← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الأسس العامة في علاقة المسلمين بغيرهم إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فقد كثر سؤال الإخوة في الحلقات السابقة عن كثير من الأحكام التي تتعلق بأدب التعامل مع الكافرين، والسلوك الذي ينبغي أن يسلكه المسلم مع الكفار باختلاف أنواعهم، وكنت أرجئ جميع هذه الأسئلة إلى مثل هذه الفرصة حتى نحاول أن نستوفي الموضوع من شتى جوانبه. وقد وجدت دراسة من أفضل الدراسات في هذا الموضوع، سبق أن مررنا بشيء يسير منها في أثناء فتنة الخليج، وهي في كتاب الدكتور عبد الله بن إبراهيم بن علي الطريقي المسمى: الاستعانة بغير المسلمين في الفقه الإسلامي. ونحن نعلم أن دين الإسلام هو الرسالة الخاتمة الكاملة، جاء الإسلام بتشريع دقيق واف شمل كل أمور الحياة البشرية في الدين والدنيا، ومن جملة ما شمله الإسلام: تنظيم العلاقات بين الناس بعضهم ببعض، سواء كان بين الراعي والرعية، أو بين الوالد وأولاده، أو بين الزوج وزوجته، أو بين الأقارب أو الجيران، أو بين المسلم والمسلم، أو بين المسلم وغير المسلم، أو بين الدولة وغيرها من الدول في حالتي السلم والحرب. لقد وضع الإسلام لكل ذلك حدوداً وشرع شرائع وأحكاماً بينة، ولعل من أهمها هي العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، فإننا إذا تحرينا وجدنا أن هذه المسألة قامت عليها أدلة كثيرة جداً، ولذلك قال بعض العلماء: إنها أعظم مسألة قامت عليها أدلة من القرآن والسنة بعد مسألة توحيد الله ﵎، وسوف نجتزئ من الفصل الأول من الرسالة من الباب الأول: الأسس العامة في علاقة المسلمين بغيرهم. وقد ذكر الدكتور الطريقي حفظه الله بعض الأسس التي تقوم عليها هذه العلاقة بين المسلمين وغيرهم. الأساس الأول: سماحة الإسلام والمظاهر الإنسانية. سبق التنبيه على استعمال كلمة الإنسانية في نفس هذا السياق، وأن كلمة الإنسانية أحياناً لا تذكر في سياق المدح، فيكون بذلك إذاً مخالفة للقرآن الكريم، أو مخالفة لأسلوب القرآن وألفاظ القرآن؛ لأن القرآن لم يستعمل لفظ الإنسان إلا في سياق الذم، بحيث يشير القرآن إلى أن هذا المخلوق البشري من حيث هو مخلوق قبل أن ينتفع بهداية الله ﵎ إياه، فالمخلوق العاري عن التوفيق والهداية يسمى إنساناً، ولذلك نجد صفاته دائماً مذموماً؛ لأنه لم ينتفع بعد ولم يستجب لهداية الله ﵎، لم يهتد ولم يوفق لذلك، فانظر إلى أي صفة للإنسان في القرآن: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢]، وقوله: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء:٣٧] وقوله: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات:٦]، ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] وهكذا. الأساس الثاني: أن الإسلام دين خاتم عالمي. الأساس الثالث: العدل. الأساس الرابع: الوفاء بالعهود والمواثيق. الأساس الخامس: منع الفساد في الأرض. الأساس السادس: منع موالاة الكفار. الأساس السابع: القاعدة في معاملة الكافر وتوثيقه وقبول خبره.

стр. 1122

سماحة الإسلام ومظاهر ذلك الإسلام دين اليسر ورفع الحرج والمشقة، فلا عسر فيه ولا أغلال ولا آصار، هذه الميزة خاصة بدين الإسلام أنه دين يسر، قال : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] فهذه الميزة اختصت بها الأمة المحمدية، لم يشاركها في هذه الميزة أمة من الأمم أو دين آخر، حتى كانت الأمم السابقة تكلف بتكاليف عسيرة، وتفرض عليها فرائض شديدة، وربما حظر الله عليها بعض المباحات والطيبات، وهذا ليس من طبيعة هذا الدين المنزل من عند الله ﵎؛ ولكن لأن بعض تلك الأمم كانت مجبولة على العناد، والشقاق، والشكوك، وكثرة السؤال، والتعنت في معاملة أنبيائهم، فكانوا يشددون على أنفسهم فيشدد الله ﵎ عليهم، كما حصل مع بني إسرائيل في قصة البقرة التي أمروا بذبحها؛ لهذا جازاهم الله بأن عسر عليهم بعض هذه الأمور جزاء تعنتهم وعتوهم، ولا يظلم ربك أحداً. والدليل على هذا الذي ذكرنا قوله ﵎: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء:١٦٠] فحصل تحريم لبعض الطيبات لأمرين: الأول: ظلم من الذين هادوا وهم اليهود لعنهم الله. الثاني: بصدهم عن سبيل الله ﵎ كثيراً. أما هذه الأمة المرحومة، الأمة المحمدية، الأمة الوسط، فبما رحمة من الله سمعت وأطاعت واستجابت لكل ما طلب منها، فخفف الله ﵎ عنها، ووضع عنها الآصار والأغلال التي كانت على الأمم السابقة، ولهذا فالمسلم يدعو دائماً بهذا الدعاء العظيم، الذي ختمت به سورة البقرة: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦]، وجاء في الحديث الصحيح: (أن الله جل وعلا قال: قد فعلت) يعني: استجبت دعاءكم ووهبتكم ذلك الذي سألتموني إياه. فرفع الآصار والأغلال والتخفيف هذا من رحمة الله بهذه الأمة؛ لكونها الأمة الخاتمة، صاحبة الرسالة الخاتمة إلى أن تقوم الساعة. فاختصت هذه الأمة بكثير من هذه الخصائص التي يتجلى فيها جانب الرفق والسماحة، فمثلاً: بعض الأحكام في الأمم السابقة كأحكام الطهارة، كان عند تلك الأمم إذا أصابت الثوب نجاسة فإنه يحرق، أما في شريعة الإسلام فمعلوم ما في ديننا من التيسير الكثير في شأن الطهارة والعبادات ومن رفع الحرج، بحيث إنه متى ضاق الأمر اتسع. كذلك كانوا لا يعذرون بالإكراه، وهذه الأمة عذرت بالإكراه، يقول النبي ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، فهذا يدل على أن هذا من خصائص هذه الأمة، في حين أن الأمم السابقة كما في قصة أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:٢٠]، فنفى عنهم الفلاح إلى الأبد، وهذا يبين أنه لم يكن لهم رخصة في النطق بكلمة الكفر، إما أن يثبتوا فيفلحوا أو يرتدوا فيهلكوا. أما الترخيص في النطق بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان، فهي من خصائص هذه الأمة المرحومة، كما هو معلوم من قوله ﵎: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] وهكذا كثير من الأحكام تولى فيها سبحانه رفع الإصر والأغلال عن هذه الأمة المرحومة، يقول ﵊: (دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم)، وقال ﵊: (إني أرسلت بحنيفية سمحة) فالحنيفية: هي الميل عن الأديان الباطلة إلى دين الإسلام. من هذه القاعدة انطلق الإسلام، وشمل بيسره ورفقه الناس حتى غير المسلمين، فقد كانت بعثة النبي ﵌ رحمة للعالمين، كما وصفه الله بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، فبعثته شملت كل العالمين، حتى عالم الطيور وحتى عالم الأسماك، وحتى عالم الكفار والمشركين، فلكل أمة نصيب من صفة الرحمة التي اختص بها رسول الرحمة صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. تسامح الإسلام حتى مع هؤلاء الكفار غير المسلمين في كثير من القضايا والأحكام، ومنحهم كثيراً من الحقوق حتى أصبحت هذه الأمور قضايا عامة، وكل هذا بفضل رحمة الله بعباده ولطفه بهم، يقول ﵊: (إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخر الله تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة) رواه مسلم.

стр. 1123

مشروعية الرحمة العامة من أهم جوانب التسامح في هذا الدين مع غير المسلمين: مشروعية الرحمة العامة، هنالك رحمة عامة يرحم بها المسلم الخلق كافة، كما قال ﵊: (إن الله لا يضع رحمته إلا على رحيم، قالوا: كلنا يرحم يا رسول الله! قال: ليس رحمة أحدكم صاحبه، ولكن يرحم الناس كافة) فأول مظاهر هذا التسامح الرحمة العامة؛ بل إن من أسماء الله الحسنى المقدسة: اسمه الرحمن واسمه الرحيم، ومعلوم اختلاف العلماء في تفسير هاتين الصفتين، وكيف أن الرحيم يختص بالمؤمنين، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة يشمل كل المخلوقات، فالرأفة والرحمة من صفات الله . أيضاً أرسل الله ﵎ رسوله محمداً ﷺ رحمة للخلق، قال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، ومن هنا حض الإسلام على هذه الرحمة العامة للخلق كافة ورأف بهم، فمن ذلك قوله ﵊: (لا يرحم الله من لا يرحم الناس)، الناس بكل أبعادها، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﵊: (من لا يرحم لا يرحم). قال ابن بطال في هذا الحديث: فيه الحض على استعمال الرحمة لجميع الخلق، فيدخل المؤمن والكافر، والبهائم المملوك منها وغير المملوك. إذاً: الرحمة شاملة لكل الخلق وليست خاصة بالمؤمنين أو بالمسلمين، وسبب هذه الرحمة ظاهر؛ فإن الحياة بمعنى الحيوانية في الشيء، فكلمة الحيوان مذكر الحياة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت:٦٤] أي: هي الحياة الحقيقية الباقية. وعندما نقسم المملكة الحيوانية يدخل فيها الإنسان، ويدخل فيها غيره من الدواب والطيور وغير ذلك، فوجود معنى الحيوانية في الشيء سواء كان هذا الشيء إنساناً أم حيواناً من أسباب الدعوة إلى الرحمة، ولهذا لما سئل النبي ﵌: (هل في الإحسان إلى البهائم أجر؟ فقال ﵊: لك في كل ذات كبد رطبة أجر) ومعلوم حديث الرجل الذي رأى الكلب وهو يلهث أو يلعق التراب من شدة العطش، فنزل البئر وأحضر له الماء في نعله أو في موقه فسقاه، فغفر الله له بذلك. إذاً: الرحمة العامة لكل المخلوقات، سواء كان مسلماً أو كافراً أو من البهائم: (في كل كبد رطبة أجر). أيضاً وجود الكفر أو الفسوق أو العصيان في واحد من الناس هو أمر أصلاً يدعو إلى الرحمة والتأسف، أنت إذا تذكرت ما ينتظره من العذاب الأليم تشعر بالرحمة له والشفقة عليه من هذا العذاب، وتتأسف على حاله؛ لأنه إنسان مبتلى، فالمبتلى لا ينبغي إظهار التعالي عليه، بل على المسلم التقي الذي عافاه الله أن يحمد ربه على العافية: ﴿كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:٩٤] أي: كذلك كنتم قبل أن تدخلوا في الإسلام. فالإنسان المسلم لا ينظر إلى أن هذه الهداية أو التوفيق جاءت من كده وكدحه، إنما هي برحمة الله إياه وبتوفيقه الذي حرمه ذلك الكافر، فلا تنظر للكافر بتعالٍ، فإنما الأعمال بالخواتيم، لكن انظر له بعين الرحمة العامة، فتحمد ربك على العافية وترحم هذا المبتلى، وما معنى رحمته؟ معنى رحمته أن تنصحه وتدعوه إلى الحق بالأسلوب المناسب. روى الترمذي عن عمر رضي الله ﵎ عنه، أن رسول الله ﵌ قال: (من رأى صاحب بلاء فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً، إلا عوفي من ذلك البلاء كائناً ما كان ما عاش)، وكما ذكرنا من قبل فضيلة الدعاء (أعجز الناس من عجز عن الدعاء) فالإنسان لو دعا بهذا الدعاء حينما يرى مبتلى بأي مرض من الأمراض، وتذكره ووفقه الله لاستحضاره ساعتها بإخلاص واستوفت شروط الإجابة، فإن الجائزة هي أن يعافى من هذا المرض مدة حياته كلها، فانظر إلى هذه الرحمة والناس في غفلة عنها. عندما ترى واحداً مشلولاً، أعمى، مريضاً بالسرطان، مريضاً بأي نوع من الأمراض، فإذا رأيته بهذا المرض وقلت هذا الدعاء، فهذا ضمان وتأمين من النبي ﵊ أنك تعافى من هذا المرض ما عشت. أيضاً صاحب البلاء، لا ينبغي أن نقصر هذه الرحمة على البلاء الذي يتبادر إلى أذهاننا كفقدان الصحة والعافية وغير ذلك، لكن من أشد البلاء الذي يبتلى به الإنسان ويصاب به المصيبة في دينه، وأخطر ذلك الوقوع في الكفر والعياذ بالله، كذلك البلاء بالمعاصي، كأن ترى حاكماً رئيساً أو ملكاً أو قائداً عسكرياً كبيراً وكل هؤلاء قد سخروا سلطانهم في الصد عن سبيل الله ﵎، والتعالي على خلق الله والتكبر عليهم، وتعذيب الناس وأذيتهم في دينهم، وصدهم عن دين ربهم، فلا تنظر إلى ما هم فيه من المناصب المرموقة، أو أن معهم مالاً أو كذا وكذا من الأمور الدنيوية، وإنما تنظر إلى البلاء الحقيقي الذي هم فيه، وتحمد الله أن عافاك من حالهم، وجعلك مسلماً مؤمناً موحداً تقياً. فالإنسان المسلم يستحضر نعمة العافية من البلاء إذا رأى مكاساً، وإذا رأى أي واحد من الظلمة. لماذا لا نتذكر الداء فقط إلا عند الأمراض البدنية؟! إذا رأيت من يضيع وقته في الأفلام والتلفاز والمسرحيات والمباريات وكل هذه الضلالات، فإن عليك أن تستحضر نعمة الله عليك أن صرف عنك هذه الأشياء في حين زينها لغيرك: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر:٨]، فتحمد الله أن عافاك من هذا وجعلك من أهل تعمير المساجد، وتعمير حلق الذكر، وطاعة الله ﵎ والدعوة إليه، فهذه كلها من النعم وعكسها من البلاء، فينبغي إذا رأينا صاحب البلاء أن نقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به. وهل يظهر الإنسان هذا الدعاء ويجهر به أمام المبتلى؟ يذكر العلماء في الآداب الشرعية: أن البلاء إذا كان في الدين، كالمعاصي والكفر والعياذ بالله أو غير ذلك، ويرجى من الجهر به أن ينزجر ذلك الشخص المبتلى بالمعصية أو بالكفر أو المخالفة فلا بأس، لكن لا على سبيل الشماتة ولا على سبيل التعالي، وإنما استحضار لنعمة الله، وطلب للعافية، ثم تذكير لهذا المبتلى بالمعصية لعله إذا سمعه ينزجر. إذاً: إذا كان يرجى من وراء الجهر بهذا الدعاء أن ينزجر هذا المبتلى فلا بأس أن تجهر بهذا الدعاء، أما إذا كان ذلك يدعو إلى إصراره فلا، وكذلك إذا كان الإنسان المبلتى مريضاً فلا تسمعه هذا الدعاء؛ لأن هذا ليس من الأدب الشرعي، لكن تسر به في نفسك حتى لا تؤذيه، فهذا مما ينبغي أن يلتفت إليه، وهذا الحديث رواه الترمذي وابن ماجة ورمز له السيوطي بالحسن: (من رأى صاحب بلاء فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً، إلا عوفي من ذلك البلاء كائناً ما كان ما عاش). إذاً: هذه فرصة عظيمة جداً، وفعلاً كما قال ﵊: (أعجز الناس من عجز عن الدعاء)، وهذا مما يلفت أنظارنا إلى أن كثيراً من أبواب الخير مفتوحة، ولكن الناس في غفلة عنها، ولذلك يحرمون، فمثل هذا هو محض توفيق من الله، قد تجد الناس تتذكر هذا الدعاء، لكن ليس كل الناس يكرمهم الله باستحضاره: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦]. فمن توفيق الله للعبد أن يلهمه أن يستحضر هذا الدعاء في هذا الموضع، حتى يمتن الله عليه بالمعافاة من هذا الداء. إذاً: دائماً نكرر قول النبي ﷺ : (أعجز الناس من عجز عن الدعاء) بتحريك الشفتين بألفاظ قليلة سهلة ميسورة في وقت قصير تنال أعظم المطالب في الدين والدنيا والآخرة، تنال الجنة والفردوس الأعلى بالدعاء، ومن عجز عن الدعاء مع سهولته وعظم الثمرة المرجوة من ورائه؛ فهذا أعجز الناس لا شك في ذلك.

