← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

موقف المسلم من الهوية الإسلامية ماذا عن موقفنا الآن من الهوية الإسلامية؟ لا شك أن المسلمين لم يكتشفوا أنفسهم، ومن المؤلم جداً أن أعداءنا يكتشفوننا بطريقة أفضل منا، ويفهموننا أكثر مما نفهم نحن حقيقة موقعنا في هذا الوجود، وبلا شك أن عند معظم شباب العالم الإسلامي الآن أزمة هوية، وأزمة اختراق؛ لأنهم يجهلون هذه الهوية؛ لأنه تم غسيل عقولهم. فمثلاً: هل يمكن أن ترى من يحمل الهوية الإسلامية ثم يفعل هذه الأشياء كالشاب الذي يعلق علم أمريكا في عنقه، أو في سيارته، ويتزين ويفخر بالعلم الأمريكي؟! فما الذي يمنعه -إذن- أن يعلق علم إسرائيل؟! وهكذا ترى من يتهافت على تقليد الغربيين في مظهرهم وفي مخبرهم، ومن المسلمين من يتخلون عن جنسية بلادهم الإسلامية بغير عذر ملجئ، ثم يفتخرون بأنهم فازوا بجنسية البلاد الكافرة، وللأسف الشديد! فهل هذا من المحافظة على الهوية الإسلامية؟ وكيف يتخلى طواعية عن جنسية إسلامية، ثم ينضوي تحت لواء كافر، ويقسم القسم للدفاع عن الدولة الكافرة في حالة تعرضها لاعتداء وهو منتسب للهوية الإسلامية؟! إن هذا ضلال مبين. وبعض الإخوة الذين يذهبون إلى الخارج لزيارة أهاليهم ممن تلطخوا بالجنسية الكافرة يشتكون من سوء مقابلة أهلهم الذين يقولون: إن أهالينا عندما نذهب لزيارتهم يقولون: ما الذي جاء بكم إلى هنا؟ فأين الانتماء والهوية التي يحملها المتلطخون؟! مثل المذيع الذي يعمل بوقاً ينفخ فيه العدو الصائل على المسلمين لأجل حفنة دولارات أو جنيهات إسترلينية أو غير ذلك، فيذهب ويقبل أن يعمل مذيعاً بوقاً يستعملونه كآلة لمحاربة الإسلام وتوجيه حملات الحرب الباردة ضد المسلمين. وأقبح ما يكون هو ضياع الهوية في الشخص الذي يعمل جاسوساً لأعداء أمته وأعداء دينه، وأن يبيع نفسه لأعداء وطنه المسلم من أجل تحصيل متاع زائل، وهذا من أزمة الهوية، بل إنك تجد أستاذاً في الجامعة يسبح بحمد الغرب صباح مساء، ولا يقبل أي نقد للغرب ولا لضياع الغرب، وهذا يعاني من أزمة هوية. ومثل هذا مدعي الإسلام الذي يقبل الانتظام في جيوش الدولة الكافرة المحاربة للإسلام، فبعض الناس ينظم للجيش الأمريكي، ومثل هذا ليس عنده هوية، بل قد ضاعت هويته. وهكذا كل ببغاء مقلد يلغي شخصيته، ويرى بعيون الآخرين، ويسمع بآذانهم، وباختصار فإنه يسحق ذاته ليكون جزءاً من هؤلاء الآخرين. وهذا نموذج موجود الآن بكثرة وهو: أنه حتى في أدق الأشياء يقول لك بعض الناس: لا تعمل كذا، فإن الأجانب سيقولون علينا كذا! إنه شيء غريب جداً! وهكذا الناس الذي يحتفلون بالاحتلال الفرنسي لمصر! فإن فرنسا الآن لأول مرة تطلب رسمياً من مصر أن تحتفل بالحملة الفرنسية بقيادة نابليون على مصر! يا للمصيبة! وبعض الناس تحتفل، ولا يحتفل بالاحتلال إلا الخونة؛ إذ كيف يحتفلون باحتلال مصر؟! وبالحملة الفرنسية التي قتلت المسلمين، والتي دخلت الجامع الأزهر بالخيول، وحولوا الأزهر إلى إسطبل، فضلاً عن غير ذلك من المسالك التي فعلها نابليون!! ومع ذلك يأتي يوم يحتفل بهم! ونحن نعجب فإن مثل هذا اليوم يوضع في ضمن أسباب عداء الغازين المحتلين، أما الآن فصار يحصل احتفال بهذا الاحتلال؛ والله المستعان!

стр. 1087

حقارة من يتنازل عن الهوية الإسلامية إن هؤلاء الذين يذوبون في هوية غيرهم، ويبتغون عندهم العزة في الحقيقة أنهم يعودون مذمومين مخذولين من الفريقين، ويعاملهم الله بنقيض قصدهم، فهم يريدون العزة عند الكافرين، فيتحقق فيهم قول القائل: باء بالسخطتين فلا عشيرته رضيت عنه ولا رضيت عنه العباد لأنهم يحتقرون من يتنازل عن هويته، وهذا شيء نعاير به واقع المسلمين في قضية الهوية. وكم رأينا الحيز الإعلامي الذي لم يسبق له مثيل الذي شغله موت أميرة ويلز في كل أرجاء العالم المنتسب إلى الإسلام وإلى الهوية الإسلامية! ورأينا ما صار إليه هذا الإعلام من السقوط، بينما نجد الإعلام غافلاً عن موت الشيخ محمود شاكر ﵀ في نفس الفترة! وهذا يكشف لنا أزمة الهوية التي نعاني منها، وقضية الهوية هي قضية محورية أزعجت كل الناس إلا أصحابها والمشكلة تكمن في أن أكثر المسلمين اليوم لما يقتنعوا أن الأعداء من حولهم على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم لا هدف لهم إلا استئصال شأفة الإسلام، وطمس الهوية الإسلامية وصهرها في دائرة العالمية الأممية، وإزالتها من الوجود؛ لأنها هي لا غيرها الخطر الماثل أمام القوى الراغبة في احتواء العالم الإسلامي والسيطرة عليه سيطرة فعلية ودائمة، يقول تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]، وقال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]، وقال سبحانه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]. إن أي جماعة تملك الهوية سوف تجد في عالم تحكمه شريعة الغاب من يحاول الهيمنة عليها وتذويب شخصيتها عن طريق تدمير البنية التحتية لهويتها العقائدية والثقافية، ويجعل سياجاً على شخصيتها؛ فيتحول الإنسان إلى كائن تافه فارغ غافل مغسول المخ تابعٍ مقلد. إن هويتنا الإسلامية هي مصدر عزتنا، كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨] فحين تمسكنا بهذه الهوية سدنا العالم كله، حتى كنائس أوروبا لا تجرئ على دق نواقيسها حينما كانت السفن الإسلامية تعبر البحر المتوسط، يعني: أنهم لهيبتهم من المسلمين كانوا يتوقفون عن دق أجراس الكنائس إذا عبرت الجيوش الإسلامية البحر المتوسط أو مرت في موانيها. ومن أراد أن يدرك الفرق بين العزة التي تكتسبها الأمة من الهوية الإسلامية وبين الذل حين تخلت عن هذه الهوية الإسلامية فلينظر إلى النموذج التركي الممسوخ؛ إنه أقبح صورة لمسخ الهوية، وأقبح مثال يمكن أن يضرب بالضياع والذل والهوان والخيانة التي يتنفس بها من تخلوا عن الهوية الإسلامية، حتى إن كل إعلام العالم يشتكي من فساد القنوات الفضائية التركية والانحلال الذي فيها، فبعدما كانت عاصمة الخلافة صارت الآن يخشى من الفساد الذي يبث منها، فمن أجل أن يتخلوا عن الإسلام حاربوا الإسلام، وفعلوا كل ما فعلوا من أجل أن يرضى عنهم الغربيون، ويدخلوهم في التجمع الأوروبي، لكن مع كل هذا احتقروهم وساموهم سوء العذاب والهوان والذل، ومع أن الدواء واضح وهو العودة إلى مصدر العز، لكنهم يأبون إلا الذل والهوان، فهذا أقبح نموذج لمسخ الهوية وما يترتب عليه من ضياع وهوان ومذلة. فحين تخلينا عن هذه الهوية نزع الله من قلوب عدونا المهابة منا، وقذف في قلوبنا الوهن: حب الدنيا وكراهية الموت، يقول ﷺ : (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم). فإضعاف الهوية الإسلامية هي عملية انتحار جماعي، إن أي خلل في الهوية هو عبارة عن انتحار، فينتهي إلى الضياع وإلى التذبيح؛ فإضعاف هذه الهوية هو أخطر وأشد فتكاً بالأمة من نزع سلاحها.

