلط أو تلتبس بغيرها من الهويات، وهذا هو مبدأ البراءة من الشرك والمشركين، ويدل عليه قوله تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) والخطاب للكافرين: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:١ - ٢] حالياً ﴿مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ﴾ [الكافرون:٢ - ٣] الآن ﴿عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا﴾ [الكافرون:٣ - ٤] في المستقبل ﴿عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ﴾ [الكافرون:٥] في المستقبل ﴿عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ [الكافرون:٥ - ٦] الباطل الذي أنا بريء منه ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] الحق.

стр. 1079

سؤال الله الهداية من أركان الهوية هذا التميز بين الهوية الإسلامية وما خالفها من الهويات ثابت في كل حين، وقد فرض الله علينا معشر المسلمين في كل يوم وليلة أن ندعوه سبع عشرة مرة أن يهدينا الصراط المستقيم؛ حيث إن كلنا يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] ثم يزيد هذا الصراط وضوحاً فيقول: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] الذي نحن ننتمي إليهم ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] وهذا من أركان الهوية، قال رسول الله ﷺ : (ليس منا من عمل بسنة غيرنا). وعرف اليهود ذلك، وشعروا أنه ﷺ كان يتحرى أن يخالفهم في كل شئونهم الخاصة بهم، حتى ضجر اليهود من ذلك، وقالوا: ما يريد هذا الرجل -أي: رسول الله ﷺ أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه، وذلك حرصاً منه على تميز الهوية الإسلامية، وقد قال ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم). وقد صحت كثير من الأحاديث التي تفصل هذه المخالفة وتحض عليها في كثير من أبواب الدين، وهناك أحاديث كثيرة جداً في الصلاة وفي النكاح وفي الصيام وفي العادات وفي الأكل والشرب واللبس وفي سائر الأعمال حض النبي ﷺ فيها على التميز عن المشركين وعدم موافقتهم.

стр. 1080

العلاقة بين الهوية الإسلامية والوطنية القومية إذا قلنا: إن وطن المسلم أو وطن المسلم هي عقيدته، وجنسيته هي دين الإسلام، فما علاقة الهوية الإسلامية بالوطنية القومية؟ وهل هي علاقة تعارف؟ نقول: إن الهوية الإسلامية ابتداءً لا تعارض الشعور الفطري بحب الوطن الذي ينتمي إليه المسلم، ولا تعارض حب الخير لهذا الوطن، بل في الحقيقة إن المسلمين الصادقين هم أصدق الناس وطنيةً، وهم أنفع الناس لوطنهم؛ لأنهم يريدون لوطنهم سعادة الدنيا والآخرة، وذلك بتطبيق الإسلام وتبني عقيدته؛ لإنقاذ مواطنيهم من النار، كما قال مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [غافر:٢٩] وأدخل نفسه في جملة القوم، قال: ﴿فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٩]. أيضاً هؤلاء هم الذين يدأبون ويجتهدون في حماية أمتهم من التبعية لأعدائهم الذين يكيدون لأوطانهم، وقد تجلى هذا المفهوم واضحاً في قصة مؤمن آل فرعون المذكورة في سورة (غافر)، ويتجلى ذلك في كل مواقف وجهاد رموز الدعوة الإسلامية في كافة البلاد الإسلامية. والوطن الحقيقي في مفهوم الهوية الإسلامية هو الجنة؛ لأن هذا هو الوطن الأصلي للمؤمنين؛ حيث كان فيه أبونا آدم ﵇. ونحن في الدنيا في حالة نفي عن الوطن، وفي معسكر اعتقال عدونا الشيطان، فنحن في حالة نفي عن ذلك الوطن الحقيقي، ونحن في هذا المنفى ساعون في العودة إلى هذا الوطن، والمنهج الإسلامي والهوية الإسلامية هي الخريطة التي ترسم لنا طريق العودة إلى الوطن الأم، وهذا المعنى عبر عنه الإمام المحقق ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى بقوله: فحيَّ على جنات عدنٍ فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم فالجنة هي دار السعادة التي لا يبغي أهلها عنها حولاً، لا كما قال من سفه نفسه: وطني لو سئلت بالخلد عنه نزعتني إليه في الخلد نفسي أما في الدنيا فأيضاً الهوية الإسلامية تتحكم حتى في قلوبنا وفي عواطفنا، فنحن نحب جميع الأنبياء، ثم هناك مكانة خاصة للرسل، وأولهم أولو العزم من الرسل، وأفضلهم أشرف المرسلين وهو رسول الله ﷺ ، ثم بعد الأنبياء الأولياء، وأعظم الأولياء على الإطلاق الصحابة، وأعظم الصحابة على الإطلاق أبو بكر ﵁، ويليه عمر. إن السمع والبصر والفؤاد والعواطف والحب كل ذلك ليس متروكاً لاختيارك، بل الهوية الإسلامية تحدد بقعة المحبة لكل شخص في قلبك، وأوليات هذه المحبة، وترتيب ذلك. وكذلك بالنسبة للأوطان، فأحب الأرض إلى المؤمن في هذه الدنيا هي أولاً مكة المكرمة، ثم المدينة النبوية، ثم بيت المقدس، وقد بين النبي ﵌ أن محبته مكة المكرمة مبنية على أنها أحب بلاد الله إلى الله، وبعض الناس الذين يتبنون المفهوم الوثني للوطنية يحاولون أن يستدلوا بالحديث على ما يدعون إليه، حيث يحاولون أن يغذوا مفهوم الوطنية الوثنية بالحديث، ويقولون هذا دليل على حب الوطن، فإن الرسول ﷺ حنَّ إلى مكة وقال: (لولا أن قومكِ أخرجوني منكِ ما خرجت). وهذا ليس دليلاً على حب الوطن، وإنما هو دليل على حب مكة؛ لأن مكة أحب بلاد الله إلى الله، فلذلك كل مسلم يحب مكة المكرمة قبل أي مكان آخر على وجه الأرض، وكذلك المدينة النبوية الطيبة، وكذلك بيت المقدس الذي بارك الله حوله؛ فمحبتنا لهذه البقاع التي اختارها الله وباركها وأحبها فوق محبتنا لمسقط رءوسنا، ومحضر الطفولة، ومرتع الشباب. أما ما عدا هذه البلاد المقدسة فإن الإسلام هو وطننا، وهو أهلنا، وهو عشيرتنا؛ وحيث تكون شريعة الإسلام حاكمة وكلمة الله ظاهرة فثمَّ وطننا الحبيب الذي نفديه بالنفس والنفيس، ونذود عنه بالدم والولد والمال، يقول الشاعر: ولست أدري سوى الإسلام لي وطناً الشام فيه ووادي النيل سيان وحيثما ذكر اسم الله في بلد عددت أرجاءه من لب أوطاني