стр. 1124

رحمة الداعية بمن يدعوهم إلى الله تعالى الرسول ﵊ في دعوته لقومه هو المثل الأعلى في مجال رحمة الخلق، فينبغي أن تكون نظرتنا إلى من ندعوهم إلى الإسلام نظرة الرحمة العامة، نظرة الرحمة والشفقة لا نظرة الاستعلاء أو التكبر أو التشفي أو غير ذلك، بل إذا تأملنا القرآن الكريم فسنجد أنه قد بلغ من شفقته ﵊ على أمته -أمة الدعوة وتشمل الكفار أيضاً -وصل حزنه وشفقته عليهم ونصيحته لهم إلى أنه كاد أن يهلك نفسه الشريفة ﷺ ، يقول الله ﵎: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف:٦] أي: مهلك نفسك. ﴿عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦] أنت تهلك نفسك أسفاً عليهم، وفي الآية الأخرى يقول : ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨]، فالداعية إلى الله المقتدي بسيرة الرسول ﷺ يرحم الناس ويهتم بهم، لكن لا ينبغي أن تصل به هذه الرحمة وهذا الاهتمام إلى حد الأسى وتعذيب النفس وإرهاقها، لكن يعزي نفسه بأن الهداية بيد الله ، وما على الداعي إلا البلاغ المبين، ورسول الله ﵊ الذي بعث رحمة للعالمين بالرغم مما كان يعانيه في سبيل الله من المشقة والجهد والتحدي، لما طُلِبَ من النبي ﷺ أن يدعو على المشركين أن يهلكهم الله وأن ينزل عليهم بأسه وعقابه، ماذا كان جوابه ﵊؟ يقول ﷺ كما جاء في صحيح مسلم: (إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة) ﵌. ويقول ﷺ : (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقعن فيه، -فأخذ يردهن بيده وهن يتقحمن في النار، وأنا آخذ بحجزكم من النار وأنتم تفلتون من يدي) رغماً عنه ﵊، يعني: كأن هناك ناراً والناس واقفون على شفير هذه النار ويقذفون أنفسهم فيها، وهو رحمة بهم يريد أن ينجيهم، فيمسك ما أمكنه أن يمسك، يمسك هذا من ذيل ثوبه، وهذا من أكمامه فيحاول أن يبعدهم عن النار رحمة بهم ونصيحة لهم، فمن هلك يهلك رغماً عنه، الذي يستطيع أن ينجيه يجتهد في ذلك، لكن ما الحيلة فيمن قضى الله عليهم بالشقاء والعذاب والتعاسة؟! إذاً: المسلم هو رحمة ورأفة وعطف وتواضع، وليس أبداً بحال من الأحوال هذا الوضع للمسلم هو عنوان الاستكانة أو الذل أو الضعف، لكن هذه الرحمة هي الرحمة التي هي طبع الأقوياء الأعزاء بالله وبدين الله ﵎، قال الله ﵎: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]. فإن قيل: وصف الله محمداً ﵌ وصحبه بأنهم أشداء على الكفار غلاظ عليهم، هل يتنافى هذا مع الرحمة؟ ف الجواب أن هذه الآية يفسرها قوله ﵎: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٧ - ٩]. هذه الآيات توضح لنا أن من أبدى عداء للمسلمين وأضمر شراً لهم، فلابد أن يكون المسلمون أشداء عليهم جزاءً وفاقاً، فهذا هو المقصود بقوله : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح:٢٩]، وبقوله : ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة:٩]، فالكفار الذين أمرنا أن نكون أشداء عليهم هم من جاءت صفاتهم في قوله : ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة:٩]، مقاتلة المسلمين، فتنتهم عن دينهم، الاعتداء على المسلمين في ديارهم وإخراجهم منها، كذلك مظاهرة هؤلاء ومساعدتهم، أي: من لم يفعل بنفسه هذه الأشياء من الكفار لكنه عاون الكفار الآخرين وساعدهم على فعل هذه الجرائم فهو أيضاً له حكمهم. ثم إن الشدة لا تتنافى مع الرحمة، فالطبيب الذي يأتيه المريض الذي حصلت به مثلاً الغرغرينة، إذا تركه ولم يبتر هذا العضو الميت من بدنه فسوف يزحف هذا المرض على بدنه ويتلفه كله، فتضيع حياته، فمن الرحمة بهذا المريض بتر هذا العضو الميت وفصله عن جسده، حتى ينقذ باقي الجسد، فكذلك أيضاً مشرط الجراح حينما يعمل في جسم الإنسان من أجل إنقاذه من خطر أكبر، فهذا في الحقيقة ظاهره أنه مؤلم، لكن هو في الحقيقة سبب إلى العافية وسبب إلى الرحمة، فالشدة لا تتنافى مع الرحمة، والأب الرحيم المحب لأولاده قد يشتد عليهم، لا يشتد من منطلق أنه يريد أن يقضي عليهم أو يغلظ عليهم، لكن يشتد ويتحكم في أبوته وعاطفته التي تدعوه إلى عدم الشدة، ويعمل عقله ويريد مصلحة هذا الولد حتى يقوّم خلقه، وحتى يستفيد من التجارب، وحتى يحسن تربيته وأخلاقه، فإنه ربما يحتاج إلى الشدة، كما سبق أن ذكرنا ذلك في مشكلة ضرب الأولاد. فالشاهد أن الشدة لا تتنافى مع الرحمة، كما قال الشاعر: فقسا ليزدجروا ومن يك حازماً فليقس أحياناً على من يرحم فهذه الشدة من أجل مصلحة الإنسان نفسه، أما من أبدى تعاطفاً وسلماً من الكفار، أو كان له عهد وذمة، فالمشروع في حقه أن يحسن إليه، علاوة على هذه الرحمة، ولعل هذا ما أشار إليه قوله : ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة:٨]، وكما قال : ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال:٦١] فهذا فيما يتعلق بالمظهر الأول من مظاهر تسامح الإسلام مع الناس كافة، وهو مشروعية الرحمة العامة، وهي التي يحتاج إليها كثير من الناس، مثلاً: الطبيب إذا وجد مريضاً من الكفار يحتاج إلى مساعدته أو إنقاذه، ما لم يكن هذا الرجل حربياً معادياً للإسلام في وقت من الأوقات التي ذكرناها آنفاً؛ فإنه يرحم بالرحمة العامة، ولا يتحرج الطبيب المسلم من معالجته من باب أنه ذو كبد رطبة، وأنه مخلوق فيه روح، وهذه حرمة تجعل له حقاً أو نصيباً في الرحمة العامة ما لم يكن محارباً لله ورسوله ﷺ .

стр. 1125

مشروعية البر والإحسان إلى المسالمين من الكفار المظهر الثاني من مظاهر سماحة الإسلام: مشروعية البر والإحسان إلى المسالمين من الكفار، فالإسلام حث على البر والإحسان وبذل المعروف والنصح لجميع الناس، إلا من حارب الله ورسوله ﷺ ، وتربص بالمسلمين الدوائر، وهؤلاء هم الذين يسمون بالحربيين، فمن لم يكونوا حربيين يجوز أن يبروا وأن يسالموا؛ لأن الإسلام لا يمانع من برهم والعطف عليهم ما داموا مسالمين موادعين، كحال أهل الذمة الذين لهم عهد مع الخليفة أو الحاكم المسلم، فتراعى ذمتهم ويحسن إليهم، كذلك أيضاً أهل الصلح ونحوهم، يقول ﵎: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٨ - ٩]. يقول شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري ﵀: أولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: عنى بذلك: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة:٨] من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم؛ لأن الله عمهم في الحكم، وذلك بقوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [الممتحنة:٨] لأن (الذين) اسم موصول يفيد العموم، فتعم جميع من كانت تلك صفته، فلم يخصص به بعضاً دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ. ويقول الشوكاني أيضاً حول هذه الآية: ومعنى الآية: أن الله سبحانه لا ينهى عن بر أهل العهد من الكفار الذين عاهدوا المؤمنين على ترك القتال، وعلى ألا يظاهروا الكفار عليهم. وخلاصة الكلام: أن الإحسان وحسن الخلق وبذل المعروف مرغب فيه لكل أحد ولو كان لغير المسلمين، يقول ابن المرتضى اليمني: المخالفة والمنافعة وبذل المعروف، وكظم الغيظ، وحسن الخلق، وإكرام الضيف ونحو ذلك يستحب بذله لجميع الخلق، إلا ما كان يقتضي مفسدة كالذمة، فلا يبذل للعدو في حال الحرب. يعني: إظهار المودة للكافر الحربي مما يجعلك في صورة المتذلل له المضطهد له حتى لا يؤذيك، أو يؤدي إلى نوع من الاعتزاز على المسلم، فمثل هذا لا يشرع، لكن فيما عدا ذلك كما أشرنا من قبل أن التسامح الإسلامي هو تسامح القوي، ورحمة الإسلام رحمة العزيز بلا ذل ولا هوان. إذاً: حسن الخلق مطلوب مع كل الناس، بعض الناس يتكلف إساءة الخلق مع الكافر غير الحربي، يظن أن هذا هو حقيقة الولاء والبراء، لكن إذا تأملنا موقف موسى ﵇ من فرعون، وفرعون لا يرتاب أحد في أنه من أشد الناس كفراً، وأنه قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ومع ذلك أمر الله موسى وهارون أن يقولا له قولاً ليناً قال : ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، فإلانة القول وحسن الأسلوب في الكلام والأدب وحسن الخلق هذا مرغوب مع كل أحد. أقول: وهذا القيد الذي ذكره ابن المرتضى قيد في محله، ففعل البر كله لابد أن يكون من يد عليا عزيزة، فإذا كان يفضي إلى ذل واستكانة فلا ينبغي فعله لغير المسلم.

стр. 1126

البر والإحسان إلى الأقارب إذا كانوا غير مسلمين إن من أهم الذين يتعين برهم والإحسان إليهم من غير المسلمين هم الوالدان، ثم الأقربون على حسب درجات قربهم، يقول الله مقرراً حق الوالد المشرك: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥] وإن كان هذا الوالد المشرك لم يكتف بكونه مشركاً، ولم يكتف بدعوة ابنه إلى الشرك فقط؛ بل إنه يجاهده حتى يشرك بالله، ومع ذلك حفظ الله لهذين الأبوين الكافرين حقهما: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، وهذا فيه تعظيم شديد جداً لحق الوالدين المسلمين، فإذا كان هذا مع الكافر فكيف بالوالدين المسلمين؟! وقد ثبت عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها قالت لرسول الله ﵌: (قدمت أمي علي وهي راغبة أفأصلها؟ قال: نعم، صلي أمك) (قدمت أمي علي راغبة) أي: ترغب صلتي، أو ترغب أن تسألني شيئاً من المال، فأم أسماء غير أم عائشة ﵂، فأم أسماء هي قتيلة، قدمت من مكة إلى المدينة حتى تصل بنتها. قولها: (راغبة) إما في الصلة أو في أن تسألها شيئاً، (أفأصلها؟ قال: نعم صلي أمك)، فصلة الرحم هدف متفق عليه، وصلة الرحم مأمور بها لكل الأقارب أيضاً، وإن كانوا غير الأبوين، كما قال الله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء:١] أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، هذا هو المقصود من قوله: (واتقوا الله الذي تساءلون به) حين يقول أحدكم للآخر: أسألك بالله أو أسألك بوجه الله. قال ابن العربي رحمه الله تعالى: واتفقت الملة أن صلة ذوي الأرحام واجبة، وأن قطيعتها محرمة، ولتأكيد صلة الرحم المؤمنة ذكر الفضل في صلة الرحم الكافرة، وهذا يسمى: قياس الأولى أو القياس الجلي، إذا كان هذا في حق الرحم الكافرة فأولى أن يكون الصلة في حق الرحم المؤمنة، كما قال ﵊: (إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم سأبلها ببلالها) أي: أصلها بصلتها، مع أن هؤلاء من أقاربه، لكن لا يعدهم له أولياء، وإنما يصلهم لأجل صلة الرحم فقط. فصلة الرحم من أبرز جوانب البر والإحسان المقدمة لغير المسلمين، لكن بشرط أن لا يكون الأب أو الأم أو الرحم محارباً لدين الإسلام، معارضاً محاداً لله ورسوله وللمؤمنين، فمثل هذا لا يلزم بره ولا صلته.