стр. 1088

حرص أعداء المسلمين على إبعاد المسلمين عن هويتهم مما يؤسف له أن أعداءنا يدركون جيداً أن الهوية الإسلامية أقوى سلاح، فالهوية الإسلامية في نظر أعدائنا أقوى من القنابل النووية أو القنابل الهيدروجينية والأسلحة الفتاكة كلها. وهذا الكلام ليس من جيبي ولا من عندي، وإنما هو من بعض تصريحات ساستهم، ففي آخر سنة (١٩٦٧م) ألقى وزير خارجية الدولة اللقيطة محاضرة في جامعة برنستون الأمريكية فقال في هذه المحاضرة بعد النكسة مباشرة: يحاول بعض الزعماء العرب أن يتعرف على نسبه الإسلامي بعد الهزيمة، وفي ذلك الخطر الحقيقي على إسرائيل! انظر كيف يتكلم وهو منتصر في حرب الأيام الستة، ومع ذلك انظر إلى الخوف من الإسلام! فمع أنه كان في حالة انتصار لكنه يقول: يحاول بعض الزعماء العرب أن يتعرف على نسبه الإسلامي بعد الهزيمة، وفي ذلك الخطر الحقيق على إسرائيل! ولذا كان من أول واجباتنا أن نبقي العرب على يقين راسخ بنسبهم القومي لا الإسلامي! والمجتمع اليهودي في فلسطين يتألف من مهاجرين من أكثر من مائة دولة مختلفة، فهي تجمع من الشتات أنواعاً مختلفة، فهم من كل أفق أتوا من أكثر من مائة دولة من كل أنحاء العالم، ويتكلمون سبعين لغة مختلفة من شتات الأرض، ولكن جمعتهم عقيدتهم الواحدة رغم اختلاف اللغات والألوان والقوميات والعناصر والأوطان. وهذا أحدهم يعلنها ويقول: جنسيتنا هي دين آبائنا، ونحن لا نعترف بأية قومية أو جنسية أخرى. والدعوة القومية تفكك، فالشيوعية نفسها كانت تقف حاجزاً دون انتشارها، وتدعو إلى تفضيل المذهب الشيوعي، ومع ذلك فإن المسلمين بالذات كانوا يشجعون القوميات، حيث شجعوا القومية العربية، وشجعوا انفصال باكستان الشرقية عن باكستان الغربية التي أصبحت الآن بنغلادش، ولذلك نرى الأستاذ يوسف العظم يحكي واقعة في أيام حرب حزيران أو يونيو حرب النكسة فيقول: لقد سمعت وزير إعلام عربياً إبان حرب حزيران يقول: دعونا من خالد بن الوليد وصلاح الدين، ولا تثيروها حرباً دينية، قال ذلك وهو يعلق على ما يذيعه بعض الدعاة من الحث للجندي على الثبات وتشجيع المقاتلين على الجهاد والاستشهاد، فقلت لمن كان حولي: منهزمون ورب الكعبة! وقد كان؛ لأن السلاح ليس بذاته أساساً مادام السلاح بمثل هذه العقيدة القتالية التي يعبر عنها هذا المصطلح الذي عبر عنه الوزير المذكور، فأين العقيدة إذا كنت تقول له: شادية معك في المعركة، وأم كلثوم معك في المعركة، وعبد الحليم معك في المعركة؟!! إن اليهود أول ما دخلوا سيناء دخلوا بنسخ كثيرة من التوراة حملوها على أول دبابة دخلت سيناء، وجاءت صحيفة أحرونوت اليهودية سنة (١٩٨٧م) تقول: إن على وسائل إعلامنا ألا تنسى حقيقة هامة هي جزء من استراتيجية إسرائيل في حربها مع العرب، هذه الحقيقة هي: أننا نجحنا بجهودنا وبجهود أصدقائنا في إبعاد الإسلام عن معركتنا مع العرب طوال ثلاثين عاماً، ويجب أن يبقى الإسلام بعيداً عن المعركة إلى الأبد، ولهذا يجب ألا نغفل لحظة واحدة عن تمكين خطتنا في منع استيقاظ الروح الإسلامية بأي شكل وبأي أسلوب، ولو اقتضى الأمر الاستعانة بأصدقائنا لاستعمال العنف والبطش لإخماد أية بادرة ليقظة الروح الإسلامية في المنطقة المحيطة بنا!! حينما أراد الشاعر محمد إقبال أن يبين أثر تخلي المرء عن هويته وعن عقيدته ضرب هذا المثل فقال: كانت مجموعة من الكباش تعيش في مرعىً وفير الكلأ عيشاً رغيداً، ولكنها أصيبت بمجموعة من الأسود نزلت بأرض قريبة منها، فكانت تعتدي عليها وتفترس الكثير منها، فخطر ببال كبش كبير منها أن يتخذ وسيلة تريح من هذا الخطر الداهم الذي يهددها، فرأى أن استخدام السياسة والدهاء والحيلة هو الوسيلة الوحيدة، فظل يتوسد إلى هذه الأسود في مكانها حتى ألفته وألفها، فاستغل هذه الألفة، وبدأ يعرض الأسود ويدعوها إلى الكف عن إراقة الدماء والعيش في سلام وأمان ودعة وإلى أن تترك أكل اللحم، وأخذ يغريها بأن تارك أكل اللحم مقبول عند الله، وأخذ يزين لها الحياة في دعة وسكون، ويقبح لها الوثب والاعتداء، حتى بدأت الأسود تميل إلى هذا الكلام، فأخذت الأسود تتباطأ في افتراس الكباش، ومالت إلى حياة الدعة والهدوء، واكتفت بأكل الأعشاب كما تفعل الكباش، فكانت النتيجة أن استرخت عضلاتها، وتثلمت أسنانها، وتقصفت أظفارها، وأصبحت لا تقوى على الجري، ولم تعد قادرة على الافتراس، وبذلك تحولت الأسود إلى أغنام؛ لأنها تخلت عن هويتها وعن خصائصها ففقدت ذاتيتها، وصدق رسول الله ﷺ في قوله: (ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا). فالذي كان يفعله هذا الكبش هو الذي فعله الكثير من المستشرقين حيث كانوا يلقون الشبهة على المسلمين، وهم يعرفون عقدة النقص والانهزامية عند بعض المسلمين والمفكرين، ونتيجة العقدة في النفس والشعور بالدونية عند بعض المنهزمين هي أنهم أصبحوا يردون بأن الإسلام دين لا يعرف الجهاد، ولا يعرف كذا وكذا، وآخر يوم يوضع الإسلام في قفص الاتهام، ويوظف الغرب نفسه محامياً ليبرئه من هذه التهم، وبالتالي بدأ طمس مفاهيم الإسلام شيئاً فشيئاً من خلال هذه الحيل الماكرة، حتى وصلت محاولات طمس الهوية الإسلامية إلى حد أن يضغط علينا قتلة الأنبياء ومحرفوا الكلم عن مواضعه أن نمارس مثلهم هواية التحريف لكلام الله؛ حيث كان من محاور اتفاقية (كامب ديفيد): ضرورة إزالة المفاهيم السلبية تجاه إسرائيل في الإسلام، ونظفوا الإسلام من المفاهيم السلبية تجاه اليهود لعنهم الله، وإسحاق نافون رئيس الكيان اليهودي السابق خطب خطاباً في جامعة بن غوريون أمام السادات في (٢٧/ ٥/١٩٧٩م) وقال: إن تبادل الثقافة والمعرفة لا يقل أهمية عن الترتيبات العسكرية والسياسية، وصرح أيضاً أمام قيادات الحزب الوطني بمصر في (٢٨/ ١٠/١٩٨٠م) بأن أي صياغة أدبية أو دينية تخالف التصورات الإسرائيلية تعد مساساً بالسلام الإسرائيلي! ويقصد بالصياغة الأدبية والدينية القرآن الكريم، والآيات التي تفضح اليهود وتكشفهم. إذاً: يحرص هؤلاء على هويتهم، وفي نفس الوقت يجتهدون في تذويب هويتنا الإسلامية. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1089

الهوية الإسلامية [٢] إن أعداء الإسلام سواء كانوا من الداخل أو الخارج يحاولون جاهدين أن يطمسوا ويستأصلوا الهوية الإسلامية من المسلمين، ولهم في ذلك وسائل شتى، ولذا كان لزاماً على جميع المسلمين التيقظ والحذر من مخططات أعدائهم، كما يجب عليهم الحفاظ على هويتهم، وتجديد ما اندرس منها.

стр. 1090

أعداء الهوية الإسلامية من الخارج إن أعداء الإسلام يحرصون على هويتهم، وفي نفس الوقت يجتهدون في تذويب هويتنا الإسلامية؛ فما يحرمونه علينا يحلونه لأنفسهم. فهذا نيكسون وهو من أخطر رؤساء أمريكا؛ لأنه رجل مفكر، وله أيدلوجية، وهو منظّر، وليس رئيساً عادياً، يقول في كتابه (انتهز الفرصة): إننا لا نخشى الضربة النووية، ولكننا نخشى الإسلام والحرب العقائدية التي قد تقضي على الهوية الذاتية للغرب! فهذا معناه: أنهم ينظرون إلى موضوع الهوية الإسلامية أنها تهدد الهوية الغربية؛ فهي مسألة حياة أو موت بالنسبة إليهم. ويقول أيضاً نيكسون: إن العالم الإسلامي يشكل واحداً من أكبر التحديات لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية في القرن الحادي والعشرين. وبلغ إعجاب كلينتون بالهوية الأمريكية وبعبارة أخرى نقول: بلغ من اغتراره بهذه الهوية أن وجد في نفسه الجرأة بأن قال: إن أمريكا تؤمن بأن قيمها صالحة لكل الجنس البشري، وإننا نستشعر أن علينا التزاماً مقدساً بتحويل العالم إلى صورتنا، قالها بالإنجليزية: ( To transfer the world in our image). ولكم أن تتخيلوا كيف تكون صورة هذا العالم الذي يكون نسخة من الغابات المتحدة الأمريكية! ومساعد وزير الخارجية الأمريكية ومستشار جنسون لشئون الشرق الأوسط حتى سنة (١٩٦٧م) يقول: إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا إنما هي جزء مكمل للعالم الغربي فلسفته وعقيدته ونظامه، وذلك يجعلها تقف معادية للعالم الشرقي الإسلامي لفلسفته وعقيدته المتمثلة بالدين الإسلامي، ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام، وإلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية؛ لأنها إن فعلت عكس ذلك فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها. إذاً: الصراع في الحقيقة هو صراع هوية وتذويب، ومنذ زمن قال أحد المسئولين في وزارة الخارجية الفرنسية: ليست الشيوعية خطراً على أوروبا فيما يبدو لي؛ فهي حلقة لاحقة لحلقات سابقة، وإذا كان هناك خطر من الشيوعية فهو خطر سياسي عسكري فقط، ولكنه على أي حال ليس خطراً حضارياً تتعرض معه مقومات وجودنا الفكري والإنساني للزوال والفناء، إن الخطر الحقيقي الذي يهددنا تهديداً مباشراً عنيفاً هو الخطر الإسلامي؛ والمسلمون عالم مستقل كل الاستقلال عن عالمنا الغربي، فهم يملكون تراثهم الروحي الخاص، ويتمتعون بحضارة تاريخية ذات أصالة، وهم جديرون بأن يقيموا بها قواعد عالم جديد دون حاجة إلى الاستغراب، وفرصتهم في تحقيق أحلامهم هي اكتساب التقدم الصناعي الذي أحرزه الغرب، فإذا أصبح لهم علمهم، وإذا تهيأت لهم أسباب الإنتاج الصناعي في نطاقه الواسع انطلقوا في العالم يحملون تراثهم الحضاري الفتي، وانتشروا في الأرض يزيلون منها قواعد الروح الغربية، ويقذفون برسالتها إلى متاحف التاريخ. هذا كلام مسئول في وزارة الخارجية الفرنسية، فانظر كيف فهموا قضية الهوية! هذه حقيقة كل ما يجري الآن وما جرى من قبل وما سيجري -والله أعلم- فيما بعد. وقد حصل صراع سياسي في كندا بين المتحدثين بالإنجليزية وبين المتحدثين بالفرنسية الذين كانوا يريدون الاستقلال بهذه المقاطعة، وهذا كله صراع من أجل الهوية. وفرنسا رفضت التوقيع على الجزء الثقافي من اتفاقية الجات، والذي يضمن للمواد الثقافية الأمريكية أن تباع بفرنسا بمعدلات اعتبرها الفرنسيون تهديداً صارخاً لهويتهم القومية، وطالبوا بتخفيض هذه المعدلات انطلاقاً من الحرص على الهوية، مع أنهم في الهوى سوى!

стр. 1091

تمسك اليهود بهويتهم الدينية أما تمسك يهود بهويتهم الدينية فحدث ولا حرج، فإن دولتهم اللقيطة لم تقم إلا على أساس خالص من الدين اليهودي؛ فهي تحمل اسم نبي الله يعقوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وإن كان هو بريئاً منهم براءة الذئب من دم ابنه يوسف ﵉. وإسرائيل ليس لها دستور؛ لأن دستورها هو التوراة، فالدستور في إسرائيل هو التوراة، واليهود يتشبثون بتعاليم التوراة، ويعضون عليها بالنواجذ في مجالات العلم والدين والسياسة والاجتماع، وفي حياة الفرد اليومية، حتى اللغة العبرية التي انقرضت من ألفي سنة بعثوها من مرقدها، حتى صاروا يتعاملون بها، ولم يقل لهم أحد: إن العبرية لها مدة ألفي سنة منقرضة، ولن تتسامى إلى العلم الحديث، كما يزعم المستشرقون في شأن اللغة العربية الآن، واليهود يدرسون بالعبرية الطيران والصواريخ وكل العلوم، مع أنها لغة ميتة، فمنذ ألفي سنة انقرضت العبرية، ولكنهم بعثوها من مرقدها، وألفوا بها أدباً نالوا به ما يسمى " بجائزة نوبل ". وعندما أراد اليهود إقامة سفارة لهم في القاهرة أصروا على أن يكون موقعها على الجهة الغربية من النيل، ولم يرضوا أن يكون لهم أي مبنى على الجهة الشرقية؛ احتراماً لعقيدتهم في أن حدود إسرائيل الكبرى تنتهي عند الجهة الشرقية من نهر النيل. وعلم دولتهم فيه خطان أزرقان إشارة إلى النيل والفرات، ومنطقة السيادة بينهما عليها النجمة السداسية المسماة بنجمة داود. وفي جامعة تل أبيب عقدت ندوة في (١٩/ ٢/١٩٨٣م) حول دعم علاقة السلام بين مصر وإسرائيل، أثار اليهود فيها موضوع ما ورد في القرآن الكريم من اتهامات ضد اليهود، وتناقل هذا في مطبوعات أخرى بمصر، فقام الدكتور مصطفى خليل معتذراً إلى اليهود فقال: إننا في مصر نفرق بين الدين والقومية، ولا نقبل أن تكون قيادتنا السياسية مرتكزة على معتقداتنا الدينية! فرد عليه ديفيد سيفان قائلاً: إنكم -أيها المصريون- أحرار في أن تفصلوا بين الدين والسياسة، ولكننا في إسرائيل نرفض أن نقول: إن اليهودية مجرد دين فقط! فلو نظرنا إلى مكائد الغرب في هوياتنا المسلمة لعلمنا أن النسبة الأعلى هي طمس الهوية الإسلامية باستبدالها بأي هوية أخرى، سواءً كانت هوية وثنية أو قومية أو هوية قطرية تفتتنا وتشتتنا، أو هوية عالمية تميع انتماءنا بديننا، المهم هو أن تمحى الهوية الإسلامية المتميزة؛ كي يحال بيننا وبين أن يكون الإسلام عماد الحاضر والمستقبل، وكي نصير كمن قيده عدوه بعد أن جرده من سلاحه وانتزع أظفاره وخلع أسنانه، ثم وضع الغل في عنقه والقيد في معصمه، وإذا به يطالبنا أيضاً أن نشكر له هذا الصنيع، ونفخر بهذا الغل، ونتباهى بهذا القيد، ونعتز لأننا عبيد لهذا السيد!