стр. 1081

الوطنية الوثنية منتج غربي الوطنية بمعناها المحصور في قطعة أرض إذا سألنا من الذي وضع هذه الحدود الوهمية التي لا نراها إلا على الخرائط، نجد أن الاستعمار هو الذي قسم هذه الحدود، وهو الذي شطرنا بهذه الطريقة؛ في حين أننا إذا رأينا الحدود بين دولهم في أوروبا نجدها بخلاف ذلك، وأنا رأيت الحدود بين هولندا وألمانيا عبارة عن شارع في وسطه رصيف ارتفاعه حوالى نصف متر أو أقل، يعني: ممكن أن تكون أحدى رجليك في هولندا والأخرى في ألمانيا، والناس يتحركون بمنتهى الحرية، هذه هي الحدود بينهم، والآن هم ساعون في إزالة هذه الحدود، بل فعلوا ذلك بالفعل عن طريق الوحدة الأوروبية التي تحققت بالفعل، فهم بقدر ما اجتهدوا في تمزيقنا كما تمزق الجبنة الرومي هم أيضاً يندمجون ويتوحدون ويلغون الحواجز بينهم، فهذه الحدود ليست في القرآن ولا في السنة، بل هذه الحدود إنما رسمها أعداؤنا، فالوطنية بمعناها المحصور في هذه الحدود أو في عرق أو لون أو جنس خاطئة، وهذا المفهوم مفهوم دخيل، لم يعرفه السلف ولا الخلف، وأول من أدخل مفهوم الوطنية الوثنية في بلاد المسلمين أو في مصر على الأقل هو رفاعة الطهطاوي لما أرسله محمد علي إلى فرنسا ورجع ملوثاً ببعض الأفكار من فرنسا منها فكرة الوطنية، وهو أول من بدأ ينشر روح الوطنية بالمعنى الوثني، والارتباط بالتراب وبالأرض ونحو هذا الكلام الذي استورده من الأفكار التي تأثر بها في فرنسا، فطرأ علينا هذا المفهوم المحدود الضيق ضمن ركام المفاهيم المخربة التي زرعها الغربيون وأذنابهم لمزاحمة الانتماء الإسلامي، وتوهين الهوية الإسلامية التي ذوبت قوميات الأمم، والتي فتحتها في قومية واحدة هي القومية الإسلامية، والوطنية الإسلامية، ودمجتها جميعاً في أمة التوحيد. وهاكم شهادة شاهد من أهلها، وهو المؤرخ اليهودي برنارد لويد، حيث يقول هذا المؤرخ اليهودي: كل باحث في التاريخ الإسلامي يعرف قصة الإسلام الرائعة في محاربته لعبادة الأوثان منذ بدء دعوة النبي، وكيف انتصر النبي وصحبه وأقاموا عبادة الإله الواحد التي حلت محل الديانات الوثنية لعرب الجاهلية، وفي أيامنا هذه تقوم معركة مماثلة أخرى، ولكنها ليست ضد اللات والعزى وبقية آلهة الجاهليين، بل ضد مجموعة جديدة من الأصنام اسمها الدولة والعنصر والقومية، وفي هذه المرة يظهر أن النصر حتى الآن هو حليف الأصنام، فإدخال هرطقة القومية العلمانية أو عبادة الذات الجماعية كان أرسخ المظالم التي أوقعها الغرب على الشرق الأوسط، ولكنها مع كل ذلك كانت أقل المظالم ذكراً وإعلاناً. وهذا اعتراف صريح من هذا اليهودي بأن الغرب هو الذي زرع ظلماً وعدواناً مفاهيم القومية والعلمانية ليوهن ويضعف الهوية الإسلامية. ويقرر هذا المؤرخ نفسه حقيقة ناصعة فيقول: فالليبرالية والفاشية والوطنية والقومية والشيوعية والاشتراكية كلها أوروبية الأصل مهما أقلمها وعدلها أتباعها في الشرق الأوسط، والمنظمات الإسلامية هي الوحيدة التي تنبع من تراب المنطقة، وتعبر عن كتل المشاعر الجماهيرية، وبالرغم من أن كل الحركات الإسلامية قد هزمت حتى الآن غير أنها لم تقل بعد كلمتها الأخيرة. انتهى كلام هذا اليهودي.