стр. 1127

حسن الجوار مع غير المسلمين أما موضوع حقوق الجار فهو موضوع مستقل بذاته، والأدلة فيه كثيرة جداً، وقد روي عن النبي ﷺ قوله: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) أي من شدة حق الجار ووجوب حفظ حقه. فحسن الجوار من علامات الإيمان أو من شعب الإيمان بالله واليوم الآخر، وجاء في الأثر: أن عبد الله بن عمر رضي الله ﵎ عنهما دخل بيته فوجد أهل بيته قد ذبحوا ذبيحة، فسألهم: هل أعطيتم جارنا اليهودي؟ تكلم بلهجة الغضبان عليهم، هل أعطيتم جارنا اليهودي؟ وظل يعنفهم على عدم إعطائهم الجار اليهودي، وهذه صورة من صور الإحسان إلى الجار غير المسلم، إعطاؤه أو إهداؤه شيئاً من الطعام. إن الإحسان لغير المسلم قد يكون بمعنى المواساة، إذا أصابته مصيبة فيواسيه فيها كأن يموت ابنه أو أبوه، فإنه يعزيه ولا يدعو له بالرحمة؛ لأنه لا يستحق الرحمة، أي: الرحمة في الآخرة. كذلك أيضاً أقل الإحسان للجار أن تكف أذاك عنه، وكذلك حسن العشرة، كذلك نصرته إن كان صاحب حق وهكذا. وكما أن الإخوة الملتزمين يتميزون في مظهرهم بإعفاء اللحية وبالقميص غير المسبل، وبالمحافظة على الشعائر الإسلامية كصلاة الجماعة وغيرها، فينبغي أيضاً أن يتميز المسلمون الملتزمون بحفظ الجوار، وذلك بأن يحسنوا إلى جيرانهم ولا يسيئوا إليهم، هذا أيضاً من الشعائر الإسلامية التي ينبغي أن يتميز بها الملتزمون بدينهم، وينبغي أيضاً أن يتذكر الإخوة الملتزمون حكم الجوار وحكم الإحسان إلى جيرانهم. فالبر والإحسان إلى أهل الذمة ونحوهم والعطف عليهم، سواء كانوا أقارب أم أجانب لابد منه، ما لم يكن المحسن إليه منهم حربياً.

стр. 1128

البر والإحسان إلى غير المسلمين لا يعني مودتهم ونصرتهم ولابد أن نستذكر هنا أمراً آخر: وهو أن الإحسان إليهم والبر بهم وأداء المعروف إليهم لا يعني بأي حال من الأحوال حبهم ولا مودتهم ولا موالاتهم، فهناك فرق شاسع بين ذلك وبين الإحسان وبذل المعروف لهم كما في قصة أم أسماء التي ذكرناها، وفيها الأمر بالصلة والإحسان، وهذا لا يؤدي إلى محبتهم أو موالاتهم التي نهى الله ﵎ عنها. فالمؤمن الحقيقي لا يمكن أن يحب كافراً، أما من كان يحب كافراً فذاك ضعف في إيمانه وآفة ومرض في قلبه، فالذي يجد في قلبه حباً للكافر ورضىً عنه ومودة قلبية له، فهذا لابد أن يصحح إيمانه ويصحح إسلامه من جديد، فكل ما ذكرنا لا علاقة له بالمودة والمحبة والموالاة. يقول الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى في تفسير قوله : ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة:٨] إلى آخر الآية. قال: وهذه الآية رخصة في صلة الذين لم ينصبوا الحرب للمسلمين وجواز برهم، وإن كانت الموالاة منقطعة عنهم. الموالاة والنصرة والود والحب هذا للمؤمن فقط، لكن الكافر حتى وإن كان أباك أو أخاك أو أمك فهو ليس من أهلك، كما قال : ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦] أو (إنه عَمِلَ غيرَ صالح) كما في قراءة أخرى، فقوله: (ليس من أهلك) ليس معناه كما يفهم بعض الناس أنه ولد زنا؛ لأنهم يربطون هذه الآية بقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم:١٠] كلا! لا يمكن أبداً لأزواج الأنبياء أن يخنّ بالفسق والفجور، لا يمكن ذلك أبداً؛ لأن الأنبياء منزهون من أن يقع ذلك من زوجاتهم، كما قال : ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور:٢٦] أي: الطيبات بالصفات الحميدة من العفة والطهر للطيبين. فالمقصود من خيانة زوجة لوط هو أنها كانت تدل قومها على ضيفانه، ومعونتهم على ما كانوا عليه من الحال الفاسدة أو الشرك والكفر، لكن لا يمكن أبداً أن يحصل الزنا من زوجة نبي؛ لأن هذا طعن في النبي نفسه، والله تعالى حفظ أنبياءه من أن تفجر نساؤهم بهذه الأفعال. والشاهد من الكلام أن ابن نوح هو ابنه من صلبه، وذلك لمن تأمل قوله : ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود:٤٥] أي: من صلبي ومن عشيرتي، وقد وعدتني من قبل أنك ستنجيني وأهلي. ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٥ - ٤٦]، فأهلك هم أهل الإيمان وأهل التقوى والإسلام، ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦].

стр. 1129

مشروعية الرفق بأهل الذمة أيضاً من مظاهر سماحة الإسلام: الرفق بأهل الذمة، من اليهود والنصارى الذين عاشوا تحت كنف الخلافة الإسلامية، ولهم عقد ذمة حدد ما لهم من الحقوق وما عليهم من الواجبات، ونظم العلاقة بينهم وبين المسلمين، أما من عدا ذلك فليسوا بأهل ذمة. إذاً: يشرع في حق أهل الذمة أن يعاملوا معاملة حسنة، لا أذى فيها ولا ريبة، دون سب وشتم، أو قهر ونهر، أو إذلال وإهانة؛ لأن في كل هذه الأشياء إلحاق الأذى بهم، والدين لا يبيح أذيتهم بحال، فقد روى مسلم: (أن هشام بن حكيم ﵁ مر على أناس من الأنباط -والأنباط: هم فلاحو العجم- قد أقيموا في الشمس، فقال: ما شأنهم؟ قالوا: حبسوا في الجزية -يعني: حبسوا بسبب أنهم عجزوا عن أداء الجزية فلم يؤدوها- فقال هشام ﵁: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا)، فيا ويل الذين يعذبون الناس في الدنيا! فانظر ما قاله الصحابي عن النبي ﷺ في حق الكفار من العجم، فكيف بمن يعذب المسلمين الموحدين! ليس لغرض دنيوي؛ بل يعذبهم بسبب تمسكهم بدينهم، يقول ﵌: (فويل لهم ثم ويل لهم، إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا). ولا شك أن المعاملة السيئة لمثل هؤلاء الذميين وإلحاق الأذى بهم يزهدهم في الإسلام، ويرغبهم عنه، وتسوء نظرتهم إلى الإسلام، وبذلك قد يحجبهم عن الدخول فيه، مع أن الإسلام قد حقن دماءهم، واكتفى منهم بأخذ الجزية؛ من أجل أن تكون لهم فسحة وقت، يتركون أحياء في وسط المجتمع الإسلامي، ويعايشون المسلمين عن قرب فيرون أخلاق الإسلام، وهذا حكمة عظيمة جداً، وباب من أبواب الرحمة؛ لأن كثيراً من المسلمين الملتزمين بدينهم، والذين حسنت أخلاقهم، تجده يتزوج مثلاً امرأة كتابية يهودية أو نصرانية في بعض الدول في الخارج، وفي النهاية تعجب هذه المرأة بحسن خلقه وحسن معاملته والتزامه بدينه مما يؤدي إلى أن تتبعه على دين الإسلام. وأنا لا أدعو إلى التزوج منهم مطلقاً، لكن الشاهد: أن حسن الخلق مع المخالفين في الدين بالذات من أهل الذمة له آثار طيبة في ترغيبهم في الإسلام، فالله إنما شرع حقن دمائهم والإبقاء عليهم حتى يعطوا فرصة؛ لأن الكتابي هو الأقرب إلى الدخول في الإسلام من المشرك الوثني؛ لأن هذا لا يحتاج لجهد حتى تثبت له التوحيد أو النبوة والرسالة، أو أمور اليوم الآخر والقضاء والقدر، وغير ذلك من الأحكام الشرعية التي قد تقترب من شريعة إلى أخرى، فالقضية أساساً هي في إثبات نبوة محمد ﵊، وإثبات أن القرآن كلام الله، فالمهم أنه أقرب من الملحد أو الوثني والمشرك.

стр. 1130

كيفية مجادلة أهل الكتاب وضوابطها يقول الله : ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦] يقول القرطبي: قوله: (إلا بالتي هي أحسن) أي: بالجميل من القول، إذا تناقشتم معه فتناقشوا بالجميل من القول، وهو الدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حججه، وهذا في الحقيقة قول مهم جداً؛ لأن أحسن القول هو كلام الله كما جاء في الحديث: (أحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ فإذا كنا نجادلهم بالتي هي أحسن فنستحضر أحسن الحديث الذي هو القرآن، بعض الناس يقول: كيف نخاطب الكفار والمشركين بالقرآن وهم لم يؤمنوا به؟ نقول: نعم نخاطبهم به كما خاطبهم به النبي ﷺ ، فقد كانوا يرتعشون أحياناً خوفاً من العذاب الذي تنذرهم به آيات القرآن، فقد كانت تنزل على قلوبهم كالصاعقة؛ لما للقرآن من سلطان على النفوس. إذاً: فأول ما ينبغي الاهتمام به إقامة الحجة على الكافر بتلاوة كلام الله الحق وقرآنه المجيد، ومن الخطأ الانصراف عن أحسن الكلام إلى ما عداه من كلام البشر، والزهد في الاستدلال بآيات القرآن عند مخاطبة الكفار بحجة أنهم لم يسلموا بعد، علينا أن نخاطبهم بآيات القرآن، إنما أنزلت لإنذارهم وإقامة الحجة عليهم؛ لما للقرآن من سلطان خفي مع الكفار، فنجد الواحد منهم إذا سمع القرآن تملكته الهيبة والرعدة ويقول: هذا الكلام ليس بكلام مخلوق. ما سر سلطانه وقوته؟ إنه يعطي صورة حية مع المسلمين الأعاجم كالهنود والباكستانيين، فالشعب الباكستاني يعتبر من أكثر الشعوب الإسلامية عاطفة دينية وحمية للإسلام، وكذلك عاطفة الهنود المسلمين، فتجد أحدهم يمسك القرآن وينظر فيه وهو لا يعرف حرفاً واحداً من اللغة العربية، ولا يستطيع القراءة، سوى أنه يمسك القرآن ويبكي ويضمه إليه ويقول: كلام ربي كلام ربي! وحدثني أحد الإخوة عن واحد من هؤلاء الأعاجم -وهو كردي- كان في مجلس فيه بعض الشيوخ، وفي أثناء حديثهم يأتي ذكر أبي هريرة فإذا ذُكِرَ أبو هريرة خاض في البكاء الشديد، مجرد أن يسمع ذكر أبي هريرة يبكي، ما أقسى قلوبنا، هذا الرجل يرق قلبه لذكر اسم الصحابي أبي هريرة راوية الإسلام، وحامل أحاديث الرسول ﵊، فكيف سيكون حاله إذا سمع حديث رسول الله ﵊ أو كلام الله ؟!! حكى لي أحد إخواننا أن مجموعة من الكفار السواح مروا بأحد المحلات بعد العصر، وكان صاحب المحل فاتحاً لإذاعة القرآن الكريم، والشيخ يقرأ بترتيل، فوقف هؤلاء السواح مشدوهين منجذبين بشدة إلى هذا الكلام، وعبروا عنه تعبيراً له دلالة، قالوا بالإنجليزي: هذا موسيقى! فقد لفت نظرهم هذا الوقع الجميل للقرآن الكريم. الشاهد: أن القرآن له وقع على القلوب نحن لا نستطيع بأن نصفه، لكننا نحس بأثره حتى مع الكافر. فالقرآن له سلطان على قلبك، ونجد كذلك كثيراً من النصارى إذا تليت عليهم آيات من القرآن لا يقوون على الطعن في القرآن الكريم، خاصة النصارى الذين عاشوا مع المسلمين؛ لأنهم عرفوا حقيقة القرآن، بخلاف إخوانهم من الكفار في البلاد البعيدة، فمن رحمة الله أن عاشوا في وسط المسلمين، فصاروا أقرب للدخول في الإسلام، فتجد النصراني الذي يعيش في أوساط المسلمين يقول: أنا أقر أن القرآن كلام الله لكن محمد هو نذير إلى العرب خاصة؛ حتى يسوغ لنفسه عدم الدخول في الإسلام، فهذا أقصى ما يصل إليه كثير من النصارى؛ لأنه لا يملك أن يكذب محمداً ﵊ أبداً ولا يكذب القرآن؛ لأنه عاش مع القرآن، وقد سمعنا كثيراً من الكفار أسلموا منذ زمن بسبب صوت الشيخ محمد رفعت ﵀، بغض النظر عن الطريقة في التلاوة ففيها نظر، لكن هذا له دلالة على أن إسلامهم كان بسبب سماع القرآن من بعض الشيوخ الذين يقرءون بخشوع وبصوت حسن؛ فيؤدي ذلك إلى دخول الكثير في الإسلام. إذاً: ينبغي أن نقدم كلام الله على ما عداه من الكلام عندما ندعو غير المسلمين إلى الإسلام، ولا نصغي ولا نلتفت إلى هؤلاء الذين يقولون: كيف نقرأ لهم القرآن وهم لم يؤمنوا بأنه كلام الله؟ نقول: وإن لم يؤمنوا فمن باب إقامة الحجة عليهم بكلام الله فإنه أحسن الحديث. فينبغي أن نتذكر ذلك إذا تلونا قوله : ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦]، فأولى الكلام الحسن في ذلك هو كلام الله . وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦] أي: الذين امتنعوا عن أداء الجزية، ورفضوا أن يدخلوا الإسلام، وأصروا على نصب الحرب ضد المسلمين، فهؤلاء ليس لهم هذه الحقوق كما ذكرنا.