стр. 1092

أعداء الهوية الإسلامية من الداخل تقدم يتعلق بأعداء الهوية من الخارج على سبيل اختصار، فماذا عمل أعداؤها من الداخل؟ تشويه الهوية وإضعافها عمل إجرامي تآمري ينحط إلى مستوى الخيانة العظمى لأمة التوحيد. يقول الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر السابق رحمه الله تعالى: إن البحث عن هوية أخرى للأمة الإسلامية خيانة كبرى وجناية عظمى. فإذا كان الرسول ﷺ لعن من غير منار الأرض فكيف بمن يغير هوية أمة، ويضلها عن طريق النجاة؟! إن التاريخ المعاصر حافل بنماذج بشعة من ممسوخي الهوية الذين كانوا يخربون هويتهم بأيديهم، ونذكر بعضهم على سبيل المثال لا الحصر، وإلا فما زالت الشجرة الخبيثة تخرج نكداً.

стр. 1093

مصطفى كمال أتاترك وجهوده في مسخ الهوية الإسلامية أول ما يقفز إلى أذهاننا من ممسوخي الهوية مصطفى كمال أتاترك الذي مسخ هوية تركيا الإسلامية بالقوة والقهر، وكان يقول كثيراً: وددت لو كان في وسعي أن أقذف بجميع الأديان في البحر! وهو الذي ألغى الخلافة الإسلامية، وكان يحسد الرسول ﵊، فقد سمع مرة المؤذن يؤذن فقال: ما أعظم الشهرة التي بلغها هذا الرجل! لقد ألغى الخلافة، وعطل الشريعة، وألغى نص الدستور على أن الإسلام هو الدين الرسمي للبلاد، وألغى المحاكم الشرعية، والمدارس الدينية، والأوقاف، وألغى الأذان باللغة العربية، وجعله بالتركية، وألغى الحروف العربية واستبدلها باللاتينية، وكان يقول: انتصرت على العدو، وفتحت البلاد، فهل أستطيع أن أنتصر على الشعب؟! فانظروا إلى هذا بمثل هذه النفسية ماذا يتوقع منه؟ لقد جاء بالعجب العجاب! نشرت الأهرام بتاريخ (١٥/ ٢/١٩٦٨م) وثيقة نقلتها عن جريدة: (صانداي تايمز) تحت عنوان: كمال أتاترك رشح سفير بريطانيا ليخلفه في رئاسة الجمهورية التركية! حتى الهوية القومية ما أخلصوا لها، وما رعوها حق رعايتها، قالت الصحيفة: إنه في نوفمبر سنة (١٩٣٨م) كان أتاترك رئيس تركيا يرقد على فراش الموت، وكان يخشى ألا يجد شخصاً يخلفه قادراً على استمرار العمل الذي بدأه، فاستدعى السفير البريطاني بيرج لودن إلى قصر الرئاسة في اسطنبول، وعرض عليه أن يخلفه في منصب رئيس الجمهورية، وبلباقة رفض السفير، وأبرق إلى وزير خارجيته بما دار بينه وبين أتاترك! فانظروا إلى ممسوخ الهوية كيف يصل به الحال!

стр. 1094

نماذج من جهود بعض عملاء الغرب في طمس الهوية الإسلامية هناك نموذج آخر من تركيا أيضاً وهو: آغا أوغلي أحمد أحد غلاة الكماليين الأتراك يقول: إننا عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الغربيين حتى الالتهابات التي في رئاتهم، والنجاسات التي في أمعائهم! ونحن نقول له: هنيئاً لك!! ومثله لطفي السيد خصم العروبة وخصم الوحدة الإسلامية، وصاحب شعار مصر للمصريين، وصاحب النعرة الفرعونية، لن نتحدث كثيراً عن لطفي السيد، لكن أتحدث فقط عن موقف يكشف عداءه للهوية الإسلامية: كان لطفي السيد يصف نص الدستور على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة المصرية بأنه النص المشئوم!! وذكر الشيخ محمد الخضر الحسين رحمه الله تعالى شيخ الأزهر الأسبق حكاية عن رجل لم يذكر اسمه فقال: وقد وصل ببعضهم الانحطاط في هوى الأجانب، والانغماس في التشبه بهم، أن اقترح في غير خجل قلب هيئة المساجد إلى هيئة الكنائس -أي: أن نغير شكل المساجد إلى شكل كنائس- وتغيير الصلوات ذات القيام والركوع والسجود إلى حال الصلوات التي تؤدى في الكنائس! ثم علق الشيخ الخضر الحسين رحمه الله تعالى على ذلك الاقتراح بقوله: وهذا الاقتراح شاهد على أن في الناس من يحمل تحت ناصيته جبيناً هو في حاجة إلى أن توضع فيه قطرة من الحياء. ومثلهم طه حسين عميل التغريب وداعية التبعية المطلقة للغرب، فـ طه حسين أقر كلمة قالها أحد الطلبة عنده يوماً حيث قال: لو وقف الدين الإسلامي حاجزاً بيننا وبين فرعونيتنا لنبذناه! إنها هوية فرعونية! وأيضاً طالب عميد التغريب طه حسين أن نسير سيرة الأوروبيين، ونسلك طريقهم؛ لنكون لهم أنداداً، ونقول: بل ستكونون عبيداً؛ إذ لا يمكن أن يسمحوا لكم أن تكونوا أنداداً، فهو طالب أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم؛ لنكون لهم أنداداً، ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يُحب منها وما يُكره، وما يُحمد وما يُعاب! ولذلك قال مستشرق يدعى ماتريون: لو قرأنا كلام طه حسين لقلنا هذه بضاعتنا ردت إلينا! ومثلهم محمود عزمي الذي كان يكره الحجاب ويمقته مقتاً شديداً يقول: سبب مقتي للحجاب مقتاً شديداً هو اعتباره من أصل غير مصري، ودخوله إلى العادات المصرية عن طريق تحكم بعض الفاتحين الأجانب، فكان حنقي على أولئك الأجانب الفاتحين الإسلاميين يزيد! إنها أزمة هوية، والقائمة طويلة، وفيها نماذج مخزية جداً، ومن رءوسهم أيضاً: سلامة موسى، ولويس عوض، وجرجي زيدان، وفرج فودة، وحسين أحمد أمين، وزكريا نجيب محمود وغيرهم، لا كثر الله سوادهم!

стр. 1095

ذكر بعض المدافعين عن الهوية الإسلامية وفي الجهة المقابلة في معركة الهوية هناك فرسان دافعوا عن الهوية الإسلامية، وهم كثر ولله الحمد، كما قال : ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]، وعلى رأسهم رجل كل العصور شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ولـ شيخ الإسلام جهد مشكور في صيانة الهوية الإسلامية، ويتجلى ذلك أعظم ما يتجلى في كتابه الرائع " اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ". ومنهم في هذا العصر الأديب البارع مصطفى صادق الرافعي، ومنهم الدكتور محمد محمد حسين، ومنهم الأديب العملاق الأستاذ محمود شاكر رحمه الله تعالى، ومنهم الشيخ أبو الحسن الندوي حفظه الله، وهكذا سائر العلماء والمفكرين والدعاة في كافة بلاد العالم الإسلامي.

стр. 1096

مجالات الهوية التي يحاول الأعداء طمسها

стр. 1097

زعزعة العقيدة وإضعافها أحد أساليب طمس الهوية المجالات التي كانت مسرحاً لطمس الهوية كثيرة جداً، والأساليب أيضاً كثيرة: وأول هذه المجالات العقيدة؛ لأن العقيدة هي خط الدفاع الأول، فإذا انهار ينهار كل شيء بعد ذلك، فكانت أحد أساليب طمس الهوية إضعاف العقيدة وزعزعة الإيمان بزرع الصراعات الفكرية التي تشوش الأفكار وتشتت الأذهان، وإحياء الفلسفات المضادة للتوحيد، وإحياء التصوف الفلسفي، ونشر تراث الفرق الضالة كالباطنية والمعتزلة والرافضة، وإثارة الشبهات حول القرآن الكريم والسنة المطهرة والسيرة الشريفة، وهدم الثقة في السلف الصالح، والتركيز على عرض ما يناقض التوحيد بصورة تغري بالإلحاد كنظرية داروين مثلاً، وعرض تاريخ الأمم الوثنية كالفراعنة وغيرهم دون أي نقد؛ لا لتستبين سبيل المجرمين، ولكن لنعتز بسبيل المجرمين، والله تعالى يقول: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥] أي: كي تتجنبوها، أما نحن فنفصل سبيل المجرمين إعجاباً به، حتى إن الطلبة في المدارس كانوا يحفظون اسم إله كل محافظة في مصر القديمة، وكانوا يحفظون الأناشيد التي كانت يُعبد بها هذا الإله دون أي كلمة خدش أو نقد، فأين نحن من سلوك يوسف ﵇ حينما سُجن في مصر فكان داعياً إلى التوحيد، كما حكى الله عنه أنه قال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٣٩ - ٤٠]، فيوسف ﵇ افتخر بانتمائه إلى أمة التوحيد وإلى هوية الإسلام، كما قال عنه سبحانه: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ [يوسف:٣٧ - ٣٨] إلى آخر الآية.

стр. 1098

تغيير مناهج التعاليم الإسلامية من أساليب طمس الهوية الإسلامية من هذه الأساليب: تسميم الآبار المعرفية التي تستقي منها الأجيال من المهد إلى اللحد، وأنا أذكر حادثة حصلت من مدة عبر بها أحد الإخوة عن مظاهر طمس الهوية: كان السادات في مرحلة من المراحل ديمقراطياً، لكن جاءت فترة لم يتحمل وقال: الديمقراطية لها أنياب، وهي شرسة تعض وهكذا. فالحقيقة أن هناك محاولة لمسخ الهوية الإسلامية تماماً عن طريق تخريب مناهج التعليم بكافة مراحله، هذه أخطر مؤامرة ضد الهوية الإسلامية في هذا الوقت الآن، وهم يسمونها -بكل صراحة- تجفيف منابع الإسلام! هذه المؤامرة لم تبدأ اليوم، بل هي قد بدأت منذ أكثر من قرن، ولم تبدأ من الصفر، لكنها تستمد من معين المنطلقات التي صنعها الاستعمار والاستشراق والتبشير، وقد تمكن في عشرين عاماً مضت من تخريب العقول والنفوس والضمائر والعواطف من خلال سياسته التعليمية بصورة ما كانت تحلم بريطانيا بتحقيق ربعها، ولو جندت في سبيل ذلك مليون جندي بريطاني! وهذا كرومر رائد التغريب في مصر يقول: الحقيقة أن الشباب المصري الذي قد دخل في طاحون التعليم الغربي، ومر بعملية الطحن يفقد إسلاميته، وعلى الأقل أقوى عناصرها وأفضل أجزائها؛ إنه يتجرد عن عقيدة دينه الأساسية. وهذا المستشرق جب يقول: والتأثير الحقيقي في الحكم على مدى التغريب هو أن نتبين إلى أي حد يجري التعليم على الأسلوب الغربي، وعلى المتابيع الغربية، وعلى التفكير الغربي، هذا هو السبيل الوحيد، ولا سبيل غيره. وقد رأينا المراحل التي مر بها طبع التعليم بالطابع الغربي في العالم الإسلامي، ومدى تأثيره على تفكير الزعماء المدنيين وقليل من الزعماء الدينيين، وبعبارة أخرى: التعليم الغربي اللاديني هو عبارة عن الحامض الذي يذيب شخصية المسلم، فمناهج التعليم بالنسبة للهوية تفعل مثلما يفعل الحامض في تذويب هذه الهوية، وبعض الكتاب من شعراء باكستان القدامى كان له شعر ينتقد فيه مناهج التعليم الغربية، ويذكر خطرها على الهوية فيقول ما معناه: إن فرعون كان بليداً بالنسبة لما تفعله مناهج التعليم الغربية؛ لأن فرعون استجلب لنفسه الخزي والعار؛ لأنه كان يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، قال: ولو أنه هداه تفكيره إلى هذا الأسلوب من أساليب التعليم لاستغنى عن ذبح الأبناء تماماً، ولما تلطخت سمعته بهذا العار الذي لحق به، فإن هذا كان سيحقق له هدفه، ويقضي على الإسرائيليين بدون أن يناله هذا اللوم.