стр. 1082

العقيدة الإسلامية هي منظار القيم والأفكار والمبادئ إن العقيدة الإسلامية هي المنظار الذي يرى المؤمن من خلاله القيم والأفكار والمبادئ، ومن خلالها يحكم على الأشخاص وينزلهم منازلهم، والعقيدة الإسلامية هي المرشح المهيمن الذي يقوم بترشيح التراث التاريخي، وكل تراث كان لأي أمة قبل دخول الإسلام فهذا التراث يخضع لهيمنة الإسلام، إذ لابد أن يقوم الإسلام بترشيحه في ضوء عقيدة التوحيد، فتراث الأجداد والآباء والتاريخ القديم يخضع لهذا المشرح؛ فما وافق العقيدة يُقبل، وما خالفها يُتخلص منه وينبذ؛ فالعقيدة هي المرشح المهيمن الذي يقوم بترشيح التراث التاريخي؛ ليحدد ما يُقبل منه وما يُنبذ. مثال: فرعون وملؤه كانوا مصريين، لكنهم كانوا كفاراً وثنيين، وموسى ﵇ وأتباعه من بني إسرائيل كانوا مؤمنين مسلمين، فواجب المؤمن في ضوء العقيدة الإسلامية ألا يفخر بفرعون ويعادي موسى وأتباعه المؤمنين، رغم عدائنا لليهود؛ فإن أكثر علماء اليهود ليسوا مسلمين، لكن نقول: الذين اتبعوا موسى هم على دين الإسلام، فواجب المؤمن أن يعادي أعداء الله ويبرأ منهم ولو كانوا من جلدته ويتكلمون بلسانه، ويوالي حزب الله وأولياءه من كانوا وأين كانوا ومتى كانوا، يقول تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران:٢٨]. ويقول تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢]. إلى آخر الآيات الكريمات، ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]. مثال آخر: قال تعالى في الملأ المؤمنين من بني إسرائيل: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة:٢٥٠] وجالوت وجنوده كانوا كنعانيين فلسطينيين، ومع ذلك نحن بقلوبنا نوالي بني إسرائيل المؤمنين، ونعادي الكفار ولو كانوا فلسطينيين، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ [البقرة:٢٥٠ - ٢٥١] إلى آخر الآية. إذاً: نحن حينما نتلو هذا القرآن الكريم نعد هذا النصر نصراً لعقيدتنا ولديننا ولهويتنا الإسلامية على هؤلاء الكافرين وإن كانوا فلسطينيين. أوضح من هذا وأصرح أن نقول: إنه لو قُدر أن الله بعث الآن في هذا الزمان داود وسليمان ﵉ إلى الحياة من جديد فنحن نجزم حتماً وقطعاً أنهما سيكونان متبعين لشريعة نبينا محمد ﷺ ، مصداق قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١] فما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمد وأنت حي لتؤمنن به ولتنصرنه، فداود وسليمان لو عادا الآن لانضما قطعاً إلى المسلمين المجاهدين، ولما وافقا اليهود على ما يسمونه بإعادة بناء هيكل سليمان؛ لأن سليمان يعرف أن شريعته نُسخت، وأنه إذا بعث بعد محمد ﵇ فلا مكان له إلا أن يكون متبعاً له ولشريعته، فسيبقي المسجد الأقصى، ويصلي فيه، ويحارب اليهود أعداء الله . ومصداق ذلك أيضاً أن النبي ﵊ لما رأى الصحائف من التوراة في يد رجل من المسلمين من الصحابة ﵃ غضب أشد الغضب وقال: (أمتهوكون أنتم؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، والذي نفسي بيده! لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني). أو كما قال ﷺ ، فنحن في ضوء الهوية الإسلامية أولى بموسى ﵇ من اليهود، ونحن على دين موسى، وهم ليسوا على دين موسى، ولو بعث الله موسى وداود وسليمان لحاربوا اليهود والنصارى والعلمانيين وسائر الملحدين، ولعبدوا الله في المسجد الأقصى على شريعة الإسلام كما كانوا يعبدونه وحده فيه قبل نسخ شريعتهم، ولرفعوا راية الجهاد في سبيل تطهير فلسطين من قتلة الأنبياء أحفاد القردة والخنازير الملعونين على لسان الأنبياء. ونذكر مثلاً حياً سيقع قطعاً، وهو: أن عيسى ﵇ حين ينزل في آخر الزمان سوف يحكم بالإسلام، ويحكم بشريعة محمد ﵊، ويصلي أول نزوله مأموماً وراء المهدي، ويقاتل اليهود، بل هو الذي سيقود المسلمين في حربهم ضد اليهود، ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، قال ﷺ : (أنا أولى الناس بعيسى ليس بيني وبينه نبي). فنحن المسلمين أولياء المسيح وأحباؤه، ونحن أتباعه على دين الإسلام الذي جاء به ودعا إليه، ونحن المقصودون بقوله تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:٥٥]، وما أحسن ما قاله صاحب الظلال غفر الله له: عقيدة المؤمن هي وطنه، وهي قومه، وهي أهله، ومن ثمَّ يتجمع البشر عليها وحدها لا على أمثال ما تتجمع عليه البهائم من كلأ ومرعى وقطيع وسياج، والمؤمن ذو نسب عريق ضارب في شعاب الزمان، إنه واحد من ذلك الموكب الكريم الذي يقود خطاه ذلك الرهط الكريم نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى ومحمد عليهم جميعاً الصلاة والسلام.

стр. 1083

رابطة الأخوة الإسلامية من أعظم أركان الهوية الإسلامية قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢] تربط هذه العقيدة الإسلامية -التي هي الركن الأعظم في الهوية الإسلامية- المسلم بأخيه، حتى يصير المسلم وأخوه كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، فربط الإسلام لك بأخيك كربط يدك بمعصمك، ورجلك بساقك، كما قال ﷺ : (مثل المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم وتواددهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). ومن الأشياء البديعة أن القرآن الكريم يطلق النفس ويريد بها أخاك في الإسلام وفي الهوية الإسلامية؛ تنبيهاً على أن رابطة الإسلام تجعل أخا المسلم كنفسه، كما قال تعالى: ﴿وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة:٨٤] والمقصود: لا تخرجون إخوانكم في العقيدة وفي الهوية الإسلامية من دياركم، فأطلق على الإخوان الأنفس، مما يدل على قوة الاندماج