стр. 1131

إحسان النبي ﷺ إلى أهل الذمة روت أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليكم، ففهمتها)، السام: هو الموت، والخبثاء كانوا يجتهدون في إخراج أي نوع من الأذية يستطيعون توصيله إلى النبي ﷺ ، فقد كانوا مثلاً كما جاء ذكره في من القرآن يقولون: يا محمد راعنا، هم يريدون -والعياذ بالله- وصفه بالرعونة، فيلحنون في القول، ويصرفون الكلام عن أصله، فيستخدمون العبارات الموهمة، فلذلك نزل القرآن محذراً المؤمنين من استعمال هذه العبارات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة:١٠٤] هنا هذه المجموعة من اليهود دخلوا على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالوا: (السام عليكم) يدعون على رسول الله ﵊ ومن حضره بالموت والعياذ بالله قالت عائشة: (ففهمتها فقلت: وعليكم السام واللعنة! -أخذتها الغيرة ﵂ فقال رسول الله ﷺ : مهلاً يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله). انظر إلى هذا الأدب النبوي الرفيع في الرفق وحسن الخلق في كل المواضع بقدر المستطاع (مهلاً يا عائشة! إن الله يحب الرفق في الأمر كله، قالت: فقلت: يا رسول الله! أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﵊: قد قلت: وعليكم) ردها عليهم بالمثل (وعليكم) أي: إن كان المقصود بها الدعاء فيرد الدعاء لهم جزاء وفاقاً، وإن كان المقصود حملها على السام يعني الموت، فالموت مكتوب عليكم، فهكذا كانت معاملة الرسول ﵊ مع غير المسلمين، ولنا فيه أسوة حسنة. ذكر ابن إسحاق في مغازيه (أن وفد نصارى نجران لما وفدوا على النبي ﵌ دخلوا عليه في مسجده بعد صلاة العصر، فحانت صلاتهم فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الصحابة منعهم، فقال رسول الله ﷺ : دعوهم، فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم). ويؤكد الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى على هذه الحادثة مستنبطاً فقهها فيقول: فيها جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين، وفيها تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم أيضاً، إذا كان ذلك عارضاً، ولا يمكنون من اعتياد ذلك. أيضاً النبي ﷺ وهو يذكر لأصحابه علامة من علامات نبوته، ودليلاً من دلائل نبوته ﵌ يقول للصحابة ﵃: (إنكم ستفتحون مصر) وقد وقع كما أخبر ﵊، ولم يقع أن تنبأ النبي ﷺ بشيء ولم يقع كما أخبر أبداً، وهذا من أعظم آيات نبوته، غاية ما في الأمر أن هناك أشياء لم تحصل بعد، لكنه تنبأ بفتح القسطنطينية التي هي (إسلام بول) أو (إستانبول) وقد وقع ذلك بعدها بثمانمائة سنة، وتنبأ أيضاً بأن المسلمين سيفتحون رومية ولم يقع هذا حتى اليوم، وهو لابد واقع كما أخبر الصادق المصدوق ﵌، يقول ﵊: (إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط؛ فاستوصوا بأهلها خيراً فإن لهم ذمة ورحماً) هذا الحديث رواه مسلم عن أبي ذر رضي الله ﵎ عنه. ذكر بعض العلماء في شرح الحديث: أن أهلها فيهم شيء من الإمساك في الناحية المالية، حتى إن القيراط وهو الشيء اليسير يسمونه ويهتمون به، والله أعلم. والمسلمون لما دخلوا مصر وشرف الله مصر بالفتح الإسلامي كان أهلها نصارى كفاراً، ومع ذلك يوصي ﵊ بهم خيراً، (فإن لهم ذمة ورحماً) أي: أن هاجر زوج إبراهيم ﵇ وأم إسماعيل من مصر، كذلك أيضاً مارية القبطية التي أهداها إليه المقوقس حاكم مصر أيضاً مصرية، وهي أيضاً أم ولده إبراهيم ﵊. فهذه هي وصايا الإسلام حول أهل الذمة ونحوهم، وهي وصايا تنبئ بلا شك عن تسامح كبير معهم، كما هو معلوم أن سبب نزول قوله ﵎: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان:٨] امتدحهم الله بأنهم يحسنون إلى المسكين واليتيم والأسير مع احتياجهم لهذا الطعام ومحبتهم له.

стр. 1132

معنى الإحسان إلى أهل الذمة يقول القرافي في معنى الإحسان إلى أهل الذمة: الرفق بدعوتهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وإكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل التلطف لهم والرحمة، لا على سبيل الخوف والذلة، واحتمال أذيتهم في الجوار مع القدرة على إزالته رفقاً بهم؛ بشرط ألا يكون ذلك عن مذلة أو عن ضعف، لكن عن قوة واقتدار على تأديبه. ثم يقول: واحتمال أذيتهم في الجوار مع القدرة على إزالته لطفاً مما بهم لا خوفاً منهم، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم، وحفظ حرمتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم، وصون أموالهم وأعيانهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم وإيصالهم لجميع حقوقهم، هذه وصايا الإسلام في أهل الذمة.

стр. 1133

توجيه النصوص التي تفيد التعارض مع الإحسان إلى أهل الذمة هذه مجموعة أخرى من النصوص قد نفهم منها خلاف ذلك، نمر عليها حتى ننهي هذه الجزئية، منها: قوله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩] يفهم منه معارضة الكلام الذي قدمناه آنفاً، فقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ جاء في تفسيرها أقوال كثيرة: منها: أن الذمي يدفع الجزية وهو قائم والآخذ يكون جالساً، لكن المقصود من هذه المظاهر العامة التي شرعها الإسلام بالنسبة لوضع هؤلاء الذميين -المقصود منها تبغيض الكفر إلى الذمي، وإشعاره أن هذا الكفر أداه إلى هذا الذل والصغار، فهذا نوع من تنفيره من الكفر بحيث يرغب في عزة المسلمين وأخلاق المسلمين وعقيدة المسلمين، فيكون ذلك من وجهين: ينفر من الكفر، ويرغب في الإسلام، هذا هو الشاهد وهذا هو المقصود. كذلك لا ينبغي أن يكونوا في موضع من التعظيم والتبجيل والتقدير والاحترام كمظهر عام في المجتمع الإسلامي؛ لأن العزة لا تكون إلا لله ولرسوله وللمؤمنين. تفسير آخر للآية قال بعضهم: أن يأتي بالجزية ماشياً لا راكباً، ويطال وقوفه عند إتيانه بها، ويجر إلى الموضع الذي تؤخذ إليه بالأنف ثم تجر يده ويمتهن. وبعض أهل العلم أنكر مثل هذه التفسيرات، يقول الدكتور الطريقي: نحن لو تفكرنا ملياً لأدركنا أن ذلك كله مما لا دليل عليه، كما يقول ابن القيم، حكى ابن القيم هذه التفسيرات في معنى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩] وقال: إن هذا كله مما لا دليل عليه من الكتاب والسنة، ولا هو مقتضى الآية، ولا نقل عن رسول الله ﷺ ولا عن الصحابة أنهم فعلوا ذلك. يقول: والصواب في الآية أن معنى قوله: (وهم صاغرون): أن الصغار هو التزامهم بجريان أحكام الذمة عليهم، ورجوعهم إلى حكم الإسلام، هذا هو معنى الصغار؛ لأن الدار إذا حكمت بالإسلام صارت دار إسلام، حتى ولو كان كل أهلها مثلاً نصارى أو يهوداً، ما داموا يؤدون الجزية فهم صاروا في حالة خضوع لحكم الله وصار الحكم لله في هذه البلاد. فالصواب في الآية: أن الصغار هو التزامهم بجريان أحكام الذمة عليهم بإعطاء الجزية، فإن التزام ذلك هو الصغار. ونحن نعتبر أنفسنا الآن تحت ظل القوانين الوضعية -ولا حول ولا قوة إلا بالله- في حالة إذعان وذل لهذه القوانين الكافرة. وقوله: (عن يد) أي: عن قدرة، بحيث لا يكون عاجزاً، بل إن كان عاجزاً فإنه يعطى من بيت المال، كما حكم بذلك عمر رضي الله ﵎ عنه، فلا شك أن خضوع الكفار لدولة الإسلام ودفعهم الجزية للمسلمين هو في ذاته صغار لهم. يقول الإمام الشافعي ﵀: إذا أخذ الإمام منهم الجزية أخذها بإدلال -يعني بإحسان- ولا يضرب منهم أحداً، ولا يناله بقول قبيح. فهذه كلمة الإمام الشافعي في هذه القضية. يقول الدكتور الطريقي: فلا داعي إذاً لتلك الأمور التي ظن بعضهم أن الصغار لا يتحقق إلا بها، مثل: الأخذ بتلابيبهم، وذمهم، وسبهم، أو كونهم يدفعون الجزية قياماً والآخذ جالساً ونحو ذلك. ومن الأدلة التي قد يفهم منها التعارض مع ما قدمنا: حديث رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه) في هذا الحديث نهي عن بدء النصارى واليهود بالسلام، وأمر بأن يضطر الواحد منهم إلى أضيق الطريق عند اللقاء. وهنا مسألتان:

стр. 1134

أحكام السلام على الكفار الأولى: عدم البداءة بالسلام، وهذه مسألة مشهورة، والخلاف فيها أيضاً مشهور وفيها نحو أربعة أقوال: أحدها: تحريم بدء النصراني أو اليهودي بالسلام. ثانيها: كراهة بدء اليهودي أو النصراني بالسلام. ثالثها: الإباحة. رابعها: أنه لا يجوز السلام إلا في حالة ضرورة أو حاجة أو سبب. وقد حكى هذه الأقوال الإمام النووي ﵀ وغيره، واختار التحريم، وقال: إنه قول أكثر العلماء؛ لأن ظاهر النهي التحريم. ويرجح الدكتور الطريقي هنا المنع من البداءة بالسلام، إلا إذا كان ثمة حاجة. يقول: ولتقريرنا رجحان المنع فإن ذلك ليس فيه إخلال بالوصايا السابقة، فعدم البداءة بالسلام لا يعني سباً ولا سخرية ولا نحواً منهما، ولا يعني ذلك أنك تكف عن الإحسان إلى أهل الذمة؛ لأن الرسول ﵊ قال: (من خاصم ذمياً أو ظلمه فأنا حجيجه يوم القيامة) أي: أنا أجادل وأخاصم عنه يوم القيامة؛ لأن هذا اعتداء على من هم في أمان الله وأمان رسول الله ﵊، فالمسلم يحترم عهد الله وعهد رسول الله وعهد إمام المسلمين، وذلك بأن لا يؤذي من صار تحت حمايته، فلا يخفر هذه الذمة ولا ينقض هذا العهد، ما داموا ملتزمين بضوابط هذه العهود. يقول الدكتور الطريقي: وعدم البداءة بالسلام لا يعني سباً ولا سخرية ولا نحواً منهما، لكن الذي قد يعطي نوعاً من هذا هو عدم رد السلام، والإسلام يأمر برده على كل أحد. وهناك فرق بين البدء بالسلام وبين رد السلام، فإن الله يقول في القرآن الكريم: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦]، ومعلوم أن البدء بإلقاء السلام حتى للمسلم حكمه سنة، لكن رد السلام واجب، رد السلام فريضة، لكن البداءة بالسلام سنة مستحبة، وهذه من الحالات الاستثنائية التي يكون فيها ثواب النافلة السنة أكبر من ثواب الفرض، وهي حالات محدودة تكون النوافل فيها ثوابها أعظم من ثواب الفرض. الشاهد من الكلام: أن الإسلام يأمر برد السلام على كل أحد، لكن مع النصراني أو مع الكافر تختلف صورة الرد، فإذا قال لك: السلام عليكم، فترد وتقول له: وعليكم؛ لأنه يحتمل أن يلحن بها ويلوي بها كما كان يفعل اليهود، فقد كانوا يقولون: السام عليك، لكن للأسف الشديد من المبكي والمحزن أن كثيراً من المسلمين الآن إذا ألقى السلام يقول: السام عليكم كما كان يقول اليهود، وهذه الطريقة مع أنها لغة عامية بريئة، لكن للأسف فيها تشبه باليهود وإن لم يقصد ما قصدوا من قولهم: السام عليكم، نسمع كثيراً من الناس لا يرد رداً شرعياً كاملاً، ولعل هذا أخف ممن يبدأ بصباح الخير أو مساء الخير، وغير ذلك من تحايا الجاهلية التي أبدلنا الله خيراً منها، فيستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، فالصورة بالنسبة للكافر إذا شك المسلم باللحن في السلام من قبل الكافر فليقل: وعليكم فحسب، أما إن علم أنه سلم تسليماً صحيحاً فلا مانع من أن يرد رداً كاملاً، ويقول: وعليكم السلام، ولا يقول: ورحمة الله وبركاته؛ لأنه لا يستحق الرحمة، ولأن رحمة الله في الآخرة.