стр. 1099

من أساليب طمس الهوية الإسلامية: فك ارتباط الأمة بتاريخها المجيد من هذه الأساليب: محاولة محو ذاكرة الأمة وارتباطها بتاريخها المجيد؛ لأن التاريخ هو خميرة المستقبل، وتمجيد كل ما هو غربي وتحقير كل ما هو إسلامي يمحو الهوية الإسلامية؛ حتى إن جرجي زيدان له سلسلة التاريخ الإسلامي، وكلها مشوهة، وكلها كذب وتشويه، عملها لأداء هذه الوظيفة، التي هي احتقار التاريخ الإسلامي، حتى نصر المسلمين في الأندلس ألّف فيه قصة كاذبة فقال: إن انتصار المسلمين نشأ عن أن واحداً من الأسبان كان يعشق واحدة من المسلمات، وأنه دخل في جيش المسلمين وانضم إليهم، وكان هو سبب حصول هذا النصر؛ وإذ بمجرد انضمامه فتحوا الأندلس!! يقول هذا حتى يُظهر أن نصر المسلمين في الأندلس ليس نصراً عقائدياً، وإنما هذا الأجنبي هو الذي جعلهم ينتصرون!! وهذا كلام كذب، وقصة فتح الأندلس قصة معروفة. فعملية محو ذاكرة الأمة تعني فك ارتباطها بتاريخها السابق، وتمجيد كل ما هو غربي، وتحقير كل ما هو إسلامي، ومزاحمة رموز الإسلام برموز ضلالات التنوير والحداثة والعصرانية، وعرض أنماط الحياة الاجتماعية في الغرب بكل مفاسدها وسوءاتها بصورة جذابة ومغرية، وأن النموذج الأمثل في أن نقلد العادات الغربية، ونشرب الخمر، ونتهاون في الفواحش، ونلبس ملابسهم، ونتكلم بطريقتهم، وهذه هي عملية التذويب والقضاء على الهوية الإسلامية. يقول مستشرق فرنسي يدعى تشاتليه: إذا أردتم أن تغزو الإسلام، وتكسروا شوكته، وتقضوا على هذه العقيدة التي قضت على كل العقائد السابقة واللاحقة لها والتي كانت -أي: العقيدة- السبب الأول الرئيسي لاعتزاز المسلمين وشموخهم وسبب سيادتهم وغزوهم للعالم؛ فعليكم أن توجهوا جهود هدمكم إلى نفوس الشباب المسلم والأمة الإسلامية؛ بإماتة روح الاعتزاز بماضيهم وكتابهم القرآن، وتحويلهم عن كل ذلك بواسطة نشر ثقافتكم وتاريخكم، ونشر روح الإباحية، وتوفير عوامل الهدم المعنوي، وحتى لو لم نجد إلا المغفلين منهم والسذج والبسطاء لكفانا ذلك؛ لأن الشجرة يجب أن يتسبب لها في القطع أحد أغصانها!! فانظر إلى هؤلاء الذين يفرحون بالغرب؛ فإن الغرب أنفسهم يعتبرونهم السذج المغفلين البسطاء، هكذا نظرتهم لمن يبيعون هويتهم ويتنازلون عنها!

стр. 1100

من أساليب طمس الهوية الإسلامية: بث الجهل في العلوم الدنيوية أيضاً من هذه الأساليب: تجهيل العلم، فالعلم أعظم النعم، وإذا قطعت صلة الروح بالله يفقد العلم صلته بالخالق، ودلالاته على التوحيد، ولا نتكلم عن ذبح العلم الشرعي الآن، وإنما نتكلم عن العلوم الحديثة، فهذا العلم هو أكبر وأقوى مؤيد لدعوة التوحيد الفطرية، والعلم صراحة مبدأ يكشف لنا عن آيات الله التي أمرنا بأن ننظر فيها، كما قال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]، وأمرنا بأن ننظر فقال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت:٥٣]، فكل هذه الدلائل تؤكد حقية دين الإسلام، وبطلان ما عداه من الأديان، وأنه هو الطريق الوحيد للسعادة والنجاة، فالعلم هو في أصله يخدم التوحيد، ويخدم دين الإسلام أعظم خدمة، فماذا يفعلون؟ يعمدون إلى تجاهل تذكيرك الله، وإن شئت فافتح كتاب طبيعة أو كتاب إحياء أو أي شيء من هذا، مع أن كل هذا خلق الله، وكل هذه السنن هي سنن الله، وهذه القوانين وضعها الله العالم، وقبل أن تكتشف هذه القوانين بملايين السنين هي تعمل، فمن الذي وضع هذه القوانين؟ إنه الله ، ولكنهم يتعمدون تجاهل ذكرك بالله، وإذا واحد ذكر اسم الله يقال عنه: إنه لا يحترم المنهج العلمي، وهذا يتكلم عن الغيبيات، ونحن لا نعترف إلا بالأمور الحسية! لقد قطعت صلة الاعتقاد بالله ، وبالتالي لم يعد العلم كما كان ينبغي أن يكون خادماً لدعم التوحيد وللهوية الإسلامية، فيعمدون إلى نسبة الآيات الكونية إلى الطبيعة، والطبيعة عملت، والطبيعة كذا، ويريدون محاولة عزو أحداث الكون إلى الظواهر الطبيعية دون ربطها بمشيئة الله وقدرته .

стр. 1101

من أساليب طمس الهوية الإسلامية: التآمر على اللغة العربية ومن ذلك أيضاً: التآمر على اللغة العربية لشدة ارتباطها بالقرآن والإسلام، وأثرها في وحدة الأمة، وذلك عن طريق تشجيع اللهجات العامية، والمطالبة بكتابتها بالحروف اللاتينية، وتشجيع اللغات الأجنبية على حساب لغة القرآن الكريم، وتطعيم القواميس العربية بمفاهيم منحرفة كقاموس (المنجد)، والطعن في كفاءة اللغة العربية وقدرتها على مواكبة التطور العلمي. وإذا كانت الثقافة هي مجموع القيم التي ارتضتها الجماعة لنفسها لتميزها عن غيرها من الجماعات فإن اللغة هي وعاء الثقافة، ومظهرها الخارجي الذي يميزها، ولغة المسلمين والعرب ليست مجرد لغة قومية كأي لغة أخرى، لكنها لغة دينية، بمعنى: أنها توحد حولها جميع المسلمين عرباً وعجماً؛ إذ هي لغة القرآن الكريم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهمان إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وقال المرتضى: من بغض اللسان العربي أداه بغضه إلى بغض القرآن وسنة الرسول ﷺ ، وذلك كفر صراح، وهو الشقاء الباقي نسأل الله العفو. اللغة لها دور عظيم في توحيد وتماسك الهوية الإسلامية، وتوحيد الأمة الإسلامية، وأنا سأضرب مثالين يوضحان لنا هذه الحقيقة، وللأسف الشديد نضطر لذكر أمثلة من غير المسلمين: المثال الأول: نضربه بإيرلندا التي رزحت تحت الاحتلال الإنجليزي منذ أوائل القرن الثاني عشر الميلادي، وذاقت من الاحتلال الإنجليزي الويلات، خصوصاً على يد كرومويل الذي أعمل السيف في رقاب الإيرلنديين، وشحن عشرين ألفاً من شبابهم، وباعهم عبيداً في أمريكا، ونفى أربعين ألفاً خارج البلاد، وتمكن من طمس هويتهم بمحو اللغة الإيرلندية، وتزويدهم بالمجتمع البريطاني. لما حاول بعض الوطنيين الإيرلنديين بعث أمتهم من جديد وبعث الهوية الإيرلندية من جديد أدركوا أن هذا لا يتم ما دامت لغتهم هي اللغة الإنجليزية، وما دام شعبهم يجهل لغته التي تميز هويته، وتحقق وحدته، وأسعفهم القدر بمعلم يتقن لغة الآباء والأجداد دفعه شعوره بواجبه إلى وضع الكتب التي تقرب اللغة الإيرلندية إلى مواطنيه، فهبوا يساعدونه في مهمته؛ حتى انبعثت لغتهم الإيرلندية من رقادها، وشاعت وصارت النواة التي تجمع حولها الشعب، فنال استقلاله، واستعاد هويته، وكافأ الشعب ذلك المعلم باتخاذه أول رئيس لجمهورية إيرلندا المستقلة، وهو الرئيس (ليبليرا) ما الذي وحدهم؟ وما الذي أعاد عليهم الهوية؟ إنها اللغة. المثال الثاني: ألمانيا كانت مقاطعات متفرقة متنابذة إلى أن هب (هاردن) الأديب الألماني الشهير في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، هب ينادي بأن اللغة هي الأساس الذي يوحد الشعوب، والنواة التي تؤلف بينها، فانطلق الأدباء يعكفون على تراثهم القديم أيام كانوا أمة واحدة، وقاموا بإنعاش تراثهم الأدبي، ونسجوا حوله قصصاً وبطولات شحذت ألباب الشباب، وتغنوا بجمال بلادهم وأمجاد أسلافهم، فتجمعت عواطفهم على حب الوطن الكبير، وتطلعت نفوسهم إلى الانضواء تحت لواء هوية ألمانية واحدة، وهو الأمر الذي مهد الطريق أمام بسمارك بتعبئة الشعور القومي وتوحيد ألمانيا وإقامة الإمبراطورية الألمانية التي كان بسمارك أول رئيس وزراء أو مستشاراً لها. فإذا علمت هذا علمت كيف توحد سلوك يهود مع لغتهم العبرية التي انقرضت لمدة ألفي سنة ثم أعادوها من رقادها. وإذا علمت هذا فاسمع وتعجب من المستشرق الألماني الذي يقول في شماتة: إن تركيا منذ حين لم تعد بلداً إسلامياً؛ فالدين لا يدرس في مدارسها، وليس مسموحاً بتدريس اللغتين العربية والفارسية في المدارس، وإن قراءة القرآن العربي وكتب الشريعة الإسلامية قد أصبحت الآن مستحيلة بعد استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية.

стр. 1102

إحياء الأساطير الوثنية والتنقيب عن الآثار الشركية من عوامل طمس الهوية الإسلامية من هذه الأساليب: الاهتمام المبالغ فيه بإحياء الأساطير الوثنية والخرافات الشركية، والتنقيب والحفريات عن الآثار الوثنية التي تبرز الهوية غير الإسلامية أو السابقة، كالفينقية أو الفارسية أو الفرعونية أو الكلدانية، وتسليط الضوء عليها لردها إلى الحياة، وربطها بالحاضر بصورة تزاحم بل تتعارض مع الانتماء الإسلامي، وهذا التراث مهما يكن فإن الإسلام يجب ما قبله، وهذا التراث مهما يكن فإن الإسلام قد نسخ كل دين قبله ولو كان أصله سماوياً، فكيف لا ينسخ الأديان الوثنية؟! إن اعتناق أي أمة للإسلام يشكل فاصلاً عقيدياً وحاجزاً فكرياً بين ماضٍ وثني وبين حاضر ومستقبل مشرق بنور الفطرة والتوحيد. وهذه الهوية السابقة الجاهلية قضى عليها الإسلام حين صهرها في بوتقة الوحدة الإسلامية. وما أكثر ما تستغل هذه الآثار في دعم النعرات الإقليمية لكل قطر، واستعلائه بآثاره وأحجاره الخاصة! وفي ذلك أعظم الخطر على الهوية الإسلامية. ولن ننسى أيضاً أن نذكر شاهداً من أهلها، وهو المستشرق جب في كتابه (وجهة الإسلام) حيث يقول: وقد كان من أهم مظاهر فرنسة العالم الإسلامي تنمية الاهتمام ببعث الحضارات القديمة التي ازدهرت في البلاد المختلفة التي يشغلها المسلمون الآن، فمثل هذا الاهتمام موجود في تركيا وفي مصر وفي إندونيسيا وفي العراق وفي إيران، وقد تكون أهميته محصورة الآن في تقوية شعور العداء لأوروبا من القومية، لكن من الممكن أن يلعب في المستقبل دوراً في تقوية الوطنية الشعوبية، وتدعيم مقوماتها، لكن في المستقبل سيضعف الإسلام، وستضعف الهوية الإسلامية! من ذلك أيضاً طمس المعالم التاريخية والحفريات التي تصحح تاريخ العقيدة، والتي تكشف أن التوحيد هو الأصل، وأن الشرك طرأ عليه. وكذلك طمس الوثائق التي تثبت التحريف في كتب أهل الكتاب، والتي تدعم الإسلام وتؤيده.