والذوبان في الهوية الإسلامية، وقال تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:١٢]، والمقصود: ظنوا بإخوانهم خيراً، فعبر عن الإخوان بالأنفس، وقال تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات:١١] أي: لا تلمزوا إخوانكم على أصح التفسيرين. إذاً: العقيدة -كما قلنا- هي المادة اللاصقة التي تربط لبنات المجتمع الإسلامي، وإذا وجدت فإنها تتلاشى معها جميع الروابط النسبية والعصبية، حيث لا يمكن أن تقع، كما قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]، إذ لا رابطة نسبية أقرب من رابطة الآباء والأبناء والإخوان والعشائر، ومع ذلك فالإيمان هو الفيصل في هذه القضية، يقول تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، ويقول تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران:١٠٣]. هذه الرابطة التي تجمع المختلف وتألف المختلف هي رابطة لا إله إلا الله، هذه الرابطة تجعل المجتمع الإسلامي كله كأنه جسد واحد كالبنيان يشد بعضه بعضاً. ولم تربط فقط بين أهل الأرض من المؤمنين، وإنما أيضاً ربطت بين حملة العرش ومن حول العرش من الملائكة وبين بني آدم المؤمنين في الأرض، مع ما بينهم من الاختلاف؛ فإن هؤلاء ملائكة وهؤلاء بشر من بني آدم، وهم مختلفون في الخلق والتكوين، لكن مع ذلك فإن الانتماء للهوية الإسلامية يربطك ليس فقط بالمؤمنين على وجه الأرض، وإنما يربطك بكل هذا الكون المؤمن، وتشعر بالولاء له، لا كما يفترض الغربيون الجهلة بالله وبسننه ، حيث يجعلون الإنسان دائماً في حالة صراع مع الطبيعة. فهذه الطبيعة ليست عدوة للإنسان، بل -إن جاز التعبير- مظاهر الطبيعة هي إخوان له في الله، وإخوان له في التوحيد، والأدلة على ذلك كثيرة جداً. نذكر مثالاً على ذلك بالوزغ الذي حرضنا الرسول ﷺ على قتله، وعلل ذلك بأنه كان ينفخ النار على إبراهيم لما ألقاه قومه في النار، فانظر إلى العداوة لهذا النوع من الحيوانات لأجل أنه فعل ذلك مع إبراهيم، وانظر إلى جبريل عند إغراق فرعون، فإنه: (لما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠])، يقول جبريل ﵇ للنبي ﷺ : (فلو رأيتني -يا محمد- وأنا أدس في فيه من حال البحر خشية أن تدركه الرحمة). فجبريل كان يعادي فرعون لأنه عتا وطغى ونازع الله ، وكفر بالله العظيم، فجبريل كان يبغضه من أجل ذلك، فخشي جبريل أن تنقذه هذه الكلمة التي قالها وهو يهلك، فكان يأخذ من طين البحر ويدس في فيه مخافة أن تدركه الرحمة إذا نطق بهذه الكلمة التي قالها عند الهلاك، والتي لا تنفعه قطعاً. كذلك إذا أحب الله عبداً في السماء، نادى جبريل: إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في ملائكة كل سماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وهذا مظهر من مظاهر هذا التوحد مع الكائنات من حولنا. يقول ﵎: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر:٧]، انظر إلى كلمة: (يؤمنون به) هي المادة اللاصقة، ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧] وهذا هو الرابط في العقيدة والهوية الإسلامية، ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧]. وتأمل قول الله في أبي لهب عم النبي ﷺ : ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣]، وقابل ذلك بمكانة سلمان الفارسي، وبلال الحبشي وصهيب الرومي ﵃ أجمعين، فما خوطبوا أبداً على أساس أن هويتهم أن هذا رومي، وهذا فارسي، وهذا حبشي، كلا! وإنما كلهم متساوون كأسنان المشط أمام هذه العقيدة وهذا التوحيد، يقول الشاعر: لقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب عم النبي ﵌ انظر ما آل إليه، وقد أجمع العلماء على أن الرجل إذا مات وليس له من الأقرباء إلا ابن واحد كافر فتركته وميراثه يئول إلى إخوانه المسلمين بأخوة الإسلام؛ لأن هذه هي القرابة الحقيقية، ولا يكون الإرث لولده لصلبه الذي هو كافر، مع أن الميراث دليل القرابة، فدل ذلك على أن الأخوة الدينية أقرب من البنوة النسبية. ويقول ﷺ : (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم) فوصفهم بصفة الإسلام، وما قال: المصريون، وما قال: الشاميون، وما قال: اليمانيون، وإنما قال: المسلمون. وهكذا كل خطاب في القرآن (يا أيها الذين آمنوا) لم يخاطب قوماً غير أهل الهوية الإسلامية. واعتبر أيضاً هذا المعنى بقول الله ﵎ مخاطباً نوحاً ﵇ في شأن ابنه الكافر حيث قال: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦] وفي قراءة: (أنه عَمِلَ غير صالح) وهو ابنه من صلبه، ولكن الميزان عند الله في ضوء الهوية الإسلامية ومدار الأهلية هو القرابة الدينية، ولذا قال سبحانه: (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) لماذا؟ (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) لم يكن معك على عقيدة التوحيد، ولم يكن مندمجاً في الهوية الإسلامية كما قال أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه: (ألا وإن ولي محمد من أطاع الله وإن بعدت لحمته، ألا وإن عدو محمد من عصى الله وإن قربت لحمته). واعتبر ذلك أيضاً بقصة إبراهيم ﵇ مع أبيه وقومه الكافرين، وتأمل قوله : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]. وتأمل موقف المسيح ﵇ مع قومه بني إسرائيل، وكيف انقسموا فوراً إلى أنصار مؤمنين وأعداء كافرين، على أساس موقفهم من دعوتهم إلى الاندماج في العقيدة الإسلامية. وتأمل أيضاً كيف يأمرنا الله بأن نقتدي بهم في هذا، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف:١٤] فهم في الحال صاروا أعداء لما خالفوهم في هذه العقيدة.