стр. 1135

اضطرار الكافر إلى أضيق الطريق المسألة الثانية: اضطراره إلى أضيق الطريق، اختلف العلماء في معنى اضطرار الكافر إلى أضيق الطريق. فمن قائل: إن هذا الاضطرار على ظاهره بلا تأويل، فإذا كان هناك طريق ضيق فلا تفعل مع الكافر ما تفعله مع المسلم، المسلم تتواضع له وتؤثره على نفسك، وتقول له: تفضل أنت؛ لأن الطريق ضيق، أما مع الكافر فينبغي ألا تؤثره على نفسك، بل تضطره أن يمشي في جوانب الطريق، وتبقى أنت في الوسط؛ إظهاراً لعزة الإسلام. وبعض العلماء قالوا: إن هذه كناية عن إظهار عزة الإسلام وذلة الكفر، وأن المسلم لا يظهر أمام الكافر بمظهر المستخذي الذليل، ولكن بالمظهر اللائق به بصفته مسلماً؛ لأنه هو الذي يمثل الحق على هذه الأرض، فإذا التقى مسلم وغيره في طريق فليكن المسلم عزيزاً رافع الرأس، لا يظهر الذل والخنوع والضعف والتماوت ويطأطئ رأسه وينحني، فهذا لا يليق، ومعلوم ما فعله الصحابة لما أتوا في عمرة القضية أو عمرة القضاء بعدما منعوا العمرة في عام الحديبية وأتوا من قابل ليعتمروا، قال المشركون: (أتاكم قوم قد أنهكتهم حمى يثرب) فجلس المشركون في الجهة الشامية من الكعبة، والذي يكون في الجهة الشامية لا يرى الذي يأتي من جهة الركنين اليمانيين: الحجر الأسود والركن اليماني، فلذلك حرص الصحابة على ألا يظهروا الضعف أمام الكفار، فلابد للمسلم أن يغيظ الكافر بإظهار القوة والجلد حتى لا يشمت به، فلذلك أمر الرسول ﵊ الصحابة أن يرملوا في طواف القدوم؛ ليظهروا الجلد. والرمل: هو القفز القريب مع تقارب الخطا، القفز الذي فيه قوة وصحة وعافية، مع أنهم بالفعل كانوا مرضى، وكانوا منهكين من الطواف، فكانوا إذا أتوا إلى الجهة اليمانية حيث لا يراهم المشركون هدءوا الخطوات واستعادوا أنفاسهم، فإذا عادوا للظهور من جديد في الثلاث الجهات الأخرى أظهروا الجلد ورملوا، وهذا الحكم ما زال باقياً إلى اليوم؛ تذكيراً للمسلمين بنعمة الله عليهم، فنحن عندما نرمل حول الكعبة تذكرنا ما كان من كيد المشركين، وتذكرنا هذه القصة واستحضرنا نعمة الله علينا دوماً بتمكين الإسلام وإظهاره. الشاهد من هذا كله: أن المسلم يحرص على أن يكون عزيزاً رافع الرأس، لا يطأطئ ولا يذل للكافرين، ويظهر بالمظهر الذي يليق به بصفته مسلماً، فإن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فإذا التقى المسلم وغيره في طريق فليكن المسلم رافعاً رأسه عزيزاً، يأخذ من الطريق أوسعه، ولا يستذل للكافر فيفسح له الطريق، ويبقى هو لاجئاً إلى أضيقه خاضعاً مستجدياً. يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث الذي هو: (إذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه): معناه: لا تتنحوا لهم عن الطريق الضيق إكراماً لهم واحتراماً. وعلى هذا فتكون هذه الجملة مناسبة للجملة الأولى في المعنى الذي هو قوله: (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه)، يقول القرطبي: وليس المعنى إذا لقيتموهم في طريق واسع فألجئوهم إلى حرفه حتى يضيق عليهم؛ لأن ذلك أذى، وقد نهينا عن أذاهم بغير سبب، فالتضييق ينبغي ألا يلحقهم بأذى، كما قال الدكتور الطريقي، وفعل المسلم هذا ليس منطلقه الكبر والزهو، وإنما هو عزة الإسلام والحق، فمن أجل هذا لا يتنافى هذا الحديث مع ما ذكرناه من مشروعية التأدب معهم والرفق بهم، كما أن هناك علماء يخالفون الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تأويله لهذا الحديث قال المناوي في فيض القدير: يقول ﷺ : (لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام)؛ لأن السلام إعزاز وإكرام، ولا يجوز إعزازهم ولا إكرامهم، بل اللائق بهم الإعراض عنهم وترك الالتفات إليهم؛ تقذيراً لهم وتحقيراً لفعلهم، فيحرم ابتداؤهم به على الأصح عند الشافعية، وأوجبوا الرد عليهم بعليكم فقط، ولا يعارضه آية: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم:٤٧]، وآية: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ﴾ [الزخرف:٨٩]؛ لأن السلام هنا سلام متاركة ومنابذة لا سلام تحية وأمان، كما قال الله تعالى في ذلك: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥] لكن هناك بعض الناس يأتي إلى قوله : ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣] ويطبق هذه الآية بطريقة غير صحيحة غير سوية، فتراه إذا أراد أن يشتم خصمه ويصفه بأنه جاهل يستحضر هذه الآية: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥]، فهذه أذية وليست متاركة، فهو يستخدم الآية في غير ما أنزلت من أجله، الآية تمدح المسلم العزيز القوي الذي مع قوته وقدرته يعفو ويصفح ويلين ويرفق، حتى مع من يؤذيه فهو يحلم، وليس معناها أنك إذا أردت أن تشتمه تأتي بالآية، فأنت هكذا عملت عكس معنى الآية، فالآية تنصحك بالرفق واللين وبالسلام والمتاركة والمنابذة لا لشتمه، فهو استعمال للآية في غير ما أنزلت من أجله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣] يعني: تلطفوا في الجواب. وعليه فالآية أتت لترسيخ خلق معين في المسلم، فلا ينبغي أن تستعملها في عكس ما أنزلت من أجله. قوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ﴾ [الزخرف:٨٩] أي: قل لهم قولاً طيباً. قوله: (سلام) فهو سلام متاركة ومنابذة لا سلام تحية وأمان كما يكون مع المسلم. يقول المناوي: (إذا لقيتم أحدهم في طريق) فيه زحمة (فاضطروه إلى أضيقه)، بحيث لا يقع في وهدة. أي: بشرط أنك تضطره إلى أضيقه لا أنك تلجئه إلى هاوية سحيقة، وتقول: أنا أضطره إلى أضيق الطريق بحيث يقع بسيارته ويهلك، أو إن كان هناك حفرة مثلاً أو وهدة في طريق إذا اضطريته إليها ستؤذيه، فهذا أيضاً لا داعي له. يقول: بحيث لا يقع في وهدة، ولا يصدمه نحو جدار. وللأسف بعض الناس من المسلمين الآن في قيادة السيارات يفعلون ذلك مع المسلمين، بحيث يحاول أن يضطرك إلى الخروج عن الطريق والاصطدام بسيارة أخرى، ولا حول ولا قوة إلا بالله. يقول: أي: لا تتركوا له صدر الطريق إكراماً واحتراماً، فهذه الجملة مناسبة للأولى في المعنى والعطف، وليس معناه كما قال القرطبي: إنا لو لقيناهم في طريق واحد نلجئهم إلى حرفه حتى يضيق عليهم؛ لأنه إيذاء بلا سبب، وقد نهينا عن إيذائهم، ونبه بهذا على ضيق مسلك الكفر وأنه يلجئ إلى النار. والحكمة من هذا التضييق إشارة إلى أن الكفر دائماً عاقبته الضيق، فكما أن الكفر تسبب في أن هذا الشخص يضطر إلى أضيق الطريق، كذلك إن مات على الكفر فإنه يضيق عليه فيحشر في جهنم: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان:١٣]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

стр. 1136

الخوف والرجاء لقد اختلف العلماء في أرجى آية في القرآن على أقوال كثيرة، ومعلوم أن القرآن كله رجاء وبشارة للمؤمنين والمسلمين على اختلاف مراتبهم، فعلى العبد المؤمن أن يحسن الظن بربه، فهو أرحم به من أمه وأبيه، والرجاء يستلزم دوام الطاعة والاستقامة على شرع الله ، وذلك بفعل الأوامر وترك النواهي.

стр. 1137

أرجى حديث للأمة ومعناه إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلاله، وكل ضلالة في النار. عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: (أن النبي ﷺ تلا قول الله في إبراهيم ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦]، وقال عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨] فرفع يديه فقال: (اللهم! أمتي أمتي) وبكى، فقال الله تعالى: يا جبريل! اذهب إلى محمد -وربك أعلم- فاسأله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال، فقال الله لجبريل: اذهب إلى محمد فقل: إنا سنزضيك في أمتك ولا نسوءك) رواه الشيخان البخاري ومسلم والنسائي. هذا الحديث يقول فيه الإمام النووي رحمه الله تعالى: هذا من أرجى الأحاديث لهذه الأمة. يعني: هذا أعظم الأحاديث النبوية في رجاء الله وتجاوزه ورحمته لهذه الأمة المرحومة، الحديث يرويه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: (أن النبي ﷺ تلا قول الله حاكياً عن إبراهيم ﵇: (رب إنهن) أي: الأصنام. (أضللن كثيراً من الناس) أي: صرن سبب ضلال كثير من الناس. (فمن تبعني) أي: على التوحيد والإخلاص والتوكل. (فإنه مني) أي: من أتباعي وأشياعي. وتمامها: (ومن عصاني فإنك غفور رحيم) أي: تغفر ما دون الشرك لمن تشاء، وترحم بالتفضل على من تشاء، أو تغفر للعاصي المشرك بأن توفقه للإنابة، وإلى الإيمان والتوحيد والطاعة في الدنيا، وترحمه بزيادة المثوبة في العقبى. استشهد ﷺ أولاً بقول إبراهيم ﵇: (رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم) وقال عيسى ﵇، أي: تلا ﷺ قول الله حاكياً عن عيسى: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) أي: لا يغلبك شيء فإنك القوي القادر، فتحكم بما تشاء، لأنك الحاكم الذي لا معقب لحكمك، أو الحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها، ويتقن الأفعال ويحكمها، بعدما تلا ﷺ هذين القولين عن إبراهيم وعن عيسى ﵉، رفع ﷺ حينئذ يديه الشريفتين فقال: (اللهم! أمتي أمتي) أي: اللهم اغفر لأمتي، اللهم ارحم أمتي، وجه التكرار في قوله: (أمتي أمتي) أن أمتي الأولى يعني: اللهم اغفر لأمتي، والثانية: اللهم ارحم أمتي، أو أراد بقوله: (اللهم أمتي أمتي) التأكيد، أو أراد بقوله: (أمتي أمتي) أي: الأولون والآخرون من أمته ﷺ . (وبكى ﷺ لأنه تذكر الشفاعة الصادرة عن الخليل (رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم) فهنا شفاعة من إبراهيم ﵇ فيمن تبعه، وفيمن تاب الله عليه من المشركين أو العصاة، وتذكر أيضاً شفاعة روح الله عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) فرق حينئذ لأمته ﷺ ، فقال الله تعالى: (يا جبريل! اذهب إلى محمد -وربك أعلم- فاسأله) قوله: (وربك أعلم) هذه جملة معترضة؛ لأن هناك معنى محذوراً يوهمه قوله: (فاسأله) فالله يعلم كل شيء، وقد أحاط بكل شيء علماً، وإنما أراد بذلك بيان الحكمة وشدة رحمته بهذه الأمة، فلذلك قال: (يا جبريل! اذهب إلى محمد -وربك أعلم- فاسأله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل ﵇ فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال) أي: أخبره بشيء قاله ﷺ من سبب البكاء، وهو الخوف لأجل أمته، وشفقته على أمته، ورجاؤه أن ترحم أمته (فقال الله لجبريل: اذهب إلى محمد فقل: (إنا سنرضيك) يعني: إنا بعظمتنا سنرضيك وسنجعلك راضياً، قوله: (في أمتك) أي: في حق أمتك (ولا نسوءك) أي: ولا نحزنك في حق الجميع، بل ننجيهم ولأجل رضاك نرضيهم. صدق الله العظيم حيث يوصف نبيه بأنه رحمة مهداه بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] ﵌. وقول الإمام النووي: هذا من أرجى الأحاديث لهذه الأمة أي: أن هذا من أرجى الأحاديث الواردة في سنة النبي ﷺ ، وقد رواه الإمام البخاري ومسلم والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. والإنسان يحتاج في بعض الدروس إلى تذكر وحشد آيات الرجاء، كما يحشد عن الابتلاء مثلاً آيات الصبر حتى يستعين بها على مواجهة الابتلاءات، كذلك هناك مواقف معينة لا بد من حشد نصوص الرجاء والتعلق بها، عسى أن يرحم الله عباده، فمن المواضع التي ينبغي أن تسرد وتحشد فيها نصوص الرجاء عند الإنسان المحتضر، فإذا حضرت إنساناً يحتضر قد أيس من حياته وأشرف على الموت، فيستحب أن تغلب عليه جانب الرجاء؛ لأنه لم يبق للخوف فائدة في هذا المقام؛ لأن الخوف إنما المقصود به الحث على العمل، أما الرجاء فالمقصود به تهيئته لكي يقبل على ربه ويلقاه وهو يحسن الظن به، فالله يقول: (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء)، فإذا احتضر العبد وهو يحسن الظن بربه لقي من الله خيراً، وإن كانت الأخرى فالأخرى.

стр. 1138

معنى الرجاء وحقيقته وقبل أن نتكلم في خلاف العلماء في أرجى آية في القرآن الكريم، ننبه إلى معنى الرجاء. معنى الرجاء: يقول الله : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦]، وقال : ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]، وذكر النبي ﷺ : (أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف) فإن كان هذا الثواب العظيم وهذه المضاعفة للحسنات مع أن السيئة تكون بواحدة، وما يعفو الله عنه أعظم، فويل لمن غلبت آحاده عشراته، ولا يهلك على الله إلا هالك، فلذلك يقول العلماء: إن من رحمة الله أنه جعل تأخير التوبة ذنب يجب التوبة منه، وبهذا يسد على العبد جميع المنافذ، فهو يحرم عليه القنوط من رحمته، ويجعل اليأس من رحمة الله قريناً للكفر، ويفتح له أبواب التوبة صباح مساء، ويغفر الذنوب، ويخبر بأن التوبة تجب ما قبلها، ويخبر بأن رحمته وسعت كل شيء، ثم بعد ذلك يحتم على العبد التوبة، فيقول العلماء: تأخير التوبة ذنب يجب التوبة منه.