стр. 1103

الدعوة إلى السامية ودورها في طمس الهوية الإسلامية نذكر رأياً موضوعياً عابراً، وهو: مؤامرة تزييف تاريخ الإبراهيمية الحنيفية؛ لأن جذور الإسلام هي الإبراهيمية الحنيفية؛ وذلك التزييف يأتي عن طريق الدعوة إلى نشر فكرة السامية، والسامية فكرة تركز على أن هناك أصلاً واحداً مشتركاً بين العرب واليهود، ويحاولون أن يأتوا بجذور بعيدة جداً عن الجد لإبراهيم، فهم لا ينسبوننا إلى إبراهيم ﵇، وملة إبراهيم. واليهود الآن شجعوا فكرة السامية، وذلك عن طريق تركز هذه الفكرة على القول بأن هناك أصلاً واحداً مشتركاً بين العرب واليهود وهو سام بن نوح؛ في حين أن القصد الحقيقي من ورائها هو التعمية على انتساب العرب إلى إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وأعدوا تاريخ إسماعيل وذريته إلى مصدر غامض ليس له سند عملي؛ وبالتالي يحصل صرف الأنظار عن هويتنا الحقيقية التي هي ملة أبينا إبراهيم ﵇، والتي أولاها القرآن الكريم أعظم اهتمام، ونسبنا إليها، وحثنا على اتباعها، وبرأ إبراهيم من كونه يهودياً أو نصرانياً أو مشركاً. وطه حسين قدم خدمة جليلة لليهود في هذا الموضوع؛ لأن طه حسين شكك في صحة وجود شخصية اسمها إبراهيم أو إسماعيل، وقال في حكاية الكعبة ورحلة إسماعيل إلى الكعبة: هذا كله قضية مفبركة! يعني: هذه عبارة عن واحد حاول يألفها لأجل أن يربط بيننا وبين إبراهيم وإسماعيل، هذا كلام طه حسين، وقال: إن للقرآن أن يحدثنا ما شاء عن إبراهيم وإسماعيل، وللإنجيل وللتوراة أن تحدثنا ما شاءت عن إبراهيم وإسماعيل، ولكن ورود هذين الاثنين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات حقيقتهما التاريخية! فالله المستعان! إذاً: موضوع السامية من عناصر هذه المؤامرة.

стр. 1104

الدعوة إلى القومية من أساليب طمس الهوية الإسلامية من ذلك أيضاً محاولة تفسير التاريخ الإسلامي تفسيراً قومياً عربياً كما يفعل البعثيون، فالبعثيون يريدون أن يبتلعوا الإسلام في بطن القومية، ويظنون أن الإسلام هو مجرد مرحلة في تاريخ العروبة، ومحمد بطل عربي حقق المجد العربي بالدين والجنة والنار وهذه الأشياء، فهم كانوا يقولون: فحي على كفر يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم! ويقول الشاعر الآخر: آمنت بالبعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثاني فبعضهم كان يحاول أن يصور أن الإسلام هو مرحلة من المراحل في تاريخ العروبة فقط.

стр. 1105

تشويه التاريخ الإسلامي أسلوب من أساليب طمس الهوية الإسلامية من الأساليب أيضاً: تاريخ الإسلام على أنه تاريخ صراع بين الطبقات (البروليتاريا) وغيرها على الطريقة الماركسية. وبعضهم يصوره على ضوء تاريخ صراع ومناوآت بين الأمراء والحلفاء؛ وكل هذا كي يحال بين الأمة الإسلامية وبين اتخاذ تاريخها الحقيقي منطلقاً للنهوض من كبوتها. فإذا كانت كل هذه المناهج مناهج خاطئة في تفسير التاريخ فما هو المنهج الوحيد الصحيح والمثمر ثمرة نافعة وحقيقية في تفسير التاريخ؟ الجواب هو النظر إلى كل التاريخ البشري على أنه تاريخ دين سماوي واحد هو الإسلام، من لدن آدم إلى محمد عليهما الصلاة والسلام، وهو تاريخ الرسالات السماوية المتعددة الداعية إلى دين واحد هو دين الإسلام بمعناه العدل، فهذا هو الموقف الصحيح من قضية التاريخ. إن التاريخ عبارة عن مواقف الأمم إزاء الرسل الذين دعوهم إلى التوحيد، وكيف أهلك الله الأمم التي نفرت من التوحيد، وكيف أعز الأمم التي قبلت التوحيد، وكيف أن هذه الآثار تدل على أن الله أهلك الذين حادوا عن التوحيد، وهكذا. ومحور التفسير الحقيقي للتاريخ هو: أن التاريخ دين الإسلام الذي بعث الله به جميع الأديان والرسالات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]. فمنذ بداية آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها والتاريخ هو عبارة عن تاريخ الدعوة الإسلامية والهوية الإسلامية ما بين من قبلوها وانضموا إلى حزب الله وبين من رفضوها وكانوا من أحزاب الشيطان.

стр. 1106

طمس المعالم التاريخية الإسلامية أسلوب من أساليب طمس الهوية الإسلامية من هذه الأساليب: طمس المعالم التاريخية التي تؤكد الانتماء الإسلامي، كما فعل النصارى في الفردوس المفقود في الأندلس؛ حيث حولوا المساجد إلى كنائس، وقاموا بالتطهير العرقي بالذبح. وكما فعل أتاترك حين حول مسجد أيا صوفيا إلى متحف وإلى بيت للأوثان، وطمس منه آيات القرآن والأحاديث، وأظهر ما كان الفاتحون المسلمون قد طمسوه من الصور التي زعم النصارى أنها للملائكة، وكانوا يسمونهم الصديقين والصبان والنقوش النصرانية. وكما فعلت الوحوش الصربية في البوسنة حيث كانت تختار بعناية المواريث التاريخية الإسلامية، ثم يتم قصفها وتدميرها؛ لتطهير الذاكرة الجماعية لشعب البوسنة من رموز الهوية الإسلامية ومعالم حضارتها. وكما يفعل اليهود لعنهم الله بالقدس وغيرها من مناطق فلسطين المحتلة. ومثل هذا ما عاناه المسلمون في بلغاريا، ومن أخف ما عانوه قهرهم على تغيير الأسماء الإسلامية لمحو الهوية الإسلامية، وحصلت محن شديدة بسبب هذا الأمر. ونحن الآن نرى أنه بدء المسلمون يشيع فيهم بسبب تمييع الأفلام أسماء غير إسلامية، بل قد تصل إلى أسماء علمانية، لقد انتشرت علمنة الأسماء؛ حتى إن بعض من يتسمى بهذه الأسماء لا تدري هل هو مسلم أم نصراني أم غير ذلك! فتجد بعض الأسماء المحايدة التي لا تعلن عن الهوية الإسلامية بصورة واضحة وصريحة، ولن نذكر أمثلة حتى لا نحرج أحداً.

стр. 1107

النشاط التنصيري ودوره في طمس الهوية الإسلامية من هذه الأساليب: النشاط التنصيري، وهو أخطر عملية لطمس الهوية؛ لأنه التحويل من الهوية الإسلامية إلى الكفر، وهو أسلوب رخيص؛ إذ يستغلون الفقر والمرض، كما حدث ويحدث بالذات في إندونيسيا، وكما يحدث في التعليم في المدارس الأجنبية؛ حيث كانت هناك دعوة صريحة للتنصر، لكن الآن تم تطوير أساليب هذه المدارس الأجنبية، حيث تكتفي الآن بقطع صلة التلاميذ بالإسلام، وتذويب وتحقير هويتهم الإسلامية، وصبغهم بصبغة غربية، ولذلك قال أحدهم: المبشر الأول هو المدرسة! لكن الآن مثلاً: الجامعة الأمريكية هي جامعة تبشيرية إنجيلية، كان اسمها الجامعة الإنجيلية. وكل الأنشطة التنصيرية فشلت فشلاً ذريعاً في كل بلاد المسلمين بحمد الله. وهم دائماً يعودون بالخيبة والخسران، ولا يكسبون غير واحد مهوس أو جاهل. ولما فشلوا عملوا حيلة دفاعية أخرى، كما يقال: إن الذئب حاول أن يصعد على الشجرة لكي يأكل العنب، وكلما حاول فشل، فلما عجز قال: هذا العنب حامض! فهم لما فشلوا ماذا قال زويمر؟ قال: تنصير المسلمين وإدخالهم في النصرانية شرف هم لا يستحقونه، فلنغير الهدف الآن، ونجعل الهدف هو إبعاد أبنائهم عن الدين الإسلامي، ونحولهم عبارة عن أشياء ممسوخة لا هدف لها ولا عقيدة تجمعها ولا هوية لها!

стр. 1108

إثارة القوميات والنعرات وأثرها في طمس الهوية الإسلامية أيضاً من هذه الأساليب: استلاب الهوية الإسلامية وتشتيتها عن طريق ضربها بالهويات الأخرى، فيريدونها قومية وطنية، ثم يريدون أن يقسموا العالم الإسلامي إلى: عالم عربي وعالم غير عربي، ثم العالم العربي يقسمونه إلى عدة بلدان، ثم يثيرون نعرات إقليمية داخلية في البلد الواحد، حتى إنهم أخيراً حاولوا أن يبعثوا الروح القومية النوبية في مصر، حيث يقولون: النوبيون أصلهم يرجع إلى الجذور اليهودية! وفي الجزائر يقومون بتشجيع اللغة البربرية بين وقت وآخر؛ لأن هذا كله تشتيت وإضعاف للهوية الإسلامية. وفي نفس الوقت هذه الهويات المتعددة يمكن أن تسخر من قبل أعداء الأمة في إثارة القلقلة، وتسخر لضرب وحدة المجتمع، وإثارة البلابل والفتن، كما حصل في جنوب السودان، وبالتالي تفقد الأمة تماسكها.

стр. 1109

العولمة ودورها في طمس الهوية الإسلامية من هذه الأساليب أيضاً: الترويج لدعوة العولمة، والعولمة هي: توحيد الثقافة العالمية، وهم لا يهمهم لا قومية ولا علمانية، وإنما أهم حاجة عندهم ألا نكون مسلمين، وأي حاجة تضعف الإسلام يرحبون بها؛ حتى لو تصادمت مع عقائدهم وأفكارهم، لكن أهم شيء أنها تضعف الهوية الإسلامية، فأحياناً يشجعون القوميات والنعرات الإقليمية، وأحياناً يشجعون العولمة والترويج للثقافة العالمية، والحقيقة أن العولمة قناع تختفي تحته فكرة تزويد الثقافة الغربية التي كان يعبر عنها بصراحة مطلقة فيما مضى في عهد الاستعمار: رسالة الرجل الأبيض إلى العالم الملون! أي: أن الرجل الأبيض هو الذي سيهدي هذه البشرية، والرجل الأبيض هو أرقى ما وصل إليه التطور البشري، والآن يغلفونها بكلمة العالمية، فتهدف العالمية إلى تذويب هوية الأمم، وتبخير مثلها العليا، وصهرها في أصولها، ودمج الفكر الإسلامي واحتوائه في قيم تخالف الإسلام، وفي كل شيء يحاولون أن يذوبوا الهوية، حتى في أبسط الأشياء، وأبسط العادات؛ حتى عادات الأكل والشرب أصبحت الآن تقتبس من الغرب. سئل أحد المسئولين الأمريكيين عن رأيه فقيل له: هل تتوقع أن تحصل حرب بين مصر وإسرائيل؟ فقال: يصعب على المرء أن يتصور منذ الآن أن تقوم حرب بين دولتين في كل منهما فرع للاحتلال.

стр. 1110

التغريب ودوره في طمس الهوية الإسلامية أيضاً من هذه الأساليب: التغريب الذي استمر سمة ثقافية بارزة حتى بعد أن اضطر الغرب إلى تقويض خيامه، ثم الرحيل عن بلاد المسلمين، ولكن الذي حدث أنه لم يرحل إلا بعد أن أقام وكلاءه حراساً على مصالحه ومقاصده، فرحل الإنجليز الحمر وحل محلهم الإنجليز السمر، وبعبارة شاهد من أهلها -وهو صاحب كتاب (تغريب العالم) - يقول: لقد انتقل البيض إلى الكواليس، لكنهم لا يزالون مخرجي العرض المسرحي!