стр. 1084

محافظة الكفار على هويتهم الكفار يستكثرون علينا هذه الرابطة وهذه الهوية، في حين أن تصرفاتهم تبنى على أساس هذه الهوية. وأذكر على ذلك نموذجاً عابراً يبين كيف أن الهوية العقائدية هي التي تحدد وتوجه سلوك هؤلاء القوم: في كتاب الصربيون خنازير أوروبا للدكتور عبد الحي الفرماوي يقول: في رحلة من رحلات عبد الناصر لحضور أحد مؤتمرات عدم الانحياز في بلغراد، استعد المسلمون في يوغسلافيا وقالوا: عبد الناصر قادم من مصر بلد الأزهر وبلد الإسلام، وهناك صداقة حميمة بينه وبين تيتو، فأعدوا مذكرة لعرضها على الرئيس جمال عبد الناصر بصفته زعيم مصر الإسلامية بلد الأزهر الشريف، وموطن الأئمة الأعلام من العلماء والمحدثين والفقهاء، ومقر مجمع البحوث الإسلامية ومجمع اللغة العربية، والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، هذه المذكرة كان الغرض منها أن يتدخل جمال عبد الناصر لدى صديقه تيتو حتى يخفف من وطأة النظام الشيوعي على المسلمين في يوغسلافيا، لاسيما في البوسنة والهرسك وعاصمتها سراييفو؛ حيث يشكل المسلمون فيها أغلبية ساحقة بالنسبة إلى بقية البلدان الأخرى التي يتشكل منها الاتحاد اليوغسلافي، واشتملت المذكرة على المعاناة التي يلاقيها المسلمون على يد الشيوعيون اليوغسلافيين، وعلى حرمانهم من معظم الحقوق المشروعة التي يتمتع بها المواطن العادي، وعلى القوانين الجائرة التي كان يصدرها تيتو، والتي كانت تستهدف المسلمين وحدهم دون بقية الطوائف الأخرى في مجالات التعليم والثقافة والحقوق السياسية والتمثيل النيابي، وفي التضييق عليهم عند ممارستهم شعائرهم الدينية، وفي إهمال مساجدهم فلا بناء لجديد ولا ترميم لقديم، مما جعل معظم المساجد آيلة للسقوط، وما أن تسلم عبد الناصر المذكرة العاجلة من أحد زعماء المسلمين على رأس وفد من علماء سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك حتى امتعض وجهه، وتقطب جبينه، وقال بالحرف لرئيس الوفد: (إن مصر لن تسمح بأن تقحم نفسها في الشئون الداخلية للدول الصديقة، وأرجو ألا يتكرر ذلك مرة أخرى!) ثم أنهى المقابلة. وزيادة في مضايقة وفد المسلمين الذي جاء بالمذكرة ومجاملة لـ تيتو ألغى عبد الناصر المنح التعليمية والأزهرية لطلبة المسلمين في البوسنة والهرسك ذلك العام! إن جمال عبد الناصر الذي رفض مذكرة علماء المسلمين في يوغسلافيا هو نفس جمال عبد الناصر الذي استجاب لمطلب نيكيتا خروتشيف رئيس الاتحاد السوفيتي، فحين هبط خروتشيف إلى مطار القاهرة كان جمال عبد الناصر في استقباله، وبعد أن صافح كل منهما الآخر وضع خروتشيف يده في جيبه الأيمن وأخرج كشفاً بأسماء الشيوعيين المصريين في السجون والمعتقلات، وقال في دعابة خبيثة: لن أحضر احتفال غمر الأنفاق بالمياه قبل أن يفرج عن الشيوعيين المصريين في سجون مصر ومعتقلاتها، وقبل أن يغادر الرئيسان مطار القاهرة كانت التعليمات قد صدرت إلى مدير مصلحة السجون وأجهزة الأمن الأخرى بالإفراج عن الرفاق المحظوظين الواردة أسماؤهم في كشف خروتشتيف رغم أن بعضهم كان مداناً بجريمة الخيانة العظمى! ومع ذلك فلم يعتبر عبد الناصر ما حدث من خروشتوف تدخلاً سافراً عرياناً في شئون مصر الداخلية. ونفس الشيء حصل لما قدمت مذكرة طبق الأصل من مذكرة عبد الناصر لـ أحمد سوكارنو وكان مصيرها نفس المذكرة. والموقف الآخر أيضاً من يوغسلافيا فيما يتعلق بالمعاملة الوحشية للمسلمين، وهذه المذابح الأخيرة لفتت النظر، أما المذابح القديمة على يد خروتشيف وقبله أيضاً بعد الحرب العالمية فما كاد يسمع عنها أحد شيئاً، وكثير من المسلمين ما كانوا يعرفون أن يوغسلافيا في هذا الكم الهائل من الشعوب الإسلامية دولة في منطقة البلقان؛ لأننا نهمل الاطلاع ومعرفة أجزاء جسدنا، ولا نعرف هويتنا. كان هناك كاتب إسلامي يدعى علي عزت بيغوفتش كان قد ألف كتاباً في سنة (١٩٧٠م) اسمه: (البيان الإسلامي)، اعتبر تيتو وحكومته الشيوعية هذا الكتاب خطراً يهدد أوروبا الشيوعية، فقالوا في إدانة هذا الكتاب: إن هذا الكتاب ميثاق عمل إسلامي يضم المسلمين من إندونيسيا حتى المغرب في اتحاد وسيف متكاتف، وفور ظهور الكتاب الإسلامي اعتقلوا صاحبه علي عزت بيغوفتش، وألقوه في غياهب السجون، وخلال إحدى زيارات تيتو المتكررة إلى مصر طلب الشيخ الباكوري وزير الأوقاف حينئذ من الرئيس عبد الناصر أن يفاتح تيتو في الإفراج عن الزعيم المسلم الذي أودع المعتقل، ويجري تعذيبه في بلغراد، وعندما استفسر جمال من صديقه تيتو عن هذا الموضوع أجابه قائلاً: إن هذا الرجل أخطر من تنظيم الإخوان المسلمين عندكم في مصر، وهو يطالب بأن تتولى الحركة الإسلامية السلطة في أي بلد تكون لها فيه الأكثرية العددية، كما أن هذا الرجل يرصد كل ما هو غير إسلامي في مجتمع المسلمين، ثم توقف تيتو قليلاً وسأل عبد الناصر: لماذا تتوسط له وأنت تتخذ نفس الموقف منهم في مصر؟! وسكت عبد الناصر لقوة الحجة والمنطق التي تحدث بها تيتو. وهذا موقف عقائدي ينبني على انتماء لهوية تتجاوز حدوث الأرض والأوطان؛ لكي تكون العقيدة هي المسيطرة، فلماذا يكون ذلك حلالاً لهم وحراماً علينا؟!

стр. 1085

الهوية الإسلامية هي الفطرة إن الهوية الإسلامية المتميزة هي فطرة الله التي فطر الناس عليها، قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة:١٣٨]، ولا يعرفها ثم يرغب عنها إلا من سفه نفسه، وإلا من استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. إن الذي يفهم معنى الهوية الإسلامية وثمار الهوية الإسلامية سواء في الدنيا أو في الآخرة، والشرف الذي يطلبه من ينطوي تحت هذه الهوية الإسلامية إذا كان أستاذاً عاقلاً فضلاً عن مسلم مؤمن يدرك هذه المعاني؛ فالإنسان العاقل فضلاً عن المسلم المؤمن لا يأتي ويقول للذين كفروا: ﴿هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء:٥١]، إذ لا يمكن أن يصدر ذلك ممن فهم معنى الهوية الإسلامية. ولا يعرف مفكر أو داعية مسلم مخلص لهذه الأمة قد تلطخ بالدعوة إلى هوية غير الهوية الإسلامية، بل العكس هو الصحيح، فالدعوة إلى الهويات المزاحمة والمضادة للهوية الإسلامية لم تترعرع إلا في أحضان أعداء ديننا الذين لا يألوننا خبالاً، وإلا في كنف الدعاة على أبواب جهنم الذين هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، ممن رباهم الاستعمار في محاضنه، وصنعهم على عينه، وأقامهم وكلاء عنه في إطفاء نور الإسلام، ومحو الهوية الإسلامية من الوجود.