стр. 1139

المقصود بالرجاء وأسباب تحقيقه إن المقصود بالرجاء: هو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب عنده، ولكن هذا المحبوب لا بد له من سبب حتى يكون رجاء، فالإنسان عنده شيء يحبه ويرجو أن يحققه، فإن لم يأخذ بالأسباب التي توصله إلى تحقيقه، فهذا هو الغرور وهذا هو الحمق، كما قال الله : ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد:١٤] فهذا هو الاغترار بالله ، لكن الرجاء لا يصدق عليه لفظ رجاء حتى يكون معه الأخذ بالسبب؛ لأن من رجا شيئاً استلزم رجاؤه ثلاثة أمور: أولاً: محبته لما يرجوه. ثانياً: السعي في تحصيله بحسب الإمكان. ثالثاً: خوفه من فواته. فالدنيا هي مزرعة الآخرة، والقلب كالأرض، والإيمان كالبذر في هذه الأرض، والطاعات جارية مجرى تقليب الأرض، فالإنسان إذا أراد أن يزرع فإنه يبحث عن الأرض الطيبة، ويلقي فيها بذراً جيداً غير عفن ولا مسوس، ثم يتعهد هذا البذر بما يحتاج إليه من سوق الماء إليه في أوقاته، وتنقية الأرض من الشوك والحشيش وكل ما يمنع نبات البذر أو يفسده، ثم يظل منتظراً فضل الله تعالى بأن يدفع الصواعق والآفات التي تتسبب في إفساد هذا الزرع، حتى يتم ذلك الزرع ويبلغ غايته، فهذا الانتظار بعد الأخذ بالأسباب يسمى رجاء. إذاً: بعد الأخذ بالأسباب تنتظر رحمة الله ونفحاته، هذا هو الرجاء. أما الشخص الذي يبث البذر في أرض صلبة سبخة، مرتفعة لا ينصب إليها الماء، ولم يشتغل بتعهد البذر أصلاً، ثم انتظر الحصاد، فإن انتظاره هذا يعد حمقاً وغروراً لا رجاء، فمثلاً: يقول الله : ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤] تجد الإنسان إذا كلمته في الدنيا وقلت له: هون عليك في طلب الدنيا فإنما يأتيك ما قدر لك، وتخبره بالنصوص التي فيها ضمان الرزق وكذا وكذا، يقول لك: كل شيء بسبب، ربنا خلق الأسباب وأمرنا بالأخذ بأسباب، ويطيل القول في ذلك، لكن إذا أمرته بمعروف أو نهيته عن منكر أو كلفته بشيء من الطاعات والواجبات فسرعان ما يتعلق بنصوص الرجاء، ويقول: ربنا غفور رحيم، ربنا رحمته وسعت كل شيء، ويتعلق بنصوص الرجاء وهو يفرط في أسباب التوبة، مع أن الرزق الذي يسعى خلفه هو مضمون ضمنه الله له، فالرزق والأجل مضمونان، لو أن ابن آدم يهرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه أجله، لكن النجاة في الآخرة لا تأتي إلا بالسعي، قال الله : ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ [النجم:٣٩ - ٤١] هذا في الدنيا؛ لأن هذا موافق لهواه وموافق لشهواته يسعى ويكد. إذاً: الرجاء الذي لا يكون معه الأخذ بأسباب النجاة فهذا هو عين الحمق، وهذا هو عين الغرور. والإنسان إذا بث البذور في أرض طيبة، لكن هذه الأرض لا ماء لها، وأخذ ينتظر مياه الأمطار في مكان لا يغلب فيه نزول الأمطار ولا يمتنع أيضاً، هذا يسمى تمنياً لشيء لا يقع في العادة. أما الرجاء فإنما يصدق على انتظار محبوب تمهدت جميع أسبابه التي تدخل تحت اختيارك، بحيث لم يبق إلا ما ليس بداخل تحت اختيارك، ولهذا قال ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢] المضطر بعدما يعجز عن الأسباب التي في يده يدعو الله وينتظر فضله؛ لأنه أخذ بما في يده لكن بقيت أسباب ليست تحت اختياره، فهذا محض فضل الله لصرف القواطع والمفسدات لعمله. فالعبد الذي يجتهد في الطاعات ويجتنب المعاصي حقيق بأن ينتظر من فضل الله تمام النعمة، وما تمام النعمة إلا بدخول الجنة، كما قال ﷺ : (حينما سمع أحد الصحابة ﵁ يقول: اللهم إني أسألك تمام النعمة، فقال: أتدري ما تمام النعمة؟ قال: لا، قال: تمام النعمة أن تدخل الجنة) أو كما قال ﵌، أما العاصي فإنه إذا تاب وتدارك جميع ما وقع منه من تقصير فهذا حقيق بأن يرجو قبول توبته إذا كان كارهاً للمعصية، كما قال ﷺ : (إذا سرتك حسنتك، وساءتك سيئتك، فأنت مؤمن) فمن يذم نفسه ويشتهي التوبة ويشتاق إليها فهذا حقيق بأن يوفقه الله للتوبة؛ لأن هذا الحرص على التوبة هو سبب من الأسباب الشرعية التي أمرنا بها. فالرجاء لا بد من ارتباطه بأسباب النجاة، وآية ذلك قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٨] فما أطلق عليهم وصف الرجاء إلا بعد أن ربطه بالأخذ بهذه الأسباب (إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله) أما من ينهمك فيما يكرهه الله ولا يذم نفسه ولا يعزم على التوبة والرجوع، فرجاء المغفرة في حقه هو الحمق والغرور. يقول يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى: من أعظم علامات الاغترار عندي التمادي في الذنوب مع رجاء العفو من غير ندامة، وتوقع القرب إلى الله بغير طاعة، وانتظار زرع الجنة ببذر النار، وطلب دار المطيعين بالمعاصي، وانتظار الجزاء بغير عمل، والتمني على الله مع الإفراط. ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس ويقول الحسن البصري في الكلمة المشهورة: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، وإن قوماً خرجوا من الدنيا ولا حكمة لهم، قالوا: نحن نحسن الظن بالله وكذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل. يقول النبي ﷺ : (ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق الدنيا، إن المؤمن خلق مفتناً تواباً نسياً إذا ذُكِّر ذَكَرَ) أي: أن المؤمن ليس بالمعصوم، ولا بد أن يقع منه شيء، لكن شأنه أنه إذا ذُكِّر ذكر وتاب واستغفر.

стр. 1140

الأقوال في أرجى آية في القرآن ما هي أرجى آية في القرآن؟ اختلف العلماء في ذلك اختلافاً كثيراً، فالمشهور أن أرجى آية في القرآن هي قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وقال جماعة من العلماء: أرجى آية في القرآن قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، والذين ذهبوا إلى أن هذه الآية هي أرجى آية لعصاة المؤمنين استدلوا بما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: (إن ناساً من المشركين قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) [الفرقان:٦٨] إلى قوله: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠]، ونزل أيضاً: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]) وروى الطبراني بإسناد ضعيف عن ابن عباس ﵄ قال: (بعث رسول الله ﷺ إلى وحشي قاتل حمزة ﵁ يدعوه إلى الإسلام، فقال: كيف تدعوني وأنت تزعم أن من قتل أو زنى أو أشرك يلق أثاماً، ويضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً، وأنا صنعت ذلك؟! فهل تجد لي من رخصة؟ فأنزل الله : ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠] إلى آخر الآية، فقال وحشي: هذا شرط شديد، (إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً) فلعلي لا أقدر على هذا، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فقال وحشي: هذا أرى بعده مشيئة، فما أدري أيغفر لي أم لا؟ فهل غير هذا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] قال وحشي: هذا نعم فأسلم) والحديث في إسناده ضعف. وفي قوله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا) مما يؤكد الرجاء ويقويه إضافة العباد إلى الله : (قل يا عبادي) وذلك جبراً لانكسارهم، وتسريعاً لهم للمبادرة بالتوبة. وروى الحاكم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها، الأولى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠] والآية الثانية: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:٣١] الثالثة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٨] الرابعة: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ [النساء:٦٤]). وروى عبد الرزاق عنه أيضاً قال: (خمس آيات من النساء لهن أحب إلي من الدنيا جميعاً وذكر فيهن: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء:١١٠] بدل الآية ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء:٦٤])، الخامسة: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء:١١٠]. وروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ قال: (ثمان آيات نزلت في سورة النساء خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت فقال: أولهن: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء:٢٦] والثانية: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٧]، والثالثة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٨]، ثم ذكر مثل قول ابن مسعود في الآيات الخمس سواء بسواء). وقال علي رضي الله تعالى عنه: (أرجى آية في كتاب الله قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] ثم قال: وإذا كان يكفر عني بالمصائب ويعفو عن كثير، فأي شيء يبقى بعد كفارته وعفوه؟!)، وورد عنه أنه قال: (ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله -يعني بالنسبة للعصاة- حدثني بها النبي ﷺ ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]) قوله: (ما أصابكم) أي: من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا (فبما كسبت أيديكم)، أي: هذه عقوبتكم في الدنيا، والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة وقد عاقبكم بها في الدنيا، وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أحلم من أن يعاقب به بعد عفوه، فهذا هو وجه اختيار علي ﵁ لهذه الآية على أنها أرجى آية في القرآن. وقال بعض العلماء: أرجى آية هي قوله تعالى في آخر سورة الأحقاف: ﴿بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف:٣٥] وقرئ: (بلغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون) والمقصود بقوله: (فهل يهلك إلا القوم الفاسقون) الآية اقتصرت في الإهلاك بالعذاب على الكفار؛ فأطمعت المسلمين في رحمة الله ﵎، ومثلها أيضاً قوله تعالى: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ [سبأ:١٧] وفي قراءة أخرى: (وهل يجازى إلا الكفور). وقيل أيضاً: إن أرجى آية هي قوله تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه:٤٨]. وقيل: إن أرجى آية هي قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء:٨٤].

стр. 1141

معنى قوله تعالى: (ولسوف يعطيك ربك فترضى قيل: إن أرجى آية في القرآن هي قوله : ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥] فروي: (أن النبي ﵊ لما نزلت هذه الآية قال: إذاً لا أرضى وواحد من أمتي -يعني: من أمة الإجابة الذين دخلوا في دين الإسلام، واستجابوا لدعوته ﷺ في النار) وصح أيضاً في الحديث: أن النبي ﷺ قال: (لا أزال أشفع يوم القيامة فأشفع حتى يناديني ربي أقد رضيت يا محمد؟! فأقول: أي ربي رضيت) ﵌. ونظم بعضهم هذا المعنى فقال: قرأنا في الضحى ولسوف يعطي فسر قلوبنا ذاك العطاء وحاشا يا رسول الله ترضى وفينا من يعذب أو يساء وقال الآخر مخاطباً النبي ﷺ : أترضى حبيبي أن تكون منعماً ونحن على جمر اللظى نتقلب ألم يرضك الرحمن في سورة الضحى وحاشاك أن ترضى وفينا معذب وقال بعض العلماء: إن حمل هذه الآية: (ولسوف يعطيك) على الشفاعة متعين، واستدلوا على ذلك بوجوه: الأول: أنه تعالى أمر نبيه ﷺ في الدنيا بالاستغفار، فقال : ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩] قوله: (واستغفروا) السين هذه سين الطلب، يعني: سؤال المغفرة عبارة عن طلب المغفرة، ومن طلب شيئاً فلا شك أنه لا يريد الرد ولا يرضى به. إذاً: الاستغفار كلمة تفيد الطلب مثل الاستسقاء يعني: طلب السقيا، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] على القول بأنها تفيد الطلب، بمعنى: أنهم سألوا الله الاستقامة والثبات عليه، هذا أحد الوجوه في التفسير حتى كان الحسن إذا تلا هذه الآية قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة. فالمقصود بقوله: (واستغفر لذنبك والمؤمنين) يعني: سلني أن أغفر لأمتك، فكون الرسول ﵊ يسأل الله شيئاً، فهو يحب هذا الشيء، وبالتالي يكره أن يرد، ولا يرضى أن يرد، إنما يرضى بالإجابة، وإذا ثبت أن الذي يرضاه الرسول ﷺ لأمته هو الإجابة لا الرد، وقد دلت هذه الآية على أن الله يعطيه كل ما يرتضيه، علمنا أن هذه الآية دالة على الشفاعة في حق المذنبين. إذا كان الرجل يقول في حق الذي هو مثله من البشر: لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه من جود كفيك ما علمتني الطلبا يقول له: لو لم ترد، أي: لو لم تكن تحب أن تعطيني لما كنت تعلمني أن أطلب منك، فكيف يكون في حق الله الذي علمنا أن ندعوه وضمن لنا الإجابة؟! أما الأحاديث الواردة في الشفاعة فكثيرة، وهي دالة على رضا الرسول ﷺ في العفو عن المذنبين، وهذه الآية دلت على أنه تعالى يفعل كل ما يرضاه الرسول ﷺ ، فتحصل من مجموع الآية والحديث حصول الشفاعة. وعن جعفر الصادق أنه قال: رضا جدي ألا يدخل النار موحد. والحديث الذي صدرنا به الكلام يؤكد هذا المعنى، وهو قول الله لجبريل: (اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك) لكن هناك تنبيه مهم جداً: وهو أن النبي ﵊ لا يرضى الرضا الكامل إلا إذا وقعت شفاعته لجميع أمته كاملة، فهذا أمر يكون في المستقبل، فلا ينافي دخول بعض أمته النار ابتداءً، لكن يشفع النبي ﷺ في أهل الكبائر من الموحدين، فالمقصود بالرضا أنهم لا يخلدون في النار.

стр. 1142

وجه كون قوله تعالى: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم) أرجى آية في كتاب الله هناك أقوال أخرى فيما يتعلق بأرجى آية في القرآن: قيل: إن أرجى آية في القرآن هي قول الله في سورة النور: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢] قال العلماء: إن في هذه الآية الكريمة دليلاً على أن كبائر الذنوب لا تحبط العمل الصالح؛ لأن مسطح بن أثاثة من عمله الصالح الهجرة في سبيل الله، ومع ذلك وقع في قذف أم المؤمنين عائشة ﵂، وخاض في الإفك، فأقيم الحد عليه، ومع ذلك ثبت الله سبحانه له وصف الهجرة والمهاجرين في سبيل الله. فقذفُ عائشة ﵂ من الكبائر، ومع ذلك لم يبطل هجرته؛ لأن الله قال بعد هذه الكبيرة: (والمهاجرين في سبيل الله) فدل على أن هجرته في سبيل الله كانت خالصة، ولم يحبطها قذفه لأم المؤمنين رضي الله تعالى عنها. قال القرطبي في هذه الآية في سورة النور: معروف أن مسطحاً لما وقع في عائشة رضي الله تعالى عنها، فكان أبو بكر يعطيه نفقة وأموالاً، فغضب منه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فقطع عنه هذه النفقة. هناك من الأشعار اللطيفة كون الإنسان إذا أساء إلى إنسان فلا يحتج بفعل مسطح. كان هناك رجل له ولد عاق لا يطيعه، فقطع أبوه عنه النفقة التي كان يؤتيه إياها، فبعث إليه ولده بهذه الأبيات يقول فيها: لا تقطعن عادة بر ولا تجعل عتاب المرء في رزقه فإن أمر الإفك من مسطح يحط قدر النيل من إفكه وقد جرى منه الذي قد جرى وعوتب الصديق في حقه فكتب إليه أبوه يقول: قد يمنع المضطر من ميتة إذا عصى في السير في طرقه لأنه يقدر على توبة توجب إيصالاً إلى رزقه لو لم يتب من ذنبه مسطح ما عوتب الصديق في حقه فهو يحتج بقوله تعالى: ((أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ)) [النور:٢٢] في حق مسطح، ولم الصديق في حقه إلا بعدما أظهر مسطح الندم، وتاب من هذه الكبيرة. وقوله: (قد يمنع المضطر من ميتة) هذه قاعدة معروفة، وهي: أن الرخص لا تناط بالمعاصي، فالإنسان إذا فعل معصية فليس له أن يترخص بالرخص الشرعية حال مباشرته لمعصية، كالشخص الذي يسافر لأجل معصية معينة يرتكبها، فهل له أن يقصر الصلاة؟ لا، ليس له أن يقصر الصلاة، وليس له أن يأكل الميتة إذا اضطر؛ لأنه في سفر معصية، فالرخص لا تناط بالمعاصي؛ فلذلك يقول هذا الأب لولده العاق: قد يمنع المضطر من ميتة إذا عصى في السير في طرقه يعني: إذا مشى في الطرق في سفر معصية فيمنع من هذا الرزق. لأنه يقدر على توبة توجب إيصالاً إلى رزقه لو لم يتب من ذنبه مسطح ما عوتب الصديق في حقه نعود لما نحن بصدده، يقول الإمام القرطبي: في قوله تعالى: (ولا يأتل أولوا الفضل) دليل على أن القذف وإن كان كبيراً لا يحبط الأعمال؛ لأن الله تعالى وصف مسطحاً بعد قوله في عائشة بالهجرة والإيمان، وكذلك سائر الكبائر، ولا يحبط الأعمال غير الشرك بالله، قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]. وقال القرطبي أيضاً: قال الإمام مسلم: قال حبان بن موسى: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله. ثم قال بعد هذا: قال بعض العلماء: هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى من حيث لطف الله بالقذفة العصاة اهـ. بهذا اللفظ.