стр. 1111

استغلال قضية تحرير المرأة المزعومة في طمس الهوية الإسلامية من هذه الأساليب لتذويب الهوية: استقطاب المرأة المسلمة، وخداع المرأة المسلمة، والتغرير بها بدعاوى: تحرير المرأة، ومساواتها بالرجل، والترويج لفكرة القومية النسائية، وفصل قضية المرأة المسلمة عن قضية الوطن المسلم، وترويج خبر امرأة في جنوب أفريقيا اشتغلت كذا، وأخرى في كذا، فعلت كذا وكان مصر يجب أن تقتدى بكل نساء العالم، وجعلوا رابطة قومية تربط النساء؛ تربط المسلمة باليهودية بالنصرانية بعابدة الأبقار والأوثان وبالملحدة، وكأن قضيتهن واحدة، ومعتقداتهن واحدة، ومطالبهن واحدة، ومعركتهن ضد الرجل واحدة!!

стр. 1112

الاشتغال بالترفيه والشهوات من وسائل طمس الهوية الإسلامية من ذلك أيضاً: إشغال المسلمين بالترفيه وبالشهوات، ودفع المجتمع إلى السطحية في النظر إلى الحقائق، وذلك بزيادة معدلات تعرضه للإعلام الترفيهي، مع تقليل الزمن المتاح للتأمل والتفكر والتدبر في الأحداث اليومية. إذاً: وسائل الترفيه والإعلام هذه هي آلات الجراحة النفسية المطلوبة لاستبدال الهوية ومسخها.

стр. 1113

استغلال الأوضاع الاقتصادية في طمس الهوية الإسلامية من ذلك أيضاً: استغلال العامل الاقتصادي في تذويب الهوية؛ لأن العطاء لابد له من مقابل، وغالباً هذا المقابل لابد أن يشمل إضعاف العقيدة والتنازل عن الهوية.

стр. 1114

الحرب النفسية على الدعوة الإسلامية: ورموزها أسلوب من أساليب طمس الهوية الإسلامية من ذلك أيضاً: الحرب النفسية المدعمة بالأساليب التعسفية؛ لإنهاك الدعوة إلى الهوية الإسلامية، وتنحية رموزها عن مواقع التأثير الإعلامي والتربوي، وتسليط الحملات التي تصفهم بالتطرف والإرهاب والأصولية، مع تركهم مكشوفين في العراء عرضة لانتقاد وسخرية أعداء الهوية الإسلامية؛ لكيلا يشكل الدين أي مرجعية معتبرة للأمة.

стр. 1115

من أساليب طمس الهوية الإسلامية تقسيم الدين إلى قشور ولباب من ذلك أيضاً: تقسيم الدين إلى قشر ولباب، وإلى شكليات وجوهر، وهذه دعوة خبيثة من لحن قول العلمانيين، وقد فصلنا الكلام فيها في مناسبة أخرى، لكن باختصار نقول للكافرين: لكم دينكم ولنا دين، أيضاً نقول: لكم قشرتكم ولنا قشرتنا، فينبغي أيضاً أن نتميز في الظاهر كما نتميز عنهم في الجوهر، قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة:١٣٨].

стр. 1116

كيفية المحافظة على الهوية الإسلامية واسترداد ما دُرس منها ما السبيل إلى استرداد هويتنا؟ نحن حينما نتكلم على قضية الهوية لا نخترع ولا نؤسس هوية مفقودة، لكننا نريد استعادة الوعي بالهوية الموجودة، والحقيقة أن الناس لا زال فيهم الخير، والجذور موجودة، والعاطفة موجودة، والاستعداد موجود، لكنهم ضحايا هذه الأساليب التي ذكرنا، ولهذا سمعنا أن الجنود المصريين الذين ذهبوا إلى حفر الباطن أيام حرب العراق ليحاربوا جيش العراق، أول ما سمعوا أن العراق أطلق أول صاروخ على إسرائيل ظلوا يهللون ويكبرون بهذا النصر العظيم، وهذا يكشف عن المعدن الأصيل والراسخ الذي أحدثه الإسلام في جذور هذه الأمة الإسلامية، فالحقيقة أننا لا نحتاج الآن إلى أن نؤسس هوية جديدة، وإنما نحتاج إلى استعادة الوعي بالهوية الموجودة بالفعل التي صارت كصفحة مكتوبة تراكمت عليها طبقات الأتربة حتى صارت غير مقروءة؛ لأن أحداً لم يحاول قراءتها منذ زمن، فالمطلوب إزالة هذه الأتربة، واستحضار الأفكار والقيم التي يطلب الوعي بها من وراء حائط النسيان.

стр. 1117

الإعلام ودوره في إحياء الهوية والحفاظ عليها لابد من توظيف الطاقات المتاحة، وأهمها: تدعيم الإعلام الإسلامي والدعوة الإسلامية بكافة أشكالها؛ لتحصل إحياء حركة تجديد الدين بالمنهج وفقاً للمنهج السلفي الواضح، وبمنتهى الوضوح لابد أن يكون التجديد سلفياً، لأن الرسول ﷺ قال: (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) فأي انحراف عن منهج النبوة -الذي هو منهج أهل السنة والجماعة منهج السلف الصالح- لا يمكن أن يحدث تجديداً ولا تمكيناً؛ لأن في الرجوع إليه عودة إلى منابع الإسلام الصافية، بعيداً عن مخلفات القرون.

стр. 1118

الإسلام منهج شامل كامل لكل زمان ومكان أيضاً: إظهار أهلية الإسلام لمعضلات واقعنا الأليم، وتحرير الهوية الإسلامية من كل مظاهر الخور والتبعية والتقليل، والتصدي لمحاولات تذويب الهوية الإسلامية وقطع الصلة بالأمة بدينها؛ خاصة من خلال تخريب مناهج التعليم، وتشويه التاريخ الإسلامي، وإضعاف اللغة العربية، ومزاحمة القيم الإسلامية بقيم غربية وغير ذلك من أنشطة التبشير، لا نقول: التبشير النصراني، لكن التبشير العلماني، والغزو الفكري وتسميم الآبار الإسلامية، أو ما يطلق عليه الذين لا خلاق لهم تجفيف منابع الدين، نسأل الله أن يجفف الدم في عروقهم، وأن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وأن يريح البلاد والعباد من شرورهم. هل ستعود الهوية الإسلامية؟ وبعبارة أخرى يمكن أن يصاغ هذا السؤال هل سيعود إلى المسلمين مجدهم وعزهم وسيادتهم؛ لأن هناك ارتباطاً وثيقاً بين العودة إلى الهوية الإسلامية وبين النصر والتمكين؟ الجواب نعم، كما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله ﷺ ، يقول : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣]. وقال ﷺ في الحديث: (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة). وقال تعالى في صفة الذين سيسلطهم على اليهود إن عادوا إلى الإفساد في الأرض: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾ [الإسراء:٥] انظر إلى الهوية: (عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء:٥]. فالهوية هي العبودية لله، وقد أخبر رسول الله ﷺ أن الهوية الإسلامية ستكون هي هوية الذين يقاتلون اليهود ويهزمونهم ويؤدبونهم؛ حتى إن الحجر والشجر سيتعاطف مع المسلم بهويته الإسلامية، كما قال ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تقاتلون اليهود؛ حتى إن الحجر والشجر يختبئ خلفه اليهودي يقول: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود) والغريب أن اليهود الآن يستكثرون من زراعة نبات الغرقد في فلسطين! فالإسلام هو عبادة الله وحده، وهو مفتاح النصر والتمكين، أما شعارات الدجاجلة الذين يتبعون الذين كفروا، والذين هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا؛ فهؤلاء ستدركهم سنة الله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧]، وهؤلاء الضالون المضلون هم دعاة التغريب والقومية والعلمانية إلخ. وما أقوالهم سوى فقاقيع سنحت لها الفرصة لتطفو على السطح، ثم تتلاشى كأن لم تكن، وسينتصر الإسلام رغم أنف الجميع. إن العالم الإسلامي هو الآن الأجدر بالوصاية على المجتمع البشري بعد انسحاب الأديان الأخرى من معترك الحياة، وبعد انهيار الشيوعية الملحدة وإفلاس الغرب المادي من القيم الروحية السامية. والعالم الإسلامي له في المجد نسب عريق وطريق عميق، وله حضور تاريخي متميز، ويملك مقومات الانطلاقة المستقبلية الجادة؛ إنه صاحب القوة الكبرى الكاملة التي يحسب الغرب لها ألف حساب رغم ضعفه البادي والظاهر، ومن أجل ذلك كان للعالم الإسلامي الحظ الأوفر من مؤامرات تحطيم الهوية ومسخها، وفوق ذلك كله هو عالم إن عاد إلى هويته فهو عالم مؤهل بالثبات مؤيد بالمدد الرباني الذي لا يضعه الغرب في حساباتهم، قال تعالى مخاطباً إيانا بهذه الهوية: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٨].

стр. 1119

شهادة صادقة من عدو كاذب أخيراً: دعونا نتأمل هذه العبرة التي نطق بها عدو لدود، لكن لكونها توافق سنن الكون وقوانين الحياة نقول: صدق وهو كذوب، فقد قص الأستاذ يوسف العظم: أن وزير الحرب اليهودي موشي ديان لقي في إحدى جولاته في فلسطين المحتلة شاباً مؤمناً في مجموعة من الشباب في حي من أحياء قرية عربية باسلة، فصافحهم اليهودي الخبيث بخبث يهودي غادر، غير أن الشاب المؤمن أبى أن يصافحه، وقال له: أنتم أعداء أمتنا، تحتلون أرضنا، وتسلبون حريتنا، ولكن يوم الخلاص منكم لابد آتٍ بإذن الله؛ لتتحقق نبوءة الرسول ﷺ القائل: (لتقاتلن اليهود أنتم شرقي النهر وهم غربيه) فابتسم ديان الماكر وقال: حقاً! سيأتي يوم نخرج فيه من هذه الأرض، وهذه نبوءة نجد لها في كتبنا أصلاً، ولكن متى؟ واستطرد اليهودي الخبيث قائلاً: إذا قام فيكم شعب يعتز بتراثه، ويحترم دينه، ويقدر قيمه الحضارية، وإذا قام فينا شعب يرفض تراثه، ويتنكر لتاريخه، عندها تقوم لكم قائمة، وينتهي حكم إسرائيل! أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1120

أدب التعامل مع الكفار الإسلام دين اليسر ورفع الحرج والمشقة، وقد اختص الإسلام بخصائص كثيرة عن غيره من الأديان السابقة، ومن تلك الخصائص أحكام معاملة الكفار وأهل الكتاب، فقد وضع الشرع آداباً وأسساً تقوم عليها العلاقة مع الكفار، والتعامل معهم، وهي أسس وضوابط مبنية على العدل وعدم الظلم، وهذا هو اللائق بهذا الدين العظيم، الذي فيه الدعوة إلى كل خير، والتحذير والنهي عن كل شر وضرر ومكروه.

стр. 1121

الأسس العامة في علاقة المسلمين بغيرهم إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فقد كثر سؤال الإخوة في الحلقات السابقة عن كثير من الأحكام التي تتعلق بأدب التعامل مع الكافرين، والسلوك الذي ينبغي أن يسلكه المسلم مع الكفار باختلاف أنواعهم، وكنت أرجئ جميع هذه الأسئلة إلى مثل هذه الفرصة حتى نحاول أن نستوفي الموضوع من شتى جوانبه. وقد وجدت دراسة من أفضل الدراسات في هذا الموضوع، سبق أن مررنا بشيء يسير منها في أثناء فتنة الخليج، وهي في كتاب الدكتور عبد الله بن إبراهيم بن علي الطريقي المسمى: الاستعانة بغير المسلمين في الفقه الإسلامي. ونحن نعلم أن دين الإسلام هو الرسالة الخاتمة الكاملة، جاء الإسلام بتشريع دقيق واف شمل كل أمور الحياة البشرية في الدين والدنيا، ومن جملة ما شمله الإسلام: تنظيم العلاقات بين الناس بعضهم ببعض، سواء كان بين الراعي والرعية، أو بين الوالد وأولاده، أو بين الزوج وزوجته، أو بين الأقارب أو الجيران، أو بين المسلم والمسلم، أو بين المسلم وغير المسلم، أو بين الدولة وغيرها من الدول في حالتي السلم والحرب. لقد وضع الإسلام لكل ذلك حدوداً وشرع شرائع وأحكاماً بينة، ولعل من أهمها هي العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، فإننا إذا تحرينا وجدنا أن هذه المسألة قامت عليها أدلة كثيرة جداً، ولذلك قال بعض العلماء: إنها أعظم مسألة قامت عليها أدلة من القرآن والسنة بعد مسألة توحيد الله ﵎، وسوف نجتزئ من الفصل الأول من الرسالة من الباب الأول: الأسس العامة في علاقة المسلمين بغيرهم. وقد ذكر الدكتور الطريقي حفظه الله بعض الأسس التي تقوم عليها هذه العلاقة بين المسلمين وغيرهم. الأساس الأول: سماحة الإسلام والمظاهر الإنسانية. سبق التنبيه على استعمال كلمة الإنسانية في نفس هذا السياق، وأن كلمة الإنسانية أحياناً لا تذكر في سياق المدح، فيكون بذلك إذاً مخالفة للقرآن الكريم، أو مخالفة لأسلوب القرآن وألفاظ القرآن؛ لأن القرآن لم يستعمل لفظ الإنسان إلا في سياق الذم، بحيث يشير القرآن إلى أن هذا المخلوق البشري من حيث هو مخلوق قبل أن ينتفع بهداية الله ﵎ إياه، فالمخلوق العاري عن التوفيق والهداية يسمى إنساناً، ولذلك نجد صفاته دائماً مذموماً؛ لأنه لم ينتفع بعد ولم يستجب لهداية الله ﵎، لم يهتد ولم يوفق لذلك، فانظر إلى أي صفة للإنسان في القرآن: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢]، وقوله: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء:٣٧] وقوله: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات:٦]، ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] وهكذا. الأساس الثاني: أن الإسلام دين خاتم عالمي. الأساس الثالث: العدل. الأساس الرابع: الوفاء بالعهود والمواثيق. الأساس الخامس: منع الفساد في الأرض. الأساس السادس: منع موالاة الكفار. الأساس السابع: القاعدة في معاملة الكافر وتوثيقه وقبول خبره.