стр. 1086

موقف المسلم من الهوية الإسلامية ماذا عن موقفنا الآن من الهوية الإسلامية؟ لا شك أن المسلمين لم يكتشفوا أنفسهم، ومن المؤلم جداً أن أعداءنا يكتشفوننا بطريقة أفضل منا، ويفهموننا أكثر مما نفهم نحن حقيقة موقعنا في هذا الوجود، وبلا شك أن عند معظم شباب العالم الإسلامي الآن أزمة هوية، وأزمة اختراق؛ لأنهم يجهلون هذه الهوية؛ لأنه تم غسيل عقولهم. فمثلاً: هل يمكن أن ترى من يحمل الهوية الإسلامية ثم يفعل هذه الأشياء كالشاب الذي يعلق علم أمريكا في عنقه، أو في سيارته، ويتزين ويفخر بالعلم الأمريكي؟! فما الذي يمنعه -إذن- أن يعلق علم إسرائيل؟! وهكذا ترى من يتهافت على تقليد الغربيين في مظهرهم وفي مخبرهم، ومن المسلمين من يتخلون عن جنسية بلادهم الإسلامية بغير عذر ملجئ، ثم يفتخرون بأنهم فازوا بجنسية البلاد الكافرة، وللأسف الشديد! فهل هذا من المحافظة على الهوية الإسلامية؟ وكيف يتخلى طواعية عن جنسية إسلامية، ثم ينضوي تحت لواء كافر، ويقسم القسم للدفاع عن الدولة الكافرة في حالة تعرضها لاعتداء وهو منتسب للهوية الإسلامية؟! إن هذا ضلال مبين. وبعض الإخوة الذين يذهبون إلى الخارج لزيارة أهاليهم ممن تلطخوا بالجنسية الكافرة يشتكون من سوء مقابلة أهلهم الذين يقولون: إن أهالينا عندما نذهب لزيارتهم يقولون: ما الذي جاء بكم إلى هنا؟ فأين الانتماء والهوية التي يحملها المتلطخون؟! مثل المذيع الذي يعمل بوقاً ينفخ فيه العدو الصائل على المسلمين لأجل حفنة دولارات أو جنيهات إسترلينية أو غير ذلك، فيذهب ويقبل أن يعمل مذيعاً بوقاً يستعملونه كآلة لمحاربة الإسلام وتوجيه حملات الحرب الباردة ضد المسلمين. وأقبح ما يكون هو ضياع الهوية في الشخص الذي يعمل جاسوساً لأعداء أمته وأعداء دينه، وأن يبيع نفسه لأعداء وطنه المسلم من أجل تحصيل متاع زائل، وهذا من أزمة الهوية، بل إنك تجد أستاذاً في الجامعة يسبح بحمد الغرب صباح مساء، ولا يقبل أي نقد للغرب ولا لضياع الغرب، وهذا يعاني من أزمة هوية. ومثل هذا مدعي الإسلام الذي يقبل الانتظام في جيوش الدولة الكافرة المحاربة للإسلام، فبعض الناس ينظم للجيش الأمريكي، ومثل هذا ليس عنده هوية، بل قد ضاعت هويته. وهكذا كل ببغاء مقلد يلغي شخصيته، ويرى بعيون الآخرين، ويسمع بآذانهم، وباختصار فإنه يسحق ذاته ليكون جزءاً من هؤلاء الآخرين. وهذا نموذج موجود الآن بكثرة وهو: أنه حتى في أدق الأشياء يقول لك بعض الناس: لا تعمل كذا، فإن الأجانب سيقولون علينا كذا! إنه شيء غريب جداً! وهكذا الناس الذي يحتفلون بالاحتلال الفرنسي لمصر! فإن فرنسا الآن لأول مرة تطلب رسمياً من مصر أن تحتفل بالحملة الفرنسية بقيادة نابليون على مصر! يا للمصيبة! وبعض الناس تحتفل، ولا يحتفل بالاحتلال إلا الخونة؛ إذ كيف يحتفلون باحتلال مصر؟! وبالحملة الفرنسية التي قتلت المسلمين، والتي دخلت الجامع الأزهر بالخيول، وحولوا الأزهر إلى إسطبل، فضلاً عن غير ذلك من المسالك التي فعلها نابليون!! ومع ذلك يأتي يوم يحتفل بهم! ونحن نعجب فإن مثل هذا اليوم يوضع في ضمن أسباب عداء الغازين المحتلين، أما الآن فصار يحصل احتفال بهذا الاحتلال؛ والله المستعان!

стр. 1087

حقارة من يتنازل عن الهوية الإسلامية إن هؤلاء الذين يذوبون في هوية غيرهم، ويبتغون عندهم العزة في الحقيقة أنهم يعودون مذمومين مخذولين من الفريقين، ويعاملهم الله بنقيض قصدهم، فهم يريدون العزة عند الكافرين، فيتحقق فيهم قول القائل: باء بالسخطتين فلا عشيرته رضيت عنه ولا رضيت عنه العباد لأنهم يحتقرون من يتنازل عن هويته، وهذا شيء نعاير به واقع المسلمين في قضية الهوية. وكم رأينا الحيز الإعلامي الذي لم يسبق له مثيل الذي شغله موت أميرة ويلز في كل أرجاء العالم المنتسب إلى الإسلام وإلى الهوية الإسلامية! ورأينا ما صار إليه هذا الإعلام من السقوط، بينما نجد الإعلام غافلاً عن موت الشيخ محمود شاكر ﵀ في نفس الفترة! وهذا يكشف لنا أزمة الهوية التي نعاني منها، وقضية الهوية هي قضية محورية أزعجت كل الناس إلا أصحابها والمشكلة تكمن في أن أكثر المسلمين اليوم لما يقتنعوا أن الأعداء من حولهم على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم لا هدف لهم إلا استئصال شأفة الإسلام، وطمس الهوية الإسلامية وصهرها في دائرة العالمية الأممية، وإزالتها من الوجود؛ لأنها هي لا غيرها الخطر الماثل أمام القوى الراغبة في احتواء العالم الإسلامي والسيطرة عليه سيطرة فعلية ودائمة، يقول تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]، وقال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]، وقال سبحانه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]. إن أي جماعة تملك الهوية سوف تجد في عالم تحكمه شريعة الغاب من يحاول الهيمنة عليها وتذويب شخصيتها عن طريق تدمير البنية التحتية لهويتها العقائدية والثقافية، ويجعل سياجاً على شخصيتها؛ فيتحول الإنسان إلى كائن تافه فارغ غافل مغسول المخ تابعٍ مقلد. إن هويتنا الإسلامية هي مصدر عزتنا، كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨] فحين تمسكنا بهذه الهوية سدنا العالم كله، حتى كنائس أوروبا لا تجرئ على دق نواقيسها حينما كانت السفن الإسلامية تعبر البحر المتوسط، يعني: أنهم لهيبتهم من المسلمين كانوا يتوقفون عن دق أجراس الكنائس إذا عبرت الجيوش الإسلامية البحر المتوسط أو مرت في موانيها. ومن أراد أن يدرك الفرق بين العزة التي تكتسبها الأمة من الهوية الإسلامية وبين الذل حين تخلت عن هذه الهوية الإسلامية فلينظر إلى النموذج التركي الممسوخ؛ إنه أقبح صورة لمسخ الهوية، وأقبح مثال يمكن أن يضرب بالضياع والذل والهوان والخيانة التي يتنفس بها من تخلوا عن الهوية الإسلامية، حتى إن كل إعلام العالم يشتكي من فساد القنوات الفضائية التركية والانحلال الذي فيها، فبعدما كانت عاصمة الخلافة صارت الآن يخشى من الفساد الذي يبث منها، فمن أجل أن يتخلوا عن الإسلام حاربوا الإسلام، وفعلوا كل ما فعلوا من أجل أن يرضى عنهم الغربيون، ويدخلوهم في التجمع الأوروبي، لكن مع كل هذا احتقروهم وساموهم سوء العذاب والهوان والذل، ومع أن الدواء واضح وهو العودة إلى مصدر العز، لكنهم يأبون إلا الذل والهوان، فهذا أقبح نموذج لمسخ الهوية وما يترتب عليه من ضياع وهوان ومذلة. فحين تخلينا عن هذه الهوية نزع الله من قلوب عدونا المهابة منا، وقذف في قلوبنا الوهن: حب الدنيا وكراهية الموت، يقول ﷺ : (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم). فإضعاف الهوية الإسلامية هي عملية انتحار جماعي، إن أي خلل في الهوية هو عبارة عن انتحار، فينتهي إلى الضياع وإلى التذبيح؛ فإضعاف هذه الهوية هو أخطر وأشد فتكاً بالأمة من نزع سلاحها.