стр. 1143

تتمة أقوال العلماء في بيان أرجى آية في كتاب الله تعالى وقيل: أرجى آية في كتاب الله قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً﴾ [الأحزاب:٤٧]، وقد قال تعالى في آية أخرى مبيناً هذا الفضل الكبير: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى:٢٢] فشرح الفضل الكبير في هذه الآية وبشر به المؤمنين في تلك الآية. وقيل: من آيات الرجاء أيضاً: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى:١٩].

стр. 1144

وجه كون أرجى آية في القرآن هي آية الدين وقال بعض أهل العلم: أرجى آية في كتاب الله : آية الدين، وربما يستغرب لأول وهلة أن تكون آية الدين هي أرجى آية للعصاة في القرآن الكريم، وقد أوضح الله ﵎ في آية الدين الطرق الكفيلة لصيانة الدين من الضياع، وكل هذه الآية من أجل مصلحة المسلم في شيء يسير جداً من الدنيا، يقول : ﴿وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٢] حتى لو كان الدين دريهمات قليلة، ومع ذلك اهتم الله بأمر المؤمن هذا الاهتمام، وأنزل في حفظ حقه أطول آية في كتابه المجيد! قالوا: إن المحافظة في آية الدين على صيانة مال المسلم وعدم ضياعه ولو قليلاً، يدل على العناية التامة بمصالح المسلم، ويدل أيضاً على أن اللطيف الخبير لا يضيعه يوم القيامة عند اشتداد الهول وشدة حاجته إلى ربه . قال بعض العلماء أيضاً: كان بعض العارفين يرى آية المداينة في البقرة من أقوى أسباب الرجاء، فقيل له: وما فيها من الرجاء؟! فقال: الدنيا كلها قليل، ورزق الإنسان منها قليل، والدين قليل، فانظر كيف أنزل الله تعالى أطول آية ليهدي عبده إلى طريق الاحتياط في حفظه دَينه، فكيف لا يحفظ دِينه الذي لا عوض له منه؟! يقول بعضهم: لئن كنت في الدنيا بصيراً فإنما بلاغك منها مثل زاد المسافر إذا أبقت الدنيا على المرء دينه فما يقتاته منها فليس بضائر وقال الملا علي بن سلطان القاري: فوجهه أنه أمرنا بالاحتياط لدنيانا الفانية التي نهانا عن الاغترار بها والركون إليها والاعتناء بها، وأمرنا بالإعراض عنها والزهادة فيها، فإذا لطف بما أرشدنا إليه مع حقارتها في أطول آية من كلامه، فكيف بالدار الباقية دار الخلد في النعيم والالتذاذ الذي لا يساوي بل لا يدانى بالنظر إلى وجهه الكريم؟!

стр. 1145

آيات في الرجاء وأقوال أهل العلم فيها أخرج الحاكم في المستدرك عن ابن عباس ﵄ قال: أرجى آية في القرآن لهذه الأمة قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]. وقيل: أرجى آية هي قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر:٢].

стр. 1146

معنى قوله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب) ووجه كونها أرجى آية قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: من أرجى آيات القرآن العظيم قوله : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر:٣٢ - ٣٥] كيف تكون هذه الآية هي أرجى آية في القرآن، بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن إيراث هذه الأمة لهذا الكتاب دليل على أن الله اصطفاهم، فقال : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢] وبين أن هؤلاء المصطفين ثلاثة أقسام: الأول: الظالم لنفسه، وهو الذي يطيع الله ولكنه يعصيه أيضاً، فهذا هو الذي قال الله فيه: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٢] وكل (عسى) في القرآن فهي واجبة. الثاني: المقتصد، وهو الذي يطيع الله ولا يعصيه، ولكنه لا يتقرب بالنوافل من الطاعات. الثالث: السابق بالخيرات، وهو الذي يأتي بالواجبات ويجتنب المحرمات ويتقرب إلى الله تعالى بالطاعات والقربات غير الواجبة، وهذا على أصح الأقوال في تفسير الظالم لنفسه والمقتصد والسابق. ثم إن الله بين أن إيراثهم الكتاب هو الفضل الكبير منه عليهم، ثم بعد ما ذكر هذه الأقسام الثلاثة وعد الجميع -الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات- بجنات عدن، وهو الذي لا يخلف الميعاد، فقال : (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا) إلى قوله: (وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) فهذه الواو في قوله: (يدخلونها) شاملة للظالم والمقتصد والسابق على التحقيق، ولذا قال بعض أهل العلم: حق لهذه الواو في قوله تعالى: (يدخلونها) أن تكتب بماء العينين؛ لما تضمنته من الرجاء والتبشير وتفريج كربات العصاة من المؤمنين، فوعد الله الصادق بجنات عدن لجميع أقسام هذه الأمة وأولهم الظالم لنفسه، يدل على أن هذه الآية من أرجى آيات القرآن الكريم، ولم يبق من المسلمين أحد خارج عن هذه الأقسام الثلاثة؛ لأن الوعد الصادق بالجنة في الآية شامل لجميع المسلمين، ولذا قال بعدما ذكر الثلاثة الأقسام للمسلمين مباشرة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر:٣٦] إلى قوله سبحانه: ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧] واختلف أهل العلم في سبب تقديم الظالم في الوعد بالجنة على المقتصد والسابق، ما الحكمة من أنه قدم الظالم لنفسه وأخر السابق بالخيرات؟! قالوا: قدم الظالم؛ لئلا يقنط من رحمة الله، وأخر السابق بالخيرات؛ لئلا يعجب بعمله فيحبط. وقال بعضهم: قدم الظالم لنفسه؛ لأن أكثر أهل الجنة هم الظالمون لأنفسهم؛ لأن الذين لم تقع منهم معصية أقل من غيرهم كما قال تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص:٢٤]. هذا ما يتعلق بأرجى آية في القرآن المجيد.

стр. 1147

أقوال العلماء عن أخوف آية في القرآن العظيم لا شك أننا بحاجة أيضاً إلى أن نتكلم عن أخوف آية في القرآن، لكن لا نفصل فيها، وإنما نذكرها على سبيل الاختصار. قال بعض العلماء: أخوف آية هي قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨]. وقيل: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن:٣١]. وقيل: قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير:٢٦]. وقيل: قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢]. وقيل: قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] هذه الآية تسمى: نبتات العابدين. وعن أبي حنيفة: أن أخوف آية قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣١]. وعن الشافعي: أنها قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣] هذا ما توافر لدي فيما يتعلق بأخوف آية وأرجى آية في القرآن العظيم.

стр. 1148

عبودية الكائنات [١] خلق الله الخلق وهو في غنىً عنهم، وإنما خلقهم لعبادته، فكل الخلق عبيد لله، سواء عبودية عامة أو عبودية خاصة، فيجب على الإنسان أن يحقق العبودية الخاصة؛ فإنها الغاية التي لأجلها خلق.

стр. 1149

أنواع العبودية ومفهوم الكائنات

стр. 1150

تعريف العبادة بسم الله الرحمن الرحمم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فسنبدأ أولاً بتوضيح مفهوم العبودية، فالعبودية هي الغاية من وراء هذا الخلق، كما قال ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، والعبودية لله مفتاح دعوة الرسل؛ إذ ما بعث الله رسولاً إلا قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٦٥]. والعبودية هي: الخضوع والانقياد والطاعة لله ﵎. واصطلاحاً هي: الأعمال الصالحة التي تُؤدى لله ﵎، ويُفرد الله بها، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.

стр. 1151

العبودية عامة وخاصة أما العبودية فهناك عبودية عامة، وهناك عبودية خاصة. فالعبودية العامة بمعنى أن كلمة (العبد) يقصد بها المعنى العام للعبادة، فعبد بمعنى: معبد. وتأتي العبادة الخاصة التي فيها (عبد) بمعنى عابد. والعبودية العامة هي عبودية القهر والتسخير لنفاذ أمر الله ﵎ في كل شيء، فلا يقدر كائن أن يمتنع عن شيء جبله الله عليه، وهذه العبودية تشمل جميع الكائنات؛ لأن الله يتصرف في خلقه بمحض ربوبيته بما يشاء وكيف شاء، حتى أطغى الطغاة وأكبر الجبارين إذا شاء الله أن يقبض روحه قبض روحه، وإن شاء أن يمرضه أمرضه، فيتصرف في خلقه بما شاء، ولا راد لمشيئته ولا لقضائه ﵎، ولا يستطيع أحد أبداً أن يخرج عما يقدره الله له. فهذه العبودية تشمل جميع الناس: المؤمنين والكفار، والأبرار والفجار، وأهل الجنة وأهل النار، يقول ﵎: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران:٨٣]، ويقول ﵎: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]، وقال في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا)، فجميع الكائنات لا تخرج عن مشيئته وقدرته وكلماته التامة التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، فهذه عبودية القهر والملك والتصرف كما تقتضيه ربوبيته ﵎. فالعبودية هنا عامة، والعبد هنا بالمعنى العام للعبودية بمعنى: معبد، أي مقهور وذليل خاضع لكل ما يجريه الله عليه. أما العبودية الخاصة فهي العبودية الاختيارية، عبودية الطاعة والانقياد والمحبة والاختيار، وهذه العبودية تصدر من المؤمنين الموحدين الذين يقومون بطاعته تعالى وتمجيده وتقديسه، من الجن والإنس والملائكة، فعبد هنا بمعنى: عابد العبودية الاختيارية، ومنه قوله ﵎: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٨]، وقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٧ - ١٨]، وقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هونًا﴾ [الفرقان:٦٣]، وقوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ [الإنسان:٦]. إذاً: الخلق كلهم عبيد ربوبيته ، وأهل طاعته وولايته هم عبيد ألوهيته، فالعبودية العامة هي الملك والقهر والتسخير، أما العبودية الاختيارية فهي توحيد المعبود باختياره، فالخلق كلهم عبيد ربوبيته، وأهل طاعته وولايته هم عبيد ألوهيته.

стр. 1152

مفهوم الكائنات وأقسامها ولابد أن نمر أيضاً على مفهوم الكائنات، فما هي الكائنات الموجودة؟ الكائن بمعنى: المخلوق المصنوع الموجود المقهور الخاضع الذليل، ومنه كلمة (استكان) يعني: ذل وخضع لمكوّنه، فالكائنات لفظ يرادف الموجودات والمخلوقات، فهي تشمل كل ما سوى الله ، حيث إنه تعالى هو الموجد والمكون والخالق لها؛ لأن كل ما في الوجود إما خالق أو مخلوق، فالخالق هو الله وحده، وكل ما عدا الله مخلوق مكون فهو من الكائنات الموجودة. فإذاً: الكائنات هي كل ما عدا الله، وهي التي وصفها الله بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤]. والكائنات قسمها العلماء باعتبارين إلى أقسام: التقسيم الأول: تقسيم الكائنات إلى: علويات وإلى سفليات. أما العلويات فيقصدون السماء والكواكب والنجوم والفلك والجنة والملائكة والعرش والكرسي. وأما السفليات فالنار والهواء والماء والتراب والرياح والسحاب والأرض والجبال والشجر والبحار والأنهار والأحجار والحيوانات والإنسان والنبات والطيور. التقسيم الآخر وهو أدق: تقسيم الكائنات إلى: كائنات في عالم الغيب، وكائنات في عالم الشهادة. أما عالم الغيب فهو كل ما غاب عنك، فهناك أحياء غيبية كالملائكة والجن، فهي أحياء لكنها في عالم الغيب، وهناك جمادات غيبية، كالجنة والنار والقلم والعرش. أما عالم الشهادة فيشمل كل ما هو مشاهد محسوس في حياة المخلوقات، فهناك الإنس، والإنس يشملون الأنبياء وأتباعهم، وهناك الحيوانات والنباتات والجمادات وغير ذلك. وكل هذه الأقسام التي ذكرنا تقوم بعبادة الله وتسبيحه، ليس على المجاز، ولكن على الحقيقة كما سنبين.

стр. 1153

دواعي عبودية الله أما دواعي هذه العبودية، فأول داعٍ من دواعي العبودية هو الفطرة، فالإنسان إذا كانت فطرته سليمة فإنها تجذبه إلى التوحيد، حتى قال بعض العلماء: لو أن رجلاً منذ أن ولد وضع في الأغلال، وحبس في غرفة ولم يختلط بأحد حتى بلغ وكلف، فسوف ينطق بـ (لا إله إلا الله)؛ كل إنسان سليم الفطرة يشعر باعترافه بالله ؛ إذ إن هذا أمر فطري، فلذلك لا يحتاج إلى مناقشة، كالذي عوفي من بلاء الفلسفة والإلحاد والمذاهب المشككة، وعوفي من تأثير البيئة الفاسدة كالبيئة النصرانية أو اليهودية أو الشركية من حوله. فإن هذه البيئة التي حبس فيها تدل على أنه ليس عنده مشكلة، ولا يقبل أصلاً مبدأ أن يناقش قضية وجود الله؛ لأن أقوى دليل هو الفطرة، ويجد أن هذا الشعور مغروس في قلبه، ومغروس في فطرته، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]، وقال في الحديث القدسي: (إني خلقت عبادي حنفاء، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم)، ويقول ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه). وأيضاً من دواعي العبودية: الشرائع، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء:١٥]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]. ومن دواعي العبودية الآيات الكونية التي تكشفها لنا الكشوفات العلمية الحديثة، والإسلام يعتبر التفكر في الآفاق عبادة واجبة على المسلم، فعليه أن يتفكر في هذه الآفاق وفي مخلوقات الله ، فإنه لما نزلت الآيات الخواتيم في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١] بكى النبي ﷺ وقال: (لقد أنزلت عليّ الليلة آيات، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها!)، فهذا الوعيد يدل على وجوب التفكر في هذه الآيات بالذات، وهي تشمل التفكر في خلق الله . ويقول ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:٧٥]، فالتفكر في هذا يورث اليقين. ويقول ﵎: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] وهذه من أعظم آيات الله ، ويقول : ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣]. ومجال الإعجاز العلمي في نصوص القرآن والسنة مجال رحب جداً، وحتى لا نخرج من موضوعنا نكتفي بهذه الإشارة إلى أن هذا أحد موجبات العبودية.