стр. 1122

سماحة الإسلام ومظاهر ذلك الإسلام دين اليسر ورفع الحرج والمشقة، فلا عسر فيه ولا أغلال ولا آصار، هذه الميزة خاصة بدين الإسلام أنه دين يسر، قال : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] فهذه الميزة اختصت بها الأمة المحمدية، لم يشاركها في هذه الميزة أمة من الأمم أو دين آخر، حتى كانت الأمم السابقة تكلف بتكاليف عسيرة، وتفرض عليها فرائض شديدة، وربما حظر الله عليها بعض المباحات والطيبات، وهذا ليس من طبيعة هذا الدين المنزل من عند الله ﵎؛ ولكن لأن بعض تلك الأمم كانت مجبولة على العناد، والشقاق، والشكوك، وكثرة السؤال، والتعنت في معاملة أنبيائهم، فكانوا يشددون على أنفسهم فيشدد الله ﵎ عليهم، كما حصل مع بني إسرائيل في قصة البقرة التي أمروا بذبحها؛ لهذا جازاهم الله بأن عسر عليهم بعض هذه الأمور جزاء تعنتهم وعتوهم، ولا يظلم ربك أحداً. والدليل على هذا الذي ذكرنا قوله ﵎: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء:١٦٠] فحصل تحريم لبعض الطيبات لأمرين: الأول: ظلم من الذين هادوا وهم اليهود لعنهم الله. الثاني: بصدهم عن سبيل الله ﵎ كثيراً. أما هذه الأمة المرحومة، الأمة المحمدية، الأمة الوسط، فبما رحمة من الله سمعت وأطاعت واستجابت لكل ما طلب منها، فخفف الله ﵎ عنها، ووضع عنها الآصار والأغلال التي كانت على الأمم السابقة، ولهذا فالمسلم يدعو دائماً بهذا الدعاء العظيم، الذي ختمت به سورة البقرة: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦]، وجاء في الحديث الصحيح: (أن الله جل وعلا قال: قد فعلت) يعني: استجبت دعاءكم ووهبتكم ذلك الذي سألتموني إياه. فرفع الآصار والأغلال والتخفيف هذا من رحمة الله بهذه الأمة؛ لكونها الأمة الخاتمة، صاحبة الرسالة الخاتمة إلى أن تقوم الساعة. فاختصت هذه الأمة بكثير من هذه الخصائص التي يتجلى فيها جانب الرفق والسماحة، فمثلاً: بعض الأحكام في الأمم السابقة كأحكام الطهارة، كان عند تلك الأمم إذا أصابت الثوب نجاسة فإنه يحرق، أما في شريعة الإسلام فمعلوم ما في ديننا من التيسير الكثير في شأن الطهارة والعبادات ومن رفع الحرج، بحيث إنه متى ضاق الأمر اتسع. كذلك كانوا لا يعذرون بالإكراه، وهذه الأمة عذرت بالإكراه، يقول النبي ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، فهذا يدل على أن هذا من خصائص هذه الأمة، في حين أن الأمم السابقة كما في قصة أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:٢٠]، فنفى عنهم الفلاح إلى الأبد، وهذا يبين أنه لم يكن لهم رخصة في النطق بكلمة الكفر، إما أن يثبتوا فيفلحوا أو يرتدوا فيهلكوا. أما الترخيص في النطق بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان، فهي من خصائص هذه الأمة المرحومة، كما هو معلوم من قوله ﵎: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] وهكذا كثير من الأحكام تولى فيها سبحانه رفع الإصر والأغلال عن هذه الأمة المرحومة، يقول ﵊: (دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم)، وقال ﵊: (إني أرسلت بحنيفية سمحة) فالحنيفية: هي الميل عن الأديان الباطلة إلى دين الإسلام. من هذه القاعدة انطلق الإسلام، وشمل بيسره ورفقه الناس حتى غير المسلمين، فقد كانت بعثة النبي ﵌ رحمة للعالمين، كما وصفه الله بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، فبعثته شملت كل العالمين، حتى عالم الطيور وحتى عالم الأسماك، وحتى عالم الكفار والمشركين، فلكل أمة نصيب من صفة الرحمة التي اختص بها رسول الرحمة صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. تسامح الإسلام حتى مع هؤلاء الكفار غير المسلمين في كثير من القضايا والأحكام، ومنحهم كثيراً من الحقوق حتى أصبحت هذه الأمور قضايا عامة، وكل هذا بفضل رحمة الله بعباده ولطفه بهم، يقول ﵊: (إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخر الله تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة) رواه مسلم.

стр. 1123

مشروعية الرحمة العامة من أهم جوانب التسامح في هذا الدين مع غير المسلمين: مشروعية الرحمة العامة، هنالك رحمة عامة يرحم بها المسلم الخلق كافة، كما قال ﵊: (إن الله لا يضع رحمته إلا على رحيم، قالوا: كلنا يرحم يا رسول الله! قال: ليس رحمة أحدكم صاحبه، ولكن يرحم الناس كافة) فأول مظاهر هذا التسامح الرحمة العامة؛ بل إن من أسماء الله الحسنى المقدسة: اسمه الرحمن واسمه الرحيم، ومعلوم اختلاف العلماء في تفسير هاتين الصفتين، وكيف أن الرحيم يختص بالمؤمنين، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة يشمل كل المخلوقات، فالرأفة والرحمة من صفات الله . أيضاً أرسل الله ﵎ رسوله محمداً ﷺ رحمة للخلق، قال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، ومن هنا حض الإسلام على هذه الرحمة العامة للخلق كافة ورأف بهم، فمن ذلك قوله ﵊: (لا يرحم الله من لا يرحم الناس)، الناس بكل أبعادها، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﵊: (من لا يرحم لا يرحم). قال ابن بطال في هذا الحديث: فيه الحض على استعمال الرحمة لجميع الخلق، فيدخل المؤمن والكافر، والبهائم المملوك منها وغير المملوك. إذاً: الرحمة شاملة لكل الخلق وليست خاصة بالمؤمنين أو بالمسلمين، وسبب هذه الرحمة ظاهر؛ فإن الحياة بمعنى الحيوانية في الشيء، فكلمة الحيوان مذكر الحياة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت:٦٤] أي: هي الحياة الحقيقية الباقية. وعندما نقسم المملكة الحيوانية يدخل فيها الإنسان، ويدخل فيها غيره من الدواب والطيور وغير ذلك، فوجود معنى الحيوانية في الشيء سواء كان هذا الشيء إنساناً أم حيواناً من أسباب الدعوة إلى الرحمة، ولهذا لما سئل النبي ﵌: (هل في الإحسان إلى البهائم أجر؟ فقال ﵊: لك في كل ذات كبد رطبة أجر) ومعلوم حديث الرجل الذي رأى الكلب وهو يلهث أو يلعق التراب من شدة العطش، فنزل البئر وأحضر له الماء في نعله أو في موقه فسقاه، فغفر الله له بذلك. إذاً: الرحمة العامة لكل المخلوقات، سواء كان مسلماً أو كافراً أو من البهائم: (في كل كبد رطبة أجر). أيضاً وجود الكفر أو الفسوق أو العصيان في واحد من الناس هو أمر أصلاً يدعو إلى الرحمة والتأسف، أنت إذا تذكرت ما ينتظره من العذاب الأليم تشعر بالرحمة له والشفقة عليه من هذا العذاب، وتتأسف على حاله؛ لأنه إنسان مبتلى، فالمبتلى لا ينبغي إظهار التعالي عليه، بل على المسلم التقي الذي عافاه الله أن يحمد ربه على العافية: ﴿كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:٩٤] أي: كذلك كنتم قبل أن تدخلوا في الإسلام. فالإنسان المسلم لا ينظر إلى أن هذه الهداية أو التوفيق جاءت من كده وكدحه، إنما هي برحمة الله إياه وبتوفيقه الذي حرمه ذلك الكافر، فلا تنظر للكافر بتعالٍ، فإنما الأعمال بالخواتيم، لكن انظر له بعين الرحمة العامة، فتحمد ربك على العافية وترحم هذا المبتلى، وما معنى رحمته؟ معنى رحمته أن تنصحه وتدعوه إلى الحق بالأسلوب المناسب. روى الترمذي عن عمر رضي الله ﵎ عنه، أن رسول الله ﵌ قال: (من رأى صاحب بلاء فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً، إلا عوفي من ذلك البلاء كائناً ما كان ما عاش)، وكما ذكرنا من قبل فضيلة الدعاء (أعجز الناس من عجز عن الدعاء) فالإنسان لو دعا بهذا الدعاء حينما يرى مبتلى بأي مرض من الأمراض، وتذكره ووفقه الله لاستحضاره ساعتها بإخلاص واستوفت شروط الإجابة، فإن الجائزة هي أن يعافى من هذا المرض مدة حياته كلها، فانظر إلى هذه الرحمة والناس في غفلة عنها. عندما ترى واحداً مشلولاً، أعمى، مريضاً بالسرطان، مريضاً بأي نوع من الأمراض، فإذا رأيته بهذا المرض وقلت هذا الدعاء، فهذا ضمان وتأمين من النبي ﵊ أنك تعافى من هذا المرض ما عشت. أيضاً صاحب البلاء، لا ينبغي أن نقصر هذه الرحمة على البلاء الذي يتبادر إلى أذهاننا كفقدان الصحة والعافية وغير ذلك، لكن من أشد البلاء الذي يبتلى به الإنسان ويصاب به المصيبة في دينه، وأخطر ذلك الوقوع في الكفر والعياذ بالله، كذلك البلاء بالمعاصي، كأن ترى حاكماً رئيساً أو ملكاً أو قائداً عسكرياً كبيراً وكل هؤلاء قد سخروا سلطانهم في الصد عن سبيل الله ﵎، والتعالي على خلق الله والتكبر عليهم، وتعذيب الناس وأذيتهم في دينهم، وصدهم عن دين ربهم، فلا تنظر إلى ما هم فيه من المناصب المرموقة، أو أن معهم مالاً أو كذا وكذا من الأمور الدنيوية، وإنما تنظر إلى البلاء الحقيقي الذي هم فيه، وتحمد الله أن عافاك من حالهم، وجعلك مسلماً مؤمناً موحداً تقياً. فالإنسان المسلم يستحضر نعمة العافية من البلاء إذا رأى مكاساً، وإذا رأى أي واحد من الظلمة. لماذا لا نتذكر الداء فقط إلا عند الأمراض البدنية؟! إذا رأيت من يضيع وقته في الأفلام والتلفاز والمسرحيات والمباريات وكل هذه الضلالات، فإن عليك أن تستحضر نعمة الله عليك أن صرف عنك هذه الأشياء في حين زينها لغيرك: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر:٨]، فتحمد الله أن عافاك من هذا وجعلك من أهل تعمير المساجد، وتعمير حلق الذكر، وطاعة الله ﵎ والدعوة إليه، فهذه كلها من النعم وعكسها من البلاء، فينبغي إذا رأينا صاحب البلاء أن نقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به. وهل يظهر الإنسان هذا الدعاء ويجهر به أمام المبتلى؟ يذكر العلماء في الآداب الشرعية: أن البلاء إذا كان في الدين، كالمعاصي والكفر والعياذ بالله أو غير ذلك، ويرجى من الجهر به أن ينزجر ذلك الشخص المبتلى بالمعصية أو بالكفر أو المخالفة فلا بأس، لكن لا على سبيل الشماتة ولا على سبيل التعالي، وإنما استحضار لنعمة الله، وطلب للعافية، ثم تذكير لهذا المبتلى بالمعصية لعله إذا سمعه ينزجر. إذاً: إذا كان يرجى من وراء الجهر بهذا الدعاء أن ينزجر هذا المبتلى فلا بأس أن تجهر بهذا الدعاء، أما إذا كان ذلك يدعو إلى إصراره فلا، وكذلك إذا كان الإنسان المبلتى مريضاً فلا تسمعه هذا الدعاء؛ لأن هذا ليس من الأدب الشرعي، لكن تسر به في نفسك حتى لا تؤذيه، فهذا مما ينبغي أن يلتفت إليه، وهذا الحديث رواه الترمذي وابن ماجة ورمز له السيوطي بالحسن: (من رأى صاحب بلاء فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً، إلا عوفي من ذلك البلاء كائناً ما كان ما عاش). إذاً: هذه فرصة عظيمة جداً، وفعلاً كما قال ﵊: (أعجز الناس من عجز عن الدعاء)، وهذا مما يلفت أنظارنا إلى أن كثيراً من أبواب الخير مفتوحة، ولكن الناس في غفلة عنها، ولذلك يحرمون، فمثل هذا هو محض توفيق من الله، قد تجد الناس تتذكر هذا الدعاء، لكن ليس كل الناس يكرمهم الله باستحضاره: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦]. فمن توفيق الله للعبد أن يلهمه أن يستحضر هذا الدعاء في هذا الموضع، حتى يمتن الله عليه بالمعافاة من هذا الداء. إذاً: دائماً نكرر قول النبي ﷺ : (أعجز الناس من عجز عن الدعاء) بتحريك الشفتين بألفاظ قليلة سهلة ميسورة في وقت قصير تنال أعظم المطالب في الدين والدنيا والآخرة، تنال الجنة والفردوس الأعلى بالدعاء، ومن عجز عن الدعاء مع سهولته وعظم الثمرة المرجوة من ورائه؛ فهذا أعجز الناس لا شك في ذلك.