стр. 1088

حرص أعداء المسلمين على إبعاد المسلمين عن هويتهم مما يؤسف له أن أعداءنا يدركون جيداً أن الهوية الإسلامية أقوى سلاح، فالهوية الإسلامية في نظر أعدائنا أقوى من القنابل النووية أو القنابل الهيدروجينية والأسلحة الفتاكة كلها. وهذا الكلام ليس من جيبي ولا من عندي، وإنما هو من بعض تصريحات ساستهم، ففي آخر سنة (١٩٦٧م) ألقى وزير خارجية الدولة اللقيطة محاضرة في جامعة برنستون الأمريكية فقال في هذه المحاضرة بعد النكسة مباشرة: يحاول بعض الزعماء العرب أن يتعرف على نسبه الإسلامي بعد الهزيمة، وفي ذلك الخطر الحقيقي على إسرائيل! انظر كيف يتكلم وهو منتصر في حرب الأيام الستة، ومع ذلك انظر إلى الخوف من الإسلام! فمع أنه كان في حالة انتصار لكنه يقول: يحاول بعض الزعماء العرب أن يتعرف على نسبه الإسلامي بعد الهزيمة، وفي ذلك الخطر الحقيق على إسرائيل! ولذا كان من أول واجباتنا أن نبقي العرب على يقين راسخ بنسبهم القومي لا الإسلامي! والمجتمع اليهودي في فلسطين يتألف من مهاجرين من أكثر من مائة دولة مختلفة، فهي تجمع من الشتات أنواعاً مختلفة، فهم من كل أفق أتوا من أكثر من مائة دولة من كل أنحاء العالم، ويتكلمون سبعين لغة مختلفة من شتات الأرض، ولكن جمعتهم عقيدتهم الواحدة رغم اختلاف اللغات والألوان والقوميات والعناصر والأوطان. وهذا أحدهم يعلنها ويقول: جنسيتنا هي دين آبائنا، ونحن لا نعترف بأية قومية أو جنسية أخرى. والدعوة القومية تفكك، فالشيوعية نفسها كانت تقف حاجزاً دون انتشارها، وتدعو إلى تفضيل المذهب الشيوعي، ومع ذلك فإن المسلمين بالذات كانوا يشجعون القوميات، حيث شجعوا القومية العربية، وشجعوا انفصال باكستان الشرقية عن باكستان الغربية التي أصبحت الآن بنغلادش، ولذلك نرى الأستاذ يوسف العظم يحكي واقعة في أيام حرب حزيران أو يونيو حرب النكسة فيقول: لقد سمعت وزير إعلام عربياً إبان حرب حزيران يقول: دعونا من خالد بن الوليد وصلاح الدين، ولا تثيروها حرباً دينية، قال ذلك وهو يعلق على ما يذيعه بعض الدعاة من الحث للجندي على الثبات وتشجيع المقاتلين على الجهاد والاستشهاد، فقلت لمن كان حولي: منهزمون ورب الكعبة! وقد كان؛ لأن السلاح ليس بذاته أساساً مادام السلاح بمثل هذه العقيدة القتالية التي يعبر عنها هذا المصطلح الذي عبر عنه الوزير المذكور، فأين العقيدة إذا كنت تقول له: شادية معك في المعركة، وأم كلثوم معك في المعركة، وعبد الحليم معك في المعركة؟!! إن اليهود أول ما دخلوا سيناء دخلوا بنسخ كثيرة من التوراة حملوها على أول دبابة دخلت سيناء، وجاءت صحيفة أحرونوت اليهودية سنة (١٩٨٧م) تقول: إن على وسائل إعلامنا ألا تنسى حقيقة هامة هي جزء من استراتيجية إسرائيل في حربها مع العرب، هذه الحقيقة هي: أننا نجحنا بجهودنا وبجهود أصدقائنا في إبعاد الإسلام عن معركتنا مع العرب طوال ثلاثين عاماً، ويجب أن يبقى الإسلام بعيداً عن المعركة إلى الأبد، ولهذا يجب ألا نغفل لحظة واحدة عن تمكين خطتنا في منع استيقاظ الروح الإسلامية بأي شكل وبأي أسلوب، ولو اقتضى الأمر الاستعانة بأصدقائنا لاستعمال العنف والبطش لإخماد أية بادرة ليقظة الروح الإسلامية في المنطقة المحيطة بنا!! حينما أراد الشاعر محمد إقبال أن يبين أثر تخلي المرء عن هويته وعن عقيدته ضرب هذا المثل فقال: كانت مجموعة من الكباش تعيش في مرعىً وفير الكلأ عيشاً رغيداً، ولكنها أصيبت بمجموعة من الأسود نزلت بأرض قريبة منها، فكانت تعتدي عليها وتفترس الكثير منها، فخطر ببال كبش كبير منها أن يتخذ وسيلة تريح من هذا الخطر الداهم الذي يهددها، فرأى أن استخدام السياسة والدهاء والحيلة هو الوسيلة الوحيدة، فظل يتوسد إلى هذه الأسود في مكانها حتى ألفته وألفها، فاستغل هذه الألفة، وبدأ يعرض الأسود ويدعوها إلى الكف عن إراقة الدماء والعيش في سلام وأمان ودعة وإلى أن تترك أكل اللحم، وأخذ يغريها بأن تارك أكل اللحم مقبول عند الله، وأخذ يزين لها الحياة في دعة وسكون، ويقبح لها الوثب والاعتداء، حتى بدأت الأسود تميل إلى هذا الكلام، فأخذت الأسود تتباطأ في افتراس الكباش، ومالت إلى حياة الدعة والهدوء، واكتفت بأكل الأعشاب كما تفعل الكباش، فكانت النتيجة أن استرخت عضلاتها، وتثلمت أسنانها، وتقصفت أظفارها، وأصبحت لا تقوى على الجري، ولم تعد قادرة على الافتراس، وبذلك تحولت الأسود إلى أغنام؛ لأنها تخلت عن هويتها وعن خصائصها ففقدت ذاتيتها، وصدق رسول الله ﷺ في قوله: (ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا). فالذي كان يفعله هذا الكبش هو الذي فعله الكثير من المستشرقين حيث كانوا يلقون الشبهة على المسلمين، وهم يعرفون عقدة النقص والانهزامية عند بعض المسلمين والمفكرين، ونتيجة العقدة في النفس والشعور بالدونية عند بعض المنهزمين هي أنهم أصبحوا يردون بأن الإسلام دين لا يعرف الجهاد، ولا يعرف كذا وكذا، وآخر يوم يوضع الإسلام في قفص الاتهام، ويوظف الغرب نفسه محامياً ليبرئه من هذه التهم، وبالتالي بدأ طمس مفاهيم الإسلام شيئاً فشيئاً من خلال هذه الحيل الماكرة، حتى وصلت محاولات طمس الهوية الإسلامية إلى حد أن يضغط علينا قتلة الأنبياء ومحرفوا الكلم عن مواضعه أن نمارس مثلهم هواية التحريف لكلام الله؛ حيث كان من محاور اتفاقية (كامب ديفيد): ضرورة إزالة المفاهيم السلبية تجاه إسرائيل في الإسلام، ونظفوا الإسلام من المفاهيم السلبية تجاه اليهود لعنهم الله، وإسحاق نافون رئيس الكيان اليهودي السابق خطب خطاباً في جامعة بن غوريون أمام السادات في (٢٧/ ٥/١٩٧٩م) وقال: إن تبادل الثقافة والمعرفة لا يقل أهمية عن الترتيبات العسكرية والسياسية، وصرح أيضاً أمام قيادات الحزب الوطني بمصر في (٢٨/ ١٠/١٩٨٠م) بأن أي صياغة أدبية أو دينية تخالف التصورات الإسرائيلية تعد مساساً بالسلام الإسرائيلي! ويقصد بالصياغة الأدبية والدينية القرآن الكريم، والآيات التي تفضح اليهود وتكشفهم. إذاً: يحرص هؤلاء على هويتهم، وفي نفس الوقت يجتهدون في تذويب هويتنا الإسلامية. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1089