стр. 1154

عبودية البشر

стр. 1155

مراتب البشر في العبودية أما مراتب البشر في العبودية فأعلى المراتب هي: مرتبة الرسل والأنبياء، وأعلى مراتب الرسل هي مراتب أولي العزم من الرسل، وأعلاهم محمد ﵊، ثم عامة الرسل، ثم عامة الأنبياء. المرتبة الثانية: مرتبة أصحاب الأنبياء والرسل، وهم الحواريون والأنصار والربانيون، وأفضل هؤلاء على الإطلاق هم أصحاب رسول الله ﷺ ، فهم خير أمة أخرجت للناس، يعني: أن أفضل الأمم بعد الأنبياء هم الصحابة، وأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي إلخ الترتيب المعروف؛ رضي الله تعالى عنهم أجمعين. تلي مرتبة الحواريين والربانيين وأصحاب الأنبياء مرتبة المجاهدين في سبيل الله ﵎، وأعلى مراتب المجاهدين مرتبة الذين استشهدوا بالفعل في الجهاد في سبيل الله. تليهم مرتبة العلماء الذين هم ورثة الأنبياء. تليهم مرتبة المحسنين من أهل الإيثار والصدقة ودفع كربات الناس. يليها منزلة الصالحين المحافظين على الفرائض والنوافل، أولياء الله ، وهؤلاء هم الموصوفون بأنهم سابقون في الخيرات. يلي ذلك أهل النجاة الذين أدوا الفرائض وتركوا المحارم، بلا زيادة ولا نقص، وهؤلاء الذين ينطبق عليهم وصف المقتصد. يليهم الذين أسرفوا على أنفسهم وغشوا الكبائر مع أدائهم الفرائض، وهم المستحقون لوصف الظالم لنفسه.

стр. 1156

العبادة هي أشرف أوصاف الأنبياء أما الكلام في الحقيقة على عبودية الأنبياء فموضوع مهم جداً جداً، وما أكثر ما تكلم الناس فيه! لكن نشير إشارة عابرة؛ لأنه ليس هذا المقصود الأساسي من البحث. يقول ﵎: ﴿قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل:٥٩]، وهم الرسل ﵈، وقال : ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٧١]، فوصف الأنبياء بالعبودية له ، وقال أيضاً: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل:٢]، وقال أيضاً: ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٣]، فهذا أشرف وصف يعتز به الأنبياء والمرسلون، وهو أنهم عباد لله ﵎. ويقول مبيناً عبودية نوح له: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء:٣]، ويقول أيضاً: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر:٩]، وقال أيضاًَ في حقه: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:٨١]، وقال أيضاً: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم:١٠]. أما إبراهيم فقال الله في وصفه: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:٨١]، وقال: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [ص:٤٥]. أما موسى فقال أيضاً فيه وفي أخيه هارون: ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:١٢٢]. أما عيسى فكان أول ما نطق به في المهد أن قال: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم:٣٠]، وقال أيضاً في حقه: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف:٥٩]، وقال أيضاً: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ﴾ [النساء:١٧٢]. أما خاتمهم وسيدهم ﵌ فقد وصفه الله بالعبودية في أشرف مقاماته فقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [الجن:١٩]، وقوله: (عبد الله) يقصد به الرسول ﵊، وهذا هنا في مقام الدعوة، وقال عنه كذلك في مقام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لِيلاً﴾ [الإسراء:١]، وقال عنه أيضاً في مقام التحدي: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، وقال أيضاً: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَه﴾ [الزمر:٣٦].

стр. 1157

عبودية أتباع الرسل أما أتباع الرسل فقد وصف القرآن أتباع الرسل بهذه العبودية، كمؤمن آل فرعون، وامرأة فرعون آسية بنت مزاحم، وكذلك سحرة فرعون، وأصحاب الكهف، والغلام، وأصحاب الأخدود، وكذلك مؤمن آل ياسين، أي: حبيب النجار. أما هذه الأمة فما أكثر العابدين والعباد الذين استحقوا هذا الوصف الشريف، وعلى قمتهم بلا شك أبو بكر وعمر والصحابة كما ذكرنا، ومنهم عباد بن بشر والبراء بن مالك، وهما من صحابة رسول الله ﵌.

стр. 1158

عبودية جميع الكائنات ونحن الآن سنتكلم على عبودية نوع آخر من الكائنات، لا نعني بها عبودية الأنبياء والمرسلين وأتباعهم وطبقاتهم، وإنما نتكلم عن الكائنات كلها، ونثبت أن الله يخلق فيها إدراكاً حقيقياً، فهذه الكائنات تسبح، وتحمد الله ، ويخلق الله فيها إدراكاً، حتى الحجر والجدار، كما قال ﵎ في الجدار: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف:٧٧]، خلق الله فيه إرادة، ولذا قال: (يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَه).

стр. 1159

سجود الكائنات ومن هذه العبودية التي تقوم بها الكائنات: عبادة السجود، يقول ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج:١٨]. في هذه الآية قرينة واضحة على أن السجود هنا سجود حقيقي، وليس بالمعنى المؤول بأنه بالدلالة على الله ، هذه القرينة هي قوله تعالى: (وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ)، لو كان المقصود التسبيح بمعنى أن من رآها قال: سبحان الله، لقال: والناس أو وكل الناس؛ لأنك إذا رأيت أي مخلوق خلقه الله، فيمكن أن تقول: سبحان الله؛ لأنه خلق له هذه العين وهذه الأذن وهذا الأنف، وخلقه بهذه الطريقة، فلو كانت الدلالة العامة بالصورة المؤولة لما قال ﵎: (وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ)، ولكن بعض الناس قال: لم يقصد هنا التسبيح الحقيقي؛ لأن من الناس من يكفر بالله ويجحده، ولا يسجد له ولا يسبحه، فإذا كان الأمر كما زعموا فلن يكون لتخصيص السجود بكثير من الناس معنىً. ثم قال تعالى في آية أخرى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنْ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٤٨ - ٥٠]. الشاهد: قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنْ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل:٤٨]، حيث إنه هنا بين كيفية سجود هذه الأشياء فقال: (يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ)، يعني: أن الكائنات التي لها ظل هذه هي كيفية سجودها لله ، فالله قادر على أن يخلق للظل إدراكاً يسجد لله به سجوداً حقيقياً. وقوله: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) هذا يدل على أن المقصود جميع الكائنات؛ لأنه ليس هناك كائنات تخرج عن السماء أو الأرض؛ فلذلك هذا كله يسجد سجوداً حقيقياً لله ، ولذا قال: ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٤٩ - ٥٠]. هناك خلاف في كيفية هذا السجود، فهناك سجود، وهناك تسبيح، فمثلاً: الطيور تسمعها في وقت الشروق وفي وقت الغروب، وإذا كان هناك غابة فيها أشجار كثيرة أو بستان أو حديقة تسمع أصوات الطيور في هذين الوقتين بالذات كأنها أوامر مكلفة بها، وحينما تسمع هذا ما يدريك لعل هذا هو تسبيح الطيور؟ لكنك لا تفقه منه شيئاً، وكونك لا تفقه لا يسوغ لك أن تنكره. وهكذا الأمواج تسبح، وكل ما خلق الله من الكائنات يسبح الله . لكن يختلف الإنسان عمن عداه في كيفية السجود، فنحن -مثلاً- معشر المسلمين سجودنا الخاص بنا هو ذلك السجود الذي يكون على سبعة أعضاء، أما بقية الكائنات فسجود كلٍ بحسبه، إذ كل كائن له طريقة خاصة بالسجود الله أعلم بها، فلو قيل: كيف يسجد الشجر؟ وكيف يسجد القمر؟ وكيف تسجد الشمس؟ وكيف تسجد هذه الكائنات؟ لقلنا: لا ندري، لكن هي تسجد قطعاً بلا شك في ذلك. فالخلاف هو في كيفية السجود، ونحن نعرف فقط سجودنا نحن؛ إذ نسجد على سبعة أعضاء، أما ما عدانا من الكائنات فهي تسجد، ولكننا لا نعرف هذه الكيفية.

стр. 1160

تسبيح الكائنات وهناك عبادة التسبيح: يقول ﵎: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [الإسراء:٤٤]. فالله يقول: (تُسَبِّحُ)، إذاً: هي تسبح، فلا يليق بمؤمن أن يسمع قول الله ﵎: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ) ويقول: إنها لا تسبح، وأما تفسير من يقول: إن من رآها قال: سبحان الله، فهذا كلام فاشل، وهو مضاد لقول الله: (تُسَبِّحُ). وقوله تعالى: (وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)، نفى هنا معرفة كيفية التسبيح. وأما لماذا لا نفقه تسبيحهم فلأنها بخلاف لغتنا، والله امتن على سليمان بنعمة خصه بها على سائر الناس فقال: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ داودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل:١٦]، فسليمان ﵇ فهم كلام النملة، ولم يكن هذا مجازاً بل كان حقيقة قطعاً. والهدهد حينما أتى وخاطبه وحصل بينهما هذا الحوار، هل كان هذا بالإشارة أو بالرموز أم أنه كان حقيقياً؟ الجواب كان كلامه حقيقياً. إذاً: الهدهد يتكلم، والنمل يتكلم، وإمكانيتكم لا تسمح لكم بالتقاط وفهم هذا التسبيح. وعبر عنها هنا بضمير العاقل، ولم يقل: (ولكن لا تفقهون تسبيحها) أي: الكائنات، وإنما أعاد عليها ضميراً من يعقل؛ لأنه أسند إليها فعل العاقل وهو التسبيح، ولذلك قال: (وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ). وكذلك أطلع الله داود ﵇ على تسبيح الجبال والطير، وداود ﵇ كان يقف موقفاً مهيباً عظيماً عجيباً حينما يسبح الله ، فكان يجاوبه كل شيء، حتى الطيور في السماء كانت تجيب وتردد خلفه، والجبال تشترك معه في هذا التسبيح، يقول ﵎ في سرد قصة داود ﵇: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ:١٠]. ولو كان تسبيحاً عادياً بمعنى أنه إذا رآها قال: سبحان الله لما اختص داود بهذا، وما الفرق بين داود وبين أي شخص آخر إذا رأى الجبال قال: سبحان الله؟ هذا إفساد لمعاني القرآن، ولذلك يقول تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ:١٠]، فهذا خطاب للجبال، ويقول تعالى: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٩]، ويقول: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ [ص:١٨] ولو كان المقصود بتسبيح الجبال أن من رآها قال: سبحان الله، هل يختص هذا بالعشي والإشراق أم هذا في كل وقت؟ الجواب في كل وقت، فتخصيص هذين الوقتين يدل على أنه تسبيح حقيقي، وأنها بالفعل تسبح الله . ويقول ﵎: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤]، أي: أن الحجر يهبط من خشية الله، ويقول ﵎: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ [مريم:٨٨ - ٩٢]. وسنرى في هذا البحث -إن شاء الله- أن هذه الكائنات تعرف الموالاة والمعاداة، وتحب أولياء الله، وتعادي أعداء الله. وقد أشرنا من قبل إلى أنه لا يبعد أن يكون ما حصل في الجبل المقطم هو من هذا، فإن الجبل اندك؛ لأن من كانوا بجانبه قد انفصلوا عن المسلمين الموحدين، وكان هؤلاء النصارى قد تمركزوا في هذا المكان قريباً من الجبل، والجبل ما تحمل، إذ كل فترة يسمع: المسيح بن الله، والأب والابن وروح القدس، فالجبل ما تحمل، وهذا لا يبعد أن يكون هو تفسير هذا الأمر، فأكل الخنازير، وعبادة غير الله، والنطق بالشرك، كل هذا مما يغضب الله، فلما تزيلوا عن الموحدين أنزل الله بهم هذا الجبل الذي لم يتحمل أن يسمع هذا الشرك، والله تعالى أعلم. وأيضاً علم الله كل كائن من هذه الكائنات كيفية التسبيح الخاصة به، يقول : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور:٤١] وهذه الصلاة ليست بالضرورة مكونة من ركوع وسجود وتكبيرة إحرام وتشهد وتسليمتين، وإنما هو تسبيح خاص ألهمها الله إياه، فقوله تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور:٤١]، يعني: أن الله علم صلاة كل شيء من هذه الكائنات وتسبيحها، أما دلالته على الرب فيعلمه عموم الناس، وهذا فيه إبطال من أول قوله تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور:٤١] بقوله: أي: علم الله صلاته وتسبيحه. ويقول ﵌ (ما تستقل الشمس -يعني: ما تشرق الشمس وترتفع- فيبقى شيء من خلق الله إلا سبح الله بحمده، إلا ما كان من الشياطين وأغبياء بني آدم)، حديث صحيح، صححه الألباني في السلسلة الصحيحة والحديث رقم (٢٢٢٤)، يعني: كل من لم يسبح الله في هذا الوقت فهو من أغبياء بني آدم، أو من الشياطين. ويقول ﵎: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٥]، يعني: بعد ما قضى الله بين الخلائق جميعاً بالحق والعدل ﵎، في تلك اللحظة نطق الكون بأجمعه، ولذلك كانت الإضافة هنا مجهولة فلم يضف القول إلى قائله، ففي تلك اللحظة بعد ما فصل الله بين الخلائق بالحق والعدل، واستقر حكم الله على أهل الجنة وأهل النار نطق الكون بأجمعه لله رب العالمين بالحمد في حكمه وعدله، ولهذا لم يضف القول إلى قائل، بل أطلقه فقال: (وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، فجميع الخلائق في هذه اللحظة تحمد الله لعدله وحكمته. وعن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنه ليستغفر للعالم من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر) رواه ابن ماجة انظر إلى الموالاة والحب في الله حتى الحيتان في البحر تستغفر للعالم. وفي الترمذي زيادة: (حتى النملة في جحرها لتستغفر هي الأخرى لمعلم الناس الخير)، وهل يمكن أن نستبعد هذا أو نستغربه بعدما سمعنا الله تعالى يحكي عن هذه النملة عبارة في قمة الفصاحة، وفي أعلى مراتب البيان على وجازتها، حيث قال : ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨]؟ وفي هذا اعتذار عن سليمان ﵇؛ لأن سليمان ﵇ لا يمكن أن يتعمد أذية النمل، لكن قد يقتله هو وجنوده دون أن يشعروا، فهذا اعتذار في غاية التأدب مع نبي الله ومع جنوده وأصحابه.
следующие страницы →