стр. 1124

رحمة الداعية بمن يدعوهم إلى الله تعالى الرسول ﵊ في دعوته لقومه هو المثل الأعلى في مجال رحمة الخلق، فينبغي أن تكون نظرتنا إلى من ندعوهم إلى الإسلام نظرة الرحمة العامة، نظرة الرحمة والشفقة لا نظرة الاستعلاء أو التكبر أو التشفي أو غير ذلك، بل إذا تأملنا القرآن الكريم فسنجد أنه قد بلغ من شفقته ﵊ على أمته -أمة الدعوة وتشمل الكفار أيضاً -وصل حزنه وشفقته عليهم ونصيحته لهم إلى أنه كاد أن يهلك نفسه الشريفة ﷺ ، يقول الله ﵎: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف:٦] أي: مهلك نفسك. ﴿عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦] أنت تهلك نفسك أسفاً عليهم، وفي الآية الأخرى يقول : ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨]، فالداعية إلى الله المقتدي بسيرة الرسول ﷺ يرحم الناس ويهتم بهم، لكن لا ينبغي أن تصل به هذه الرحمة وهذا الاهتمام إلى حد الأسى وتعذيب النفس وإرهاقها، لكن يعزي نفسه بأن الهداية بيد الله ، وما على الداعي إلا البلاغ المبين، ورسول الله ﵊ الذي بعث رحمة للعالمين بالرغم مما كان يعانيه في سبيل الله من المشقة والجهد والتحدي، لما طُلِبَ من النبي ﷺ أن يدعو على المشركين أن يهلكهم الله وأن ينزل عليهم بأسه وعقابه، ماذا كان جوابه ﵊؟ يقول ﷺ كما جاء في صحيح مسلم: (إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة) ﵌. ويقول ﷺ : (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقعن فيه، -فأخذ يردهن بيده وهن يتقحمن في النار، وأنا آخذ بحجزكم من النار وأنتم تفلتون من يدي) رغماً عنه ﵊، يعني: كأن هناك ناراً والناس واقفون على شفير هذه النار ويقذفون أنفسهم فيها، وهو رحمة بهم يريد أن ينجيهم، فيمسك ما أمكنه أن يمسك، يمسك هذا من ذيل ثوبه، وهذا من أكمامه فيحاول أن يبعدهم عن النار رحمة بهم ونصيحة لهم، فمن هلك يهلك رغماً عنه، الذي يستطيع أن ينجيه يجتهد في ذلك، لكن ما الحيلة فيمن قضى الله عليهم بالشقاء والعذاب والتعاسة؟! إذاً: المسلم هو رحمة ورأفة وعطف وتواضع، وليس أبداً بحال من الأحوال هذا الوضع للمسلم هو عنوان الاستكانة أو الذل أو الضعف، لكن هذه الرحمة هي الرحمة التي هي طبع الأقوياء الأعزاء بالله وبدين الله ﵎، قال الله ﵎: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]. فإن قيل: وصف الله محمداً ﵌ وصحبه بأنهم أشداء على الكفار غلاظ عليهم، هل يتنافى هذا مع الرحمة؟ ف الجواب أن هذه الآية يفسرها قوله ﵎: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٧ - ٩]. هذه الآيات توضح لنا أن من أبدى عداء للمسلمين وأضمر شراً لهم، فلابد أن يكون المسلمون أشداء عليهم جزاءً وفاقاً، فهذا هو المقصود بقوله : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح:٢٩]، وبقوله : ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة:٩]، فالكفار الذين أمرنا أن نكون أشداء عليهم هم من جاءت صفاتهم في قوله : ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة:٩]، مقاتلة المسلمين، فتنتهم عن دينهم، الاعتداء على المسلمين في ديارهم وإخراجهم منها، كذلك مظاهرة هؤلاء ومساعدتهم، أي: من لم يفعل بنفسه هذه الأشياء من الكفار لكنه عاون الكفار الآخرين وساعدهم على فعل هذه الجرائم فهو أيضاً له حكمهم. ثم إن الشدة لا تتنافى مع الرحمة، فالطبيب الذي يأتيه المريض الذي حصلت به مثلاً الغرغرينة، إذا تركه ولم يبتر هذا العضو الميت من بدنه فسوف يزحف هذا المرض على بدنه ويتلفه كله، فتضيع حياته، فمن الرحمة بهذا المريض بتر هذا العضو الميت وفصله عن جسده، حتى ينقذ باقي الجسد، فكذلك أيضاً مشرط الجراح حينما يعمل في جسم الإنسان من أجل إنقاذه من خطر أكبر، فهذا في الحقيقة ظاهره أنه مؤلم، لكن هو في الحقيقة سبب إلى العافية وسبب إلى الرحمة، فالشدة لا تتنافى مع الرحمة، والأب الرحيم المحب لأولاده قد يشتد عليهم، لا يشتد من منطلق أنه يريد أن يقضي عليهم أو يغلظ عليهم، لكن يشتد ويتحكم في أبوته وعاطفته التي تدعوه إلى عدم الشدة، ويعمل عقله ويريد مصلحة هذا الولد حتى يقوّم خلقه، وحتى يستفيد من التجارب، وحتى يحسن تربيته وأخلاقه، فإنه ربما يحتاج إلى الشدة، كما سبق أن ذكرنا ذلك في مشكلة ضرب الأولاد. فالشاهد أن الشدة لا تتنافى مع الرحمة، كما قال الشاعر: فقسا ليزدجروا ومن يك حازماً فليقس أحياناً على من يرحم فهذه الشدة من أجل مصلحة الإنسان نفسه، أما من أبدى تعاطفاً وسلماً من الكفار، أو كان له عهد وذمة، فالمشروع في حقه أن يحسن إليه، علاوة على هذه الرحمة، ولعل هذا ما أشار إليه قوله : ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة:٨]، وكما قال : ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال:٦١] فهذا فيما يتعلق بالمظهر الأول من مظاهر تسامح الإسلام مع الناس كافة، وهو مشروعية الرحمة العامة، وهي التي يحتاج إليها كثير من الناس، مثلاً: الطبيب إذا وجد مريضاً من الكفار يحتاج إلى مساعدته أو إنقاذه، ما لم يكن هذا الرجل حربياً معادياً للإسلام في وقت من الأوقات التي ذكرناها آنفاً؛ فإنه يرحم بالرحمة العامة، ولا يتحرج الطبيب المسلم من معالجته من باب أنه ذو كبد رطبة، وأنه مخلوق فيه روح، وهذه حرمة تجعل له حقاً أو نصيباً في الرحمة العامة ما لم يكن محارباً لله ورسوله ﷺ .

стр. 1125

مشروعية البر والإحسان إلى المسالمين من الكفار المظهر الثاني من مظاهر سماحة الإسلام: مشروعية البر والإحسان إلى المسالمين من الكفار، فالإسلام حث على البر والإحسان وبذل المعروف والنصح لجميع الناس، إلا من حارب الله ورسوله ﷺ ، وتربص بالمسلمين الدوائر، وهؤلاء هم الذين يسمون بالحربيين، فمن لم يكونوا حربيين يجوز أن يبروا وأن يسالموا؛ لأن الإسلام لا يمانع من برهم والعطف عليهم ما داموا مسالمين موادعين، كحال أهل الذمة الذين لهم عهد مع الخليفة أو الحاكم المسلم، فتراعى ذمتهم ويحسن إليهم، كذلك أيضاً أهل الصلح ونحوهم، يقول ﵎: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٨ - ٩]. يقول شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري ﵀: أولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: عنى بذلك: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة:٨] من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم؛ لأن الله عمهم في الحكم، وذلك بقوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [الممتحنة:٨] لأن (الذين) اسم موصول يفيد العموم، فتعم جميع من كانت تلك صفته، فلم يخصص به بعضاً دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ. ويقول الشوكاني أيضاً حول هذه الآية: ومعنى الآية: أن الله سبحانه لا ينهى عن بر أهل العهد من الكفار الذين عاهدوا المؤمنين على ترك القتال، وعلى ألا يظاهروا الكفار عليهم. وخلاصة الكلام: أن الإحسان وحسن الخلق وبذل المعروف مرغب فيه لكل أحد ولو كان لغير المسلمين، يقول ابن المرتضى اليمني: المخالفة والمنافعة وبذل المعروف، وكظم الغيظ، وحسن الخلق، وإكرام الضيف ونحو ذلك يستحب بذله لجميع الخلق، إلا ما كان يقتضي مفسدة كالذمة، فلا يبذل للعدو في حال الحرب. يعني: إظهار المودة للكافر الحربي مما يجعلك في صورة المتذلل له المضطهد له حتى لا يؤذيك، أو يؤدي إلى نوع من الاعتزاز على المسلم، فمثل هذا لا يشرع، لكن فيما عدا ذلك كما أشرنا من قبل أن التسامح الإسلامي هو تسامح القوي، ورحمة الإسلام رحمة العزيز بلا ذل ولا هوان. إذاً: حسن الخلق مطلوب مع كل الناس، بعض الناس يتكلف إساءة الخلق مع الكافر غير الحربي، يظن أن هذا هو حقيقة الولاء والبراء، لكن إذا تأملنا موقف موسى ﵇ من فرعون، وفرعون لا يرتاب أحد في أنه من أشد الناس كفراً، وأنه قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ومع ذلك أمر الله موسى وهارون أن يقولا له قولاً ليناً قال : ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، فإلانة القول وحسن الأسلوب في الكلام والأدب وحسن الخلق هذا مرغوب مع كل أحد. أقول: وهذا القيد الذي ذكره ابن المرتضى قيد في محله، ففعل البر كله لابد أن يكون من يد عليا عزيزة، فإذا كان يفضي إلى ذل واستكانة فلا ينبغي فعله لغير المسلم.
следующие страницы →