الهوية الإسلامية [٢] إن أعداء الإسلام سواء كانوا من الداخل أو الخارج يحاولون جاهدين أن يطمسوا ويستأصلوا الهوية الإسلامية من المسلمين، ولهم في ذلك وسائل شتى، ولذا كان لزاماً على جميع المسلمين التيقظ والحذر من مخططات أعدائهم، كما يجب عليهم الحفاظ على هويتهم، وتجديد ما اندرس منها.

стр. 1090

أعداء الهوية الإسلامية من الخارج إن أعداء الإسلام يحرصون على هويتهم، وفي نفس الوقت يجتهدون في تذويب هويتنا الإسلامية؛ فما يحرمونه علينا يحلونه لأنفسهم. فهذا نيكسون وهو من أخطر رؤساء أمريكا؛ لأنه رجل مفكر، وله أيدلوجية، وهو منظّر، وليس رئيساً عادياً، يقول في كتابه (انتهز الفرصة): إننا لا نخشى الضربة النووية، ولكننا نخشى الإسلام والحرب العقائدية التي قد تقضي على الهوية الذاتية للغرب! فهذا معناه: أنهم ينظرون إلى موضوع الهوية الإسلامية أنها تهدد الهوية الغربية؛ فهي مسألة حياة أو موت بالنسبة إليهم. ويقول أيضاً نيكسون: إن العالم الإسلامي يشكل واحداً من أكبر التحديات لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية في القرن الحادي والعشرين. وبلغ إعجاب كلينتون بالهوية الأمريكية وبعبارة أخرى نقول: بلغ من اغتراره بهذه الهوية أن وجد في نفسه الجرأة بأن قال: إن أمريكا تؤمن بأن قيمها صالحة لكل الجنس البشري، وإننا نستشعر أن علينا التزاماً مقدساً بتحويل العالم إلى صورتنا، قالها بالإنجليزية: ( To transfer the world in our image). ولكم أن تتخيلوا كيف تكون صورة هذا العالم الذي يكون نسخة من الغابات المتحدة الأمريكية! ومساعد وزير الخارجية الأمريكية ومستشار جنسون لشئون الشرق الأوسط حتى سنة (١٩٦٧م) يقول: إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا إنما هي جزء مكمل للعالم الغربي فلسفته وعقيدته ونظامه، وذلك يجعلها تقف معادية للعالم الشرقي الإسلامي لفلسفته وعقيدته المتمثلة بالدين الإسلامي، ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام، وإلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية؛ لأنها إن فعلت عكس ذلك فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها. إذاً: الصراع في الحقيقة هو صراع هوية وتذويب، ومنذ زمن قال أحد المسئولين في وزارة الخارجية الفرنسية: ليست الشيوعية خطراً على أوروبا فيما يبدو لي؛ فهي حلقة لاحقة لحلقات سابقة، وإذا كان هناك خطر من الشيوعية فهو خطر سياسي عسكري فقط، ولكنه على أي حال ليس خطراً حضارياً تتعرض معه مقومات وجودنا الفكري والإنساني للزوال والفناء، إن الخطر الحقيقي الذي يهددنا تهديداً مباشراً عنيفاً هو الخطر الإسلامي؛ والمسلمون عالم مستقل كل الاستقلال عن عالمنا الغربي، فهم يملكون تراثهم الروحي الخاص، ويتمتعون بحضارة تاريخية ذات أصالة، وهم جديرون بأن يقيموا بها قواعد عالم جديد دون حاجة إلى الاستغراب، وفرصتهم في تحقيق أحلامهم هي اكتساب التقدم الصناعي الذي أحرزه الغرب، فإذا أصبح لهم علمهم، وإذا تهيأت لهم أسباب الإنتاج الصناعي في نطاقه الواسع انطلقوا في العالم يحملون تراثهم الحضاري الفتي، وانتشروا في الأرض يزيلون منها قواعد الروح الغربية، ويقذفون برسالتها إلى متاحف التاريخ. هذا كلام مسئول في وزارة الخارجية الفرنسية، فانظر كيف فهموا قضية الهوية! هذه حقيقة كل ما يجري الآن وما جرى من قبل وما سيجري -والله أعلم- فيما بعد. وقد حصل صراع سياسي في كندا بين المتحدثين بالإنجليزية وبين المتحدثين بالفرنسية الذين كانوا يريدون الاستقلال بهذه المقاطعة، وهذا كله صراع من أجل الهوية. وفرنسا رفضت التوقيع على الجزء الثقافي من اتفاقية الجات، والذي يضمن للمواد الثقافية الأمريكية أن تباع بفرنسا بمعدلات اعتبرها الفرنسيون تهديداً صارخاً لهويتهم القومية، وطالبوا بتخفيض هذه المعدلات انطلاقاً من الحرص على الهوية، مع أنهم في الهوى سوى!
следующие страницы →